القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

رواية طيور تهوى الخداع الفصل الاول بقلم فاطمه عبد المنعم شفيق حصريه وجديده

رواية طيور تهوى الخداع الفصل الاول بقلم فاطمه عبد المنعم شفيق حصريه وجديده 


الفصل الأول __〔 بداية الرحلة 〕

بسم الله الرحمن الرحيم


قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ (1) مَلِكِ ٱلنَّاسِ (2) إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ (3) مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ (4) ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ (5) مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ (6)


انتهت "نوارة" من تلاوة القرآن الكريم، ثم رفعت عينيها لتجد ابنها يراقبها بابتسامة بريئة

أشارت إليه بيدها، فما كان منه إلا أن هرول إليها مسرعًا

ضمته بعينيها قبل ذراعيها، وحمدت الله للمرة التي لا تعرف عددها على هذه النعمة التي رزقها بها.


بدت ملامحها الهادئة أكثر دفئًا، كانت امرأة بسيطة، تجاوزت الثلاثين بقليل، تقضي أيامها بين رعاية منزلها وأسرتها في رضا.



تغدق زوجها بالحب، هذا الذي مرت سنوات على زواجها منه، ورغم ما حملته الحياة من أعباء، ظل قلبها متعلقًا به وبابنها "بلال" الذي بلغ العاشرة من عمره وأصبح محور عالمها كله.

_ ليه علطول بتقرأي سورة الناس؟

سألها "بلال" الذي جلس جوارها على الأريكة فابتسمت ومسحت على شعره وهي تعطيه الجواب:

بحبها، وبحس لما بقرأها إني بطلب من ربنا يحميني ويحميك أنت وبابا من وساوس الشيطان ومن كل شر ممكن يستخبى ورا الناس أو جوا القلوب.


كان يعلم الجواب، فقد اعتاد أن يسألها السؤال نفسه بين الحين والآخر، وكانت تجيبه بالإجابة ذاتها في كل مرة.


ابتسم وقال:

على فكرة أنا كمان بقرأها كل يوم.


ربتت على كفه بحنان قائلة:

ربنا يحميك يا حبيبي.


ثم سألته باهتمام:

خلصت الواجب ولا لا؟


_ خلصته كله، وذاكرت كمان اللي قولتيلي عليه، ينفع بقى تسيبيني أنزل ألعب تحت شوية مع أصحابي؟


تخطت الساعة التاسعة مساءً لذلك رفضت طلبه وأبدى ابنها تذمره:

يا ماما لسه الساعة تسعة.


أصرت على قرارها وهي تنبهه:

الوقت اتأخر يا "بلال"، أنت هتتعشى وتنام علشان مدرستك


لم تحتمل الحزن في عينيه فحاولت مراضاته بابتسامة:

متكشرش كده يا واد أنت، وعموما بكرا الخميس لما ترجع من المدرسة مسموح تلعب تحت براحتك.


لمع الحماس في عينيه وهو يسألها:

بجد يا ماما؟


_ بجد يا حبيبي.


وما إن أنهت كلماتها حتى سمعت صوت زوجها يصدح من خلفهما:

مش هنتعشى ولا إيه يا نوارة ؟


بدا التعب واضحًا على ملامح "طارق" بعد يوم عمل طويل، فقد أمضى ساعاتٍ لا تنتهي بين الدفاتر والحسابات في الشركة التي يعمل بها محاسبًا. 

كان في أواخر الثلاثينيات من عمره، طويل القامة نسبيًا، يتمتع بملامح جذابة لم تنجح سنوات العمل والمسؤوليات في إخفائها.


كثيرًا ما كانت ترى "نوارة" ابنها "بلال" في والده، في ابتسامته، ولون عينيه السوداوين المميزتين، وبعض ملامح وجهه، بينما أخذ بقية تفاصيله منها حتى بدا وكأنه نسخة تجمع أجمل ما فيهما.


تركت مكانها واستقامت واقفة وهي تخبره:

حالا يا حبيبي، شكلك تعبان أوي يا طارق.


أومأ برأسه وهو يتجه للجلوس جوار ابنه:

اليوم النهارده كان صعب أوي.


فقال له "بلال" نفس المواساة التي سمعها من أمه قبل قليل: 

متزعلش يا بابا، بكرا الخميس ارجع من شغلك وارتاح براحتك الجمعة.


ضحكت "نوارة" على تقليد ابنها لها ثم توجهت إلى المطبخ، ورد طارق على "بلال" قائلا:

الجمعة مش كفاية، ده أنا محتاج شهر بحاله أرتاح فيه.


_ أنا عايز لما أكبر مشتغلش في حاجة تخليني أتعب كده.

كانت هذه أمنية "بلال" التي ألقاها على مسامع والده قبل أن يستفسر:

هو ينفع أشتغل ساعتين بس؟


لم يستطع "طارق" منع نفسه من الضحك على رغبة "بلال" فقال مازحًا:

ساعتين بس؟

ده كده هفضل أصرف عليك لحد ما تبقى جد.


