U3F1ZWV6ZTM5MTc3MDA0NzM0MDI0X0ZyZWUyNDcxNjI0MjI1NTU3Mw==

عشق أسود بقلم مايا خالد

  عشق أسود بقلم مايا خالد



عشق أسود بقلم مايا خالد

​في قلب منطقة مهجورة، كانت ساندرا بتجري وهي بتلحق أخر ميكروباص، المطر كان مغرق هدومها ومخليها مش شايفة قدامها. فجأة، وهي بتلف ورا سور قديم، خبطت في صدر صلب زي الحديد.
​من قوة الخبطة وقعت لورا، وشنطتها اتفتحت وكل ورقها وحاجتها اتطرت في الطين. رفعت عينها وهي بتنهج بوجع، شافت راجل طويل، لابس بالطو أسود طويل، ملامحه كانت حادة كأنها منحوتة من صخر، وعيونه سودة لدرجة تخوف.
​ده كان حمزة.. اللي كان في اللحظة دي بيخلص “شغلانة” مشبوهة في المنطقة. بص لها بنظرة خلت الدم يهرب من عروقها، وقبل ما تنطق، لمح “كارنيه الكلية” بتاعها واقع تحت رجله.. مكتوب عليه بخط واضح: (ساندرا محمود – كلية فنون جميلة).
​حمزة وطى ببطء، شال الكارنيه ومسح الطين من على صورتها بصباعه الكبير وهو باصص لعيونها المرعوبة. ساندرا مدت إيدها بترعش: “أنا.. أنا أسفة، مكنتش شايفة.. لو سمحت الكارنيه.”
​حمزة مرفعش عينه من على صورتها، وقال بصوت رخيم وهادي بزيادة: “ساندرا.. اسم رقيق على بنت متهورة زيك.”
​ساندرا خافت من طريقته وسحبت الكارنيه من إيده بسرعة ولمت حاجتها وهي بتترعش وجريت من قدامه وهي حاسة بنظراته خارقة ضهرها.
​بعد يومين..
​ساندرا كانت قاعدة في كافيتيريا الكلية، وفجأة لقت “بوكيه ورد” أسود غريب محطوط قدامها، ومعاه ظرف صغير مكتوب فيه جملة واحدة: “اللي حمزة السيوفي بيحط عينه عليه.. بيبقى ملكه للأبد.” بقلم مايا خالد
​ساندرا قلبها سقط في رجليها، وبدأت تلتفت حواليها برعب، لقت عربية سوداء بفيوميه واقفة بعيد قدام باب الكلية، والشباك نزل حتة صغيرة.. وظهرت عيون حمزة وهي بتراقبها ببرود وتملك مرعب.
​حمزة مكنش بس عرف اسمها، ده في ظرف ساعتين كان عنده ملف كامل فيه عنوان بيتها، أسماء صحابها، وحتى روتين يومها بيمشي ازاي. هو مكنش عايزها “حب من أول نظرة”، هو قرر إنها “فريسة” دخلت مملكته بالصدفة، وقوانين مملكته بتقول إن اللي بيدخلها مبيخرجش منها أبداً.
الرعب الحقيقي بدأ لما ساندرا روحت بيتها البسيط. كانت بتحاول تقنع نفسها إن اللي بيحصل ده مجرد كابوس وهتصحى منه. دخلت شقتها، قفلت الباب بالمزلاج وبترابيس كتير، وسندت ضهرها عليه وهي بتنهج، وقلبها بيدق زي الطبلة.
​طلعت تليفونها عشان تكلم صاحبتها تحكيلها، بس لقت رسالة من رقم مجهول: “قفلي الشبابيك كويس يا قطة.. المطر لسه مخلصش.”
​ساندرا صرخت ورمت التليفون من إيدها. بصت حواليها برعب، وبدأت تجري على شبابيك الشقة تقفلها واحد ورا التاني، وتشد الستائر المتهالكة عشان تغطي أي فتحة ممكن حد يبص منها. كانت حاسة إن حيطان بيتها مبقتش أمان، وإن فيه عيون بتراقبها من كل زاوية.
​فتحت تليفونها تاني بترعش، ولقته باعت صورة لشبّاك أوضتها من بره! وصورة تانية ليها وهي قاعدة في الصالة، واضحة جداً كأن اللي مصورها واقف معاها في الأوضة!
​كتبت بصباع بيترعش: “أنت مين؟ وعايز مني إيه؟ سيبني في حالي!”
​الرد جه بسرعة: “أنا حمزة السيوفي.. وأنتي، بقيتي حالي.” بقلم مايا خالد
​وفي نفس اللحظة، النور قطع في الشقة كلها. ساندرا صرخت من الرعب واستخبت ورا الكنبة، ضامة رجليها لصدرها وبتعيط بانهيار. سمعت صوت حركة خفيفة بره الباب.. صوت مفتاح بيدور في القفل!
​الباب اتفتح ببطء، وظهر خيال طويل وضخم في ضلمة الطرقة. النور جه فجأة، ووقف حمزة قدامها، لابس قميص أسود مفتوح أول زرارين منه، وعيونه فيها نظرة تملك وبرود تخلي الدم يتجمد.
​ساندرا وهي بتترعش وبترجع لورا: “أنت.. دخلت هنا إزاي؟ اطلع بره! هصوت وألم عليك الناس!”
​حمزة ضحك ضحكة واطية ومرعبة، ومشي بخطوات بطيئة وواثقة ناحيتها، وكل خطوة كانت بتزود رعبها. وقف قدامها، وطى لمستواها، ومسك دقنها بقسوة ورفع وشها ليه: “صوتي براحتك.. مفيش حد في العمارة دي يقدر يرفع عينه فيا، ولا حتى الشرطة اللي أنتي فاكرة إنها هتحميكي.”
​ساندرا بدموع: “أنت عايز مني إيه؟ أنا عملتلك إيه؟”
​حمزة قرب وشها من وشه، أنفاسه السخنة كانت بتحرق بشرتها، وقال بصوت فحيح الأفعى: “أنتي مخبطتيش فيا وبس يا ساندرا.. أنتي دخلتي منطقتي، وحطيتي رجلك في أرضي. وقوانين أرضي بتقول إن اللي بيدخلها مبيخرجش منها غير بمزاجي.. وأنا مش ناوي أخرجك.”
​مسح دموعها بصباعه الكبير بحنية مزيفة ومرعبة: “أنتي دلوقتي ملك لـحمزة السيوفي.. كل نفس بتتنفذيه، كل خطوة بتخطيها، كل ضحكة بتضحكيها.. مسموحة بس لو أنا وافقت عليها. والغيرة اللي جوايا عليكي دلوقتي.. ممكن تحرق الدنيا دي كلها لو حد فكر بس يبصلك نظرة غلط.”
​ساندرا كانت حاسة إنها بتقع في بير غويط ملوش قرار، وإن الوحش اللي قدامها ده مش هيرحم براءتها، وهيحول حياتها لجحيم من التملك والسيطرة.
​حمزة محركش عينه من عليها، نظراته كانت بتاكل ملامحها المخطوفة من الرعب. ساندرا كانت بتترعش لدرجة إن سنانها بتخبط في بعضها، وحاسة إن الهوا في الأوضة بدأ يخلص.
​حمزة ببرود مرعب سحب كرسي وقعد قدامها، وسند بقلم مايا خالد كوعه على ركبته وهو بيلعب بولاعة دهب في إيده: “بصي يا ساندرا.. أنا مش بتاع لف ودوران. العمارة دي كلها بقت ملكي من ساعة ونصف، والبواب اللي كنتي بتصبحي عليه الصبح، دلوقتي شغال عندي.. يعني مفيش نملة هتدخل هنا من غير علمي.”
​ساندرا صوتها طلع بالعافية وسط شهقاتها: “أنت مجنون.. أنت عايز مني إيه؟ أنا مجرد طالبة، معنديش حاجة تديها لك!”
​حمزة قام وقف فجأة، وطوله الفارع غطى عليها تماماً، قرب منها لحد ما ضهرها لزق في الحيطة، وحاوطها بإيديه الاتنين: “عايز البراءة اللي في عينيكي دي.. عايز الخوف اللي بيترعش في صوتك ده يبقى ليا لوحدي. ملمحكيش بتضحكي مع حد في الكلية، ملمحكيش واقفة مع حد.. فاهمة؟”
​ساندرا حاولت تذقه بضعف: “أنت مريض.. ابعد عني!”
​حمزة قبض على إيدها بقوة ولفها ورا ضهرها، وقرب من ودنها وهمس بصوت زي الفحيح: “الكلمة دي متكرريهاش تاني.. أنا مش مريض، أنا صاحب ملك. ومن بكرة، هتروحي كليتك بسواق وحراسة، وأي حد هيحاول يقرب منك أو يكلمك.. اعتبريه مابقاش موجود على وش الدنيا.”
​ساندرا عيطت أكتر: “حرام عليك.. سيبني في حالي، أنا بخاف منك!”
​حمزة ابتسم ابتسامة جانبية غامضة، ولمس شعرها بحنية تخوف: “الخوف ده هو اللي محببني فيكي.. الخوف بيخليكي رقيقة وزي القطة في إيدي. نامي دلوقتي يا ساندرا، وقدام الباب فيه اتنين رجالة مش هيتحركوا.. أي حاجة تحتاجيها اطلبيها منهم، بس لو فكرتي تهربي.. صدقيني العقاب مش هيعجبك.”
​سابها وخرج بكل برود، وقفل الباب وراه بالمفتاح من بره. ساندرا اترمت على الأرض بانهيار، حاسة إنها بقت جارية في قصر الوحش، وإن حياتها الهادية البسيطة انتهت للأبد وبقت مجرد “لعبة” في إيد حمزة السيوفي.
​بليل، وهي قاعدة في ضلمة أوضتها، سمعت صوت رسالة تانية.. فتحتها لقت صورة ليها وهي نايمة بقلم مايا خالد على الأرض وبتعيط، ومكتوب تحتها: “حتى وانتي بتعيطي.. ملكي.”
​تاني يوم الصبح، ساندرا صحيت على صوت خبط رزين ومنتظم على باب الشقة. قامت مفزوعة، لقت نفسها كانت غفيت على الأرض من كتر التعب والعياط. فتحت الباب بتردد، لقت راجل ضخم لابس بدلة سوداء ونضارة شمس، مد إيده بشنطة هدايا فخمة وعليها علامة تجارية غالية جداً.
​الراجل بصوت آلي: “حمزة بيه باعتلك اللبس ده، وبيقولك قدامك نص ساعة وتكوني جاهزة.. السواق مستني تحت عشان يوصلك الكلية.”
​ساندرا قفلت الباب وهي حاسة إنها بتتحرك زي العروسة اللعبة. فتحت الشنطة لقت فستان محتشم بس شيك جداً وغالي، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط تقيل وواضح: “البسي ده.. مش عايز ملامح جسمك تبان لأي عين غير عيني.. حمزة.”
