رواية ارض زيكولا الحلقة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشره والرابعة عشرة والخامسة عشرة بقلم عمرو عبد الحميد - النجم المتوهج The glowing star

بحث هذه المدونة الإلكترونية

Translate

المتابعون

2023/05/22

رواية ارض زيكولا الحلقة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشره والرابعة عشرة والخامسة عشرة بقلم عمرو عبد الحميد

رواية ارض زيكولا الحلقة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشره والرابعة عشرة والخامسة عشرة بقلم عمرو عبد الحميد

رواية ارض زيكولا الحلقة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشره والرابعة عشرة والخامسة عشرة بقلم عمرو عبد الحميد

 ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​ ‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​ ​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏ ​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​‏​​‏​​‏​​‏​​‏​​

لم يتمالك خالد نفسه من الفرحة , و كأنه لا يصدق أذنيه .. و شعر بأن ما قالته أسيل يجعله يرقص فرحاً .. ثم نظر إلى أسيل :


- ست شهور ؟!


ردت أسيل :- نعم .. إن أنجبت ذكراً ..


قال فى فرحة , و هو ينظر إليها :


- أنا متأكد إنه هيكون ذكر .. عارفة ليه ؟


أسيل :- لماذا ؟!


(( لأنك وش السعد عليا .. أحلى حاجة حصلت لى فى زيكولا .. )) : قال تلك الكلمات , و قد غطت السعادة وجهه .. ثم تحدث إلى نفسه :


- ست شهور .. يارب يكون ولد .. ثم نظر إلى أسيل :


- متتخيليش أنا فرحان أد إيه .. أنا نفسى زوجة الحاكم تولد النهاردة قبل بكرة .. فعادت أسيل إلى ابتسامتها الرقيقة بعدما شعرت بسعادة خالد بهذا الخبر .. و قالت :


- أنا أيضا سعيدة لأنك تشعر بالسعادة .. كنت أعلم أنك ستكون سعيداً هكذا ..


ابتسم خالد ثم نظر عبر نافذة العربة إلى السماء المظلمة .. و التى كان بها نجم مميز فى تلك الليلة .. يضئ منفرداً بها و مبتعداً عن مجموعة نجوم أخرى .. ثم طلب من أسيل أن تنظر إلى ذلك النجم الذى أشار إليه :


- شايفة النجم اللى هناك ده ..


ردت أسيل :- نعم .. إنه وحيد و مميز ..


فضحك :- أنا هسميه أسيل .. ثم صمت و تحدث بعد لحظات :


- لو رجعت لبلدى يوم .. أكيد هلاقى النجم ده فى السما .. 


ضحكت أسيل :


- أرى أن الفرحة جعلتك شاعراً ..


فضحك خالد مكملاً حديثه مداعباً لها:


- أكيد النجم مش فى جمال أسيل .. بس هو جميل و مميز زى ما أسيل جميلة و مميزة ..


فاحمرّ وجهها خجلاً .. و صمتت, و ظلت تنظر إلى خالد الذى صمت هو الآخر , و كأنه هام بفكره .. و سرح بين أحلامه .. 


***


كانت العربة تسير مسرعة , و خالد و أسيل بداخلها يتحدثان أحياناً .. و يصمتان أحايين أخرى .. و ظلا هكذا حتى وصلت العربة إلى البحيرة .. و توقفت هناك , و نزل خالد ثم تحدثت إليه أسيل :


- الأسبوع القادم سنذهب إلى المنطقة الجنوبية ..


فابتسم, و أومأ برأسه موافقاً .. ثم أكملت :


- أمامك سبعة أيام .. عليك أن تعود إلى عملك هنا .. لا تضيع وقتاً دون عمل ..


فسألها مندهشاً :


- و عملى كمساعد ليكى ؟!


فابتسمت :


- إن احتجت مساعدتك لى هذا الأسبوع فلن أتردد فى هذا .. و لكن هنا يساعدنى الكثيرون .. ثم تابعت :


- أترك لك المساعدة فى المناطق الأخرى .. و لذا أمامك أيام لا تضيعها بالجلوس على شاطئ البحيرة .. اذهب إلى عملك مع صديقك يامن , و أجلب الكثير من الأجر ..


فابتسم خالد .. و هز رأسه موافقاً .. 


***


تحركت العربة مجدداً .. و خالد ينظر إليها حتى اختفت عن أنظاره .. ثم اتجه إلى شاطئ البحيرة .. أما العربة فواصلت تحركها فى أحد الشوارع المُنارة بالنيران حتى توقفت أمام بيتٍ كبير .. تبدو من واجهته الفخامة و الثراء , و له باب ضخم .. و نزلت أسيل , و دلفت إلى داخل البيت المضاء بالشموع , و الذى امتاز بسقفه العالى , و جدرانه المنقوشة من الداخل , و الأثاث الخشبى و النحاسى المُطعّم بماء الذهب .. ثم صعدت السلم الداخلى , و اتجهت إلى حجرتها.. و ألقت بنفسها على السرير المتواجد بها .. ثم نهضت مجدداً , و جلست أمام مرآة كبيرة .. و ابتسمت برقة و هى تنظر إلى صورتها المنعكسة , و إلى شعرها الأسود الناعم الطويل الذى بدأت تتحسسه بيدها من الأمام إلى الخلف .. بعدها هامت للحظات , و بدأت تتحدث إلى نفسها : 


- ما سر هذا الشعور بداخلك ؟ .. و أى شعور هذا ؟! 


:- هل هو سعادة أم حزن ؟


ثم نظرت إلى صورتها مجدداً بالمرآة .. و تحدثت إليها :


- لماذا حزنتى حين علمتى بقرب خروج خالد من زيكولا ..


:- لا .. أنا لم أحزن ..


:- لا , حزنتى .. نعم حزنتى ,ثم سألت صورتها :


- هل تحبينه ؟!


صمتت قليلاً ثم أجابت نفسها :


- لا أعلم .. إننى لم أعرفه سوى أيام قليلة ..


:- و لكنك أحببته ..


:- ربما أحببت حديثه و جرأته ..


:- أو ربما أعجبنى اختلافه عن باقى رجال زيكولا البُلهاء .. البخلاء , الذين لا يفكّرون إلا فى جمع ثروة تفديهم من الذبح .. حتى أنهم يخافون أن يفكّروا و يستخدموا ذكاءهم , فيقلل ذلك من ثروتهم .. نعم يعجبنى أنه يختلف عن غيره ..


ثم قامت , و تحركت إلى نافذة الحجرة .. و أزاحت ستارها , و نظرت إلى السماء , و ابتسمت حين رأت النجم الذى سمّاه خالد .. أسيل .. و ظلت تنظر إليه كثيراً ثم قالت :


- و لكنه سيرحل ..


***


فى اليوم التالى اتجه خالد إلى عمله القديم .. و هناك وجد يامن فصافحه , و بدءا يعملان معاً بتقطيع الحجارة .. و اندهش يامن من تلك السعادة التى بدت على وجهه , و ما تبعها من حماسةٍ فى عمله فسأله :


- خالد أراك سعيدا اليوم .. هل هناك خطب ما ؟.. هل وجدت كتابك ؟ ..


ضحك خالد :


- لا .. و لكن فيه خبر فرحنى .. ثم أكمل :


- احتمال أخرج من زيكولا بعد ست شهور بس ..


يامن فى دهشة :- ستة أشهر فقط ؟! .. كيف ؟!!


ابتسم خالد :


- يوم زيكولا احتمال يكون بعد ستة أشهر بس ..


يامن و هو لايصدقه :- ماذا تقول ؟ .. يتبقى أحد عشر شهراً على ذلك اليوم .. 


خالد :- لا يا صديقى .. أنا هقولك سر عرفته ..


ثم أخبره بأن زوجة الحاكم ستضع مولوداً بعد ستة أشهر .. و أن أسيل أخبرته بذلك فابتسم يامن :


- أنا سعيد لك يا خالد .. و لكننى كنت اتمنى أن تبقى هنا ..


ضحك خالد :


- أنا بحبك جداً يا يامن .. بس نفسى أرجع لبلدى .. ثم نظر إليه حائراً :


- بس لو خرجت من زيكولا هعمل أيه ؟ ..عشان كدة لازم ألاقى كتاب سرداب فوريك قبل الست شهور الباقيين ..


فابتسم يامن :


- اتمنى أن تجده .. و أن تحقق ما تريد .. ثم تابع :


- إن أطفال زيكولا سيكونون محظوظين هذا العام إن أُقيم يوم زيكولا ..


فنظر إليه خالد , و كأنه يسأله عن السبب .. فأكمل يامن :


- إنهم سيشاهدون لعبة الزيكولا بعدما لم يشاهدوها المرة السابقة حين هرب الفقيران ..


خالد فى دهشة :


- لعبة الزيكولا ؟!


رد يامن :- نعم .. ثم تذكر أنه لم يحدّث خالد عنها من قبل .. فأكمل حديثه :


- لم أخبرك بها سابقاً .. إنها اللعبة التى يُقال إن أرض زيكولا قد سُميت بهذا الاسم نسبة لها .. هى فى الحقيقة ليست لعبة .. إنها منافسة .. و ينتظرها الجميع هنا .. فهى ما تحدد الأفقر بالمدينة ..


سأله خالد :- ازاى ؟!


أجابه :


- قبل يوم زيكولا بعدة أيام يقوم الجنود بجمع الأكثر مرضاً و شحوباً بالمدينة .. يجمعون الكثيرين من الناس .. و هناك يحدد الأطباء من هم الفقراء و من هم المرضى حقاً .. حتى يتبقى منهم عدد قليل .. و هنا يأتى دور أسيل الطبيبة .. و هى من تحدد الثلاثة الأكثر فقراً .. ثم يأتى دور لعبة الزيكولا فى اليوم السابق للذبح .. أى يوم فتح باب زيكولا ..


و صمت قليلاً , و ضرب صخرة بفأسه .. ثم أكمل حديثه :


- لعبة الزيكولا تكون أمام الجميع .. و هى ببساطة قرص خشبى يدور بسرعة معينة , و به ثلاثة أسهم تنطلق من ذلك القرص .. و يقوم نحّاتو زيكولا بنحت تمثال لكل فقير من الفقراء الثلاثة .. و يوضع هذا التمثال على بعد أمتار أمام قرص السهام .. و على كل فقير أن يختار ثلاثة أماكن بتمثاله كى يحميهم من السهام ..


:- من يصيبه أكبر عدد من السهام يكون هو الفقير المختار .. و هكذا لا يُظلم أحد فى زيكولا .. 


فسأله خالد :


- و مين اللى اخترع اللعبة دى ؟


رد يامن :- لا أعلم فقد وجدناها منذ وُلدنا .. إنها تجعل كل فقير مسئولاً عن حياته و عن قدره .. ربما يكون هناك فقير قد أُختير أيام كثيرة من أيام زيكولا .. و لكنه ينجح فى اجتياز لعبة الزيكولا .. و هذا قدره ..


فقاطعه خالد :


- هى سهلة اللعبة دى ؟


يامن :- فى الحقيقة أراها أسهل ما يمكن .. و الكثير منا يتنبّأ بالأماكن التى تصيبها السهام .. و لكن حين يصيبك الغباء فإنك لا تستطيع تحديد تلك الاماكن .. و تحمى مناطق أخرى من تمثالك .. ثم تابع :


- عليك أن تحافظ على ذكائك حتى تجد كتابك , و ترحل عن هنا .. و لذا هيا .. واصل عملك .. ثم ابتسم و أكمل :


- ما رأيك فى منافسة كبيرة فى تكسير الصخور أيها السعيد ..


***


مرت الأيام يوماً بعد يوم .. و خالد يذهب إلى عمله لتقطيع الأحجار .. و يعود إلى البحيرة ليلاً , و يجلس أمامها لبعض الوقت ثم يغلبه النعاس متأثراً بإرهاقه .. أما أسيل فكانت تواصل عملها فى مداواة المرضى .. ثم تعود إلى غرفتها , و تظلّ تنظر إلى السماء عبر شرفتها .. تبحث عن ذلك النجم .. أسيل .. و عمدت ألا تذهب إلى البحيرة فى تلك الأيام حتى تتأكد من حقيقة مشاعرها تجاه خالد .. و رغم الصراع الذى كان يشتعل بداخلها ما بين الرغبة فى الذهاب إلى هناك أو المكوث بحجرتها .. إلا أنها فضّلت البقاء بحجرتها .. حتى مرّ الأسبوع , و جاء يوم ذهابها إلى المنطقة الجنوبية .. فاتجهت بعربتها إلى البحيرة حيث كان خالد فى انتظارها .. فسألته فى ابتسامة :


- مساعدى .. هل أنت مستعد للعمل ..


فابتسم خالد :


- أجل .. 


***


ركب خالد العربة مع أسيل .. و بدأت العربة فى التحرك فسألته بعدما وجدت بعض الأورق تظهر بين أغراضه :


- ما هذا ؟!


فابتسم خالد :


- فكرت إنى أسجّل بعض الأحداث هنا فى زيكولا ..


فابتسمت و سألته :


- و ماذا كتبت ؟


فضحك :


- فى الحقيقة مكتبتش إلا حاجات قليلة ..


فجذبت أسيل الأوراق .. و قالت :


- سأرى ماذا كتبت حتى الآن .. 


حتى وجدت تلك الكلمات التى كتبها عنها خالد .. و أنها حورية زيكولا فأحمرّ وجهها .. و نظرت إليه بطرف عينها دون أن تنطق .. فشعر خالد بالحرج بعدما قرأت كلماته و ضحك مداعباً لها :


- لا .. دى أسيل نجمة السما .. فضحكت ثم قالت :


- أننى لم أقل شيئاً .. ثم صمتت .. و بدأت تقرؤها من جديد .. و ظلّت تقرأها , و تكررها أكثر من مرة فى سرها .. حتى قاطعها خالد :


- أنا عرفت عن لعبة الزيكولا ..


فسألته :- ألم تكن تعرف عنها حتى الآن ؟ 


رد خالد :- لا .. اللى كنت أعرفه أنك مسئولة عن اختيار أفقر ثلاثة بالمدينة ..


أسيل :- نعم .. فأنا طبيبة الحاكم ..


فسألها خالد :- أنتى بتعرفى الأفقر ازاى ؟


ضحكت أسيل :


- إجابتى كلمة واحدة .. الخبرة .. ثم أكملت :


- حين ينتهى أطباء زيكولا من عملهم .. يتبقى عدد قليل اختار من بينهم الأفقر .. قد يكون هناك المريض حقاً , و بالطبع إن شككت بذلك ؛ أعدته إلى دياره , و لى الحق فى ذلك دون أن يراجعنى أحد .. أما الفقراء فشحوبهم مميز .. و استطيع بخبرتى أن أميّز الأفقر منهم ..


فسألها خالد :


- و هنا الفقير بيكون يمتلك كام وحدة ذكاء تقريباً ؟ 


أسيل :- إنها مسألة نسبية .. قد يمتلك شخص عشر وحدات , و يكون هناك من يمتلك أقل منه .. و قد يمتلك ألف وحدة و لكنه يكون الأقل فيكون الأفقر ..


فضحك خالد .. و سألها مجدداً :


- أنتى تقدرى تعرفى أنا امتلك كام وحدة ؟


فابتسمت أسيل ثم وضعت يدها على جبينه .. ثم ردت :


- تمتلك ما بين ثمانمائة و تسعمائة وحدة ..


فنطق خالد خائفاً :


- بس ؟!!!


ابتسمت أسيل كى تطمئنه :- إنه ليس بالقليل ..


خالد :- و لكن الكل هنا بيقول عليا غنى ..


أسيل :- نعم .. و لكن هنا من يخبرك بأنك غنى يعنى فقط أنك لست فقير ..


:- عادةً الفقراء هنا يمتلكون مائة وحدة أو أقل .. و عليك أن تتخيل كيف يصلون إلى تسعمائة وحدة إن كانوا يوفرون باليوم بعد احتياجاتهم الضرورية وحدة أو وحدتين .. قد يحتاجون عاماً أو اثنين أو ثلاثة كى يصلون إلى ذكائك , فى الوقت الذى تكون أنت به قد ضاعفت ذكاءك , و أصبحت تمتلك ضعف تلك الوحدات إن عملت بجد فى تلك الفترة من الزمن .. و هكذا تظل غنياً فى نظرهم ..


فتذكر خالد شيئاً و سألها :


- و لكن الفقير اللى ذُبح المرة اللى فاتت كان بيمتلك بيت ضخم .. ازاى يكون فقير ؟ . و كان ممكن يبيعه مقابل ثمن كبير ؟!


ردت أسيل :- ربما حاول أن يبيعه بالفعل .. و لكن ماذا لو لم يتقدم أحد لشرائه .. بالطبع سيفقد قيمته وقتها .. ثم أكملت :


- حين يقترب يوم زيكولا يخشى الجميع أن يُفرّطوا فى وحدة واحدة من ذكائهم .. ربما إن علموا بخبر مولود الحاكم فلن يشترى أحد أى شئ حتى ذلك اليوم ..


بعدها سألها خالد مداعباً لها :


- و أسيل الجميلة تمتلك كام وحدة ؟.


ضحكت أسيل :


- أسيل تمتلك الكثير .. أكثر مما تتخيل ..


***


مر الوقت , و سائق العربة يأمر الحصان أن يسرع .. و خالد و أسيل يكملان حديثهما بداخل العربة .. حتى وصلت العربة إلى المنطقة الجنوبية .. و نزل خالد من العربة حاملاً أغراضه و حقيبة أسيل .. فوجد تلك المنطقة تختلف عن المنطقة التى يقطن بها و عن منطقة الحاكم .. فكانت مبانيها صغيرة .. تتكون من طابق واحد .. و كانت المبانى قليلة و متلاصقة .. و الشوارع بها الكثير من الأحصنة و الحمير , و ما نتج عن ذلك من روث الحيوانات .. ثم نظر فوجد آلات زراعية قديمة .. حتى تحدثت أسيل قائلة :


- لا تندهش .. إنها المنطقة الجنوبية , منطقة الزراعة بزيكولا .. الجميع هنا مزارعون و يعملون بأراضيهم .. و يمدون زيكولا بالقمح و الأرز و باقى المحاصيل .. و كل أنواع الفاكهة ثم أكملت :


- اليوم ستساعدنى .. لن تستمع بالراحة كيوم منطقة الحاكم ..


فابتسم خالد :


- حاضر


***


سارت أسيل و معها خالد يحمل حقيبتها فى أحد شوارع تلك المنطقة .. ثم دخلا أحد البيوت .. و كان كباقى البيوت ؛ مكوناً من طابق واحد لا أكثر .. و هناك استقبلتهما سيدة تقترب من الخمسين من عمرها ثم صحبتهما إلى حجرة بالبيت حيث كان يرقد زوجها , و ساقه اليسرى مضمدة .. فنظرت أسيل إلى خالد :


- خالد .. أريدك أن تساعدنى بأن أبدّل له تلك الضمادة دون أن أحرّك الجبيرة أو أسبب له ألماً ..


فأومأ برأسه ثم قام برفع قدم هذا الرجل و ثبتّها على ذراعيه , و بدأت أسيل تفك الضمادة القديمة .. و خالد ينظر إلى ما تفعله حتى أخرجت ضمادة جديدة من حقيبتها .. ثم أخرجت مادة عشبية خضراء اللون و لزجة .. و وضعت القليل منها على ساق هذا الرجل ثم بدأت تلف الضمادة حول جبيرة ساقه .. و سألها الرجل :


- متى أعود إلى عملى .. 


فأجابته :


- إن عظام ساقك لم تلتئم بعد .. إنها مازالت تؤلمك , أليس كذلك ؟


رد الرجل :- بلى .. و لكن يجب أن أعمل .. لم أعمل منذ شهر .. و أشعر أن ثروتى تقل .. علىّ أن أعوّض ذلك ..


أسيل و قد ابتسمت :- عليك أن تصمد حتى تلتئم عظامك ثم تعوّض ما فاتك من عملٍ فى أيامك القادمة و نظرت إلى خالد :


- هل رأيت يا خالد كيف ألُفّ تلك الضمادة ؟


خالد :- أيوة .. دى سهلة ..


أسيل :- حسناً .. عليك أن تكملها حتى أعود إليك .. هناك فتاة مريضة سأطمئن على حالتها و أعود ..


خالد و قد تحدث مثلها :- حسناً ..