أوقفت طرقات الباب حديثهما، فهب "بلال" لفتحه كعادته، كانت الضحكة تزين وجهه لكنها تلاشت فور أن وقعت عيناه على الطارق.


إنها "سهر"

زميلة والده في العمل وصديقة والدته القديمة، والمرأة التي تحولت في الأشهر الأخيرة إلى السبب الرئيسي لكل ما يعصف ببيتهم من مشكلات.


ابتسامة رقيقة زينت ثغرها وهي تميل لمستواه قائلة:

ازيك يا بلال يا حبيبي


لم يرد "بلال" بل ظل يحدق فيها وكعادتها دائما كانت أنيقة على نحو مبالغ فيه، بخصلات طويلة مرتبة بعناية وعينين خضراوين لافتتين لا ينساهما أحد.

حتى ملابسها كانت تبدو وكأنها اختيرت خصيصًا لتجعلها تبدو أصغر سنًا من والدته رغم أنهما في العمر نفسه.


_ هو بابا موجود؟

طرحت السؤال ولم تمض سوى لحظات حتى ظهر "طارق" خلف ابنه.


اتسعت ابتسامتها فور أن وقعت عيناها عليه أما هو فكان وجهه خاليًا من أي تعبير أمام "بلال" وصرفه قائلا:

ادخل جوا دلوقتي يا "بلال".


تنقل "بلال" بنظراته بينهما قبل أن يستجيب على مضض، وما إن ابتعد حتى زفر "طارق" بضيق وقال:

إنتِ اتجننتي يا سهر؟ جاية لحد هنا ليه؟


وبضيق مماثل ردت عليه:

هي دي اتفضلي يا أستاذ طارق


_ "سهر" بلاش الأسلوب ده، أنتِ عارفة كويس المشاكل اللي هيعملها وجودك هنا.


طالعته باستنكار وهي تسأله:

هو أنت ازاي بتقولي كده بجد؟


في تلك اللحظة خرجت "نوارة"، كان آخر ما يريده "طارق" أن تظهر زوجته الآن


بان السخط على وجهها فور أن رأت "سهر"، لكن الأخيرة قالت بهدوء:

أزيك يا نوارة؟


_ بخير.

جاء الرد مقتضبًا وباردًا ثم انتقلت نظرات "نوارة" إلى زوجها.


أخرجت "سهر" ملفًا من حقيبتها وقدمته إلى "طارق" موضحة سبب مجيئها:

الملف ده أنت نسيته، وأستاذ إبراهيم بيبلغ حضرتك إن الشغل اللي فيه لازم يخلص.


حملت نبرتها شيئًا من العتاب، بينما تناول "طارق" الملف قائلًا:

شكرًا يا سهر.


رمقتهما بنظرة ساخرة قبل أن تهتف:

لا على إيه؟ أنا اللي بشكركم على الضيافة اللي مخدتهاش.

ثم استدارت متجهة إلى الخارج قائلة:

عن إذنكم.

حريق، كان ذلك أقل ما يمكن وصف نظرات "نوارة" به وهي تصفع الباب خلفها بعنف، وقبل حتى أن تتأكد من ابتعاد ابنها عن مسمعهما، التفتت إلى زوجها قائلة بحدة:

ممكن أعرف البني آدمة دي كانت هنا ليه؟


_ ما أنتِ سمعتي.

قالها ببساطة، وكأن شيئًا لم يحدث.


لم يفت "نوارة" وجود "بلال" الذي كان يتابعهما بصمت فأشارت إليه بحزم:

ادخل أوضتك يا "بلال".


ظل واقفًا مكانه لثوانٍ قليلة قبل أن يستجيب وينفذ أمر والدته.

كان يعرف هذا المشهد جيدًا، النظرات المتوترة، والنبرات الحادة، ثم الشجار الذي لا يلبث أن يندلع بين أمه وأبيه، والسبب كالعادة "سهر".


تحدث "طارق" أولاً بعد رحيل ابنه ساعيًا إلى تهدئة الموقف:

نوارة مفيش حاجه حصلت لحالتك دي.

ردت بانفعال ظهر في عينيها قبل نبرة صوتها، وهي تشير نحو باب المنزل:

وجود "سهر" هنا عند باب بيتي كفاية جدا للحالة دي يا طارق.


_ أنا فعلا نسيت الملف ده، هي جابته ومشيت، أنا حتى معرضتش عليها تدخل.


وبعد قوله هذا سألته "نوارة" باستنكار:

هو أنت كنت عايز تعرض كمان؟


نفد ما تبقى من صبره، فهتف مدافعًا عن نفسه:

أنا مقولتش كده يا "نوارة"، وبلاش تعامليني على إني متهم بسبب حاجه حصلت وانتهت.


صاحت في وجهه، مواجهة إياه بما لا يزال يؤلمها حتى هذه اللحظة ويسرق النوم من عينيها لليالٍ طويلة:

لا منتهتش، إنها تتجرأ تيجي لحد هنا معناه إنك مديها مساحة تعمل ده.


