رواية ثمن العروس البارت_الخامس بقلم الكاتبه أماني سيد حصريه وجديده
أشرقت شمس يومٍ انتظره الجميع...
منذ الساعات الأولى للصباح، استيقظت فيلا آل الشيخ على حركة لا تهدأ. سيارات تدخل وأخرى تغادر، العاملون يضعون اللمسات الأخيرة على ترتيبات الحفل، والهواتف لا تتوقف عن الرنين.
أما مختار...
فكان داخل مكتبه بالشركة.
وقف أمام النافذة الزجاجية المطلة على المدينة، يتابع حركة السيارات في الأسفل، بينما كان مديره التنفيذي يعرض عليه آخر التقارير الخاصة بأحد المشروعات الجديدة.
أنهى التقرير، ثم قال بتردد
ــ باشمهندس... باقي أقل من خمس ساعات على كتب الكتاب.
أغلق مختار الملف بين يديه وقال بهدوء
ــ عارف.
ــ يبقى لازم نمشي.
جمع مختار أوراقه داخل الحقيبة الجلدية، ثم نظر إلى ساعته للمرة الأخيرة.
ــ ابعتولي العقد بعد ما المحامي يراجعه... وأنا هوقعه بكرة الصبح.
ــ حاضر.
غادر الشركة بخطوات ثابتة، لكن ملامحه بقيت كما هي...هادئة...خالية من أي انفعال.
- وفي الجهة الأخرى...
داخل فيلا فؤاد...
كانت الأجواء مختلفة تمامًا.
ضحكات النساء تملأ المكان، وأصوات مجففات الشعر تمتزج بأحاديث الأقارب، بينما انتشرت علب الزينة والورود البيضاء فوق كل طاولة.
جلست غزل أمام المرآة في هدوء، ترتدي روبًا أبيض بسيطًا، بينما كانت خبيرة التجميل تضع اللمسات الأخيرة على بشرتها.
كانت تنظر إلى انعكاسها بشرود...وكأنها لا تستوعب أن هذا اليوم قد جاء بالفعل.
دخلت والدتها الغرفة، وما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى توقفت مكانها.
ابتسمت رغم أن الدموع لمعت في عينيها.اقتربت منها وربتت على كتفها بحنان.
ــ النهارده هتسيبي أوضتك يا غزل.
التفتت إليها غزل، وابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم أمسكت بيدها وقبلتها.
ــ البيت ده عمره ما هيفضل ناقص طول ما إنتِ فيه يا ماما.
احتضنتها الأم بقوة، وهمست وهي تكافح دموعها:
ــ ربنا يجعل أيامك كلها سعادة يا بنتي... ويجبر قلبك بكل خير.
تنهدت الأم، ثم أمسكت بكلتا يديها وقالت بصوت هادئ، لكنه يحمل وصية عمرٍ كامل:
ــ اسمعيني كويس يا غزل... يمكن دي آخر مرة أقعد معاكي القعدة دي.
رفعت غزل عينيها إليها في اهتمام.
ابتسمت الأم، ثم تابعت:
ــ أنا مش هوصيكي على جوزك... ولا على بيتك... لأن أنا واثقة في تربيتك. لكن هوصيك على حاجة أهم.
سكتت لحظة، ثم قالت بحزم ممزوج بالحنان:
ــ أوعي في يوم تحسي إنك قليلة... لمجرد إنك داخلة بيت آل الشيخ.
هزت غزل رأسها باستغراب.
فأكملت الأم:
ــ الناس ممكن تبص للفلوس أو للاسم أو للمكانة... لكن قيمتك الحقيقية في أخلاقك وتربيتك. وإنتِ في الحتة دي أغنى من ناس كتير.
اغرورقت عينا غزل بالدموع.
