رواية أرض زيكولا الحلقة السادسه عشر والسابعة عشر والثامنة عشر والتاسعة عشر بقلم عمرو عبد الحميد

رواية أرض زيكولا الحلقة السادسه عشر والسابعة عشر والثامنة عشر والتاسعة عشر بقلم عمرو عبد الحميد

رواية أرض زيكولا الحلقة السادسه عشر والسابعة عشر والثامنة عشر والتاسعة عشر بقلم عمرو عبد الحميد


دق قلب خالد , و انتفض بقوة , و كل من يامن و إياد هكذا , و سألها خالد على الفور : - فين ؟!

فجذبته من يده : - هيّا ..ثم انطلقت , و يدها تمسك بيده , 

و تبعهما يامن و إياد , و أسرعوا بين الزحام , 

و اصطدموا بالكثير من الناس .. 

و كلما سبّهم أحد ابتسموا له و أكملوا عدوهم , 

و خالد يسأل أسيل عن الرأس و لكنها تبتسم 

و تطلب منه أن ينتظر قليلاً .. 

ثم يواصلون تحركهم بين الزحام , 

و مازالت يداهما متشابكتيّن .. 

لا ينفصلان سوى كى يمر أحد الأشخاص بينهما , 

و ما يلبث أن يمر حتى تتشابك اليدان مرة أخرى .. 

و يامن و إياد يسرعان خلفهما , 

و يزيحان بأيديهما من يقابلهما .. 

لا يريدان أن يفقد بصرهما خالد أو أسيل .. 

حتى خرجوا من السوق إلى أحد الشوارع الأقل زحاماً , 

و أسرعوا إلى نهايته .. 

تقودهم أسيل و مازالت صامته لاتريد أن تتحدث .. 

و خالد يتبعها ,و قلبه يدق و أنفاسه تتسارع .. 

حتى وصلوا إلى الطرف الغربى للمنطقة الغربية , 

و لم تكن هناك سوى بيوت قليلة أغلبها ليست بفخامة مثيلاتها من البيوت الأخرى بتلك المنطقة و قد ظهر سور زيكولا , 

و ارتفاعه الذى يصل إلى خمسة طوابق 

فتوقّفت أسيل وحاولت أن تلتقط أنفاسها .. 

ثم أشارت أمامها , و قالت:- أنظر هناك .. 

فنظر خالد أمامه , و نظر معه يامن و إياد .. 

يبحثون عن رأس بذلك المكان فلم يجدوا شيئاً 

حتى سألها خالد :- فين ؟!

فابتسمت أسيل , و مازالت أنفاسها سريعة :- إنه ليس رأس تمثال كما خُيّل إليك و إلينا .. إنه رأس آخر تماماً .. 

فاندهش و نظر مجدداً , و لكنه لم يفهم ما تقصده حتى نطقت : - خالد .. أنظر إلى سور زيكولا ذاته ..

فنظر الثلاثة إلى سور زيكولا 

الذى كان يبعد عنهم قرابة المائة متراً .. 

فسألها خالد : - أتقصدين ما أفكر به ؟!!

فابتسمت :- نعم .. 

ثم أكملت :- أنظر إلى سور زيكولا فى تلك المنطقة , 

و أنظر إلى مساره , و كيف تم تصميمه .. 

ثم تابعت , و خالد ينظر إلى السور يتأمّله :- لم أنم بالأمس , و قرأت كتابك , و بدأت أفكّر بكل كلمة به , 

و حاولت أن استخدم ذكائى كى أجد هذا الرأس .. 

و لكننى لم أصل إلى شئ .. 

حتى شاء القدر أن أداوى عجوزاً مريضة 

بعدما غادرتما اليوم .. 

و أخبرتنى صدفة أن طبيعة تلك المنطقة الصخرية تحكمت 

فى بناء سور زيكولا , كما أخبروها القدامى .. 

و هنا بدأت أفكر من جديد .. 

فقاطعها إياد :- نعم .. إننى كنت سأخبرك 

بأن أرض المنطقة الغربية على هيئة مثلث 

يحيط بها سور زيكولا, لولا أن قاطعتنا الطبيبة ..

فأكملت أسيل : - نعم يا خالد .. إنها المنطقة الوحيدة فى زيكولا التى شُيّد بها سور زيكولا كضلعى مثلث .. 

بينهما زاوية منفرجة.. ثم صمتت , و أكملت : - أنظر إلى تلك الزاوية يا خالد بين ضلعى السورالضخمين .. 

إن كنا نراها نحن زاوية من الداخل .. 

فهى - فى التوقيت ذاته - الرأس من الخارج .. 

رأس المثلث .. 

فصاح يامن- بعد أن تركهم , 

و اقترب من السور الضخم -: أنظروا ..فاقترب الثلاثة منه فأشار إلى رسمة صغيرة منحوتة بجدار تلك الزاوية , 

و أكمل : - توجد رسمة لشخص ما .. 

و لكنى لا أعرف من هو ..

فرد خالد فى لهفة بعدما تذكر شيئاً ما :- الرسمة .. 

أنا شفت الرسمة دى مرة قبل كدة .. 

الرسمة دى تشبه رسمة نفس الرجل الغنى 

اللى كانت فى السرداب , و كنت عايز أصوّرها .. 

و من بعدها حصل انهيار السرداب .. 

فتحدّث يامن مبتسماً : - هذا دليل أن ما قالته أسيل صحيح .. فدق قلب خالد بقوة , و تحدّث بصوت هادئ : - نعم أعتقد أن أسيل على صواب .. وجود تلك الرسمة هنا يؤكّد ذلك .. 

لابد أن صاحب الكتاب من نقشها , و أدرك أنه لن يعرفها إلا شخص عبر سرداب فوريك .. 

شخص سعى بكل ما لديه كى يصل إلى حل لُغزه , 

و يستحق الوصول إليه , و لكنى لم أكن اتخيل أن يكون الرأس رأسَ مثلثٍ ضلعيه سور زيكولا ذاته !!

ثم نظر إلى أسيل : - أنا بشكرك يا أسيل 

لأنك استخدمتى ذكاءك , و قدرتى توصلى لحل لغز 

كان صعب إنى أحلّه لوحدى .. 

فسألته :- خالد .. لماذا لا أراك سعيداً بوجودنا الرأس 

التى نبحث عنه ..

فصمت قليلاً ثم أجابها :- إن اللغز يقول إن الباب أمام الرأس مباشرة ..

ثم أكمل : - هذا يعنى أن باب السرداب خارج هذا السور .. فصمتوا جميعاً كأنهم لم يفكروا فى ذلك , و زالت فرحتهم , حتى نطق إياد : - علينا أن نغادر هذه المنطقة الآن .. 

إن حراس سور زيكولا لا يحبون أن يتواجد أحد بالقرب منه .. 

و هم يمرّون بين الحين و الآخر ..

*

ابتعد الأربعة عن سور زيكولا , 

و وقفوا مجدداً على بعد قرابة المائة متراً منه .. 

و قال يامن : - إن كان باب ذلك السرداب خارج سور زيكولا فلماذا ذكر صاحب الكتاب أن من يريد أن يعود إلى بلده فليمر أولاً بزيكولا ؟

فردت أسيل : - حين قرأت الكتاب بالأمس , 

ذكر صاحبه أن سور زيكولا لم يكن قد اكتمل بناؤه 

حتى وقت قريب من كتابته لكتابه .. منذ قرنين .. 

ثم أشارت إلى سور زيكولا و أكملت :- ربما كان هذا الجزء هو الجزء الأخير الذى تم بناؤه .. 

بعدما استغرق الكثير من الوقت , كما حكت لى العجوز 

عما تعرفه .. 

ثم نظرت إلى خالد : - هذا يعنى أن صاحب الكتاب حين ذكر أنه عاد إلى وطنك ثم جاء إلى هنا مجدداً قد وصل إلى ذلك المخرج قبل اكتمال بناء السور .. 

ثم ذكر أنه لم يغادر بعدها .. 

- ربما كان لحبه لزيكولا كما كتب ذلك .. 

أو لاكتمال بناء السور ... 

فزاد ذلك من اللغز تعقيداً , و لكنه ترك تلك الرسمة دليلاً قوياً لمن يصل إلى هنا .. 

ثم صمتت فتحدث خالد , و ظهر اليأس على وجهه : - ده معناه إنى لازم انتظر تانى يوم زيكولا .. 

و أخرج يوم فتح باب زيكولا , و أقدر أوصل لمخرج السرداب من خارج زيكولا .. 

فقال إياد : - هذا مستحيل يا صديق ..

فرد خالد ,و تبدّل يأسه إلى توتر : - لماذا ؟ 

فرد إياد : - إن الأرض ممهدة داخل زيكولا , 

و هذا نتاج قرون طويلة من عمل أهلها .. 

و لكن خارجها , خارج هذا السور .. 

تختلف الطبيعة عن هنا كثيراً - إن زيكولا هى غرب عالمنا .. لا توجد بلاد أخرى فى هذا الاتجاه الغربى .. 

أو على جانبيها الشمالى أو الجنوبى .. 

إن جميع البلدان توجد شرق زيكولا فقط ..

- لم نسمع يوماً عن أحد مر بجانبها على الإطلاق .. 

و يقولون أن الأرض بجوارها تختلف بين الجبال العالية , 

و الكثبان الرملية , و الرمال المتحرّكة .. 

هذا يعنى الهلاك لكل من يفكر فيما تفكر فيه.. 

- لم و لن يمر أحد بجانبها .. 

ثم جلس بمكانه , و أكمل :- لهذا لا تخشى زيكولا أى هجوم من البلاد الأخرى سوى من اتجاه الشرق , 

و الذى يحميه سور زيكولا القوى .. 

ثم صمت , و تابع : - وجود الرأس خلف هذا السور 

لا يعنى سوى شئ واحد ... 

أنه قد حكم عليك بالبقاء هنا طوال حياتك .. 

فظهر الغضب و الحزن على وجه خالد , 

و نظر إلى أسيل:- أخبرتك أننى حين أجد الرأس 

سأبحث عن شئ جديد ..كنت أعلم هذا .. 

إنها دائرة أدور بها .. ليس لها نهاية .. 

ثم جلس , و وضع رأسه بين يديه : - لابد من وجد حل .. لابد .. و وضع يامن رأسه بين يديه هو الآخر , 

و حدّث نفسه : - الباب أمام الرأس .. 

حتى أسيل ظلت تتحرك جيئةً و ذهاباً , 

و تحدّث نفسها : - عليكِ أن تكملى تفكيرك يا أسيل .. معرفتك للرأس ذاتها لم تكفِ .. إنك من أذكى أذكياء زيكولا .. لابد و أن تجدى حلاً ..أما إياد فظل ينظر إلى السور , 

و يُقلّب نظره بين أركانه .. 

حتى نهض خالد , و أشار إلى السور : - لابد أن أخرج .. 

لن أمكث هنا و أعلم أن عودتى إلى وطنى 

خلف هذا السور .. 

ثم نظر إليهم : - إن الكتاب يقول أنحت فى الصخر .. 

- هذا يعنى شيئاً واحداً فسألته أسيل :- ماذا ؟ 

فأجابها :- أن أنحت فى السور ذاته .. 

و أعبر إلى السرداب عن طريقه .. 

فسأله إياد متعجباً مما قاله : - تنحت فى السور ذاته ؟!! .. تريد أن تجعل مخرجك من زيكولا سور زيكولا ذاته ؟!! .. فأجابه خالد فى هدوء : - نعم .. هل يوجد حل آخر ؟ 

فأجابه اياد :- إنه ليس بالحل يا صديق .. 

إن فكرت فى ذلك , فلن تنتظر يوم زيكولا حقاً .. 

لأنك ستقتل على الفور .. ألا ترى هؤلاء ؟! 

ثم أشار إلى مجموعة من الجنود يسيرون فى صفين , 

و يرتدون دروعاً , و يحملون سيوفاً بأيديهم :- إنهم حماة سور زيكولا .. لا يفارقونه .. مهمتهم فقط أن يحموا هذا السور .. ثم أخذ نفساً عميقاً , و أخرجه :- هنا فى زيكولا ربما تقتل كى تعيش .. تسرق كى تأكل .. تفعل ما تشاء .. 

إلا شيئاً واحداً .. 

فقاطعه يامن : - أن تخدش سور زيكولا .. 

ثم أكمل إياد : - ربما نقش صديقك صاحب كتابك 

تلك الرسمة و قتلوه .. 

فتحدّثت أسيل : - خالد إن سور زيكولا أهم رمز هنا .. 

حتى إن تركك الحراس تفعل ذلك .. 

فلن يتركك أهالى تلك المنطقة ..

إنهم يؤمنون أن سور زيكولا من أسرار قوتها , 

و لن يسمحوا لأحد أن يقترب من قوّتهم .. 

ما تفكّر به محال يا خالد .. محال .. 

فصمت خالد ثم صاح : - إيه الحل ؟ .. 

هل ستمنعوننى إن فعلت ذلك ؟ فصمتوا جميعاً .. 

حتى ابتسمت أسيل و قالت :- أنا لن أمنعك يا خالد .. 

و ابتسم يامن : - و أنا بالطبع لن أمنعك .. 

و لكن هؤلاء الحراس قد وُضعوا خصيصاً لحماية هذا السور .. و لا تستطيع حتى رشوتهم .. 

فصمت خالد ثم نظر إلى أسيل :- كم ستبقين 

فى تلك المنطقة ؟

فأجابته :- لدى الكثير من العمل هنا .. 

و يكفينى أن أعمل هنا .. سأبقى حيثما أشاء .. 

و أنت ؟

فأجابها :- أنا لن أعود إلى المنطقة الشرقية مجدداً .. 

سأظل هنا حتى أخرج من زيكولا .. 

ثم نظر إلى يامن فابتسم : - و أنا أستطيع أن أجد عملاً هنا .. و يكفينى أن أظل بجوارك , و بجوار صديقى إياد .. 

حتى تحدّثت أسيل: - يجب أن نعود إلى المسكن الآن 

حتى لا يرتاب هؤلاء الجنود بنا .. 

و هناك نستطيع التفكير بعد أن نتناول طعامنا.. 

فنطق خالد :- حسناً


عاد خالد و يامن و أسيل إلى المسكن المخصص لهم , 

و صاحبهم إياد .. 

ثم تناولوا طعامهم الذى أعده مضيفهم , حتى انتهوا منه فجلسوا ليفكروا من جديد , 

و نطق خالد يائساً : - وصولى للسرداب من خارج زيكولا مستحيل .. ووصولى له عبر سور زيكولا مستحيل .. 

ثم زفر زفرة قوية و صمت .. 

فابتسمت أسيل وقالت :- ستجد الحل يا خالد .. 

لن يضيع تعبك هباءً ..

و ابتسم يامن :- نعم يا خالد .. ستجده .. 

لقد قطعت شوطاً كبيراً .. لا بد و أن هناك حلاً .. 

ثم نظر إلى إياد : - يا صديقى .. إننى أعلم منذ صغرنا 

كم أنت بارع فى إيجاد الحلول .. فكّر معنا ..

فأكمل خالد إليه :- فكر معنا يا إياد .. 

إن وجدت الحل سأعطيك من ذكائى ما استنفذته فى تفكيرك .. فابتسم إياد :- حسنا سأفكر .. 

و لن اتركك حتى أجد لك حلاً .. 

ثم صمتوا مجدداً , و كل واحد ينظر إلى الآخر .. 

لا يجد ما يقوله , و أسيل تنظر إلى خالد .. 

تخشى أن تقول أنها لا تجد حلاً فيزداد اليأس بقلبه , 

و يامن يضرب برأسه , و يحدّثها : - فكرّى ..

حتى نهض إياد : - علىّ أن أغادر الآن ..

