الطريق الي النور
الحلقه 48/49/50
( الحلقة/ 48 ) وينقلبُ السحرُ على الساحر !!
ويهمُ جعفر بالانصراف وهو يقول : بوركت أيها الملك، ويستدير عمرو متداركاً الموقف قبل أن يغادر جعفر وأصحابه القاعة، ويهمس في أذن البطرق قائلاً : تكلم وقل شيئاً مما وعدت قبل أن يغادر جعفر وأصحابه المجلس . فقال البطرق : وما جدوى الكلام وقد قال الملك كلمته، ويرمق النجاشي عمرو والبطرق وهما يتهامسان فيقول : ما لكما تتهامسان، ماذا هناك أيها البطرق ؟ . قال البطرق : لقد أمَّنت هؤلاء الناس في أرضك، ولم تعرف أنهم يقولون في المسيح قولاً عظيماً .
قال النجاشي في دهاش : ماذا ؟ . قال البطرق : هذا ما يزعمه عمرو وأنا أصدقه . قال عمرو : أجل أيها الملك فاسمع منهم ما قالوه في شأنه . وعلى الفور صاح النجاشي منادياً حاجزه، وأمره أن يعيد إليه الوفد الذي قد أخذ طريقه إلى الباب الكبير، وعادوا إليه فقال النجاشي : اقترب مني يا جعفر، ويقترب جعفر خطوات أمام الملك، حتى إذا دنا منه، قال النجاشي : ماذا تقولون في المسيح ؟ . قال جعفر : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا . قال النجاشي : وما ذاك ؟
ومرة أخرى يتلو جعفر بصوته الندي آيات من الذكر الحكيم، ولكن يتلو في تلك المرة الآيات الأولى من سورة مريم حتى إذا بلغ ( قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) صدق الله العظيم .
وانهمر الدمعُ على خد النجاشي، وأمسك عودًا من باقة زهر بجواره، وقال في خشوع : ما باعد المسيح مما قلت يا جعفر عن هذا العود .
قال عمرو في غضب : أصدقته أيها الملك ؟ . قال النجاشي : كفاك يا عمرو، أيها البطارقة ردوا ما أخذتم من الهدايا إلى عمرو وصاحبه، أيها الحراس أعطوه هديتي التي خصني بها، فلا حاجة لها، وأنتم أيها المسلمون، فإنكم آمنون بأرضي، من سبَّكم غرم، وما أحب أن لي جبلاً من ذهب وأن يُؤذى رجلٌ منكم .
وتفسد السفارة الآثمة لعمرو وصاحبه عمارة، ويتقلَّبُ لون الوجوه، وجوه البطارقة، ولا يعجبهم قول النجاشي، ويضمرون في أنفسهم شيئاً، وبدأت الفتنة تطل برأسها على قصر النجاشي، وأحس النجاشي أن بطارقته لن يُذعنوا للحق الذي جاء به جعفر، فإن في هذا ضياع مكانتهم وامتيازاتهم الممنوحة من بيزنطة حامية النصرانية، والإسكندرية راعيتها، ولم يكن بالغريب على النجاشي الإذعان والتصديق بما سمعه من جعفر من قول الحق، فالنجاشي ليس ملكاً فحسب، إنما هو عالم في الديانات، وله من الدراية ما يجعله يفرق بين صحيح الاعتقاد من سقيمه .
ويصير لغط بين البطارقة وبعض أتباع النجاشي الذين مالوا ميله، ولا يمر ذلك اليوم الذي التقى النجاشي فيه بوفد المسلمين دون توابع، فقد شاع ذكر ما حدث فيه على طول البلاد وعرضها، ولا ينفض مجلس للبطارقة في بحث ما دار إلا ويبدأ آخر، وانقسمت المملكة إلى رأيين في شأن المسيح، فرأي النجاشي ومن تبعه من البطارقة أن القرآن جسَّد الحقيقة وحسم الخلاف في أمره، ورأى البطرق الكبير وأعوانه، أن النجاشي مال عن خط العقيدة التي تدين بها الحبشة . ولما رأى النجاشي وصول الأمور لهذا الحد، أغلق ملف الخلاف، وراح يدعو جعفراً فيأتيه سراً، يُعلمه القرآن حتى أسلم النجاشي في الخفاء، دون أن يعلم إلا خاصته ممن مالوا ميله، ولكن بدت علامات التغيير على النجاشي رغم السرية والتكتم، ما زاد قلق البطرق الكبير وأعوانه، فالأمر لم يعد مجرد خلاف في أمر المسيح، إنما هو أكبر من ذلك، ردة الملك عن دين الدولة الرسمي، فاجتمع البطرق الكبير مع بطارقة الحبشة، وطلب عقد لقاء مع النجاشي لتعرية الأمور والوقوف على ما تبدت الشكوك منه، ويدور الحوار بين النجاشى وكبير البطارقة، وتتبدى الحجة الدامغة والتى كان يكنها النجاشى، تتبدى فى حواره مع البطرق الكبير، ويتلو النجاشى الدليل بعد الدليل على نبوة عيسى عليه السلام وبشريته، ولا يعجب هذا الكلام حشد البطارقة وخشوا ضياع سيادتهم، فانصرفوا من مجلس النجاشى وقد أضمروا الشر كل الشر، فاجتمع البطرق الكبير إلى خلصائه وأصدروا مرسوماً بعزله بعد أن ضموا إليهم أعتى قواد جيش الأحباش، ونصَّبوه قائداً للتمرد على النجاشي، وراحوا يؤججون نار الثورة في البلاد لإزاحته والإطاحة به، ولكن النجاشي كان قد أعد للأمر عدته في الخفاء، بعد أن ظهر من داخل صفوف الجيش من يؤيد طرحه، فضلاً عن أولئك الذين يدينون له بالولاء أياً كانت وجهته، فظهر المتعاطفون معه ممن يخشون وقوع البلاد في قبضة البطارقة، وانقسم جيش الأحباش، واشتعلت نار الفتنة في البلاد بعد أن انضم الكثيرون إلى جيش البطارقة ومن لف لفهم، ووقف النجاشي بمن معه من الجيش والبطارقة وقفة حاسمة إزاء هذا الوضع المتفجر .
ويستدعي النجاشي جعفر بن أبى طالب وينصحه بالابتعاد عن الصراع الدائر حتى لا يكثر الحديث أنه بسببهم تقوم الحرب، فينفض أعوان النجاشي عنه ويضيع سلطانه فيصبحون فريسة لقوى التمرد .
وقامت الحرب بين الفريقين، وعلى الضفة الغربية من النيل يرقب المسلمون في حذر ما يحدث على الضفة الأخرى التي كانت مسرحاً للقتال، ففي انتصار النجاشي بقاء أمرهم، وفي هزيمته طردهم من الحبشة، ولا يرى المسلمون ما يدور على ساحة المعركة، لكنهم يسمعون قعقعة السلاح، ويرون من بعيد الغبار وقد غطى سماء المنطقة، ويدفعهم القلق على نتائجها إلى استطلاع ما يدور على الجانب الآخر، فيأخذ - الزبير بن العوام - قربة ماء ويملؤها بالهواء بعد أن أفرغها من الماء، ويسبح بها صوب اليم الآخر للنهر، ليرقب سير المعركة، ويمكث في ركن قصي يرى المتقاتلين ولا يرونه، وكانت رحى الحرب مستعرة الأوار، وظل يرقب تطورها حتى انكشف الغبار عنها، وإذا بالنجاشي ومن تبعه يوقعون هزيمة ساحقة بالمتمردين، فسبح وعاد واستقبله المسلمون في قلق . ثم أخذ يكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر هنا علم الجميع أن النجاشي انتصر، وبانتصاره أمنوا في بلاده على دينهم وعلى أنفسهم .