بعدها طلب خالد من الرجل أن يثبّت قدميه فى وضعهما .. ثم بدأ يكمل لف الضمادة حول ساقه كما كانت تفعل أسيل فرأته أسيل يفعلها ببراعة فتركته , و غادرت كما أخبرته .. و ظل خالد مع الرجل المصاب يلف الضمادة حتى انتهى .. ثم سأل الرجل :


- أنت عايش مع زوجتك فقط ؟


رد الرجل :- نعم ..


خالد :- و أولادك فين ؟!


رد الرجل فى حزن :


- إنهم كبار الآن .. لقد تركونى بعدما قسّمت عليهم أرضى ..


خالد فى دهشة :- قسّمت عليهم أرضك ؟


الرجل :- نعم .. فقد أجبرونى على ذلك .. و تعدّوا علىّ أكثر من مرة .. و أقسموا أن يقتلونى إن لم أعطيهم تلك الأرض .. ثم تابع :


- إنهم مثلنا يخشون الفقر .. و بعدما أخذوا ما أرادوا تركونى ..


فهمس خالد إلى نفسه :


- لا رحمة فى زيكولا .. 


حتى فوجئ بامرأة تدخل فجأة .. و تصرخ سائلة :


- أين الطبيبة أسيل .. أين الطبيبة أسيل ..


رد خالد :


- إنها ستأتى بعد قليل .. لماذا تريدينها ؟!


أجابت المرأة و هى تبكى :- إن ابنى قد مرض فجأة .. و يبدو أن مرضه شديد , و أخشى أن يموت قبل أن تأتى الطبيبة .. 


فنطق الرجل , و أشار إلى خالد :


- إنه مساعدها .. و يبدو أنه ماهر مثلها ..


فنظر اليه خالد و قد رفع حاجبيه :


- لا .. أنا مش ماهر .. أنا مش طبيب ..


فجذبته السيدة :


- أرجوك .. سأعطيك كل ما تريد .. أريد أن يعيش ولدى ..


و ظلت تجذبه و تتوسّل إليه .. و خالد يحاول أن يقنعها بأنه لا يعرف عن الطب شيئاً .. و لكنها لم تصدقه فلم يجد إلا أن يذهب معها كى تهدأ .. ثم طلب من الرجل أن يخبر أسيل - حين تعود - عن مكانه ..


***


ذهب خالد مع تلك المرأة , و التى كانت تجرى حافية القدمين .. و تجرّ خالد و تصرخ :


- لقد كان صحيحاً .. إنه لم يمرض من قبل .. 


حتى وصلا إلى بيتها , و الذى كان بسيطاً , و يوجد بمنتصفه حوضٌ كبيرٌ ملئٌ بالماء .. ثم دخلا إلى حجرة صغيرة كان يرقد بها الطفل فاقداً وعيه على سرير صغير .. و خالد لا يعلم ماذا يفعل .. و يحاول أن يقول أنه مازال مساعداً جديداً لأسيل , و لكنها لا تدع له فرصة أن يقول شيئاً .. و تصرخ :


- إن ابنى سيموت .. إنه لم يكمل العشرة أعوام .. 


و خالد يقف حائراً .. و ينظر إلى الطفل دون أن يتحرك .. و المرأة تصرخ :


- إنه يعمل بجد .. لا يمر يوم إلا و يعمل رغم سنه الصغيرة .. لا تهمه حرارة الشمس .. كل ما يهمه هو عمله ..


حتى نظر خالد فجأة إلى الطفل حين سمع صرخات أمه .. و تذكر أن شمس هذا اليوم كانت شديدة .. و اقترب من الطفل فوجد جلده جاف للغاية .. و حين لامس جبينه وجده ساخناً بشدة , و وجد الطفل يهذى بكلمات غير مفهومة .. فقام بحمله, و اتجه به إلى ذلك الحوض الذى يوجد بمنتصف البيت .. و وضعه به بملابسه , و اندهشت أم الطفل مما فعله خالد .. و لكنها تركته يمضى فيما يعمله حتى سألها :


- فيه مياه أبرد من مياه الحوض ؟!


فردت :- لا .. و لكننى قد اشترى ماءً بارداً من جيرانى .. ثم خرجت مسرعة فأكمل خالد عمله , و أخرج الطفل من الماء ثم وضعه مرة أخرى به .. حتى عادت أمه , و معها من تحمل أوعية بها ماء بارد , و سكبته بالحوض .. ثم أمرها أن تقوم بفتح نوافذ البيت :


- أريد أن يدخل الهواء البارد إلى هنا ..


فأسرعت الأم إلى النوافذ تفتحها بعدها أخرج الطفل من الماء و جرّده من ملابسه .. و وضعه على أرضيّة باردة , و تركه لفترة و لا يعلم ماذا يفعل غير ذلك .. و هل ما فعله صحيح أم لا ..


***


مرّ بعض الوقت , و خالد ينتظر أن تأتى أسيل .. و لكنها تأخرت , و ظل هو بجوار الطفل و الذى مازال فاقداً لوعيه , و أمه مازالت تصرخ .. و يحاول أن يهدأ من روعها , و لكنه فشل فى ذلك .. حتى أتت أسيل , و وجدت خالد يجلس على ركبيته بجوار الطفل الذى يرقد عارياً على أرضية الحجرة .. فسألته فى لهفة :


- ماذا فعلت ؟.. لماذا تضعه على الأرض هكذا ؟! .. و ماذا بلّل هذا الفتى ؟!!


فأجابها :


- كان سخن جداً .. و شكّيت إنه تعرض لضربة شمس ..


فبدأت أسيل تفحص الطفل .. و الأم مازالت تبكى بجوارها .. حتى فوجئت بالطفل يفتح عينيه , و يبحث عن أمه قبل أن تقوم أسيل بعمل أى شئ , فوضعت أسيل يدها على جبينه .. ثم سألت خالد .. هل كانت حرارته مرتفعة عن ذلك ؟.. فوضع خالد يده فوجد حرارته قد انخفضت و لم يعد ساخناً كما كان .. فابتسم فرحاً :


- أيوة .. كان سخن عن كدة كتير ..


فابتسمت أسيل ثم نظرت إلى أمه :


- إنه بخير الآن .. 


ثم أخرجت زجاجة من حقيبتها .. و أعطتها لأمه و أمرتها بأن تعطيه منها كل يوم حتى يصبح صحيحاً .. فشكرتها على ذلك ثم اتجهت إلى خالد و شكرته .. و أخبرته بأنه طبيب بارع فضحك خالد :


- أنا مش طبيب .. صدقينى ..


فسألته :


- كم تريد ؟


رد خالد :- لأ .. أنا مش عايز حاجة .. ثم نظر إلى أسيل :


- أعطى أجر الطبيبة فقط ..


فقالت أسيل :


- لا, أنا لن آخذ شيئاً سوى ثمن الدواء .. أما غير ذلك فهو لك .. لست أنا من أنقذه ..


فابتسم خالد :


- و أنا مش عايز أى مقابل .. كفاية إنّك اشتريتى الميه الباردة ..


فشكرته السيدة مجدداً.. ثم تأملته لبعض الوقت , و ظلت صامتة حتى اندهش خالد .. و غادر بعدها مع أسيل , و التى سألته : 


- خالد .. هل أنت طبيب ؟!


ضحك خالد :- لا .. و الله ..


فسألته :- كيف ؟! .. فى المرة الأولى أنقذت الفتى من الغرق و قلت أنها دورة اسعافات .. و اليوم ربطت الضمادة ببراعة .. ثم أنقذت طفلاً آخر , لم أكن استطيع فعل ما فعلته ..


رد خالد :


- هى الصدفة فقط لا غير .. أنا كنت صغيّر و كنت بلعب مع أصحابى .. و فجأة ولد أغمى عليه مننا , و كان سخن زى الطفل ده .. و وقتها شفت الطبيب و هو بيعمل شبه اللى أنا عملته كدة , و قال إنها ضربة شمس .. فلما لقيت النهاردة الطفل , و أمه قالت بالصدفة إنه بيعمل فى الشمس .. افتكرت نفس المشهد القديم فى بالى .. و لما اتأخّرتى قررت إنى اغامر لحد ما تيجى .. و قلت لنفسى أكيد مش هخسر حاجة بالعكس يمكن الدقائق دى تفرق فى حياته .. و الحقيقة مكنتش عارف النتيجة ..لكن التوفيق كان معايا و الولد فاق فعلاً ..


صمتت أسيل ثم قالت مبتسمة :


- يعجبنى ذكاؤك يا خالد .. اليوم أثبت أنك خير مساعد لى .. و لكن لماذا لم تأخذ أجرك هنا أيضاً من السيدة , و أنت تستحق ذلك ..


ابتسم خالد :- ده عمل خير .. و كان لازم أعمله , مش كل حاجة لازم آخد مقابل لها .. هى زيكولا مفيش فيها حد يعمل خير أبداً ..


ضحكت أسيل و أكملت :


- كان يجب أن تأخذه .. فإنك قد استخدمت ذكاءك , و الذكاء ثروتك , و حين تفكّر بذكاء بالطبع يأخذ من تلك الثروة .. 


فابتسم خالد :


- أنا عرفت ليه مفيش حد بيفكّر فى زيكولا .. و لكن أنا مش محتاج مقابل لانقاذ انسان ..


فقالت أسيل مبتسمة :- حسناً , يمكنك أن تذهب الآن لتبحث فى تلك المنطقة عن كتابك .. و أنا سأزور بعض المرضى من السيدات ثم انتظرك فى العربة حتى تعود ..


***


بدأ خالد بحثه فى تلك المنطقة .. و اندهش حين تذكّر حديث يامن عن كِبَر زيكولا .. فمناطقها ليست كبيرة كما صوّرها له .. و لكنها تحتاج فقط إلى وسيلة تنقله من منطقة إلى أخرى ..


كانت المنطقة الجنوبية تمتاز بكثرة الأراضى الزراعية .. و التى مرّ عليها خالد , و رأى المساحات الشاسعة المزروعة بالقمح , و محاصيل أخرى .. و اندهش كيف تكون تلك الزراعات بالأراضى الصحراوية ؟ .. و لكنه تذكّر شيئاً هاماً لم يغفله و هو عمل أهل زيكولا الذى يجعلهم يزيلون جبلاً إن أرادوا حتى لا يذبحوا .. و بدأ يسأل الناس عن ذلك الكتاب , و عن الشخص الذى يشبهه و لكنه يكبره سناً .. و لكنه كما توقّع .. كلما سأل أحداً لم يجبه , و لم يعرف عن أى كتاب يتحدث .. و سخر منه البعض حين سمعوه يسألهم عن ذلك الكتاب .. و لكنه لم يستسلم لليأس , و واصل سؤاله لكل من يقابله .. و سأل من يعملون بالأراضى عن الكتاب و عن صاحبه , و لكنهم لم يعرفوا أيضاً .. حتى جلس أسفل شجرة , و أخرج أوراقه و قلمه من أغراضه .. و كتب فى أعلى الصفحة :


- المنطقة الجنوبية ..


ثم كتب أسفلها :


يبدو أن المنطقة الجنوبية هى الأخرى لا يوجد بها ذلك الكتاب أو صاحبه .. و لا يعلم أحد من أهلها عن سرداب فوريك .. أما ما أدهشنى فى تلك المنطقة هو اهتمامها المميز بالزراعة .. و عدم اهتمامها بغيرها ..


هنا كباقى مناطق زيكولا التى رأيتها .. الكل يعمل بجد , و لا يضيعون وقتهم .. فصنعوا من الصحراء تربة خصبة .. و هذا ما جعلنى أعرف لماذا لا تحتاج زيكولا أن يُفتح سورها .. إنها تعتمد على أبناء زيكولا فى كل شئ .. و لا تعتمد على البلاد الأخرى فى شئ .. هنا المنطقة الجنوبية تنتج المحاصيل الزراعية التى تكفى زيكولا .. و المنطقة الشرقية التى أقطن بها تمتاز بالصناعة , و خاصة الصناعات التى تحتاجها زيكولا مثل صناعة الطوب للمبانى , و صناعة الملابس , و صناعات أخرى .. و المنطقة الغربية كما أخبرنى يامن توجد بها سوق كبيرة يمكنك أن تشترى أى شئ من صناعة و إنتاج أبناء زيكولا ..


إنهم يحققون اكتفاءً ذاتياً فى كل شئ بسبب عملهم , و خوفهم من الفقر .. و هذا ما جعلهم يشعرون بأن زيكولا أقوى البلدان الموجوة فى هذا العالم .. و اعتقد أننى أوافقهم على ذلك .. فقوّتهم تعنى عدم اعتمادهم على أحد .. حتى توّقف عن الكتابة حين وجد السيدة التى أنقذ طفلها تقترب منه .. فاندهش من ذلك , حتى اقتربت و سألته :


- هل تبحث عن رجل طويل و عريض مثلك , و لهجته غريبة مثلك أيضاً , و لكنه أكبر سناً ؟!


فأجابها خالد فى لهفة :


- نعم .. أنتى تعرفيه ؟


أكملت السيدة :


- لقد ذكرتنى اليوم بيومٍ مرّ منذ أعوام طويلة .. كنت وقتها فى السابعة عشرة من عمرى , و كنت أعمل بالمنطقة الشمالية .. حتى قابلت رجلاً يشبهك , و لهجته مثل لهجتك , و زوجته كانت تختلف عن نساء زيكولا .. و قدّم إلى معروفاً مثلما فعلت اليوم .. و اقنعنى بأن أعود للعمل هنا ..


فسألها خالد فى لهفة :


- يعنى هو فى المنطقة الشمالية ؟


ردت :- لا أدرى أين هو الآن .. لكنه كان هناك منذ عشرين عاماً .. اتمنى أن تجده هناك ..


ثم ابتسمت و أكملت :


- حين انتهيت من إنقاذ ولدى تذكّرته حين رأيتك .. و بعدما غادرت أخبرنى رجل بأنك تبحث عن رجل غريب به تلك الصفات .. و لكنك سألت الكثير و لم تسالنى أنا ..


فقال خالد :


- أنا من خوفى على ابنك نسيت اسألك , ثم سألها :


- أنتى متأكدة من كلامك عن الرجل ده ؟


أجابته :- أجل .. إننى أتذكّره جيداً ..


فأكمل خالد :- كان معاه كتاب بيتكلم عن سرداب فوريك ؟


ردت :- لا أدرى .. فقد قلت لك عما أعرفه .. و لكن نصيحتى لك لا تضيع وقتك بالبحث هنا .. هنا الجميع يعملون بالزراعة و لا يحبون الكتب أو القراءة .. و أنا أعرف جميع سكان تلك المنطقة .. و لا يوجد بينهم من يمتلك صفات الرجل الذى تقصده .. اتمنى ان يكون هو من أخبرتك عنه ..


فابتسم خالد :


- شكرا ليكى .. أنا مش عارف أشكرك ازاى ..


ابتسمت :- لست أنا من يستحق الشكر .. إن لم تفعل ما فعلته مع طفلى فى الصباح أعتقد اننى لم أكن لأترك ابنى مريضاً , و أبحث عنك حتى أجدك لأخبرك بهذا ..


فابتسم خالد ثم استأذن منها , و غادر مسرعاً إلى عربة أسيل .. يجرى فرحاً , يريد أن يُبلغ أسيل بذلك الخبر , و ذلك الأمل الذى سطع من جديد .. حتى وصل إلى العربة فلم يجد أسيل بها ..


***


ظل خالد فى انتظار أسيل .. و يشعر قلبه بقرب خروجه من زيكولا , و يتذكر كلام تلك السيدة و يبتسم , و يحدّث نفسه بتلك الصدفة , و أن تكون من تخبره بذلك سيدة أنقذ طفلها من الموت .. ثم فكر فى ذلك الرجل الذى يشبهه , و زوجته كما قالت السيدة , و أنها تختلف عن نساء زيكولا .. هل هى أمه ؟ .. هل تتحقق أحلامه و يجدهما فى زيكولا ؟.. 


يشعر بأن حديث تلك السيدة يؤكد ظنونه .. ثم يعود ليسأل نفسه .. هل يجدهما هناك بعد عشرين عاماً, أم يكون الحظ عاثراً تلك المرة هى الأخرى .. حتى وجد أسيل تقترب من بعيد , و تحمل حقيبتها فأسرع إليها .. و أخذ منها الحقيبة , و سار بجوارها تجاه العربة .. ثم نطق سعيداً :


- أسيل .. أنا لقيت أمل جديد .. ثم أخبرها بما أخبرته به أم الطفل .. و اختتم حديثه حين ركبا العربة , و سألها :


- إحنا هنروح المنطقة الشمالية امتى ؟ 


فصمتت أسيل قليلاً ثم نظرت إليه , و قالت :


- أنا لا أذهب إلى المنطقة الشمالية ..


الحلقة الثانية عشر من رواية ( ارض زيكولا )


اندهش خالد و سأل أسيل على الفور :

- لا تذهبى ؟!! .. ليه ؟!!

صمتت أسيل مجدداً .. 

ثم نظرت عبر نافذة العربة التى بدأت فى التحرك , 

و كأنها تتذكر شيئاً ثم نظرت إلى خالد , 

و تحدّثت بصوتٍ هادئ :

- لقد أعطيت وعداً من قبل بألا أذهب هناك ..

- وعد ؟!!

ردت أسيل :- نعم .. تذكر أننى أخبرتك بأنى دخلت 

إلى زيكولا بين الأسرى و العبيد 

حتى اشترانى رجل حكيم علمنى الطب .. 

فأومأ خالد برأسه موافقاً دون أن يتحدث .. ثم أكملت :

- كان هذا الرجل يعاملنى كابنته , و يخشى علىّ من كل شئ .. حتى أخبرته ذات يوم أننى سأذهب إلى المنطقة الشمالية كى أداوى أحد المرضى حين طلب منى أحد الأشخاص ذلك .. ففوجئت به يرفض بقوة , و طلب منى أن أعده بألا أذهب 

هناك طيلة حياتى .. فوعدته بذلك ..

فسألها خالد :

- و أيه السبب ؟!

فاجابت :- حين سألته عن ذلك لم يقل لى سوى أنها 

أرض كسالى زيكولا .. و لم يخبرنى شيئاً آخر حتى موته .. 

و أنا مازلت أحافظ على وعدى .. 

و أنا على يقين أنه محق فى ذلك .. 

ثم تابعت بعد صمت :

- لم أجد فى حياتى من يحبنى قدره ..

صمت خالد مندهشاً , و بدا الحزن على وجهه .. 

و آثر أن يكمل صمته , و كأنه يفكر ماذا سيفعل .. 

حتى ابتسم , و نظر إلى أسيل و التى لم تفارق عيناها 

نجوم السماء :

- و أنا مش هكون سبب إنك تخلفى وعدك .. 

أنا بشكرك على مساعدتك لى الفترة اللى فاتت .. 

و أكيد مش هطلب منك أكتر من كدة ..

فردت أسيل فى ابتسامة هادئة :

- هل ستذهب إلى هناك ؟

فابتسم :

- أكيد .. لازم أذهب ..

فابتسمت أسيل مجدداً :- حسنا .. 

اتمنى أن تجد كتابك هناك .. 

و لكن إن لم تجده فعليك أن تعود إلىّ .. 

أقصد إلى العمل معى على الفور .. 

أين أجد مساعداً فى مهارتك ؟!

فضحك خالد :

- لمّا أرجع مصر هشتغل دكتور ..

ضحكت أسيل , و واصل خالد مداعبته لها .. 

و أكملا حديثهما عن أرض زيكولا , 

و عن الطفل الذى أنقذه من ضربة الشمس , 

و الرجل المصاب الذى ضربه أبناؤه , و أخذوا أرضه .. 

حتى وصلت العربة إلى البحيرة فنزل خالد , 

و ودّع أسيل التى سألته :

- متى ستذهب إلى المنطقة الشمالية ؟

فصمت مفكّرا : مش عارف .. هحاول يكون فى وقت قريب ..

فابتسمت :

- عليك أن تخبرنى قبل أن تذهب .. 

و إن كتبت شيئاً آخر عن أسيل .. النجم .. لابد لى أن اقرأه .. ثم أمرت سائق العربة أن يتحرك 

فضحك خالد ثم اتجه إلى الشجرة التى يجلس بجوارها دائماً ..


ظل خالد كعادته يفكر .. 

يفكر فيما أخبرته به أم الطفل و ذلك الرجل الذى يشبهه , 

و يتذكر الصورة التى أعطاها له جده يوم نزوله السرداب 

و ضاعت مع أغراضه هناك .. صورة أبيه و أمه .. 