​ساندرا لبست وهي حاسة بالذل، ونزلت لقت عربية مرسيدس سوداء فامييه واقفة، والحراس فتحوا لها الباب كأنها ملكة، بس ملكة في سجن.
​وصلت الكلية، وكل الأنظار كانت عليها. العربيات والحراسة خلوا الكل يبعد عنها بخوف. دخلت المدرج وقعدت في آخر بنج، وهي بتحاول تستخبى من نظرات الناس. فجأة، واحد زميلها في الدفعة اسمه “زياد” قرب منها بحسن نية:
“ساندرا؟ إيه البريستيج ده كله! خضينا عليكي، كنتي فين بقالك يومين؟”
​ساندرا بوش شاحب: “زياد.. ارجوك ابعد عني دلوقتي، مش وقت كلام.”
​زياد باستغراب: “في إيه يا بنتي؟ أنا بس كنت عايز أقولك إن المحاضرات اللي فاتتك معايا..”
​قبل ما يكمل جملته، لقى إيد حديدية بتتحط على كتفه وبتلفه بعنف. كان واحد من رجالة حمزة، وبص له بنظرة موت: “الباشا قال مفيش كلام مع الهانم.. اتفضل من غير شوشرة عشان متزعلش.”
​زياد اتنفض وجري من قدامها، وساندرا حست بالأرض بتلف بيها. طلعت تليفونها وصورت رسالة لحمزة: “أنت بتعمل إيه؟ أنت بتبوظ حياتي! سيبني أعيش طبيعي!”
​الرد جه في ثانية، كأنه كان مستنيها:
“حياتك الطبيعية انتهت من يوم ما خبطتي في صدري يا ساندرا. وزياد ده.. اعتبريه خد إنذار، المرة الجاية مش هيمشي على رجله تاني. ركزي في محاضرتك.. أنا شايفك دلوقتي.”
​ساندرا رفعت عينها برعب، لقت “كاميرا” صغيرة جداً متركبة في سقف المدرج فوق راسها بالظبط، واللمبة الحمراء بتاعتها بتنور وتطفي.. حمزة مش بس مراقبها برجالته، ده قاعد ورا شاشاته بيتفرج على كل رمشة عين منها وتملك الغيرة بياكل قلبه.
​خلصت المحاضرة، وخرجت تجري وهي بتعيط، مشيت في ممر الكلية الضلمة وهي بتدور على أي مخرج تهرب منه بعيد عن السواق، وفجأة إيد قوية سحبتها لجوه أوضة الرسم المهجورة وقفتلت الباب.
​ساندرا لسه هتصوت، لقت إيد حمزة بتكتم بقها، وضهرها ملزوق في الحيطة وهو حابسها بجسمه كله: “كنتي رايحة فين يا قطة؟ فاكرة إن فيه مكان في الدنيا دي ممكن يداريكي مني؟”
​حمزة كان بيتنفس بصعوبة، وصدره بيطلع وينزل من بقلم مايا خالد الغضب المكتوم. عينيه السودة كانت بتلمع بوميض غريب، مزيج بين التملك والجنون. ضغط بجسمه أكتر عليها لحد ما ساندرا حست إن عضمها هيتكسر، وهمس بصوت واطي ومرعب جنب ودنها:
​”أنا قولت إيه الصبح؟ مش قولت ملمحكيش واقفة مع حد؟ زياد ده حسابه معايا تقل.. وأنتي حسابك معايا دلوقتي.”
​ساندرا كانت بتترعش تحت إيده، ودموعها غرقت كف إيده اللي كتم بقها. شال إيده ببطء وهو مثبت نظراته في عينيها: “ردي عليا.. كنتي بتهربي ليه؟ فاكرة إن السواق غبي؟ ولا فاكرة إنك أشطر من رجالة حمزة السيوفي؟”
​ساندرا بشهقة وبصوت متقطع: “أنا مبقتش طايقة أعيش كدة! أنت حابسني.. الكل خايف مني، وصاحبي زياد ملوش ذنب، ده مجرد زميل!” بقلم مايا خالد
​بمجرد ما نطقت اسم “زياد”، حمزة قبض على دراعها بعنف ولفه ورا ضهرها، وقرب وشها منه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت: “متنطقيش اسمه تاني! فاهمة؟ أي راجل هيقرب منك هو ميت.. وأي لمحة اهتمام منك لغيري هحرق بيها الدنيا. أنتي بتاعتي، فاهمة يعني إيه بتاعتي؟ يعني حتى تفكيرك لازم يكون فيا أنا وبس!”
​ساندرا بضعف وبكاء: “أنت وحش.. أنا بكرهك يا حمزة، بكرهك!” بقلم مايا خالد
​حمزة ضحك ضحكة باردة ومستفزة، ولمس شفايفها بصباعه ببطء: “اكرهيني براحتك.. الكره شعور قوي، زيه زي الحب بالظبط. المهم إنك مش قادرة تشيلي عيني من عليكي. وأنا يا ساندرا، معنديش مانع أعيش وحش في نظرك، المهم إنك تفضلي محبوسة في مملكتي.”
​فجأة، طلع من جيبه “سلسلة” دهب رقيقة جداً، بس فيها قفل صغير وشكله غريب. لفها حوالين رقبتها بتمكن، وصوت القفل وهو بيقفل كان ليه رنة خلت جسمها يتنفض. بقلم مايا خالد
​ساندرا مسكت السلسلة برعب: “إيه دي؟”
​حمزة بابتسامة تملك: “دي علامة إنك تخصيني. السلسلة دي فيها جهاز تتبع (GPS) مبيفصلش، ولو حاولتي تقطعيها أو تشيليها، هيوصلي إنذار.. ووقتها، مش هحبسك في شقتك، هحبسك في قلبي، في مكان ملوش شبابيك ولا بيبان.”
​بعد عنها خطوة واحدة، وعدل جاكيت بدلته بكل برود وكأن مفيش حاجة حصلت: “دلوقتي هتخرجي تمسحي دموعك دي، وتركبي العربية. السواق هيوديكي تشتري لبس جديد.. طبعاً على زوقي أنا. وبالليل.. استنيني، لأني هتعشى معاكي في بيتك.”
​سابها وخرج من أوضة الرسم وساب ريحة برفانه القوية محاصرة المكان، وساندرا وقفت مكانها مشلولة، حاسة إن السلسلة اللي في رقبتها دي مش مجرد دهب، دي حبل مشنقة بيخنق براءتها يوم ورا يوم.
​بليل، الشقة كانت هادية زيادة عن اللزوم، لدرجة إن صدى صوت المطر بره كان بيعمل رعشة في جسم ساندرا. كانت قاعدة بقلم مايا خالد على الكنبة ولابسة فستان أسود من اللي حمزة اشتراهولها، كان مقفول لحد الرقبة بس مرسوم على جسمها بدقة خلتها تحس إنها متكتفة.
​فجأة، سمعت صوت القفل بيدور.. قلبتها اتنفضت. دخل حمزة، وبمجرد ما خطى عتبة الباب، ريحة القوة والتملك ملت المكان. كان قالع الجاكيت وفاتح صدر قميصه، وفي إيده شنطة فيها أكل من أفخم المطاعم.
​حط الأكل على السفرة وبص لها نظرة فحص دقيقة، من أول شعرها لحد السلسلة اللي في رقبتها، وابتسم ابتسامة نصها إعجاب ونصها خطر: “شاطرة.. بتسمعي الكلام. الفستان عليكي يجنن، بس ياريت ملمحكيش لابساه بره، ده ليا أنا وبس.”
​ساندرا وقفت بضعف: “حمزة.. كفاية لحد كدة. أنت أخدت كل حاجة، حريتي، صحابي، حتى لبسي.. عايز مني إيه تاني سيبني في حالي ؟”
​حمزة مشي ناحيتها ببطء، وكل خطوة كانت بتمحي المسافة بينهم لحد ما بقى قدامها بالظبط. رفع إيده ولمس وشها بظهر صوابعه، وبنبرة واطية ومرعبة قال: ” بقلم مايا خالد عايزك تعترفي إنك بقيتي ملكي.. عايز أشوف في عينيكي إنك خلاص استسلمتي للوحش .”
​ساندرا لفت وشها عنه بدموع: “مش هيحصل.. هفضل أكرهك.”
​حمزة ببرود، مسك دراعها وشدها ناحية السفرة: “طب اقعدي كلي.. ولا تحبي آجي أأكلك بنفسي؟”
​قعدت وهي بتترعش، وحمزة قعد قدامها، بيراقب كل لقمة بتنزل في بوقها كأنه بيعد أنفاسها. وفجأة، تليفونه رن.. بص في الشاشة وملامحه اتغيرت ١٨٠ درجة، بقت قاسية وزي الحجر.
​رد وصوته كان زي الرعد: “خلصوا عليه.. مش عايز أشوف له أثر. اللي يلمس حاجة تخص حمزة السيوفي، ملوش دية.”
​ساندرا سابت الشوكة من إيدها برعب: “أنت.. أنت ق*تلت مين؟ زياد؟”
​حمزة قفل التليفون وبص لها ببرود قاتل: “زياد لسه عايش.. بس اللي كلمك النهاردة في الكلية وحاول ياخد رقمك وأنا مش موجود، هو ده اللي راح في داهية. قولتلك يا ساندرا.. بقلم مايا خالد الغيرة عندي مش مجرد كلمة، دي حكم بالإعدام.”
​ساندرا صرخت وهجمت عليه بتضربه في صدره بانهيار: “أنت مجرم! أنت شيطان! سيبني أمشي من هنا، مش عايزة أشوفك تاني!”
​حمزة مسك إيدها الاتنين بإيد واحدة وحاوط وسطها بالتانية، ورفعها عن الأرض لحد ما بقت في مستواه، وعيونه كانت بتطق شرار: “مش هتخرجي.. سامعة؟ الأرض دي أرضي، والسما دي سمايا، وأنتي النفس اللي بتنفسه. بقلم مايا خالد لو فكرتي تهربي أو حتى تغمضي عينك وتحلمي بغيري، هحرق الأخضر واليابس.” صفحة قصص الحياة
​همس في ودنها وهو بيشدها ليه أكتر: “نامي النهاردة وانتي عارفة إنك ملك الوحش.. وبكرة، هتبدأي حياة جديدة، في مكان ملوش عنوان غير قلبي.”
​ساندرا غابت في نوبة عياط وهي بين إيديه، حاسة بقلبه بيدق بقوة مرعبة، وحاسة إنها فعلاً ضاعت في وسط سواد المافيا وتملك حمزة اللي ملوش آخر.حمزة ملقاش رد فعل منها غير الشهقات اللي بتقطع قلبه، بس قلبه مكنش بيعرف يحن، كان بيعرف “يمتلك” وبس. شالها بين إيديه كأنها ريشة، رغم مقاومتها الضعيفة وضرباتها اللي مكنتش بتأثر في صدره الحجر.