ويكتب الله لجماعة المؤمنين الفارة من التعذيب التوفيق في مهجرهم، ويتحقق لهم الاستقرار رغم تلك الأعاصير التي كادت أن تقتلعهم من الحبشة، بدءً بالسفارة الخبيثة التي أوفدتها قريش لتوقع بين النجاشي وبينهم ومرورًا بالجدل الذي طال القصر الملكي بين البطارقة والنجاشي، وانتهاءً بالمعركة التي دان فيها النصر للملك المؤمن وأتباعه، فقد هيأ الله لهجرتهم الأسباب لتتم، وأعاق سير المؤامرة عليهم لتفشل بعدما أعمى الله بصيرة القوم وأضلهم حين أوكلوا إلى الفتيين المتباغضين تلك المهمة، عمارة وعمرو، وحدث ما حدث على السفين وأضمرها عمرو في نفسه، ولما فرغ من مرافعته الفاشلة التي انتهت بأمر النجاشي بطارقته إعادة الهدايا إليه، ليكون في حل من طلبه الشائن ـ تسليمه المسلمين لقريش ـ ومع ذلك فقد كان النجاشي كريمًا مع ضيفيه عمارة وعمرو، قدَّر حال غربتهما فأمر بأن ينزلا في قصره إلى ما شاء لهما المكوث في الحبشة، يبتاعون ويبيعون ليعوضا ما أنفقا على تلك السفارة الفاشلة، فالنجاشي رغم معارضته لطلبهما، إلا أنه لم ينس أفضال والدي عمارة وعمرو، بالذات العاص بن وائل حين استضاف أباه في مكة أيام عبد المطلب جد الرسول صلوات ربي وسلامه عليه، فقال النجاشي لبطارقته : انزلاهما في مكان لائق بإحدى غرف القصر .
وبقيا في القصر، وكل يوم يمر يتحين عمرو بن العاص الفرصة للانتقام من عمارة . وكلما نما إلى مسامع عمرو أن الناس تتناقل خبر ما وقع على السفين بين عمارة وزوجه أخذ يحكم تدبيره لإيقاعه في الشرك .. صلوات ربى وسلامه على سيد الخلق والمرسلين .. وإلى الحلقة القادمة من كتابنا الطريق إلى النور .
ملحوظة:
هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمكون من جزئين، نقدمه للأمة فى عصرنا الحالى، ولأجيال قادمة، والمُسمى ( الطريق إلى النور فى سيرة الرسول .. صلوات ربى وسلامه عليه ) قد تم طبعه فى عام 2007 والناشر له "مؤسسة حورس للنشر والتوزيع"، وقد نفذت نسخه من دور العرض، لذا جاري الآن إعداد طبعة جديدة بإضافات لم تكن موجودة في الطبعة السابقة .. هذا الكتاب هو ما نعرضه لحضراتكم في حلقات هنا علي صفحتنا للمرة الثالثة، وعلي الله قصد السبيل.
محمد مصطفى
تكملة ( الحلقة/ 48 ) وينقلبُ السحرُ على الساحر !!
ويصل الخبر إلى مكة، ولا يعجب أكثرهم له، فقد حدث هذا بينهما في مرات عديدة وأقلهم رأي أن ما حدث على السفين لن يمر سهلاً . فقال أبو جهل : ما نحسب عمرو بن العاص سينسى لعمارة ما فعل، وانتظروا من أخبارهما ما لا يسر .
وقال أُبى بن خلف : بل سينتهي ما بينهما إلى الرضا فلا تخشوا شيئاً كهذا، هما دائماً يقع بينها الخلاف إلى حد القطيعة، ثم لا يلبثان العودة إلى ما كانا عليه .. قال أبو جهل : هذه المرة لن يعودا قط إلى الرضا، فقد طعن عمارة بن العاص في كرامته، وألحق به عارًا لا يُمحى، ومثل عمرو بن العاص لا ينسى ذلك .
ولم يكن عمرو بن العاص بالذي ينسى، إنما هو يترصد لعمارة ليكيد له، أرسل إلى أبيه - العاص بن وائل - رسالة صارت حديث قريش كلها . فخرج العاص بن وائل ذات صباح على نادي قريش وقال : يا معشر قريش ما كنت بالذي يخفي عليكم ما أرسل إلي ولدي عمرو من الحبشة .
ظن الوليد بن المغيرة أن الأمر متعلق بالمسلمين فقال : رضي النجاشي أن يعيد إلينا المسلمين المهاجرين في القيود ؟ . قال العاص بن وائل : كلا الأمر غير ذلك . قال الوليد : وما ذاك يا أبا عمرو ؟ . قال العاص : سأقولها لك يا ابن المغيرة، ولقومك بني مخزوم . أعلموا أن ولدي يقول في رسالته أنه يرصد لعمارة بن الوليد ما يرصد وإنه لن ينتهي حتى يقتله ويثأر لنفسه . ويضحك الوليد ابن المغيرة ساخراً ويقول : ما جاء ولدك يا أبا عمرو بجديد، هكذا يقول دائمًا ولسوف يفئ إلى الرضا إذا ما قررا العودة من سفارتيهما، فقد وصلتني من أنباء الحبشة أن النجاشي رفض طلبنا، لعل غضب عمرو على فشل سفارته دفعه لافتعال خصومة مع ولدي عمارة على أمر يتكرر كثيرًا بينهما ليبرز بذلك إخفاقه إذا عاد .
قال العاص : هذا ما كنت أظن، ولكن ولدي يطلب أن أبرأ إليكم من جريرته . قال أُبى بن خلف : يا أبا عمرو ما أكثر ما توعد عمرو عمارة، وما أكثر ما توعد عمارة عمرو، وما أكثر ما صار بينهما من هجاء، أليس عمرو القائل فيه :
لعمرو أبيك والأخـبار تنمى ............... لقد هيشـــــتني يـا بن الوليـد
فلا تعجل عمــارة إن سهـما .......... لمخزوم بن يقـــــظة في القضيد
ويومها رد عليه عمارة بقوله :
ألا يا عمرو هل لك في قريش ............. أبــو مـــثل المغـيرة والــولــيد
وجـد مـثل عــبد الله ينـمى إلى ............... عـمرو بن مخـــزوم بعـــود
وإنك من بني سهم بن عمرو ............. مكان الرجس من عجز القعـود
وكـان أبـوك جـزاراً وكـانت ....................لـه فـأس وقـدر مــن حــديــد
قال العاص : ويحكم إنكم تعلمون أن ما وقع على السفين غير ما كان يقع بينهما في مكة . وكلاهما فاتك وصاحب شر، وهما غير مأمونين على نفسيهما، ولا ندري ما يكون، وإني أبرأ إليكم من عمرو ومن جريرته إذا ارتكبها، وقد خلعته في مجلسكم هذا يا بني المغيرة ويا بني مخزوم . قال الوليد في استهزاء : أنت تخاف عمرو على ولدنا عمارة ؟، بل نحن الذين نخاف عمارة على ولدك عمرو .