ثم تابعت بسخرية مريرة:

ما هو طبيعي طبعًا، ما أنتم قدام بعض في الشغل طول اليوم، وأنا المغفلة اللي قاعدة هنا نايمة على وداني.


أدرك "طارق" أن الحديث لن يقودهما إلى أي مكان، فاستدار متجهًا إلى غرفتهما ليبدل ملابسه متجاهلًا كلماتها.


تحركت "نوارة" خلفه وهي تطالبه برد:

رد عليا يا طارق.

_ لما تبقي في وعيك وبتقولي كلام معقول هرد حاضر.


أكمل وهو يتناول قميص ليرتديه:

أما دلوقتي فـ هسيبلك البيت وأمشي من قدامك خالص.


أخذت القميص من يده بانفعال وألقته فوق الفراش فاحتدت نبرته على الفور وهو يهتف باسمها محذرًا:

"نوارة".


لكنها لم تهتم، وقفت أمامه مباشرة وقد لمعت الدموع في عينيها إلا أن الدموع لم تكن شيئًا يُذكر أمام الألم الذي يعتصر قلبها، وحرقة الصدر التي تلازمها.


خرج صوتها مكسورًا، يرافقه القهر وهي تسأله:

هو أنا مبصعبش عليك خالص؟


كانت الهزيمة حجرًا ثقيلًا يجثم فوق روحها وهي تتابع، بينما انتبه "طارق" إليها بكل حواسه:

مبتقولش بينك وبين نفسك ده "نوارة" دي مسكينة أوي، اكتشفت فجأة إن صاحبتها اللي فتحتلها بيتها واعتبرتها أكتر من أخت ليها عايزه تاخد جوزها منها، مستكترة عليها السعادة وعايزه تهد بيتها فوق دماغها.


تأثر بها، كانت عيناه تقولان الكثير، حاول أن يتحدث، أن يخفف من حدة ألمها، لكنها أصرت على المتابعة:

وعارف اللي بيوجع أكتر، إن أنا اللي خليتك تشوفلها شغل، أنا اللي قولتلها بنفسي تقدم في المكتب عندك، وطمنتها إنك هتساعدها.


ضربت صدره بكفها ضربة خفيفة، لكنها كانت أشد وقعًا من أي شيء آخر، ثم أردفت والعتاب يملأ نظراتها:

اللي بيوجع أكتر يا طارق، يا جوزي وحبيبي وأبو ابني، إنها لما قالتلك إنها بتحبك، خبيت عليا.


اهتز صوتها وهي تنطق بألم:

وأنا اللي فضلت أسأل نفسي إنت متغير ليه، وأدور وأفتش لحد ما عرفت الحقيقة.


كان الخذلان الذي يملأ عينيها كافيًا ليجعله يلعن نفسه في هذه اللحظة، خاصة حين قالت بصوت مرتجف:

كنت همشي يا طارق، كنت هاخد "بلال" وامشي.


تركته وجلست على الفراش، فقد بات الوقوف أثقل مما تحتمل، ثم أكملت:

أصل هعمل إيه؟ صاحبتي بتحب جوزي، وجوزي معجب بيها.


توجه إليها وجلس أمامها، بدأ في الحديث وهو يحاول بكل الطرق أن يداوي جرحها الذي لم يلتئم بعد:

"نوارة" الكلام ده خلص وانتهى، والذنب ده أنا كفرت عنه كتير، وأنتِ بنفسك قولتيلي إنك سامحتي


لم ترفع عينيها إليه فرفع ذقنها برفق حتى تواجه نظراته وترى الصدق الذي يملأها وهو يتابع:

ولا يا "نوارة" مكانش هينفع تمشي، أنا وأنتِ بنينا البيت ده، ومستحيل أستغنى عنك.


ثم أردف بصوت جعل فؤادها ينبض، مكررًا كلماتها:

جوزك، وأبو ابنك، والراجل اللي بيحبك ميستحملش حياة أنتِ مش فيها يا "نوارة".


كانت أنامله التي مسحت عبراتها عن وجنتيها أشبه بالشفاء من داء كان هو سببه.


نظرت إليه بعتاب، فبادلها النظرة نفسها، ثم قال مازحًا:

أنا هخرج أقطع الملف ده مية حته، وبلاها شغل خالص علشان عيونك يا "نوارة".


ابتسمت أخيرًا، رغم كل شيء ابتسمت.


لم تعد تملك طاقة للجدال أكثر، ولا لمقاومة رغبتها في تصديق كلماته، رغم أن الجرح القديم ما زال ينبض بالألم داخلها.


تحدثت أخيرًا:

هقوم أكمل العشا.


وبلطف شديد رد عليها، غامزًا بمشاكسة:

لا، أنا اللي هعملك العشا.