فسأله يامن مندهشاً : - أين تذهب ؟! 

فأجابه :- إن الشمس قاربت على الغروب .. 

سأترككم , و سأعود إليكم لاحقاً .. 

ثم نظر إلى خالد : - أتمنى أن أعود فأجدك قد وصلت 

إلى بابك .. ثم غادر , و ظل الثلاثة كما هم .. 

يفكرون , و الوقت يمر .. و خالد يقلّب فى كتابه .. 

يود أن يجد شيئاً يصل به إلى سردابه , و لكن دون جدوى .. حتى حلّ الظلام , و أُنيرت المنطقة الغربية 

و بيوتها بالنيران .. 

فنظر خالد إلى أسيل:- عليكى أن تذهبى إلى حجرتك الآن .. لابد أن تنالى قسطاً من الراحة .. 

ثم نظر إلى يامن :- و أنت أيضاً يا يامن , 

خذ قسطاً من الراحة .. لن يفيدنا إجهادنا اليوم .. 

لقد تعبنا بما يكفى .. سنستريح الآن , و نكمل تفكيرنا غداً .. فسألته أسيل :- و أنت ستنال راحة ؟

فابتسم خالد : - لا .. سأظل أفكر .. 

لن يغمض لى جفن و رأسى تفكر بذلك المخرج .. 

إنه مصيرى يا أسيل .. 

فابتسمت :- حسناً .. و أنا سأظل أفكّر معك ..

فنظر إليها :- أنا لا أريد أن أزيد من تعبك اليوم .. 

أعلم أنك تريدين مساعدتى , و لكن لديك ِ عملك غداً , 

لا يجب أن تغفليه .. يجب أن تظلى طبيبة زيكولا الأولى .. فابتسمت أسيل , و كادت تتجه إلى حجرتها .. 

حتى دخل إياد فسأله يامن على الفور : - هل وجدت الحل ؟!

فسألهم أن يجلسوا .. 

ثم نظر إلى خالد : - حين خرجت من هنا , 

اتجهت إلى حيث كنا .. بالقرب من سور زيكولا .. 

ثم صمت , و أكمل : - لم أجد لك إلا ثلاثة حلول .. 

فنظروا إليه متلهفين .. 

فأكمل : - الحل الأول .. أن تظل فى زيكولا طوال حياتك .. - و الحل الثانى .. أن تنتظر حتى يوم زيكولا , 

و تخرج إلى مصيرك , و تحاول أن تصل إلى باب سردابك , 

و هذا يعنى هلاكك أيضاً ..

فصاح به يامن غاضباً : - هل جئت لتهزأ بنا .. 

نحن نعرف ذلك .. 

فابتسم إياد : - انتظر .. هناك حل آخر ..

فسأله خالد متلهفاً : - أيه هو ؟!

فتحرك إياد , و جلس بجواره , 

و تحدّث بصوت هادئ : - أن تعود إلى بلدك قريباً .. 

ثم أكمل بعدما صمت برهة : - و لكن بعد أن تفقد الكثير 

من ذكائك .. 

فسأله خالد :- ماذا تعنى ؟!

فقال إياد : - تعالوا معى ..


بعدها خرج الأربعة من دار ضيافة الطبيبة و مساعديها .. يقودهم إياد .. حتى وصلوا إلى حيث وقفوا منذ ساعات قليلة أمام سور زيكولا , و الذى قد لمع مع انعكاسات إضاءة النيران القريبة منه , و جعلت من ضلعيه و زاويته منظراً بديعاً .. 

كان لينال إعجاب خالد لولا انشغاله بمصير خروجه .. 

ثم نظر يامن إلى إياد , و سأله : - كيف يخرج خالد 

من زيكولا ؟!

فأجابه : - انظروا هناك ..

و أشار إلى بيت من طابقين يبتعد قليلاً عن بيوت 

المنطقة الغربية , و يقترب من سور زيكولا .. 

لا يفصله عنه سوى مائة من الأمتار 

ثم أشار إلى الجنود المتواجدين أمام السور , 

و سألهم أن ينظروا إليهم أيضاً .. 

فاندهشت أسيل : - أنا لا أفهم شيئاً ..

و تبعها يامن : - و أنا أيضاً .. 

و خالد مازال صامتاً 

حتى أكمل إياد : - حين تركتكم جئت إلى هنا .. 

و وقفت كما نحن واقفون الآن .. 

و لم أضع أمامى سوى أن يخرج خالد إلى باب سردابه .. خارج هذا السور .. مهما كانت التحديات .. 

حتى أصابنى العطش فذهبت إلى ذلك البيت .. 

و أشار إلى البيت مجدداً , و أكمل؛ كى أشترى منه كوباً 

من الماء .. 

- و هناك فوجئت بأن ذلك البيت لا يسكن به أصحابه الآن .. يعيش به خادمه بمفرده ..

أما أصحابه فهم من التجار الذين يبيعون بضائعهم 

إلى المدن الأخرى غير زيكولا , و خرجوا يوم زيكولا السابق , و لن يعودوا إلا يوم فتح باب زيكولا مع يوم زيكولا .. 

فقاطعه خالد :- أنا لا أفهم شيئاً .. 

ماذا يعنينا كل هذا ؟!! 

فأجابه :- انتظر .. أنا أعمل فى تلك المنطقة 

منذ سنوات عديدة , و أعلم جيداً خفايا تلك المنطقة و أرضها .. سأخبركم سراً نعلمه نحن من نعمل بتكسير الصخور هنا : - إن العمل هنا فى تكسير الصخور ليس بصعوبة 

العمل فى المنطقة الشرقية .. 

إن الصعوبة هنا تكمن فى الطبقة الخارجية من الأرض فقط .. أما إن تجاوزت تلك الطبقة يكون الحفر بها 

و تكسير صخورها ليس صعباً على الإطلاق.. 

فلمعت عينا خالد :- تقصد ؟!

فأكمل إياد : - نعم يا صديق .. 

إنّ هذا البيت أقرب مكان إلى زاوية سور زيكولا .. 

و إن كانت زاوية هذا السور , أو رأسها كما تحب أن تسميها .. هى التقاء ضلعى سور زيكولا .. 

بالطبع ستكون أضعف نقاط الجزء العميق منه .. 

ثم ابتسم , و أكمل :- و إن كان سيمنعك حماته 

من الاقتراب منه .. 

فأنا أعرف من يستطيعون أن يحفروا لك نفقاً ببراعة .. 

من ذلك البيت إلى أسفل ذلك السور .. 

حتى تخرج إلى سردابك دون أن يشعر حماته 

أو أهل منطقتنا بشئ .. 

ثم قال :- أعلم أننى هكذا خائن لزيكولا .. 

و لكنك صديق صديقى الحميم .. 

فصاحت أسيل : - إن هذا جنون ..

و صاح يامن : - نعم .. إنك مجنون يا إياد .. 

فأشار إليهم , و رفع كتفيه : - هل هناك من حل آخر ؟! 

ثم نظر إلى خالد : - لن تأتيك تلك الفرصة مجدداً .. 

إن عاد أصحاب هذا البيت فلن تستطيع دخوله على الإطلاق .. أما ذلك الخادم حين استدرجته فى الحديث 

أخبرنى بأنه قد يعطى البيت لمن يعطيه مائتى وحدة 

حتى يوم زيكولا حين يعود سيده , و من معه .. 

فصاح يامن:- مائتى وحدة ؟!!

ثم سأله خالد , و قد تجاهل صيحة يامن :- و من يحفرون النفق ؟

فأجابه إياد :- أعلم ثلاثة من العمال الماهرين .. 

قابلتهم من قبل , إنهم بارعون فى تلك الأعمال .. 

إنه عمل يحتاج إلى براعة , 

و قد يتجاوز معهم حفر هذا السرداب عشرين يوماً .. 

هذا لأنهم سيعملون نهاراً فقط حتى لا يسمع ضجيجهم أحد 

مع ضجيج السوق .. 

و لكن عليك ألا تنسى أنهم سيأخذون أجراً إضافياً 

مقابل صمتهم .. 

ثم صمت , و أكمل :- قد يأخذون ثلاثمائة وحدة .. 

فقاطعه خالد :- أنا ممكن أحفر معهم , و أوّفر أجر عامل , و كذلك يامن

فابتسم :- كما أخبرتك .. إن حفر النفق يحتاج 

إلى براعة نفتقدها .. و أعتقد أنهم لن يريدوا مساعدتك لهم .. لن يوّدوا أن يشاركهم أحد أجرهم .. 

إنهم سيأخذون الثلاثمائة وحدة .. سواء عملت معهم أو لا ..حتى تحدّثت أسيل , و نظرت إلى خالد : - خالد هل جننت ؟!! .. مائتى وحدة , و ثلاثمائة وحدة ؟! .. 

تفقد خمسمائة وحدة من ذكائك ؟ !!!

فصمت خالد , و لم يجبها .. 

حتى نطق إياد : - لم أجد إلا هذا الحل أيتها الطبيبة .. ثم ابتسم : - يمكنك الآن أن تعرفى كم استنزفت 

من ذكائى اليوم .. 

عليكِ أن تخبرى به صديقك كى يعوّضه لى ..

فحدّثه خالد مبتسماً : - حسناً يا إياد .. 

سأعطيك ما تريد كما وعدتك .. 

ثم نظر إلى أسيل مجدداً , و قال فى هدوء : - أسيل .. 

أريدك أن تخبرينى , كم امتلك من وحدات الذكاء الآن ..


الحلقة السابعة عشر من رواية ( ارض زيكولا )


صمتت أسيل قليلاً بعدما طلب خالد منها 

أن تحدد له نسبة مخزونه من الذكاء 

ثم نظرت إليه , و تأمّلته كثيراً , ثم أمسكت برأسه , 

و أمسكت ثنية من جلده بين أصبعيها :- خالد .. 

إن مخزونك الآن لا يتعدى ستمائة وخمسين وحدة .. 

و قد يكون ستمائة فقط بعد استنزافك الكثير من الوحدات 

فى تفكيرك ..

فصمت ثم سألها : - و كم يتبق لامرأة الحاكم 

حتى تضع مولودها ؟

فأجابته : - أعتقد أنه يتبقى شهران و عشرون يوماً 

أكثر أو أقل بأيام.. 

بعدها نظر إلى إياد :- هل سيستغرق حفره عشرين يوماً فقط ؟

فابتسم إياد :- أعتقد ذلك .. 

و إن شئت أحضرت هؤلاء العمال من الغد .. 

فصمت خالد , و طال صمته تلك المرة ثم نظر إليهم :- أريدكم أن تتركونى وحدى الآن ..

فابتسمت أسيل :- خالد .. أريد أن أبقى معك ..

فوضع وجهها بين كفيه برقة : - أريد أن أكون وحدى يا أسيل .. عليكِ أن تعودى إلى المسكن مع يامن الآن .. 

أريد أن أتخذ قرارى بمفردى .. 

ثم نظر إلى يامن : - اصطحب أسيل إلى المسكن .. 

و أنا سأتبعكما لاحقاً .. 

ثم نظر إلى إياد , و شكره على تفكيره فى إيجاد الحل له .. ثم غادروا جميعاً ..


غادر إياد و معه يامن و أسيل , و التى ظلت تتلفت 

و هى تسير مبتعدة عن خالد , و تنظر إليه حيث يجلس , 

و كأنها لم تُرِد أن تفارقه حتى اختفى عن نظرها .. 

بينما جلس هو على صخرة عريضة أمام السور .. 

ينظر إليه و يفكّر فيما أخبره به إياد , و يتحدث إلى نفسه .. إما البقاء فى زيكولا أو العودة إلى بلده .. و هو غبى .. 

و يسأل نفسه ؛ هل يجد ذلك السرداب حقّا إن عبر هذا السور أم أنه سراب سيظل يطارده .. 

ثم يبتسم , و يتحدث إلى نفسه , و كأنها شخص أمامه يحدّثه 

و يقنعه : - أنت شايف إن فيه حل تانى ؟ .. 

زى ما قلت قبل كدة مبقاش فاضل غير المجازفة .. 

ثم ضحك و أكمل مناقشته لذاته : - قررت أيه يا خالد ؟ .. ترجع بلدك و معاك ميت وحدة ذكاء بس .. 

و لاّ تبقى هنا طول حياتك ؟ .. . 

- لو وافقت على اللى قاله إياد لازم تحس بلذة اللحظات دى .. لأنها ممكن تكون آخر لحظات ذكاء تعيشها .. 

ثم عاد بجسده للخلف .. 

و أسند ذراعيه خلفه , و تذكّر جده حين كان يبتسم , 

و يداعبه صغيراً .. و يخبره بأنه ذكى .. 

حتى كبر , و عاد إليه يوماً بعدما لم يجد وظيفة بشهادته .. 

و أخبره أنه لا فائدة لذكائه فى بلده .. 

ماذا يفعل به , لاشئ .. 

يبتسم , و يتحدث إلى نفسه بصوتٍ مسموع :- مش هتفرق كتير لما أرجع لبلدى .. الذكى مبيختلفش عن الغبى كتير .. يشعر كم اشتاق إلى جده , و إلى رؤيته , 

و يعلم أنه لم يشغله عن التفكير به سوى سعيه للعودة إليه من جديد .. و ينظر إلى السور , 

و يحدثه بصوت هامس : - أنت الحاجز الوحيد بينى 

و بين اللى بحبهم ..

ثم نظر إلى البيت الذى يسكنه الخادم : - و انت الحل الوحيد اللى هيخلينى أشوف اللى بحبهم .. 

ثم أمسك برأسه و مرر شعره بين أصابعه , و تحدّث :- أصعب قرار بحياتى .. أصعب قرار .. 

هتقرر أيه يا خالد ؟ . هتقرر أيه ؟.. 

و ظل هكذا لا يتوقّف عقله عن التفكير .. 

حتى اقترب الليل من الزوال , و بدأ خيط النهار يظهر .. 

فنهض و اتجه إلى المسكن الذى يسكن به يامن و أسيل .. 

و ما إن وصله حتى دلف إلى غرفة يامن فوجده نائماً , 

فهمس إليه : - يامن .. يامن .. 

فلم يستيقظ فنكزه بيده حتى فتح عينيه .. 

و كاد يتحدث فأشار إليه خالد أن يصمت , و تحدّث بصوت منخفض :- أسيل فى الغرفة المجاورة .. 

و لا أريدها أن تصحو .. إن كانت نامت من الأساس ..

فنهض يامن , و جلس على سريره فاتحاً عينيه بصعوبة .. 

حتى أكمل خالد بصوته المنخفض : - أريد أن أتحدث إليك ..يامن :- حسناً .. 

فأكمل خالد :- لقد اتخذت قرارى .. 

فنظر إليه يامن .. ينتظره أن يكمل حديثه سريعاً .. 

حتى أكمل : - أرى أن إياد على حق .. 

سأعبر سور زيكولا من خلال النفق .. 

فقاطعه يامن :- خالد .. و ذكاؤك ؟! 

فأجابه :- لقد فكرت كثيراً فى ذلك .. 

لقد أخبرنا إياد أن حفر ذلك النفق سيستغرق عشرين يوماً .. و سيعطينا ذلك الخادم البيت حتى يوم زيكولا , 

حتى يعود أصحابه إن عادوا.. 

فقاطعه يامن :- نعم سيعودون .. 

هكذا تجار زيكولا , سيطير خبر يوم زيكولا قبله بأيام .. فيستعد كل من يريد العودة , حتى يُفتح باب زيكولا فيدخلونها .. 

فواصل خالد حديثه : - هذا ما أقصده .. 

يتبقى على يوم زيكولا شهران و عشرون يوماً .. 

سيُحفر ذلك النفق , و لكننى لن أغادره حتى يوم زيكولا .. 