قال العاص غاضباً من لهجة الوليد له : إن هذا لا يحسم أمرًا . قال الوليد : أيرضيك أن نخلي بين ولدنا وولدك ؟ . قال العاص : كيف ؟ قال الوليد : فلنبعث منادياً ينادي في مكة ذلك .
وانطلق المنادي صائحاً في طرقات مكة : يا أهل مكة، يا أهل مكة، ألا فاعلموا أن بني المغيرة وبني وائل قد تبرءوا من جريرة عمارة بن الوليد، وأن بني وائل قد تبرءوا من جريرة عمرو بن العاص . وقال كل فريق ساخراً من الفريق الآخر : بطل والله دم عمرو بن العاص : بطل والله دم عمارة بن الوليد .
وفي الحبشة حيث يقيم المتباغضان، استطاع عمرو بن العاص بالدهاء والصبر أن يُسكٍّن خوف عمارة منه وريبه فيه، وكان عمارة تُبع نساء، فكان لا يخفي عن عمرو أنباء مغامرته العاطفية مع وصيفات الملكة .
وفي إحدى أمسيات التسامر بينهما يقول عمرو : ويحك يا عمارة أأنت تصل إلى ما وصلت إليه ؟ . قال عمارة : ولِمَ لا يا ابن العاص، ما من امرأة تستعصي علىّ كلماتي وسحر نظراتي . قال عمرو : لست بالذي ينكر ذلك، ولكن أن تكون لك بوصيفات الملكة علاقة فهذا الذي لا أصدقه . قال عمارة : ولِمَ لا تصدقه ؟ . قال عمرو : لأن الحبشيات يتكرمن .
قال عمارة : إلا على مثلي . قال عمرو : كن حذراً يا عمارة، فإن الملك لو علم لما أبقانا لحظة في قصره، وربما لقينا من غضبه ما لا نحب . قال عمارة : عجباً وما على الملك أن نلهو ساعة !! . ما تقول في الملكة ؟ . قال عمرو مندهشاً : زوجة النجاشي ؟ . قال عمارة : أجل . قال عمرو : حسناء بارعة الجمال .
قال عمارة : الم تلحظ يا عمرو أنها كانت ترامقني حين دعانا الملك إلى مجلسه منذ ليال ؟ . قال عمرو : يا عمارة إن خيالك ليحملك بعيداً، لا تقل إنك تريد أن تصل إلى زوجة النجاشي أيضاً .
وفي ضحكات ساخرة من استكثار عمرو لذلك قال عمارة : أتستكثر ذلك على عمارة بن الوليد .
قال عمرو المتربص به في مكر وتخفي : أجل أجل ما أحسبك قادراً على أن يكون لك عند الملكة حظوة، وإنما حظك مع خادماتها، وهل يرتفع قدرك إلى قدر ملكة الأحباش، غرتك نفسك يا عمارة .
ويقع عمارة في فخ الداهية . يقول حسناً، ستسمع مني قريباً غير هذا يا ابن العاص .
وكان عمارة مدلا بجماله وحلو حديثه، يسحر النساء، ويعرف الطريق إلى قلوبهن فلم يلبث أن دب لامرأة النجاشي فمالت إليه وقربته . ولا يهدأ عمارة حتى يأتي عمرو بقرينة تثبت العلاقة بينه وبين الملكة . ويقول عمرو : قل غير هذا يا ابن الوليد إلا أنها بادلتك الحديث مرة في حديقة القصر حسبتها قد أحبتك، وما كان حديثكما إلا على أعين وصيفاتها . قال عمارة : ويحك يا عمرو، أو تحسب الرجال كلهم على شاكلتك قبحاً وعرجاً ؟ . أنا والله من لا تستعصي عليه حسناء، ولقد صارت لي عند الملكة حظوة .. قال عمرو : هيهات !!
وابتلع عمارة بن الوليد طعم التحريض الخفي، ولم يكن الفتى في حاجة إلى تحريض في هذا الباب الذي يولع فيه أشد الولع، وبرع فيه أعظم البراعة، ولقد وقع عمارة حقاً في قلب الملكة الحبشية الحسناء، فقربته على أعين وصيفاتها، ثم لم تلبث أن أفقدها عشقها للفتى الوسيم حرصها على عفتها وشرف زوجها الملك .
ويأتي عمارة إلى عمرو متلهفاً، يحكي ما يدور بينه وبين الملكة . قال : لقد كنت عندها أمس يا عمرو . قال عمرو : لا أصدق أنك بلغت هذا الشأن، إن الملكة أرفع من ذلك . قال عمارة : أنت وشأنك، أما أنا فوالله ما أعود إلى مكة بعد أن صار لي عند الملكة كل هذه المكانة وهذا الحب .
قال عمرو : إن كنت صادقاً فإني أحب أن أتثبت، فأتيني بعلامة من علامات حبها لك . قال عمارة : وأي علامة تريد ؟ . قال عمرو : أنت أدرى بحال صاحبتك وأعلم بما يخصها دون سواها، فمن يدريني لعلك تأتيني بشئ لوصيفتها وتزعم أنه للملكة، ثم سكت الداهية لحظة بعد أن اختمر التدبير في رأسه وقال : ما رأيك يا عمارة في دهن الملك . قال عمارة : وما ذاك ؟ . قال عمرو : إنها تدهن الملك بطيب لا يدهن به غيره، أعرفه من ريح الملك كلما جاءنا، قل لها تدهنك منه فإنه علامة . قال عمارة : لا لا، بل آتيك بالقارورة كلها . قال عمرو : عندها أصدقك . قال عمارة : فوالله لآتينك بها مساء الغد، فبيني وبينها موعد لن أخلفه .
في الليلة التالية، عاد عمارة من عند الملكة ومعه القارورة وبها الدهن الخاص بالنجاشي . قال له عمرو : الآن صدقتك يا عمارة، ويحك لا يصل إلى ما وصلت إليه إلا من له وسامتك وقسامتك، فدع لي هذه القارورة كي يراها الناس في مكة إذا عدنا، فيعلو قدرك بين قريش كلها، فما أعرف أحد من العرب أصاب مثلما أصبت . قال عمارة : هي لك يا عمرو، هي لك يا صحبي .
ولكن الصاحب الماكر يذهب ذات يوم إلى النجاشي، وكانا يقيمان في جناح خاص بقصره، ذهب إليه وقد رسم زوراً على وجهه قسمات الحزن والأسى، فلما رآه النجاشي قال : ما لك واجم هكذا يا عمرو ؟ . قال عمرو : أيها الملك إن ابن عمي عمارة سفيه وقد خشيت أن يعرني عندك أمره، وقد أردت أن أعلمك شأنه . قال النجاشي : و ما ذاك يا عمرو ؟ . قال عمرو : لقد دخل على بعض نسائك فأكثر . قال النجاشي وقد أفزعه القول : ومن هي يا عمرو ويحك ؟ . قال عمرو : الملكة، وهذا من دهنك وقد أعطته إياه ودهنني منه .
وانتفض النجاشي من مجلسه كالثور الهائج وأمسك برداء عمرو وقال في حدة مخيفة : آه صدقت هذا دهني وعطري، ولا يكون إلا عند - مرياما - المليكة . حذاري أن تكون كاذباً يا عمرو .