​ساندرا بصريخ مكتوم: “نزلني! رايح بيا فين؟ حمزة نزلني!”
​حمزة وهو ماشي بيها لبره الشقة وبكل برود: “الشقة دي مبقتش أمان عليكي.. ولا بقت كفاية ليا. أنتي مكانك من النهاردة في مملكتي، تحت عيني وفي حضني، مش في شقة أي حد يوصل ليكي فيها.”
​نزل بيها والرجالة فتحوا باب العربية المرسيدس السوداء، رمى ساندرا في الكنبة الورانية وقعد جنبها، وقفل الأبواب “سنتر لوك” بصوت خلى قلبها يتنفض. العربية طلعت تجري وسط الشوارع والبرق بيشق السما.
​ساندرا كانت لازقة في الشباك، بتبص على الشوارع وهي حاسة إنها بتودع حياتها: “أهلي.. هيقولوا إيه؟ هتقولهم خطفتني؟”
​حمزة ببرود وهو بيولع سيجارته: “أهلك جالهم خبر إنك سافرتي منحة تبع الكلية لـ ٣ شهور.. وفلوس المنحة وصلت لحساب والدك الصبح. يعني محدش هيسأل عليكي، ومحدش هيعرف مكانك.”
​ساندرا لفت بذهول: “أنت خططت لكل ده؟ من يوم ما خبطت فيك؟”
​حمزة نفخ دخان السيجارة وبص لها بنظرة مرعبة: “من اللحظة اللي شوفت فيها الخوف في عينيكي.. عرفت إنك مش هتكوني لغيري. الغيرة عندي مش إن حد يلمسك يا ساندرا.. الغيرة عندي إن حد يفكر بس إنك ممكن تكوني متاحة.”
​العربية وقفت قدام “قصر” مهيب، محاوط بسور عالي وكشافات وحراسة في كل شبر. نزل وسحبها من إيدها ودخل بيها القصر. المكان كان عبارة عن فخامة غامقة، أسود ورخام ونجف كريستال بس بيدي إضاءة خافتة زيه.
​طلع بيها للدور التاني، وفتح باب أوضة واسعة جداً، كانت مجهزة بكل حاجة ممكن تحلم بيها أي بنت، بس مفيش فيها ولا شباك واحد بيطل على الشارع.. كلها “مناور” سقفية متغطية بحديد.
​حمزة وقف على الباب ورمى المفاتيح على السرير: “دي مملكتك.. ممنوع تخرجي من الأوضة دي غير بإذني، وممنوع تفتحي تليفونك غير لما أنا أقولك. الخدم هيجيبوا لك أكلك وشربك لحد عندك.”
​قرب منها ومسك السلسلة اللي في رقبتها، شدها ببطء لحد ما وشها بقى قصاد وشه: “لو حاولتي تأذي نفسك، أو تهربي.. العقاب مش هيكون ليكي، العقاب هيكون لأي حد ساعدك أو فكر يمد إيده ليكي. نامي يا ساندرا.. وأحلمي بيا، لأن مفيش حد تاني مسموح لك تحلمي بيه.”
​رزع الباب وراه وقفل بالمفتاح، وساندرا وقفت في نص الأوضة الواسعة، حاسة إنها بقت “عصفورة” في قفص دهب، بس صاحب القفص ده “وحش” مبيشبعش من التملك.ساندرا فضلت واقفة مكانها وسط الأوضة الفخمة، بتبص للحيطان اللي حساها بتطبق على نفسها. مكنتش قادرة تستوعب إن حياتها اتسرقت في لحظة. مشيت بخطوات تقيلة ناحية السرير، اترمت عليه وفضلت تعيط لحد ما دموعها نشفت وعينيها غفلت من كتر التعب.
​بعد كام ساعة، صحيت على صوت تكة الباب وهو بيتفتح ببطء. النور كان خافت جداً، مفيش غير إضاءة الأباجورات اللي مديّة لون أحمر غامق للمكان. قعدت مفزوعة وهي بتلم جسمها وبترجع لضهر السرير.
​ظهر خيال حمزة.. كان قالع الجاكيت وشامر كمام قميصه الأسود، وفي إيده كاس ميه. قعد على طرف السرير بكل برود، وعينه كانت بتلمع في الضلمة زي عيون النمر اللي بيراقب فريسته.
​حمزة بصوت واطي ومبحوح: “صحيتي يا قطة؟ نمتي كتير.. والقصر من غيرك كان هادي زيادة عن اللزوم.”
​ساندرا بصوت مرعوش: “أنت عايز مني إيه تاني؟ حبستني في قفص.. أهلي وبعتّ ليهم فلوس وكدبت عليهم.. لسه فيه إيه مخدتوش؟”
​حمزة قرب منها ببطء، ومد إيده لمس خصلة من شعرها ولفها على صباعه بتملك: “عايزك تستسلمي.. عايزك لما تشوفيني، قلبك يدق خوف وشوق في نفس الوقت. عايزك تعرفي إن مفيش راجل في الدنيا دي يقدر يلمس شعرة منك وأنا عايش.”
​ساندرا زقت إيده بضعف: “أنت مريض.. الغيرة دي مرض! أنت بتق*تل وبتحبس وبتاخد اللي مش حقك!”
​حمزة ملامحه اتصلبت فجأة، وقبض على فكها بإيده بقوة خلتها تفتح بوقها من الوجع: “الغيرة عندي هي اللي مخلياني محافظ عليكي لحد دلوقتي يا ساندرا.. لو مكنتش غيور عليكي، كان زماني رميتك للكلاب بره. بس أنتي.. أنتي بقيتي حتة مني، وأنا مفرطش في حتة من جسمي أبدًا.”
​قام وقف وسحبها من إيدها بعنف ووقفها قدام مراية كبيرة بطول الحيطة: “بصي لنفسك.. شوفتي السلسلة دي؟ شوفتي العلامة اللي على رقبتك من إيدي؟ دي صكي الملكية بتاعي. من النهاردة، مفيش كلية، مفيش خروج، مفيش تليفون. حياتك بتبدأ من أول ما أدخل الأوضة دي، وبتنتهي أول ما أخرج منها.”
​ساندرا بانهيار: “يعني أنا جارية عندك؟”
​حمزة ابتسم ابتسامة مرعبة وقرب من ودنها وهمس: “أنتي ملكة.. بس في مملكة حمزة السيوفي الممنوع دخولها. وأي حد هيفكر بس يرفع عينه في سور القصر ده، همحيه من على وش الأرض.”
​طلع “ريموت” صغير من جيبه وضغط على زرار، فجأة الحيطة اللي قدام السرير اتفتحت وظهرت شاشات عملاقة بتعرض كاميرات المراقبة اللي في كل ركن في القصر وفي أوضتها كمان!
​حمزة ببرود: “أنا شايفك وأنا في مكتبي، وأنا في عربيتي، وأنا في أخر الدنيا. مفيش نفس بتتنفسيه من غير ما أعرفه. الغيرة خلتني أبني ليكي سجن من تكنولوجيا، عشان أضمن إنك ليا.. وليا لوحدي.”
​ساندرا وقعت على ركبها قدام الشاشات وهي بتصرخ، وحمزة وقف وراها وحط إيده على كتفها بتملك مرعب، وهو بيبص لخياله وخيالها في المراية كأنه بيعلن انتصاره النهائي على براءتها.
​حمزة وقف وراها، وبكل برود سحب “ريموت” تاني وقفل الشاشات، رجعت الأوضة لضلمتها الهادية المرعبة. وطى وشالها من على الأرض وهي منهارة، وحطها على السرير وغطاها كأنها طفلة صغيرة، بس نظرة عينه كانت نظرة صقر لقى فريسته ومش ناوي يسيبها.
​حمزة بصوت واطي ومبحوح: “نامي يا ساندرا.. العياط بيخلي عيونك تدبل، وأنا عايز عيونك دي تفضل صاحية عشان تشوفيني أنا بس.”
​خرج وقفل الباب، وساندرا فضلت باصة للسقف وهي حاسة إن الحيطان بتضيق عليها. مرت أيام وساندرا محبوسة في الأوضة، الأكل بيدخل لها مع “دادة” عجوزة مابتنطقش كلمة واحدة، والشبابيك متقفلة بحديد مبيتفتحش.
​في يوم، الباب اتفتح ودخل حمزة، بس المرة دي كان شكله مختلف.. قميصه فيه بقع دم، وعيونه حمراء من السهر والغضب. أول ما شافها، هجم عليها ومسك دراعاتها الاتنين وثبتها في الحيطة.
​حمزة بنهج وغضب مكتوم: “كنتي بتفكري في مين وأنا بره؟ انطقي! كنتي بتتمني مين ينقذك مني؟”
​ساندرا برعب: “والله ما فكرت في حد! أنا هنا لوحدي، أنت حابسني!”
​حمزة ضغط على دراعها أكتر: “كدابة! ريحة الخيانة في كل حتة.. أنا ق*تلت تلاتة النهاردة عشان بس شكيت إنهم عرفوا مكانك. الغيرة بتاكل في قلبي يا ساندرا، حاسس إن العالم كله طمعان فيكي، حاسس إن الهوا اللي بتتنفسيه بيشاركني فيكي!”
​ساندرا بدموع وانهيار: “أنت مجنون.. أنت محتاج علاج! سيبني أمشي، أنا بموت هنا!”
​حمزة ضحك ضحكة وجع مرعبة وقرب وشها منه: “تموتي؟ لو موتي هتدفن معاكي.. مش هسيب القبر يضمك لوحدك. أنتي النفس اللي بيخليني أعيش وسط القرف اللي أنا فيه. البراءة اللي فيكي دي هي اللي بتغسل وسخ إيديا.”
​فجأة، نبرة صوته اتغيرت وبقت هادية بشكل يخوف، لمس خدها بحنية: “عارفة.. أنا عملت لك مفاجأة. جهزت لك مرسم تحت في الجنينة المحوطة بسور القصر. هتنزي ترسمي، بس تحت عيني.. وتحت حراسة متغفلش ثانية.”
​ساندرا شافت في عينيه “هوس” ملوش أخر. نزل بيها الجنينة، كانت جنينة غابة، أشجارها عالية ومقفولة بسلك شائك وكهرباء. قعدت قدام اللوحة وهي بتمسك الفرشة بإيد بترعش، وحمزة قعد وراها على كرسي، بيشرب سيجاره وبيراقب كل حركة من إيدها.
​ساندرا بدأت ترسم.. رسمت “قضبان”، رسمت “عين كبيرة” بتبص عليها، ورسمت “عصفور” ميت.
​حمزة قام ووقف وراها، بص للرسمة وضغط على كتفها بتمكن: “جميلة.. بس العصفور ده مش ميت، العصفور ده “محمي”. وأنا العين اللي بتحرسك من الدنيا.”
