القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

_ياريت_عرفت_من_الأول _البارت_الثاني _بقلم_ميادة_يوسف_الذغندى

 مياده يوسف كامل عبد الحميد الذغندى

_ياريت_عرفت_من_الأول

_البارت_الثاني

_بقلم_ميادة_يوسف_الذغندى

مدحت ربط العربية بالحبل بإيده بنفسه…

والمطر لسه نازل بغزارة، والطين مغرق المكان.

شد العربية بهدوء وخبرة…

ولحد بعد دقائق، قدر يطلع ميكروباص المصنع للأسفلت مرة تانية.

إيهاب تنفس براحة وهو يمسح وشه المبلول:

"شكرًا لك يا أستاذ مدحت… تعبتك معايا."

مدحت هز راسه بهدوء:

"لا يا عم… أنا اللي آسف.

أنا اللي خبطتك… وحقك عليا."

وبص لإيده المصابة بقلق:

"تعالى نروح المستشفى أطمن عليك."

إيهاب ابتسم رغم الوجع:

"لا الحمد لله… بسيطة جدًا."

وبعدين قال باحترام:

"شكرًا لك على كل حال."

مدحت كان هيركب عربيته…

لكن عينه وقعت فجأة على إيمان الواقفة بعيد تضم الشال حوالين نفسها من البرد.

وقف مكانه لحظة…

وكأنه افتكر حاجة فجأة.

قرب منها بهدوء وقال:



"مش إنتِ مرات أيمن… الموظف في مصنع الطوب عند أخويا كمال؟"

إيمان رفعت عيونها باستغراب خفيف:

"أيوه… أنا مرات أيمن."

مدحت هز راسه وكأنه اتأكد:

"أصلّي شفتك قبل كده مرة هناك."

وبعدين قال بهدوء محترم:

"طب تعالى أوصلك… أنا رايح المنطقة عندكم وهعدي عليها."

قبل ما إيمان ترد…

إيهاب اتحرك بسرعة وقال بنبرة حاول يخبي فيها ضيقه:

"لا لا… أنا هوصلهم كلهم."

وبص لمدحت وهو يكمل:

"شكرًا يا عم… كفاية إنك ساعدتنا وأخرناك معانا."

مدحت سكت لحظة…

وبعدين ابتسم ابتسامة بسيطة:

"زي ما تحبوا."

لكن عينه رجعت لإيمان مرة تانية بدون قصد.

كانت واقفة ساكتة…

وشها شاحب من البرد والتعب…

لكن فيه حاجة في ملامحها كانت تشد الانتباه بشكل غريب.

حزن هادي…

يشبه البيوت القديمة وقت المطر.

نجاة لاحظت النظرات…

فقرّبت من إيمان وهمست بخبث خفيف:

"إيه يا ست إيمان… شكلك لفتِ النظر النهاردة!"

إيمان اتكسفت بسرعة:

"بس يا نجاة…"

إيهاب سمع الكلام…

فوشه اتغير بدون ما حد ياخد باله.

راح فتح باب الميكروباص بعنف خفيف وقال:

"يلا يا جماعة… اركبوا بدل البرد."

الكل بدأ يركب بسرعة هربًا من المطر.

وإيمان كانت آخر واحدة.

قبل ما تطلع…

سمعت صوت مدحت وراها بهدوء:

"خلي بالك من نفسك."

الجملة كانت بسيطة جدًا…

لكنها وقفتها لحظة مكانها.

لأنها…

من زمان قوي…

ماسمعتش حد يقولها لها بالإحساس ده.

رفعت عيونها ناحيته للحظة قصيرة…

ولأول مرة من سنين…

حست إن حد شايف تعبها فعلًا.

لكنها نزلت عينيها بسرعة…

وركبت الميكروباص من غير كلمة.

ومدحت فضل واقف وسط المطر يبص للعربية وهي بتتحرك بعيد…

وشعور غريب بيتسلل لجواه لأول مرة من سنين.

أما إيهاب…

فكان سايق والطريق قدامه ضباب ومطر…

لكن عقله كله كان مشغول بحاجة واحدة بس:

نظرة مدحت لإيمان.


إيهاب…

كان سايق الميكروباص بهدوء…

لكن عيونه كل شوية تروح للمراية اللي قدامه.

يبص لإيمان للحظة…

ويرجع للطريق تاني.

أما إيمان…

فكانت في دنيا تانية خالص.

ولا حاسة بالمطر…

ولا بالكلام اللي حواليها.

كل تفكيرها كان عند عيالها:

"يا ترى اتعشوا؟"

"خافوا من الرعد؟"

"حد ساعدهم يعملوا الواجب؟"

قلب الأم…

حتى وهي مرهقة…

بيفضل صاحي لأولادها.

الميكروباص وقف فجأة عند أول البلد.

نجاة قامت وهي بتعدل شالها:

"جرى إيه يا إيمان… إنتِ سرحانة أوي!"

وضربتها بخفة على كتفها وهي تضحك:

"يا أختي زمان العيال أكلوا وشبعوا."