تداعبه أحلام اليقظة بأن يعود مرة أخرى إلى بلده 

و معه أبوه و أمه بعد سنوات كثيرة .. 

و يبتسم حين يتخيل فرحة جده بذلك , و التى قد تقتله .. 

ثم يعود ليتذكر حديث أسيل .. 

و ذلك الوعد الذى أعطته بألاّ تذهب إلى المنطقة الشمالية .. و قولها بأنها أرض الكسالى .. و يسأل نفسه متعجباً .. 

كيف يعيش الكسالى بزيكولا ؟!!.. 

حتى غلبه النعاس بعدما حلّ به إرهاق ذلك النهار ..


مرّ الليل سريعاً .. 

و أشرقت الشمس , و نهض خالد من نومه , 

و قرر أن يذهب كعادته إلى عمله مع يامن .. 

يريد أن يعلم الكثير عن المنطقة الشمالية .. 

حتى وصل إلى هناك , 

و زاد ضيقه حين وجد من يأخذون منه وحدتى كل يوم , فأعطاهم ذلك .. ثم أكمل سيره حتى وجد يامن 

الذى سأله على الفور :

- هل وجدت كتابك ؟

فرد خالد :

- للأسف لسة .. بس فيه أمل إنى ألاقيه .. 

فيه امرأة قالت لى إنها قابلت رجل له نفس صفات صاحب الكتاب من عشرين سنة ..

يامن فى دهشة :- عشرون سنة ؟!! .. و تريد أن تجده !!

خالد :- هو صعب .. بس لازم اتمسك بأى خيط يدلنى 

على الكتاب .. عشان كدة لازم أروح المنطقة الشمالية ..

فاندهش يامن مجدداً :

- المنطقة الشمالية ؟!!

خالد : أيوة .. ثم سأله :

- أنت وعدت حد أنت كمان إنك متروحش هناك ؟!

فضحك يامن :

- لا .. لقد ذهبت إلى هناك مرة من قبل .. 

اتمنى إن ذهبت إلى هناك أن تعود سريعاً ..

فزادت الحيرة على وجه خالد :

- أيه اللى هناك ؟!

فجلس يامن ثم جلس خالد بجواره .. حتى تحدث يامن :

- أهل زيكولا يعلمون أن تلك المنطقة تختلف كثيراً 

عن باقى مناطق زيكولا ..

فسأله خالد , و كأنه لا يفهم شيئاً :- ازاى ؟!

أكمل يامن : سأخبرك .. أرض زيكولا هى أرض العمل .. الجميع هنا يعملون و يكسبون أجورهم مقابل عملهم .. 

أما تلك المنطقة فإنها تجمع كسالى زيكولا .. 

و لهذا ستجد صعوبة حين تذهب إلى هناك .. 

عليك أن تسأل كل شخص لأن الكثيرين منهم لا يعرفون بعضهم .. ثم أخذ نفساً .. و أخرج زفيراً , و أكمل :

- إنهم لا يعملون مثلنا .. 

إنهم يكسبون أجورهم بأعمال أخرى .. 

ثم صمت و أكمل :

- ستجد أهلها فئتين ؛ 

الفئة الأولى من الأثرياء الكسالى 

الذين ورثوا الكثير من الذكاء .. 

الكثير من الثروة التى تجعلهم يعيشون أثرياء , 

و ينفقون ببذخ حتى يموتون .. 

و فئة أخرى فقراء , 

يخشون الذبح و لا يريدون أن يعملوا عملاً شاقاً .. 

فوجدوا طرقاً أخرى يجنون بها ثروتهم ..

- هل ترى هؤلاء ؟ .. 

و أشار إلى من يأخذون تلك الوحدات مقابل حمايتهم ..

فرد خالد : أيوة ..

فأكمل يامن :

- إنهم من المنطقة الشمالية التى تريد أن تذهب إليها .. 

هم يعيشون هناك هكذا .. 

فضّلوا أن يستغلوا قوتهم فى كسب ثروتهم , 

فانتشروا فى باقى أراضى زيكولا .. 

أما النساء هناك فآثرن استغلال جمالهن ..

ثم صمت ,و نظر إلى خالد و أكمل :

- أنت تعلم كيف تجنى امرأة ثروة من جمالها دون تعب .. 

و خاصة و أن هناك الكثيرين من الأثرياء الكسالى .. 

إنها أرض الرزيلة يا صديقى ..


صمت خالد حين سمع ما قاله يامن , 

و ابتسم حين تذكر وعد أسيل و أنها على حق فى ذلك 

ثم زادت ضربات قلبه حين تذكر أن صاحب الكتاب .. أبيه .. 

قد يكون بتلك المنطقة .. حتى قاطع يامن تفكيره :

- إنها بعيدة عن هنا كثيراً .. فكيف ستذهب إلى هناك .. 

أم الطبيبة ستساعدك ..

رد خالد :- لا .. أسيل ساعدتنى بما فيه الكفاية .. 

قولى يا يامن , منين أقدر استأجر حصان قوى لمدة تلت أيام ..

فأجاب يامن :- ثلاثة أيام قد تكلفك قرابة الخمسين وحدة ..

فأكمل خالد :- مش مهم .. أنا هقدر أعوّضهم بعد كدة .. 

أنا قررت إنى هروح بكرة المنطقة الشمالية .. 

عاوز استغل كل يوم هنا فى زيكولا ..

فابتسم يامن :

- حسنا , دعنى أوفّر لك حصاناّ قوياّ .. 

و سأرشدك نحو الطريق إلى المنطقة الشمالية , 

و اتمنى أن تجد كتابك هناك .. ثم حمل فأسه , و قال لخالد :

- هيا علينا أن نعمل اليوم كثيراً بعدما أضعنا الكثير من الوقت فى الحديث ..


فى صباح اليوم التالى اتجه يامن إلى شاطئ البحيرة, 

و معه الحصان القوى الذى وعد خالد به .. 

حتى وجده هناك فابتسم خالد حين رآه و معه ذلك الحصان , 

و شكره كثيراً على ذلك ثم حمل امتعته , و احتضن يامن , 

و ضحك :

- هشوفك قريب ..

فابتسم يامن :

- أرجو أن تعيد الحصان صحيحاً .. 

إننى اتحمل مسئوليته حتى تعود .. 

لو علم صاحبه أنك ستذهب إلى المنطقة الشمالية 

لما أعطانى حماراً .. 

فضحك خالد ثم امتطى ظهر الحصان .. 

و كاد يأمره أن يتحرك حتى صاح يامن :

- انتظر ..

ثم أخرج ورقة بيضاء رُسمت عليها بعض الخطوط السوداء , 

و تحدّث إلى خالد :

- تلك خطوط بدائية رسمتها للطريق نحو المنطقة الشمالية .. ثم أشار إلى خط أسود طويل يخرج من مربع قد رسمه :

- هذا المربع هو منطقتنا .. 

و هذا الخط هو الطريق الذى تسلكه حين تخرج من هنا 

حتى تصل إلى تلك المنطقة ..

فابتسم خالد .. و أخذ منه الورقة , و وضعها بين أغراضه :

- أشكرك يا يامن .. بجد أشكرك يا صديقى

...

بعدها أمر خالد حصانه أن يتحرك .. 

و بدأ يتحرك ببطء حتى أسرع رويداً رويداً 

فى طريقه إلى بيت أسيل .. 

و كاد يصل بيتها حتى رأى عربتها تسير مبتعدة عنه , 

فأسرع بحصانه إلى العربة .. و سار بجوارها 

ثم ضحك حين وجدها تجلس بالعربة شاردة الذهن , و لا تراه .. فظل يسير بجوارها دون أن يتحدث حتى نظرت إلى جانبها عبر النافذة ففوجئت به على حصانه , فضحكت و حدّثته :

- منذ متى تسير بجوارنا ؟!

ضحك خالد :- من بدرى .. يا ترى بتفكرى فى أيه ؟

ابتسمت :- لا شئ .. إننى أشرد مع نفسى كثيراً .. 

ثم نظرت إلى حصانه :

- هل اشتريت حصاناً ؟!

فرد خالد :- لا .. أنا أجّرته .. 

و زى ما وعدتك إنى أشوفك قبل ما أروح هناك , 

أنا قدامك أهو ..

ابتسمت أسيل ثم سألته :

- هل ستذهب إلى المنطقة الشمالية الآن ؟

فرد خالد :- أيوة ..

فصمتت أسيل ثم سألته فى هدوء :

- خالد .. هل ستعود إلى هنا إن وجدت كتابك أو أبيك ..

فنظر خالد أمامه ثم صمت لبعض الوقت .. و ابتسم :

- أكيد لازم أرجع .. ثم أكمل مداعبته لها :

- ده يامن هيقتلنى لو مرجعتش عشان الحصان ..

ضحكت أسيل , و ضحك خالد .. 

و واصلا تحركهما فى طرقات زيكولا .. 

و خالد على حصانه يسير بجوار العربة , 

و أسيل تجلس بنافذتها كمن تجلس أمام نافذة غرفتها .. 

حتى وصلا إلى أطراف المنطقة الشرقية .. 

فقالت أسيل بعدما أشارت إلى طريق ممهد :

- هذا الطريق يقودك إلى المنطقة الشمالية ..

فابتسم خالد ثم نظر إليها :

- اتمنى إنى ألاقى الكتاب و أرجع لهنا فى أسرع وقت ..

ثم أمر حصانه أن ينطلق نحو ذلك الطريق .. 

و أسيل تنظر إليه بينما تسير عربتها فى طريق آخر .. 

و تبتسم حين تجد شعر خالد الطويل يتطاير مع الهواء , 

و جسده القوى يمتطى ذلك الحصان ببراعة .. 

و كأنه وُلد فارساً .. 

حتى اختفى عن أنظارها فأغمضت عينيها , 

و تمنت أن يحقق ما يريده .. 

أما خالد فواصل طريقه نحو المنطقة الشمالية .. 

يريد أن يصل إلى هناك فى وقت قليل .. 

يحفز حصانه أن يسرع .. 

ثم يخرج تلك الورقة التى أعطاها له يامن , و ينظر إليها , 

و إلى خطوطها و يواصل سيره مجدداً .. 

و كلّما يحل به التعب ينال القليل من الراحة فيوقف حصانه , و يترجل , و يشرب القليل من الماء 

ثم يكمل طريقه نحو تلك المنطقة ..


بدأت الشمس فى المغيب , و حلّ الليل .. 

حتى وصل خالد إلى أطراف المنطقة الشمالية فترجل .. 

و سار على قدميه , و حصانه يسير بجواره .. 

و اندهش حين رأى بيوت تلك المنطقة و تنوعها 

ما بين ما هو فخم للغاية , 

و ما هو متواضع و يبدو عليه الفقر .. 

و أكمل مسيره بين شوارع تلك المنطقة .. 

و زادت دهشته من الصمت الذى يسودها 

حتى زالت تلك الدهشة سريعاً حين توغل بشوارعها .. 

فوجد الكثير من الناس يلهون و يمرحون 

و يتراقصون مع أنغام الموسيقى 

التى غطت ضواحى تلك المنطقة .. 

و تذكر كلمات يامن عن فتياتها 

حين رأى زيّهن الذى يختلف عن زى باقى فتيات 

المناطق الأخرى فكان أكثر عراءً و إغراءً .. 

و واصل سيره حتى وجد مكاناً يجتمع به الكثير من الناس .. فاقترب منهم فوجد نزالاً بين اثنين من الأقوياء , 

و سمع أحد الأشخاص بجواره يقول لآخر ؛ 

لقد راهنت بخمس عشرة وحدة على هذا الرجل , 

و أشار إلى أحدهما فاندهش خالد , و أكمل سيره .. 

حتى بدأ يسأل أحد الفتيان عن الرجل الذى يبحث عنه فلم يجبه .. و سأل غيره فلم يجبه هو الآخر .. 

و سأل الكثيرين من الناس فلم يجبه أحد .. 

و ظل يسير بين هؤلاء الناس الذين تنبعث من أفواههم رائحة نتنة , و يترنحون فأدرك أنها رائحة خمر .. 

و بين ضحكات فتيات الليل المدلّلة التى تملأ كافة الأركان .. حتى جلس بجانب الطريق , 

و بجواره حصانه ففوجئ بشخص ضخم يأتيه .. 

و يطلب منه عشر وحدات من الذكاء مقابل أن يحميه 

هو وحصانه .. و إلا سيأخذ ذلك الحصان منه .. 

فصمت خالد قليلاً ثم وافق و حدّثه :

- سأعطيك ما تريد , و وحدتين إضافيتين مقابل 

أن اترك الحصان عندك حتى أعود لآخذه غداً ..

فوافق الرجل .. و أعطاه خالد الحصان كى يكون أكثر حرية .. و واصل جلوسه و مراقبته لأهل تلك المنطقة من بعيد .. 

حتى مرّ الليل دون أن يغفو له جفن ..


فى صباح اليوم التالى , ظل خالد منتظراً أن يرى أحداً يسأله , فلم يجد ما أراده .. و كأن المدينة أصبحت مدينة الموتى .. الشوارع خالية , يسودها صمت رهيب .. 

فنهض و بدأ يتحرك , و يتجول بشوارعها عله يجد أحداً .. 

و لكن دون جدوى , فأكمل مسيره حتى جلس بمكان آخر , 

و أخرج قلمه و أوراقه , و بدأ يكتب :

- المنطقة الشمالية .. أرض كسالى زيكولا ..

ثم كتب تحتها :

- إنها المنطقة الرابعة التى أزورها فى زيكولا .. 

بعد يومى الأول هنا .. 

تأكدت أنهم يختلفون عن باقى أهل زيكولا .. 

هم لا يعملون كما أخبرنى يامن , 

و حياتهم بالمساء كما رأيت بالأمس ..

الكثير منهم ورثوا فلا يعملون , 

و يمرحون و يشربون و يتراهنون .. 

أما الفقراء منهم .. 

الفتى يجد ثروته فى قوته فيستخدمها 

لتحقيق ثروته من الذكاء .. 

و الفتاة تجد ثروتها فى أنوثتها و جمالها فتستخدم 

ما تمتلكه فى تحقيق ثروة دون عناء ..

ثم صمت مفكّراً .. و توقف قليلاً عن الكتابة .. 

ثم أكمل مجدداً :

- أرى أن الكثيرين من تلك المنطقة 

سيكونون ضحايا الذبح قريباً .. 

فالقوى سيضعف ذات يوم , و الجمال غير باقٍ ..

ثم ضحك , و توقف عن الكتابة , و حدّث نفسه :

- بقيت فيلسوف يا خالد .. زيكولا غيرّت فيك كتير .. 

ثم أنهى كتابته بأن كتب مجدداً :

- إنها أضعف مناطق زيكولا ..

ثم وضع قلمه , و أوراقه مرة أخرى بين أغراضه .. 

و بدأ يتحرك بين شوارع تلك المنطقة من جديد .. 

و ضاق به صدره حين وجد نفسه وحيداً بتلك الشوارع , 

و علم أنه لابد و أن ينتظر حتى المساء ..


غربت الشمس .. و بدأ الظلام يملأ السماء , 

و أُشعلت النيران لتضئ المدينة , 

و بدأ الناس يخرجون إلى الشوارع .. 

و بدأت الموسيقى من جديد , و خرجت الفتيات إلى الخارج .. كل فتاة تحاول أن تجذب رجلاً إليها .. 

حتى امتلأت الشوارع بالأشخاص فى تلك المنطقة 

التى تواجد بها خالد .. 

فبدأ يسأل هذا و ذاك عن ذلك الرجل الطويل العريض 

صاحب الكتاب , و اقترب ليسأل كبار السن .. 

ربما عرفوه حين كان هنا منذ عشرين عاماً , و لكن لا فائدة .. و بدأ اليأس يدق قلبه , و كأنه لن يجد هذا الرجل أبداً , 

و سار و الحزن على وجهه .. 

حتى سمع صوت من خلفه يناديه :

- أنت ..

فالتفت خالد ليجد فتاة يشعر أنه قد رآها من قبل .. 

حتى تذكر أنها الفتاة التى قابلها يوم زيكولا .. 

و طلبت منه أن يرافقها و رفض .. 

و لكنها اليوم أكثر عراءً .. 

فاندهش حين وجدها :

- أنتى !!

ضحكت الفتاة:- نعم .. اتذكرنى ؟!

خالد :- نعم ..

فضحكت الفتاة :- حسناً .. عليك أن تأتى معى ..

فسألها فى دهشة :- آجى معاكى فين ؟!

فجذبته من يده ثم دخلا إلى مكانٍ مجاور إضاءته خافتة .. 

و به الكثير من الناس .. 

كل رجل يجلس مع فتاة , 

فبدأ الشك يتسرّب إلى قلبه و سألها :

- انتى عايزة منى أيه ؟!

ردت الفتاة : أنا ؟!! .. ثم صمتت و أكملت :

- إنك الرجل الوحيد الذى رفض أن يصطحبنى من قبل .. 

و لهذا أجدد عرضى لك ..

ثم أكملت :

- إننى هنا أفعل ما يحلو للرجال مقابل الكثير من الوحدات .. و لكننى لا أريد منك شيئاً .. سأصطحبك الليلة دون مقابل ..

فنهض غاضباً :

- و أنا مش موافق .. أنا مش زى اللى بيجولك هنا .. 

ثم تحرك ليغادر فجذبته ليجلس .. و سألته :

- هل تعجبك فتاة أخرى ؟

فرد منفعلاً :

- لا .. ثم سألها :

- انتى عايشة حياتك كدة ازاى ؟!

فضحكت الفتاة ساخرة :

- حياتى .. ما بها ؟!!

أكمل خالد :- ازاى تبيعى نفسك لأى حد ؟

ضحكت الفتاة مجدداً .. ثم تناولت كوباً به خمر :

- و كيف أعيش فى زيكولا أيها الوسيم .. 

كيف أحصل على الذكاء .. الثروة ..

فأخرج نفساً طويلاً , و حدّث نفسه متبرماً :

- الذكاء ..

ثم أكمل :

- اعملى زى بنات زيكولا اللى بيعملوا بشرف 

فى المناطق الأخرى .. 

انتى مفكرتيش لما جمالك يروح 

هتقدرى تحصلى على ذكائك ازاى ؟ ..

ضحكت الفتاة .. و بدا عليها تأثير الخمر , و ثقل لسانها :

- و قتها سأكون حققت مخزوناً كبيراً من الثروة .. 

أما بنات زيكولا فيعملن ... ثم تابعت :

- و أنا أيضا أعمل .. و كلانا يحصل على أجره .. 

هيا انتهز الفرصة قبل أن يضيع جمالى .. 

إن الكثيرين فى الخارج يتمنون 

أن يجلسوا مكانك الآن أيها الوسيم ..

فظهر الغضب على خالد .. 

و كأنه فقد أمله فى حديثه معها , و صاح بها غاضباً :

- مثلك عار على زيكولا ..

ثم نهض , و تحرك بضع خطوات مبتعداً عنها .. 

فصرخت غاضبة :

- عار !! .. 

إننى أفضل حالاً من آخر أعرفه , قتل أباه كى يرثه ..

ثم هدأ صوتها .. و وضعت رأسها على المنضدة التى أمامها من تأثير الخمر , و غمغمت بصوت سمعه خالد :

- و فى النهاية لم يرث سوى كتاب لعين .. 

احتفظ به أبوه أكثر من عشرين عاماً ..

ثم أغمضت عينيها ..


الحلقة الثالثة عشر من رواية ( ارض زيكولا )


توقّفت قدما خالد عن الحركة , و اتسعت حدقتا عينيه , 

و زادت ضربات قلبه حين سمع كلماتها .. 

و عاد إليها مسرعاً .. و سألها فى لهفة :

- أنتى قلتى أيه ؟!

فوجدها قد وضعت رأسها على الطاولة .. 

و غابت عن الوعى .. 

فسألها مجدداً و صاح بها لكنها لم تجبه , 

فحاول أن يجعلها تفتح عينيها و أن تكرر ما قالته مرة أخرى , و ضرب بيده على الطاولة حتى تفيق , و لكن دون جدوى , حتى أمسك برأسها و أعادها إلى الخلف ثم جلس أمامها ففتحت عينيها ببطء .. 

و نظرت إليه فى ذهول , فسألها :

- أنتى قلتى أيه فى آخر كلامك ؟

فابتسمت و نظرت إليه ثم سألته :

- من أنت ؟!

