ياريت_عرفت_من_الاول الفصل الاول بقلم_ميادة_يوسف_الذغندى حصريه وجديده
مياده يوسف كامل عبد الحميد الذغندى
في إحدى القرى بمصر…
كان فيه بيت صغير… عادي جدًا…
هادئ لدرجة تخليك تحس إن مفيش فيه روح أصلًا.
كل حاجة ماشية بنظام…
الصحوة في ميعادها…
الأكل جاهز…
العيال تروح المدرسة…
الهدوم نضيفة…
والباب يتقفل آخر اليوم في نفس الميعاد.
أي حد يشوف البيت يقول:
"ما شاء الله… بيت مستقر وهادي."
بس الحقيقة؟
إن الهدوء ده…
كان أشبه بالموت.
خلف الحيطان البسيطة دي…
كانت فيه روح ست بتتآكل بالبطيء.
واحدة عايشة بجسدها بس…
أما قلبها… فبطل يحس من سنين.
والسبب؟
تعالوا نعرف…
إيمان…
ست بسيطة…
وشها هادي وملامحه طيبة بشكل يوجع القلب. بس جميله بشكل ملفت وضحكتها ظاهره هى النقيض تماما سكوت وحركه، بهجه وفرحه وهدوء تام ، انيقه وجذابه من الاخر هى ملفته فى حزنها وبساطتها فى كل شئ
بتشتغل في مصنع ألعاب أطفال في المدينة التابعة للقرية.
شغل متعب…
واقف بالساعات…
وصوت الماكينات ما بيسكتش.
لكن رغم ده…
كانت شاطرة جدًا.
إيديها سريعة…
وعقلها حاضر…
وكل اللي في المصنع يشهد بأخلاقها وتعبها.
ترجع بيتها آخر اليوم مرهقة…
لكن أول ما تدخل…
تتحول لآلة شغالة من غير ما تشتكي.
تطبخ…
تنضف…
تغسل…
تراجع دروس العيال…
وتحاول تضحك حتى وهي مخنوقة.
أم حنونة…
وزوجة…
آه زوجة…
بس للأسف… على الرف.
كأنها موجودة علشان تقوم بالواجب وبس.
أما أيمن… زوجها…
فكان راجل عايش في البيت بالجسد فقط.
دوره الوحيد تقريبًا…
إنه آخر الشهر يدي إيمان المرتب…
ويركن نفسه بعيد عن أي مسؤولية تانية.
لا بيسأل البيت ماشي إزاي…
ولا مراته بتتعب قد إيه…
ولا حتى أولاده محتاجين إيه.
كأنه مقتنع إن الفلوس كفاية جدًا علشان يبقى راجل ناجح.
يرجع من شغله…
ياكل…
ويقعد ساكت قدام التلفزيون بالساعات.
وإيمان؟
تفضل تلف حوالين نفسها طول اليوم…
كأنها بتجري في ساقية مبتقفش.
وفي كل مرة كانت تبص فيها لأيمن…
كان جواها سؤال واحد بس بيتكرر:
"هو أنا متجوزة فعلًا…؟
ولا بعيش مع شخص غريب تحت سقف واحد؟"
لكن السؤال الأوجع…
إنها كانت عارفة الإجابة من زمان.
أيمن…
كان بيشتغل في مصنع لصناعة الطوب في القرية المجاورة.
شغل شاق…
وتراب مالي هدومه طول الوقت…
لكن رغم التعب…
كان دايمًا شايف إن دوره بيخلص أول ما يسلّم المرتب لإيمان.
أما الباقي؟
فده "شغل ستات" زي ما كان بيقول دايمًا.
وفي يوم…
في إحدى ليالي الشتاء الممطرة…
كانت السما بتصب ميّه بغزارة…
وصوت الرعد يهز شبابيك المصنع القديم.
العاملات واقفين عند الباب مستنيين المطر يخف…
وكل واحدة شايلة هم الرجوع لبيتها.
نجاة… صديقة إيمان في المصنع…
لفّت شالها حوالين نفسها وهي بتبص للسما بتوتر:
"إيه يا إيمان… خلصنا الوردية والمطرة لسه شغالة!
هنروح إزاي كده بقى؟"
إيمان كانت واقفة جنبها…
إيديها متلجة من البرد…
لكن ملامحها هادية كعادتها.