​وفجأة، سمعوا صوت “ضرب نار” بعيد عند بوابة القصر. حمزة ملامحه اتحولت لوحش، سحب مسدسه من ضهره وفي ثانية كان شادد ساندرا وراه: “لو حد فكر يقرب من ملكي.. هحرق القصر بيكي وباللي فيه!”
​يتبع بقلم مايا خالد
عشق اسود بقلم مايا خالد الجزء الثاني
صوت الرصاص كان بيقرب، والكلاب في الجنينة بدأت تنبح بهستيريا. حمزة سحب ساندرا من وسط لوحاتها بعنف، دراعها كان هيتخلع في بقلم مايا خالد إيده وهو بيجري بيها ناحية القصر.
​ساندرا بصرخة رعب: “في إيه؟ مين دول؟ سيبني يا حمزة!”
​حمزة وهو بيحطها ورا ضهره وعينه بتمسح المكان زي الرادار: “اثبتي مكانك! اللي يقرب من ساندرا السيوفي بيمضي على شهادة وفاته قبل ما يخطو خطوة واحدة.”
​فجأة، ظهر “ياسين”.. عدو حمزة اللدود، وواحد من أكبر رؤوس المافيا المنافسة. وقف ورا السلك الشائك ومعاه جيش من الرجالة المسلحة، وضحك ضحكة مستفزة: “بقى هي دي؟ هي دي اللي خلت الوحش ينسى شغله ويقعد يراقب لوحات رسم؟ حمزة السيوفي بقاله نقطة ضعف.. ودي هديتي للسوق كله.”
​حمزة عروق رقبته برزت وصوته بقى زي الرعد: “ياسين.. لو لمحت طيفك بيقرب من سنتيمتر واحد من أرضي، هخلي عيلتك كلها خبر كان. ساندرا ملكي.. وأي حد بيفكر يلمس ملكي، نهايته مأساوية.”
​ياسين رفع س*لاحه ببرود: “مش هلمسها.. أنا بس هاخدها، عشان أحرق قلبك بيها.”
​وفي لحظة، الغابة اتحولت لساحة حرب. الرصاص كان بيمطر من كل حتة. حمزة شال ساندرا ودخل بيها لممر سري تحت الأرض جوه القصر، قفل الباب الحديدي الضخم وسند ضهره عليه وهو بينهج، ودمه كان سايل من جرح بسيط في كتفه.
​ساندرا شافت الدم وصرخت، بس المرة دي مكنش رعب منها، كان خوف غريب عليه: “حمزة! أنت بتنزف!”
​حمزة بص لها بعيون حمراء، وقرب منها لحد ما لزقها في باب الممر السري، وبدل ما يتألم، ابتسم ابتسامة مرعبة: “خايفة عليا؟ ولا خايفة إن الوحش اللي حاميكي يموت وتبيعي لغيره؟”
​ساندرا بدموع: “أنت مجنون.. أنت بتموت وبتقول كدة؟”
​حمزة قبض على وسطها بإيد، وبالتانية مسك وشها وهو بيلطخ خدها بدمه اللي على إيده: “مش هتموت ساندرا غير وهي في حضني. الغيرة اللي جوايا دلوقتي مخلية وجع الرصاص ده زي الشكة.. أنا مستعد أحارب جيوش عشان محدش يشوف شعرة منك.”
​فجأة، سحبها ودخل أوضة ضلمة جوه الممر، كانت مليانة أسلحة وشاشات مراقبة تانية. قعدها على كرسي وربط إيدها في الكرسي بـ “كلبش” حديد!
​ساندرا بذهول: “بتعمل إيه؟ أنت هتربطني وتخرج تسيبني؟”
​حمزة وهو بيعمر س*لاحه التاني وبنبرة تملك قاطعة: “هخرج أحرقهم.. وأنتي هتفضلي هنا، متكتفة، عشان أضمن إنك مش هتحاولي تهربي في الزحمة. لو مت بره.. الأوضة دي هتفضل مقفولة عليكي، مفيش حد بقلم مايا خالد في الدنيا هيوصلك غيري، لا في الدنيا ولا في الآخرة.” بقلم مايا خالد
​بصلها نظرة أخيرة فيها هوس وعشق مريض، وخرج وسابها محبوسة في الضلمة، تسمع صوت الانفجارات بره وهي مش عارفة.. هل الوحش هيرجع يكمل سجنه ليها، ولا هتموت وهي شايلة اسمه؟
​الضلمة في الممر السري كانت تقيلة، وساندرا كانت بتسمع ضرب النار بره كأنه رعد مش عايز يخلص. الكلبش الحديد كان بيحز في إيدها كل ما تحاول تتحرك، وصوت نفسها العالي كان هو الحاجه الوحيدة اللي مونسة وحدتها ومرعباها في نفس الوقت.
​فجأة، صوت الانفجارات هدي.. وحل سكون مخيف. ساندرا فضلت باصة للباب الحديد وهي بتدعي، مش عارفة بتدعي لمين؟ للوحش اللي حبسها ولا للقدر اللي رماها في طريقه؟
​سمعت صوت خطوات تقيلة وبطيئة.. “تك.. تك.. تك..” الخطوات كانت بتقرب من باب الأوضة. الباب اتفتح ببطء، وظهر خيال حمزة. كان منظره يرعب؛ قميصه غرقان دم، ووشه عليه آثار بارود، وفي إيده مسدسه لسه بيطلع دخان.
​حمزة وقف على الباب، وبص لساندرا نظرة خلت جسمها يتنفض. مشي ناحيتها ببطء، ووقف قدامها وهو بينهج نهجان غريب. مد إيده وفتح الكلبش ببرود، وسحبها من إيدها وقفها قدامه.
​ساندرا برعشة: “حمزة.. أنت.. أنت كويس؟ ياسين فين؟”
​حمزة ضحك ضحكة مكتومة ومرعبة، وقرب وشها منه لحد ما لزق جبهته في جبهتها: “ياسين مابقاش ليه وجود على وش الأرض.. مفيش حد فكر يلمس حاجة تخصني وفضل عايش عشان يحكي.”
​ساندرا دموعها نزلت: “الدم ده كله منك؟”
​حمزة قبض على وسطها بإيد واحدة ورفعها ليه، كأنه بيأكد لنفسه إنها لسه موجودة، وبصوت أجش مليان تملك: “الدم ده تمن غالي دفعته عشان أضمن إن مفيش عين تانية هتشوفك.. الغيرة اللي كانت بتاكل فيا وأنا بره وبحاربهم عشانك، كانت أصعب من الرصاص اللي دخل جسمي.”
​سحبها وخرج بيها من الممر السري، طلعوا للجنينة اللي كانت عبارة عن رماد وج*ثث. حمزة مكنش باصص لكل ده، كان باصص ليها هي وبس. وقف في نص الدمار، ولف دراعه حوالين رقبتها بتملك قاتل:
​”شوفتي يا ساندرا؟ العالم كله ممكن يتحرق، والناس كلها ممكن تموت، بس أنتي هتفضلي هنا.. جوه دايرتي. الوجع اللي في كتفي ده بيفكرني كل ثانية إنك غالية، وأنا مفرطش في الغالي أبداً.”
​ساندرا بضعف: “أنت هتحبسني تاني؟”
​حمزة بابتسامة غامضة ونظرة مهووسة: “الحبس اللي فات كان بروفة.. من النهاردة، أنتي مش بس محبوسة في أوضة، أنتي محبوسة في خيالي. القصر ده هيتبني حواليه سور أعلى، والحراسة هتبقى أضعاف.. ومفيش خروج نهائي، حتى للهوا.”
​شالها ودخل بيها القصر بقلم مايا خالد وهو بيضغط عليها كأنه عايز يدخلها جوه ضلوعه، وهمس في ودنها قبل ما يقفل باب الجناح عليهم: “أنتي النهاردة بقيتي (حرم حمزة السيوفي) قدام ربنا والناس.. والورق اللي مضيتيه وأنتي مغمضة في المنحة كان عقد جوازنا. مبروك يا عروسة الوحش.. السجن بقاله قبالة شرعية دلوقتي.”
​ساندرا صرخت صرخة مكتومة وهي بتكتشف إن الوحش مكنش بس بيحبسها، ده كان بيحاوطها بخطة شيطانية عشان متهربش منه حتى بالقانون.
​دلوقتي ساندرا بقت مراته رسمياً ومحبوسة في مملكته.. ساندرا لقت نفسها في “جناح” جديد، أكبر وأفخم، بس ريحة القيد فيه كانت أقوى. حمزة كان بيتعامل معاها كأنها قطعة ألماظ نادرة، خايف عليها من الهوا، وفي نفس الوقت غيرة بتموته لو لمحت طيف راجل تاني حتى في التلفزيون.
​مر شهر، وساندرا محبوسة، مبيفارقهاش غير “الدادة” وحمزة اللي بيجي كل ليلة محمل بالهدايا واللبس الغالي، كأنه بيحاول يشتري سكوتها وبراءتها.
​في ليلة، ساندرا قررت تلعب لعبة “الاستسلام”. لبست فستان أبيض رقيق، وقعدت تستناه وهي هادية. أول ما دخل حمزة، استغرب الهدوء ده.
​حمزة بشك وهو بيقرب منها: “الهدوء ده وراه إيه يا ساندرا؟ قطتي خربشتها راحت فين؟”
​ساندرا قامت وقفت قدامه، ولأول مرة محاولتش تبعد: “تعبت يا حمزة.. الهروب منك زي الجري في دايرة مقفولة. أنت حبستني في قصرك، وفي اسمك، وفي حياتك. قولي.. الغيرة دي مابتتعبش؟ مابتنامش؟”
​حمزة لف دراعه حوالين وسطها وشدها ليه بعنف، وعيونه كانت بتلمع بهوس: “الغيرة دي هي اللي مخلياني صاحي.. هي اللي بتخليني أحس إنك لسه موجودة. أنتي فاكرة إني ممكن أمل منك؟ أنتي النفس اللي بيطلع ويدخل في صدري، حد بيمل من نفسه؟”
​ساندرا لمست جرح كتفه اللي لسه معلم بوجع: “طب والجرح ده؟ هيفضل يفكرك إنك ممكن تخسرني في ثانية؟”
​حمزة قبض على إيدها وضغط عليها: “مفيش قوة في الأرض تقدر تاخدك مني. ياسين كان درس للكل.. واللي هيفكر بس يهمس باسمك، هقطعلوا لسانه.”
​فجأة، ساندرا همست في ودنه بكلمة واحدة هزت كيانه: “عايزة أخرج.. ولو ساعة واحدة. الجنينة، الهوا.. عايزة أحس إني مش ميتة.”
​حمزة سكت، وملامحه اتصلبت. الغيرة كانت بتقوله “لأ”، بس الحب المريض اللي جواه كان عايز يرضيها.