قال عمرو وقد أربكه الموقف : وما يدفعني إلى الكذب يا مولاي الملك، إذا شئت أن تتثبت فهو الساعة عندها .
وأسرع الملك إلى زوجته، فوجد عمارة معها، فأمر به، فجُرد من ثيابه في ساحة القصر وقال له : إني أكره أن أقتل قرشياً، ولو قتلت قرشياً لقتلتك ولكن أفعل بك ما هو أشد من القتل . وجاء بالسواحر وقال لهن : أيتها الساحرات انفخن في فمه، فيذهب هائماً على وجهه مع الوحوش، يبقى ما عاش مثلهم، يأكل ما يأكلون، ويشرب ما يشربون، وينبح كما تنبح الكلاب إذا وجدت ريح الإنس .
وسحرته الساحرات، وأطلق الملك سبيله بعد أن مسه نفخ الساحرات، فخرج هارباً هائمًاعلى وجهه يعوي كمن مسه الجن وحوله الوحش . سلك طريقه نحو الغابة، يلقى فيها حياة أخرى طوت معها سيرته البشرية من الوجود .. صلوات ربى وسلامه على سيد الخلق والمرسلين .. وإلى الحلقة القادمة من كتابنا الطريق إلى النور .
ملحوظة:
هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمكون من جزئين، نقدمه للأمة فى عصرنا الحالى، ولأجيال قادمة، والمُسمى ( الطريق إلى النور فى سيرة الرسول .. صلوات ربى وسلامه عليه ) قد تم طبعه فى عام 2007 والناشر له "مؤسسة حورس للنشر والتوزيع"، وقد نفذت نسخه من دور العرض، لذا جاري الآن إعداد طبعة جديدة بإضافات لم تكن موجودة في الطبعة السابقة .. هذا الكتاب هو ما نعرضه لحضراتكم في حلقات هنا علي صفحتنا للمرة الثالثة، وعلي الله قصد السبيل.
محمد مصطفى
( الحلقة/ 49) أيام الحزن والألم !!
نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالآيات الأخيرة من سورة النجم، فلما أسفر الصبح، توجه قاصدًا بيت الله الحرام، حيث جمع من قريش فيهم سادات وأشراف وعامة القوم في مكة، انتظر الرسول حتى يكثر عددهم ويشتد جمعهم، فلما رآه بلغ أقصاه، قام واقفاً حتى برز للجميع، وأخذ يتلو بصوت عال ندي ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكَ تَتَمَارَى * هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَى * أَزِفَتْ الْآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ * أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ * وَأَنتُمْ سَامِدُونَ * فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا* ) وسجد النبي صلوات ربى وسلامه عليه، وسجد معه المؤمنون، وسجد كل من سمع القرآن من سادات وأشراف وحتي غمار الناس وهم لايزالون على دينهم، سجدوا بعدما أخذهم روع الكلام وعلو مقاصده، سجدوا من عذب ورصانة التركيب اللغوي وبيانه البليغ، سجدوا وقد أُخذوا على غرة من السماع متأثرين بوقع الوحي العظيم، ولم يتخلف عن السجود سوى رجل مسن منعته العلة البدنية، فأخذ حفنة من التراب ووضعها على رأسه وقال : يكفيني هذا .
وما إن فرغت قريش من السجود ، إلا وراجعت نفسها، ما هذا الذي حدث لجمعنا ؟ . الكل سجد دون أن يدفعه دافع لهذا من أمر أو طلب، لم يجدوا لما وقعوا فيه من تفسير سوى وصمه بالسحر فقالوا : هذا واللات من سحره الذي سحر به أتباعه .
وانتبهت قريش لهذه الزاوية الخطيرة في دعوته - كلامٌ له وقع كأشد من السحر - فماذا هم فاعلون إزاء رجل له من القدرة على سحر مكة بأسرها ؟
اجتمعوا للتشاور في دار ندوتهم، لبحث وتحليل ما وقع لهم، وبعد طول تمحيص استقر الرأي على عزل محدع وأصحابه من مكة، حتى لا يطال سحره أهلها . تعاهدوا على مقاطعته وحصاره فلا يبيعون له، ولا يبتاعون منه، ولا يطعمونه ولا يسمحوا لأحد بتقديم يد العون له، وانطلقوا يشيعون في مكة وخارجها، وخصوا بذلك رءوس القبائل، ألا يبيعوا لمحمد وأصحابه شيئاً . ويحز الأمر في نفس أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، فليس بعد هذا إلا المواجهة، فقد جمعت قريش أمرها على محاصرة ابن أخيه، كي تدفعه إلى الهلكة .
جمع أبو طالب بني هاشم، وبني عبد المطلب، أبناء العمومة وقال لهم : أترضون ما تفعل مكة بأبنائنا ؟ . قالوا : لا نقبل بهذا الضيم أبداً .
قال أبو طالب : فلنحزم أمرنا معهم . قالوا : سنقف إلى جواره وأصحابه، نبيع لهم ونطعمهم ولن نتخلى عن أبنائنا .
وتحولت القضية لصراع قبلي، فيه مسٌ لكرامة بطني عبد مناف، بني هاشم وبني عبد المطلب . . إلا ما كان من عمه أبى لهب، انسل من قومه وظاهر قريش على حساب أهله، وعلم أبو جهل بما دار في اجتماع أبى طالب، فانطلق إلى دار الندوة يحرض أشراف قريش وساداتها عليهم، قال أبو جهل : قد رأيتم ما فعل أبو طالب، نقاطع بني هاشم ، وبني عبد المطلب . قال أبو سفيان : ستتسع دائرة المقاطعة، ولن يستفيد من ذلك سوى من قصدناهم في الأول، محمد وأصحابه، كيف بنا أن نقاطع بطنين من أكبر بطون قريش وأعلاها قدراً . وما أخشاه أن يثور بنو عبد الدار لأبناء عمومتهم ويناصرونهم علينا .
قال أبو جهل : نكتب صحيفة تتعاهد فيها قريش بجميع بطونها وعشائرها، على مقاطعة بني عبد مناف - هاشم - والمطلب . لا نبيعهم ولا يبتاعون منا، لا طعام ولا كساء حتى تفسد تجارتهم ويموتون جوعاً وبرداً، ولا نزوجهم ولا نتزوج منهم وينقطع نسلهم، وينتهي أو يسلَّمونا محمداً نقتله، ولو انحاز بنو عبد الدار لهم، لهو نفس المصير، العزلة والمقاطعة . قال عقبة بن أبى معيط بعد أن قرأ في وجوه المجتمعين الإقرار بها : اجعلوا هذه الصحيفة في داري .
قال الوليد بن المغيرة : بل نعلقها في الكعبة ليراها الناس جميعاً، ويعلموا أننا غير هزلين في حربنا لمن يخرج على دين قريش .
وأرجأوا الإعداد لها، وتريثوا قبل خطها، وعلم أبو طالب بما كان منهم، فجمع من ناصره وناصر ابن أخيه، وخرجوا خارج مكة، ونزلوا في إحدى الشعاب ليدبروا أمرهم، على الإقامة بعيداً عمن ظلموهم، ويعدوا عدتهم، ويرسوا قواعد العصبة والتعاون لمواجهة الأخطار القادمة، وما تحيكه مكة لهم .