إنهم ثمانون يوماً .. إن عملت هنا مقابل ست وحدات باليوم , سأوفّر حتى يوم زيكولا ربما ربعمائة و ثمانين وحدة .. 

مع ما تبقى لدى من المائة وحدة .. 

سيكون لدى ما يقرب من ستمائة وحدة .. 

أى أننى لن اختلف كثيراً حين أخرج من النفق .. 

و ستنفعنى كثيراً تلك الوحدات حين أصل إلي سرداب فوريك.. فابتسم يامن : - إنّه قرار حياتك يا صديقى .. 

و لا دخل لى به .. 

ثم أكمل :- إنك ذكى حقاً يا خالد , و كم أنا مسرور لذلك .. فأنك ستبقى معنا شهرين آخرين .. 

خشيت أن ترحل بعد عشرين يوماً فقط ..

فابتسم خالد :- هذا إن وضعت زوجة الحاكم ذكراً .. 

ربما تطول المدة إن وضعت أنثى .. 

و انتظرنا يوم زيكولا فى موعده الأساسى 

بعد خمسة شهور ..

فابتسم يامن : - الآن أتمنى أن تضع أنثى .. 

فابتسم خالد ثم زالت ابتسامته :- أردت أن أحدّثك بعيداً 

عن أسيل لأننى لا أريد أن أسبب لها الكثير من التعب .. 

و أخشى أن يؤثّر ذلك على عملها كطبيبة زيكولا الأولى .. اليوم سأفقد ذكائى .. 

سأصبح فى عداد أغبياء زيكولا و فقرائهم .. 

لن أستطيع التفكير .. 

و إن فكّرت ربما ستكون قراراتى غبية .. 

ثم نظر إليه ,و أمسك بذراعيه : - يامن .. 

من اليوم أنت من ستتخذ أى قرار يخصّنى .. 

فسأله يامن مندهشاً :- أنا ؟!!

فأجابه خالد : - نعم .. أخشى أن يكون تفكيرى بغباء يسبب الكثير من المتاعب .. 

و لهذا سأحمّلك مسئوليتى بعد اليوم .. 

سأطيعك مهما كان قرارك .. بالطبع ستكون أذكى منّى ..فصمت يامن , و فرك شعره :- إنها حقاً مسئولية كبرى .. فأكمل خالد :- ما عليك سوى أن تجعلنى أعمل .. 

حتى استرجع ذكائى .. 

فإن فعلت ذلك فلن أنساه طوال عمرى .. 

ثم هدأ صوته , و اقترب منه :- أريد أن أخبرك بشئ آخر .. - يامن .. إننى أحب أسيل .. 

و أخشى أن أكون غبياً فتبتعد عنى .. 

سأطيعك فيما تراه أن أفعله تجاهها أيضاً

فرد يامن : - أرى أنها تحبك أيضاً , و تحبك كثيراً .. 

فابتسم خالد :- أعلم ذلك .. 

و لهذا فكرت أن آخذها معى إلى أرضى .. 

لقد فكرت كثيراً فى ذلك .. 

و لكننى ترددت أن أخبرها بحبى لها .. 

و قررت أن أخبرها بذلك حين أجد الطريق ممهداً 

لعودتى إلى بلدى .. سأتركك وقتها تخبرنى ماذا أفعل .. فابتسم يامن :- أتمنى لكما السعادة يا صديقى ..

فابتسم خالد :- حسناً لننهض .. علينا أن نذهب إلى إياد .. و أعتقد أن أسيل قد استيقظت .. 

لا تخبرها بشئ مما قلناها ..

فابتسم يامن , و قد نهض :- حسناً ..


استيقظت أسيل فوجدت خالد و يامن فى انتظارها , 

فسألت خالد على الفور : - هل اتخذت قرارك ؟

فابتسم خالد : - نعم .. 

لقد قررت أن أجازف , و أفعل ما أخبرنا به إياد.. 

فصمتت أسيل حتى أكمل : - و سأنتظر حتى يوم زيكولا حيثما كان .. بعد ثمانين يوماً أو بعد خمسة أشهر .. 

و سأعمل كى استرجع جزءًا كبيراً من ذكائى حتى عودتى ..فسألته , و بدا الحزن على وجهها : - ألم تجد حلاً آخر ؟ .. فهز خالد رأسه نافياً , 

فسألته مجدداً : - و لماذا لا تنتظر حتى تعمل أولاً 

فيزيد مخزونك .. 

ثم تحفر نفقك قبلها بأيام , و تحافظ على ذكائك .. 

كما فعلت حين اشتريت كتابك ؟! 

فأجابها : - فكرت فى ذلك .. 

و لكننى أصبحت أعلم جيداً طبيعة أهل زيكولا , 

و مدى انتهازهم .. كلما اقتربنا من ذلك اليوم .. 

سيطلب من يحفرون النفق الكثير من الأجر .. 

ربما يطلبون ضعف الثلاثمائة وحدة أو ضعفين .. 

ثم نظر إليها , و ابتسم : - سأكون بخير يا أسيل .. 

سأكون بخير .. أريدك فقط أن تكونى معى .. 

فابتسمت أسيل حتى تحدّث يامن :- هيا .. 

علينا أن نجد إياد ..

و لم يكد يكمل جملته حتى وجدوا إياد يدخل إليهم 

فابتسم يامن :- كنا فى طريقنا إليك ..

فضحك إياد : - أعلم ذلك .. و لذا أردت أن أوّفر 

القليل من الوقت .. 

ثم نظر إلى خالد : - هل اتخذت قرارك ؟

فرد خالد :- نعم .. و سأترك لك المسئولية لمتابعة ذلك النفق , و سأعطيك مقابلاً .. 

و لكنه ليس كبيراً , و ليس الآن ..

فابتسم إياد : - لا بأس .. 

ثم أكمل : - كنت أعلم أنك ستقرر ذلك .. 

ثم تحرّك خطوات إلى الخارج , 

و عاد و معه فتى ملابسه بالية ثم أشار إلى خالد , 

و حدّث الفتى :- إنه من يريد أن يستأجر بيت سيدك ..

فتحدث الفتى : - حسناً , و لكن سأكررها .. 

إلى يوم زيكولا فقط .. بل اليوم السابق له حتى .. 

يوم يُفتح باب زيكولا .. 

إن عاد سيدى فلن يترككم لحظة واحدة ببيته .. 

و ربما يقتلنى إن علم أننى من أدخلتكم بيته .. 

فأومأ خالد إليه برأسه موافقاً دون أن يتحدث 

ثم نظر إلى إياد : - و متى يأتى عمالك ؟

فهمس إليه إياد :- سيأتون بعد قليل .. 

لا تخبر الفتى بما سنفعله أسفل بيت سيده .. 

ربما يضيع كل شئ إن علم بذلك .. سيأتون بعد أن يرحل .. بعدها نظر خالد إلى الفتى : - حسناً .. 

أستأجر منك البيت حتى يوم فتح باب زيكولا 

مقابل مائتى وحدة ..

فابتسم الفتى , و أخرج مفتاحاً حديدياً كبيراً :- و هذا مفتاح بيت سيدى ..

و ما إن أخذه خالد حتى شعر بألم شديد برأسه .. 

فنظرت إليه أسيل فى لهفة , و اقتربت منه , 

بعدما أمسك برأسه: - خالد, تماسك .. أرجوك تماسك .. 

أعلم إن اليوم شاقٌ عليك ..

فلم يرّد , و ظل ممسكاً برأسه , و بدأ شحوب جلده يزداد .. حتى سألته: - خالد .. هل أنت بخير ؟ 

فأجابها بصوت منخفض : - نعم .. 

و لم يترك رأسه حتى مر قليل من الوقت .. 

و خرج إياد و عاد مجدداً , و تحدّث إليه : - لقد أتى زعيم العمال الذين سيحفرون النفق .. 

و لكنه يريد أن يأخذ الثلاثمائة وحدة دفعة واحدة .. 

هل ستعطيهم أجرهم دفعة واحدة كما طلبوا ؟ 

فنطقت أسيل على الفور : - لا .. 

لن يدفع لهم ثلاثمائة وحدة الآن ..

فأمسك خالد بيدها .. ثم تحدث إلى إياد : - هل يأخذون أجرهم دائماً هكذا ؟

فرد إياد :- نعم .. و هذا ما سيجعلهم يكتمون أمر 

ذلك النفق .. الذى قد يودى بحياتنا جميعاً .. 

فنطق خالد فى صوت هادئ :- حسناً .. 

سأعطيهم ما يريدون .. 

فصرخت إليه أسيل : - خالد .. إن هذا قد يودى بحياتك .. فابتسم إليها خالد :- إننى قوى .. 

سأدفع لهم مايريدون , سواء الآن آو بعد ذلك .. 

ولا أريد أن يخبروا أحداً .. 

فتحدث إياد : - حسناً .. سأدخله إليك الآن 

ثم أذهب معهم إلى ذلك البيت 

لأنهم سيبدأون عملهم من اليوم .. 

و أنت ستواصل عملك .. 

و ستجد نفقك كاملاً بعد عشرين يوماً .. 

و قد أكّدوا لى ذلك .. 

و بعد أن تغادره - متى تشاء - سأجعلهم يملأون جزءه القريب من البيت بالصخور مجدداً ثم يعيدون أرضية البيت كما كانت .. و أتمنى ألا يثير ريبة صاحبه حينيعود إليه ..فحدّثه خالد :

- حسناً .. أدخله ..فخرج إياد .. 

و عاد و معه رجل ضخم شعره مجعد , و شاربه كثيف , 

و شفتاه غليظتان , و بيده آلة حفر يدوية سنّها حديدى مدبب , و تخرج منه عصا خشبية سميكة .. 

ثم نطق بصوته الغليظ : - إننا نريد ثلاثمائة وحدة الآن .. فتحدث إليه خالد : - لا أريد أن يعلم أحد بذلك أبداً .. 

فردّ الرجل : - حسناً , كما تريد .. 

إننا نعلم كيف نصون السر جيداً ..

فابتسم خالد :- حسناً , لك ما تريد .. 

فابتسم الرجل , و همّ ليغادر قائلاً : - سنبدأ العمل اليوم .. و سترى كم نحن بارعون ..

ثم غادر , و معه إياد الذى أخذ المفتاح الحديدى معه .. 

أما خالد فأمسك رأسه من جديد , و تزايدت ضربات قلبه , 

و تسارعت أنفاسه , و زاد شحوبه للغاية , 

و شحبت شفتاه , و أحمرّت عيناه , 

و نهض من مكانه , و سار مترنّحاً بين أرجاء المكان , 

و نظر إلى يامن و أسيل فى ذهول , و ترنح مجدداً , 

و برزت عيناه و أمسك برقبته كأنه يختنق , 

و أسيل تناديه و قد تساقطت دموعها :- خالد .. 

عليك أن تصمد .. لم يفعل أحد من قبل مثلما فعلت ..

- خالد .. ستصمد .. إنك قوى .. 

أعلم أنك ستصمد .. ستصمد .. 

ثم أمسكه يامن :- خالد .. ستعود إلى بلدك .. 

ستعود قوى كما كنت .. ستسترجع ثروتك .. 

و خالد ما زال يتحرك , و يهذى , و لا يدرى بشئ من حوله , 

و ينظر إلى ذراعه التى أصبحت صفراء شاحبة , 

و إلى كفيه اللتين ارتعشتا قليلاً .. 

حتى أراد أن يتجه نحو الباب , و ما إن تحرّك خطوات نحوه حتى سقط على الأرض, و ظل جسده ينتفض , 

و ضمّت أسيل رأسه إلى صدرها , و رجلاه تنتفضان بقوة , حتى هدأتا رويداً رويداً , و أغمض عينيه .. 

فنظرت أسيل باكية إلى يامن : - كنت أعلم أن ذلك سيصيبه .. و لكننى لم أعلم أننى لن استطيع أن أراه هكذا .. 

و زادت دموعها , و مررت يدها فوق شعره , 

و أكملت : - إن اليوم سيكون أصعب أيامه فى زيكولا .. إن مخزونه الآن لا يزيد عن مائة وحدة .. 

عليه أن يأخذ قسطاً كبيراً من الراحة اليوم ..

فرد يامن : - حسنا .. سأتركه ينام حتى الغد , 

و أنا سأذهب كى أرى عملنا الجديد .. 

لابد و أن نعمل من الغد .. 

لقد أصبح هدفى الآن أن يستعيد خالد ذكاءه 

قبل أن يغادر زيكولا .. 

و سأتابع مع إياد أيضاً حفر ذلك النفق ..

فقالت أسيل , و مازالت دموعها على خدّيها : - حسناً .. 

عليك أن تحمله إلى سريره الآن .. 

و أنا سأظل بجواره حتى تعود ..


غادر يامن بيت ضيافة الطبيبة بعدما حمل خالد إلى سريره .. و ترك بجواره أسيل التى ظلت تنظر إليه , 

و تحاول أن تتمالك نفسها من البكاء مجدداً , 

و تسكب القليل من الماء البارد على يدها 

ثم تمررها على وجهه و على لحيته الناعمة 

ثم على شعره الناعم .. 

و خالد مُغلقة عيناه , و يهذى بكلمات غير مفهومة , 

و أسيل تنظر إليه , 

و تتذكر حين اصطدم حصان عربتها به و رأته لأول مرة .. 

ثم تتذكر حين قرأت كلماته التى كتبها عنها , 

و أنها حورية زيكولا , و تمسح مجدداً وجهه بالماء , 

و ابتسمت حين تذكّرت حديثه إليها حين رأى نجماً لامعاً فريداً , و أخبرها بأنه قد سمّاه أسيل .. 

تشعر بأنها تراه أمامها كما رأته حين وقف أمام عمال المنطقة الشرقية كقائدهم , و جعلهم - بكلمات منه - يتخلّون عن خوفهم , و يتحدون ضد آخذى وحدات الحماية .. 

و بدأت تتحدث إليه بصوت هادئ : - ستكون على مايرام 

يا خالد .. ستكون بخير .. 

ثم نهضت لتحضر المزيد من الماء فوجدته يهذى , 

و يعلو صوته : - جدى .. منى .. منى .. جدى .. 

فتوقفت قدماها حين سمعته .. 

ثم أكملت طريقها لتحضر الماء .. 

حتى عاد يامن , و ظلّا بجواره ساعات طويلة 

دون أن يغفو لهما جفن .. حتى مرّ ذلك اليوم ..

...

فى صباح اليوم التالى , 

فتح خالد عينيه فوجد أسيل و يامن بجواره 

فضحك , فسألهم : - لماذا تجلسون هكذا ؟!

فابستم يامن , و ابتسمت أسيل , 

و ردّت :- لقد أصابنا القلق فحسب ..

فصمت خالد , و لم يتحدث بعدما نظر إلى ذراعه 

ثم نظر إلى يامن , 

و حدّثه بصوت هادئ :- هل بدأوا العمل ؟

فأجابه :- نعم .. لقد بدأوا بالأمس ..

فسأله مجدداً : - و نحن لماذا لانعمل معهم ؟!! 

فابتسم يامن :- لدينا عملنا .. 

فصاح به فى غضب : - و لماذا نجلس هنا ؟! 

فابتسمت أسيل , و نظرت إلى يامن :- نعم .. 

لماذا تجلسان ؟ .. هيا انهضا إلى عملكما ؟ 

فنظر خالد إلى أسيل مندهشاً :- ألن نساعدك ؟

فابتسمت :- كنت أتمنى ذلك .. 

و لكن مرضى تلك المنطقة أغلبهم من النساء .. 

لقد وجد يامن لك عملاً ستوفر منه ست وحدات باليوم .. 