​حمزة بصوت رخيم: “هتخرجي.. بس تحت عيني. والكلاب اللي بره (الحراس) هيكونوا محاوطين المكان. أي حركة غدر يا ساندرا.. صدقيني، هحبسك في أوضة ضلمة مفيهاش حتى خيالك.”
​نزلوا الجنينة بليل، القمر كان منور، والحراس واقفين زي الأصنام في كل ركن. ساندرا كانت ماشية جنبه، وهو ماسك إيدها بقبضة حديدية كأنه خايف تطير.
​وهي ماشية، لمح “موبايل” واقع من واحد من الحراس على النجيل ببعيد. قلبه دق بسرعة.. دي فرصتها الوحيدة تبعث استغاثة.
​ساندرا بدلع مزيف: “حمزة.. ممكن تجيبلي ميه؟ عطشانة أوي من مشوار الجنينة ده.”
​حمزة بص لها بشك، بس رقتها خلته يضعف: “ثانية واحدة.. ومتحركيش خطوة.”
​أول ما دخل القصر، ساندرا هجمت على الموبايل وخبته في هدومها وهي بتترعش. حمزة رجع لقاها واقفة في مكانها، بقلم مايا خالد ملامحها هادية.. بس عيونها كانت بتلمع بلمعة غريبة.
​حمزة قرب منها ومسح على شعرها: “يلا ندخل.. الجو بدأ يبرد، وأنا مش عايز نسمة هوا تلمسك غيري.”
​دخلوا الأوضة، وحمزة قفل الباب بالمفتاح كالعادة. ساندرا استنت لما نام، وطلعت الموبايل تحت الغطا.. وبدأت تكتب رسالة استغاثة لـ “زياد” زميلها اللي لسه فاكرة رقمه.
​وهي بتدوس “إرسال”، حست بإيد تقيلة بتسحب الموبايل من إيدها ببرود مرعب. رفعت عينها لقت حمزة واقف فوق راسها، وعيونه فيها “سواد” ملوش أخر.
​حمزة بصوت هادي يقطع القلب: “كنت عارف.. كنت عارف إن القطة لسه بتخربش. زياد تاني يا ساندرا؟ لسه بتفكري في غيري وأنتي في حضني؟”
​كسر الموبايل في إيده لـ ١٠٠ حتة، وقرب منها وهو بيفك حزامه: “دلوقتي.. هعرفك يعني إيه تملك حمزة السيوفي بجد. مفيش رحمة بعد النهاردة.”
​حمزة كان هادي بزيادة، والهدوء ده كان أرعب من صريخه. بص لحتت الموبايل المكسورة على الأرض ونفخ بضيق كأنه بيتحكم في بركان جوه صدره. ساندرا كانت بتترعش، ضامة الغطا عليها وبتبص له بعيون مبرقة من الرعب.
​حمزة قرب منها ببطء، قعد على طرف السرير، ومسك فكها بإيده ورفعه ليه: “زياد؟ لسه فاكرة رقمه صم يا ساندرا؟ لسه قلبي بيتحرق بسببه وأنتي قاعدة في بيتي وعلى ذمتي؟”
​ساندرا بانهيار: “أنا كنت عايزة أطمن أهلي بس! والله ما فكرت فيه غير عشان يساعدني أكلمهم!”
​حمزة ضحك ضحكة وجع مرعبة: “تكدبي عليا يا ساندرا؟ الغيرة اللي في دمي دي بتخليني أشم ريحة الكدب من على بعد ميل. أنتي لسه مش مستوعبة إنك بقيتي ملكي.. ملكي يعني روحك دي متسجلة باسمي.”
​قام وقف وسحبها من إيدها بعنف، مشي بيها في طرقة القصر الضلمة وهي بتتكعبل في فستانها وبتعيط. فتح باب “قبو” تحت الأرض، مكان ملوش شبابيك، عبارة عن أوضة معزولة تماماً بالصوت والرؤية، فيها سرير صغير وشاشة عرض كبيرة.
​رماها جوه وقفل الباب الحديدي اللي ملوش أوكرة من جوه. ساندرا خبطت على الباب بصريخ: “حمزة! متسبنيش هنا! أنا بخاف من الضلمة! حمزة!”
​صوت حمزة جه من سماعات الأوضة، كان واطي وبارد: “الضلمة هتعلمك إن مفيش حد هينورك غيري. والشاشة اللي قدامك دي.. هتعرض لك كل حركة في القصر، عشان تشوفي إن مفيش مخلوق هيقدر يوصل لك، وعشان تشوفي (زياد) وهو بيدفع تمن الرسالة اللي فكرتي تبعتيها.”
​الشاشة نورت فجأة، وظهرت صورة لبيت زياد وتحته رجالة حمزة محاوطينه. ساندرا صرخت: “لأ يا حمزة! حرام عليك! هو ملوش ذنب!”
​حمزة دخل الأوضة وسند ضهره على الباب، وبص لها بنظرة فيها عشق مريض وتملك مرعب: “ذنبه إنه خطر على بال ساندرا السيوفي ولو للحظة. أنا قولتلك.. الغيرة عندي نار، وأنتي اللي ولعتيها.”
​قرب منها وحضنها من ضهرها وهي بتترعش، وهمس في ودنها: “الأوضة دي هتقعدي فيها أسبوع.. مفيش حد هيشوفك ولا هتوفي حد غيري. أنا اللي هجيب لك الأكل، وأنا اللي هسهر جنبك، وأنا اللي هسمع أنفاسك. هخليكي تنسي إن فيه عالم بره أصلاً.. مفيش غيري أنا وأنتي والحيطان دي.”
​ساندرا لفت وبصت في عينيه بكسرة: “أنت بتق*تلني بالبطيء يا حمزة.. أنت مش بتحبني، أنت بتمتلكني.”
​حمزة لمس شفايفها بصباعه ببرود: “ومين قال إن التملك مش حب؟ أنا بحب أملك كل ذرة فيكي.. وبحب إنك تكوني محبوسة فيا. نامي يا ساندرا.. النهاردة هنام هنا جنبك، عشان أتأكد إن حتى في حلمك، مفيش غير صورتي.”
​نام جنبها وكتف إيدها في إيده، وساندرا غمضت عينها وهي حاسة إنها فعلاً ماتت بقلم مايا خالد ، وإن الوحش مكنش بيهزر لما قال إن مفيش خروج من مملكته غير للقبر.
​الأسبوع ده كان أطول من عمر ساندرا كله. الأوضة اللي تحت الأرض كانت عبارة عن سجن انفرادي بلمسة مخملية مرعبة. حمزة كان بينفذ وعده بالحرف؛ هو اللي بيدخل لها بالأكل، هو اللي بيسرح لها شعرها ببرود غريب، وهو اللي بيفضل قاعد قدامها بالساعات يراقب ملامحها وهي بتدبل.
​الشاشة كانت شغالة ٢٤ ساعة، بتعرض “زياد” وهو مربوط في مخزن ضلمة، ورجالة حمزة واقفين حواليه. ساندرا كانت بتبص للشاشة بانهيار وتترجى حمزة: “خلاص.. سيبه، أنا مش هفكر فيه تاني، أنا نسيت اسمه أصلاً! بس سيبه يعيش!”
​حمزة كان بيبتسم ابتسامة باهتة، وبيمسح دموعها بصباعه الكبير: “شوفتي؟ الغيرة بتخليني أعمل حاجات مش بحبها.. بس أنتي اللي بتجبريني. قوليها يا ساندرا.. قولي أنتي ملك مين؟”
​ساندرا بصوت مكسور ومخنوق: “أنا ملكك يا حمزة.. ملك حمزة السيوفي.”
​حمزة شدها لحضنه بقوة خلت ضلوعها تئن، ودفن وشه في رقبتها وهو بيستنشق ريحتها بهوس: “أيوة كدة.. عايز الكلمة دي تتحفر في عقلك قبل قلبك.”
​بعد الأسبوع ما خلص، حمزة فتح باب القبو وطلع بيها للجناح فوق. ساندرا كانت دايخة، مش قادرة تقف على رجلها، والنور العادي كان بيوجع عينيها. حمزة حطها على السرير وقعد جنبها، وطلع “علبة قطيفة” حمراء.
​فتحها، وظهر “خاتم” الماظ أسود، فصه كبير وزي العين اللي بتراقب. مسك إيدها ولبسهولها في صباعها، وباس إيدها بتملك: “ده خاتم جوازنا الحقيقي.. طول ما هو في إيدك، أنتي محمية بيا، وطول ما هو في إيدك، الكل يعرف إنك خط أحمر.”
​فجأة، تليفونه رن.. رد وبص لساندرا بنظرة غامضة: “هاتوه.. دلوقتي.”
​ساندرا قلبه سقط في رجليها: “مين؟”
​حمزة قام وقف وعدل قميصه: “زياد.. مش أنتي عايزة تطمني عليه؟ أنا جبته لحد هنا، عشان يودعك الوداع الأخير قبل ما يسافر “بعيد” وما يرجعش تاني.”
​ساندرا وقفت برعب: “هتق*تله؟”
​حمزة ببرود: “لا.. أنا هخليه يشوفك وأنتي في حضني، ويشوف الخاتم ده في إيدك، عشان يمشي وهو عارف إن اللي بيفكر يقرب من ممتلكات السيوفي.. بيفقد حياته وهو لسه عايش.”
​نزلوا للصالون الكبير، وساندرا كانت ماسكة في دراع حمزة كأنها بتستخبى فيه من نفسها. لقت زياد واقف، وشه كله كدمات وعينه مكسورة. أول ما شاف ساندرا، ملامحه اتغيرت بوجع.
​حمزة لف دراعه حوالين وسط ساندرا وشدها ليه قدام زياد، وبص له بتحدي مرعب: “شوفتها؟ شوفت الهانم ساندرا السيوفي؟ متهيألي كده الرسالة وصلت. السواق مستنيك بره هيوصلك للمطار.. ومن هناك لبلد تانية مسمعش فيها اسمك تاني. وإلا.. المرة الجاية مش هتمشي على رجلك.”
​زياد بص لساندرا نظرة أخيرة مليانة يأس، وخرج وهو مطاطي راسه. ساندرا كانت بتبكي بصمت، وحمزة لف وشها ليه ومسح دموعها بقسوة: “خلاص.. الصفحة دي اتقفلت. من بكرة، هنبدأ نجهز لـ “فرحنا” الكبير.. عايز الدنيا كلها تعرف إن الوحش لقى برنسيسة مملكته.”
​ساندرا بصت للخاتم الأسود في إيدها، وحست إنه كلبش جديد، بس المرة دي الكلبش “أبدي”.
​تجهيزات الفرح كانت أشبه بتجهيز “حصن منيع” مش مجرد حفلة. حمزة قلب القصر كله خلية نحل، بس الفرق إن النحل ده كان رجالة ببدل سوداء وس*لاح مستخبي. ساندرا كانت بتتحرك وسطهم زي الخيال، لابسة فستان أبيض ملكي، مطرز بفصوص ألماس بتلمع، بس كانت حاسة إن الفستان ده “كفن” لبراءتها.