بصت للمطر وقالت بهدوء:
"شوية كده وهتقف يا نجاة."
ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تكمل:
"الحمد لله إني لمّيت الغسيل قبل ما أجي…
وكنت مجهزة الأكل بدري النهاردة."
لكن فجأة القلق ظهر في عينيها:
"بس يارب أيمن يكون رجع…
وأكل العيال بعد ما رجعوا من المدرسة."
نجاة بصتلها شوية…
وبعدين قالت وهي تضحك بسخرية خفيفة:
"طب يا بختك يا أختي…
إنتِ حتى وإنتِ في الشغل… عاملة حساب بيتك كله."
رفعت حاجبها بمزاح مر:
"أنا بقى لسه راجعة ألاقي المواعين مستنياني…
والبيت عامل ثورة."
إيمان ضحكت بخفة لأول مرة.
لكن نجاة بصتلها فجأة وقالت باستغراب:
"بس قوليلي بقى…"
قربت منها وهي توطي صوتها:
"إنتِ واثقة إن أيمن هيهتم بالعيال أصلًا؟"
إيمان سكتت.
الصمت الصغير ده…
كان كفاية يجاوب.
نجاة تنهدت بحزن:
"يا إيمان… إنتِ شايلة فوق طاقتك."
إيمان بصت بعيد للمطر وهي تهمس:
"الواحد بيتعود يا نجاة…"
وفي اللحظة دي…
نور المصنع قطع فجأة.
والمكان كله غرق في الضلمة…
وصوت صرخة بعيدة اتسمع من برّه.
الستات اتفزعوا…
ونجاة مسكت دراع إيمان بسرعة:
"يا ساتر يارب… فيه إيه؟!"
لكن قلب إيمان…
دق فجأة بشكل مرعب.
إحساس غريب…
كأن مصيبة مستنياها برا.
صاحب المصنع، شاكر…
كان واقف عند الباب يبص للضلمة بقلق.
أول ما سمع الصوت العالي…
زعق بسرعة:بقلم ميادةيوسف الذغندى
"هاتوا الكشاف الكبير… نشوف فيه إيه!"
وفي ثواني…
أحد العمال جري وجاب الكشاف.
النور القوي شق المطر والضلمة…
والكل اتحرك ناحية الصوت وسط الطين والمياه.
الهواء كان ساقع جدًا…
وصوت المطر على الصاج عامل دوشة تخض.
ولما قربوا…
اتفاجئوا بميكروباص المصنع واقف مائل ناحية الترعة الصغيرة جنب الطريق.
العجل الخلفي كان غارز بالكامل في الوحل.
وإسطى إيهاب… السواق…
واقف وسط المطر يحاول يزقه لوحده.
شاكر قرب بسرعة وهو بيرفع صوته:
"هو إنت يا إيهاب؟!"
بصله بقلق:
"حصل لك حاجة؟"
إيهاب مسح الميه من على وشه وقال بسرعة:
"لا الحمد لله يا أستاذ شاكر… جت بسيطة."
بص للعجل الغارز وتنهد:
"بس إدّوا إيدكم معايا نطلع العجل من الوحل."
العمال نزلوا فورًا يساعدوه.
وكل واحد مسك ناحية من الميكروباص.
شاكر قال بصوت عالي وسط المطر:
"شدّوا يا رجالة… واحد… اتنين… تلاتة!"
والكل زق بكل قوته.
العجل لفّ مكانه والطين بيتطاير حوالينهم.
نجاة كانت واقفة بعيد تضحك وهي شايفة المنظر:
"يا نهار أبيض… ده إحنا هنبات هنا شكله!"
لكن إيمان…
كانت ساكتة.
عينها على الطريق المظلم قدامها…
وقلبها لسه مقبوض بشكل غريب.
إيهاب لمح توترها فقال يطمنها:
"متقلقيش يا ست إيمان… أول ما نطلعها هوصلكم كلّكم لحد البيوت."
إيمان ابتسمت مجاملة:
"ربنا يستر الطريق بس."
وفجأة…
صوت رعد قوي ضرب السما.
وفي نفس اللحظة…
نور بعيد ظهر ناحية الطريق الترابي.
عربية سوداء كبيرة…
كانت جاية بسرعة وسط المطر.
شاكر ضيّق عينه وهو يحاول يشوف:
"مين المجنون اللي سايق بالسرعة دي في الجو ده؟!"
لكن العربية ما خففتش سرعتها…
بالعكس…
كانت جاية ناحيتهم مباشرة.
إيهاب كان واقف يبص للعربية السودا وهي قربت بسرعة مخيفة…
وفجأة—
العربية عدّت جنبهم بعنف…
والمراية الجانبية خبطت في إيده بقوة.
صرخة طلعت منه جامدة وهو يرجع لورا:
"آآه يا إيدي!"
الكل اتفزع.
إيمان أول واحدة جريت عليه وسط المطر…
ووشها مليان خوف:
"جرالك حاجة؟!
إنت بخير؟!"
إيهاب كان ماسك إيده بيتألم…
بس أول ما بص لإيمان…
ابتسم رغم الوجع.
قال وهو يحاول يطمنها:
"الحمد لله… بسيطة."
وبعدين لف ناحية العربية اللي كانت وقفت بعيد شوية:
"هو السواق الغبي ده سايق في الضلمة والمطر كده إزاي؟!"
جز على سنانه بعصبية:
"بس أنا عرفته… ووالله ما هسيبه."
رجع بص لإيمان…
ونبرة صوته هديت فجأة:
"شكرًا يا ست إيمان… على السؤال."
إيمان اتلخبطت من طريقته.
أول مرة حد يحس بخوفها بالشكل ده…
أو يبصلها كأن وجودها مهم.
اتكسفت بسرعة…
وحطت وشها في الأرض وهي تضم شالها حواليها أكتر.
المطر كان نازل فوق شعرها ووشها…
لكن إيهاب فضل باصص لها لحظة طويلة من غير ما يتكلم.
نجاة لمحت النظرة…
فرفعت حاجبها بخبث خفيف وسكتت.
أما شاكر…
فكان بيزعق ناحية العربية السودا:
"يا أستاذ!
إنت ما بتشوفش؟!"
باب العربية اتفتح ببطء…
ونزل منه راجل طويل…
لابس بالطو أسود…
وملامحه مستخبية وسط الضلمة والمطر.
وقف يبص لهم بهدوء غريب…
وقال بصوت تقيل:
"مين اللي اتصاب؟"
الراجل قرب منهم وسط المطر…
وخطواته هادية رغم الجو المتوتر.
وقف قدام إيهاب وبص لإيده المصابة بقلق حقيقي:
"هي جت فيك يا إيهاب؟"
تنهد وهو يمسح الميه من على وشه:
"معلش… اعذرني.
والله ما كنت شايف في الضلمة والمطر."
إيهاب كان متضايق وموجوع…
فرد بعصبية:
"مش كنت تفتح النور العالي ولا إنت أعمى؟!"
نجاة شهقت بخضة:
"يا نهار… هيتخانقوا!"
لكن الراجل ما اتعصبش.
بالعكس…
راح ناحية إيهاب فورًا ومد إيده يساعده:
"يا عم حقك عليا."
وبص ناحية الميكروباص الغارز في الطين:
"إيه ده… الميكروباص غارز كده ليه؟"
لف بسرعة ناحية عربيته:
"استنوا… هجيب الحبل واشدهولكم.
ثواني بس."
شاكر بصله باستغراب:
"تعبناك معانا يا أستاذ."
الراجل هز راسه ببساطة:
"ولا تعب ولا حاجة… الليلة شكلها طويلة على الكل."
إيمان كانت واقفة ساكتة تراقبه.
صوته هادي…
وطريقته محترمة بشكل غريب.
ولما عينه جات عليها فجأة…
حست بتوتر خفيف من نظراته.
هو كمان لاحظ ارتباكها…
فابتسم ابتسامة بسيطة جدًا باين فيها الذوق.
وقال بهدوء:
"واضح إنكم متبهدلين من المطر."
نجاة ردت بسرعة وهي تضحك:
"متبهدلين دي قليلة!"
الراجل ضحك بخفة لأول مرة…
لكن عينه رجعت لإيمان تاني.
كانت واقفة ساكتة…
ضامة الشال على نفسها…
ووشها البسيط عليه ملامح تعب سنين.
وفي لحظة غريبة…
حس إنه شاف الحزن ده قبل كده.
لكن فين…
ماعرفش.
يتبع….....ياترى هيحصل ايه تحت المطر هنعرف البارت القادم من رواية


تعليقات
إرسال تعليق