فمسحت الأم على شعرها برفق، وأردفت:
ــ أوعي تسمحي لحد يقلل منك... أو يحسسك إنك أقل من حد. لا أنتِ قليلة... ولا أبوكي قليل... ولا البيت اللي اتربيتي فيه قليل.
ثم ابتسمت بفخر وهي تقول:
ــ افتكري دايمًا إنهم هما اللي جم وخبطوا بابنا، وطلبوكي بالحلال. ماحدش اتفضل علينا، ولا إحنا جرينا ورا حد.
انفرجت شفتا غزل بابتسامة متأثرة، بينما انسابت دمعة على خدها.
احتضنتها والدتها بقوة، وهمست في أذنها:
ــ ادخلي بيت جوزك مرفوعة الرأس... متواضعة بأخلاقك، لكن كرامتك ما تنحنيش لحد. احترمي الكل، وقدري الكل... لكن لو في يوم حسيتِ إن حد بيحاول يكسرك، افتكري إنك بنت فؤاد... وبنتي أنا.
أجهشت غزل بالبكاء وهي تحتضن والدتها بقوة.
ــ ربنا يخليكي ليا يا ماما.
ابتسمت الأم وهي تربت على ظهرها بحنان.
ــ ويخليكي ليا يا نور عيني... ويرزقك السعادة اللي تستحقيها.
وفي غرفة أخرى...
كانت شقيقتها تفتح الحقائب التي وصلت إلى فيلا آل الشيخ منذ الأمس، تتأكد أن كل شيء في مكانه.
وفجأة...
وقعت عيناها على تلك الحقيبة الورقية الصغيرة التي أخفتها بنفسها بين ملابس غزل.
ابتسمت بخبث وهي تتمتم:
ــ يا ترى... هتفتحيها إمتى؟
ثم أعادتها إلى مكانها كما كانت...
دون أن يلاحظ أحد.
وفي الوقت نفسه..
كانت ليلى تقف أمام المرآة للمرة الأخيرة.
ارتدت الفستان الذي صُمم خصيصًا لها، وانسدل شعرها بعناية فوق كتفيها، بينما تلألأت قطع الألماس حول عنقها ومعصمها.
ابتسمت بثقة وهي تتأمل انعكاسها.
ثم تناولت حقيبة يدها، وقالت لنفسها بهدوء:
ــ النهارده...
يا أنا هخرج من القاعة وأنا كسبانة...
يا هخرج وأنا قفلت الصفحة دي للأبد.
ثم التقطت مفاتيح سيارتها...
وغادرت.
وفي الطريق إلى قاعة الزفاف...
كانت كل شخصية تحمل في قلبها شعورًا مختلفًا...
غزل تحمل دعاءً خافتًا أن يرزقها الله زوجًا يرضى عنها.
ومختار يحمل عقلًا منشغلًا بكل شيء... إلا نفسه.
أما ليلى...
فكانت تحمل خطة، تعتقد أنها قادرة على هز قلب رجلٍ قرر أن يبدأ حياة جديدة.
لكنها لم تكن تعلم... أن بعض القلوب، حين تُغلق بابًا، لا تفتحه المظاهر مهما كانت فاتنة.
في الطابق العلوي من فيلا آل الشيخ...
وقف مختار أمام المرآة يعدل ياقة بدلته السوداء للمرة الأخيرة. كانت البدلة مفصلة بإتقان، وربطة العنق بلونها الهادئ تضيف إلى هيبته المعتادة، لكن ملامحه بقيت ساكنة، لا تعكس ما يدور داخله
دخلت والدته الغرفة، فتوقفت لحظة تتأمله، وابتسمت في تأثر.
ــ ما شاء الله... ربنا يحفظك يا ابني.
التفت إليها، فاقتربت تعدل ياقة سترته بيديها كما كانت تفعل وهو صغير.
ــ النهارده يوم فرحك... نفسي أشوف الضحكة اللي كانت بتملى وشك زمان.
ابتسم لها ابتسامة هادئة، ثم انحنى يقبل رأسها.