بعد مغادرته قررت الذهاب إلى ابنها، وصلت إلى غرفته فوجدته واقفًا أمام النافذة يطالع الطريق في الخارج، كان يقرأ سورة الناس ولكنه توقف عن الترديد حين شعر بحضورها


ابتسمت "نوارة" بحنان قبل أن تسأله:

واقف تبص من الشباك ليه يا "بلال".


هل يخبرها أنه كان يتابع رحيل "سهر" بعد كل ما حدث بسببها؟ أم يخبرها أنه شعر بالاختناق بمجرد أن بدأ الشجار بينها وبين والده، فسارع إلى النافذة بحثًا عن بعض الهواء؟

طال صمته، وفي النهاية التفت إليها وسأل سؤالًا لم تتوقعه:

هو أنتِ وبابا اتخانقتوا ليه؟

_ احنا متخانقناش يا حبيبي.

قالت ذلك وهي تعلم أن "بلال" أذكى من أن يصدق هذه الكذبة. كان سابقًا لسنه، يلاحظ أكثر مما ينبغي ويفهم أشياء لم يكن من المفترض لطفل في عمره أن يفهمها.


استدار إليها "بلال" قائلًا:

أنا سمعت صوتكم عالي، أنتوا علطول لما بتتخانقوا بيكون بسبب طنط "سهر".


عجزت عن الرد، لكنه واصل إرهاق روحها بأسئلته:

ماما هي طنط "سهر" عملت إيه ليكي؟

إيه اللي خلاكي تزعلي منها ومتبقوش صحاب؟


أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستدعي ابتسامة جاهدت لتظهر، وهي تضم وجه ابنها بين كفيها وتحادثه برفق:

في حاجات أنت ممكن متفهمهاش، وده مش علشان أنت صغير.

لا أنا عارفه إنك كبير وعقلك يوزن بلد بس ده مش وقتها.


كان ينظر إليها بحزن رغبت في وأده فورًا. لم تكن تريد أن ترى تلك النظرة في عيني ابنها أبدًا، فأكملت:


أنا عايزاك تركز في مذاكرتك وفي نفسك، ومتقلقش أنا وبابا مش متخانقين ولا حاجه.


ثم استرعت انتباهه حين نطقت:

أقولك على حاجه كمان؟


هز رأسه موافقًا فأخبرته بضحكة:

أنا خليته يدخل يحضر العشا عقاب ليه علشان مبيسمعش الكلام.


ابتسم "بلال"، فتابعت بشفقة مصطنعة:

بس شكله صعب عليا.


_ تيجي نساعده؟

اقترحت ذلك على ابنها، فوافق على الفور.


أخذته من يده بابتسامة هادئة، متجهة به إلى حيث والده، وقد نجحت في إخفاء ما يعتصر قلبها من أجله وحده...من أجل "بلال".


_________________________________________


ليه خلتنى أحبك؟..

لا تلومني ولا أعاتبك..

فين أهرب من حبك؟..

روح منك لله..

بدموعي الحيرانة..

وعيوني السهرانة..

بدعيلك بأمانة..

روح منك لله.


كانت "نوارة" تجلس في الشرفة تستمع إلى صوت "ليلى مراد" المنبعث من المذياع، تردد الكلمات معها، ولا يحضر إلى ذهنها سوى "طارق".


كم لامست هذه الأغنية وجعها، فكل سؤال تغنيه "ليلى مراد" الآن سبق أن همست به "نوارة" لنفسها في ليالٍ طويلة لم تعرف النوم فيها لحظة.


كيف تهرب من هذا الحب؟ وكيف تنجو منه، وهي كلما تذكرت ما فعله بها "طارق" تألمت، وكلما نظرت إليه أحبته أكثر؟


قطع شرود "نوارة" رنين هاتف المنزل الذي وصلها صوته من الخارج.


تركت فنجان قهوتها على الطاولة واتجهت لترد، لتتفاجأ بصوت "أحمد" زوج شقيقتها، وفي الخلفية كانت تسمع صرخات "إيمان"، مما جعلها تسأله بلهفة:

خير يا أحمد هي "إيمان" بتولد؟


_ أيوه يا "نوارة"، هي اللي طلبت مني أكلمك وعايزاكي معاها.

كان القلق ينهش قلبه على زوجته، وانتقل الخوف إلى "نوارة" هي الأخرى، فموعد الولادة لم يحن بعد.


_ طب أنا هجيلكم حالا، اديني عنوان المستشفى.


أجابها سريعًا:

احنا لسه نازلين من البيت أهو وطالعين على المستشفى، انزلي استنيني يا نوارة وهعدي عليكي في طريقنا.

وقبل أن ترد، وصلها صوت "إيمان" وهي تهتف باسمها بلوعة، فانتفض قلبها وأسرعت تطمئنها، بينما تجمعت الدموع في عينيها:

متخافيش يا "إيمان" هتقومي بالسلامة إن شاء الله. 


اشتد خوف "نوارة" على شقيقتها، فـ"إيمان" لم تكن أختها الصغرى فحسب، بل قطعة من قلبها، ورغم حبها لشقيقتها الكبرى "أميرة"، ظلت "إيمان" الأقرب إليها منذ أن حرمهن الموت من أبويهن، فلم يبق لهن سوى بعضهن البعض.