فنهض و سأل نادلاً أين يجد غرفة خالية , 

فأشار النادل إلى باب إحدى الغرف فأسرع 

و حمل الفتاة على كتفه و التى ضحكت برعونة 

حين قام بحملها .. 

و سار بها تجاه تلك الغرفة وسط نظرات الفتيات الأخرى اللاتى تهامسن حين وجدنه يحملها و كأن الغيرة أصابتهن .. حتى وصل إلى باب الغرفة فدفعه بقدمه 

و دلف بها إلى الداخل – و ما زالت تضحك - 

ثم طرحها على أرضية الغرفة .. 

و أكمل سيره للداخل و وجد إناءً كبيراً به ماء فحمله , 

و عاد به إليها و سكبه بالكامل فوق رأسها 

فصرخت من برودة الماء فسألها :

- افتكرتى أنا مين ؟

فنظرت إليه دون أن تجيب , فأسرع و حمل إناءً آخر و سكبه فوق رأسها , فصرخت :

- تذكّرتك .. أرجوك .. لا حاجة لمزيد من الماء ..

فسألها على الفور :

- مين اللى قتل أبوه عشان يرثه .. و فى الآخر ورث كتاب ؟

صمتت الفتاة , و كأنها تتذكر ثم سألته :

- هل حدّثتك عن ذلك ؟

رد خالد متلهفاً :- أيوة ..

فنظرت إليه الفتاة :

- حسنا .. ماذا تريد منه ؟

فأجابها : - أنا عاوز أوصل له بأى طريقة .. لازم أوصل له .. لازم ألاقى الكتاب و صاحبه .. أنتى تعرفيه ؟

فنهضت و تحركت خطوات بملابسها المبللة و شعرها المبلل 

و جلست على أحد الكراسى , و نظرت إليه :

- نعم أعرفه .. و قد أدلك عليه الآن 

إن أعطيتنى عشرين وحدة من ذكائك ..

فأسرع تجاهها و قال :

- و أنا موافق ..

فضحكت الفتاة :

- حسنا .. سأصطحبك إلى هناك .. 

و لكن انتظر حتى أبدّل ملابسى ..


اتجه خالد مع الفتاة , 

و التى بدّلت ملابسها إلى أحد الشوارع البعيدة .. 

و أخبرته بأن بيت صاحب الكتاب فى نهاية ذلك الشارع .. 

و خالد يسير و عقله لا يتوقف عن التفكير , 

و يفكّر بما قالته الفتاة بأن هذا الشاب قتل أباه كى يرثه .. 

و يخشى أن يكون ما يفكّر به حقيقةً تصدمه بعد لحظات .. حتى وصلا إلى أمام بيت متواضع , فسألها خالد :

- هو جوّة ؟!

فردت الفتاة :- نعم ..

فاندهش و سألها :

- و ليه هو مش بالخارج زى باقى أهل المنطقة الشمالية ؟!

فأجابته :

- إنه هكذا .. بعد أن قتل أباه و فوجئ بعدم امتلاكه لشئ .. أصابه اليأس , فهو يجلس ببيته كثيراً .. 

و تزداد حالته سوءًا , و كأنه ينتظر أن يُذبح يوم زيكولا ..

ثم طرقت الباب , و بعد لحظات قام شاب فى العشرين 

من عمره بفتحه .. فأشارت إليه الفتاة :

- ها هو صاحب الكتاب .. أما أنا فعلىّ أن أعود إلى عملى .. و غمزت إلى خالد بطرف عينها , و أكملت :

- هناك من ينتظروننى ..

فنظر إليها خالد و قال : - شكراً على كل حال ..


غادرت الفتاة .. و نظر خالد إلى هذا الشاب 

الذى يقف أمامه , و ظل يتأمّله حتى سأله الشاب :

- من أنت ؟!

فزادت دهشة خالد حين وجد صوت هذا الشاب يشبه صوته .. فسأله الشاب مجدداً , و ظهر الغضب على وجهه :

- من أنت ؟

فرد خالد :- أنا أطلب منك المساعدة ..

فسأله الشاب : مساعدة ؟!

فأجابه :

- أيوة .. أنا عرفت إنك ورثت عن والدك كتاباً 

احتفظ به لمدة عشرين سنة ..

فأخرج الشاب نفسا عميقاً :- نعم ..

فابتسم خالد :- هل تأذن لى بالدخول و نتحدث قليلاً .. 

ثم تابع حين شعر برفض الشاب :

- و سأعطيك خمس وحدات ذكاء مقابل هذا الحديث ..

فقال الشاب :

- حسناً , و لكن لا تضع وقتى .. 

عليك أن ترحل سريعاً , أنا لا أحب الغرباء ..

...

دخل خالد معه إلى الداخل .. 

و لاحظ مدى الفقر الذى يعيشه , و تلك الحياة البائسة , 

و التى ظهرت على ملابسه 

و على أرضية بيته حيث زجاجات الخمر الفارغة , 

و ظل يترقبه و يتأمله حتى سأله :

- أنت قتلت والدك فعلاً ؟

فرد الشاب غاضباً :

- و ما دخلك ؟!

قال خالد :- أرجوك , أجبنى ..

فنهض الشاب , و تحرك خطوات مبتعداً عنه .. 

و حمل زجاجة خمرٍ فى يده .. ثم نظر إليه :

- نعم قتلته .. إنه لم يجلب لى سوى الفقر .. و تابع :

- اعتقد أن أمى ماتت قديماً بسبب جنونه ..

فسأله خالد على الفور :- أمك .. ماتت ؟!!

فأجابه :

- منذ زمن قديم .. إننى لا اتذّكرها حتى .. 

ليتها عاشت و مات هو ..

فسأله خالد :- ليه بتكرهه كل الكره ده ؟!

فرد الشاب بعدما شرب القليل من الخمر :

- إننى أكرهه لأنه كان مجنوناً .. 

هل يعقل أن ينفق أحد مخزونه من الذكاء مقابل كتاب لعين .. ثم ينفق ما تبقى له من ذكاء فى التفكير فى هذا الكتاب .. يكفيه حظاً أنه وجد من أفقر منه بزيكولا .. 

و إلا ذُبح قبل أن أقتله بسنوات ..

فسأله خالد :

- ما اسمك ؟

أجابه:

- اسمى هلال .. إنه من سمّانى بهذا الاسم ..

فسأله خالد على الفور :

- و اسم والدك أيه ؟

فأجابه ساخطاً :

- كان يدعى حسنى ..

فدق قلب خالد بقوة .. و أحمرّ وجهه , 

و كأن الحقيقة التى كان ينتظرها قد لفحته .. و نطق :

- حسنى عبد القوى ؟!

فاندهش الشاب:

- نعم .. هل تعرفه ؟!

فصمت خالد .. و تساقطت بعض دموعه .. 

و انحنى بظهره للأمام , و وضع رأسه بين يديه , 

و أكمل بصوت هادئ :

- كان أبوك غريباً عن هنا .. 

و جاء إلى زيكولا من سبعة وعشرين سنة .. هو و أمك .. 

و كان يحدّثك عن مصر .. و عن سرداب فوريك ..

فزادت دهشة هلال , و نظر إلى خالد , و الذى أكمل :

- و لكنه مقدرش يحميك من طباع زيكولا .. 

و أصبح همك مثلهم .. الثروة ..

ثم نهض , و اقترب منه , و خطف زجاجة الخمر من يديه , 

و وضعها بعيداً .. ثم سأله :

- هل لاحظت الشبه القليل بينى و بينك ؟ .. 

هل لاحظت أن صوتى يشبه صوتك ؟ ثم تابع :

- أنت هلال حسنى .. و أنا اسمى خالد حسنى ..

ثم عاد خطوات إلى الخلف , و أخذ نفساً عميقاً و أخرجه ببطء ثم أكمل بعدما نظر إليه :

- أنا أخوك , و أنت قتلت والدنا .. لأنك ابن زيكولا ..

فصاح هلال به :

- يبدو أنك مجنون أنت الآخر, ثم دفعه :

- هيا أخرج من هنا ..

فصاح خالد غاضباً , 

و مازالت الدموع على وجهه :- أنا فعلاً أخوك ..

فدفعه هلال مجدداً :

- اخرج أيها المجنون .. 

هل أنا بحاجة إلى مزيد من الجنون كى تأتينى أنت الآخر ؟!!

فنظر إليه خالد , 

و كأنه يراه و هو يقتل أباه ثم مسح دموعه و سأله :

- أين الكتاب ؟

فأجابه هلال غاضباً :

- و ماذا تريد من الكتاب ؟!

فرد خالد : أنا بحاجة للكتاب لإنى عايز أرجع بلدى .. 

و ممكن تيجى معايا ..

فضحك هلال ساخراً :

- أرى أنك تشبه أبى فى جنونه .. انتظر ..

ثم نظر إليه و عقد حاجبيه , 

و سار إلى إحدى الغرف ثم عاد مجدداً إلى خالد , 

و معه كتاب قديم أوراقه سميكة و قديمة .. 

فأسرع إليه خالد , و خطفه منه حين لمح عنوانه .. 

سرداب فوريك .. 

و بدأ يقلّب صفحاته المصفرة فى لهفة و دق قلبه بقوة , 

حتى وصل إلى صفحة فى منتصف الكتاب مكتوب بها 

بخط يدوى كبير .. الطريق إلى سرداب فوريك .. 

و كاد يقرأ ما بها حتى اختطفه هلال منه , و قال ساخراً :

- هل تريد هذا الكتاب ؟!

رد خالد فى لهفة :

- أيوة ..

فضحك , و حدّث نفسه :

- لقد أصبح للكتاب فائدة , ثم نظر إلى خالد :

- حسنا .. عليك أن تشتريه ..

صمت خالد قليلاً ثم سأله :

- و كم تريد ؟

فابتسم , و تحرك خطوات جيئة و ذهاباً , و تحدّث :

- أرى أنك فى حاجة ضرورية إلى الكتاب ..

فنطق خالد :- نعم ..

فأكمل هلال :

- حسناً .. إن كنت تريده , 

فعليك أن تعطينى ربعمائة وحدة من ذكائك ..

فصاح خالد على الفور : ربعميت وحدة؟!!

فرد هلال فى هدوء , و تناول زجاجته مرة أخرى :

- نعم .. أيها الغنى .. ربعمائة وحدة ..

فقال خالد : صدقنى , أنا أخوك ..

فضحك هلال ساخراً :

- ليتنى أتأكد أنك أخى أيها المجنون .. 

أقسم لك أننى لو تأكدت من ذلك لقتلتك كى أرثك ..

فصمت خالد , و زاد ضيقه ثم سأله :

- هل ترك أبوك شيئاً آخر ؟

فأجابه : إنه لم يترك سوى هذا الكتاب .. 

هل ما زلت تريد شراءه , و ضحك ساخراً , و أكمل :

- هيا .. إنها ربعمائة وحدة فقط ..

فصمت خالد مرة أخرى .. 

و كأنه يفكر , و طال صمته حتى نظر إلى هلال :

- أعطنى مهلة شهرين .. 

و هرجع اشتريه مقابل الربعميت وحدة ..

فسأله هلال متعجباً :

- ألا تمتلكهم الآن ؟!

فتحرك خالد خطوات , ثم نظر إليه :

- امتلكهم .. و لكنى أحافظ على مخزونى من الذكاء .. 

و هقدر أوفّر من عملى ثمن الكتاب .. 

و هرجع لك بعد شهرين من اليوم .. 

أرجوك حافظ على الكتاب ..

فجلس هلال , و عاد بظهره للخلف :

- حسنا .. سأنتظرك حتى تعود , 

و لكن إن تأخرت يوماً واحداً عن الشهرين .. 

سأمزق عن كل يوم تأخرته عشر ورقات , 

حتى لو وصل بى الأمر أن أمزقه بالكامل .. 

إنه لا يهمنى بشئ .. هيا لا تضيع وقتك .. 

عد إلى حيث جئت ..

فأوما خالد برأسه ثم تركه , و غادر , 

و أخرج زفيرا طويلاً , و حدّث نفسه :

- إنه أخى .. و قاتل أبى ..


غادر خالد بيت هلال , صاحب الكتاب .. 

و سار بين الناس و بين موسيقاهم 

و صرخاتهم التى لا تتوقف .. 

و عقله يشتعل بالتفكير .. تتضارب برأسه الكثير من الأفكار , و يتخبط قلبه ما بين شعور و آخر .. 

يسأل نفسه هل يسعد لأنه وجد كتابه , 

أم يحزن حين علم بقتل أبيه و موت أمه , 

حتى لو لم يرهما من قبل .. 

و هذا الشاب المتهور الذى قد يكون أخاه , و مدى جشعه .. 

و المقابل الكبير الذى طلبه كى يعطيه كتابه .. 

و كيف سيوفّر ربعمائة وحدة فى شهرين .. 

و إن عاد ليأخذ كتابه هل يأخذه و يترك أخاه , أم يأخذه معه .. حتى أمسك رأسه , و كأنه لم يعد يستطيع التفكير .. 

و حدّث نفسه بصوت هامس :

- هدفى دلوقتى إنى آخد الكتاب ..

ثم سار إلى المكان الذى جلس به 

حين أتى إلى المنطقة الشمالية .. 

فوجد من أعطاه حصانه , فاتجه إليه كى يسترده ؛ 

فلم يعطه الحصان إلا بعدما أعطاه وحدتين آخرتين .. 

ثم أخذ حصانه .. 

و اتجه إلى مكان آخر , و آثر أن يظل به حتى تشرق الشمس فيعود إلى المنطقة الشرقية حيث أسيل و يامن و عمله معه ..


فى صباح اليوم التالى , أعدّ خالد أغراضه , و امتطى حصانه ثم بدأ يتحرك بين الشوارع الخالية 

إلى أطراف المنطقة الشمالية , 

حتى وصل إلى بداية طريقه نحو المنطقة الشرقية 

فالتفت بحصانه نحو تلك المنطقة , 

و كأنه يودعها حتى يعود إليها مجدداً بعد ستّين يوما .. 

ثم التفت مجدداً تجاه الطريق , و أمر حصانه أن ينطلق ..

...

مر الوقت , و خالد فى طريقه إلى المنطقة الشرقية .. 

لا يشغل تفكيره سوى ذلك الكتاب , 

و ماذا سيكون فى تلك الصفحة المكتوب بها 

الطريق إلى سرداب فوريك .. 

يشعر بأن أمل خروجه قد ازداد .. 

لا يحتاج إلا تلك الوحدات التى طلبها هلال كى يأخذ كتابه .. أمله .. حتى وصل إلى المنطقة الشرقية بعد غروب الشمس فاتجه إلى البحيرة , ففوجئ بنار مشتعلة فى مكانه 

بجوار الشجرة .. و وجد يامن ينتظره , فترجّل , و احتضنه حتى سأله يامن على الفور :

- هل وجدت كتابك ؟

فابتسم خالد :

- نعم ..

فسأله فى لهفة :- و أين هو ؟

فكاد يجيبه .. و لكنه فوجئ بصوت أسيل يأتى من خلفه :

- خشيت ألا تعود ..

فالتفت إليها خالد فوجدها تمسح دموعها ثم اقتربت منه , 

و احتضنته و ابتسمت :

- جئت إلى هنا و تمنيت أن أراك ..

فابتسم يامن حين وجد أسيل تحتضن خالد , و تنحنح , 

فابتسمت أسيل فى خجل ثم جلست بجوار خالد ,

كأنها لا تريد أن تفارقه .. 

و بدأ خالد يروى لهما ما حدث له بالمنطقة الشمالية 

لكنه لم يتحدث عن فتاة الليل , 

و ما حدث معها حين وجد أسيل تسأله عن كل شئ 

حدث هناك و عن فتيات تلك المنطقة , 

فأخبرهما بأن أحداً آخر قد دلّه على هذا الشاب .. هلال .. حتى أنهى حديثه فسألته أسيل :

- هل هو أخوك حقاً ؟!

فأجاب خالد :- كل الدلائل تقول أنه أخى .. 

أبوه صاحب الكتاب و اسمه حسنى عبد القوى .. 

و حكى له عن مصر ..

فتحدّث يامن :

- ربما يكون شخصاً آخر من بلدك .. مصر , و له نفس الاسم , و لكنه قد لا يكون أباك ..

فقال خالد :- لكن الولد شبهى إلى حد ما .. 

و صوتى يشبه صوتى .. لكن طباعه طباع زيكولا ..

فابتسم يامن :

- تقصد طباع المنطقة الشمالية .. ثم سأله :

- و كيف ستوفر ربعمائة وحدة من الذكاء فى شهرين 

إن كنت توفّر من العمل باليوم بعد غذائك و حمايتك 

وحدة واحدة أو وحدتين على الأكثر ..

فصمت خالد حتى نطقت أسيل :

- ربما تعمل معى , و أعطيك أربعة وحدات باليوم ..

فابتسم يامن , و تحدّث :

- إنّ عملنا يحتاج إلى النهار بأكمله , 

و إلى راحة بالليل كى يعود إلينا نشاطنا 

الذى نواصل به عملنا ..

فصمتت أسيل , و ظل خالد صامتاً حتى نطق :

- أنا اقدر آكل كل يوم خبز ..

فضحك يامن :- حسناً .. أصبح لديك أربع وحدات باليوم .. 

تأخذ سبع وحدات , و تدفع وحدتين للحماية , و وحدة للخبز ..

ثم أكمل :

- هكذا لن تكمل الاربعمائة وحدة بعد ستين يوماً ..

فصمت خالد مرة أخرى .. ثم أكمل :

- أنا ممكن أوفّر ست وحدات فى اليوم .. 

و فى نهاية الشهرين هيكون عندى 360 وحدة .. 

وقتها هضيف أربعين وحدة فقط من مخزونى .. 

و أقدر أشترى الكتاب ..

فقاطعته أسيل تحذره :

- مخزونك من الذكاء يا خالد .. 

أرى أنك بدأت تستنزف منه الكثير ..

فنظر إليها خالد مبتسماً , و أكمل :

- أكيد هعمل بعد الشهرين لحد ما يجى يوم زيكولا , 

و أقدر أعوّض كل مخزونى ..

فضحك يامن , و الذى صمت حتى انتهى خالد و أسيل من حديثهما ثم قال :

- أنك قوى بالحساب يا صديقى .. 

و لكن كيف ستوفّر ست وحدات باليوم أيها الذكى ..

فابتسم خالد ثم نظر إليه , و سأله :

- أين عمال زيكولا الآن ؟

فأجابه :- الكثير منهم يأكلون أو يمرحون أمام بيوتهم ..

فنهض خالد ثم نظر إلى أسيل , 

و طلب منها أن تعود إلى بيتها فرفضت , 

و نظرت إليه متعجبة :

- ماذا ستفعل ؟ .. سآتى معك ..

فابتسم خالد ثم سار و معه يامن و أسيل , 

و اللذان لا يعرفان نيّته .. 

و اتجهوا إلى شوارع المدينة حتى دخلوا إلى أحد المطاعم الذى يقدم الخبز و الدجاج .. 

ووجد به خالد الكثير من العمال ممن يعملون معه 

فى تقطيع الصخور .. ثم اتجه إلى صاحب المطعم , و سأله :

- كم سعر الدجاج هنا ؟

فرد الرجل :- الدجاج مقابل خمس وحدات ..

فسأله مجدداً :

- و كم عامل يأكل من دجاجك ؟

فضحك الرجل ساخراً , ثم أشار إلى من يأكلون :

- أنظر إليهم .. إنهم لا يأكلون سوى الخبز .. 

ربما أبيع دجاجة حين يأتينى غنى مثلك إلى هنا ..

فابتسم خالد ثم صمت , و أكمل حديثه :

- ما رأيك أن تبيع كل يومين كل ما تمتلكه من دجاج ؟

فنظر الرجل و يامن و أسيل إلى خالد فى دهشة , 

و كأنهم لا يفهمون ما يقصده .. حتى أكمل و سأل الرجل :

- هل تريد ذلك ؟

فأجابه الرجل :- بالطبع ..

فابتسم خالد : حسناً .. أريدك أن تجعل سعر وجبة الدجاج أربعة وحدات , و ليس خمس ..

فظهر الغضب على وجه الرجل .. و سأل خالد :

- هل تمزح ؟!

فأجابه خالد , و مازالت ابتسامته على وجهه :

- لا .. اجعل السعر أربعة وحدات , 

و سأضمن لك مكسباً لم تحلم به يوماً ..