فركل يامن بقدمه : - حسناً .. هيا بنا إلى العمل .. 

فضحك يامن : - حسناً يا صديقى .. 

انتظر حتى أغسل وجهى بالماء ..أراك أصبحت متسرعاً قليلاً ..

***

اتجه خالد مع يامن إلى عملهما الجديد فى المنطقة الغربية .. و خالد يسير واجما ً, و قد بطأت حركته , 

و كلما سار بمكان ما ؛ تلفّت حوله كثيراً , 

و ظل يسأل يامن الكثير من الأسئلة 

و التى أجابها له يامن من قبل , 

و يامن يبتسم و يجيبه مجدداً .. 

حتى وصلا إلى عملهما الجديد .. 

فتحدث إليه يامن :- هنا سنكسر الصخور 

مثلما كنا نكسرها فى المنطقة الشرقية .. أتتذكر ؟

فرد خالد :- نعم .. أتذكر .. 

فأكمل يامن : - أعلم أن كفاءتك ستكون أقل .. 

و لكن ما عليك سوى أن تقلّدنى فى عملى .. 

إنه عمل لا يحتاج إلى ذكاء .. 

و حين ننتهى من عملنا سننال أجرنا .. 

ثم نذهب إلى إياد لنرى نفقك يا صديقى ..

...

بدأ خالد يعمل مع يامن .. و كانت كفاءته أقل كما أخبره .. 

و كلما اشتد بعمله زاد تعبه و إنهاكه و أراد أن يستريح .. فيحدّثه يامن بأن يعمل , و يحمّسه : - هيا يا خالد .. هيا .. إنك بحاجة إلى كل وحدة .. 

فيعمل مجدداً , و يحاول أن ينافس يامن , و لكنه لا يستطيع .. فيُهدأ يامن من عمله , و يكسر مثله ببطء .. 

ثم يوحى إليه بأنه من تفوق فى تلك المنافسة .. 

حتى انتهيا من عملهما , و أخذا أجرهما , 

و اتجها إلى ذلك البيت الذى استاجره .. 

فوجدا إياد هناك بمفرده , و عمال الحفر قد انصرفوا , 

فسأله خالد فى غضب : - أين العمال ؟

فأجابه إياد :- إنهم قد انصرفوا .. 

لن يستطيعوا أن يعملوا مع هدوء الليل .. 

إنّ ضجيج النهار يستر خلفه ضجيج الحفر.. 

فصاح به خالد : - إننا نريد أن نسرع ..

فأشار يامن إلى إياد بأن يُهدأ من حديثه .. 

و أن خالد ليس كطبيعته , ثم أمسك بيده , 

و تحرّك بهما إلى إحدى غرف الطابق السفلى بالبيت : - أنظرا .. لقد تخلصوا اليوم من أرضية تلك الغرفة , 

و معها الطبقة الصخرية الصلبة .. إنها أصعب ما فى الأمر .. بعد ذلك أعتقد أن الحفر سيكون سهلاً .. 

و سينتهى فى موعده بعد عشرين يوماً .. 

ثم نظر إلى خالد : - اطمئن .. 

سأجعلهم يعملون ليلاً أيضا , و لكن مع اقترابهم 

من نهاية النفق .. 

ثم ضحك : - من سيزيل تلك الصخور و الرمال 

التى سيخرجونها من النفق , غيرهم ؟! .. 

فهدأ خالد , و همّ للمغادرة :- افعلوا ما تشاءون .. 

ثم نظر إلى يامن : - يامن .. أريد أن أعود إلى المسكن ..فابتسم إليه يامن فى هدوء : - حسناً يا خالد .. سنعود .. 

ثم نظر إلى إياد : - إياد .. إن مصير خالد مصيرى .. 

لن أوصيك ..

فضحك إياد :- لا أنسى أننى سأنال أجراً 

لمتابعة هؤلاء العمال ..


توالت الأيام يوماً تلو الآخر , و خالد يعمل مع يامن , 

و يترك كل ما يريد أن يأخذ قراراً بشأنه إليه , 

و لا يناقشه بشئ .. ما يريده فقط أن يعمل , و ينال أجره .. ثم يتجها إلى إياد و من معه من عُمال , 

و تأتى إليهم أسيل حين تنتهى من عملها , 

و خالد ينظر إلى ما يفعلونه من بعيد .. 

و لا يتدخل بعملهم مطلقاً .. 

و قد تعمّقوا بالأرض مسافة عمودية , قد تصل إلى مترين , 

و وضعوا بها سُلّماً خشبياً صغيراً .. 

و منها بدأوا يحفرون نفقاً أفقياً .. 

و اندهشت أسيل حين نزلت تلك الحفرة , 

و نظرت إلى النفق الأفقى .. 

و تعجبت من تلك البراعة التى يحفرون بها .. 

و كلّما حفروا مسافة معينة دعّموها بالأخشاب 

حتى لا ينهار ما فعلوه .. 

و تنظر إلى خالد ضاحكة : - لقد بدأ العمل بحق يا خالد .. ستحقق أملك قريباً .. 

ثم نظرت إلى أياد , و طلبت أن تتحدث إليه بعيداً عن خالد 

ثم سألته : - هل سيستطيع أن يسير بذلك النفق .. 

فأجابها إياد :- بالطبع لا .. إن ارتفاع النفق لا يتجاوز متراً .. عليه أن يزحف به .. أو يتحرّك على ركبيته .. 

إنها ليست مسافة كبيرة ..

فصمتت أسيل ثم سألته مجدداً :- و ماذا عن تهويته .. أخشى أن يختنق داخله , 

فابتسم إياد : - أرى أنك تخشين عليه كثيراً .. 

لا أرى أنها مشكلة على الإطلاق .. 

إن النفق سيكون مفتوحاً من الجانبين .. 

و هذا بالطبع سيمرر الهواء .. 

فردت أسيل : - أتمنى ذلك .. 

و استمرت الساعات فى مرورها .. و مرت الأيام معها .. 

و خالد يواصل عمله .. و العمال يحفرون نفقه .. 

و يسرعون فى عملهم دون أن يدرى أحد بما يحدث تحت الأرض الخالية بين سور زيكولا و البيت القريب منه .. 

يحفرون نهاراً , و يتخلصون من صخور الحفر ليلاً .. 

و يامن يزداد الأمل أمامه , و كلما نزل النفق , 

و زحف على ركبتيه أمتاراً به , 

و معه شعلة من النار يضحك , 

و يتحدث إلى خالد الذى ينتظره عند فتحته.. 

و يعلو صوته إليه :- انظر يا خالد .. 

لم يعد سوى مسافة قليلة إلى سور زيكولا .. 

انظر يا خالد .. ستخرج من زيكولا كما تريد .. 

و خالد يستمع إليه , و يبتسم , 

و يتحدث إلى نفسه : - سأخرج يا يامن .. سأخرج .. 

و تمر الأيام أكثر و أكثر , 

و أسيل تنهى عملها كل يوم لتذهب إلي ذلك النفق .. 

فتجد خالد و يامن هناك فتجلس بجوارهما , 

و يداعبان خالد و لا يتركانه حتى يعود معهما 

إلى ذلك المسكن .. دار الطبيب .. 

بعدما رفض أن يسكن بالطابق العلوى بالبيت ذاته ..

و قد وافقاه فيما أراد ..

حتى جاء اليوم الثامن عشر من بداية الحفر , 

و كان خالد يجلس مع يامن بمفردهما , 

فنظر إليه : - يامن .. لقد أخبرتك من قبل أننى أحب أسيل .. فرد يامن مبتسماً : - نعم ..

فأكمل خالد : - لم يعد يتبقى على إتمام النفق 

و مروره أسفل سور زيكولا سوى القليل .. 

و أنا أود أن أخبر أسيل بأننى أحبها .. 

و أن أطلب منها أن تأتى معى إلى بلدى .. 

فابتسم يامن :- مازال هناك وقت حتى يوم زيكولا .. 

فصمت خالد ثم نظر إليه : - أعتقد أننى تأخرت كثيراً كى أخبرها بذلك .. أرى أن الوقت قد حان لتعلم كم أحبها .. فسأله يامن :- هل تريد أن تخبرها بذلك الآن ؟ 

فأجابه :- لا أعلم .. ما أعلمه أننى لا امتلك من الذكاء 

سوى مائتى وحدة أو أكثر بقليلاً .. 

و أخشى ألا أكون ذكياً فى حديثى معها ..

فابتسم يامن : - إنها تعلم من أنت يا خالد .. و هى تحبك ..فابتسم ابتسامة حزينة : - أريدك فقط أن تخبرنى ماذا أفعل .. كنت أظن الأمر سهلا ً.. و لكننى لا أجده بتلك السهولة .. .. أخشى أن يكون تواجدها معى تعاطفاً ليس حباً ..

فصمت يامن قليلاً ثم ضحك وقال : - سأخبرك ماذا تفعل , 

ثم سأله : - أين أوراقك التى كنت تكتبها ؟ 

فأشار خالد إلى أغراضه : - إنها هناك بين أغراضى .. فسأله : - كتبت بينها أنك تحب أسيل ؟ 

فأجابه خالد :- نعم ..

فسأله :- و هل قرأتها أسيل ؟

فأجابه :- لا .. إنها قرأت الأوراق الأولى فقط .. 

حين كنت أمدحها .. 

و لكنها لم تقرأ أننى أحبها منذ دخولى إلى زيكولا ..

فابتسم يامن : - حسنا سآخذ تلك الأوراق , 

و سأجعلها تقرأها , و ستتأكد من حبك لها , 

و لن تنتظر حتى تذهب إليها .. 

أراهنك بخمس وحدات من الذكاء .. 

أنها حين تقرأ تلك الأوراق ستأتى إليك مسرعة و تقول .. أحبك يا خاااااالد ..

فابتسم خالد :- حسناً أفعل ما تشاء .. 

أما أنا فأريد أن أذهب إلى إياد و من معه من عمال الآن .. 

ثم أتجول بين شوارع المنطقة قليلا ً.. 

لا أريد أن أنام الليلة .. 

أشعر أنها ليلة مختلفة .. 

لم يعد سوى يومان على انتهاء العشرين يوماً 

التى أخبرنى بها إياد ..

بعدها خرج ..أما يامن فقد حمل أوراقه , 

و اتجه بها إلى غرفة أسيل , و طرق بابها برفق .. ففتحته فابتسم , و أظهر إليها أوراق خالد , 

و تحدّث :- إنّ خالد قد خرج و لا أعلم أين هو .. 

و أنا سأخرج الآن .. حين يأتى , أريدك أن تخبريه 

بأننى قد وجدت أوراقه مبعثرة .. 

ثم أعطاها لها فابتسمت أسيل : - حسنا سأعطيها له 

حين يعود .. ثم أخذتها , و أغلقت بابها على الفور , 

و أسرعت إلى سريرها , 

و بعثرت الأوراق أمامها فى سعادة .. 

تريد أن تقرأ ما كتبه خالد عنها .. 

و زادت من إضاءة غرفتها , و أمسكتهم ورقة ورقة .. 

و كلما انتهت من قراءة إحداهن تناولت الأخرى .. 

و ظلت تقرأ ما كتبه خالد عنها فى البداية , 

و الذى قرأته من قبل و أنها حورية زيكولا .. 

ثم بدأت تقرأ ما كتبه خالد عن زيكولا , و عن أهلها , 

و عن مناطقها .. حتى قاطع تركيزها الشديد صوت طرقات شديدة على باب غرفتها , و حين نهضت و فتحت بابها .. 

فوجئت ببعض الجنود , و قائدهم يتحدّث : - أيتها الطبيبة .. إننا من حراس الحاكم .. لابد أن تأتى معنا على الفور ..فسألته فى دهشة : - لماذا ؟ 

فأجابها : - لا أعلم سيدتى .. 

لقد أمرنى سيدى الحاكم أن آتى بكِ على الفور .. 

يبدو أن سيدتى ليست على مايرام .. 

فهدأت أسيل :- حسناً .. سآتى معك ..

ثم أغلقت باب حجرتها مرة أخرى , و بدّلت ملابسها , 

و لملمت أوراق خالد سريعاً لتحملها معها .. 

و لم تدرِ أن هناك ورقة قد أسقطتها دون أن تشعر ..

...

خرجت أسيل مسرعة مع حراس الحاكم .. 

و أرادت أن تخبر خالد أو يامن بأنها ستذهب إلى 

المنطقة الوسطى فلم تجد أى منهما .. 

فركبت العربة الفخمة التى جاءوها بها , 

و بدأت العربة فى التحرّك , 

و هى تنظر عبر نافذتها لعلها تجد خالد , و لكن دون جدوى فحدّثت نفسها : - إن المنطقة الوسطى ليست ببعيدة .. سأذهب إلى هناك , و سأعود على الفور .. 

ثم طلبت من قائد الحراس الذى كان يجلس أمامها فى العربة أن يزيد من إضاءة المصباح الناري كى تتمكن من قراءة 

باقى أوراق خالد التى أحضرتها معها 

حتى تصل إلى قصر الحاكم .. 

و بدأت تقرأ مجدداً ما كتبه بينما تسير العربة , 

و بدا السرور على وجهها .. 

حتى وصلت إلى آخر ورقة معها , و زادت ضربات قلبها 

حين وجدت خالد قد كتب بها أنه قابل فتاة أثناء عمله بتكسير الصخور تشبه منى حبيبته , التى أحبها ست سنوات , 

و كادت دموعها تسقط حين انتهت الورقة , 

و قد كتب :" - ما أعلمه جيداً أننى لم أحبّ غير منى 

طوال عمرى "

و انتهت الأوراق معها , فحاولت أن تتمالك نفسها .. 

حتى شعر قائد الحراس بذلك بعدما بدا التوتر على وجهها , 

و لمعت عيناها بالدموع , و تسارعت أنفاسها , 

و كأن صدمة أصابتها 

فسألها : - أهناك مكروها , سيدتى ؟

فأجابته فى حزن :- لا شئ .. ثم نظرت عبر النافذة , 

و لم تحرّك ساكناً .. 

فى الوقت ذاته عاد يامن إلى المسكن , 

و وجد فتاة تخرج من حجرة أسيل ,,كانت تقوم بتنظيفها, فسألها : - أين الطبيبة أسيل ؟ 

فأجابته : - لقد خرجت مع جنود الحاكم .. 

ثم أخرجت ورقة صفراء , 

و أكملت: - و قد تساقطت منها تلك الورقة يا سيدى ..

فأمسك يامن بالورقة فوجدها إحدى أوراق خالد , 

و التى كُتب ببدايتها :" - لم أحب غيرها طوال عمرى 

قبل أن آتى إلى زيكولا .. حتى وجدت أسيل 

التى يزداد شعورى كل يوم بحبها لى .. 

أما أنا فأشعر تجاهها بحب لم أشعر بمثله من قبل .. " فظهرت خيبة الأمل على وجهه ثم سأل الفتاة : - 

ألا تعلمين لماذا جاءها جنود الحاكم فى ذلك 

التوقيت المفاجئ ؟

فأجابته : - لا أعلم سيدى ..


مر الوقت قليلاً , و خرج خالد إلى شوارع المنطقة الغربية .. يسير فى هدوء ليلها بعدما نزل ذلك النفق الذى أوشك 

على انتهائه و خرج منه .. 

يتمنى أن ينتهى حفره و أن تمر الأيام سريعاً , 

و يستكمل جزءًا من ذكائه حتى يخرج من زيكولا , 

و ظل يسير , و يفكّر هل قرأت أسيل أوراقه .. 

هل علمت بمدى حبه لها .. 

حتى فوجئ بالكثير من الجنود يقتربون منه , و يحيطون به , 

و يمسكونه فسألهم على الفور : - لماذا تمسكون بى ؟! .. إننى لم أفعل شيئاً ..