لم تنتظر أكثر، أسرعت إلى غرفتها لتبدل ملابسها استعدادًا للنزول، وفؤادها لا يرحمها كلما تذكرت صرخة شقيقتها المستغيثة ونداءها، ولم تتمن في هذه اللحظة سوى أن يمر هذا اليوم بسلام.


_________________________________


انتهى اليوم الدراسي أخيرًا، حمل "بلال" حقيبته وسار برفقة صديقه، عازمًا على العودة إلى المنزل، لكنه توقف فجأة حين لمح والده أمام بوابة المدرسة، واقفًا بجوار سيارته ينتظره.


اتسعت ضحكته وهرول نحو والده بحماس، فاحتضنه "طارق" قائلا بابتسامة:

لا أنا كده هاجي أخدك كل يوم علشان الفرحة دي


_ ليه جيت النهارده تاخذني.


سأله "بلال"، بينما كان والده يحمل حقيبته ويضعها في السيارة، ثم أجابه:

ماما مش في البيت، راحت مع خالتك "إيمان" علشان بتولد، واتصلت بيا وأنا في الشغل علشان أجي أخدك، فأنا ما صدقت بصراحة وجيت جري.


ظهر الحزن على وجه "بلال" وهو يقول:

بس هي وعدتني تاخدني معاها لما خالتو إيمان تيجي تولد.


مسح "طارق" على رأسه وقال برفق:

معلش يا حبيبي الموضوع جه فجأة، وبعدين احنا هنروحلهم، تروح بس تتغدى الأول وأنا ألبس ونشوف هما لسه في المستشفى ولا رجعوا البيت ونطلع على هناك.


وافق "بلال" على مضض، ثم ودع صديقه وركب السيارة إلى جوار والده، لينطلق "طارق" به في طريق العودة إلى المنزل.


لم يستغرق الأمر الكثير من الوقت، وصل "طارق" وابنه إلى المنزل، ونفذ تعليمات "نوارة" كاملة، فتأكد من أن "بلال" بدل ملابسه وتناول غداءه، وما إن انتهيا حتى بدأ "بلال" يطارده بالسؤال نفسه:

هنروح ليهم امتى؟


ابتسم "طارق" على إلحاح ابنه ثم رد عليه بما يرضيه:

ادخل غير هدومك وأنا هجهز ونطلع على المستشفى.


هرول "بلال" إلى غرفته فور سماعه هذه الجملة وكان "طارق" على وشك أن يفعل المثل، لكنه توقف حين سمع دقات على الباب.


اتجه نحوه وفتحه، ليتفاجأ بـ"سهر" تقف أمامه.

فقدت عقلها...هذا أول ما خطر له في تلك اللحظة.


أما هي فلم تنتظر على الباب كما فعلت في المرة السابقة، بل تخطته إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها، الأمر الذي أفقده أعصابه تمامًا.


أمسك بمرفقها وهتف بنبرة منفعلة حرص على خفضها حتى لا يسمعه ابنه:

أنتِ بتلعبي معايا يا "سهر"، بتحاولي توصلي لإيه فهميني؟


_ ليك.

قالتها بنبرة زلزلت ما تبقى من ثباته، تجمد في مكانه للحظة، بينما كانت نظراتها تجوب ملامحه وكأنها تحفظها عن ظهر قلب، وكأن كل ما فيها يبوح بما عجزت عن كتمانه طويلًا.


ابتسمت حين رأت تأثيرها عليه وتحدثت بما أتت لأجله:

عايزه اتكلم معاك.


أفاق مما هو فيه، متذكرًا أن "بلال" قد يخرج في أي لحظة، وأنه بالتأكيد سيخبر أمه عند عودتها بوجود "سهر" هنا، لذلك قال بحدة:

"بلال" ممكن يخرج حالا، وأنا مش عايزه يشوفك هنا.


ازدادت ابتسامتها اتساعًا وهي تهمس:

يبقى بلاش نتكلم هنا، "بلال" ولد مؤدب افتكر مش هيدخل عليك أوضتك من غير ما يخبط.


ولم تمهله فرصة للاعتراض، إذ اتجهت مباشرة إلى غرفته وفتحت الباب.


_"سهر"!

هتف باسمها غير مصدق ما تفعله، لكنها لم تلتفت إليه حتى، واكتفت بالدخول تاركة الباب مواربًا خلفها، وكأنها لا تشك لحظة في أنه سيلحق بها.


مرر يده بين خصلات شعره بعصبية، وكاد يقتلعها من شدة انفعاله، ثم تنهد بقوة قبل أن يتجه إلى غرفة ابنه. 


طرق الباب وسمع صوت "بلال" يأتيه من الداخل:

نعم يا بابا 


أجابه بنبرة هادئة افتعلها بصعوبة:

"بلال"، أنا لسه مجهزتش يا حبيبي، كنت بعمل مكالمة شغل، لما تخلص لبس انزل اشتري العصير اللي بتحبه لحد ما أجهز.