فصمت الرجل ,و كأنه يفكّر , 

و ما زال الصمت على وجه يامن و أسيل حتى رد الرجل :

- حسناً .. سأجعله أربع وحدات .. 

و لكن ماذا ستفعل ؟ ثم نظرت أسيل إلى خالد :

- خالد لا أفهم شيئاً حتى الآن ..

فابتسم خالد :- انتظرى ..

ثم اتجه إلى صالة المطعم حيث يأكل العمال , 

و وقف بمنتصفها ثم سألهم بصوت عالٍ :

- من يأكل خبزاً ؟

فابتسم الجميع , و رفعوا أيديهم بالخبز فصمت ثم سألهم :

- و من يريد أن يأكل دجاجاً كل يومين ؟

فاندهش من يأكلون , و واصلوا أكلهم , 

و لم يُعيروا حديثه اهتماماً 

بعدما ظنوا أنه يمزح حتى أكمل :

- دون أن يدفع شيئاً مما يدخره كل يوم ..

فسأله أحد ممن يأكلون :

- هل جننت أيها الغريب ؟!

فأجابه خالد : لم أجن .. و لكننى أريدكم أن تفعلوا مثلى .. سآكل دجاجاً كل يومين .. ثم أكمل :

- أنا أكسر الصخور , 

و امتلك من القوة ما يكفينى لأتغلب على مخاوفى ,ثم تابع :

- إننى أدفع وحدتين للحماية كل يوم لمجموعة من الكسالى , و تأكل من تعبى ..

- إننى لن أعطى أحداً من تعبى عُشر وحدة من اليوم , 

حتى لو قتلونى .. أفضل أن أُذبح يوم زيكولا .. 

و لا أعطى أحداً شيئاً مقابل خوفى ..

فتوقّف من يسمعونه عن مضغ الطعام , 

و أسيل تترقّب رد فعلهم , 

و تنظر إلى خالد فى إعجاب حتى همس إليها يامن :

- إنه بارع فى استخدام لهجتنا , لقد ترك لهجته كى يحدّثهم ..

فأشارت أسيل إليه أن يصمت كى تستمع إلى خالد .. 

حتى تحرك خالد بعض الخطوات بين طاولات الطعام و أكمل :

- إننى وحدى لن استطيع ايقافهم .. 

و لكننا معاً سنستطيع ذلك .. 

سنجعلهم يعملون مثلنا , و إلا يذبحون يوم زيكولا .. 

لن يأكلون حقّنا بعد اليوم ..

ثم وقف بجوار طاولة يجلس حولها ثلاثة أشخاص فنظر إليهم , و أكمل :

- لا أعلم كيف يخيفونكم , و عددهم ضئيل للغاية .. 

أعلم أنهم أشرار , و أنكم طيبون, و متسامحون , 

و لكن إن اجتمعتم فسيكتب عنكم التاريخ ذات يوم 

أنكم اجتمعتم كى تزيلوا الظلم عنكم ..

ثم سار خطوات أخرى , و هدأ صوته :

- فى عالمى , هناك من يشبهونكم .. 

و ما زالوا ينتظرون يوماً ليجتمعوا .. 

و ما زال التاريخ يسجّل ذُلهّم .. و علا صوته مجدداً :

- اليوم يطلبون منكم وحدتين .. غداً سيطلبون ثلاث .. 

بعده سيطلبون أربعة .. خمسة .. 

من يدرى ؟ ربما يجعلونكم تعملون لديهم ..

بعدها تحرك إلى أحد أركان صالة الطعام , ثم التفت إليهم :

- أعلم أنكم تتعاملون بوحدات الذكاء .. و أن الذكاء عملتكم .. و لكن حان الوقت لتستخدموه مرة واحدة بحياتكم .. 

استخدموه كى تعيشوا .. استخدموه كى تفخروا بأنفسكم ..

فصاح يامن :

- أنا لن أدفع كى يحمينى أحد .. استطيع أن أحمى نفسى ..

و صاحت أسيل :

- و أنا كذلك .. من يريد أن يأخذ منى شيئاً فليقتلنى أولا ..

و صاح فتى آخر :

- و أنا لن أدفع ..

و تبعه رجل غيره :

- و أنا أفضّل أن آكل الدجاج كل يومين .. لن أدفع ..

و صاح عجوز يجلس بعيداً :

- و أنا لن أدفع .. لقد دفعت الكثير .. لن أدفع حتى أموت ..

و نهض فتى قوى , و رفع فأسه :

- و أنا سأكسّر عظامهم .. 

إنها ليست أقوى من الصخور التى أكسّرها ..

حتى صاح الجميع ؛ نحن لن ندفع .. لن ندفع .. 

لن نأكل خبزا مجدداً .. سنأكل ما يحلو لنا .. 

فابتسم خالد , و أحمرّ وجهه ثم اتجه إلى يامن , 

و احتضنه ثم احتضنته أسيل و أغمضت عينيها , 

و حدّثت نفسها :

- كم أحبك يا خالد , ثم فتحتهما , و همست فى أذنه :

- سيُكتب هذا اليوم فى تاريخ زيكولا ..

فهمس إليها خالد مبتسماً :

- إننى أنظر إلى وجهك فأجد الأمل يا أسيل ..

فابتسمت أسيل , و أحمرّ وجهها .. ثم نظر خالد إلى يامن :

- هيا يا يامن .. عليك أن تعيد الحصان إلى صاحبه .. 

و أن تستريح كى نعمل غداً معاً ..

ثم نظر إلى العمال الذين يتراقصون فرحاً , و تابع مبتسماً :

- سأبدأ من الغد توفير ثمن كتابى ..


الحلقة الرابعة عشر من رواية ( ارض زيكولا )


هكذا استطاع خالد أن يحرّك عقول عمال زيكولا , 

و أن يقنعهم بألا يدفعوا تلك الوحدات مقابل حمايتهم مجدداً .. حتى صاحوا فرحين بأنهم لن يدفعوا , و تراقصوا فرحاً بذلك , و زادت سعادة أسيل و يامن بما فعله . 


***


فى اليوم التالى اتجه خالد مبكراً إلى عمله 

فوجد عشرة ممن يأخذون وحدات الحماية 

يقفون بطريقه كعادتهم , و اقتربوا منه كى يأخذوا ما يريدون فابتسم وواصل سيره حتى أوقفه أحدهم بعنف , و صاح به :


- هيا .. ادفع وحدتيك ..


فابتسم مجدداً , و واصل سيره فأوقفه الرجل مرة أخرى , 

و طالبه بالوحدتين من جديد .. فرد فى برود :


- أنا لن أدفع ..


فظهر الغضب على وجوههم  وضحك أحدهم ساخراً :


- لن تدفع ؟!!


فأجابه:-  نعم ..


فقال الرجل غاضباً :


- أتعلم ماذا سيحدث لك ؟


فرد خالد مبتسماً :


- لا ..


فزاد الغضب على وجوههم جميعاً .. 

و همّوا أن يضربوه حتى فوجئوا به 

يشير تجاه غبار كثيف بالجو  .. و ضحك :


- أنظروا ..


فنظروا إلى ذلك الغبار بالأعلى ثم نظروا إلى أسفله 

فوجدوا المئات من العمال , و بأيديهم فؤوسهم 

و آلاتهم اليدوية .. يقودهم يامن , و يقتربون عدواً تجاهم .. حتى قال خالد :


- عليكم أن تهربوا و إلا ستدفعون الكثير اليوم ..


فصرخ زعيمهم إلى أحدهم :


- اذهب لتجلب الآخرين ..


و لم يكمل حديثه حتى اقترب العمال , 

و ألقى أحدهم بفأسه إلى خالد فابتسم و لوّح بها , 

ثم تحدث بصوت عالٍ إلى العمال :


 


- إنهم لا يصدقون أننا لن ندفع لهم من اليوم ..


ثم أكمل بعدما لمعت فأسه :


- علينا أن نثبت لهم ذلك ..


ثم ضرب بفأسه أحدهم , 

و ما إن فعل ذلك حتى صاح العمال ثم انهالوا على بقيتهم بالضرب , و كأنهم كانوا ينتظرون ذلك اليوم  .. 

حتى من ذهب ليجلب بقيتهم توارى بعيداً 

و هرب مع الآخرين حين وجدوا زملاءهم يُضربون 

كمن وقع عليهم جبلاً من الفؤوس و العصىّ ..  

حتى هدأ العمال مرة أخرى , 

و سالت الدماء على وجوه آخذى الوحدات .. فسألهم خالد :


 


- أمازلتم تريدون الوحدات ؟   فلم ينطقوا ..


فنظر إلى بعض العمال :


-انهم مازالوا يريدون ..


فواصلوا ضربهم مجدداً .. حتى صرخوا :


- إننا لا نريد شيئاً .. إننا لا نريد ..


فصاح يامن غاضباً :


- حسنا .. عليكم أن تتركوا تلك المنطقة إن لم تعملوا .. 

إن رأيناكم هنا مجدداً فلن نكتفى بما حدث اليوم ..


فصرخ أحدهم :


- حسناً.. حسناً ..


 ثم نهضوا مسرعين يهربون بعيداً , 

فصاح العمال فرحين , و بدأوا يتراقصون , و يغنون :


- سنأكل الدجاج .. سنأكل الدجاج .. نحن أقوياء ..


ثم احتضن يامن خالد , و همس إليه :


- ربما يأتون ببقيتهم غداً ..


فضحك خالد :


- معتقدش .. هما خلاص عرفوا إن انتوا اتحدتوا .. 

و المرة الجاية ممكن تقتلوهم .. 

شفت اليوم الوحيد اللى استخدمتوا فيه الذكاء .. 

 و حمل فأسه , و جذبه من يده :


- هيا يا صديقى ,  لدينا الكثير من العمل ..


فضحك يامن :


- أصبحت تتحدث مثلنا ..


فضحك خالد , و استعاد لهجته مرة أخرى :


- خلاص أنا بقيت من أبناء زيكولا ..


ثم عاد إلى لهجة زيكولا :


- هيا ,  سأنافسك اليوم فى العمل .. 

و سأعمل ضعف ما تعمل ..


فضحك يامن :


- أرى أنك تحلم ..


فرد خالد ضاحكاً :


- أحلم  ؟!! سترى  ..  

ثم أسرع إلى مكان العمل جرياً , 

فتبعه يامن مسرعاً : انتظر ..


 


***


 


بدأ خالد يعمل بقوة .. 

لا يشغل تفكيره شئ سوى أن يوّفر ثمن كتابه .. 

يمر اليوم تلو الآخر ,  يعلم أن عمله شاق للغاية , 

و لكنه يدرك أنه العمل الأكثر ربحاً فى زيكولا .. 

يحاول أن يحفّز نفسه بأن ينافس يامن كل يوم 

فى تكسير تلك الصخور .. 

و يضحك حين يجد فتاة أو أخرى تنظر إلى جسده 

القوى اللامع تحت آشعة الشمس .. 

فيكمل عمله , و يترك يامن ليداعب تلك الفتيات .. 

حتى ينتهى من عمله فيذهب إلى ذلك المطعم 

كى يتناول غذاءه .. و يبتسم حين يجد الكثير من العمال يأكلون الدجاج بينما أصبح هو الوحيد الذى يأكل خبزاً  .. 

ثم يعود إلى البحيرة فيلقى بجسده فى مائها 

ثم يستلقى على شاطئها .. 

و يخرج أوراقه و أقلامه ليسجّل ما حصل عليه من وحدات , 

و ما تبقى له على ثمن الكتاب , و ما تبقى له من أيام .. حتى تأتى أسيل فتجلس بجواره لبعض الوقت 

ثم تعود إلى بيتها بينما يظل هو ساهراً حتى يغلبه النعاس .. فينام حتى صباح اليوم الذى يليه ..


حتى جاء يوم و انتهى من عمله .. 

ففوجئ بفتاة تقترب من بعيد و دق قلبه صاخباً 

حين وجدها تشبه منى - 

الفتاة التى أحبها لسنوات طويلة قبل أن يأتى إلى زيكولا - حتى مرّت بجانبه فوجدها تختلف عنها قليلاً .. 

و اندهشت حين وجدته ينظر إليها فى ذهول , 

حتى يامن أصابته الدهشة هو الآخر .. فسأله مداعباً له :


 


- هل تعجبك ؟! ..  إن كنت تريد أن تتزوجها أخبرنى فقط ..


فضحك خالد :


- لا .. شكراً ..


بعدها غادر  , و لم يتجه إلى المطعم تلك الليلة كعادته 

بل ذهب إلى شاطئ البحيرة , 

و عقله منشغل بتلك الفتاة التى تشبه منى .. 

و كأنه تذكر سنوات مضت , و حدّث نفسه :


- منى ؟!  ثم أكمل :


- يا ترى اتجوزتى الدكتور و لا لا ؟!


ثم جلس على شاطئ البحيرة أمام نار أوقدها , 

و أخرج ورقة من أغراضه .. نصفها العلوى ملئ بكتاباته .. 

و بدأ يكتب بنصفها السفلى :


 


- لم تعد سوى أيام قليلة على إتمامى الشهرين , 

و أذهب كى آخذ كتابى .. 

و لكننى قد قابلت اليوم فتاة تشبه منى 

التى أحببتها ست سنوات .. 

و كانت أمنية حياتى أن اتزوجها ذات يوم .. 

لولا أبوها المجنون .. 

ثم صمت مفكراً قليلاً ثم أكمل كتابته :


لا أعلم ما سر أن أجد تلك الفتاة اليوم .. 

هل لأتذكر منى بعدما لم أفكّر بها منذ دخولى زيكولا .. 

حين انشغل عقلى بالبحث عن كتابى .. لا أعلم ..


 


ثم توقّف, و نظر بعيداً إلى البحيرة , 

و أخذ نفساً عميقاً و أخرجه ببطء .. 

ثم نظر إلى الورقة و التى امتلأت بالكتابة 

عدا جزء صغير بأسفلها , فكتب به :


- ما أعلمه جيداً أننى لم أحب غير منى طوال عمرى


و انتهت الورقة التى يكتب بها , فأخرج ورقة أخرى 

و نظر إلى الورقة السابقة حيث انتهى ثم أكمل :


- لم أحب غيرها طوال عمرى قبل أن آتى إلى زيكولا .. 

حتى وجدت أسيل التى يزداد شعورى كل يوم بحبها لى .. 

أما أنا فأشعر تجاها بـ ..


 


حتى شعر بأقدام تقترب من خلفه .. 

فوجد أسيل تقترب , فضحك ثم أخفى أوراقه بين أغراضه .. 

و اقتربت منه , و سألته :


- ماذا تفعل ؟


فابتسم:


- و لا حاجة ..


فصمتت ثم أكملت :


- كنت أتوقّع أن أجدك تتناول طعامك بالمطعم .. 

و ذهبت إلى هناك فلم أجدك .. يبدو أنك توّفر طعامك .. 


فقال ضاحكاً : لا .. أنا مش بخيل للدرجة دى .. 

أنا فضّلت إنى آجى للبحيرة ..


فابتسمت أسيل :


- إن البخل ليس عيبا هنا فى زيكولا كما تعلم .. 

لقد بدأ أهالى زيكولا يدخرون ثرواتهم بالفعل 

بعدما شعروا باقتراب يوم زيكولا 

إن كان مولود الحاكم ذكراً .. 

ربما يكون بعد ثلاثة أشهر أو أكثر بأيام قليلة  .. 

من يدرى ؟! .. 


ثم أكملت مبتسمة :-  لولا تلك الوحدات التى وفرها الكثيرون من آخذى وحدات الحماية لما أكلوا دجاجاً 

حتى انتهاء ذلك اليوم ..  و ضحكت و أردفت :


- اتوقع أن يكون فقير هذا العام لديه أكثر من مائتى وحدة ..


فضحك خالد :


- و أنا نفسى أسيب زيكولا قبل ما أشوف الفقير بيُذبح .. 

ثم سألها :


- و أنتى مش عايزة تسيبى زيكولا ؟


فأجابته:


- إن تركى لزيكولا قد يكون أصعب قرار بحياتى ..  

لا اعتقد أننى ساتخذ هذا القرار حتى يكون لدى مبرر قوى للغاية .. ثم نهضت :


- هيا عليك أن تنام .. 

أما أنا فسأعود إلى بيتى لدى أيضاً الكثير من العمل باكراً ..


فابتسم خالد , و كأنه يقلدها :


- مبرر قوى للغاية ؟!!


فضحكت أسيل :


- للغاية ..


***


غادرت أسيل , و مرّ الليل , 

و أتى ما بعده من نهار  .. و خالد يواصل عمله , 

و يتمنى أن تمر الأيام المتبقية سريعاً .. 

و توالت الأيام يوماً بعد يوم .. 

و خالد يوّفر ما يستطيع توفيره من وحدات .. 

و لا يترك يوماً دون أن يعمل .. 

لا ينفق من أجره شيئاً سوى وحدة واحدة حين يأكل الخبز .. حتى أنه كان يوفرها بعض الأيام  .. 

و قد يمّر يومان دون أن يضع لقمة بحلقه .. 

حتى جاء اليوم الأخير من الشهرين و كان بعمله مع يامن  , 

و الذى حدّثه مبتسماً :


- لقد انتهت المهلة اليوم ..


فحمد خالد ربه ثم قال :


- أخيراً ..  كنت مستنى اليوم ده بفارغ الصبر ..


فسأله يامن :


- كم جمعت من الأربعمائة وحدة ؟


فصمت خالد مفكّراّ , و كأنه يحسب ما جمعه بدقة :


- اعتقد إنى جمعت حوالى 350 وحدة .. 

و هضيف لهم خمسين وحدة من مخزونى ..


فقاطعه يامن :


- تقصد مائة وحدة


فرد خالد مندهشاً :- مائة ؟!


أكمل يامن :- نعم .. هل نسيت أنك ستستأجر الحصان 

مرة أخرى ..


فضرب رأسه بيده .. و كأن ذلك الحصان لم يكن بحسبانه .. حتى صمت و أكمل :


- أنا كنت اشترى حصان أوفر لى .. ثم تابع :


- مش هتفرق خمسين من مية ..  المهم إنى آخد الكتاب ..


فضحك يامن :


- حسنا .. سأوّفر لك الحصان مجدداً .. 

و سأنتظرك حتى تعود .. 

إننى أريد أن أرى أغلى كتاب بزيكولا .. 

أعتقد أنها ستكون لحظة تاريخية لى ..


فضحك خالد :


- و أتمنى إنها تكون تاريخية لى أنا كمان ..


 


***


 


فى صباح اليوم التالى , 

امتطى خالد الحصان الذى أحضره يامن .. 

و كان نفس الحصان القوى الذى استأجره المرة السابقة 

حين ذهب إلى المنطقة الشمالية .. 

و انطلق نحو تلك المنطقة .. 

تعلو وجهه ابتسامة أمل لم يشعر بها من قبل .. 

يأمر حصانه أن يسرع .. هيا .. 

إلى الأمل .. إلى خروجى من زيكولا ..  

يشقّ الطريق بقوة .. 

و يتطاير قميصه مع الهواء لتظهر عضلات جسده القوية , 

و ذراعه القوى الذى يمسك بلجام حصانه بإحكام .. 

ينطلق بحصانه , و يخشى أن يتأخر عن موعده 

فيمزق هلال المجنون صفحة واحدة من كتابه .. 

و يأمره بأن يزيد من سرعته .. 

و يمّر الوقت , و تتحرك الشمس .. 

و يواصل طريقه دون أن يستريح ..


 


حتى وصل إلى أطراف المنطقة الشمالية 

مع غروب الشمس .. 

فأسرع ينطلق فى شوارعها , و التى كانت خالية 

إلا من القليل من الأشخاص الذين بدأوا فى الخروج 

مع حلول الليل , و بعض فتيات الليل اللاتى خرجن 

إلى شوارع تلك المنطقة .. 

و أكمل طريقه نحو بيت هلال .. أخيه .. صاحب الكتاب ..


 


***


 


وصل خالد إلى بيت أخيه , فترجّل مسرعاً .. 

و عقل حصانه بجوار بابه .. 

ثم أعطى فتى يجلس أمام هذا البيت وحدتين 

مقابل أن يحمى حصانه حتى يعود .. 

ثم طرق بابه ففتح هلال ووجده أمامه , فضحك قائلاً :


 


- المجنون الذى يريد الكتاب ..


فصمت خالد و لم يرد ثم دلف معه إلى داخل البيت .. 