ــ ادعيلي يا أمي.
وضعت يدها على رأسه.
ــ ربنا يرزقك راحة القلب... ويكتبلك الخير مع بنت الحلال.
هز رأسه في صمت.
وبعد أن خرجت والدته، عاد ينظر إلى انعكاسه في المرآة.
ظل صامتًا لثوانٍ...ثم أغلق عينيه.
كانت صور الماضي تحاول أن تفرض نفسها عليه...
ضحكات...ووعود...وخذلان انتهى دون رجعة.
أطلق زفرة طويلة، ثم قال لنفسه بصوت خافت:
ــ كفاية...
اللي فات انتهى.
فتح عينيه من جديد، وحدق في صورته داخل المرآة.
ــ غزل مالهاش ذنب في أي حاجة.
قالها وكأنه يقطع عهدًا على نفسه.
ــ البنت دي دخلت حياتي وهي ما أذتش حد... ولا طلبت مني غير الاحترام.
مرر كفه على وجهه، ثم رسم ابتسامة هادئة، أجبر نفسه عليها في البداية...
لكنها بدت طبيعية شيئًا فشيئًا.
التقط مفاتيح سيارته، وغادر الغرفة.
وفي فيلا فؤاد...
كانت غزل قد انتهت من ارتداء فستان زفافها.
فستان أبيض ناعم، يخلو من المبالغة، لكنه أبرز رقتها بصورة جعلت كل من رآها يشعر براحه .
وقفت أمام المرآة، بينما ساعدتها مصففة الشعر في وضع الطرحة برفق.
ثم سُمِع صوت سيارات تتوقف أمام الفيلا.
قالت إحدى السيدات بابتسامة:
ــ العريس وصل
ارتجف قلب غزل بعنف.تقدمت والدتها إليها، أمسكت يدها وضغطت عليها برفق.
ــ اهدَي... وربنا يجعل بداية حياتك كلها خير.
بعد دقائق...
دخل مختار إلى الفيلا وسط ترحيب الجميع.
صافح فؤاد باحترام، ثم احتضنه الأخير قائلًا:
ــ نورت بيتك يا ابني..
ــ ده شرف ليا يا أستاذ فؤاد.
ثم التفتت إليه والدة غزل مبتسمة.
ــ ثانية واحدة... العروسة جاية.
لم يشعر مختار بنفسه إلا وهو يرفع بصره نحو السلم.
وفي اللحظة التالية...بدأت غزل تهبط درجاته ببطء.
ساد الصمت في المكان للحظات.لم تكن متكلفة في زينتها...ولا مبالغًا في أناقتها...
لكن هدوءها، وخجلها، ونظرتها المنكسرة وهي تتشبث بذراع والدها، منحاها جمالًا لم يكن يحتاج إلى زينة.
تعلقت عينا مختار بها لثوانٍ طويلة. ثم
ارتسمت على شفتيه ابتسامة صادقة، دون أن يشعر.
اقترب فؤاد بابنته، ووضع يدها بين يدي مختار.
نظر إليه بعين الأب المطمئن، وقال:
ــ أمانة عندك.
أحاط مختار يد غزل بكفه في هدوء، ثم أجاب بثقة:
ــ ماتقلقش غزل فى عينى .
خفضت غزل رأسها في خجل، بينما شعرت لأول مرة منذ بدأت رحلتها معه... أن قبضته حول يدها لم تكن مجرد مجاملة أمام الناس، بل وعدًا صامتًا بأنها لن تكون وحدها.وفي الخارج...
كانت حديقة الفيلا قد امتلأت بالمدعوين.
الأضواء الذهبية تتلألأ بين الأشجار، والورود البيضاء تزين الممر المؤدي إلى منصة عقد القران، بينما عزفت الفرقة الموسيقية مقطوعات هادئة، وارتفعت أصوات الترحيب مع وصول العروسين.