وافقه "بلال"، فأغلق "طارق" عينيه لثانية قبل أن يتجه إلى غرفته عاقدًا العزم على وضع حد لهذه المهزلة، فـ"سهر" لم تعد تترك له مساحة لالتقاط أنفاسه، وتلك الفوضى التي أشعلتها لا بد أن تنتهي اليوم.


دخل إليها، فوجدها تنتظره بهدوء مستفز، وكأنها لم تفعل شيء.

حرص على أن تبقى نبرة صوته هادئة، رغم الغضب الذي كان يغلي بداخله، وقال بصرامة:

أنتِ هتطلعي من هنا، وتخرجي من البيت ده ورجلك متعتبهوش تاني.


هزت رأسها موافقة، وهي تطالعه بتلك النظرات التي تعرف جيدًا أثرها عليه، ثم قالت بهدوء:

جايز فعلا يا "طارق" تقدر تخرجني من البيت ده ومتخليش رجلي تعتبه تاني أبدا، لكن مش هتقدر تخرجني من جواك.


_ أنا خرجتك من زمان واختارت "نوارة" و"بلال".


قال جملته تلك، وما إن انتهى منها حتى وجدها تقطع المسافة الفاصلة بينهما حتى كادت تتلاشى.

رأت تأثيرها عليه، ذلك العرق النابض في عنقه، وأنفاسه التي لم تعد منتظمة، وعينيه العالقتين بها رغم محاولته صرفهما عنها، فضاعفت انتصارها وهمست:

كداب


التحمت الأعين، ثم اقتربت أكثر حتى أصبحت كلماتها تلامس شفتيه قبل أن تصل إلى أذنيه:

تحب أثبتلك إنك كداب دلوقتي؟


كانت فتنة تمشي على قدمين، والأسوأ أن حزنها زادها جمالًا في عينيه، وهي تنطق بنبرة أنهكته:

أنا حبيتك يا "طارق" وأنت كمان حبتني وقولتلي ده، وأنا مش بكره "نوارة" ولا عايزه أبوظ حياتك

شعر بدموعها الساخنة تسقط على عنقه، فتداعى ما تبقى من مقاومته، بينما واصلت هي بصوت مرتجف:

أنا راضية أكون التانية بس نبقى سوا، من يوم ما قولتلي إنك بتحبني وأنا بقى ليا حق فيك، أنا بدافع عن الحق ده.


هرب من نظراتها، وجاهد ليستعيد اتزانه وهو يبتعد عنها، ثم قال برفق:

مش هينفع يا "سهر"، احنا الاتنين دوسنا على "نوارة" وهي متستاهلش مننا كده.


هز رأسه رافضًا حتى مجرد تخيل الأمر، وأكمل:

أنا بحبها ومش هقدر أجرحها وأقولها بسهولة إن مشاعري ناحيتك لسه موجوده وكمان أطلب منها تقبل إني أتجوزك.


سألته باستنكار شديد:

طب وأنا اتجرح عادي؟


ولم تمهله فرصة للإجابة، بل تابعت بإصرار:

وبعدين أنت مش هتعمل حاجه عيب ولا حرام، مش أول ولا أخر واحد يتجوز على مراته.


_ لو أنتِ مراتي ترضي أتجوز غيرك؟


ظن أن سؤاله سيجعلها تدرك حجم ما تطلبه، لكنه فوجئ بها تجيب دون تردد:

أنت حبيتني وأنت متجوز "نوارة"، لو اتجوزتني وفي يوم حبيت غيري وأنا معاك، مش هعترض.


ومن جديد، قطعت المسافة الفاصلة بينهما وهي تقول بثقة أربكته:

بس ده عمره ما هيحصل، وأنت معايا مش هتقدر تحب ولا تفكر في أي حد غيري حتى "نوارة".


هذه المرة ضعفت مقاومته، وترك اقترابها أثرًا لم يستطع إنكاره، وفي اللحظة التي شعر فيها أن ثباته يتهاوى، علا رنين الهاتف في الغرفة وكأنه أنقذه.


ابتعد عنها على الفور، واتجه مسرعًا ليرد قبل أن يخرج "بلال" إلى هاتف الصالة.

أما هي فأغمضت عينيها بضيق شديد، فقد كانت على بُعد خطوة واحدة من تحقيق ما جاءت من أجله، وإقناع "طارق" بالموافقة.


انتبهت إلى نبرة صوته وهي تسمعه يقول بقلق:

أيوه أنا "طارق".


وفي اللحظة التالية تحول كليًا، شحب وجهه، وهتف بانفعال امتزج بعدم التصديق:

حادثة؟..حادثة إيه؟


لم تصدق "سهر" ما تسمعه، فاقتربت منه في محاولة لفهم ما يحدث.