فوجد رجلين تبدو عليهما القوة , و يظهر الشر بأعينهما .. 

حتى تحدّث هلال :


- لقد جئت فى موعدك تماماً ..


فرد خالد :


- إننى أريد الكتاب الآن ..


فابتسم هلال ابتسامة خبيثة :


- بالطبع يا عزيزى , لقد جئت إلىّ من السماء .. 

إننى كنت أخشى أن أذبح يوم زيكولا .. 

أما بعد ذلك الكتاب فلن أعمل عاماً على الأقل .. 

إننى اليوم احترم أبى كثيراً .. ثم نظر إلى خالد :


- يبدو أنك على استعداد الآن لتعطينى الخمسمائة وحدة مقابل الكتاب


***


 


فصاح خالد فى غضب :


- خمسمائة ؟!!


فضحك هلال , و كأنه مندهش :


- نعم .. أنسيت اتفاقنا ؟!


فصاح خالد مجدداً :


- كان اتفاقنا أربعمائة وحدة ..


فصمت هلال ثم تحرك خطوات .. و تحدّث إلى أحد الرجلين :


- إنه يقول ربعمائة ..


ثم نظر إلى الآخر :


- إننى لا اتذكر ذلك ..


و نظر إلى خالد :


- ربما لم تفهم قصدى وقتها .. ربما كنت أقصد أن تعطينى أربعمائة وحدة إن أخذته قبل شهرين ..


- أما بعد تلك المدة فلابد أن يزيد الثمن .. 

لا أعلم سر هذا الغباء فى زيكولا .. 


 


فشاط خالد غضباً , و كاد يلكمه .. 

و لكنه تمالك أعصابه حين نظر إلى هذين الرجلين , 

و ما يخفيانه من شر .. ثم تحدث فى هدوء :


- لسة بقول إنك أخى ..


فضحك هلال و نظر إلى الرجلين :


- لقد أخبرتكم أنه مجنون .. ثم نظر إليه :


- اعتقد أنك تملك الكثير .. 

لن تصبح فقيراً إن أعطيتنى المائة وحدة الإضافية ..


ثم تحرك إلى إحدى الغرف , 

و عاد و بيده ذلك الكتاب و حدّث الرجلين :


- إن الوقت يمر , و مازال صديقنا يفكّر  .. 

حسناً , سأمزق آخر ورقة بالكتاب ..   

و همّ أن يمزقها فأمسك خالد بيده , و نظر فى عينه بقوة :


- أنا موافق إنى اشترى الكتاب مقابل الخمسميت وحدة ..


فضحك هلال :


- حسناً .. و أنا أعطيك الكتاب ..


 


فانتزعه خالد فى غضب , و احتضنه بين ذراعيه , 

و تحدّث كأنه يتحدث إلى الكتاب :


- المهم إن الكتاب معايا .. 

الوحدات اللى فقدتها أقدر أعوّضها 

قبل يوم زيكولا إن شاء الله ..  

لسة تلات شهور على يوم زيكولا لو كان المولود ولد .. 

لو عملت زى الفترة اللى فاتت 

أقدر أوّفر حوالى خمسميت وحدة .. 

و استعيد كل مخزونى و أكتر .. 

ثم نظر إلى هلال , و الذى بدأ يشرب الخمر مع الرجلين 

و قال :


 


- أتمنى إنك متكونش أخى فعلاً .. و أكمل :


- لإنك عار  ..


فضحك هلال ببرود :


- هيا .. أخرج من هنا أيها المجنون 

قبل أن نأخذ منك الكتاب مجدداً ..


فرد خالد :


- وقتها .. اقتلونى أولاً ..


 


 ثم أخذ كتابه , و خرج , و أغلق الباب خلفه بعنف .. 

ثم امتطى حصانه , و أسرع به يغادر ذلك المكان .. 

و تناسى ما دفعه من وحدات إضافية .. 

و أصبح همه أن يقرأ ما بهذا الكتاب .. 

حتى وصل إلى مكان لا يوجد به الكثير من أهالى 

تلك المنطقة , و جلس بجوار عمود أُنيرت فوقه نار للإضاءة .. و أخرج كتابه مسرعاً , و بدأ يتصفّحه , 

و يقلًب صفحاته فى لهفة .. 

و يقرأ بعينيه سطوره مسرعاً .. 

ينظر إلى صفحاته الصفراء .. 

و ما كُتب بها بخط اليد , و كأنه أمل انتظره لسنوات ..


 


***


 


وجد خالد صاحب الكتاب يذكر فى بدايته 

أنه قد كتب هذا الكتاب فى القرن الثامن عشر .. 

و أن تلك النسخة هى النسخة الثانية له , 

بعدما ضاعت نسخته الأولى دون أن تكتمل .. 

فتذكّر خالد صفحات الكتاب العشر البالية , 

و التى تحدثت عن سرداب فوريك , 

و قرأها قبل أن يأتى إلى زيكولا حين أعطاها له صديق جده .. مجنون السرداب ..


ثم قلّب خالد صفحات الكتاب فى سرعة .. 

فوجد تلك الصفحات العشر فتجاوزها , 

حتى وصل إلى تلك الصفحة 

و التى انتهت بأنه اكتشف ما هو أهم من كنوز فوريك .. فكانت مثلما توقّع خالد بأنه سيتحدث عن اكتشافه لأرض زيكولا ..


ثم قلّب بعض الصفحات , فوجده يتحدّث عن أهل زيكولا , 

و عن تعاملهم بوحدات الذكاء , 

و يوم زيكولا , و ذبح الأفقر كل عام , 

و ما تركه ذلك من طباع على هؤلاء الناس .. 

فقلب تلك الصفحات مسرعاً .. 

و كلما قرأ شيئاً يعرفه تجاوزه .. 

لا يريد أن يضيع ثانية واحدة  .. 

حتى وجد صفحة مكتوب بها ..


 


((-  لقد أفنيت عمرى أبحث عن سر تلك الأرض .. 

و لكننى لم أجده حتى لحظة كتابة كتابى هذا .. 

و لكننى أعلم تماماً أننى لست المصرى الوحيد 

الذى أتى إلى تلك الأرض ..


- لقد عثرت صدفة على بعض المخطوطات , و التى أخبرتنى بعضاً من الحقائق التى وضعتها نصب عينيّ ..))


فاندهش خالد .. و أكمل قراءةً :


 


(( - لقد ذكرت المخطوطات البالية 

أن الكثيرين قد أتوا إلى تلك الأرض بعد بناء سرداب فوريك .. فبعدما شُيّد ذلك السرداب ببراعة معمارية لم يكن لها مثيل .. أُعجب به((فوريك)) ذلك الثرى كثيراً , 

و وضع به كل ما يملك من كنوز و ثروة لم يكن لها مثيل 

فى ذلك العصر .. حتى طمع الكثيرون بها 

فاتجهوا إلى السرداب كى يسرقونها ..  

و حين علم فوريك بذلك أمر حراسه بأن يغلقوا أبوابه .. 

فظلوا بداخله دون أن يجدوا مخرجاً .. 

حتى مات بعضهم , و  ظل الباقون يبحثون عن مخرجٍ 

حتى وجدوا ذلك المخرج إلى تلك الصحراء .. 

و التى لم تكن بها سوى تلك المدينة , 

وسورها القوى الذى لم يكن قد اكتمل وقتها .. 

فاستقروا بها , و ظنوا أن تعاملهم بوحدات الذكاء 

ما هو إلا عقاباً لهم على نزولهم السرداب 

و محاولتهم سرقة كنوز فوريك  .. و بعدها كثر عددهم  .. 

و عاشوا مع سكان زيكولا الأصليين .. و تكاثروا بينهم  .. ))


 


((- و تقول المخطوطات أنهم لم يتذكروا شيئاً 

عن حياتهم السابقة , سوى تقويمهم الذى كتبوه 

على سور زيكولا منذ  دخولهم إليها .. 

و لغتهم العربية و التى بدأوا يعلمونها سكان زيكولا .. 

حتى أنهم نسوا دينهم , و أصبح الكثيرون منهم من الكسالى الذين اتجهوا للمنطقة الشمالية فى ذلك الوقت قبل قرون .. حيث يكسبون ثرواتهم دون أن يعملوا بجد .. ))


 


وواصل خالد تصفحه لصفحات الكتاب متعجلاً .. 

و كأنه لا يهمه ما فاته مما ذكره الكتاب .. 

يبحث عن هدف واحد لا يريد غيره .. 

و أخذ يقلب حتى وصل إلى تلك الصفحة 

التى قرأها منذ شهرين و كُتب بمنتصفها :


"- الطريق إلى سرداب فوريك .."


فأخذ يقرأها متلهفاً .. حتى وجد الكاتب يقول :


- إننى جئت إلى زيكولا مرتين  .. 

و أعلم جيداً الطريق إلى ذلك السرداب , 

و لكننى أحببت العيش هنا .. و لن أغادر حتى أموت  ..


ثم قرأ خالد بعض السطور مسرعاً  .. 

ووصل إلى سطر يقول :


- حين سرت بسرداب فوريك لأول مرة , و بدأ انهياره .. 

و أسرعت هرباً خوفاً من ذلك الانهيار .. 

لم يدر بخلدى وقتها أنه يدفعنى إلى طريق يريده السرداب ... فتذكر خالد نفسه حين كان بالسرداب و حدث الانهيار, 

و أكمل قراءة :


 


 - و لكننى تذكرت بأن هناك طريقاً آخر 

قد أبعدنى عنه انهيار السرداب .. 

و أدركت أنه طريق العودة مجدداً .. 

بعدما انهار طريق مجيئى ..و اختفى بالصحراء ..


فدق قلبه بقوة  , و أكمل : 


" - إن جاء أحد من بعدى , و لم يقرأ كتابى .. 

سيظن أنه لابد أن يخرج من زيكولا 

كى يعود إلى مصر مجدداً  .. و هذا الغباء ذاته .. 

من يأتى إلى تلك الأرض و يريد أن يعود إلى دياره , 

و أن يصل إلى سرداب فوريك مجدداً  .. 

لابد أن يدخل زيكولا .. 

و يكون كالشمس , و ينحت فى الصخر .. 

فيجد باب السرداب الآخر أمام الرأس مباشرة .. "


 


و انتهت الصفحة , و معها انتهت صفحات الكتاب .. 

فأعاد خالد القراءة مرة أخرى بعدما لم يفهم شئ :


- من يريد أن يصل إلى سرداب فوريك , 

لابد أن يدخل زيكولا , و يكون كالشمس , و ينحت فى الصخر . سيجد باب السرداب الآخر أمام الرأس مباشرة ..


ثم سأل نفسه :


- أى شمس ؟!


- و أى رأس ؟!


- و يقصد إيه بالنحت فى الصخر ؟!! 


- أى رأس ؟!!


و قلّب صفحات الكتاب مجدداً .. و سأل نفسه .. 

و سأل الكتاب .. أى شمس ؟ .. أى رأس ؟ .. 

ثم نهض و تحرك مسرعاً , 

و دخل مكاناً به الكثير من أهالى المنطقة الشمالية .. يشربون الخمر , و يتراقصون  .. 

فصاح بأحدهم , و أشار إلى تلك الصفحة بكتابه :


- هل تفهم ذلك ؟


- كيف أنحت فى الصخر أمام الرأس ؟!


فضحك الرجل :


- هل أنت مجنون ؟!


فسأل آخر فلم يجبه .. فسأل غيره فلم يجبه .. و ظل يسأل كل من يقابله عما قرأه ,كالمجنون فلم يجبه أحد .. 

ثم جلس على إحدى الطاولات  .. 

و بدأ يقرأ تلك السطور الأخيرة  .. 

و يكررها بصوت عالٍ .. 

و لكنه لم يفهم منها شيئاً .. حتى وجد أمامه كأساً من الخمر فشربه دون أن يدرك أنه خمر .. و شرب منه مجدداً .. 

و ظل يقرأ و يفكر دون أن يصل لشئ  .. 

و كلما انتهى ذلك الكأس أمامه ملأه النادل من جديد .. 

حتى ظهر تأثير الخمر عليه .. 

فوقف فوق الطاولة التى كان يجلس عليها .. 

و أمسك زجاجة الخمر بيده , و الكتاب بيده الأخرى .. 

ثم صاح ضاحكاً فى سخرية إلى من يجلسون بذلك المكان :


 


- ظللت أحلم أن أجد هذا الكتاب .. 

و أبحث فى كل مكان بتلك المدينة اللعينة ..  

ثم شرب قليلاً من الخمر  , و تابع :


- و حين وجدته  .. ظللت أعمل , و أعمل , و أعمل  .. 

لا آكل ..  و لا أنام حتى أحصل عليه ..       


 ثم صمت , و ضحك مقهقهاً , و أكمل :


- و قد حصلت عليه اليوم ..  

مقابل خمسمائة وحدة من ذكائى .. 


 فنظروا إليه .. 

و كأنهم لا يصدقونه فأكمل , و قد أحمرّ وجهه من الخمر:


- لا تندهشوا .. لو طلب منى ذلك المعتوه  .. 

الذى قد يكون أخى أكثر من ذلك لدفعت ..  

ثم شرب كثيراً من الزجاجة , 

و أكمل بعدما ترنّح فوق الطاولة , 

و بدأ لسانه يتلعثم بالحديث :


 


- و فى النهاية علمت لماذا لم يستطع أبى الخروج من هنا , و معه هذا الكتاب ..


فسأله سكيرٌ يجلس على طاولة بعيداً :


- لماذا أيها المجنون ؟


فأشار إليه خالد ضاحكاً ثملاً :


- سأخبرك أيها السمين ..  لابد أن القصة قد أعجبتك .. سأخبرك ..


- يبدو أن صاحب هذا الكتاب اللعين خشى 

أن يذهب أحدكم إلى ذلك السرداب  .. 

لا أعلم لماذا خشى أن تذهبوا إلى هناك .. 

ليت أهل زيكولا يذهبون إلى بلدى فيجعلونهم يعملون .. 

و لا يعتمدون على غيرهم , مثل زيكولا .. ثم ضحك عالياً :


 


- لقد وضع لغزاً بآخره  ..


ثم جلس على الطاولة  , و وضع رأسه بين يديه ..  

ثم رفعها مجدداً , و ضحك ضحكة يشوبها ألم كبير :


- كان يعلم أنكم تتعاملون بالذكاء .. كان يعلم أنكم أغبياء .. 

لن تستخدموا ذرة ذكاء واحدة لتفكروا فى هذا اللغز .. 

و هدأ صوته :


- و يبدو أننى سأظل مثل أبى .. 

طوال عمرى أبحث عن ذلك المخرج .. إننى غبى مثلكم ..


ثم نهض مجدداً فوق الطاولة .. 

و رفع الكتاب بيده  , و صاح بصوته السكير :


- و الآن .. من يريد أن يشترى هذا الكتاب 

مقابل عشر وحدات من الذكاء ؟


الحلقة الخامسة عشر من رواية ( ارض زيكولا )


ظل خالد هكذا يهذى لما أصابه من ألم الصدمة , 

و لم يجبه أحد فعاد مجدداً , و صاح بصوته :

- ألا يستحق عشر وحدات ؟! .. صدقونى إنه ثمين .. 

ثم أكمل :

- حسناً .. خمس وحدات ؟ ..

فلم يجبه أحد مرة أخرى فتمتم إلى نفسه بكلمات غير مفهومة ثم نزل من فوق الطاولة .. 

و سار خارجاً من ذلك المكان وسط سخرية كل من يقابلونه 

و تحرّشات فتيات الليل .. 

يسير مترنحاً لا يدرى بشئ من حوله , 

و فى يده كتابه يلوحّ به إلى من يقابله , و يضحك ثملاً .. حتى عاد إلى المكان الذى يقف به حصانه .. 

و ما إن وصل إليه حتى سقط و كأنه فقد وعيه ..


فى صباح اليوم التالى , كان خالد نائماً على جانبى أحد شوارع تلك المنطقة بجوار حصانه .. 

حتى فتح عينيه فجأة حين فوجئ بفيضٍ من الماء البارد 

ينسكب فوق رأسه .. 

و ما إن نظر أمامه حتى وجد تلك الفتاة 

التى أرشدته إلى هلال من قبل .. فتاة الليل .. 

و بيدها إناء فارغ , و ضحكت :

- لست وحدك من تسكب الماء ..

فنهض خالد مسرعاً , و نظر إلى ملابسه المبتلة .. 

و أمسك رأسه من الألم ثم نظر إليها غاضباً , 

فأسرعت مبتعدة عنه , و حدّثته ضاحكة :

- هيا عد إلى حيث جئت .. لن يفيدك أن تبقى هنا ..

فصمت, و لم يتحدّث ثم أمسك بلجام حصانه , و امتطاه .. 

و بدأ يتحرك به ببطء مبتعداً عن الفتاة .. حتى صاحت إليه :

- كنت أتمنى ألا أراك هكذا ليلة أمس ..

ثم صمتت , و صاحت مرة أخرى :

- كنت أظنك أقوى من ذلك ..

فأوقف خالد حصانه ثم إلتفت إليها .. و تحدّث بصوت هادئ :

- أنا آسف ..

ثم استدار مجدداً , و أمر حصانه أن ينطلق بين شوارع تلك المنطقة إلى أطرافها حيث طريقه إلى المنطقة الشرقية ..

***

كان الحصان فى طريقه نحو المنطقة الشرقية .. 

و خالد يريد أن يلقى بنفسه من فوقه 

ندماً عما فعله ليلة أمس .. 

لا يصدق أنه ثمل و لم يتحمل صدمة لغز الكتاب .. 

يتحدث إلى نفسه و يؤنّبها .. 

كانت المرة الأولى التى يشرب خمراً .. 

لا يتذكر عما تحدّث إلى السكارى .. 

و لكنه لم يوّد لحظة واحدة أن يكون هكذا .. 

ينظر إلى السماء و يستغفر ربه .. 

و يحدّث نفسه بأنه لن يفعلها مجدداً .. 

ثم تذكّر الكتاب , و ذلك اللغز .. ماذا يقصد كاتبه ؟.. 

كيف يكون كالشمس ؟ .. كيف ينحت فى الصخر ؟ .. 

و أى رأس تلك ؟.. 

و ظلّ هكذا حتى وصل إلى أطراف المنطقة الشرقية 

مع حلول الليل .. و اتجه إلى شاطئ البحيرة .. 

و ما إن وصله حتى غلبه النعاس من التعب 

و ألم رأسه الشديد .. 

فآثر أن يستريح حتى صباح اليوم التالى ..

***

فى صباح اليوم التالى , استيقظ خالد من نومه , 

و لم يكد يفتح عينيه حتى وجد أسيل تأتى إليه مسرعة .. 

و سألته فى لهفة :

- هل حصلت على كتابك ؟

فابتسم ابتسامة يعتريها حزنٌ :

- نعم ..

ثم نهض , و سار بضع خطوات تجاه البحيرة .. 

و ألقى بنفسه فى مائها .. 

يرتدى بنطاله , و نصفه العلوى عارٍ 

بعدما ألقى بقميصه على شاطئها .. 

و أخذ يغمر جسده بالماء , حتى سألته أسيل , 

و هى تقف أمام البحيرة :

- خالد .. هل دفعت الكثير من مخزونك ؟!!

فصمت خالد , و أكمل سيره إلى داخل البحيرة , ثم أكملت :

- خالد .. أراك شاحباً اليوم , و شحوبك مميز .. 

إنك أنفقت الكثير من ثروتك .. تجاوزت ثمن الكتاب ..

فتوقف ثم التفت إليها :

- أيوة .. هلال طلب منى مائة وحدة إضافية ..

حتى صاح صوت فى دهشة :

- مائة وحدة ؟!!

فالتفتت أسيل فوجدت يامن قد جاء .. فأكمل خالد إليهما :

- نعم , مائة وحدة .. لقد طلب منى خمسمائة وحدة 

مقابل ثمن الكتاب , و إلا قطّع صفحاته ..

ثم سار خارجاً من الماء .. و المياه تتساقط من جسده 

و بنطاله المبللين, ثم ارتدى قميصه , و سأل يامن :

- ليه مرحتش عملك ؟

فضحك يامن :

- أخبرنى أحد أنك جئت بالأمس بعد حلول الليل , 

فجئت كى آخذ الحصان , و أعيده إلى صاحبه , 

و أرى أثمن كتب زيكولا .. 

بعدها قد أذهب إلى عملى أو لا أذهب اليوم .. 