وبعدين بصت لإيهاب :

"المهم يا أسطى إيهاب…

هتعدي عليا هنا الصبح؟

ولا هنتجمع في مكان واحد؟"

إيمان انتبهت أخيرًا للكلام وبصتلهم باستغراب:

"نتجمع ليه بقى… علشان إيه؟"

إيهاب ضحك بخفة:

"لاااه… دي فعلًا سرحانة!"

وبعدين قال وهو يبص للطريق:

"مش خدتي بالك؟

من بكرة أنا اللي هاجي أوصلكم المصنع.

أجيبكم الصبح…

وأرجعكم بالليل."

ثم بص لنجاة بمزاح خفيف:

"وبعدين هادي عليكي يا جميلة…

أنا الصبح مش شايف من المطر والدنيا عاملة إزاي!"

نجاة ضحكت بصوت عالي:

"يكرمك يا أسطى إيهاب…

خلاص مستنياك الصبح."

الميكروباص اتحرك شوية صغيرة…

ولما وصل أول الشارع الضيق اللي فيه بيت إيمان…

قامت بسرعة وهي تجمع شنطتها الصغيرة.

إيمان:

"هنا خلاص."

وجت تنزل.

لكن إيهاب ناداها بسرعة:

"على فين يا ست إيمان؟!"

بصلها بجدية خفيفة:

"أنا هوصلك لحد الباب."

إيمان اتوترت من اهتمامه المفاجئ وقالت بسرعة:

"لا لا… البيت في الشارع اللي ورا هنا.

سهل أمشي له."

إيهاب عقد حاجبه وهو يبص للمطر الغزير:

"تمشي إيه بس في المطر ده؟"

لكن إيمان ابتسمت ابتسامة هادية فيها تعب سنين:

"متعودة."

الكلمة خرجت بسيطة جدًا…

لكنها خبطت حاجة جواه.

لأنها قالتها وكأنها مش بتتكلم عن المطر بس…

كأنها متعودة تمشي لوحدها في كل حاجة.

إيهاب سكت لحظة…

وبعدين قال بهدوء:

"طب استني… خدِي الجاكيت ده."

وشد الجاكيت بتاعه من على الكرسي اللي جنبه.


إيمان اتفاجئت بسرعة:

"لا يا ساتر… هتبرد!"

إيهاب ابتسم لأول مرة براحة حقيقية:

"وأنتِ كمان."

لحظة صمت صغيرة عدت بينهم…

قطعها صوت نجاة من آخر الميكروباص وهي تضحك بخبث:

"يااااه… ده احنا داخلين على حكايات شكلها!"

إيمان اتكسفت بسرعة ونزلت من العربية وهي تقول بعصبية خفيفة:

"تصبحي على خير يا نجاة."

وقفلت الباب بسرعة قبل ما تسمع ردها.

وإيهاب فضل باصص لطيفها وهي ماشية تحت المطر…

لحد ما اختفت جوه الشارع الضيق.

وقتها فقط…

تنهد بهدوء…

وكأن قلبه بدأ يدخل طريق ماكنش ناوي يدخله أبدًا.بقلم ميادة يوسف الذغندى 


إيمان…

دخلت الشقة بهدوء وهي مبلولة من المطر…

والبرد واخد من جسمها كتير.

أول ما فتحت الباب…

وقفت مكانها لحظة.

الولاد كانوا نايمين على الكنبة في الصالة…

متغطين بغطا خفيف بالكاد دافي.

التلفزيون مفتوح بصوت عالي…

ونوره مالي المكان.

أما صوت حنفية الحمام…

فكان شغال.

إيمان غمضت عينيها لحظة بتعب…

وعرفت إن أيمن جوه الحمام.

بصت لأولادها بحزن موجوع.

واحد نايم وهو ضامم كشكوله على صدره…

والتاني رجليه ساقعة طالعة من تحت الغطا.

قلبها وجعها.

جريت بسرعة عليهم…

وطفت التلفزيون بهدوء علشان ما يصحوش.

وبدأت تشيلهم واحد واحد تدخلهم أوضتهم.

كانت مرهقة جدًا…

إيديها واجعاها من الشغل والمطر…

لكن حضن الأم عمره ما بيتعب.

وفي اللحظة دي…

باب الحمام اتفتح.

أيمن خرج وهو بينشف شعره بالفوطة.

وقف يبص لإيمان وهي شايلة ابنهم الصغير.

قال ببرود عادي جدًا:

"إنتِ جيتي؟"

إيمان بصت له للحظة قصيرة…

نظرة مليانة ألف سؤال وألف وجع.

لكنها ما ردتش.

دخلت الطفل أوضته بهدوء…

ورجعت تاني للصالة.

أيمن كان بالفعل راح قعد قدام التلفزيون من جديد…

وكأن مفيش ست داخلة البيت مبلولة من المطر والتعب.

ولا حتى أطفال نايمين جعانين في الصالة.

إيمان وقفت تبصله ثواني.

كانت مستنية…

أي كلمة.