أما "طارق"، فبعد أن تأكد أن زوجته في المستشفى إثر حادث سير تعرضت له برفقة شقيقتها "إيمان" وزوجها، شعر بأن الأرض تميد من أسفله، وبالكاد استطاع أن يلتقط أنفاسه قبل أن يقول بنبرة بان فيها لهفته وفزعه:

أنا جاي حالا.


في اللحظة التالية سمع صوت ابنه من خلف باب الغرفة يقول:

أنا هنزل يا بابا أشتري العصير لحد ما تخلص.


_ ماشي يا "بلال".

حرص أن تبدو نبرته طبيعية، بينما كانت يداه تبحثان في عجلة عن مفاتيحه.


راقبته "سهر" وقد التقطت من مكالمته ما يكفي لتدرك أن أمرًا جللًا قد حدث، انتظرت نزول "بلال" وما إن سمعت صوت باب الشقة يُغلق، حتى سألته بقلق:

إيه اللي حصل يا "طارق"، وأنت رايح فين كده؟


لم يجبها، واكتفى بأن أمسك بمرفقها واتجه بها نحو الخارج وهو يقول على عجل:

اخرجي اقعدي برا، ولما "بلال" يطلع قوليله إنك قابلتيني تحت وأنا اللي اديتك المفتاح وطلبت منك تطلعي تفضلي معاه علشان في مشكلة في العربية هصلحها وأرجع أخده.


لم تستطع كبح فضولها وقلقها، فعادت تسأله:

طب قولي أنت رايح فين، وبعدين هتنزل بهدوم البيت!


لم يكن يملك رفاهية إضاعة ثانية أخرى، كل ما يشغل باله الآن هو "نوارة"، وأن يخرج قبل أن يعود "بلال"، فتخطاها وهو يقول بانفعال:

اعملي اللي قولتلك عليه، وسيبيني في حالي دلوقتي.


خرج أمامها دون أن يهتم حتى بإغلاق الباب، أما هي فبقيت مكانها، تحاول تخمين الكارثة التي وقعت، هل كانت "نوارة" هي ضحية الحادث الذي سمعته يتحدث عنه؟


"نوارة"... صديقتها التي منذ عرفتها، وهي ترى أن الحياة لا تتفنن في شيء قدر إنصافها.


أرادت "سهر" مشاركتها في رجلها، فحاربت من أجل ذلك بكل ما أوتيت من إصرار، لكن أن تسمع خبرًا عن حادثٍ ربما يهدد حياة "نوارة" فلم يكن مما خطر ببالها يومًا.


قطع تفكيرها دخول "بلال" من الباب المفتوح أمامها، وهو يحمل بيديه علبتي عصير، وقد ابتاع لوالده واحدة منهما.


تجمد في مكانه فور أن رآها، وظل يطالعها بصمت ثقيل.


أما "سهر" فابتسمت له ابتسامة متوترة، حاولت أن تبدو طبيعية، لكنه لم يتجاوب معها.


وقف الاثنان في مواجهة صامتة، وكل منهما يدرك في داخله أن وجود الآخر في هذه اللحظة تحديدًا هو آخر ما كان يتمناه.


_________________________________________


جلس "طارق" على أحد مقاعد المستشفى، ساكنًا تمامًا، كأن ضربةً أفقدته القدرة على استيعاب ما يدور.


كان يسمع الأصوات من حوله، ويرى حركة الأطباء والممرضين، لكن عقله يرفض تصديق أن كل هذا يحدث بالفعل.


منذ أن وطئت قدماه المستشفى، تلقى الصدمة تلو الأخرى.

علم أن "نوارة" وشقيقتها "إيمان" وزوج الأخيرة تعرضوا لحادث سير، وأن "أحمد" فارق الحياة في الحال، بينما ترقد كل من "نوارة" و"إيمان" في حالة حرجة.


وكانت حالة "إيمان" هي الأخطر إذ اضطر الأطباء إلى توليدها في محاولة لإنقاذ طفلتها، وقد نجحوا في ذلك، فأبصرت الصغيرة النور، بينما لا تزال أمها تصارع الموت.


أغمض "طارق" عينيه في محاولة للهرب من كل هذا، لكن صورة "إيمان" لم تفارق مخيلته، وبالأخص نبرتها الواهنة حين طلب منه الأطباء الدخول إليها.


لم يصدق أن تلك المرأة الملقاة أمامه هي نفسها شقيقة زوجته؛ "إيمان" التي اعتاد أن يرى الحياة تفيض من عينيها أما الآن فكان كل شيء فيها يوحي بأن النهاية باتت أقرب من النجاة، حتى صوتها الخافت وهي تتمتم بصعوبة:

بنتي يا "طارق"...بنتي.


فتح عينيه، وحدق أمامه طويلًا، ولم يشعر حتى بالدموع التي انسابت على وجهه.

مرر كفه على رأسه، ثم استدار ينظر إلى باب غرفة زوجته، التي لم يتلقَّ حتى الآن ما يطمئنه عن حالتها.