وفي ليلة من ليالي شهر المحرم للعام السابع للبعثة، اجتمع في دار الندوة سادة قريش، بعد أن دبروا أمر الصحيفة الظالمة، وأخذ الوليد بن المغيرة يملي على - منصور بن عكرمة - الصيغة التي استقروا عليها، فقال له : اكتب - " بسمك اللهم - هذا ما تعاهدت عليه سادات قريش، اجتمعوا وأتمروا وتعاهدوا بهذه الصحيفة عهد الله - وتعاقدوا عقدًا لا انفكاك له على بني هاشم وبني عبد الدار، على ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً ولا يبتاعون منهم، ولا تدخل دورهم وأفنيتهم وحوائطهم، ولا يدخلون لأحد من قريش وحلفائها داراً ولا فناءاً ولا حائطاً . ومن نكث بهذا العهد ممن حضر وشهد هذه الصحيفة فهو ظالم، ومن قال في نقدها فهو أظلم وعليه لعنة الله والناس أجمعين "
وعُلقت الصحيفة الظالمة الباغية في الكعبة، ومكث الرافضون للخضوع في شعب أبى طالب الحزين، وأخذوا عهدًا على أنفسهم، ألا يُسلموا محمداً، ولو كان ذلك ثمنه الموت، مواقف رائعة جسدها المسلمون ممن تبعوا محمداً ومشركوا بني هاشم وبني عبد الدار، جمع الفريقين التمسك بالحق ورفض الخنوع للشروط المذلة . فبنو هاشم ترى العار كل العار في تسليم رجل منهم يُقتل وهم ينظرون، وبنو عبد الدار يركبهم العار والشنار لو تركوا أبناء عمومتهم دون نصرة .. .. صلوات ربى وسلامه على سيد الخلق والمرسلين .. وإلى الحلقة القادمة من كتابنا الطريق إلى النور .
ملحوظة:
هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمكون من جزئين، نقدمه للأمة فى عصرنا الحالى، ولأجيال قادمة، والمُسمى ( الطريق إلى النور فى سيرة الرسول .. صلوات ربى وسلامه عليه ) قد تم طبعه فى عام 2007 والناشر له "مؤسسة حورس للنشر والتوزيع"، وقد نفذت نسخه من دور العرض، لذا جاري الآن إعداد طبعة جديدة بإضافات لم تكن موجودة في الطبعة السابقة .. هذا الكتاب هو ما نعرضه لحضراتكم في حلقات هنا علي صفحتنا للمرة الثالثة، وعلي الله قصد السبيل.
محمد مصطفى
تكملة ( الحلقة/ 49) أيام الحزن والألم !!
ورأى الرجال والنساء والأطفال من العنت والجوع والبؤس ما لا يتحمله إلا ذوو العزم والبأس، وضربوا أروع مثل في الثبات، فكانت ملحمة رائعة، وبطولة فائقة تجلت في هؤلاء الذين آثروا العزة والكرامة، عن أن تُهان كرامتهم أمام من تعنتوا وكابروا وحادوا عن الحق، وهوت بهم الأهواء إلى نزق سحيق في الظلم والعدوان على قومهم من العرب .
وخلت مكة إلا من المتآمرين، خلت من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وخلت كذلك من المناصرين والمتعاطفين من الأصحاب والأهل والعشيرة وكل حر أبى، ويأتي صباح على مكة ينادي فيه المنادي : يا أهل مكة، يا أهل مكة لقد عاد واللات أصحاب محمد من أرض الحبشة، عادوا وهم في الطريق إليكم دون أن يقتادهم أحد - وفرح الناس في مكة، وظنوا بالعائدين أنهم إنما جاءوا ليعودوا إلى دين قريش، بعد أن تركوا دين محمد، وإلا فما مجيئهم بأنفسهم وقد أرسلوا في طلبهم من ينفق الغالي والنفيس لإحضارهم في القيود والأصفاد ؟ . والعائدون من الحبشة ظنوا في أهل مكة الخير كل الخير، فقد وصلتهم أخبار عن مكة أنها أسلمت، ذلك حين سجدت لمَّا تلا على مسامعهم الرسول صلوات ربى وسلامه عليه أواخر سورة النجم، والذين أوصلوا الخبر أشاعوا حوله الشائعات، وصدَّقها أصحاب الرسول في مهجرهم بالحبشة، فهم تحروا عما حدث، وتأكد لهم أن قريشاً سجدت كلها مع الرسول صلي الله عليه وسلم وأصحابه، ولا معنى لهذا سوى دخولهم الإسلام .
وتكون الفاجعة الكبيرة في انتظارهم، أن ما وصلهم لم يكن صحيحاً، وأن أتباع النبي صلى الله عليه وسلم ومن ناصرهم محاصرون في الشِعب، ويقع الفوج القادم من الحبشة في الموطن الذي من أجله كانت الهجرة، ثلاثة وثلاثون نفرًا تسرعوا في المجيء إلى مكة، ولو لم يتريث الباقون هناك في الحبشة لكانت الكارثة أفدح، وكان على رأس العائدين - عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله، وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل ومصعب بن عمير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة وامرأته أم سلمة، وعباس بن أبى ربيعة أخو أبى جهل من أمه، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبى حثمة، وعبد الله بن سهيل وغيرهم -
ولما تكشف الأمر لمكة وأنهم إنما جاءوا على الظن بإسلامهم، أثار هذا غضبهم، وبدأت رحلة التطاول والأذى والحبس سيرتها الأولى، وراح كل من له عائد من الحبشة يمعن في تعذيبه، ويُحكم قبضته عليه حتى لا يُقال أن أهل فلان تهاونوا في عائدهم، وازداد الضغط على العائدين من الحبشة، استطاع بعضهم الفكاك من الحبس ولحق بالمحاصرين في الشعب الحزين، واحتال بعضهم وطلب الجوار أمثال (عثمان بن مظعون) وكان في جوار الوليد بن المغيرة، لكن وخز الضمير رده عن ذلك فكيف به يرى أصحابه يلقون من الأذى ما يلقون وهو في جوار فقال في نفسه : والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك - وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني - لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة وقال له : يا أبا الوليد، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك . قال له الوليد : لِمَ يا ابن أخي ؟ لعله آذاك أحد من قومي .
قال عثمان بن مظعون : لا والله يا أبا الوليد ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن استجير بغيره ؟ . قال الوليد : فانطلق إلى المسجد فاردد عليِّ جواري علانية، كما أجرتك علانية .
فانطلقا حتى أتيا الكعبة وقال الوليد على الملأ : هذا عثمان قد جاء يرد عليّ جواري، ثم قام عثمان وقال : صدق، قد وجدته وفيًا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، وانصرف عثمان ولم يكد يغادر ساحة البيت حتى رأى مجلسًا لقريش، فدنا منه فإذا بشاعر العرب - لبيد بن ربيعة بن مالك - يعقد حلقة ينشدهم فيها شعرًا، فجلس عثمان بين الناس وسمع لبيد يقول : لا كل شيء ما خلا الله باطل .
