رواية حبائل الجمر الفصل الثالث بقلم الكاتبه ياسمين الهجرسي حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
" رماد الذكريات"
*****
"نعيدُ ترميم الحكايا وفي القلبِ ندوبٌ أحدثتها يدُ الخذلان الأولى.
يقولون إن البكاء على ما فات نقصانٌ في العقل، لكن كيف لقلبٍ طُعن في صباه، وعُذّب في شبابه، أن يمحو جرحاً تسببت فيه نزوة؟
نحن لا نبكي الرماد.. نحن نبكي اشتعالاً غادَرَنا ولم يترك لنا سوى الصقيع."
*****
بعد رحيل الأعمام، ساد الهدوء أرجاء الشقة الأرضية، لكنه كان هدوءاً مشحوناً برائحة الماضي.
أغلقت رجاء الباب، والتفتت لتجد عمتها "رجاء" أم محمود لم تغادر مع الباقين.
كانت العمة تجلس على الأريكة، تتأمل ملامح ابنة أخيها التي حفرت فيها قسوة السنوات خطوطاً من التعب والصلابة.
اقتربت رجاء، وجلست عند قدمي عمتها، تسند رأسها المتعب على ركبتيها.
تنهدت العمة رجاء بعمق، ومررت كفها الحنون على شعر رجاء، وقالت بنبرة تجمع بين العتاب والأسى:
"بصي يا بنت أخويا العياط في الى فات نقصان في العقل ومش هقول لك أنت دماغك ناشفة وطالعة لمين
كلنا عارفين الدماغ دي"
لمحت رجاء شبح ابتسامة وسط همومها، ورفعت رأسها قائلة بنبرة خافتة:
"طالعة لعمتها.."
قطبت العمة حاجبيها باصطناع، لكن عينيها لمعتا بالحب:
"ما تطلعش لعمتها ينقطم رقبتها!
يومها.. يوم ما جيتي تقوليلي هتجوز عادل عند، قولت لك هتندمي يا بنت أخويا، وأديكي ندمت أهو.. وكلنا ندمانين.
وعاجبك ابني اللي قاعد لغاية دلوقتي من غير جواز؟"
تغيرت ملامح رجاء، واجتاحت عينيها غيمة من الألم القديم أشاحت بوجهها وقالت بصوت متحشرج:
"خلاص يا عمتي الكلام ده فات أوانه وما لوش لازمة دلوقتي أنا همومي بقت أكبر من كده بكتير، عيالي هما كل دنيتي."
أمسكت العمة بذقن رجاء وأدارت وجهها نحوها قائلة باهتمام:
"ولا هم ولا حاجة يا رجاء، طول ما فيكي نفس هتقفي أنا عايزاكي بس تاخدي بالك من نفسك ومن ولادك، علشان شادية مش هتسكت وأنتِ عارفاها."
برقت عينا رجاء بتلك الشجاعة التي لا تنكسر، وردت بثقة:
"وأنتِ عارفاني يا عمتي أقدر على شادية واللي جابوا شادية."
استمر الحديث بينهما لأكثر من ساعتين، انفتحت فيهما خزائن الوجع.
بكت رجاء في حضن عمتها وهي تحكي لها بالتفصيل الممل عن جحيم "عادل"؛ كيف تحول ذلك الرجل الذي ظنته مأوى لها إلى وحش كاسر، يضربها ويهينها ليل نهار، ويهددها بأطفالها، إلى أن اكتشفت الكارثة الكبرى بأنه يتاجر في السموم والمخدرات، وكيف كانت ليلتها الأخيرة معه معركة نجاة حقيقية حتى تمكنت من الفرار بصغارها لبيت أبيها رأفت الجمال.
*****
وفي الجانب الآخر من المدينة، داخل مكتب محاماة فخم، ذي جدران خشبية دافئة تملؤها الكتب القانونية، كان "محمود" يجلس خلف مكتبه الضخم.
كان ممسكاً بقلم، لكن عقله لم يكن في أوراق القضية التي أمامه كان في مكان آخر تماماً.
استند محمود بظهره إلى مقعده الوثير، وأغمض عينيه، ليتسلل من خلف جفونه فلاش باك عنيف يعيد رسم الذكرى المحترقة التي غيرت مجرى حياته وحياة رجاء..
فلاش باك
ــــــــــــــــــ
" مكتب محمود القديم قبل سنوات"
كان المكتب أصغر، لكنه كان يضج بالحياة انفتح الباب فجأة لتتدخل رجاء، ملامحها تشع فرحاً ونقاءً، عيناها تلمعان بسعادة طفولية وهي تحمل هاتفها المحمول، قائلة بصوت مغرد:
"محمود!
مش هتصدق، أنا اخترت العفش بتاع شقتنا خلاص، وجبت لك الصور معايا على الموبايل عشان تشوفـ..."
توقفت الكلمات في حنجرتها تيبس جسدها، وتجمدت الدماء في عروقها.
خلف المكتب، لم يكن محمود بمفرده كانت هناك "السكرتيره" التي تعمل معه في المكتب كانا في وضع مريب، متقاربين بشكل لا يدع مجالاً للشك، يقبلان بعضهما في لحظة ضعف ونزوة عابرة.
سقط الهاتف من يد رجاء على الأرض، ليتحطم زجاجه معلناً تحطم كل شيء بينهما.
نظر إليها محمود بفزع، وابتعد عن السكرتيرة حابساً أنفاسه، وصاح برعب:
"رجاء!
أنا.. أنا هفهمك، الموضوع مش زي ما انتي فاهمة!"
لكن رجاء لم تسمع التفتت وركضت إلى الخارج وهي تبكي بحرقة، ململمة ما تبقى من كرامتها الجريحة ومنذ تلك الليلة، انفرط عقد الخطوبة، وعناداً فيه، وكسراً لقلبها، وافقت على أول عريس تقدم لها "عادل"، الرجل الذي ظنته سيمحو إهانة محمود، فكان هو العقاب الذي دفعت ثمنه غالياً من دمها وأعصابها.
عودة إلى الحاضر
ــــــــــــــــــــــــــــ
فتح محمود عينيه، وتنفس الصعداء بصعوبة، والندم يأكل قلبه كما يأكله كل يوم منذ سنوات وضع رأسه بين كفيه وهمس بصوت يملؤه القهر:
"أنا اللي ضيعتك من إيدي بسبب لحظة ضعف ونزوة غبية، رميتك في الجحيم ده يا رجاء بس وحياة دموعك اللي نزلت زمان وانهاردة، ما هسيبك، وهيدفع التمن مهما كان."
عادت العمة رجاء إلى بيتها في المساء، تاركة رجاء في شقتها الأرضية.
وقفت رجاء في وسط الصالة، نظرت إلى أطفالها النائمين بسلام، ثم توجهت نحو باب المحل المقفول أمسكت بقفل الحديد الصدئ، وقالت بنبرة تملؤها التحدي:
"بكرة.. بكرة القفل ده يتكسر، ومحل رأفت الجمال للخياطة هيرجع يفتح من تاني، ورزق عيالي هجيبه بدراعي يا شادية، وأعلى ما في خيلك وخيل مجدي اركبوه."
يتبع...


تعليقات
إرسال تعليق