كان الجميع في انتظار اللحظة التي يبدأ فيها الحفل...
دون أن يعلم أحد...أن سيارة سوداء كانت تتوقف في تلك اللحظة أمام بوابة الفيلا...
وقد نزلت منها ليلى، ترتدي الفستان الذي أعدته خصيصًا لهذه الليلة، وعلى شفتيها ابتسامة واثقة... وكأنها جاءت لتنفيذ خطتها التي انتظرتها طويلًا
انفتحت أبواب الفيلا الكبيرة... وخرج مختار مع غزل للحديقهوتقدم مختار أولًا، ثم مد يده إلى غزل.
نظرت إلى كفه لثوانٍ، قبل أن تضع يدها الصغيرة داخلها في خجل.
أحكم قبضته عليها برفق، ثم ابتسم لها ابتسامة هادئة، وقال بصوت لم يسمعه سواها:
ــ جاهزة؟
هزت رأسها بخجل.
ــ إن شاء الله.
بدأ الاثنان يهبطان درجات السلم الرخامي المؤدي إلى الحديقة، بينما كانت الموسيقى الهادئة تعلو شيئًا فشيئًا.
وما إن ظهرا أمام الحضور...
حتى وقف الجميع تقريبًا.
ارتفعت الزغاريد، وابتسمت الوجوه، واتجهت عشرات الهواتف نحوهما لتوثق تلك اللحظة.
كانت غزل تسير بخطوات بطيئة، تتشبث بذراع مختار، بينما انعكست أضواء الحديقة على فستانها الأبيض، فأضفت عليه بريقًا رقيقًا يناسب شخصيتها الهادئة.
همست إحدى السيدات بإعجاب:
ــ ما شاء الله... العروسة رقيقة أوي.
وردت أخرى:
ــ فعلاً... فيها هدوء غريب.
ابتسمت والدة مختار وهي تتابعهما بعينين دامعتين.
أما مختار...
فكان ينظر أمامه، يحاول أن يعيش تلك اللحظة كما وعد نفسه.
كان يردد داخله:
"ابدأ من جديد... غزل تستحق فرصة عادلة... تستحق زوجًا حاضرًا بقلبه قبل جسده.
وشعر لأول مرة منذ شهور...
أن الضحكة المرسومة على وجهه لم تعد ثقيلة كما كانت.
اقتربا من الممر المزين بالورود...
ولم يبقَ بينهما وبين منصة عقد القران سوى خطوات قليلة.
وفي اللحظة نفسها...
توقفت سيارة فارهة أمام بوابة الفيلا.
ترجل السائق أولًا، ثم فتح الباب الخلفي.
خرجت ليلى.
ارتدت الفستان الذي صُمم خصيصًا لهذه الليلة، وانسدل شعرها في تموجات ناعمة فوق كتفيها، بينما تلألأت قطع الألماس حول عنقها ومعصميها مع كل خطوة تخطوها.
رفعت رأسها بثقة...
ثم دخلت من بوابة الحديقة.
وكأن الزمن اختار تلك اللحظة بعناية...
فقد تزامن دخولها مع وصول العروسين إلى منتصف الممر.أول من انتبه إليها كانت إحدى المدعوات.
اتسعت عيناها وقالت دون أن تشعر:
ــ دي... ليلى!
التفتت إليها السيدة الجالسة بجوارها، ثم أخرى... ثم أخرى...وخلال ثوانٍ...
بدأت الرؤوس تستدير ناحية مدخل الحديقة.
ساد همس خافت بين الحضور.
ــ هي دي خطيبة مختار القديمة؟
ــ يا خبر... هي جت؟
ــ إيه الجمال ده!
ــ الفستان تحفة!
ــ كأنها طالعة من عرض أزياء.
شيئًا فشيئًا...انتقلت الأنظار من الممر الذي تسير فيه العروس...