فأجابه قائدهم فى غلظة : - نعم .. إنك لم تفعل شيئاً .. 

ثم أكمل : - لقد وضعت زوجة الحاكم ولدها الليلة 

أيها الفقير .. 

و سيكون يوم زيكولا بعد سبعة أيام من اليوم .. 

فصاح خالد :- ماذا .. لا .. مازال هناك شهران على وضعها ..فضحك القائد ساخراً إلى جنوده : - أرى أنه أفقر من قابلنا .. ثم سأله :- ألا تعلم أن هناك من يولدون بعد سبعة أشهر فقط , ثم أشار إلى جنوده , و قد استدار بحصانه : - أمسكوا به , و ضعوه مع غيره من فقراء منطقتنا ..

حتى يُعرَضوا على أطباء زيكولا ..


الحلقة الثامنة عشر من رواية ( ارض زيكولا )


كان ما حدث من أمر الجنود صدمة بالنسبة لـ خالد ..

و وقعت كلمات قائدهم على سمعه كالصاعقة 

التى أنسته كل شئ من حوله .. 

و حاول أن يتملّص من الجنود الممسكين به و لكنه لم يستطع , و اقتادوه معهم إلى قصر كبير 

يوجد بالقرب من الطرف الشرقى للمنطقة الغربية .. 

ثم أدخلوه إحدى غرف القصر الخالية بالطابق السفلى .. 

و أوصدوا بابها الحديدى من خلفه 

فأصبحت إضاءتها شاحبة يغلبها الظلام .. 

فجلس بأحد أركانها , و وضع رأسه بين يديه , 

و كأن صدمته شلّت تفكيره .. 

ثم نهض مجدداً , و اتجه نحو الباب الحديدى , و صاح :

- لابد أنكم مخطئون .. لابد أنكم مخطئون .. لابد أن أغادر ..

حتى سكت فجأة حين سمع صوت من خلفه :

- تغادر إلى أين ؟!

...

إلتفت خالد فوجد رجلاً يجلس بركن بعيد بالغرفة , 

و لم تكن ملامحه قد ظهرت حتى اقترب منه فبدأت ملامحه فى الظهور شيئاً فشيئاً , و وجده رجلاً يبدو من هيئته 

أنه فى الأربعين من عمره .. فسأله :

- من أنت ؟

فرد الرجل فى هدوء :

- فقير مثلك ..

فصمت خالد حتى سأله الرجل :

- لماذا لا تجلس ؟!

فأجابه :

- أريد أن أخرج من هنا .. لابد أن أخرج ..

فابتسم الرجل :

- ليتنا نخرج جميعاً .. اجلس لا تضيّع وقتك .. 

طالما جئت هنا لم يعد لك أمل 

سوى أن يكون هناك من هو أكثر منك فقراً .. 

ثم تابع بعدما صمت برهة :

- أو يكون لك حظٌ مع الزيكولا ..

فجلس خالد بجواره ثم سأله :

- ما اسمك ؟

فرد الرجل :- أنا جواد ..

فأكمل خالد :- ألا يوجد غيرنا ؟!

فأجاب جواد :

- انتظر .. مازال أمامهم يومٌ آخر حتى يأتينا أطباء منطقتنا .. و إلى أن يأتى الأطباء سيحضرون هنا الكثيرين من الفقراء .. ألم تشاهد تلك الأيام من قبل ؟!

فأجابه خالد :

- لا .. إننى أشاهدها للمرة الأولى .. 

إننى لست من أهل زيكولا ..

فصمت جواد ثم ابتسم , و أكمل :

- كان لابد أن تحافظ على مخزونك من ذكائك ليوم مثل هذا ..

فسأله خالد ساخراً :

- و لماذا لم تحافظ أنت على ذكائك ؟!!

فأخرج جواد زفيراً طويلاً ثم نظر إليه :

- تستطيع أن تقول إنه القدر .. 

من كان يرانى منذ أيام لم يكن ليظن لحظة واحدة 

أن أكون من فقراء زيكولا .. 

و لكنه الزمان ينقلب رأساً على عقب دون مقدمات ..

فقاطعه خالد :

- تذكّرنى بنفسى .. 

كنت أمتلك كثيراً من الذكاء , و قد فقدته أيضاً فجأة 

و لكن لسبب قوى .. فقدته من أجل عودتى إلى وطنى .. 

أمّا انت فلماذا فقدت ثروتك ؟

فأجابه :

- إنها قصة طويلة .. قد تحكيها لمن تعرفهم إن نجوت .. تعلم , عندى ثلاث و أربعون سنة .. ثم تنهّد , و أكمل :

- مثلى مثل رجال زيكولا .. 

كنت أعمل من أجل أن أعيش و لا آتى إلى تلك الغرفة يوماً .. لم أكن غنيّاً , و لم أكن فقيراً أيضاً .. 

كنت أعمل يوماً بيوم , و أقضى حاجاتى التى تكفى لعيشى سعيداً دون أن أدّخر شيئاً زائد عن حاجتى .. 

و طالما كان هناك الأفقر منى فلم يشغل لى الفقر بالاً .. حتى جاء يوم و أحببت فتاة هنا .. 

فتاة تسكن بتلك المنطقة , و أصبح حلمى أن أتزوّجها , 

ثم صمت فسأله خالد أن يكمل , فأكمل :

- كنت جريئاً للغاية , فذهبت إليها , 

و أخبرتها أننى أريد أن أتزوّجها .. 

و لكن أبوها طلب مهراً باهظاً للغاية , 

فابتسم خالد , و قاطعه مجدداً بصوتٍ هادئ :

- أعلم البقية .. ظللت تعمل من أجل هذا المهر , 

حتى أعطيته لأبيها , فجاء يوم زيكولا .. 

فأومأ جواد برأسه موافقاً على ما قاله خالد 

الذى أكمل قائلاً :

- إنها تشبه قصّتى .. كلانا سعى من أجل ذلك المهر .. 

أنت من أجل حبيبتك .. و أنا من أجل عودتى إلى وطنى ..

فتابع جواد :

- إنها تنتظرنى .. إن خرجت من هنا سنتزوج .. 

إنها تحبنى للغاية , لقد أخبرتنى أنها تريد أن تنجب أطفالاً يكونوا من أثرياء زيكولا ..

فساله خالد مندهشاً :- هل ستترك أطفالك يعيشون هنا 

فى زيكولا ؟!!

فأجابه جواد :- بالطبع ..

فتابع خالد :

- كنت أظن بعد وجودك هنا أنك إن نجوت من تلك المحنة , ستغادر زيكولا بعدها ..

فسأله جواد متعجباً :- إلى أين ؟!! .. 

إن زيكولا وطننا و نحن نحبها ..

فنظر إليه خالد :- إنكم تُقتلون فى وطنكم هذا ..

فصمت جواد قليلاً , و طال صمته تلك المرة .. ثم أكمل :

- ربما تظن ذلك .. 

و لكن رغم ما أنا به , فلا أعتقد أننى سأجد أفضل منها 

وطناً لى .. و لأولادى .. لقد أعطتنا زيكولا الكثير .. 

أعطتنا القوة و الفخر بأننا أبناؤها .. 

فخر يشعر به الغنى و الفقير .. ثم ابتسم , و كأنه يتذكّر :

- حين يذهب منّا المرء يوم فتح باب زيكولا 

إلى مدينة أخرى فإنه يتباهى أنه زيكولى , 

و الجميع يقدم له وافر الاحترام .. 

لا يستطيع أحد مساس شعرة من رأسه .. ثم أكمل :

- أنا فقير اليوم .. 

و ربما يختارنى الأطباء بين الأكثر فقراً , و ربما أذبح .. 

و لكنى سأذبح من أجل سعادة حاكمنا بولده , 

و كم نحب حاكمنا .. لطالما جعلنا حكامنا أقوياء .. 

فقاطعه خالد مندهشاً :

- لماذا لا أراك قلقاً أو حزيناً ؟! .. 

كيف تمتلك هذا البرود ؟

فأجابه :

-لا أخفى عليك , كنت ممن يعملون بحرص ألا يأتوا هنا يوماً .و سأفرح كثيراً إن نجوت .. 

و لكننى أرى من العار أن أحزن إن لم أنجُ .. 

ثم نهض , و تحرك خطوات مبتعداً عنه فسأله خالد :

- ألا تريد أن تعود إلى حبيبتك ؟!

فتوقف جواد :

- لقد عملت ما فى وسعى , و هى الآن تعلم كم أحبها , 

و أعلم أنها ستفخر بى باقى عمرها إن كنت أنا الذبيح .. 

إنها تعلم إننى لم أكن كسولاً يوماً ..

فتحدّث إليه خالد :

- أتمنى أن تعود إليها و تنجبا أطفالاً ينعمون بذلك الحب .. ثم نهض هو الآخر , و تحرك إلى ركن بعيد بالغرفة , 

و أكمل بصوت يشوبه الحزن :

- و لكننى لا أريد أن أُذبح .. أنا لست منكم .. 

أريد أن أعود إلى بلدى .. إلى أهلى .. 

سأشعر بالفخر حين أعود إليهم ..

ثم سكت حين فُتح باب الغرفة , و زجّ أحد الجنود 

بشخص شاحب اللون إليهم ثم أوصد الباب من خلفه ..


كانت شوارع المنطقة الغربية مزدحمة 

بالكثير من أهاليها حين علموا بوضع زوجة الحاكم مولودها 

و حلول يوم زيكولا بعد أيام قليلة .. 

و يامن يتحرك بينهم يبحث عن خالد بكل مكان 

بعدما لم يعد إلى المسكن الخاص بأسيل منذ خروجه , 

و ظل يسأل من يقابله عن خالد .. 

ذلك الشاب الطويل العريض ذو الشعر الأسود الطويل 

و اللحية السمراء الناعمة , و لكن لم يجبه أحد .. 

و بدأ القلق يتسرب إلى قلبه بعدما وجد جنود المنطقة ينتشرون بشوارعها , و يبحثون عن الأكثر فقراً بينهم .. 

حتى تيقّنت شكوكُه حين أخبره فتى صغير 

بأنه رأى خالد و الجنود يجرّونه نحو قصر الفقراء .. 

فتسمّرت قدماه دون أن يدرى ماذا يفعل ..


عاد يامن إلى المسكن الخاص بأسيل على الفور .. 

و سأل خادمة هناك إن كانت أسيل قد عادت , 

فأجابته بأنها لم تعد بعد .. 

فزاد توتّره و ضيقه , و لم يشغل باله سوى خالد 

الذى قد يُذبح بعد أيام , و مصيره بيد أسيل , 

و ظل يتحرك جيئة و ذهاباً لا يستطيع أن يتمالك نفسه .. بعدها أمسك بالورقة التى أسقطتها أسيل , 

و خرج مسرعاً خارج المسكن إلى أطراف المنطقة الغربية حتى وصل إلى الطريق الممهد إلى المنطقة الوسطى , 

و ظل واقفاً على جانبه 

حتى تمر عربة متجهة إلى تلك المنطقة .. 

يعلم أن الوقت قد تأخّر , 

و الليل يكسو زيكولا و لكنه لم يفقد أمله فى ذلك .. 

حتى مرت أمامه عربة فطلب من صاحبها 

أن يصطحبه معه فرفض , و كلما مرت عربة إما أن 

يرفض سائقها أو يخبره بأنه لن يمر بالمنطقة الوسطى 

حتى جاءت عربة يركبها عجوز يتجاوز عمره الثمانين 

فأوقفه يامن , و حدّثه :

- أريد أن أذهب معك إلى المنطقة الوسطى ..

فأجابه العجوز :

- إننى لا أصطحب غرباء .. ثم أكمل :

- مالكم أيها الشباب , لماذا لا تسيرون ؟!! .. 

إننى كنت فى مثل عمركم أجوب زيكولا على قدمى ..

فأجابه يامن :- حسناً .. سأجوبها على قدمى ..

فأمر العجوز حصانه أن يواصل حركته , 

و تمتم بكلمات و كأنه يسب يامن , و تحركت العربة قليلاً , 

و يامن ينظر إليه حانقاً .. 

حتى ابتعدت العربة عنه فأسرع خلفها , و تشبث بمؤخرتها , 

و ظلت رجلاه تهرولان كى تجارى سرعة حصان العربة , 

و كلما حاول أن يسندها على لوح خشبى 

بمؤخرة العربة تفلتان .. 

حتى استطاع أن يتشبث جيداً , و ظل متشبثاً بها 

بينما يجلس العجوز بمقدمتها , و يضرب حصانه كى يسرع , 

و بدأ يغنى بصوته الضعيف المتقطع , 

و كأنه يريد أن يؤنس وحدته , و يامن يستمع إليه , 

و يريد أن يضحك , و لكنه خشى أن يعلم بوجوده .. 

فآثر أن يكتم ضحكاته بداخله ..


مر الوقت , و خالد حبيس بغرفة الفقراء , و تزايد عددهم , 

و بين الحين و الآخر يُفتح باب الغرفة ليُزج بفقير جديد 

إليهم ثم يوصد مجدداً .. 

و خالد يجلس بركنه صامتاً , و ينظر إلى جواد 

الذى كلما حلّ فقير بالغرفة يذهب إليه ليعرف قصته .. 

ثم يتحدّث إلى نفسه , و يسألها ؛ ماذا يفعل يامن ؟ , 

و ماذا تفعل أسيل ؟ , 

و هل ستنتهى حياته فى زيكولا 

أم أن هناك أملاً قد يغير ذلك المصير ..


وصلت عربة العجوز إلى المنطقة الوسطى , 

و التى سادها الهدوء و الصمت .. 

و لم يكن بشوارعها إلا قليل من الجنود و حراس القصور المتواجدين بها و الذين تظهر ملامحهم واضحة 

مع المصابيح النارية التى تنير شوارع تلك المنطقة .. 

و ما إن ابطأت العربة حتى قفز يامن , 

و ترك العجوز يكمل طريقه دون أن يدرى بوجوده .. 

ثم عدّل من ملابسه , و نفض عنها ما أصابها من غبار , 

و أسرع إلى قصر الحاكم فقابله أحد حراس القصر , 

و سأله على الفور :

- من أنت ؟

فأجابه يامن , و قد علا صوته متحدّثاً بثقة :

- أنا مساعد الطبيبة .. ثم صاح به :

- ألم تعلم من أنا ؟! .. من أنت كى تسألنى ؟!

فأجابه الجندى :

- أعتذر لم أكن أعرفك ..

فرفع يامن رأسه :

- حسناً .. هيا أدخلنى , و إلا أثرت غضبى .. 

و أنت تعلم أننى بعملى هذا قد أجعلك أفقر شخصاً بزيكولا .. هيا ..

فبدا التوتر على وجه الجندى :

- حسناً سيدى .. 

تفضل إنها بحجرتها , و لكن لابد و أنها نائمة .. 

إن الشروق قد قارب ..

فصمت يامن ثم أكمل :

- إننى لا أستطيع الانتظار .. 

أخبر إحدى الوصيفات بأن تخبرها 

أن مساعدها ينتظرها بالأسفل لأمر هام ..

فرد الجندى :

- حسناً .. تفضّل إلى أولى حجرات الطابق السفلى , 

و ستأتيك إلى هناك ..


كانت أسيل تجلس بحجرتها , و تقلّب أوراق خالد من جديد , 

و يكسو وجهها حزن شديد .. حتى سمعت طرقات 

على باب حجرتها ثم وجدت إحدى الوصيفات تدلف إليها , 

و تخبرها بأن مساعدها ينتظرها بالأسفل , 

و يريد أن يخبرها بأمر هام , فنطقت على الفور :

- خالد !!

ثم تمالكت نفسها , و سألت الوصيفة :

- ماذا يريد ؟

فأجابتها :

- لا أعلم سيدتى .. إنه ينتظرك بالأسفل ..

فصمتت برهة ثم أشارت إلى الوصيفة :- حسناً ..

فغادرت الوصيفة .. 

و ظلت أسيل كما هى , تفكّر و تسأل نفسها :

- ماذا جاء بك إلى هنا يا خالد ؟!!

- أعلمت أن أوراقك جاءت إلىّ صدفة 

فتريد أن تخبرنى أنها ليست أوراقك .. 

أم تريد أن تخبرنى أنك حقاً تحب تلك الفتاة , 

أمّا أنا فلا أمثل لك سوى شخص تحب مساعدته ..

ثم نظرت إلى مرآة أمامها , و قالت :

- ربما كانت ليست أوراقه حقاً ..

- ربما أراد أن يختبر مدى حبى و غيرتى ..

ثم عادت و سألت نفسها :

- و ماذا لو كانت تلك هى الحقيقة ؟ .. 

ماذا لو كان يحب الفتاة الأخرى ؟ .. ماذا تفعلين ؟ ..

ثم نظرت نحو باب غرفتها :

- حسناً .. سأنزل لأرى ماذا تريد يا خالد ..

ثم بدّلت ملابسها , و غادرت حجرتها , 

و هبطت السلم إلى الطابق السفلى , 

و اتجهت نحو الغرفة التى أخبروها بأن مساعدها 

ينتظرها بها .. 

و ما إن دلفت إليها و كادت تتحدث حتى فوجئت بأنه يامن :

- يامن ؟!!

فأجابها : نعم .. أعتذر أننى جئتك فى هذا الوقت المتأخر ..

فأكملت :- حسبتك خالد ..

فصمت ثم أكمل :

- لقد أمسكوا بخالد من أجل يوم زيكولا ..

فردّت :- ماذا ؟!!

فأكمل واجماً :

- نعم .. لقد أمسك به الجنود عندما كان يتجول بين شوارع المنطقة الغربية ..

فصمتت , ثم أكمل :

- إنك ِ تعلمين أنه لا يستحق ذلك .. لابد أن نساعده .. 

لابد و أن يخرج .. لابد أن يعود إلى بلده يا أسيل .. 

لقد وعدناه بذلك ..

فأجابت أسيل فى برود :

- ماذا نفعل ؟ .. أنت تعلم قوانين زيكولا أكثر منى ..

فصاح بها :

- نعم أعرفها .. 

و لكن عليكِ أن تفعلى المستحيل كى ينجو من تلك المحنة .. كيف أراكِ بهذا الهدوء .. و أنتى تعلمين كم يحبك ؟!!

فصاحت به :

- يحبنى ؟!! ثم ابتسمت ساخرة :

- تقصد أنه لم يحب فى حياته سوى منى .. 

حبيبة عمره .. أم تريد أن تُكذّب ما كتبه بين أوراقه ..

فصمت مفكّراً ثم أخرج ورقة من ملابسه :

- اقرئى هذه الورقة .. 

إنها أيضاً كتبها , و لكنها سقطت منكِ حين جاءك جنود الحاكم .. ثم أعطاها الورقة , و أكمل و هو يتجه نحو باب الغرفة :

- لو علمت أن أحداً يحبنى هذا الحب .. 

لفعلت المستحيل من أجله .. 

ثم غادر , و أمسكت أسيل الورقة , و قرأت ما بها , 

و علمت إنها تكملة لحديثه فى الورقة السابقة لها .. 

و أنه يحبها منذ أن جاء إلى زيكولا .. 

فلم تستطع أن تتمالك نفسها , 

و تساقطت دموعها بغزارة 

ثم أسرعت إلى غرفتها بقصر الحاكم .. 

تصعد درجات السلم بخُطى سريعة , و دموعها على وجهها وسط دهشة وصيفات القصر الذى يملؤه الفرحة 

منذ قدوم المولود الجديد .. 

ثم دلفت إلى حجرتها , و وضعت رأسها على سريرها , 

و واصلت بكاءها ..


أشرقت الشمس , 

و تبعها نهار بطئ مرّ على خالد كسلحفاة تسير .. 

و انتشرت الأخبار فى كافة أرجاء المدينة 

بأن فقراء زيكولا من الرجال و النساء قد جُمعوا بكل مناطقها , و جميعهم ينتظرون الأطباء حتى يقلّصوا عددهم 

إلى أكثرهم فقراً , و من بعدهم تقول الطبيبة أسيل كلمتها بشأن الفقراء الثلاثة الذين يتنافسون أمام الزيكولا .. 

و يامن لا يستطيع أن يتمالك أعصابه , 

و ينتظر ماذا سيكون قرار أطباء المنطقة الغربية 

فى اليوم التالى .. 

و أسيل تنتظر فى قصر الحاكم , 

و تتوسل إلى الوقت كى يمر سريعاً , 

و الجميع يلاحظون توتّرها 

و تغيرها المفاجئ منذ قدوم مساعدها إليها ..


فى اليوم التالى كان خالد و من معه من فقراء 

حبيسين بغرفتهم .. 

حتى فُتح بابها فجأة , و دخل إليهم قائد الجنود و قال:

- هيا .. ستُعرَضون الآن على الأطباء ..

اصطفّ الجنود صفّين , بينهما ممر أمام الغرفة , 

و بدأ خالد و من معه يمرون بين هذين الصفّين .. 

حتى وصلوا إلى ردهة واسعة , 

و اصطفّوا بها كما أمرهم قائد الجنود , 

و لاحظ خالد بأن هناك نساء شاحبات سيعرضن معهم 

على الأطباء .. و علم أنهن قد حُبِسنَ بغرفة أخرى , 

و بنظرة منه وجد عدد الفقراء و الفقيرات 

لا يتجاوز العشرين فرداً .. 

ثم نظر إلى جانبه فوجد جواد , فهمس إليه :

- كم سيختارون منا ؟

فأجابه :

- لا أعلم .. سيختارون أقلّنا ثروة ..

حتى صاح به أحد الجنود بأن يصمت ثم دخل رجلان , 

و علم من يقفون بأنهما الطبيبان حين وجدوا زيّهما الأنيق , 

و قمصانهما الراقية , و نعالهما الفخمة ..

ثم أشارا إلي الفقراء بأن يجلسوا , 

و سأل أحدهما قائد الجنود بأن يأتى بهم واحداً تلو الآخر ..


بدأ الفقراء يتجهون إلى الطبيبيّن واحداً تلو الآخر .. 

و خالد يراقب من بعيد ما يفعلانه , و ينظر إليهما , 

و هما يفعلان مثلما كانت تفعل أسيل 

حين كانت تمسك بثنية من جلده 

لتخبره كم يمتلك من وحدات ذكاء .. 

و يراقبهما حين يمسك أحدهما بقلم و يدوّن شيئاً بأوراقه بعدما ينتهى من فحص أحد الفقراء , 

و كأنه يدوّن ملاحظاته عن ذلك الفقير .. 

و قلبه يدق بقوة , و ينظر إلى جلد ذراعيه , 

و يقارن شحوبه بشحوب من معه ثم ينظر إلى السماء , 

و يدعو ربه أن ينجّيه من هذه المحنة 

حتى أمره جندى بأن يتقدم إلى الطبيبيّن , 

و ما إن تقدم إليهما حتى سأله أحدهما :

- هل أنت مريض ؟

فأجابه خالد :- لا ..

ثم أمسك الطبيب بثنية من جلده , 

و أمسك الآخر بثنية أخرى من جلد ذراعه بين أصبعيه .. 

ثم نظرا إليه يتأملانه ثم أمراه أن يعود إلى مكانه مجدداً .. فعاد , و تحرك إليهما جواد الذى قابله مبتسماً .. 

و ظل الطبيبان يواصلان عملهما , 

و الوجوم على وجوه الكثيرين من الفقراء و الفقيرات .. 

حتى نهض الطبيبان مجدداً , و نظرا إلى أوراقهما , 

و ما دوّناه بها من ملاحظات , ثم تحدّثا إلى قائد الجنود , 

و الذى بدوره اتجه إلى خالد و من معه من رجال و نساء 

و نظر إليهم :

- لقد أخبرنا الطبيبان من منكم الأكثر فقراً ..

- من ينجو اليوم عليه أن يعمل بجد 

كى لا يعود إلى هنا مرة أخرى .. 

و من اختاره الأطباء سنصطحبه غداً إلى المنطقة الوسطى حتى يُعرض على طبيبة الحاكم بعد غد .. 

و أتمنى أن يجد من هو أفقر منه هناك ..

ثم نظر إليهم مجدداً , 

و احتبست أنفاس خالد حين أشار إلى جواد :

- أنت.. ستأتى معى إلى المنطقة الوسطى ..

ثم أشار إلى خالد :

- و أنت أيضاً .. ستأتى إلى المنطقة الوسطى .. 

أمّا الباقون فعليكم أن تعودوا إلى بيوتكم , 

و احتفلوا مع أصدقائكم بمولود الحاكم ..

فسقط خالد على ركبتيه :

- أنا ؟!!

فأجابه القائد :

- نعم إنكما الأكثر فقراً هنا .. هيا انهض .. 

ما زال أمامك فرصتان كى تنجو ..

فنظر جواد إلى خالد , و قد قلّ بروده , و بدا متوتّراً قليلاً :

- يبدو أن أحدنا سيكون الذبيح أيها الصديق


الحلقة التاسعة عشر من رواية ( ارض زيكولا )


عاد خالد إلى غرفة الفقراء مرة أخرى و معه جواد , 

و أُغلق الباب الحديدى من الخارج .. 

و ظلّت أنفاسه متسارعة , و زاد قلقه و توتّره كثيراً , 

و كلما حاول جواد أن يتحدث إليه لا يجبه .. 

و لا تتوقف رأسه عن التفكير .. 

لا يرى أمامه سوى ما رآه يوم زيكولا السابق 

حين ذُبح الفقير وَسْط احتفالات أهل زيكولا .. 

أما أسيل فمازالت فى قصر الحاكم تتمنى أن تجد يامن 

الذى اختفى منذ مجيئه إليها المرة السابقة .. 

لا تعلم ماذا حدث بالمنطقة الغربية .. 

تريد أن تعلم هل عاد خالد إلى حريته مجدداً 

أم تجده أمامها يوم تختار الثلاثة الأكثر فقراً .. 

تتمنى أن تغادر القصر إلى المنطقة الغربية , 

و لكنها لا تستطيع أن تترك زوجة الحاكم فى هذا التوقيت .. فلم تجد أمامها سوى أن تنتظر حتى يمر ذلك اليوم و ما يليه , و وقتها سيتضح كل شئ ..


الموسيقى تنتشر فى كافة أرجاء زيكولا , 

و الأخبار تتناقل بين هذا و ذاك .. 

الجميع يتحدثون عن فقراء زيكولا , و يتهامسون بأن أطباءها 

قد اختاروا فقيرين بكل منطقة بها .. 

و ينتظرون طبيبتهم الأولى حتى تعطى كلمتها الأخيرة .. يريدون أن يفرحوا .. يريدون أن يُهنّئوا حاكمهم بهذا اليوم .. الجميع فى أوج سعادتهم طالما ابتعدوا عن منصة الذبح .. يعملون نهاراً , و يتراقصون ليلاً .. 

يعلمون أنها أيام و ستمُر و سيعودون مجدداً إلى حياتهم , 

و أعمالهم الشاقة .. 

فأرادوا أن يقتنصوا كل ذرة سعادة فى تلك الأيام .. 

حتى سور زيكولا بدا و كأنه فى أيام عُرسه بعدما عُلّقت فوقه رايات عديدة مختلفة الألون ترفرف بقوة , و تتوسطها نيران مشتعلة تعلن عن احتفال أهل مدينته , 

و الذين بدأوا يتجهون إلى المنطقة الوسطى أفواجاً متتالية ليشاهدوا منافسة الزيكولا و معهم ما يكفيهم من طعام 

حتى ذلك اليوم , و حتى يوم زيكولا حين يتنقلون إلى المنطقة الشرقية حيث أرض الاحتفال و منصة ذبح الفقير ..

أما أهالى المنطقة الغربية فقد تجمّعوا أمام القصر 

الذى حُبس به خالد و جواد حين اصطف أمامه العديد 

من الجنود إيذاناً برحيل الفقيرين إلى المنطقة الوسطى 

حيث قصر الحاكم , و صاحوا و هللوا حين رأوا خالد و جواد مُكبّلين يداً و قدماً , و يتقدمهم قائد الجنود إلى عربة 

تقف أمام القصر .. 

ثم بدأت العربة فى التحرك فى طريقها لمغادرة تلك المنطقة ..


سارت العربة و شقّت طريقها , و بداخلها خالد , ينظر عبر نافذتها إلى الصحراء الشاسعة على جانب الطريق , 

و كلما حاول جواد أن يتحدث إليه لا يرد , و يظل محدّقاً 

خارج العربة حتى ابتسم جواد , و تحدّث فى هدوء :

-أعلم أنك حزين للغاية , و أعلم أنك تسخط على حاكمنا وولده .. و لكن لا تيأس يا صديق .. 

ما زال أمامك فرصتان كى تنجو بحياتك ..

و خالد يواصل صمته و لا يرد .. حتى تحدّث جواد مجدداً :

- أحدنا سينجو بالطبع .. و قد ينجو كلانا ..

ثم صمت , و أكمل :

- أريد أن أطلب منك شئ ..ثم تابع :

- إن نجوتَ و كنت أنا من سيُذبح , 

و جاء يوم زيكولا و وقفت بين من يحتفلون بذبحى , 

و رأيت امرأة تبكى وسط من يفرحون , 

فاذهب إليها و أخبرها أننى لم أحب بحياتى مثلما أحببتها ..

و سالت بعض دموعه على وجهه فالتفت إليه خالد , 

و وضع كفه على ركبته , و ابتسم إليه :

- ستعود إليها يا جواد .. 

و ستنجبان أطفالاً تعيش و تفخر بزيكولا ..

فابتسم جواد , و الدموع تلمع على وجهه , و أكمل :

- و أنت ؟.. لا تريد أن توصينى بشئ ؟ ..

فصمت قليلاً ثم نظر عبر النافذة مجدداً , و عاد لينظر لجواد :

- إن وجدت شاباً فى مثل عمرى يدعى يامن , 

و يقف حزيناً فأخبره بأننى لم أجد صديقاً و أخاً مثله 

ثم صمت برهةً , و أكمل :

- و إن رأيت طبيبة زيكولا تنظر كثيراً إلى السماء ليلاً 

تبحث عن نجم بها .. فأخبرها أنها أجمل حقاً من ذلك النجم ..

فسأله على الفور :

- هل تعرفك طبيبة زيكولا ؟

فأجابه خالد :- نعم ..

فابتسم , و أكمل :

- هل تحبها ؟

فردّ خالد :- نعم ..

فسأله :- و هى ؟ .. تحبك ؟

فصمت خالد ثم أجابه :- لا أدرى ..

فأكمل جواد :

- إن كانت تحبك فلن تتركك لتكون ذبيح زيكولا ..

فصمت خالد مرة أخرى ثم عاد هائماً يتأمل الطريق 

عبر نافذة العربة .. 

و أكملت العربة سيرها , و أمر سائقها حصانه 

بأن يسرع و لسعه بسوطٍ بيده .. 

حتى وصلت مع اقتراب غروب الشمس 

إلى المنطقة الوسطى , و التى ازدحمت شوارعها 

بالكثير من الناس .. و واصلت العربة تحركها .. 

حتى توقفت أمام قصر الحاكم ..


كانت أسيل تجلس بغرفتها حين أخبرتها وصيفتها 

بأن فقراء مناطق زيكولا قد بدأوا فى القدوم .. 

فدقّ قلبها بقوة , و سألتها على الفور :

- هل وصل فقيرا المنطقة الغربية ؟

فأجابت الوصيفة :

- نعم سيدتى ..

فسألتها مجدداً :

- هل رأيتِهما ؟

فأجابتها :

- لا .. لم أرهما .. إنهما قد وصلا منذ لحظات قليلة , 

و سيتجها نحو بَهو القصر ..

و أكملت :

- أستطيع أن أشاهدهما من تلك الشرفة ..

ثم أشارت إلى شرفة الغرفة , و أكملت :

- و هم يمرون نحو بهو القصر ..

فالتفتت أسيل إلى الشرفة :

- لا .. عليكِ أن تغادرى الآن .. و أخبرينى حين يكتملون ..

فابتسمت الوصيفة ثم غادرت ..

أما أسيل فأسرعت إلى الشرفة , و وقفت أمامها تنتظر 

أن يمر فقراء مناطق زيكولا .. تنتظر و تتسارع أنفاسها .. تخشى أن يكون ما تظنه حقيقة .. 

و تسأل نفسها ؛ أين يامن ؟ .. 

و لماذا لم يأتها ليخبرها بما حدث لخالد ؟! 

و كلّما مرّ أحد بالأسفل نظرت إليه فى لهفة , 

و تشعر بسعادة حينما تتحقق أنه ليس خالد .. 

حتى انتفض قلبها , و كأنه اُنتزِع منها 

حين وجدت أحد الجنود يتقدم , 

و يأتى خالد من خلفه مطأطأ الرأس , 

و يسير ببطأ و معه فقير غيره قد كُبّلا سوياً , 

و يصيح بهما الجندى :

- أسرعا أيها الفقيران ..

فأمسكت برأسها , و عادت خطوات إلى الخلف , 

و وضعت يدها على فمها من الصدمة .. 

ثم تحركت نحو الشرفة مجدداً , و ظلت تنظر إلى خالد 

و هو يتحرك بصعوبة خلف الجندى إلى بهو القصر .. فتسارعت أنفاسها , و لمعت عيناها بالدموع , 

و تحدّثت إلى نفسها :

- ماذا أفعل ؟ .. ماذا لو كان أكثرهم فقراً ؟! ..

تنظر إلى وريقاته المبعثرة فى غرفتها , و تقرأ كلماته .. 

أنه لم يحب غيرها , و تحدّث نفسها :

- إن مصيره بيدى ..

و تتحرك جيئة و ذهاباً بالغرفة , و تسأل نفسها حين تقف أمام المرآة :

- ماذا أفعل ؟

ثم نظرت إلى الأوراق مجدداً , و كأنها تحدّثها :

- خالد .. ماذا لو كنت أنت الأفقر بينهم ؟ 

ماذا تريدُنى أن أقرر ؟

و تعود إلى حركتها جيئة و ذهاباً , و تمسك برأسها , 

و تمرر يدها فوق شعرها ثم تنظر عبر الشرفة , 

و ترى الفقراء الآخرين الذين يتجهون نحو بهو القصر .. 

حتى سمعت طرقات على باب غرفتها , و دلفت إليها وصيفتها و قالت :

- سيدتى لقد اكتمل عدد الفقراء ببهو القصر , 

و الجميع فى انتظارك ..

فزاد انتفاض قلبها ثم حدّثتها :

- حسناً .. سآتى على الفور ..

فأغلقت الوصيفة باب الغرفة , و جلست أسيل على سريرها , و وضعت رأسها بين يديها و كأنها لا تدرى ماذا تقرر .. 

ثم نهضت مجدداً , و اتجهت مرة أخرى نحو الشرفة , 

و لكنها لم تنظر لأسفل .. 

بل نظرت إلى السماء التى امتلأت بشفق الغروب , 

و بدأت تتحدث و الدموع على وجهها :

- رأيت خالد كثيراً ينظر إلى السماء كلما وقع فى محنة , 

و سمعته يقول .. يارب ساعدنى ..

- أنا أنظر مثلما كان يفعل الآن .. و أقول مثله .. 

يارب .. يارب ساعدنى .. أريدك أن تساعدنى .. 

ثم أغمضت عينيها , و انهمرت دموعها كثيراً .. و أكملت :

- ساعدنى .. لا أريد أن أفقد خالد ثم تابعت :

- و لا أريد أن أظلم أحداً .. لا أريد أن أظلم أحداً ..


كان الصمت يسود بهو قصر الحاكم , و كأنه لا يوجد أحد به .. الجميع صامتون , كلٌ يفكر بمصيره و ينتظر أن تأتى الطبيبة .. عشرة من الفقراء .. سبعة رجال و ثلاث فتيات .. 

ينتظرون أن يمر الوقت سريعاً .. 

أى منهم سينجو , و أى منهم ستختاره الطبيبة 

لمنافسة الزيكولا , و خالد يقف و ينظر إليهم فى صمت .. 

ثم ينظر إلى أعلى و كأنه يناجى ربه .. 

حتى كُسر ذلك الصمت حين دلفت أسيل بفستانها الفضفاض إلى بهو القصر , و معها قائد حرس الحاكم 

الذى أتاها ليلة وضَعَت زوجة الحاكم , و تحدّث بصوت غليظ :

- ستختار سيدتى الآن الثلاثة الأكثر فقراً ..

فتقدمت أسيل فى صمت , و مرت أمامهم , و خالد ينظر إليها , و تعمدت ألا تنظر إليه حتى أنها أرادت أن تلمحه بطرف عينها , و لكنها أبعدت نظرها على الفور .. 

ثم همست إلى قائد الحرس أن يقدم إليها فقيراً تلو الآخر ..


بدأت أسيل تفحص كل من يتقدم إليها و تتأمله , 

و تضع ثنية من جلده بين إصبعيها , 

ثم تسأله إن كان قد مرض من قبل , 

و إن أجابها بأنه قد مرض تسأله المزيد من الأسئلة 

عن ذلك المرض , و تزيد من فحصها لأكثر من مكان بجسده حتى تعلم إن كان قد مرض حقاً أم أنه يدّعى ذلك كى ينجو .. حتى تقدم إليها جواد , و بدأت تفحصه ,

و قد نظرت إلى خالد خلسةً بطرف عينها فابتسم جواد , 

و تحدّث إليها:

- إنه يحبك أيضاً ..

فنظرت إليه , و لم تتحدث ثم أمرت أن يأتى من بعده .. فوجدت خالد يتقدم إليها فدقّ قلبها بقوة , و لامست وجهه 

و يدها ترتعش قليلاً .. و خالد ينظر إلى عينيها 

دون أن ينطق ببنت شفة .. و تحدّث نفسها .. 

ماذا أفعل يا خالد إن كنت الأفقر .. ماذا أفعل ؟ . 

ثم نظرت إلى قائد الحرس أن يأتى بمن بعد خالد , 

و الذى فوجئ بعدما استغرق فحص خالد وقتاً أقل كثيراً 

ممن فُحصوا قبله , و لكنه طلب من فقير أخر أن يتقدم 

إلى الطبيبة , و ظلّت أسيل تفحص جميع الفقراء المتواجدين بالبهو حتى انتهت .. 

ثم عادت لتجلس على أحد الكراسى الفخمة المتواجدة , 

و أمسكت بقلم و بعض الوريقات , 

و بدأت تدوّن بعض كلماتها .. 

و الجميع ينظرون إليها فى صمت .. 

لا يُسمع فقط سوى صوت الأنفاس المتسارعة من بعضهم .. حتى نهضت و تحركت نحوهم .. 

ثم تحركت أمامهم جيئة و ذهاباً و نظرت إلى فتاة :

- أنتِ .. اخرجى إلى أهلك ..

فصرخت الفتاة من الفرحة ثم نظرت أسيل إلى فقير آخر :

- و أنت .. عُد إلى أهلك ..

فصاح فرحاً .. و واصلت أسيل تحركها بينهم , 

و كلما تحرّكت تشير إلى أحدهم بأن يعود إلى أهله .. 

حتى توقفت مكانها بعدما لم يتبق سوى أربعة فقراء فقط .. بينهم خالد و جواد , و احتبست الأنفاس , و الجميع ينتظرون من هو الناجِ الأخير ..

تقف أسيل أمامهم , و خالد ينظر إليها فى ترقّب , 

و جواد ينظر إليه و كأنه يوقن بأنه من ستختاره , 

و يقف بجوارهما فقيران يزداد الوجوم على وجههما .. 

حتى نظرت إليهم , و أشارت إلى جواد :

- أنت عُد إلى أهلك ..

ثم نظرت إلى خالد و الفقيرين الآخرين :

- أنتم الأكثر فقراً بينهم .. 

الزيكولا ستحدد من منكم ذبيح يومنا ..

فسقط خالد على ركبتيه , و نظر إلى أسيل , 

و كأنه لا يصدق ما سمعته أذناه .. و صاح بصوته :

- أسيل ..

فغادرت على الفور , و اتجهت إلى غرفتها , 

و ما إن دلفت إليها حتى واصلت بكاءها مجدداً , 

و تحدّثت إلى نفسها بصوت عالٍ :

- لم أجد أمامى سوى ما فعلته .. 

لا أستطيع أن أظلم أحداً .. لا أستطيع ..

ثم أغمضت عينيها , و تحدّثت :

- ستنجو من الزيكولا يا خالد .. ستنجيك الزيكولا .. 

إنك لا تستحق أن تذبح فى مدينتنا .. ستنجو .. ستنجو ..

أما خالد فقد أمره قائد الحرس بأن يتبعه هو و من معه 

إلى قصر مجاور لقصر الحاكم , 

و سمع جواد الذى مازال يقف بجواره يهمس إليه :

- ستذهبون إلى قصر النحّاتين الآن ..

فنظر إليه خالد دون أن يرد , ثم تابع جواد :

- إن كانت الطبيبة تحبك لأبعدتك عن هذا المصير ..

فصاح به قائد الحرس :

- هيا .. أنت .. عليك أن تغادر القصر ..

فتحدّث خالد إليه :

- عُد إلى حبيبتك يا جواد .. 

و إن مِتُّ فابحث عن يامن , و أخبره كما قلت لك ..

فابتسم جواد ثم تركه و غادر , 

و تحرك خالد مُكبل اليديّن و القدميّن خلف قائد الحرس 

الذى طالبه بأن يسرع .. حتى غادروا قصر الحاكم , 

و اتجهوا إلى قصر مجاور وسط تجمع كبير من أهالى زيكولا الذين وقفوا أمام القصر ليرَوا من الذين سيخوضون 

تلك المنافسة رغم حلول الليل , 

و ما إن رأوا خالد و الفقيرين الآخرين مكبّلين 

و يتجهون نحو قصر النحاتين حتى صاحوا , 

و صاح أحدهم بصوت مميز :

- إنه الغريب الذى كان يعمل معنا بتقطيع الصخور ..

و صاحت أخرى :

- لقد رأيته من قبل يبحث عن مالك لكتاب غريب ..

و الجنود يحاولون أن يبعدوا الناس عنهم 

حتى وصلوا إلى قصر مجاور , و دلفوا إليه , 

و علم خالد منذ دخوله إلى ذلك المكان بأنه قلعة النحاتين .. حيث يصنع تمثال من الصلصال لكل فقير منهم ..


كان قصر النحاتين ذا واجهة فخمة , 

و نقوش خارجية على هيئة تماثيل لأشخاص و حيوانات , 

تظهر خلف النيران المضيئة التى توهجت بقوة مع ظلام الليل مما أعطته جمالاً خاصاً .. 

أما داخله فقد أُنير بمصابيح نارية عديدة , 

و كأن النهار قد حل به , 

و لكنه لم يكن يمتلك ذلك الجمال بالخارج , 

و لم تكن به سوى بضعة تماثيل قديمة 

يبدو أنها نُحِتت لفقراء من قبل .. 

و كتل طينية بأركان صالاته الكبرى , 

و تفوح بارجائه رائحة الصلصال .. 

حتى توقفوا جميعاً حين ناداهم شخص قصير القامة 

ممتلئ البطن رأسه صلعاء و لحيته طويلة جعل منها 

ضفيرات صغيرة متعددة :

- عليكم أن تمكثوا هنا .. ثم أكمل :

- سيتولى كل نحّات بعد قليل صناعة تمثال كل منكم ..

فمكثوا مكانهم , و بعد لحظات وجدوا ثلاثة رجال 

تترواح أعمارهم ما بين الشباب و الكهولة , 

و قد وقف كل منهم أمام فقير من الثلاثة , 

و نظر خالد إلى من يقف أمامه و كأنه فى حلم عميق , 

و هزّ رأسه لعله يفيق من هذا الحلم 

حتى ناداه من يقف أمامه , و يمسك بأدوات النحت فى يده :

- عليك ألا تتحرك أيها الفقير .. 

أتريد تمثالك مشوّها ؟!! ثم ضحك ساخراً .. و تابع :

- الزم السكون .. إن إمامك أمهر و أسرع نحات بزيكولا .. سأنتهى من تمثالك فى زمن قياسى ..

فنظر إليه خالد , و أخرج زفيراً قوياً .. 

ثم بدأ النحّات عمله , و جلب كتلة ضخمة من الصلصال , 

و بدأ يشكل أجزاءها بعدما يلمح بطرف عينه خالد , 

و بين الحين و الآخر يقترب منه ليضع يده على رأسه , 

و كأنه يستخدمها للمقارنة بين قياساته .. 

ثم يعود مجدداً إلى تمثاله الذى بدأت ملامحه 

تظهر شيئاً فشيئاً ..


النحاتون يعملون بمهارة و سرعة فائقة .. 

و يقف خالد و من معه دون حراك .. 

ينتظر كل منهم أن ينتهى من صنع تمثاله 

عله يغادر هذا المكان , و أسرع الوقت من مروره , 

حتى انتهى النحاتون من عملهم مع شروق الشمس , 

و قد صنعوا ثلاثة تماثيل من الصلصال يشبهون أصحابهم , 

و نظر خالد إلى تمثاله الذى كان يقف شامخاً , 

و تعتلى وجهه نظرة حزن واضحة , 

و هزّ رأسه فى حزن ثم نظر إلى أحد الفقيرين بجواره ,

و سأله:

- ماذا سنفعل الآن بعد نحت تماثيلنا ؟

فرد الفقير بصوت واهن :

- لم يعد لنا سوى أن نخوض منافسة الزيكولا ..

فسأله خالد :

- هل سنخوضها الآن ؟

فرد قائد الحرس :

- لماذا تتعجل أيها الفقير ؟!

- إن الوقت مازال باكراً .. 

ستكون المنافسة بعد ساعات من الآن .. 

حين تكون الشمس عمودية .. أى منتصف النهار .. ثم أكمل :

- مع شروق شمس اليوم فُتح باب زيكولا , 

و هناك الكثيرون ممن كانوا بخارجها , 

و اشتاقوا إلى احتفالاتنا مرة أخرى , 

و سيستغرق مجيئهم إلى هنا العديد من الساعات ..

فتمتم خالد :

- فُتح باب زيكولا ؟!!

ثم تجاهل ذلك الأمر , و سأل قائد الحرس :

- ماذا سنفعل فى تلك المنافسة ؟.. 

لقد أخبرنى أصدقائى عنها من قبل .. 

و لكننى لا أتذكّرها جيداً ..

فأجابه :

- أيها الفقير ستحدد الزيكولا مصيرك .. 

كى لا تقول إن الطبيبة هى من أختارت لك الموت .. 

ما عليك سوى أن تختار ثلاثة أماكن من تمثالك هذا , 

و تحميهم بدروع صغيرة , و ستُطلق سهام الزيكولا نحو تمثالك .. و إن أصابتك سهام أكثر من غيرك كنت أنت ذبيح يومنا ..

فصمت خالد , و نظر إلى أعلى :

- يارب ساعدنى ..


مر الوقت , و اقتربت الشمس من تعامدها ظهراً على الأرض , و اجتمعت الألوف من أهالى زيكولا بساحة كبيرة 

بالمنطقة الوسطى , و اصطفوا أمام منصّة خشبية عالية , 

و أخذوا يرقصون , و يغنون , و ينشدون الأهازيج , 

و حمل الكثيرون منهم أطفالهم فوق أكتافهم حتى 

أشار أحدهم إلى طفله :

- أنظر .. إنها الزيكولا ..

و أشار إلى المنصة حين قام مجموعة من الجنود 

بإزاحة قطعة قماشية كبيرة .. 

كانت تخفى أسفلها عمودَين خشبيّين سميكين و متوازيين , 

و يصل طول كل منهما إلى ثلاثة أمتار , 

و بينهما قرص خشبى دائرى يصل قطره إلى ما يقارب 

متراً واحداً , و تبرز منه ثلاثة أسهم طويلة , و تظهر من خلفه تروس حديدية تتباين أحجامها , و يزداد لمعانها تحت آشعة الشمس , و بجوار تلك الآلة يقف رجل ضخم حليق الرأس , 

لا يرتدى سوى سروالاً واسعاً , و تبرز عضلاته القوية , 

و ذراعه الضخم الذى يمسك بذراع حديدى امتد من أحد العمودين الخشبيّين للزيكولا , و يمسك ذراعه الآخر بذراع خشبى أقل طولاً , و يتصل مباشرة بشريط يخرج من القرص الخشبى .. 

حتى صاح الجميع حين دقّت الطبول , و ظهر الحاكم 

بشرفة قصره .. 

تجاوره زوجته و على ذراعيها رضيعها , و تجاورهما أسيل , 

و التى وقفت واجمة و القلق ينبعث من عينيها .. 

ثم جلسوا جميعاً ينتظرون بدء المنافسة ..


الجميع ينتظرون .. 

الجميع يتراقصون , و أسيل تنتظر أن ترى خالد .. 

يدق قلبها بقوة .. تنظر إلى السماء مجدداً , 

و تتحرك شفتاها متمتمة بهمسات غير مسموعة .. 

حتى وجدت الجنود يحملون التماثيل الثلاثة , 

و يصعدون بها إلى المنصّة الخشبية , و يسير من خلفهم 

خالد و من معه فتسارعت أنفاسها , و هللت الألوف المتواجدة حين وجدوهم يصعدون المنصة ..

بعدها التفت قائد الحرس إلى شرفة قصر الحاكم , 

و انحنى إليه فأشار إليه بأن تبدأ المنافسة , 

فالتفت إلى خالد و الفقيرين معه .. 

ثم أشار إلى أحد الفقيرين :

- ستبدأ أنت .. أين ستضع دروعك الثلاثة ؟

فنظر إليه الفقير فى صمت .. ثم تقدم بعدما فُكّت قيوده , 

و نظر إلى الزيكولا ثم التفت إلى تمثاله , و نطق :

- سأحمى ذراع تمثالى الأيمن من أعلى , 

و فخذ تمثالى الأيسر , و أسفل بطنه ..

فصاح قائد الحرس بأحد جنوده :

- ضع دروعه كما أراد ..

فوضع الجندى دروعاً حديدة صغيرة تلائم الأماكن 

التى أرادها الفقير .. 

ثم حمل التمثال و معه جندى آخر إلى أمام الزيكولا .. 

لا تفصلهما إلا أمتار قليلة ..

صمتت الأهازيج , و صمت من يتواجدون , 

و كأن أنفاسهم قد حُبست ثم نطق قائد الحرس إلى الفقير :

- سينطلق كل سهم من سهامك الثلاث 

حين تشير إلى حارس الزيكولا ..

فرد الفقير بصوت واهن :- حسناً ..

ثم أشار القائد إلى الرجل الضخم 

الذى يمسك بذراع الزيكولا الحديدى بأن يحرك أحد ذراعيها .. فابتسم الرجل مبرزاً أسنانه الصفراء الكبيرة .. 

و جذب الذراع الحديدى نحوه فبدأت التروس الحديدية 

تتحرك ببطء , و تسرع من حركتها شيئاً فشيئاً , 

و تحرّك معها القرص الخشبى و ما عليه من سهام , 

ثم زادت سرعته كثيراً , و أصبح يدور دون أن تظهر سهامه .. يدور حول نفسه ثم يتنقل بين العمودين الخشبيّين فى حركة عشوائية خاطفة , لا يستطيع أحد توقّعها , و خالد ينظر إليه , و قلبه يدق بقوة , و يحدّث نفسه :

- مستحيل أن أحدد اتجاه السهام ..

حتى أشار الفقير الأول إلى حارس الزيكولا 

فجذب الرجل الذراع الخشبى القصير على الفور .. 

فانطلق السهم الأول نحو تمثاله فأصاب عنق التمثال .. 

فصاح الحضور ثم أكمل القرص دورانه , 

و بعد لحظات أشار الفقير مجدداً إلى الحارس 

فانطلق السهم الثانى فاخترق ذراعه الأيسر , 

فصاح الناس مجدداً , و ظهر التوتر على وجه الفقير , 

و نظر إلى الزيكولا كثيراً , و إلى قرصها الذى يدور .. 

ثم أشار إلى الحارس من جديد فانطلق سهمه الأخير 

فاصطدم بدرعه الحديدى فوق أسفل بطن تمثاله .. 

فزاد صياح أهالى زيكولا , و دُقت الطبول , 

و ابتسم الفقير قليلاً بعدما لم يصب تمثاله سوى سهمان .. 

ثم أشار قائد الحراس إلى الفقير الآخر :

- هيا تقدم لتحمى تمثالك ..

فتقدم هو الآخر , و فعل مثلما فعل الفقير الأول , 

و كلّما أشار إلى حارس الزيكولا صاح الناس .. 

حتى انتهى من سهامه الثلاث , و لم يصب تمثاله إلا سهم واحد اخترق بطنه السفلى , و رقص فرحاً مع دقات الطبول بعدما أيقن أنه قد نجا بذلك .. 

ثم أشار قائد الحرس إلى خالد :

- هيا , لم يعد سواك .. 

إما أن تنجو بألا يصيب تمثالك سهام أو يصيبه سهم واحد .. 

أو يصيبك سهمان فتُعاد المنافسة بينك و بينه .. 

و أشار إلى الفقير الاول .. أما غير ذلك فستكون ذبيح غد ..

فتقدم خالد نحو تمثاله , و وقف أمامه دون أن يفعل شيئاً .. فصاح به القائد :

- أسرع ..

فنظر خالد إلى قرص الزيكولا , و الذى زُرعت به السهام 

من جديد .. ثم نظر عالياً إلى شرفة قصر الحاكم 

حيث تجلس أسيل .. 

بعدها نظر إلى تمثاله , و أغمض عينيه , و تمتم بآيات قرآنية ثم فتحهما , و نظر إلى القائد :

- أريد أن أضع دروعى كى تحمى صدر تمثالى , 

و عضد ذراعه الأيسر .. ثم صمت مجدداً , 

و نظر إلى الزيكولا ثم التفت إلى تمثاله و أكمل :

- و أريد أن أحمى رأس تمثالى ..

فأشار القائد إلى جنوده بأن ينقلوا تمثاله أمام الزيكولا , 

و أن يضعوا دروعه مثلما أراد .. 

ثم أمر حارس الزيكولا بأن يبدأ دوران قرصها .. 

فبدأت التروس تتحرك من جديد , و خالد يراقب القرص 

الذى يدور مسرعاً و يتحرك بين العمودين الخشبيّين .. 

حتى سمى الله ثم أشار إليه فانطلق السهم الأول 

فصاح الجميع حين أصاب فخذ تمثاله الأيمن .. 

فدقّ قلبه بقوة , و دقّ قلب أسيل , 

و انتفض و كأنها تسمع دقّاته , و القرص يواصل دورانه , 

و خالد لا يعلم ماذا يصنع .. 

لا يرى تلك السهام بالقرص , و أيهما سينطلق .. 

ثم أشار إلى الحارس مجدداً فانطلق السهم الثانى 

فأصاب فخذه الأيمن مرة أخرى .. 

فأمسك برأسه , و حدّث نفسه , و كأن أنفاسه تقطعت :

- تمالك يا خالد .. تمالك ..

- عليك أن تفكر قليلاً .. لم يعد سوى سهم واحد .. 

إما أن تُعاد المنافسة .. و إما إن تكون ذبيح غد ..

و أسيل تحدّث نفسها :

- تمالك يا خالد .. تمالك ..

ثم نظر إلى القرص مجدداً , و الجميع أنفاسهم محتبسة .. ينتظرون إشارته الأخيرة , و حارس الزيكولا يبتسم , 

و يتأهّب كى يجذب ذراعها , و مازالت عينا خالد تتحرك مسرعة بين قرص الزيكولا و بين تمثاله الواقف أمامه , 

و أسيل تتمتم و تتحرك شفتاها فى توتر , و تلمع عيناها بالدموع .. 

حتى أنها لم تستطع أن تواصل جلوسها , 

و نهضت لتقف مكانها , و أغمضت عينيها بعدما وجدته 

يشير إلى حارس الزيكولا بأن يطلق سهمه الأخير ..


نهاية الرواية من هنا


بداية الروايه من هنا


 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


خلصتوا قراءة الفصل إتفضلوا جميع الروايات الكامله من بداية الروايه لاخرها من هنا 👇❤️👇💙👇❤️👇


1- روايةاتجوزت جوزي غصب عنه


2- رواية ضي الحمزه


3- رواية عشق الادهم


4 - رواية تزوجت سلفي


5- رواية نور لأسر


6- رواية مني وعلي


7- رواية افقدني عذريتي


8- رواية أحبه ولكني أكابر


9- رواية عذراء مع زوجي


10- رواية حياتك ثمن عذريتي

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

11- رواية صغيرة الايهم


12- رواية زواج بالاجبار


13- رواية عشقك ترياق


14- رواية حياة ليل


15- رواية الملاك العنيد


16- رواية لست جميله


17- رواية الجميله والوحش


18- رواية حور والافاعي


19- رواية قاسي امتلك قلبي


20- رواية حبيب الروح


21- رواية حياة فارس الصعيد


22- سكريبت غضب الرعد


23- رواية زواجي من أبو زوجي


24- رواية ملك الصقر


25- رواية طليقة زوجي الملعونه


26- رواية زوجتي والمجهول


27- رواية تزوجني كبير البلد


28- رواية أحببت زين الصعيد


29- رواية شطة نار


30- رواية برد الجبل


31- رواية انتقام العقارب

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

32- رواية الداده رئيسة مجلس الإدارة


33- رواية وقعتني ظبوطه


34- رواية أحببت صغيره


35- رواية حماتي


36- رواية انا وضورتي بقينا اصحاب


37- رواية ضابط برتبة حرامي


38- رواية حمايا المراهق


39- رواية ليلة الدخله


40- سكريبت زهرة رجل الجليد


41- رواية روح الصقر


42- رواية جبروت أم


43- رواية زواج اجباري


44- رواية اغتصبني إبن البواب


45- رواية مجنونة قلبي


46-  رواية شهر زاد وقعت في حب معاق


47-  رواية أحببت طفله


48- رواية الاعمي والفاتنه


49- رواية عذراء مع زوجي


50- رواية عفريت مراتي


51- رواية لم يكن أبي

🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺

52- رواية حورية سليم


53- رواية خادمه ولكن


54- سكريبت لانك محبوبي


55- رواية جارتي وزوجي


56- رواية خادمة قلبي


57- رواية توبه كامله


58- رواية زوج واربع ضراير


59- نوفيلا في منزلي شبح


60- رواية فرسان الصعيد


61- رواية طلقني زوجي


62- قصه قصيره أمان الست


63- قصة فتاه تقضي ليله مع شاب عاذب


64- رواية عشق رحيم


65- رواية البديله الدائمه


66- رواية صراع الحموات


67- رواية أحببت بنت الد أعدائي


68- رواية جبروتي علي أمي


69- رواية حلال الأسد


70- رواية في منزلي شبح


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺


71- رواية أسيرة وعده


72- رواية عذراء بعد الاغتصاب


73- رواية عشقتها رغم صمتها


74- رواية عشق بعد وهم


75- رواية جعله القانون زوجي


76- رواية دموع زهره


77- رواية جحيم زوجة الابن


78- رواية حين تقع في الحب


79- رواية إبن مراته


80- رواية طاغي الصعيد


81- رواية للذئاب وجوه أخري


82- رواية جبل كامله


83- رواية الشيطانه حره طليقه


84- حكاية انوار كامله


85- رواية فيروزة الفهد


86- قصة غسان الصعيدي


87- رواية راجل بالاسم بس


88- رواية عذاب الفارس


89- رواية صليت عاريه


90- رواية صليت عاريه


91- رواية زين وليلي كامله


92- رواية أجبرني أعشقه


93- رواية حماتي طلعت أمي


94- رواية مفيش رحمه


95- رواية شمس العاصي الجزء الاول كامله


96- رواية الوفاء العظيم


97- رواية زوجوني زوجة أخي


98- قصص الانبياء كامله


99- سكريبت وفيت بالوعد


100- سكريبت جمعتنا الشكولاته الساخنه


101- سكريبت سيف وغزل


102- رواية حب الفرسان الجزء الثالث


103- رواية رهان ربحه الأسد


104- رواية رعد والقاصر


105- رواية العذراء الحامل


106- رواية اغتصاب البريئه


107- رواية محاولة اغتصاب ليالي


108 - رواية ملكت قلبي


109 -  رواية عشقت عمدة الصعيد


110- رواية ذئب الداخليه


111- رواية عشق الزين الجزء الاول


112- رواية زوجي وزوجته


113- رواية نجمة كيان


114- رواية شوق العمر


115- رواية أحببتها صعيديه


116- رواية أحتاج إليك كامله


117- رواية عشق الحور كامله


118- رواية لاعائق في طريق الحب


119- رواية عشق الصقر


120- قصة ليت الليالي كلها سود


121- رواية بنت الشيطان


122- رواية الوسيم إبن الحاره والصهباء


123- رواية صغيرتي الجميله


124- رواية أخو جوزك


125- رواية مريض نفسي


126- رواية جبروت مرات إبني


127- رواية هكذا يكون الحب


128- رواية عشق قاسم


129- رواية خادمتي الجميله


130- رواية ثعبان بجسد امرأه


131- رواية جوري قدري


132- رواية اجنبيه بقبضة صعيدي


133- رواية المنتقبه أسيرة الليل


134- رواية نجمتي الفاتنه


135- رواية ليعشقها قلبي


136- رواية نور العاصي


137- رواية من الوحده للحب


138- رواية أحببت مربية ابنتي


139- رواية جوزي اتجوز سلايفي الاثنين


140- رواية شظايا قسوته


141- نوفيلا اشواق العشق


142- رواية السم في الكحك


143- رواية الصقر كامله


144- رواية حب مجهول المصدر


145- قصة بنتي الوحيده كامله


146- رواية عشقني جني كامله


147- رواية عروس الالفا الهجينه الجزء الثاني


148- رواية أميرة الرعد


149- رواية طفلة الأسد


150- نوفيلا الجريئه والاربعيني


151- رواية أحببت مجنون


152- قصة أخويا والميراث


153- رواية حب من اول نظره


154- رواية اغتصاب بالتراضي


155- رواية صعيدي مودرن
























































































































تعليقات



close
 
CLOSE ADS
CLOSE ADS