قال عثمان : صدقت . ثم قال لبيد : وكل نعيم لا محالة زائل، قال عثمان : كذبت نعيم الجنة لا يزول . فنظر إليه لبيد شزرًا- كيف يجرؤ هذا على مقاطعته وهو من هو في الناس يُعلمهم القول ويُبصرهم الأمر ؟ فقال في غضب : يا معشر قريش والله ما كان يؤذي جليسكم أحد . ولم نعتد في حلقتكم إلا الإصغاء، فمتى حدث هذا فيكم ؟ . فقال رجل من القوم : إن هذا سفيه من سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله، ورد عليه عثمان القول بالقول، وشرى الأمر بينهما وتماسكت الأيدي في شجار، فلطم الرجل عين عثمان بن مظعون فخضَّرها، وإذا بالوليد بن المغيرة خلفه يتابع عن كثب ما يدور، فقال لعثمان وكان ممسكاً بعينه المصابة : أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، ولقد كنت في ذمة منيعة . قال عثمان : إني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا الوليد . قال الوليد : هلم يا ابن أخي، إن شئت فعد إلى جواري .
قال عثمان : لا أعدل بجوار الله شيئاً أبا الوليد .. صلوات ربى وسلامه على سيد الخلق والمرسلين .. وإلى الحلقة القادمة من كتابنا الطريق إلى النور .
ملحوظة:
هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمكون من جزئين، نقدمه للأمة فى عصرنا الحالى، ولأجيال قادمة، والمُسمى ( الطريق إلى النور فى سيرة الرسول .. صلوات ربى وسلامه عليه ) قد تم طبعه فى عام 2007 والناشر له "مؤسسة حورس للنشر والتوزيع"، وقد نفذت نسخه من دور العرض، لذا جاري الآن إعداد طبعة جديدة بإضافات لم تكن موجودة في الطبعة السابقة .. هذا الكتاب هو ما نعرضه لحضراتكم في حلقات هنا علي صفحتنا للمرة الثالثة، وعلي الله قصد السبيل.
محمد مصطفى
( الحلقة/ 50 ) وسقطت وثيقة الحصار !!
ويشي أبو جهل إلى ذوي العائدين من الحبشة وأقاربهم، ويشعل نار الحقد في قلوبهم، ويخوفهم عواقب تركهم من دون ملاحقة ومتابعة، فيرى أبو جهل عبد الله بن سهيل بن عمرو، فيعدو مسرعًا إلى أبيه سهيل بن عمرو، لم يكتف أبو جهل بما فعله بأبي جندل الابن الثاني لسهيل ـ مافتأ يحرضه عليه ـ حتى أودع الأب ابنه القيود، وأطلق العبيد عليه يسومونه سوء العذاب، ولم يتمكن أبو جندل من اللحاق بأبطال الشْعِب ـ الشْعِب: أى الوادى المنعزل عن مكة ـ حبسه أبوه (سهيل بن عمرو) وكان شريفاً من أشراف مكة يخشى المعرة على نفسه، ويخشي تقوّل الناس عليه، ومن هذا المدخل يوعز إليه أبو جهل بدسائسه ..
فقال أبو جهل لسهيل : يا أبا عبد الله قد واللات سكتت ألسن الناس عنك في ولدك أبى جندل، فها قد عاد ولدك عبد الله مع العائدين، ونراه طليقاً يحدث الناس بحديث محمد الذي أراحنا الشِعْب منه وأصحابه، فهلاّ كففته عن ذلك يا سيد قومك ؟ .
قال سهيل : دع لي يا ابن أخي فسحة من الوقت حتى أودعه الحبس مع أخيه الصابئ أبو جندل .
ويأمر سهيل عبيده في حرص : تربصوا بولدي عبد الله حتى إذا رأيتم منه غفلة فائتونى به مقيدًا، أريده أن يذوق حرَّ عذابي كما يذوقه أخوه الصابئ أبو جندل .
ولا تمر أيام حتى يُلقى بعبد الله مع أخيه في محبسه، ويرى عبد الله أخاه في هذا العذاب الأليم، يقول له وهو يعتصر ألمًا : قد حذَّرتك يا أبا جندل من أبي وبغضه للإسلام والمسلمين، فلم تسمع إلى نصحي وتخفي عنه إسلامك، لأشد ما عذبك .
قال أبو جندل : لقد جاهدت في إخفاء هذا الأمر، وأعطيته بلساني ما يريد وقلبي مطمئن بالإيمان، لكنه لم يلبث أن اكتشف إسلامي، ذلك يا أخي أنني كنت حريصاً إذا فرغت من الصلاة التي كنت أصليها، بعد أن ينام من في الدار، أن أقرأ ما حفظته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وكان الخشوع يتملكني ويصرفني عن الحذر، فيعلو صوتي دون أن أشعر، حتى إذا كان يوم يراقبني فيه أبي، فرآني أصلي وأتلوا بعد الفراغ من الصلاة ما تيسر من الحفظ، وقال أبوك في غضب " واللات لن تخدعني بعد اليوم أيها الصابئ، وأنت الذي كنت أقول عنه إنه أبر الأبناء وأحلى الأبناء، تعبث بي عبثاً يفوق عبث أخيك عبد الله، والله لأعذبنك عذابًا لن يعذبه أحد " ومن يومها يا أخي وأنا ألقى من أبي ما ألقى .. وأنت يا عبد الله ما جاء بك إلى مكة وأنت تعرف أنهم يتربصون بك .
قال عبد الله : لا والله يا أبا جندل قد وصلتنا أخبار مشوهة قالوا : " إن قريشاً أسلمت وسجدت للقرآن " ولو كان عندنا من التريث ما هو عند الآخرين الذين تشككوا، وظلوا في الحبشة، ما صار هذا مصيرنا .
قال أبو جندل : لقد أخذهم روع القرآن وسجدوا وهم منزعو الإرادة، حرك القرآن الذي تلاه الرسول صلى الله عليه وسلم بصوته الندي، حرك فطرتهم الدفينة بداخلهم في لحظة خلوص مع النفس .
ولم يكن المسلمون في خارج مكة بأحسن حال من هؤلاء، عامان والمسلمون وأهلهم في الشْعِب الحزين، بطنان من بني عبد مناف - هاشم وأبو طالب - وبني عبد الدار في تلك الأخاديد والكهوف الجبلية، وحكومة قريش الظالمة تشدد الحصار لتحكم الحلقة على محمد وأهله وأصحابه، ومع كل يوم يمر يلقى الناس في الشْعِب بلاء الجوع والحرمان، ومع هذا فلا تلين لهم قناة، وتخرج الآيات المباركات التي تتنزل على قلب محمد من الشْعِب إلى دور مكة وساحاتها وأفنيتها، تدق حصون الشرك وتُدخل الرعب في قلوب أعداء الله، أرادوا أن يحصروه فحصرهم.
ويقول الوليد بن المغيرة : إن هذا الأمر عجب، كيف يخرج أمره من صخور الشْعِاب، ويدوي في أنحاء مكة، فلا يمر يوم إلا ويدخل في دينه من أهلنا نفر .
ويقول عقبة بن أبى معيط : ليت الأمر اقتصر على أهل مكة، إنا على ردهم لقادرون، ولكن هذا الدين يفشو ذكره بين القبائل الأخرى .
ويتماسك أبو جهل، ويخفي غضبه وهو ينصت لحديث القوم، ويزداد سعاره فيزيد من عدد حراسه على منافذ الشْعِب، حتى لا يدخل إلى المحاصرين طعامًا .