إلى المرأة التي دخلت بثقة ملكة تعرف جيدًا تأثير حضورها.
كانت ليلى تسير بخطوات ثابتة، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة، وكأنها لم تسمع شيئًا من الهمسات...
رغم أنها كانت تستمتع بكل حرفٍ يُقال.
ومن بعيد...التقت عيناها بعيني مختار.لم ترمش...
ولم تُبعد نظرها.
أما هو...فتجمدت خطواته للحظة قصيرة للغاية.
لحظة لم يلاحظها أغلب الموجودين...
لكن غزل شعرت بها.شعرت بأن اليد التي تمسك يدها قد شدّت عليها دون قصد.
رفعت بصرها إليه في هدوء...
فرأت عينيه تتجهان نحو مدخل الحديقة.فاتبعت نظراته...ورأت امرأة فائقة الجمال، تتقدم وسط الحضور وكأن المكان كله يفسح لها الطريق.
لم تكن غزل تعرفها..لكنها أدركت من نظرات الناس...
ومن الهمسات التي بدأت تصل إلى أذنيها...
أن تلك المرأة ليست ضيفة عادية.
أما ليلى...
فاكتفت بابتسامة انتصار خافتة وهي تقول في داخلها:"أول خطوة نجحت..."
لكنها لم تكن تعلم... أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
سحب مختار بصره منها وكأنها لم تكن موجودة.
التفت إلى غزل، وشدد برفق على يدها، ثم قال بهدوء:
ــ يلا.
وسار بها مباشرة نحو المقاعد المخصصة لعقد القران، غير عابئ بالهمسات التي ملأت المكان، ولا بالأنظار التي كانت تنتقل بينه وبين ليلى.
أما ليلى...
فتوقفت مكانها لثوانٍ كانت تنتظر أن يتردد...
أن يلتفت إليها مرة أخرى...
أن ترتبك خطواته ولو للحظة.لكنه فعل عكس كل ما توقعت.
جلس إلى جوار غزل، بينما جلست هي إلى جواره في خجل، وأمامهما جلس المأذون يفتح أوراق العقد.
ساد الهدوء داخل الحديقة، ثم بدأ المأذون خطبته القصيرة بصوته الوقور، فتحدث عن السكينة التي جعلها الله بين الزوجين، وعن المودة والرحمة التي يقوم عليها الزواج، ثم ختم كلامه بالدعاء:
ــ اللهم بارك لهما، وبارك عليهما، واجمع بينهما في خير، وألّف بين قلبيهما، وارزقهما السعادة والذرية الصالحة.
ردد الحضور خلفه: ــ آمين.
ثم بدأ المأذون في إجراءات عقد القران.
أجاب مختار بصوت ثابت على كل سؤال، ثم وقع باسمه على العقد.
وتقدمت غزل بخجل، تمسك القلم بين أصابع مرتجفة، حتى انتهت هي الأخرى من التوقيع.
ابتسم المأذون وهو يغلق الدفتر، وقال بصوتٍ سمعه الجميع:
ــ بارك الله لكما... وبارك عليكما... وجمع بينكما في خير.
وفي اللحظة نفسها...تعالت الزغاريد في أنحاء الحديقة، وانطلقت التصفيقات، وارتسمت الفرحة على وجوه الجميع.
اقترب الأقارب يباركون للعروسين، بينما وقفت والدة مختار تمسح دموع الفرح، واحتضن فؤاد ابنته وهو يدعو لها بالسعادة.
أما ليلى...
فكانت تراقب المشهد من بعيد، وابتسامتها بدأت تضيق شيئًا فشيئًا.انتهى عقد القران...ومع ذلك...
لم يلتفت إليها مختار مرة واحدة.
بعد دقائق، بدأ المدعوون يصطفون لتهنئة العروسين.
تقدمت ليلى بخطوات واثقة، وكأنها لم تشعر بنظرات الجميع المعلقة بها.
كانت تعلم أن كل الأنظار تراقب تلك اللحظة.
وتوقفت أمام مختار مباشرة، ثم ابتسمت ابتسامتها المعتادة وقالت برقة:
ــ مبروك يا مختار...
في تلك اللحظة...
لاحظ مختار أن أنظار الحضور كلها معلقة بليلى، وأنها، رغم انتهاء عقد القران، ما زالت تخطف الاهتمام من غزل في ليلة يفترض أن تكون لها وحدها.
وبجواره، كان أحد العاملين قد وضع كوبًا من عصير الرمان على الطاولة.
مد مختار يده إليه في هدوء...
ثم، وهو يهم بالالتفات إليها، اصطدمت يده بالكوب...
فانسكب العصير الأحمر بالكامل على مقدمة فستان ليلى.
ارتفعت شهقات النساء في المكان.وتجمد الجميع في أماكنهم.
نظر مختار إليها بملامح هادئة، وقال باقتضاب:
ــ آسف... ماخدتش بالي.
خفضت ليلى عينيها إلى الفستان الملطخ بالعصير...
ثم رفعت بصرها إليه من جديد.وبدلًا من الغضب...
ابتسمت.ابتسامة واثقة، مليئة بالمعاني.
همست بصوت لا يسمعه سواه:
ــ لسه... بتغير عليا.
ثم استدارت في هدوء، وغادرت الحديقة دون أن تنظر خلفها.
كانت مقتنعة تمامًا...
أن ما حدث لم يكن مجرد حادث.
بل دليلًا جديدًا، في نظرها، على أن قلب مختار... لم يغادرها بعد.
أغلقت ليلى باب الحمام خلفها بهدوء.
وقفت أمام المرآة الكبيرة، ثم وضعت حقيبة يدها على الرخامة، وأخذت مناديل ورقية مبللة، وبدأت تمسح آثار العصير الأحمر عن فستانها بكل هدوء.
كانت البقعة قد أفسدت جزءًا كبيرًا من التطريز...
لكنها...كانت تبتسم.
ابتسامة واسعة، صادقة، كأن ما حدث أسعدها أكثر مما أغضبها.
رفعت عينيها إلى انعكاسها في المرآة، ثم ضحكت ضحكة خافتة وهي تتمتم:
ــ كنت عارفة...كنت عارفة إنك هتعمل كده يا مختار.
توقفت يدها للحظة...وسرحت بعينيها بعيدًا.
ليعود بها الزمن سنوات إلى الوراء...
كانت تقف أمام المرآة في شقتها، ترتدي طقمًا جديدًا اشترته منذ أيام.
دارت حول نفسها بسعادة، ثم خرجت إليه.
وما إن رفع مختار رأسه ونظر إليها...
حتى ظل صامتًا لثوانٍ.ابتسمت وهي تسأله:
ــ إيه؟ حلو؟
اقترب منها ببطء، وظل يتأملها طويلًا.
ــ حلو أوي.
اتسعت ابتسامتها.
ــ يعني ألبسه في حفلة النهارده؟
لم يجب.بل مد يده إلى كوب العصير الموضوع على الطاولة...وسكب محتواه كله على الطقم.
شهقت ليلى يومها.
ــ يا مجنون! إيه اللي عملته ده؟
ضحك وهو يجذبها من يدها إليه.
ــ علشان ماتلبسيهوش تاني.
ضربته بخفة على صدره.
ــ إنت اتجننت؟
أحاط خصرها بذراعه، وقال وهو ينظر إليها بعشق واضح:
ــ بغير عليكي.
ابتسمت رغم غضبها.
ــ من طقم؟
هز رأسه.
ــ لا...من جمالك وإنتِ لابساه.
ــ بلاش تلبسيه تاني... كفاية إنه مزودك في الجمال أكتر من اللازم.
فضحكت يومها، وأخفت وجهها في صدره، وهي تشعر أنها المرأة الأكثر حظًا في العالم.