إن تلك اللحظة لا يضيعها عاقل , ثم سأله :

- أين الكتاب ؟

فصمت خالد حتى نطقت أسيل :

- خالد .. مالى أراك حزيناً ؟!

فتحرك خالد إلى جوار شجرته , و أخرج الكتاب 

من بين أغراضه ثم ألقاه إلى يامن .. و تحدّث ساخراً :

- ده أغلى كتاب فى زيكولا ..

فالتقطه يامن فرحاً , و ظل يتأمله و أكمل خالد :

- للأسف كنت مفكر إنى مجرّد مالاقيه هقدر أخرج من هنا بعد يوم زيكولا .. بس تقريباً اللى يدخل زيكولا 

صعب إنه يسيبها ..

فقاطعته أسيل فى دهشة :

- ألم يتحدث الكتاب عن سرداب فوريك ؟!!

فرد خالد :

- الكتاب تحدّث عنه , و عن فوريك , و عن مصر .. 

و الغريب إن الكتاب بيقول إنى ممكن أخرج قبل يوم زيكولا .. و إنى مش مضطر انتظر لليوم ده .. 

و إنى عشان أرجع لبلدى كان لازم أدخل زيكولا .. 

ثم أخذ نفساً عميقاً و زفره بقوة :

- لكنه ترك لغزاً فى نهايته .. لمخرج السرداب ..

أسيل :- أى لغز ؟

فنظر إلى يامن ثم سأله أن يقرأ آخر سطور الكتاب .. 

فبدأ يامن يقرأ :

" - من يأتى إلى تلك الأرض , و يريد أن يعود إلى دياره , 

و أن يصل إلى سرداب فوريك مجدداً .. 

لابد أن يدخل زيكولا .. 

و يكون كالشمس , و ينحت فى الصخر .. 

فيجد باب السرداب الآخر أمام الرأس مباشرة .."

بعدها صمت يامن , و كأنه لم يفهم شيئاً .. 

و صمتت مثله أسيل .. و صمت خالد حتى نطق :

- أول مرة أحس إنى ضعيف كانت فى اللحظات 

اللى قريت فيها اللغز .. مش عارف إيه اللى حصل لى .. حسيت إنى بعد ما مسكت الأمل بإيدى .. راح فجأة .. 

و كأنه تبخّر , و شربت خمراً للأسف ..

فقاطعته أسيل :

- شربت خمراً ؟!

فرد خالد :- أيوة للأسف .. 

اعتقد إن تصرفى ده كان نتيجة الصدمة ..

فقالت أسيل :

- أو نتيجة لشئ آخر , و هو فقدانك لذكائك .. 

إنك فقدت وحدات كثيرة من ذكائك فى وقت قليل .. 

لا تنس أن مخزونك كان قد زاد بعد إدخارك لثمن الكتاب .. 

ثم انفقته فجأة , و معه مائتى وحدة إضافية لـ هلال 

و ثمن استئجار حصانك .. 

أى شخص مكانك كان سيتصرف بغرابة .. 

كان سيفعل أى شئ بعيداً عن شخصيته الحقيقية .. 

و لن يلومه أحد .. إنه تصرّف لا إرادى .. 

إنك أصبحت مثلنا يا خالد ..

فصمت خالد .. ثم نطق يامن :

- و هل لا يوجد حل هذا اللغز فى الكتاب ذاته ؟!

فأجابه:

- لا .. أنا قريت الكتاب بسرعة .. 

و كان بيتكلم عن أهل زيكولا , و عن حياتكم , 

و اللغز موجود فى آخر الكتاب بس ..

ثم أكمل :

- أنا متأكد إنه لغز سهل .. ممكن يكون سهل للغاية .. 

بس محتاجنا نفكّر ..

فقال يامن على الفور فى دهشة :

- نفكّر ؟!!! 

ثم التفت بوجهه , و كأنه يهرب 

فظهر الغضب على وجه خالد , و صاح به :

- أيوة .. صاحب الكتاب أكيد كان عارف إن زيكولا 

مفيش حد فيها بيفكر , أو يستخدم ذكاءه من شدة بخلهم .. 

بس انتوا لازم تساعدونى .. ثم نظر إلى أسيل :

- أسيل .. لازم تفكّرى .. لازم تساعدينى .. أنتى غنية .. يعنى ذكية , أنتى أذكى مننا بمراحل ..

فصمتت دون أن ترد ثم نظر إلى يامن :

- و أنت عارف زيكولا أكتر منى .. لازم تفكر .. لازم ..

ثم صاح إلى الاثنين بعدما صمتا , و لم ينطقا :

- عارف إن تفكيركم بذكاء هيقلل من ثروتكم .. 

بس هتحسوا بالفخر لو قدرتوا تحلّوا اللغز ده ..

فلم يردا مجدداً .. 

فصمت خالد , و جلس أمام البحيرة , 

و أعطى ظهره لهما حتى نطق يامن :

- حسناً .. سأفكر يا خالد , 

و لكن عليّ أن أعيد الحصان إلى صاحبه الآن .. 

و أن نذهب إلى عملنا سوياً ..

فصاح خالد :

- لن أعمل الآن ..

فاقتربت أسيل منه :

- خالد , لا تيأس .. 

اعتقد أنك قوى بما يكفى لتجد حلّاً لهذا اللغز ..

فرد خالد مبتسماً:

- قوى ؟! .. إن اللغز يحتاج إلى ذكى .. 

إن رجال زيكولا أقوياء , و لكنهم ليسوا أذكياء .. 

إن اللغز يحتاج إلى من يفكر .. و أنا سأفكر ..

ثم نظر إلى يامن الذى كاد يغادر , و صاح به :

- يامن .. اجلس .. 

لن تذهب إلى عملك قبل أن نجد حل هذا اللغز ..

فاندهش يامن حتى أكمل خالد , و هدأ من ثورته :

- اجلس يا يامن .. 

سأعطيك أجرك عن عملك , و لكن فكر معى .. 

أريد مساعدتك , ثم نظر إلى أسيل :

- أسيل .. ستجدين معنا الحل .. فابتسمت أسيل , و ردت :

- حسناً ..

ثم جلس كلاهما , و تحرك خالد أمامهما جيئة و ذهاباً , 

و بدأ يتحدث :

- أنا فقدت تقريباً خمس مخزونى من الذكاء 

فى الأيام اللى فاتت .. 

بس لسة عندى اللى يكفى إنى أفكّر .. 

و أنا هفكر لآخر لحظة فى حياتى .. 

ثم رفع الكتاب بيده , و تحدّث إليهما :

- اللغز بيقول ..

- يكون كالشمس .. و ينحت فى الصخر .. 

و الباب أمام الرأس ..

- يكون كالشمس .. ينحت فى الصخر .. الباب امام الرأس ..

ثم نظر إلى يامن :

- فيه تماثيل موجودة فى زيكولا ؟

فرد يامن :- لماذا ؟!

فأجابه:- قد يكون يقصد رأس تماثيل ..

فصمت يامن قليلاً ثم تحدّث :

- لا اعتقد .. , و أكملت أسيل :

- لا توجد تماثيل فى زيكولا 

إلا تلك التى ينحتها نحاتو زيكولا لفقراء يوم زيكولا .. 

حين تلعب لعبة الزيكولا , ثم تُحطم جميعاً .. 

أصحابهم الذين ينجون من اللعبة من يحطمونها .. 

إنها نذير شؤم لهم ..

فصمت خالد , و تحرك بعض الخطوات جيئة و ذهاباً مرة أخرى , و همس إلى نفسه:

- لا يوجد تماثيل ..

بعدها نظر إلى أسيل :

- كيف أنحت فى الصخر يا أسيل ؟

فصمتت قليلاً ثم تحدّثت :

- إنك تكسر الصخور بالفعل .. فضحك يامن :

- و أنا أيضاً .. فنظر إليه خالد غاضباً , فصمت ثم أكمل خالد إلى أسيل :

- و لكن لا توجد رؤوس هنا فى المنطقة 

اللى بكسر فيها الصخور .. 

ثم صمتوا جميعاً , حتى نطق خالد بعدما أطلق صفيراً هادئاً :

- و كيف أكون كالشمس ؟!!

فضحك يامن :

- إنك مضئ مثلها يا خالد , و غضبك مثل حرّها الشديد .. فقاطعه غاضباً :

- ليتنى تركتك تذهب إلى عملك .. أصمت يا يامن .. 

لا أريدك أن تتحدّث.. إنك اليوم أغبى مما كنت اتخيل ..

فصمت يامن , و عاد بظهره إلى الخلف راقداً أمام البحيرة .. و خالد ما زال يفكّر , و يتحدّث إلى نفسه .. 

و أسيل تترقّبه فى صمت , حتى نظر إليها :

- أسيل .. ساعدينى ..

فابتسمت أسيل :

- حسناً يا خالد .. إننى أفكر الآن مثلك .. ثم أكملت :

- لا توجد رؤوس , و أنت كسرت الصخور بالفعل .. 

هل قرأت الكتاب جيّداً ؟

فرد خالد :

- اعتقد ..

فصمتت مجدداً .. و بدأ الوقت يمر .. 

و خالد لايكف عن الحركة .. 

و أسيل تضع رأسها بين يديها , 

و تفرك شعرها الناعم و كأنها تفكّر .. 

و يامن نائماً على ظهره , 

واضعا إحدى قدميه فوق ركبة رجله الأخرى .. 

حتى غربت الشمس , و لم يصلوا إلى شئ .. 

حتى نطق خالد فى يأس :

- أرى أننى أصبحت غبياً بالفعل ..

فتحدثت أسيل مبتسمة :

- سنجد الحل يا خالد .. سنجده ..

و يامن يستمع إليهما - و مازال راقداً - , و ينظر إلى النجوم التى تملأ السماء .. حتى تحدّث إلى خالد :

- أنا أعتذر حقاً يا خالد .. 

إننى أريد أن أساعدك , و لكننى لا استطيع ذلك .. 

كانت أمى تخبرنى دائماً 

أن إياد صديق عمرى أكثر منى ذكاءً .. 

و لكن أين نجد إياد الآن .. 

إنه فى المنطقة الغربية يكسر الصخور مثلنا ..

فالتفت إليه خالد , و سأله فى لهفة :

- يكسر الصخور ؟!!

فرد يامن مندهشاً من لهفة خالد :- نعم ..

فسألهما خالد :- هو فيه منطقة صخرية غير المنطقة الشرقية ؟

فأجابت أسيل :

- نعم .. المنطقة الغربية أيضاً منطقة صخرية .. 

نعم , إنك لم تذهب إليها ..

فصمت خالد كأنه يفكر .. 

و لمعت عيناه , و تحرك تجاههما مسرعاً .. 

و وضع بعض الأخشاب فى النار التى أشعلها يامن

من قبل كى تزداد إنارتها .. ثم تحدث :

- لما كنت فى سرداب فوريك .. 

انقسم السرداب إلى طريقين .. أنا أخدت طريق منهم .. 

و السرداب أبعدنى عن طريق تانى .. طريق المخرج ..

بعدها جلس على الأرض أمام يامن الذى نهض و جلس , 

و أسيل التى تابعته فى ترقّب .. 

ثم أمسك بقطعة خشب صغيرة , 

و بدأ يرسم على الرمال أمامهما .. 

و رسم خطاً طويلاً , و تحدّث :

- إن كان ده طريق السرداب الرئيسى ..

ثم رسم خطاً مُتفرعاً منه , و يسير تجاه يامن و أسيل .. 

و أكمل حديثه :

- و أنا أخدت الطريق ده لحد ما جيت فى الصحرا خارج زيكولا ..

ثم رسم خطاً آخر متفرعاً من الخط الرئيسى أيضاً ..

و لكنه معاكسٌ للفرع الذى رسمه من قبل , و أكمل :

- و الطريق ده اللى السرداب أبعدنى عنه .. 

طريق المخرج على حسب كلام الكتاب ..

ثم وقف على قدميه , و تحرك خطوتين للخلف , و ابتسم :

- الآن تأكدت أن زيكولا أخذت من ذكائى الكثير .. 

ازاى مفكّرتش فى ده ..

ثم أشار إليهما بأن ينظرا إلى الفرع الذى رسمه تجاههما , 

و نطق :

- هو ده الطريق إلى شرق زيكولا .. أكيد هو ..

ثم أشار إلى الخط المتفرع المعاكس له و هدأ صوته , 

و ابتسم :

- و هو ده الطريق إلى غرب زيكولا ..

و أكمل :

- المنطقة الوحيدة التى لم أزرها فى زيكولا .. 

المنطقة الغربية ..

ثم نظر إلى السماء حيث النجوم التى برزت .. 

ثم نظر إلى يامن و أسيل :

- لم يقصد بالشمس أننى مضئ يا يامن ..

- إنه قصد بالشمس .. حركتها ..

- من الشرق إلى الغرب ..

- إنه أسهل مما تخيلت .. 

إنه سهل للغاية , و لكن لشخص لم يفقد ذكاءه .. 

شخص عايز يفكر ..

فضحك يامن , و ابتسمت أسيل .. 

ثم توقفت عن ابتسامتها , و تحدّثت :

- و لكن يبقى الرأس ..

فابتسم خالد : سأجدها ..

فقاطعه يامن :

- و ما الذى يؤكّد لك أنها حقاً المنطقة الغربية ؟

فأجابه خالد بلهجته بعدما تنوّعت لهجته مابين لهجته الأصلية 

و لهجة زيكولا :

- لست متأكداً .. و لكن لم يعد وقتاً سوى للمجازفة .. 

إن خشيت المجازفة سأظل مثل أبى .. هنا طوال عمرى .. 

و تابع :

- سأذهب إلى هناك .. 

و أعتقد أننى سأجد تلك الرأس بسهولة .. 

لابد و أن يكون بقية اللغز أسهل مما نتخيل .. 

فضحكت أسيل :

- يبدو أن الذكاء فى بلدكم يختلف عن الذكاء هنا .. 

و أكملت :

- لو فقد أحد مثلك , خمس ذكائه لما نطق ..

فابتسم خالد : اتمنى أن تكون شكوكى سليمة .. 

و أن يكون صاحب الكتاب قصد يخليه سهل كدة ..

فضحك يامن , 

و أمسك بلجام الحصان الذى كان يقف بجوارهم :

- حسنا يا ذكى .. 

و لكن المنطقة الغربية أبعد من المنطقة الشمالية .. 

هل ستستأجر حصاناً يكلّفك المزيد من ذكائك ؟!

فصمت خالد مفكراً .. حتى نطقت أسيل :

- لا .. إنه استأجر حصاناً إلى المنطقة الشمالية 

لأننى لم أكن أذهب إلى هناك .. 

أما المنطقة الغربية فسأذهب إليها بعد عدة أيام .. 

هل تنتظر , و تأتى معى ؟

فابتسم خالد , و رد على الفور :

- أيوة .. هنتظر ..

فابتسمت أسيل :

- حسناً .. عليك أن تعمل حتى نذهب إلى هناك .. 

عليك أن تحاول إعادة أجزاء و لو قليلة من ثروتك .. 

فابتسم خالد ثم نظرت أسيل إلى يامن :

- و أنت ؟ .. لا تريد أن تساعد صديقك هناك ؟ .. 

فنظر إليها يامن مندهشاً حتى أكملت :

- إننى أريد مساعداً آخر مع خالد .. 

و لكننى لن أدفع لك أكثر من أربع وحدات باليوم , 

و ملابس جديدة لك ..

فصمت يامن ثم ضحك :

- مساعد طبيبة ؟!! .. حسناً لم لا ؟! ثم تمتم إلى نفسه :

- مساعد طبيبة صباحاً .. 

و باحث عن رأس مجهولة مع صديق بعد الظهيرة .. 

لا أظن أن هناك ما يمنع ذلك ..

بعدها تحدّثت أسيل إلى خالد :

- الآن سأغادر يا خالد .. 

و سأقابلكما هنا صباحاً بعد ستة أيام 

حتى نتّجه سوياً إلى هناك , ثم نظرت إلى يامن :

- و أنت , سيأتيك أحد بالملابس الجديدة قبلها بيوم .. 

ثم غادرت , فضحك خالد و نظر إلى يامن :

- ستكون مساعداً لمساعد الطبيبة ..

فرد يامن ضاحكاً :

- أظن أنها تريدنى أن أكون سائقاً لعربتها ..

ثم أمسك بلجام الحصان , و همّ ليغادر :

- الآن على أن أتركك .. 

إننى لم أضع شيئاً فى حلقى منذ الصباح .. 

هل ستأكل أنت الآخر ؟

فرد خالد :

- لا .. أنا سأنام .. ربما آكل غداً .. ثم تابع :

- إن طعامى الآن يأخذ من ذكائى .. 

و أنا احتاج كل وحدة حتى أجد ذلك الرأس و ذلك المخرج ..

فابتسم يامن :

- حسنا , أراك غداً فى العمل .. 

و سأخبر العمال بأننى أمسكت أثمن كتب زيكولا بيدى .. 

كتاب ينقذ فقيرين من ذبح يوم زيكولا .. 

ثم ضحك , و غادر هو الآخر .. 

و ظل خالد بمفرده بجوار شجرته على شاطئ البحيرة ..


مرت الأيام يوماً تلو الآخر , و خالد يعمل مع يامن .. 

و يقرأ الكتاب أكثر من مرة باليوم , و يقارن بين ما ذكره الكتاب عن أهل زيكولا و بين ما كتبه هو فى أوراقه .. 

و يحاول أن يسأل الكثيرين ممن ذهبوا إلى المنطقة الغربية من قبل , لعل أحدهم يدرك سر ذلك الرأس .. 

يعلم أن ذهابه إلى هناك مجازفة 

و قد لا تكون ما يقصده صاحب الكتاب .. 

و لكنه لم يجد حلاً آخر ..

حتى جاء اليوم السادس , 

و كان فى انتظار أسيل و عربتها عند البحيرة .. 

حتى وجد يامن يقترب من بعيد , و قد ارتدى زيّاً جديداً, 

جلباباً أزرق قصيراً و مزركشاً , 

و يظهر من تحته بنطال فضفاض .. 

و يسير متباهياً بزيّه , و ينفض كل لحظة عن أكمامه .. فضحك خالد حين رآه , ثم سأله يامن على الفور :

- ألستُ وسيماً فى هذا الزى ؟

فضحك خالد :

- إن ملابسك أجدد كثيراً من ملابسى ..

فضحك يامن :

- إننى أعمل بمقابل .. أما أنت فتعمل مقابل 

ذهابك إلى مناطق زيكولا ..

بعدها وصلت عربة أسيل , و ما إن رأى يامن السائق حتى همس إلى خالد :

- يبدوا أننى لن أعمل سائقاً .. سأعمل مساعداً حقاً ..

فضحك خالد حتى ظهرت أسيل من نافذة العربة , 

و نادت بصوتها فى ابتسامة :

- هيا ..

فحمل خالد جميع أغراضه , 

و كانت لفافة من القماش بها أوراقه و كتابه , 

و بعض كسرات الخبز القديم .. 

و ركب مع يامن العربة بمواجهة أسيل , 

و التى أمرت السائق أن يتحرك نحو المنطقة الغربية ..

***

انطلقت العربة , و بداخلها خالد و يامن و أسيل .. 

و يامن ينظر عبر النافذة مسروراً حتى أثار دهشة أسيل .. 

و يريد أن يخرج عبر النافذة كى يراه من يعمل معهم بزيّه الجديد .. أما خالد فظل صامتاً , و نظر عبر النافذة الأخرى .. و أسيل تترقّبه فى صمت حتى نطقت :

- هل وجدت شيئاً آخر لذلك اللغز ؟

فأجابها:

- لا .. كل أملى إن يكون ظننا صحيحاً .. 

و يكون فعلاً هناك المخرج ..

فصمتت ثم ابتسمت , و قالت :

- تريد أن تغادر زيكولا فى أسرع وقت .. 

لن تنتظر يوم زيكولا حتى .. ثم سألته :

- ماذا ذكر الكتاب عن تاريخ زيكولا ؟

فرد مبتسماً , و فضّل أن يجيبها بلهجتها :

- إن صاحب الكتاب لم يعرف هو الآخر سر زيكولا .. 

يبدو أنه لا أحد يعلم سر تلك الأرض .. 

و لكنه ذكر كيف تحدثتم العربية ..

فسألته أسيل :- كيف ؟!

فقلّب خالد صفحات الكتاب على عجل , و أشار إلى صفحةٍ به :

- يقول الكتاب أن هناك من جاءوا من بلدى إلى هنا من قبل , عبر سرداب فوريك منذ قرون ..

و هم من علّموا أهل زيكولا اللغة العربية .. 

أما بعض المناطق المجاورة فقد علّمها مَن جاء من بلدى 

و لم يدخل زيكولا ..

فضحك يامن , و قاطعه :

- حسناً .. إننا ندين لكم بالكثير ..

فابتسم خالد , و أكمل :

- و يقول أيضاً .. إنهم ممن سكنوا المنطقة الشمالية ..

فصمت يامن ثم أكمل ضاحكاً :

- لا ندين كثيراً ..

و سألته أسيل :

- هل ذكر أين زيكولا من أرضك ؟

فأجابها :

- لا, لم يذكر ذلك .. الشئ الذى أعلمه أنا و صاحب الكتاب .. أن الطريق بين أرضى و أرضكم هو سرداب فوريك .. 

و أكمل بعدما قلّب بعضاً من صفحات الكتاب :

- هو الآخر لم يستطع أن يجد تفسيراً لوجودكم , 

و وجود تلك الصحراء , و الأراضى , 

و آبار المياه التى توجد بها , و تلك السماء , و تلك الشمس .. فقال إن زيكولا أرض أخرى لا أحد يعلم أين هى .. 

سوى أنها نهاية سرداب فوريك .. 

يبدو أنها ستظل سراً أبديّاً لا يعلمه أحد ..


بعدها أكمل الثلاثة حديثهم عن الكتاب .. 

و بدأ خالد يقرأ لهما بعضاً من صفحاته , 

و اندهشا كثيراً حين قرأ لهما عن سرداب فوريك , 

و تصميمه البديع , و كيف يكون مضاءً ليلة البدر فقط , 

و كيف تمت تهويته , و حين يجدهما لايصدقان ما يسمعانه يخبرهما بأنه قد رأى ذلك بالفعل حين مرّ منه .. 

و مرّ الوقت , و الثلاثة يكملون حديثهم .. 

و يتنقلون من حديثهم عن الكتاب و ما به إلى هلال , 

ذلك الجشع الذى أخذ مائة وحدة إضافية, 

و ضحكا كثيراً حين أخبرهما خالد بأنه قد ثمل , 

و لا يتذكر شيئاً عما تحدّث به إلى الناس 

فى تلك اللحظات هناك .. 

ثم بدأوا يتحدثون عن تلك المنطقة التى يتجهون إليها , 

و نظر خالد إلى يامن , و قال :

- أنت قلت لى قبل كدة إن المنطقة الغربية بها سوق كبيرة .. بيتم فيها بيع و شراء جميع منتجات زيكولا الزراعية 

أو الصناعية ..

فأجابه يامن :

- نعم .. تلك المنطقة يقصدها الكثيرون 

رغم بعدها عن منطقتنا , و قاطعته أسيل :

- و لكنها أكثر قرباً إلى منطقة الحاكم 

التى نمر أمامها الآن ..

فنظر خالد عبر النافذة , فوجد قصور المنطقة الوسطى , 

و أكمل يامن :

- و قريبة أيضاً من المنطقة الجنوبية .. 

منطقة الزراعة , و عُرفت دائماً أنها أرض الشراء و البيع 

فى زيكولا .. و أن الأسعار بها أرخص كثيراً من مثيلاتها 

فى المناطق الأخرى .. 

فيلجأ إليها الكثيرون من أهالى زيكولا ..

فتحدّثت أسيل :

- إنها منطقة تجار زيكولا .. 

و هم يعيشون بها رغم أنها منطقة يصعب العيش بها .. 

ثم أكمل يامن :

- و منذ سنوات قريبة أصبحت المنطقة المنافسة لمنطقتنا 

فى صناعة الطوب من الصخور .. 

بعدما بدأوا يستغلون طبيعتها الصخرية 

فى صناعة الطوب مثلنا , و بها الكثير من العمال الأقوياء , منهم إياد صديقى ..

فصمت خالد .. ثم ضحك ساخراً :

- كان فى الأول هدفى إنى ألاقى الكتاب , و لقيت الكتاب .. دلوقتى هدفى إنى ألاقى رأس مجهولة ..

ثم عاد بظهره إلى مسند المقعد الذى يجلس عليه , 

و أكمل ساخراً من نفسه فى حزن :

- خايف ألاقى الرأس , 

يكون عليا إنى ألاقى حاجة تانية غيرها ..

فابتسمت أسيل :

- و إن كان .. ستجد كل ما تريد .. أنت القوى .. أنت الذكى .. أنت تختلف عن غيرك يا خالد .. 

أنت من وجدت كتابك , و أنت من وجدت حل لغزه .. 

و أنت من ستخرج نفسك من هنا ..

فابتسم يامن , و ظل يترقب خالد و أسيل حتى ساد الصمت داخل العربة ..


غربت الشمس , و حل الظلام بالسماء .. 

و عاد يامن بظهره إلى الخلف , و أغمض عينيه , 

و كأن النعاس قد غلبه .. 

أما أسيل فلم تفارق عيناها السماء .. حتى صاحت إلى خالد :

- أنظر هناك .. ثم أشارت إلى السماء :

- إنه أسيل ..

فنظر خالد إلى السماء , 

و نظر إلى ذلك النجم اللامع ثم نظر إليها :

- أنا بتفاءل به , و بتفاءل بوجهك يا أسيل ..

فأحمرّ وجهها خجلاً كعادتها .. و ابتسمت , 

و ظلت تنظر إلى النجم بالسماء , 

و خالد ينظر إليها , و يبتسم حين يجدها تُحرّك رأسها 

و عينيها مع ذلك النجم مع مرور العربة .. 

لا تريد أن يغيب عنها لحظة واحدة .. 

ثم يضحك حين ينظر إلى يامن فيجده قد انزلق بجسده 

بين المقعدين , و قد تعمق فى نومه .. 

حتى نظر عبر النافذة بعيداً فوجد نيراناً بعيدة , 

فعلم أنهم قد اقتربوا من تلك المنطقة التى يقصدونها ..

***

وصلت العربة إلى أطراف المنطقة الغربية 

فأيقظ خالد يامن على الفور , ففتح عينيه فى ابتسامه 

حين وجد نفسه منزلقاً داخل العربة .. 

ثم نهض , و عدّل من جلوسه و ملابسه , ثم تحدّثت أسيل :

- سنتجه الآن إلى مكان لنبيت به حتى الصباح .. 

هنا يوجد مكان خاص لطبيبة الحاكم .. أنا .. و لمساعدَىّ .. أنتما ..

فابتسم يامن :

- رائع .. خشيت أن أنام على جانبى أحد الشوارع 

مثلما يفعل صديقنا دائماً ..

فابتسم خالد, ثم أكملت أسيل :

- سنبدأ عملنا فى الصباح , 

و بعد الظهيرة لن احتاج مساعدتكما .. 

فاذهبا لتبحثا عن مخرج ذلك السرداب ..

بعدها توقّفت العربة أمام أحد البيوت , و نزل الثلاثة .. تتقدمهم أسيل , و يليها خالد .. 

ثم يامن , و الذى حمل جميع الحقائب , 

و من بينهم أغراض خالد , 

و اتجهوا إلى داخل ذلك البيت حيث كان أحد الأشخاص 

فى استقبالهم ..


فى صباح اليوم التالى , نهض خالد مسرعاً , و أيقظ يامن .. ثم اتجها مع أسيل إلى عملها .. 

و معهم ذلك الرجل الذى استقبلهم الليلة الماضية .. 

و أخذوا يتنقلون من بيت إلى بيت , 

و أسيل تفحص كل المرضى .. 

و إن احتاج أحدهم لضمادة تترك خالد ليضمده .. 

و يامن لا يفعل شيئاً سوى أن يحمل الحقائب , 

و يتباهى بملابسه الجديدة , 

و كلما مرت فتاة بجواره يضع الحقائب أرضاً 

ثم ينفض عن أكمامه حتى تمر فيحمل الحقائب مجدداً .. 

و خالد يراه و يضحك ..

أما أسيل فكانت تشيط غضباً , 

و لكنها تعود لتضحك حين تجد خالد يضحك لذلك .. 

و ظلوا يتنقلون بين شوارع تلك المنطقة .. 

و خالد ينظر إلى بيوتها , و التى بدا علي الكثير منها الثراء .. و لكنها ليست فى ثراء قصور المنطقة الوسطى .. 

يعلم أنها بيوت تجار زيكولا , ولا بد أنهم أثرياء .. 

تتكون أغلبها من طابقين , و تمتاز ببراعة معمارية من الخارج .. و جدران صخرية سميكة , و نقوش مميزة على واجهتها 

و نوافذها , و ليست عتيقة مثل مبانى المنطقة الشرقية .. حتى مرّت الساعات , 

فأخبرتهما أسيل بأنها ستكمل مداواة النساء , 

أما هما فعليهما أن ينصرفا و يبحثا عن هدفهما ..


انصرف خالد و يامن على الفور , 

و تخلّص يامن من ملابسه الجديدة , 

و ارتدى زيّه القديم الذى أحضره معه .. 

و سارا معاً فى شوارع المنطقة الغربية .. 

يبحثان عن أى شئ .. 

يبحثان عن ذلك الرأس الذى لا يعلمون ماهيته .. 

حتى وصلا إلى منطقة شاسعة , 

و بها الكثير من أهل زيكولا .. رجالاً و نساءً .. 

فأخبر يامن خالد بأنها سوق زيكولا الكبير , حتى اقتربا .. فوجد خالد بهذا السوق الكثير من المحاصيل الزراعية , 

و الفواكه و الخضروات التى يعرفها ,

و بعضها لا يعرفه و لم يره من قبل و يتزاحم الناس حوله , 

و تلك المنتجات التى صنعها أهل زيكولا .. 

ملابس جديدة , جلابيب , و قمصان , و فساتين .. متراصّة .. رسمت من ألوانها لوحات رائعة .. 

و البائعون ينادون بأسعارهم من الوحدات , 

و الصخب يعم المكان , 

و خالد و يامن يتحركان بصعوبة بين هذا الزحام , 

حتى سأله خالد , و قد أعلى صوته كى يسمعه :

- كيف يشترى هؤلاء الناس ؟! .. ألا يخافون على ثرواتهم ؟

فأجابه يامن , و أعلى صوته هو الآخر :

- إن الأسعار هنا ليست باهظة كالمناطق الأخرى , 

كما أخبرتك .. هنا يشترون تلك المنتجات , 

و يأخذونها ليبيعونها فى المناطق الأخرى 

بأسعار أكثر غلاءً للأثرياء .. 

فيحققون المزيد من الثروة .. ثم أكمل :

- و هناك سلع كالسلع الزراعية , لا نستطيع أن نستغنى عنها .. و هم يعرفون جيداً كيف يربحون من تجارتها ..

ثم واصلا سيرهما بين الزحام , 

و عين خالد تتنقل هنا و هناك .. تبحث عن ذلك الرأس .. 

و يسأل من يقابلهما عن رأس تمثال 

أو تمثال شهير بتلك المنطقة .. أو أى رأس يعرفونه .. 

و لكن الجميع أنكروا وجود تماثيل أو أى رأس بتلك المنطقة .. حتى أصابهما التعب , و جلسا بجوار أحد البيوت , 

و شربا من الماء الذى أحضره يامن معه .. 

حتى تحدث يامن مُحمّسا خالد :

- سنجدها .. أشعر أننا سنجدها يا خالد .. 

حتى قطع حديثه إليه حين صاح بصوته بعيداً إلى أحد الأشخاص :

- إيااااد ..

ثم جرى نحوه , و احتضنه كثيراً ثم تحدّث إليه قليلاً , 

و أتى به إلى خالد :

- إنه خالد الذى قابلته معى يوم زيكولا .. هل تتذكره ؟!

فابتسم إياد :

- الغريب ؟!! .. نعم , إننى أتذكّره .. هل أصبحتما أصدقاء ؟

فضحك يامن :- نعم ..

فسأله أياد مجدداً :

- و ماذا جاء بكما إلى هنا ؟!! .. 

هل تريدان أن تشتريا شيئاً ما ؟ ثم نظر إلى يامن :

- و لماذا لم تخبرنى بمجيئك سابقاً .. أخشى دائماً مفاجآتك .. فضحك يامن قبل أن يسأله خالد:

- إياد .. تلك المنطقة صخرية ؟

فأجابه:- نعم .. إنها أكثر المناطق وعورة فى زيكولا .. 

إن الأرض هنا صلبة للغاية .. و لا تصلح للزراعة ..

فقاطعه خالد , و سأله :

- هل توجد تماثيل فى تلك المنطقة .. أبحث عن رأس .. 

لا أدرى أى رأس ..

فصمت أياد مفكّراً :

- لا .. تلك المنطقة أسكن بها منذ زمن .. 

و لا توجد بها أى رؤوس .. لابد أنكما أخطاتما المكان ..

فصمت خالد , و بدا عليه التوتر :

- و لكن الكتاب بيقول أنحت فى الصخر .. 

و إنى أكون كالشمس .. 

و أقرب تفسير للغز هى المنطقة الغربية ..

فنظر يامن إلى إياد :

- أرجوك يا إياد .. أعلم أنك ذكى .. فكّر معنا .. 

تذكّر أن خالد صديقى , و أريده أن يصل إلى مراده ..

فابتسم إياد , و شرب من ماء يامن , و أكمل إلى خالد :

- أنا أوّد ذلك .. 

و لكننى لا أفهم شيئا مما قلته من حديثك عن الكتاب .. صدقنى لا يوجد لديك دليل مما سمعته الآن .. 

سوى النحت فى الصخر .. 

نعم , تلك المنطقة أرضها الصخرية شهيرة هنا .. 

حتى يُقال إن طبيعة تلك الأرض الصخرية 

هى من تحكمت فى بناء سور زيكولا ..

و لم يكد يكمل حديثه , حتى فوجئ الثلاثة بأسيل تأتى إليهم , و تلهث , و كأنها أتت عَدْواً , و وضعت يدها على صدرها .. تريد أن تلتقط أنفاسها , و نظرت إلى خالد 

و العرق على وجهها , و قالت:

- خالد .. لقد وجدت ذلك الرأس التى تبحث عنه 


تكملة الرواية من هنا


بداية الروايه من هنا


 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


خلصتوا قراءة الفصل إتفضلوا جميع الروايات الكامله من بداية الروايه لاخرها من هنا 👇❤️👇💙👇❤️👇


1- روايةاتجوزت جوزي غصب عنه


2- رواية ضي الحمزه


3- رواية عشق الادهم


4 - رواية تزوجت سلفي


5- رواية نور لأسر


6- رواية مني وعلي


7- رواية افقدني عذريتي


8- رواية أحبه ولكني أكابر


9- رواية عذراء مع زوجي


10- رواية حياتك ثمن عذريتي

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

11- رواية صغيرة الايهم


12- رواية زواج بالاجبار


13- رواية عشقك ترياق


14- رواية حياة ليل


15- رواية الملاك العنيد


16- رواية لست جميله


17- رواية الجميله والوحش


18- رواية حور والافاعي


19- رواية قاسي امتلك قلبي


20- رواية حبيب الروح


21- رواية حياة فارس الصعيد


22- سكريبت غضب الرعد


23- رواية زواجي من أبو زوجي


24- رواية ملك الصقر


25- رواية طليقة زوجي الملعونه


26- رواية زوجتي والمجهول


27- رواية تزوجني كبير البلد


28- رواية أحببت زين الصعيد


29- رواية شطة نار


30- رواية برد الجبل


31- رواية انتقام العقارب

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

32- رواية الداده رئيسة مجلس الإدارة


33- رواية وقعتني ظبوطه


34- رواية أحببت صغيره


35- رواية حماتي


36- رواية انا وضورتي بقينا اصحاب


37- رواية ضابط برتبة حرامي


38- رواية حمايا المراهق


39- رواية ليلة الدخله


40- سكريبت زهرة رجل الجليد


41- رواية روح الصقر


42- رواية جبروت أم


43- رواية زواج اجباري


44- رواية اغتصبني إبن البواب


45- رواية مجنونة قلبي


46-  رواية شهر زاد وقعت في حب معاق


47-  رواية أحببت طفله


48- رواية الاعمي والفاتنه


49- رواية عذراء مع زوجي


50- رواية عفريت مراتي


51- رواية لم يكن أبي

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

52- رواية حورية سليم


53- رواية خادمه ولكن


54- سكريبت لانك محبوبي


55- رواية جارتي وزوجي


56- رواية خادمة قلبي


57- رواية توبه كامله


58- رواية زوج واربع ضراير


59- نوفيلا في منزلي شبح


60- رواية فرسان الصعيد


61- رواية طلقني زوجي


62- قصه قصيره أمان الست


63- قصة فتاه تقضي ليله مع شاب عاذب


64- رواية عشق رحيم


65- رواية البديله الدائمه


66- رواية صراع الحموات


67- رواية أحببت بنت الد أعدائي


68- رواية جبروتي علي أمي


69- رواية حلال الأسد


70- رواية في منزلي شبح


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


71- رواية أسيرة وعده


72- رواية عذراء بعد الاغتصاب


73- رواية عشقتها رغم صمتها


74- رواية عشق بعد وهم


75- رواية جعله القانون زوجي


76- رواية دموع زهره


77- رواية جحيم زوجة الابن


78- رواية حين تقع في الحب


79- رواية إبن مراته


80- رواية طاغي الصعيد


81- رواية للذئاب وجوه أخري


82- رواية جبل كامله


83- رواية الشيطانه حره طليقه


84- حكاية انوار كامله


85- رواية فيروزة الفهد


86- قصة غسان الصعيدي


87- رواية راجل بالاسم بس


88- رواية عذاب الفارس


89- رواية صليت عاريه


90- رواية صليت عاريه


91- رواية زين وليلي كامله


92- رواية أجبرني أعشقه


93- رواية حماتي طلعت أمي


94- رواية مفيش رحمه


95- رواية شمس العاصي الجزء الاول كامله


96- رواية الوفاء العظيم


97- رواية زوجوني زوجة أخي


98- قصص الانبياء كامله


99- سكريبت وفيت بالوعد


100- سكريبت جمعتنا الشكولاته الساخنه


101- سكريبت سيف وغزل


102- رواية حب الفرسان الجزء الثالث


103- رواية رهان ربحه الأسد


104- رواية رعد والقاصر


105- رواية العذراء الحامل


106- رواية اغتصاب البريئه


107- رواية محاولة اغتصاب ليالي


108 - رواية ملكت قلبي


109 -  رواية عشقت عمدة الصعيد


110- رواية ذئب الداخليه


111- رواية عشق الزين الجزء الاول


112- رواية زوجي وزوجته


113- رواية نجمة كيان


114- رواية شوق العمر


115- رواية أحببتها صعيديه


116- رواية أحتاج إليك كامله


117- رواية عشق الحور كامله


118- رواية لاعائق في طريق الحب


119- رواية عشق الصقر


120- قصة ليت الليالي كلها سود


121- رواية بنت الشيطان


122- رواية الوسيم إبن الحاره والصهباء


123- رواية صغيرتي الجميله


124- رواية أخو جوزك


125- رواية مريض نفسي


126- رواية جبروت مرات إبني


127- رواية هكذا يكون الحب


128- رواية عشق قاسم


129- رواية خادمتي الجميله


130- رواية ثعبان بجسد امرأه


131- رواية جوري قدري


132- رواية اجنبيه بقبضة صعيدي


133- رواية المنتقبه أسيرة الليل


134- رواية نجمتي الفاتنه


135- رواية ليعشقها قلبي


136- رواية نور العاصي


137- رواية من الوحده للحب


138- رواية أحببت مربية ابنتي


139- رواية جوزي اتجوز سلايفي الاثنين


140- رواية شظايا قسوته


141- نوفيلا اشواق العشق


142- رواية السم في الكحك


143- رواية الصقر كامله


144- رواية حب مجهول المصدر


145- قصة بنتي الوحيده كامله


146- رواية عشقني جني كامله


147- رواية عروس الالفا الهجينه الجزء الثاني


148- رواية أميرة الرعد


149- رواية طفلة الأسد


150- نوفيلا الجريئه والاربعيني


151- رواية أحببت مجنون


152- قصة أخويا والميراث


153- رواية حب من اول نظره


154- رواية اغتصاب بالتراضي


155- رواية صعيدي مودرن
























































































































 
close
 
CLOSE ADS
CLOSE ADS