​يوم الفرح، القصر كان منور كشافات واصلة للسما. حمزة دخل الأوضة على ساندرا، كان لابس بدلة سوداء كأنها منحوتة عليه، وهيبته تخلي النفس يتقطع. وقف وراها قدام المراية، حط إيده على كتافها وبص لخياله وخيالها.
​حمزة بهمس مرعب: “الليلة دي.. العالم كله هيعرف إن ساندرا بقت ملكية خاصة لحمزة السيوفي. مفيش رجوع يا ساندرا، أنتي دخلتي عريني برضاكي أو غصب عنك، والنهاردة بقفل الباب علينا للأبد.”
​ساندرا بصت له في المراية، عيونها كانت تيهة: “أنت ليه مهتم بكل ده؟ المعازيم، الأضواء، الحراسة.. وأنا أصلاً محبوسة جوه قلبك؟”
​حمزة لفها ليه وضغط على خصرها بتملك: “عشان الغيرة اللي جوايا عايزة تذل أي حد فكر إنه ممكن يبصلك. عايزهم يشوفوكي وإيدي في إيدك، ويعرفوا إن اللي يقرب منك بيحارب الموت.”
​نزلوا السلم الملكي، والموسيقى كانت عالية ومرعبة في فخامتها. المعازيم كلهم كانوا من كبار رجال المافيا والأعمال، وكلهم كانوا بيوطوا راسهم احترماً لحمزة، وعيونهم فيها فضول قاتل يشوفوا “الجميلة” اللي خطفت قلب الوحش.
​طول الفرح، حمزة مسبش إيد ساندرا ثانية واحدة. كان بيضغط على إيدها بقوة كل ما يحس إن عين حد طولت عليها. وفجأة، وسط الرقصة الهادية، حمزة ميل على ودن ساندرا وهمس: “شايفة الراجل اللي واقف عند الباب؟ ده بعت لي عرض النهاردة إنه عايز يشتري أرض من أملاكي مقابل إنه ‘يشوفك’ بس.. تفتكري عملت فيه إيه؟”
​ساندرا برعب: “حمزة.. أرجوك، بلاش دم الليلة دي.”
​حمزة ابتسم ابتسامة باردة: “الدم ده هو اللي بيخلي لون الفرح أحمر وحلو يا مدام سيوفي. هو دلوقتي بيتعلم أدب التعامل مع ممتلكات غيره في المخزن اللي تحت.”
​فجأة، النور قطع في القاعة كلها! صوت صريخ المعازيم وحركة الرجالة وسحب الأسلحة عمل دوشة رهيبة. ساندرا حست بإيد حمزة بتشدها لصدره بقوة خرافية، وصوته طلع جهوري وسط الضلمة: “اللي هيتحرك خطوة هفرغ فيه خزنة مسدسي! ساندرا في حضني، يعني في أمان الموت!”
​النور جه بعد ثواني، وظهر حمزة وهو محاوط ساندرا بجسمه كله، ومصوب مسدسه ناحية الباب. مكنش فيه هجوم، ده كان “اختبار” من حمزة لرجالته ولثبات ساندرا.
​بص لساندرا اللي كانت بتنهج من الرعب، وضحك ضحكة عالية ومنتصرة: “شوفتي؟ حتى الضلمة بتخاف تقرب منك وأنا جنبك. الفرح خلص يا ساندرا.. والناس هتمشي، وهنفضل أنا وأنتي.. والغيرة اللي مابتنامش.”
​شالها وطلع بيها لجناحهم الخاص، وقفل الباب وراه بالمفتاح الحديدي، ورمى المفتاح من الشباك في الجنينة!
​حمزة بنظرة هوس نهائية: “المفتاح ضاع يا ساندرا.. مفيش خروج من الجناح ده، ولا من حياتي. أنتي دلوقتي محبوسة فيا.. للأبد.”
​ساندرا دلوقتي بقت سجينته الأبدية بعقد رسمي وحب مريض.. الحياة جوه “الجناح الملكي” كانت عبارة عن صراع بين رقة ساندرا وجبروت حمزة. الأسابيع اللي مرت بعد الفرح خلت ساندرا تكتشف إن حمزة مش بس بيحبها، ده “بيعبد” وجودها لدرجة المرض. مكنش بيسيب القصر غير للضرورة القصوى، وحتى وهو بره، كان بيفضل فاتح “اللايف فيديو” من أوضتها على تليفونه، بيراقبها وهي بتقرأ، وهي بتنام، وحتى وهي بتسرح شعرها.
​في ليلة، حمزة دخل الجناح وكان ريحة البارود لسه في هدومه. ساندرا كانت قاعدة قدام المراية، وشافته من الانعكاس وهو بيقلع س*لاحه وبيحطه على الكومودينو بكل برود.
​حمزة قرب منها، حط إيديه على كتافها وبدأ يفك لها عقد رقبتها ببطء: “ساندرا.. النهاردة كان فيه حد بيحاول يوصل ليكي. بعت رسالة مشفرة لواحد من الحراس عشان يهربك.”
​ساندرا اتنفضت وبصت له برعب: “والله ما أعرف حد! أنا هنا محبوسة، هعرف منين؟”
​حمزة لفها ليه ومسك وشها بين كفوفه الضخمة، وعيونه كانت بتلمع بوميض غريب: “عارف إنك متعرفيش.. وعشان كدة الحارس ده مابقاش ليه لسان ينطق بيه دلوقتي. الغيرة اللي جوايا يا ساندرا مابتفرقش بين القصد وعدم القصد.. أي خيال راجل يمر جنب اسمك، بيتحرق.”
​ساندرا بدموع: “حمزة.. أنت بتخنقني. أنا بقيت بخاف أتطالع في المراية لأشوفك مراقبني فيها. أنت مش سايبلي مساحة أتنفس!”
​حمزة ضحك ضحكة واطية ومرعبة، وشالها حطها على السرير وقعد جنبها: “التنفس ده وظيفتي أنا.. أنا اللي بقرر تشمي كام ذرة أوكسجين النهاردة. عارفة أنا عملت إيه؟ لغيت كل الحراس الرجالة من الدور ده.. مفيش غير ستات بس، عشان حتى “خيال” راجل ميمسش طرف فستانك.”
​فجأة، ساندرا لقت طريقة “تروض” بيها الوحش ده. قربت منه ولمست جرح قديم في إيده، وبصت في عينيه بنظرة فيها “تحدي” ناعم: “لو عايزني أكون ملكك بجد.. وريني إنك بتثق في ملكيتك دي. سيبني أنزل الجنينة لوحدي، من غير كاميرات، ومن غير حراس ورا ضهري.”
​حمزة عروق جبهته برزت، والغيرة بدأت تنهش فيه: “لوحدك؟ أنتي عايزة تختبري جنوني يا ساندرا؟”
​ساندرا بذكاء: “لأ.. عايزة أحس إن حمزة السيوفي واثق إن مفيش قوة في الأرض تقدر تاخدني منه. ولا أنت خايف أهرب؟”
​كلمة “خايف” دي كانت زي الكرباج على كرامة حمزة. قام وقف بكل هيبته وبص لها نظرة تملك نهائية: “تهربي؟ أنتي لو روحتي لأخر الدنيا، هجيبك من شعرك وأحبسك في ضلوعي. ماشي يا ساندرا.. ليكي ساعة في الجنينة كل يوم، “لوحدك”. بس لو لمحت طيفك بيقرب من السور.. اعتبري الدنيا كلها انتهت.”
​وفعلاً، ساندرا بدأت تنزل الجنينة. كانت بتحس بالحرية لأول مرة، بس كانت عارفة إن عيون حمزة مراقباها من ورا قزاز مكتبه اللي ضد الرصاص.
​في يوم، وهي ماشية وسط الشجر، لقت “ورقة” صغيرة مطوية ومحطوطة جوه وردة بلدي. فتحتها بترعش، مكتوب فيها: “إحنا جايين نخلصك.. استعدي ليلة الجمعة.”
​ساندرا قلبها سقط في رجليها. بصت بسرعة ناحية مكتب حمزة، لقت واقف ورا القزاز، باصص لها ببرود، وسيجارته في إيده.. ملامحه مكنتش باينة، بس “هيبة” وجوده كانت كفيلة تخليها تخبي الورقة في صدرها وهي بتموت من الرعب.
​ساندرا فضلت واقفة مكانها، حاسة إن الورقة اللي في صدرها دي “قنبلة” موقوتة. بصت لمكتب حمزة تاني، لقته لسه واقف زي الصنم، مبيتحركش، ونظراته كانت بتخترق جسمها. خافت تطلع تجري فيبان عليها الارتباك، فمشت بخطوات بطيئة ومرعبة وهي بتسبّح في سرها إن الكاميرات مكنتش مركزة على الوردة بالظبط.
​دخلت الجناح، قفلت الباب وسندت ضهرها عليه وهي بتنهج. طلعت الورقة بإيد بترعش وقرتها تاني: “ليلة الجمعة.. السور الغربي.. الساعة ٢ صباحاً.”
​فجأة، الباب اتفتح بهدوء مرعب. دخل حمزة، ملامحه كانت هادية زيادة عن اللزوم، وده اللي كان بيقلق ساندرا أكتر من عصبيته. قرب منها، مسك خصلة من شعرها وشمها بعمق: “ريحة الورد لسه فيكي.. الجنينة عجبتك يا مدام سيوفي؟”
​ساندرا بصوت مهزوز: “آه.. الهوا كان حلو أوي.”
​حمزة نزل إيده ببطء لحد ما لمس منطقة صدرها، مكان ما خبت الورقة. ساندرا جسمها اتصلب وأنفاسها وقفت. حمزة بص في عينيها بابتسابمة جانبية مخيفة: “قلبك بيدق بسرعة ليه؟ كأنك شفتي عفريت.. ولا كأنك خايفة من “سر” مستخبي بين ضلوعك؟”
​ساندرا بدموع: “حمزة.. أنا بس تعبانة شوية من الشمس.”
​حمزة ضغط على دراعها وسحبها لمستواه، وهمس بصوت زي فحيح الأفعى: “عارفة يا ساندرا.. الغيرة خلتني أحفظ كل حركة في رمش عينك. لما وطيتي عند الوردة، مكنتيش بتشميها.. كنتي بتاخدي “أمل” كداب. والورقة اللي معاكي دي.. أنا اللي خليت الحارس يحطها.”
​ساندرا صرخت بذهول: “أنت؟! ليه؟”
​حمزة ضحك ضحكة وجع وكسرة، وزقها على السرير بمرارة: “عشان أختبرك! عشان أشوفك هتيجي تحكيلي ولا هتصدقي إن فيه حد في الكون ده يقدر ياخدك مني! طلعتي لسه بتحلمي بالهروب يا ساندرا.. لسه مش مصدقة إنك بقيتي “وشم” على قلبي مبيطلعش غير بالموت.”