عادت ليلى إلى حاضرها...وما زالت ابتسامتها كما هي.أنهت مسح آخر أثر للعصير، ثم نظرت إلى الفستان الذي لم يعد كما كان.
ولم تنزعج.
بل لمست البقعة المتبقية بأطراف أصابعها، وقالت بثقة:
ــ نفس الحركة...لسه بتغير.
أغلقت حقيبة يدها، ثم عدلت شعرها أمام المرآة.
وفي عينيها لم يكن هناك أي شعور بالهزيمة...
بل يقين كامل بأن ما حدث اليوم لم يكن صدفة.
وأن مختار، مهما حاول أن يبدو باردًا أمام الجميع...
فقد فضحته غيرته... كما كانت تعتقد.
رغم الضحكات التي ملأت القاعة، وأصوات المباركات التي لم تتوقف، كانت غزل تقف إلى جوار مختار تستقبل المهنئين بابتسامة هادئة..لكن عقلها...
لم يكن حاضرًا بينهم.
كانت عيناها تعودان، بين الحين والآخر، إلى الباب الذي خرجت منه ليلى.
والمشهد كله يعيد نفسه أمامها...
اقتراب ليلى...ابتسامتها...ثم انسكاب العصير على فستانها.خفضت بصرها قليلًا.
لم تستطع أن تقنع نفسها بأنه مجرد حادث.
كانت يد مختار ثابتة طوال الحفل...
فكيف أخطأ في تلك اللحظة تحديدًا؟
ازدحمت الأسئلة داخل رأسها.
لماذا فعل ذلك؟
هل فعلها فعلًا دون قصد؟
أم...
كان يقصد؟
عضت على شفتيها في حيرة.
ثم تسلل إلى قلبها سؤال أخافها أكثر من أي شيء آخر...هل ما زال يغار عليها؟
شعرت بوخزة مؤلمة في صدرها.
لو كان الأمر كذلك...فهل ما زال قلبه مع امرأة أخرى، بينما يقف إلى جوارها هي؟
لكن سؤالًا آخر سرعان ما زاحم الأول.
تذكرت نظرات الحضور...
وكيف تحولت الأنظار كلها إلى ليلى لحظة دخولها.
وتذكرت أن مختار، منذ أن رآها، لم يبادلها أي حديث، ولم يمنحها حتى فرصة للوقوف أمامه.
فهمست داخلها:
"ولا... يكون عمل كده عشان يبعد الأنظار عنها؟... عشان الليلة دي تفضل ليا؟"
لم تجد إجابة.والحقيقة...
أنها لم تكن تملك الشجاعة لتسأله.
التفتت إليه في هدوء.
كان يقف بثبات، يصافح أحد رجال الأعمال، ويتحدث معه بابتسامته الرسمية المعتادة، وكأن شيئًا لم يحدث قبل دقائق.حاولت أن تقرأ ملامحه...
أن تلتقط منها أي إشارة... أي دليل يرجح أحد الاحتمالين.لكن وجهه كان يصعب عليها القراءة.
لا يكشف ما بداخله أبدًا.
خفضت عينيها مرة أخرى، وهمست لنفسها:
"يا رب... يكون عملها عشان يحميني... مش عشانها."
ثم رفعت رأسها تستقبل تهنئة سيدة تقدمت إليها، بينما بقي ذلك السؤال عالقًا في قلبها...
هل كان تصرف مختار إعلانًا عن نهاية الماضي... أم دليلًا على أنه ما زال يسكنه؟
وكان وحده...
يعرف الإجابة.
ياترى رايكم ايه غيره ولا عشان ماتخدش الأنظار من غزل ؟؟؟
وهل دخول ليلى وجمالها اللى خطف الانظار هيغير حاجه في علاقه مختار بغزل ؟؟؟
يتبع


تعليقات
إرسال تعليق