ومر العام الثالث، والحالة داخل الشعب تسوء أكثر فأكثر، وبدأ تعاطف بعض أحرار قريش ومن لهم صلة قرابة أو نسب بمن داخل الشعب، بدأ التعاطف يزحف إلى قلوبهم، فلم يعد (حكيم بن حزام ) ابن أخت السيدة خديجة، يتحمل على خالته ومن معها أكثر من ذلك، فخرج ببعير وحمل عليه ما وسعه من طعام وفير، وتوجه به ناحية الشعب، فرمقه أبو جهل أثناء مروره على نقاط الحراسة، فقال له : ألم تقسم معنا يا ابن حزام على الوفاء بعهدك في الصحيفة، فما بالك تدخل إلى هؤلاء المحاصرين طعاماً ؟ . قال حكيم : ويحك يا أبا الحكم، أو لو كان هؤلاء الذين في الشعب أهلك، أكنت تمنع عنهم الطعام حتى يموتوا ؟ . لا لا يا أبا الحكم، وما على هذا كان اتفاقنا في الصحيفة .
قال أبو جهل : اتفقنا في الصحيفة على ألا نبيعهم ولا نبتاع منهم . قال حكيم : وهل بعتهم شيئاً ؟ . إنما كان هذا الطعام لخالتي خديجة، وطلبت إلى أن أرسله لها ففعلت . وبدأ الحديث بينهما يتحول إلى شجار، وعلا الصوت، وقال أبو جهل : إنك لظالم يا حكيم . فرد عليه حكيم : وأنت وصحيفتك أظلم يا أبا الحكم، ما رضينا عنها حين كُتبت، وما نرضى عنها الآن . فبينما هما في تصايحهما مر عليهما سيد من سادات قريش . ( أبو البختري بن هشام ) . وكان ميالاً للتعاطف هو الآخر مع من في الشعب فقال لهما : علامَ تتصارعا ؟ . قال حكيم : هذا طعام عندي أعطيه لمن أشاء . قال أبو جهل : يريد أن يأخذه لمحمد وأصحابه .
قال أبو البختري بن هشام : دعه يا أبا الحكم، هذا شأنه . فرد أبو جهل حانقا مُغضبا : بل أمنعه من ذلك . قال أبو البختري : كيف تمنع سيدًا من سادات مكة أمرًا عزم فعله ؟ . أتريد أن تخضعنا لأمرك بتلك الصحيفة البالية . .. صلوات ربى وسلامه على سيد الخلق والمرسلين .. وإلى الحلقة القادمة من كتابنا الطريق إلى النور .
ملحوظة:
هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمكون من جزئين، نقدمه للأمة فى عصرنا الحالى، ولأجيال قادمة، والمُسمى ( الطريق إلى النور فى سيرة الرسول .. صلوات ربى وسلامه عليه ) قد تم طبعه فى عام 2007 والناشر له "مؤسسة حورس للنشر والتوزيع"، وقد نفذت نسخه من دور العرض، لذا جاري الآن إعداد طبعة جديدة بإضافات لم تكن موجودة في الطبعة السابقة .. هذا الكتاب هو ما نعرضه لحضراتكم في حلقات هنا علي صفحتنا للمرة الثالثة، وعلي الله قصد السبيل.
محمد مصطفى
تكملة ( الحلقة/ 50 ) وسقطت وثيقة الحصار !!
وداهم الهياج أبا جهل وانفلت عقاله فصاح : بل أمنعه وأمنعك . ولم يتمالك أبو البختري نفسه فوثب على أبي جهل، وأمسك بردائه وقال : من أنت حتى تمنعه ..؟ والله ما تمنعه . ثم هوى على وجهه ولطمه لطمة شديدة، وثارت ثائرة أبى جهل فانقض على أبى البختري، وهنا تدخل حكيم وأخذ يناوله هو الآخر، ثم أمسك به ليتسنى لأبى البختري ضربه، وراح أبو البختري يكيل له الضربات المتتالية وهو مكتوف بين يدي حكيم، وظل الرجلان يضربانه تناوبًا، ولا تفلح مقاومة أبى جهل لهما، ولم يتركه أبو البختري إلا مفترشاً الأرض وقد سال الدم من وجهه وتمزقت أستاره .
وواصل حكيم سيره إلى جوعى شْعِب أبى طالب، وأنزل حمولة بعيره عند خالته السيدة خديجة زوجة النبي صلوات ربى وسلامه عليه، ويعود حكيم إلى مكة وليس في رأسه إلا تكرار ما فعل، وفي داره يخلو بنفسه ساعة من صفاء، يتأمل ما حدث، ويستعرض تلك المشاهد الحزينة التي رآها داخل الشْعِب المُحاصر، كيف التف الأطفال والشيوخ إلى بعيره ينتظرون شيئاً من هذا الطعام المحمول، مشاهد قاسية على قلب رجل مثل حكيم . زينة عقل بني أسد، وأوصلهم للرحم، وأرفقهم بضعيفهم، وتختمر الفكرة في عقله، فكرة نقض الصحيفة، وتلك يعوزها الإرادة .. وليست الإرادة ببعيدة عنه، ويعوزها أيضاً العون والمساندة ممن يتعاطفون مع أحبائهم داخل الشعب، وهذا ما جعله يقصد دار - زهير بن أمية ابن المغيرة - في صبيحة اليوم التالي، اختاره حكيم لرجاحة رأيه ومكانته في قومه بني مخزوم .
طرق بابه وقال له : يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ . أما إني أحلف بالله أن لو كان أخوال أبى الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم، ما أجابك إليه أبدًا .
قال زهير : ويحك يا حكيم ! فماذا أفعل ؟ . إنما أنا رجل واحد، والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها .
قال حكيم : قد وجدت رجلاً . قال زهير : فمن هو ؟ . قال حكيم : أنا . قال زهير : أبغنا رجلاً ثالثاً .
ويذهب حكيم إلى ثالث يعضد مسعاهما، توجه إلى - المطعم بن عدي - وقال له : يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف ويهلك معهم آخرون من بني عبد الدار وأنت شاهد على ذاك، موافق لقريش فيه ؟ . أما والله لئن أمكنتموهم من هذه لتضيع هيبتنا ويذهب أمن الناس إلى ما لا نحب، وإلا فكيف يكون العيش في مكة دون أصحابها حماة البيت ؟
قال المطعم : ويحك ! وماذا أفعل ؟ . إنما أنا رجل واحد . قال حكيم : قد وجدت ثانياً . قال المطعم : من هو ؟ . قال حكيم : أنا . قال المطعم : أبغنا ثالثاً .
قال حكيم : قد فعلت . قال المطعم : من هو ؟. قال حكيم : زهير بن أبى أمية. قال المطعم : نعم ما اخترت ولكن أبغنا رابعاً .
ويذهب حكيم إلى رابع، لينضم إليهم، توجه إلى دار أبى البختري بن هشام الذي ناصره وضرب أبا جهل، وحال دونه ودون العير المحملة بالطعام، وأبلغه حكيم بما استقر عليه رأي الثلاثة - هو وزهير والمطعم . قال أبو البختري : أبغنا خامساً حتى نكون عصبة نقوى على مجابهة القوم . فذهب حكيم إلى ـ زمعة بن الأسود ـ كلمه وذكر له أحوال الناس في الشعب . فقال له زمعة : وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد ؟ . قال حكيم : نعم وأخذ يسمي له أصحابه .