​طلع “ولاعة” من جيبه، وسحب الورقة من صدرها بكل برود وولع فيها قدام عينيها: “ليلة الجمعة دي.. هتكون ليلة “تجديد العهد”. مفيش خروج للجنينة تاني، ومفيش “لوحدك” دي تتقال أبداً. أنتي من اللحظة دي، هتقعدي في أوضة مكتبي وأنا بشتغل، وهتنامي وإيدي مربوطة في إيدك بجد مش مجرد تشبيه.”
​ساندرا بانهيار: “أنت مريض! أنت عايز تموتني بالحيا!”
​حمزة قرب منها، وشالها بقوة وحطها في حضنه وهو بيترعش من فرط الغيرة والغضب: “أموتك بالحيا أحسن ما تعيشي لغيري ثانية واحدة. الغيرة دي هي اللي مخلياني مق*تلتكيش لحد دلوقتي.. هي اللي مخلياني عايز أكسر عضمك عشان أدخلك جوه صدري وأقفل عليكي.”
​فجأة، صوت جهاز اللاسلكي بتاعه رن، والخبر كان صدمة: “يا باشا.. فيه هجوم فعلي على السور الغربي! مش تمثيل!”
​حمزة اتنفض، وعيونه طق منها شرار. بص لساندرا بذهول: “بقى فيه حد فعلاً بيحاول؟ تفتكري مين اللي بايع عمره وجاي لعرين الأسد عشان خاطر عيونك؟”
​سحبها من شعرها بخفة وطلع بيها للممر: “تعالي معايا.. عشان تشوفي بعينك تمن “الأمل” اللي عيشتي فيه دقايق. الليلة دي، السور الغربي هيتغسل بدم أي حد فكر بس يلمس حيطة تخص حمزة السيوفي!”
​حمزة كان بيجر ساندرا وراه في طرقة القصر الطويلة، وصوت الرصاص بدأ يعلى ويخترق هدوء الليل. ساندرا كانت بتترعش، مش عارفة تخاف من اللي جايين يخلصوها ولا من الوحش اللي ماسك إيدها بقبضة حديدية كأنها روحه.
​وصلوا لغرفة المراقبة المركزية، حمزة رماها على الكرسي ووقف قدام الشاشات وهو بيعمر س*لاحه ببرود مرعب. الشاشات كانت عارضة صور حية من السور الغربي.. عربيات دفع رباعي، ورجالة ملثمين بيحاولوا يقتحموا البوابة بالمتفجرات.
​حمزة ضحك ضحكة قوية وهو بيبص لساندرا: “شايفة؟ الهجوم ده غالي أوي.. تكلفته أرواح كتير. تفتكري مين اللي بايع عمره عشانك؟”
​فجأة، الكاميرا لقطت وش واحد من المهاجمين وهو بيشيل اللثام عشان يمسح وشة من العرق.. ساندرا صرخت بذهول: “ياسين! هو لسه عايش؟”
​حمزة ملامحه اتصلبت، وعروق رقبته برزت: “ياسين.. الروح السبعة. مكنتش عارف إن موته هيتأخر كدة. الغيرة اللي جوايا دلوقتي يا ساندرا مش عشان خايف ياخدك، أنا غيور إن فيه راجل لسه بيتنفس وهو حاطط صورته في خيالك.”
​مسك جهاز اللاسلكي وصوته زلزل المكان: “افتحوا البوابات.. خلوهم يدخلوا المصيدة. مش عايز ولا واحد يخرج حي، وياسين ده.. سيبوهولي، عايز أقطعه بإيدي قدام عين الهانم.”
​ساندرا بانهيار: “كفاية دم يا حمزة! سيبه يمشي وأنا هفضل معاك، والله مش هحاول أهرب تاني! بس بلاش تق*تل حد تاني بسببي!”
​حمزة لف لها وقبض على شعرها ورفع وشها ليه، ونظرته كانت مهووسة: “تتوسطي له؟ الغيرة بتاكل في قلبي وأنتي بتترجيني عشان خاطر عدوي؟ الليلة دي يا ساندرا، هتتعمدي بدمه.. عشان تعرفي إن مفيش مخلوق في الكون ده يقدر ينافس حمزة السيوفي في ملكيته.”
​حمزة سحبها معاه ونزلوا لساحة القصر الداخلية. الجو كان مليان ريحة بارود ودخان. البوابة الغربية انفجرت ودخلت عربيات ياسين، والرجالة بدأت تتبادل الرصاص في ملحمة مرعبة.
​حمزة وقف في النص، وساندرا وراه، وبكل ثبات بدأ يصوب ويضرب رصاص بدقة خرافية. كل رصاصة كانت بتخرج من مسدسه كانت بتنهي حياة واحد. ياسين ظهر من ورا عربية، وصوب سل*احه ناحية حمزة، بس عينه جت على ساندرا المحبوسة وراه.
​ياسين بصوت عالي وسط الرصاص: “سيبها يا حمزة! البنت دي ملهاش ذنب في وسخنا! سيبها تعيش بعيد عن جحيمك!”
​حمزة رد بضحكة مجنونة وهو بيضرب نار: “جحيمي هو جنتها! ساندرا بقت مراتي، يعني بقت حتة من عرضي.. وأنت يا ياسين، النهاردة هتدفن في أرضي!”
​وفجأة، رصاصة طايشة جت في كتف ساندرا! صرخت ووقعت على الأرض والدم بدأ يغرق فستانها الأبيض.
​حمزة الدنيا اسودت في عينه، ساب الس*لاح وجري عليها، شالها وهو بيصرخ بجنون: “ساندراااا! لااااا!”
​في اللحظة دي، حمزة نسي الحرب، نسي ياسين، نسي الدنيا كلها. الغيرة اتحولت لخوف قاتل.. خوف إنه يفقد “ممتلكه الوحيد” اللي بيخليه يحس إنه إنسان. ياسين استغل الفرصة وقرب منهم وهو رافع س*لاحه، بس حمزة مرفعش عينه من على ساندرا، كان بيمسح دمها بإيده وهو بيترعش: “مش هتموتي.. أنتي ليا، الموت ملوش حق فيكي!” ده؟
حمزة مكنش شايف الرصاص اللي حواليه، ولا شايف ياسين اللي واقف على بعد خطوات وس*لاحه موجه لراسه. كان شايف بس اللون الأحمر وهو بيفرش على فستان ساندرا الأبيض، لون دمه هو اللي بيسيل من أغلى حاجة يملكها.
​ياسين بصوت عالي فيه ذل: “خلصت يا سيوفي.. الوحش وقع لما خاف على حتة بت! ارفع إيدك وبطل تمثيل، ساندرا هتموت لو مالحقنهاش، وأنا هاخدها أعالجها بعيد عن وسخك!”
​حمزة رفع عينه ببطء.. نظرة عينه مكنتش نظرة بني آدم، كانت نظرة شيطان طالع من جهنم. ساندرا كانت بتئن بين إيديه وهي ماسكة في قميصه بضعف: “حمزة.. متسبنيش.”
​الكلمة دي كانت الوقود اللي حرق الدنيا. حمزة بلمحة بصر، ومن غير ما يسيب ساندرا، سحب مسدس من جزمته وصوب بدقة خرافية.. طلقة جت في إيد ياسين خلت الس*لاح يطير، والطلقة التانية جت في رجله وقعته على الأرض بيصرخ.
​حمزة قام ببطء وهو شايل ساندرا على إيد واحدة، وبالإيد التانية كان بيضرب نار بجنون في كل اتجاه. رجالة حمزة لما شافوا “كبيرهم” بيتحول لكدة، هجموا زي الضباع وخلصوا على كل اللي فضل من رجالة ياسين في ثواني.
​حمزة مشي بخطوات رزيانة ومرعبة لحد ما وقف فوق راس ياسين اللي غرقان في دمه. وطى عليه وهمس بصوت يرعش الحجر: “قولتلك.. ساندرا ملكي. والملك مبيتفرطش فيه حتى لو التمن روحي. أنتي يا ياسين، هتعيش.. بس هتعيش من غير إيدين ولا رجلين، عشان تفتكر كل ثانية إنك فكرت تلمس حاجة تخص حمزة السيوفي.”
​لف لرجالته وزعق بصوت هز القصر: “العربية فوراً! المستشفى تتقلب ثكنة عسكرية! لو شعرة وقعت من ساندرا، هحرقكم كلكم حيين!”
​طول الطريق للمستشفى، حمزة كان ضامم ساندرا لصدره، بيحاول يسد جرحها بإيده، ودموعه كانت بتنزل لأول مرة في حياته.. دموع غيرة وخوف وتملك مجنون. كان بيهموس في ودنها: “متموتيش يا ساندرا.. أنا لسه مشبعتش من سجنك. لسه عندي سنين هحبسك فيها في قلبي. عيشي عشان تكريهني، بس عيشي!”
​دخلت ساندرا العمليات، وحمزة وقف قدام الباب بقميصه الغرقان دم، ماسك س*لاحه ورافض أي حد يقرب منه. المستشفى فعلاً اتحولت لثكنة، حراس في كل ممر وعلى السطوح.
​بعد ساعات، الدكتور خرج وهو بيترعش من منظر حمزة: “حمزة بيه.. الرصاصة كانت سطحية، هي بس فقدت دم كتير. هي دلوقتي فاقت وتقدر تشوفها.”
​حمزة دخل الأوضة ببطء، لقى ساندرا نايمة، وشها شاحب زي الورقة البيضاء، ومركبين لها محاليل. قعد جنبه، مسك إيدها اللي فيها الخاتم الألماض الأسود، وباسها بكل تملك.
​ساندرا فتحت عينها بضعف: “أنت لسه هنا؟”
​حمزة بابتسامة مرعبة وواثقة: “وهروح فين؟ أنتي فاكرة إن الرصاصة دي هتحررك مني؟ بالعكس.. دي ربطتني بيكي أكتر. من النهاردة يا ساندرا، القصر هيتقفل بالجنزير، ومفيش خروج حتى للجنينة. أنتي بقيتي “أماني” الوحيد، والغيرة اللي جوايا زادت أضعاف بعد ما شوفت دمك.”
​ساندرا غمضت عينها بيأس، عرفت إن الوحش مش بس مش هيموت، ده بقى أقوى، وإن سجنها بقى أبدي ومحكم أكتر من الأول.
​حمزة مال عليها وباس جبينها: “ارتاحي يا مدام سيوفي.. الحرب خلصت، ودلوقتي بدأ وقت “العشق الأسود” اللي ملوش نهاية.”