"اتأخرتي ليه؟"

"إنتِ بردانة؟"

"الطريق كان عامل إيه؟"

أي حاجة…

تحسسها إنها موجودة.

لكن أيمن كان مركز مع التلفزيون…

وبيغيّر القنوات بملل.

إيمان نزلت عينيها بصمت.

وفجأة سألت بهدوء متعب:

"الولاد أكلوا؟"

أيمن رد وهو عينه على الشاشة:

"معرفش…

أنا لما جيت كانوا بيلعبوا."

الكلمة نزلت عليها كأن حد حط حمل زيادة فوق قلبها.

بصت ناحية أوضة الولاد…

واتنهدت بوجع مكتوم.

يعني رجع…

وسابهم كده لوحدهم.

لا أكل…

ولا واجب…

ولا حتى غطا عدل.

إيمان مشت ناحية المطبخ من غير كلام.

فتحت الحلة تبص على الأكل اللي كانت عاملاه قبل ما تنزل الشغل.

مكانه زي ما هو.

حتى ماكلفش نفسه يطلع للعيال لقمة.

سندت إيديها على الرخامة…

وحست فجأة إنها تعبت.

مش تعب جسم…

لا.

تعب روح.

وفي الصالة…

كان صوت التلفزيون عالي.

أما قلبها…

فكان ساكت جدًا.

إيمان دخلت أوضتها بخطوات سريعة…

وهدومها المبلولة تقيلة على جسمها.

قفلت الباب عليها…

وسابت نفسها تحت الميه السخنة فترة طويلة.

كانت بتحاول تدفي جسمها…

لكن جواها كان أبرد من المطر نفسه.

بعد شوية…

خرجت من الحمام وهي لابسة هدوم البيت…

وشعرها المبلول نازل على كتفها.

لكن وشها…

كان مليان غضب مكتوم.

وقفت في نص الصالة تبص لأيمن وقالت بصوت منخفض لكنه موجوع:

"إزاي ما تأكلش العيال يا أيمن؟"

كملت وهي تحاول تتحكم في دموعها:

"على الأقل… كنت أكلتهم."

أيمن بص لها ببرود وهو ماسك الريموت:

"أنا جيت من الشغل في المطر…

وبالدووووب غيرت هدومي وقعدت شوية."

رفع كتفه بعدم اهتمام:

"وبعدين بصيت عليهم لقيتهم ناموا…

أعمل إيه يعني؟"

وكمل بضيق:

"وبعدين أنا تعبان طول اليوم."

إيمان ضحكت ضحكة قصيرة موجوعة.

وقالت بغضب مكتوم:

"ما إحنا كلنا تعبانين على فكرة…

مش إنت لوحدك."

قربت خطوة وهي تشير ناحية أوضة الأطفال:

"العيال يا أيمن…

دول شايفين الغلب بعنيهم."

وصوتها بدأ يتهز:

"وأنا متحملة المر علشانهم."

أيمن اتنهد بضيق ورمى الريموت جنبه:

"يا شيخة… ما الكل متحمل وشايل وساكت."

وبعدين قال بنبرة مستفزة:

"هو إنتِ لوحدك؟

ما ستات كتير بيعملوا أكتر من كده."

وأشار بإيده بإهمال:

"وستات… ستات يعني."

الكلمة خبطتها بقسوة.

إيمان بصتله بصدمة موجوعة:

"يعني إيه؟"

رمشت بسرعة وهي تحاول تمنع دموعها:

"كمان مش عاجبك؟"

لكن صوتها خانها في آخر كلمة.

لفّت بسرعة قبل ما يشوف دموعها…

ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها.

وفي اللحظة اللي قفلت فيها الباب…

انهارت.

قعدت على طرف السرير تبكي بصمت…

وإيديها على وشها.

مش علشان التعب…

ولا علشان الشغل…

لكن علشان الإحساس الأصعب:

إنها مهما عملت…

مش متقدرة.

أما أيمن…

فرجع بص للتلفزيون تاني.

كأن اللي حصل من شوية…

ماكانش كسر روح واحدة كانت بتحاول تعيش وخلاص.

ــــــــــــــــــــــ


وفي نفس الوقت…

كان إيهاب واقف جنب الميكروباص بعد ما وصل آخر عاملة.

الشارع هادي…

والمطر خف شوية.

وكعادته كل ليلة…

بدأ يفتش العربية قبل ما يقفلها.

يبص تحت الكراسي…

ويتأكد إن محدش نسي حاجة.

ولما انحنى ناحية الكرسي اللي كانت قاعدة عليه إيمان…

لمع شيء صغير تحت النور الخافت.

مد إيده واستغرب.

كان إنسيال فضة رقيق جدًا.

شكله بسيط…

لكن واضح إنه غالي على صاحبته.

إيهاب مسكه بهدوء…

وللحظة فضل يبصله ساكت.

وبدون ما يحس…

ابتسم.

لأنه عرف فورًا…

إنه بتاع إيمان.....يتبع 

_رواية_ياريت_عرفت_من_الاول

_بقلم_ميادة_يوسف_الذغندى


الفصل الاول من هنا





تعليقات

close