وتواعدوا عند - الحجون - بأعلى مكة، حتى لا يطلع على تدبيرهم أحد، وهناك تعاقدوا على نقض الصحيفة وقال زهير : أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم فإذا فرغت واعترضني عارض يدخل الواحد منا تلو الآخر في الحديث . حتى نؤلب الناس عليهم، وحددوا موعداً للتنفيذ - صباح الغد .
وأحس أبو طالب في المساء، من كلام ابن أخيه محمد النبي بأن صباح الغد فيه حدث يحدث في مكة، فلما كان الصباح توجه أبو طالب ناحية الكعبة، وكان قد سبقه دون أن يعلم بشئ مدبروا نقض الصحيفة . وتقدم زهير بن أمية بن المغيرة صوب الكعبة، يرتدي حُلة جديدة، وشرع يطوف بالبيت سبعاً، وقريش جالسة في أنديتها لا تدري ما الحدث . وفجأة يعلو صوت زهير : يا أهل مكة . ويقبل الناس نحوه، حتى إذا احتشدوا حوله .
قال زهير : يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم وبنو عبد المطلب وبنو عبد الدار هلكى لا يُباع ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تُشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . فقام أبو جهل مسرعاً نحوه، وترك ركنه البعيد الذي كان يجلس فيه، خشي إفساد الأمر وصاح : كذبت والله، لا تشق الصحيفة . فقام زمعة بن الأسود كما هو مُرتب له دوره فقال : أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت . ثم قام أبو البختري بن هشام وقال : صدق زمعة، لا نرضى ما كُتب فيها، ولا نقر به . فقام المطعم بن عدي وقال : صدقتم وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها، ومما كتب فيها، ثم قام حكيم وقال : لقد تسلط بها علينا أبو الحكم، وإنا في حل منها، يا أهل مكة والله ما ينفض جمعنا اليوم حتى تُفض هذه الصحيفة .
ويثور أبو جهل ومن لف لفه ويسعى بين الناس كالثور الهائج ويصيح فيهم : لقد تشاورتم خفية، وإنه واللات لهو المكر، ولن تُفض الصحيفة، هذا أمر قد قضي .
ولكن صوت الخمسة كان أعلى وأوصل إلى الناس، فكل واحد منهم حسيب شريف في قومه، وهم من بطون قرشية مختلفة، وكل صوت منهم أظهر للناس أن المدبرين لأمر الصحيفة لا يمثلون إلا أنفسهم، لذا بدأت تتعالى الأصوات منددة بالصحيفة ومطالبة بنقضها، وكأن الأمر صادف هوى في نفوس الناس، فقد آذاهم سماع أحوال المحاصرين في الشعب، ولم يكن أمامهم إلا الإذعان للصحيفة . وها قد جاءتهم فرصة الفكاك منها، فدعموا رأي القلة المتمردة عليها .
وفي الجانب الآخر، ثارت ثائرة المدافعين عنها، وحدث شقاق في الصف، لكن أنصار نقض الصحيفة صاروا أقوى تأثيراً على الأرض وأجرأ، وأوشكت الحرب أن تندلع بين الفرقين، ويرى أبو طالب الذي كان يرقب الحدث عن بعد، يرى الخلاف يقلب الأمور رأساً على عقب، فقد صدقت نبوءة محمد ابن أخيه التي أخرجته من الشعب في هذا اليوم، ليرى بأم عينيه الحدث وما هو أعجب منه، فلما تنادوا إلى السلاح صاح أبو طالب : يا معشر قريش اسمعوا ما لدي، فلقد أخبرني والله من لم يكذبني قط . وقاطعه أبو جهل فقال : ومن ذاك ؟ . قال أبو طالب : محمد بن أخي كنت أتكلم معه في أمر الصحيفة فقال : " إن ربه سلط الأرضة(حشرة الأرض) على الصحيفة فأكلتها وهي داخل جلدتها " . وتخرج ضحكات ساخرة من عقبة بن أبى معيط وقال : وصدقته يا أبا طالب . ويغضب زهير بن أمية من استهزاء عقبة بأبى طالب ويقول : اسكت يا عقبة، كفاكم استهزاءً بالناس . فقال أبو طالب : قال " إن ربه سلط الأرضة على الصحيفة فأكلتها ولم تدع اسماً لله إلا تركته فيها، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان " .
قال أبو جهل : كفاك يا أبا طالب إنما تريد أن تقوي بهذا عزم هؤلاء، الذين يريدون شقها .
قال أبو طالب : إني والله يا معشر قريش أدعوكم إلى ما لا يرفضه الكريم . قال عقبة : وما ذاك ؟ . قال أبو طالب : لنحتكم في هذا إلى الصحيفة، فإن كانت كما قال ابن أخي فاحقنوا دماءكم وانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عما فيها، وإن كانت غير ما قال ولم يمسها شئ فافعلوا ما بدا لكم .
ويدخل أبو طالب جوف الكعبة، وخلفه الباغون من قريش، ويُخرج أمامهم الصحيفة من جلدتها، وينبري للناس وهو يصيح : يا معشر قريش هاكم ما تبقى من صحيفتكم . ونظر القوم إليها فإذا بها كما قال - أكلتها الأرضة . حشرة الأرض . ولم يبق فيها إلا الجزء المكتوب عليه باسمك اللهم .
ويطير صواب أبى جهل ويصيح في الناس بعدما انجلى الأمر : ويحكم هذا واللات من سحر محمد . وقال الناس : حقاً ما قاله أبو طالب، فقد أكلت الأرضة الصحيفة . ونادى حكيم بن حزام وأصحابه - زهير، والمطعم، وأبو البختري، وزمعة : فلننقض بنودها إذن .
ونجت الفئة المؤمنة ومن والاهم من أهلهم من بطش قريش، ثلاث سنوات داخل الحصار اللعين، نال منهم الضر كل منال، حتى أكلوا أوراق الشجر، وكانوا يربطون الحجارة على بطونهم تخفيفاً لآلام الجوع، ولكنهم لم يهنوا ولم يحزنوا ولم تكف ألسنتهم وقلوبهم لحظة عن الهتاف القدسي - لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولو كره الكافرون .. صلوات ربى وسلامه على سيد الخلق والمرسلين .. وإلى الحلقة القادمة من كتابنا الطريق إلى النور .
ملحوظة:
هذا الكتاب الذي بين أيدينا والمكون من جزئين، نقدمه للأمة فى عصرنا الحالى، ولأجيال قادمة، والمُسمى ( الطريق إلى النور فى سيرة الرسول .. صلوات ربى وسلامه عليه ) قد تم طبعه فى عام 2007 والناشر له "مؤسسة حورس للنشر والتوزيع"، وقد نفذت نسخه من دور العرض، لذا جاري الآن إعداد طبعة جديدة بإضافات لم تكن موجودة في الطبعة السابقة .. هذا الكتاب هو ما نعرضه لحضراتكم في حلقات هنا علي صفحتنا للمرة الثالثة، وعلي الله قصد السبيل.
محمد مصطفى

تعليقات
إرسال تعليق