​ساندرا دلوقتى بقت تحت سيطرة حمزة بشكل كامل، وهو مش ناوي يديها فرصة تتنفس بعيد عنه. مرت الشهور، والقصر تحول لأسطورة في المنطقة؛ مفيش مخلوق يقدر يقرب من أسواره، وساندرا بقت زي “المرسومة” في خيال الناس، الست اللي الوحش حبسها عن عيون الدنيا كلها.
​حمزة مبقاش بيثق في حد، حتى الهوا اللي ساندرا بتتنفسه كان بيغير منه. نقل مكتبه بالكامل لجناحهم الخاص، وبقى يدير إمبراطوريته وهو قاعد قصادها وهي بترسم، أو وهي نايمة.
​في ليلة شتوية والبرق بيخبط في شبابيك القصر المتأمنة بحديد وفولاذ، ساندرا كانت واقفة بتبص للمطر، وحست بـ حمزة بيحوط وسطها من ضهرها، ويدفن وشه في رقبتها وهو بيتنفس ريحتها بتملك مرعب.
​حمزة بصوت هادي وواثق: “عارفة.. النهاردة كان فيه اجتماع لكبار السوق، والكل كان بيسأل عن سر اختفاء (ساندرا السيوفي). تفتكري رديت قولت إيه؟”
​ساندرا بجمود: “أكيد قولتلهم إنها ماتت وهي عايشة.”
​حمزة لفها ليه وضغط على كتافها، وعيونه كانت بتلمع بهوس: “قولتلهم إنها (نفسي).. والواحد مبيطلعش نفسه للناس تتفرج عليه. الغيرة اللي في دمي يا ساندرا خلتني أحس إن جمالك ده “خطيئة” لو حد غيري شافه. أنتي بقيتي سر حمزة السيوفي اللي هيدفن معاه.”
​ساندرا بصت في عينيه بكسرة، ورفعت إيدها لمست وشه: “أنت حبستني يا حمزة.. بس نسيت إن القفص مهما كان دهب، بيفضل قفص. تفتكري هفضل أحبك وأنا خايفة منك؟”
​حمزة ضحك ضحكة وجع مكتومة، وشالها حطها في حضنه وقعد بيها على الكرسي الهزاز قدام النار: “مش عايز حبك يا ساندرا.. عايز تملكك. عايز لما تغمضي عينك متشوفيش غيري، ولما تفتحيها تلاقي سجانك وعاشقك في نفس الوقت. الخوف اللي في عينيكي ده هو اللي بيخليني أحس بوجودي.”
​فجأة، طلع من جيبه “مفتاح” دهب صغير جداً، وعلقه في السلسلة اللي في رقبتها: “ده مفتاح الصندوق اللي فيه “حياتك القديمة”.. صورك، تليفونك، لبسك بتاع الكلية. حطيتهم في خزانة في أوضة المكتب، والمفتاح ده معاكي.. بس عارفة؟ لو فكرتي تفتحي الخزانة دي، هتفتحي على نفسك أبواب جهنم، لأني هعتبر إنك لسه بتفكري في ساندرا القديمة.. وأنا عايز ساندرا “بتاعتي” وبس.”
​ساندرا مسكت المفتاح بإيد بترعش، وبصت لحمزة اللي كان بيبص لها بنظرة فيها “تحدي” و”عشق مريض”. هي عارفة إن المفتاح ده فخ، وإن حمزة بيختبر ولاءها ليه للمرة المليون.
​ساندرا بدموع: “أنت بتمتحني يا حمزة؟”
​حمزة باس كف إيدها بقوة: “أنا بعبدك يا ساندرا.. والغيرة عبادة تانية عندي. نامي يا ملكتي.. نامي في حضن الوحش اللي حرق الدنيا عشان يخليكي تنامي في أمانه هو وبس.”
​ساندرا غمضت عينها، وحست بدقات قلب حمزة القوية وهي بتدق بانتظام مرعب، وعرفت إن خلاص، مفيش مفر، مفيش دنيا بره القصر ده، مفيش غير حمزة، وغيرته اللي بقت هي السقف وهي الأرض.
​النهاية دي كانت مجرد بداية لسجن أبدي.. مرت سنة كاملة على الليلة دي، والقصر بقى كأنه جزيرة معزولة عن العالم. ساندرا ملامحها اتغيرت؛ البراءة اللي كانت في عينيها اتحولت لهدوء غامض ورزين، كأنها اتطبعت بطباع الوحش اللي حابسها. حمزة مكنش بيسيبها لحظة، حتى اجتماعاته “السرية” كان بيخليها تقعد في ركن في المكتب، لابسة نقاب رقيق أو قاعدة ورا شاشة إزاز عاكس، عشان يحس إنها معاه وفي نفس الوقت مفيش عين غريبة تلمح طيفها.
​في ليلة من ليالي الشتا القاسية، حمزة كان سهران على مكتبه، وساندرا كانت واقفة قدام الخزانة اللي معاها مفتاحها الدهب. فضلت باصة للمفتاح اللي في رقبتها.. بقالها سنة ملمستوش، وسنة مشافتش صورها القديمة ولا سمعت صوت أهلها.
​حمزة رفع عينه من الورق وبص لها بنظرة صقر: “لسه بتفكري تفتحيه يا ساندرا؟ لسه الماضي بيناديكي وأنتي في حضن الحاضر بتاعي؟”
​ساندرا لفت ببطء، وبكل ثقة مشيت ناحيته، وقفت قدامه وشالت السلسلة من رقبتها وحطت المفتاح على مكتبه ببرود: “مش عايزاه يا حمزة. ساندرا اللي كانت بتلبس اللبس ده وبتحلم الأحلام دي.. ماتت. اللي واقفة قدامك دلوقتي هي (حرم حمزة السيوفي).. ومحتاجة الحاضر بتاعها بس.”
​حمزة ملامحه اتصلبت لثانية، وبعدين قام وقف، وبص للمفتاح بنظرة انتصار مرعبة. مسك المفتاح ورماه في النار اللي قايدة في الدفاية، وقرب من ساندرا وحاوط وشها بإيديه الاتنين: “دلوقتي بس.. أقدر أقول إنك بقيتي ملكي بالكامل. الغيرة اللي كانت بتاكل فيا من ماضيكي، انطفت مع المفتاح ده.”
​سحبها لحضنه بقوة خرافية، وهمس في ودنها بهمس يزلزل الروح: “عارفة يا ساندرا.. أنا كنت مستني اللحظة دي عشان أديكي (المفاجأة) الأخيرة. السور الغربي اللي ياسين حاول يدخل منه؟ هدمته.. وبنيت مكانه (جناح أطفال) ملكي. مفيش خروج يا ساندرا.. بس فيه حياة جديدة هتبدأ هنا، حياة مفيهاش غيري وأنتي.. والنسخة الصغيرة مننا اللي هتكون محبوسة معانا في مملكتنا.”
​ساندرا جسمها اتنفض.. مكنتش عارفة تفرح ولا تخاف. السجن مابقاش بس حيطان، السجن بقى “دم” جديد هيربطها بالوحش للأبد. بصت في عينيه لقت “جنون العشق” واصل لأقصى مراحله.
​حمزة شالها وطلع بيها للجناح الجديد، وهو بيضحك ضحكة مالية القصر كله: “مفيش مهرب يا ساندرا.. لا في الأرض ولا في السما. أنتي قدر حمزة السيوفي، والقدر مبيتغيرش.”
​ساندرا استسلمت تماماً، وسندت راسها على صدره وهي بتسمع دقات قلبه اللي بقت هي “الموسيقى” الوحيدة اللي مسموح لها تسمعها. الوحش انتصر، والجميلة اختارت تعيش في سجنه بملء إرادتها.. أو كدة هو أقنعها.
​دي كانت المحطة الأخيرة في حكاية ساندرا وحمزة.. سجن من دهب، وعشق مغلف بالغيرة والتملك. السنين مرت، والقصر مابقاش مجرد سجن، ده بقى “دولة” صغيرة قانونها الوحيد هو كلمة حمزة. ساندرا كانت قاعدة في الشرفة اللي متأمنة بإزاز ضد الرصاص، بتبص لابنها “رعد” وهو بيلعب في الجنينة تحت حراسة مشددة. الولد كان نسخة مصغرة من أبوه؛ نفس النظرة الحادة، نفس البرود، وحتى نفس الطريقة في التحكم في ألعابه.
​حمزة دخل الجناح، وخطواته لسه ليها نفس الهيبة اللي بتهز الأرض. قرب من ساندرا وحط إيده على كتفها، وبص لرعد بفخر: “شايفة يا ساندرا؟ رعد طالع بيعرف يمتلك أرضه من صغره.. الغيرة في دمه زيي بالظبط.”
​ساندرا لفت وبصت لحمزة بهدوء: “أنت بتصنع وحش تاني يا حمزة؟ مش كفاية واحد؟”
​حمزة ضحك ضحكة رجولية واطية، وشدها لحضنه بتملك مبيقلش مع الزمن، بل بيزيد: “بصنع (راجل) يحميكي لما أنا أمشي. الغيرة اللي عندي عليكي يا ساندرا، هي اللي خلتني أبني الحصن ده. أنا مش بس كنت خايف حد ياخدك، أنا كنت خايف حد يشوف الجنة اللي أنا عايش فيها ويحسدني عليها.”
​ساندرا سكتت، وحست بلمسة إيده اللي لسه بتخلي جسمها يتنفض. هي عارفة إنها استسلمت، مش ضعف، بس لأنها اكتشفت إن “هوس” حمزة بيها هو الحاجة الوحيدة اللي حمتها من غدر الدنيا بره.
​فجأة، حمزة طلع “سلسلة” تانية، بس المرة دي كانت مرصعة بالألماض الحر، وفيها صورة ليهم هما التلاتة: “دي بمناسبة مرور ١٠ سنين على اليوم اللي خبطتي فيه في صدري.. اليوم اللي حياتي بدأت فيه بجد.”
​لبسها السلسلة، وقفل القفل بتاعها ببطء وهو بيبص في عينيها: “القفل ده ملوش مفتاح يا ساندرا.. زي قلبي بالظبط. أنتي النفس، والروح، والسجن اللي أنا اخترت أعيش فيه طول عمري.”
​ساندرا ابتسمت ابتسامة حزينة بس فيها رضا، وسندت راسها على صدره: “أنا خلاص نسيت يعني إيه مفتاح يا حمزة.. أنا بقيت الحيطة، وأنت السقف، ورعد هو الباب اللي مبيفتحش لغيرنا.”
​حمزة شالها ووقف بيها قدام الشباك الكبير، وهما بيبصوا لمملكتهم اللي الغيرة بنتها والتملك حماها. الشمس كانت بتغرب، بس في قصر السيوفي، النور مكنش بيطفي أبداً.. لأن نار غيرة حمزة كانت كفيلة تنور قارة بحالها.
​دي كانت نهاية ملحمة “حمزة وساندرا”.. حكاية بدأت بصدفة، وانتهت بسجن أبدي من العشق الأسود والغيرة القاتلة.
تمت

 

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة