القائمة الرئيسية

الصفحات

الفصل الرابع من وما للهوى من سلطان بقلم الكاتبه ناهد خالد حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج


الفصل الرابع من وما للهوى من سلطان بقلم الكاتبه ناهد خالد حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



الفصل الرابع من وما للهوى من سلطان بقلم الكاتبه ناهد خالد حصريه وجديده 


ثمانية أشهر من الغياب, كانوا كافلين لها كي تعود لِمَ كانت عليها سابقًا, تعود "فُلة" كما كانت تمامًا قبل أن تنتقل تلك النقلة التي وصمت حياتها بالبؤس والحزن وعدم الرضا, لكنها عادت ترضى, عادت تدرك جيدًا أن البشر طبقات, لكل منهم مستوى معيشي ورزق قسمه الله كيفما أراد, أدركت أن كلمة "لماذا" لا تجني بثمارها, بل ستصلها بكل أريحية لأعلى درجات السخط والمقت لحياتها وما هي عليهِ, عادت لا تشغل بالها بمن هم اعلى منها معيشًة ومن هم أدنى, بل تشغل بالها بنفسها فقط, بحياتها وعملها, حتى باتت تعمل عمل آخر مع بيع الفُل وهو عملها بمحل بيع الورود الذي تشتري منه عملها, حين طلب صاحب المحل شخص للعمل بهِ في فترة مسائية لانشغاله عن الوجود في المحل مساءً, فتقدمت هي للعمل, ولأنه يعرفها منذُ سنوات قبلَ بها, ليبدأ عملها من عصر اليوم للحادية عشر مساءً, ولكن مازال هناك ما يؤرقها, عقلها الأحمق الذي لا ينفك عن ذكريات تتعبها, مازالت تتذكر كل ما عاشته في فيلا العقرب ومنذُ دلفت لحياته, مازالت تشعر بالحنين والحب! الاشتياق ولوعته, أخبرتها "مستكة" أنها ستنسى, وبمرور الوقت لن تتذكر أنه مرَ بحياتها, ولكن ورغم مرور الأشهر لم تنسى ابدًا, بل تزداد حنين وشوق, ولا تعلم لمتى! كل شاردة منها تكن فيهِ ويكن هو بطلها, وكل غمضة عين تراه أمامها, متى ستنساه! أم ستظل على لوعتها والعجز يغلفها وهي تدرك جيدًا أن رجوعها مستحيلاً, انتهت قصتهما وللأبد. 


"اسأل روحك 

اسأل قلبك

 قبل ما تسأل إيه غيرني

 أنا غيرني عذابي في حبك

 بعد ما كان أملي مصبرني

 غدرك بيّا أثر فيّا

 واتغيرت شوية شوية

 وبديت أطوي حنيني إليك

 وأكره ضعفي وصبري عليك

 واخترت أبعد وعرفت أعند".

كانت تردد خلف الأغنية التي تصدح في أرجاء المحل من الراديو الصغير الموضوع فوق رفٍ عالٍ, لكنها توقفت تهمس لنفسها بحسرة مريرة:


-بس انا مخترتش ابعد! 


-ليلة شتوية باردة, والساعة 10 بليل, الجو بره بيمطر واغنية ام كلثوم بترن في المكان, وانتِ واقفة ماسكة ورد في ايدك بترتبيه, وسرحانه وحزينة, غالبًا الاغنية مأثرة عليكِ... مشهد سينيمائي بامتياز, هو ده بقى ديسمبر الحزين اللي بيقولوا عليه! 


التفت لصاحب الصوت الذي قطع خلوتها, لتبتسم له مجيبة:


-النهاردة آخر ليلة من ديسمبر الحزين, ويبدأ يناير.. يا ترى قالوا عليه إيه؟ 


-المفروض يناير شهر الأمل, لأنه بداية سنة جديدة, بيكون فيه تفاؤل وأمل, لكن احنا اللي نسمي أيامنا يا فيروز م...


-فُلة.


قاطعته لينظر لها صامتًا, فابتسمت بهدوء تقول:


-اسمي فُلة, وبالنسبة للأيام, فيناير زي ديسمبر زي مايو, كلها شبه بعض, مش كل الناس ايامها بتتغير.


حرك رأسه مضيقًا عينيهِ بشخصية الضابط الذي يطغى عليهِ بفضل عمله:


- ويا ترى كُرهك لاسمك ونكرانك له دلوقتي له سبب؟ أو ذكرى! 


وهذه المرة لم تهرب من الإجابة, ولم تلاعبه بالحديث, ولم تشيح بعينيها بعيدًا, بل نظرت له مباشرًة تخبره بتنهيدة حزينة:


-عاوز إيه؟ عاوز تسمع مني اللي يأكدلك على شكوكك! كل مرة بتيجي هنا بتصطاد ليا أي كلمة عشان توصل للي انتَ عايز تسمعه, طب وبعد ما تسمعه هيفيدك بحاجة؟ 


زفر "مازن" أنفاسه وهو يخبرها بجدية:


-هيفيد, بس تتكلمي الأول. 


هزت رأسها برتابة وهي تعود لترتيب الورود ذات السيقان الطويلة الحادة, التي تجرح من يقترب منها رغم جمال نهايتها المتمثل في الوردة المتفتحة, وقالت بشرود مفصحة له عما بداخلها لأول مرة منذُ أشهر:


-فيروز انا سبتها هناك, في قصر اخوك, سبتها مع كل الذكريات اللي عاشت بيهم, مكانش سهل عليا اسيبها بس اهو قدرت اعملها, لكن هبقى كدابة لو قولت ان الذكريات دي مبتعديش في عقلي كل يوم, ويمكن كل ساعة, الوقت الوحيد اللي مبفتكرهاش فيها وقت سحلة الشغل, مش الشغل الطبيعي لأ, الشغل اللي يخليني مش لاحقه اسيب نفسي لعقلي, غير كدة.. غير كدة على طول في بالي, اول ما جيت هنا كنت ناقمة على عيشتي اللي رجعتلها..


انتهت من ترتيب الورود في أماكنها والتفت تنظر له لتظهر عيناها وكم الحزن الساكن بهما, وأكملت:


-لكن بعد شوية رضيت, وكملت حياتي زي ما كنت, بس مش بنفس الروح, ولا بنفس الشغف والحماس اللي كنت فيه, كملتها بنسخة غريبة مني, كئيبة, كأن حد سرق مني نفسي من غير ما احس! 


هو حزين لأجلها, وأكثر من حزنه ندمه وشعوره بالذنب لأنه سبب انقلاب حياتها ومعاناتها, لولاه لكانت كما هي قديمًا, لولاه ما كانت ستعاني من أي شيء, ولا عرفت شاهين ولا انسلخت من حياتها لحياة أخرى أغرتها وليتها بقت فيها, شعور الذنب هو ما يجلبه لها كل فترة ليرى أحوالها ويسألها إن كانت بحاجة لمساعدة, فإن تخلى عنها أخيه بقلبه القاسي لن يفعل هو الآخر. 


-انتِ لسه بتحبي شاهين؟ 


نظرت له صامته حتى ظن أنها لن تجيب, ولكنها فاجأته حين سألته بسؤال جاد والحيرة تملأ عينيها:


-تفتكر اللي انا فيه ده عشان شاهين وحبه؟ ولا عشان الحياة اللي اغرتني وحبيتها وانسحبت فجأة من ايدي والشقا اللي رجعتله؟ 


قطب ما بين حاجبيهِ يسألها بذهول:


-انتِ بجد مش عارفة الإجابة؟ 


تنهيدة عميقة... عميقة جدًا تبعتها بقولها:


-لأ... مش عارفة والله, يمكن.. يمكن عشان الاتنين دايمًا في بالي فمش عارفه. 


شاركها حيرتها يقول:


-ما يمكن انتِ عايزه الاتنين, شاهين جزأ لا يتجزأ من الحياة اللي عِشتيها, والحياة اللي عِشتيها هي حياة شاهين, يعني لو تخيلتِ إن شاهين فجأة خسر كل فلوسه والحياة اللي هو فيها, وراح أجر شقة في منطقة عادية وبقى موظف عادي, يعني حياته بقت زي حياتك دلوقتي, تفتكري هتحبي تكوني معاه؟ 


شردت تفكر لثواني وتفكيرها تشوش, وأول ما خطر في بالها "ماذا فعل لها شاهين لتختاره بأي وضعٍ كان؟" هو لم يعطيها أي مشاعر, ولم يعاملها بالحسنى حتى! كان جامدًا معها, في مشاعره ومواقفه وتعابيره, رُبما مواقف قليلة هي ما تُحسب له تعامل فيهم كشخص طبيعي! فهل يستحق أن تختاره هو دون أي حسابات أخرى؟ 


-صعبة للدرجادي! 


سألها بها ومن الواضح أنه شعر ببعض من خيبة الأمل, فيبدو أنه تمنى لو تختار أخيهِ دون تفكير, ولكنها فكرت كثيرًا وصمتت تمامًا! 


-تفتكر شاهين يستحق؟ 


سؤال خرج حاد منها كنصل السكين, دون مراعاة لقُرب العلاقة بينهما, وكأنها تحدثه عن غريبٍ, نظر لها بملامح واجمه وقد تصاعدت بداخلة حمية الأخوة ليرد بحنق:


-لو شايفاه ميستحقش يبقى انتِ محبتيهوش, انتِ حبيتِ حياته وبس, ومادام حبيتِ حياته طب مانا قدامك اهو, نتجوز واهي هي هي نفس الحياة اللي هتموتي وترجعيلها. 


لاح الاستنكار على وجهها الذي شحب من حِدة حديثه, ووضعها دون أن يشعر أمام حقيقة أخرى, حقيقة استنكرت أن تدلف لتلك الحياة مع "مازن"! وكأن عقلها وقلبها رفضا فور سماع حديثه, وكأنهما يهمسان لها "إما أن تعودي لها مع شاهين, إما فلا" وهذه في حد ذاتها حقيقة لا تُنكر, إذًا هل هي تريد "شاهين" فقط..؟ 


قالت بتلعثم أتى من ترددها:


-مقولتش ميستاهلش, بس هو معملش معايا حاجة تخليني اتمسك بيه هو واتعمي عن أي مسميات تانية! 


اومأ "مازن" برأسه وزال عنه وجومه وغضبه, بدى متفهمًا وهو يقول:


-شاهين صعب.. مش سهل ابدًا تاخدي منه نظرة او ابتسامة او رد فعل كويس, بس اللي هتحبه بجد هتعرف تخرج منه كل ده, هتعرف تحتويه وطلع منه الشخصية النضيفة اللي تراب الزمن غطى عليها, الشخصية اللي اختفت من سنين مع الأحداث وطبيعة شغله. 


-هو اللي طردني من حياته. 


همست بها بانكسار وحزن, تخبره أنه من لفظها, هو من حدد طريقهما. 


-ده كان مُتوقع منه, بس عارفه هو طلعك من حياته ليه؟ 


نفت برأسها ولهفة ظهرت في عينيها تريد سماع الإجابة التي أرقتها شهورًا طويلة, وسهرت عليها ليالي دون أن تصل لإجابة مُقنعة. 


-عشان حس إنك خطر عليه, حس إنك بتقربي منه وبدأتِ تكوني حاجة مهمة في حياته من غير ما تحسي, ببساطة شاهين بعدك عنه قبل ما يتعلق بيكِ اكتر ويحبك. 


تسارعت نبضاتها وهي تسمع ما يقوله, وهمست بعدها بدهشة وعدم تصديق:


-معقول! بس هو عمره ما ظهر منه حاجة تقول إني بقيت قريبه له, أو انه بيفكر فيا بالشكل ده. 


رفع منكبيهِ ضاحكًا بيأس:


-ودي حاجة مش غريبة عليه, من امتى حد بيفهمه! 


تنهدت تهز رأسها بلامبالاة تقول:


-يلا ربنا يسهله.


-على فكرة انا اقدر ارجعك لحياته تاني لو ناوية تحاربي وتكوني معاه.


جحظت عيناها وهي تسمع عرضه, بدى الزمن يعيد نفسه, فقبل أشهر طويلة قابت من عامٍ كان يقف أمامها ويعرض عليها العرض ذاته, مع اختلاف النية. 


-مستحيل.. شاهين قالي لو شوفتك تاني هقتلك! وانتَ عارف إنه مبيهزرش. 


لم يعلم قبلَ بجملته المتهورة التي قالها لها قبل الانفصال, وحين سمعها منها الآن تردد فيما نوى على فعله من فترة طويلة, فكل مرة كان يحاول أن تعترف له بأنها تريد العودة لأخيه, ليساعدها هذه المرة أيضًا بطريقته, لكن الآن اختلف الأمر, فإن قال شاهين هذا فهو لا يضمن أبدًا ردة فعله إن عادت لحياته, الحل الوحيد أن يرجعها هو بنفسه وإلا فتهديده قابل للتنفيذ إن اقتحمت هي حياته عنوة مرة أخرى. 


ومع صمته ابتسمت ساخرة تُدرك أنها على صواب, هي لا يمكنها ابدًا الظهور أمام شاهين مرة أخرى ولو بالصدفة.. 


------------------ 

وقف أمام المرآة الطويلة التي تعرض كامل جسده, وحالته الصحية, الوجوم والغضب يزينان ملامحه بوضوح, أيًا من يراه يستطيع أن يرى عدم رضاه عن صورته المنعكسة, نزلت نظراته لساقه التي يجاورها عكاز بات لا يتخلى عنه مجبرًا, من تلك الليلة بات العجز جزء منه, خطواته الغير ثابتة والعرجاء باتت تلازمه, حاول جاهدًا العلاج بكل الطرق, حتى أنه سافر لأحد دول الغرب ليبحث عن علاج مناسب يعيد ساقه كما كانت, لكن الجميع أثبت أن الإصابة كانت في مقتل.. وجلّ ما فعلوه أنهم حسنوا سيره بنسبة سبعين بالمئة, بات يستطيع الوقوف دون العكاز لكن السير لا, والآم ساقه لم تعد قوية كالسابق, كتحسن عام بات أفضل, حتى الكدمات التي زينت وجهه لفترة لا بأس بها اختفت, ووزنه الذي خسر منه البعض في بداية مرضه عاد, كل شيء تحسن, عدا عودته للسابق, كل شيء تحسن, عدا مشاعره الساخطة والغضب الذي يحرق دواخله, غضب لن ينطفئ ولن يهدأ إلا حين يأخذ حقه, ويرد الضربة بأقوى منها. 


-لسه مخلصتش يا عقرب, طول ما فيا نفس مش هسيبك إلا لما اخد حقي منك, والحساب تِقل... تِقل اوي.


وكان وعيدًا واضحًا لا أحد يعلم إلامَ سينتهي..


---------------------- 

خرج من غرفة النوم وهي تتبعه, الاثنان ملامحهما تنفجر بالغضب, والانفعال طاغي عليهما, وصوته العالي مع تعصبه الواضح يصدح في أرجاء الشقة:


- هو انتِ لو عدى يوم من غير نكد بتتعبي! بدوري على أي مشكلة وغم وخلاص!؟ 

وقفت أمامه في منتصف الصالة تشير على نفسها بذهول غاضب:


-انا! انا بدور على النكد؟ ده انا بعدي اللي ميتعداش عشان حياتنا تمشي ومعملش مشكلة, في الآخر تقولي بنكد! 


لم يهدأ بل زاد تعصبه يصرخ في وجهها:


-واللي بتعمليه ده اسمه إيه! فيها لما مشغلش بالي بموضوع الخِلفة, ولا لازم أكون زي الرجالة اللي دماغها فاضية واللي تجري على الدكاترة عشان اتأخروا شوية في الخِلفة, يا ستي أنا راجل عاقل وسايبها تيجي زي ما ربنا رايد, دي حاجة تزعل يا ناس! 


قال أخر جملة وهو يفتح ذراعيهِ السليم والمصاب على وسعهما ويخبط بهما على جانبيه, نظرت له بقهر حقيقي يراه مبالغة وهي تغمغم:


-لا مش عشان انتَ راجل عاقل, عشان انتَ راجل مش فارق معاك تخلف مني او لأ.


-عشان مبحبكيش, عشان كده مش فارق يكون عندنا عيال تربطنا ببعض.


قالها متوقعًا جملتها التالية, وقد كانت تقولها في كل موقف يمران بهِ, كانت تعلم أنه يكرر جملتها فقط, فهزت رأسها بإيمائه تقول بنبرة مختنقة:


-دي الحقيقة. 


ظل ينظر لها لثواني بملامح جامدة قبل أن يقول وهو يتجه لباب الشقة:


-هتغدى النهاردة في الورشة.


إذًا لقد اعلن اضرابه واتخذ موقفًا ضد شجارهما.


-انتَ حُر. 


قالتها بغضب وهي تغلق باب الشقة خلفه, ليقف على أول درجة للسلم ينظر للباب المُغلق بتنهيدة مُتعبة, "أمل" لا تنفك عن تذكيره بأن علاقتهما لا تحوي حبًا من جهته, وكأنها تفاجأت بالأمر؟ ألم تكن تعلم بهذا من قبل! لم يكذب عليها, لم يخدعها ويوهمها بحبه وكلامه المعسول وتغير الوضع بعد الزواج! هو لم يفعل لكنها فعلت, باتت شخصية أخرى, باتت كثيرة الشِجار وكثيرة السخط على حياتهما بشكل عام, سابقًا كانت تفعل كل ما يمكنها لتجعله راضيًا وتقربه منها, لكنها الآن لا تفعل هذا البتة, والأسوأ أنها لا تعطيه فرصة لعيش حياة طبيعية هادئة, وكأنها أصبحت بالفعل مصدر مشاكلهم! 


وعنها فقد أغلقت عينيها بغضب مازال يتمكن منها, وضربت الحائط جوارها بقبضة يدها تعبر عما تشعر بهِ الآن, لا تستطيع التأقلم مع حياتهما الجديدة, لا تستطيع تقبل ما يحدث, حبها الذي يقابله ببرود, احتوائها الذي يقابله بجمود, يعاملها كأنها امرأة غريبة, لا كلمة لطيفة ولا نظرة دافئة, لا موقف معبر عن امتنان او تقدير أو حتى تشعر أنه يحب وجودها, المشكلة التي خلقتها اليوم لا تعود لأمر الحمل تحديدًا, بل كان مجرد سبب لتخرج غضبها عن طريقه, والسبب الحقيقي كان حين أخبرته بأنها تريد الذهاب لوالدها لتمكثه معه يومين فقط لمرضه, ليخبرها بكل برود أن تذهب وتبقى معه أسبوع إن ارادت, شعورها بأن وجودها أو عدمه لا يشكل فارق أحرقها, شعورها أنه يريد التخلص منها أوجعها, وتملكتها طاقة غضب هائلة أخرجتها فيهِ بذِكر موضوع آخر شائك بينهما, لكنها لا تنكر ابدًا أن رد فعله السلبي تجاه هذا الموضوع أيضًا يقهرها, ويشعرها أنه بالفعل لا يريد أطفال منها. 


وحين تحدثت مع "صفاء" مدبرة قصر المنشاوي ذات مرة حين رأتها تبكي بقهر وسألتها الأولى عن السبب, حينها كانت تود أن تشكي مصيبتها لأحد, وبالطبع "فيروز" آخر شخص تشاركه هذا الموضوع, فلجئت ل "صفاء" تحكي لها كل ما تعيشه ويتعبها, فعلقت الأخرى تقول:


"بس انتِ اللي اخترتي, كنتِ عارفه كل حاجة ووافقتِ تكملي معاه وتتجوزا كمان, ملكيش حق تعاتبيه او تلوميه دلوقتي, يا تكملي على كده ومتسوديش حياتك اكتر وترضي.. يا تنفصلوا, لكن الحياة بينكوا عمرها ما هتكمل كده" 


والخيران ليسا في متناول يدها, لا يمكنها الاستمرار بهذا الوضع المقيت, ولا الانفصال! وتعلم ان النهاية ستكن وصولهما لطريق مسدود رُبما ينتهي بكرهها له وهو كذلك..


----------------- 

لملم الأوراق من فوق المكتب ونهض يقول بتعب:

-كفاية كده النهاردة, شغل المناقصة دي هياخد مننا وقت طويل واحنا ورانا شغل تاني كمان.


رجع بظهره للوراء يحاول فك تيبسه وقال:


-مش مهم هياخد قد إيه, المهم نكسبها وتكون إضافة للشركة, وبعدين لسه بدري لسه الساعة 10 اكيد مش هتنام بدري كدة, ولا وراك مشوار!؟ 


غمغم "معاذ" بعدما انتهى من ضب الأوراق في الملف مرة أخرى:


-محتاج اروح اخد شاور وانااام, انا من 6 الصبح بره بسبب الكام مشوار اللي روحتهم عشان صفقة اليابان.


-يعني المخازن جهزت خلاص؟ 


اومأ بتأكيد:


-المخازن واوراق الجمارك وكل حاجة تمام. 


-تمام خد بكره إجازة, ريح انتَ وانا بكره هكون موجود هنا طول اليوم معنديش شغل تاني.


وعلى ذِكر العمل الاخر وُجمت ملامح "معاذ" وقد لاحظ "شاهين" هذا لكنه لم يعقب فقط اكتفى بقول:


-لا هاجي عادي, انا لو نمت شوية هيتجدد نشاطي واصحى زي الفُل. 


ابتسامة لم تصل لعينيهِ ظهرت على ثغره وهو يغمغم:


-بتهرب. 


وقد فهم "معاذ" مقصده, فقال بجمود:


-الفراغ اكبر عدو للإنسان, كفاية ساعة الليل اللي قبل النوم اللي بتكفر ذنوب الواحد, عايزني اخدله إجازة كمان!


-الفراغ والوِحدة, الاتنين العن من بعض.


 وقد بدى "شاهين" في هذه اللحظة يعاني كمعاناة "معاذ", فالإثنين تتكالب عليهما الذكريات المريرة, ووجع الفراق والرحيل, هزَ "معاذ" رأسه بيأس قائلاً:


-بس وحدِتك كان بإيدك تخرج منها وانتَ اللي عاندت.


-روح يا معاذ, وبلاش كلام فارغ.


نظر له "معاذ" لثواني قبل أن يقرر الانصراف, لكنه لن يفعل قبل أن يخلص ضميره بآخر ما يمكن قوله فيما يخص هذا الموضوع:


-لما... لما خسرت نورهان, وانتَ جيت قولتلي إنك كنت حاسس بمشاعري بس استنيت اني اجي افاتحك ومحبتش تبادر انتَ او تضغط عليا, فاكر إيه أول رد رديته عليك يومها؟ 


نظر له "شاهين" صامتًا وملامحه لا يظهر عليها شيء ابدًا... كالعادة, لكنه حتمًا متذكر, أكمل "معاذ" غير منتظرًا رده:


-قولتلك ياريتك ضغط عليا, ويارتني اتحركت بدري ومضيعتش وقت يمكن كنت لحقت عمري معاها, كنت لحقت ابني ذكريات تعيشني دلوقتي, بلاش تسيب نفسك لحد ما تبقى في يوم واقف مكاني وبتقول كلامي اللي بقوله دلوقتي, ومش مجرد كلام لأ, انا بلوم نفسي كل دقيقة على مماطلتي معاها, وبلوم نفسي إني سكت كل الفترة دي, وإني على الأقل مطمنتش قلبها بكلمة مني, بلوم نفسي وصدقني اللوم في الوضع ده بيكون اكبر عجز, لأن خلاص مش في ايدي حاجة اعملها.. فكر يا شاهين, فكر وافتكر إنك انسان من لحم ودم... ومشاعر, وإنك مش هتعيش عمرك وحيد, ولو فضلت كده محدش هيخسر غيرك, اتنازل عن غرورك اللي ملوش معنى ده, اتمسكت بيه كتير.. جرب تعيش من غيره. 


ورحل كما طلب منه... 

رحل وتركه في دوامة أفكاره, وعقله يتخبط هنا وهناك, وحقيقة واحدة تتردد بهِ, كاذب إن قال أنه نساها, كاذب إن قال أنه لا يحن, ولا يشتاق ولو بقدر بسيط, إنه لا يشعر بفرق, ويشعر بوحدة تنهشه لم يفهم معناها إلا بعد أن ذاق حلاوة الأنس, كاذب إن لم يعترف بأنها تزور أفكاره كل يوم, ويتذكرها في كل مرة يدخل فيها لمنزله, وجملها تتردد في أذنه في مواقف عِدة تذكره بها, والحقيقة أنه يمنع نفسه بالكاد, والفضل يعود لغروره وقوانينه التي وضعها ولا يريد كسرها لأجل من يكن. 

ومن قوانينه إن الخائن لا مكان له في حياته مرة أخرى... الخائن, والغادر, والكاذب, والمنافق, وأن الحب لا مجال له, فالحب سيجعل منه نسخة أضعف, نسخة سيتنازل فيها عن الكثير, سيقف يومًا أمام مرآته يتفاجأ بنفسه ويمقتها, وهو لا يريد أن يصل لهذه المرحلة... ابدًا, فكيف يعيدها لحياته بهذه السهولة؟


رنين هاتفه أخرجه من شروده ليتحفز جسده قليلاً وهو يبصر رقم المتصل, وأجاب:


-ها؟ 


-تمام يا باشا زي ما حضرتك قولت تابعت البت مستكة وعرفت المكان اللي ساكنين فيه.


-وصلتلها؟ 


-ايوه, طول اليوم امبارح كنت وراها, بتطلع من 6 الصبح تقف في إشارات حوالين المنطقة, بتبيع فيهم عقود فُل, وبعد الضهربتروح بيتها, وبتنزل تاني على الساعة 4 العصر بتروح محل ورد في اخر المنطقة بتشتغل فيه لحد الساعة 11 بليل, بس حصلت حاجة غريبة.


-إيه؟


سأله بانتباه لحديث الآخر, ورفع حاجبه باستهجان حين سمعه يجيب:


-مازن باشا كان عندها امبارح في المحل, راحلها على الساعة 10 كده وفضل معاها لحد ما قفلت ومشيت, ووصلها كمان للبيت.


-ابعتلي عنوان المكان في رسالة.


وأغلق المكالمة فورًا, مغمغًا بسخرية:


-مازن! ويا ترى إيه غرضه المرادي! 


سمع صوت رسالة وصلت لهاتفه, ففتحها ليجد فيها العنوان الذي طلبه, نظر للعنوان بشرود وصمت وعقله يتذكر منذُ يومين حين طلب من أحد رِجاله البحث عنها ومعرفة مكانها, وأخبره أن "مستكة" هي من ستوصله لها, وقد كان هذا بعد حرب ضارية خاضها بينه وبين نفسه, ليرضخ في الأخير بشرط أن يراها لمرة فقط, مرة واحدة ولن يعيدها, سيراها من بعيد ولن يسمح لها برؤيته, ومن بعدها سيُغلق صفحتها للأبد وينسى حتى اسمها, فقط يُرضى نفسه المُلحة برؤيتها والاطمئنان أنها بخير وعادت لحياتها الطبيعية, وهذه ستكون أول وأخر مرة يُرضي فيها نفسه, وبعدها لتذهب نفسه للجحيم.. لن يكررها, لن يراها او يتذكرها مرة أخرى.. لن يفعل! 


رفع رأسه على دلوفها لغرفة المكتب وهي تقول:


-هنمشي؟ 


أجاب بجمود:


-قولتلك من فترة امشي وانتِ اللي مصممة تفضلي.


رفعت حاجبيها ذاهلة تسأله:


-مش هتيجي معايا!؟ مش قولتلي امبارح إنك هتيجي النهاردة! 


نفى برأسه وهو يجمع أغراضه وقال:


-مليش مزاج النهاردة. 


ولهنا وقد فاض كيلها, فبعد أن وعدها بقضاء الليلة معها يخنث بوعده, بعد كل التحضيرات التي أعدتها أمس لتكن ليلتهما مميزة كما تسعى كالعادة يخربها عليها, وجملته استفزتها أكثر, وفجرت بركان غضبها الذي ظهر في علو صوتها وحركات جسدها وهي تقول:


-ملكش مزاج! انتَ ليه بتتعامل معايا كأني واحدة ***** بتقضي الليلة معاها بس لما بتكون عايزها في سريرك! انا مراتك, عارف يعني إيه؟ يعني من حقي وقت ما احب تجيلي وتقضي اليوم معايا ومش شرط يحصل بينا حاجة, يوم ها.. مش كام ساعة بليل وأول النهار ما يطلع ملاقكش جنبي, انا هفضل لحتى امتى في الوضع ده! انا تعبت وانتَ مش حاسس بيا ولا عمرك هتحس, رفضت تحبني وقولت محدش بيغصب حد على الحب, لكن حتى كرامتي واحتياجاتي دايس عليها بجزمتك! 


-ميرنا, هو صوتك عالي ولا بتهيألي! 


فقط! هذا كل ما يهمه! 


-لا صوتي عالي وهيعلى اكتر لو ماتنازلتش عن برودك ده واتكلمت زي ما بكلمك.


وقد أعماها غضبها, بالطبع أعماها وإلا ما كانت ستتحدث معه بهذه النبرة أبدًا وهي خير من تعلمه... 

وقد صدق حدسها حين نهض يقترب منها حتى وقف أمامها تمامًا، ينظر لها بتلك النظرة المخفية التي تحتل عينيهِ وقت الغضب، تلك النظرة التي تشعر من أمامه أنه يحرقه، تحفز جسدها بخوف حقيقي حين قبض على معصمها يهمس لها بنبرة خرجت بهمس مرعب جعل عينيها تجحظان بقلق:


يتبع


اللي محضرش الاستفتاء اللي اتعمل امبارح

وهيستغرب عودة الرواية

(انا عملت استفتاء على جروب الفيس اني ارجع اكمل الرواية فصل بفصل او اخلصها عندي وبعدين انزلها كاملة بس وضحت اني عشان انزلها كاملة على الاغلب هتاخد مني شهور

ومعظمكم صوت لأني انزلها فصل بفصل زي ما كنا ماشيين

وعلى الله بقى😂✨)

بناء عليه رجعنا نكمل الرواية...


المهم:


متندمونيش اني رجعت اكملها رجاااااااااااء

الرواية دي اقل رواياتي تفاعل اثناء نزولها!

بكِ أحيا قبلها الفصل كان بيوصل ل ٣٠٠ لايك وبيعدي اوقات

دي مبتكلمش ٢٠٠!


المفروض كل رواية عن اللي قبلها بطلع مش بنزل

فياريت توروني تفاعل كبير

و رفيوهات على الجروب اللي عشش عليه التراب

و تحمسوني كده❤️


تعليقات

التنقل السريع
    close