كانت آخر الأخبار عنها أنها بحاجة إلى دخول غرفة العمليات على الفور، فلم يكن أمامه سوى أن يمنح موافقته وينتظر، وما أبغض الانتظار في تلك اللحظة!


عاد إلى شروده، وعيناه لا تفارقان الأرضية أمامه، وكأنه ينتظر منها أن تحمل إليه خبرًا يبدد هذا الكابوس.


لم يفق إلا حين سمع صوت الطبيب الواقف أمام مقعده يناديه:

أستاذ "طارق".


استقام واقفًا، وحبس أنفاسه دون أن يشعر، وكأن مصيره كله بات معلقًا بالكلمة التي سينطق بها الطبيب، ولم يتوقع أبدًا أن يسمع:

البقاء لله.


شعر "طارق" بالأرض تُسرق من أسفل قدميه، حتى معرفة من رحل منهما كانت فوق احتماله؛ أزوجته أم شقيقتها؟ نطق بصعوبة، وصوته بالكاد خرج:

مين فيهم؟


وتمنى ألا يجيبه الطبيب، تمنى لو ظلت الحقيقة معلقة للحظات أخرى، لأنه حقًا لم يعد يملك من القوة ما يكفي لسماعها، خاصة إن كانت تحمل إليه ما يخشاه.


----------------------------------------------------------------


ثلاثة أشهر، ويوم، وأربع ساعات منذ الحادث.

ومنذ ذلك اليوم، لم يعد شيء كما كان. 

فقدت الحياة معناها في عيني "نوارة"، بعدما خسرت شقيقتها، وخسرت معها القدرة على الوقوف على قدميها، لتصبح أسيرة مقعدٍ متحرك لم تتخيل يومًا أن ترافقه أبدًا.


جلست شقيقتها الكبرى "أميرة" أمامها، وتحدثت بحزن وهي ترى ما آل إليه حالها:

وبعدين يا "نوارة"، متوجعيش قلبي عليكي بقى أنتِ كمان كفاية اللي راحوا.


لم تجبها "نوارة"، بقيت صامتة وعيناها معلقتان بالصغيرة التي تحملها بين ذراعيها. 

ابنة "إيمان" التي لم تفارقها لحظة منذ خروجهما من المستشفى، كان من المفترض أن تكون الآن بين أحضان أمها، لا بين ذراعي خالتها.


_ يا "نوارة" بقالك تلات شهور على الحال ده، لو كان الحزن هيرجع اللي راح كنا فضلنا نحزن طول العمر.


قالت لها "أميرة" هذا وهي تربت على كفها ثم أضافت بحنان:

علشان خاطر ابنك وجوزك يا حبيبتي، وعلشان خاطر الدوا اللي بتاخديه.


لمحت السخرية التي مرت بعيني "نوارة" بمجرد ذكر العلاج، فسارعت تقول، وكأنها تتمسك بآخر خيط من الأمل:

على فكره الدكتور قال إنك هترجعي تمشي وهتبقي زي الفل إن شاء الله، بس محتاجه تنتظمي على العلاج والجلسات، وتساعدي نفسك شوية يا "نوارة".

استقامت "أميرة" واقفة، وانحنت تقبل رأس "نوارة"، ثم قالت برفق:

خلي أملك في ربنا كبير يا حبيبتي.


هزت "نوارة" رأسها في صمت، ثم سمعتها تقترح:

ما تديني "إيمان" الصغيرة كام يوم، عيالي نفسهم يـ...


لكنها لم تكمل فقد ضمت "نوارة" الصغيرة إلى صدرها في حركة غريزية، وكأن أحدًا يحاول انتزاعها منها، وقالت بلهفة:

لا متخديهاش.


_ خلاص يا حبيبتي متخافيش مش هاخدها، أنا بكرا هجيب العيال يشوفوها هنا.


قالتها "أميرة" في محاولة لطمأنتها قبل أن تضيف:

أنا همشي علشان جوزي بقى وبكرا بإذن الله أول ما ينزل الشغل هجيلك علطول.


تنهدت في استسلام حين لم تلق منها ردًا، ثم انحنت تقبل جبينها مرة أخرى، وألقت نظرة أخيرة على الصغيرة قبل أن تغادر الشقة على مهل، تاركة خلفها "نوارة" وحيدة، غارقة في شرودها من جديد.


في التوقيت ذاته، كان "طارق" قد انتهى من رص أطباق الطعام على المائدة بمساعدة ابنه "بلال"، الذي بدا وكأنه التقط من أمه عدوى انطفاء الروح منذ ما حدث.


اتجه "طارق" نحو "نوارة" بابتسامة واسعة، بذل جهدًا كبيرًا لتبدو صادقة، ثم أمسك بمقبضي كرسيها المتحرك ودفعه برفق باتجاه المائدة، وقال ممازحًا:

أميرة شكلها مش واثقة في قدراتي المطبخية وخايفة عليكي من أكلي، لازم كل ما تيجي تجيب معاها أكل


التقط ابتسامتها الخافتة، فاتسعت ابتسامته وأكمل: بس أنا قولت مهما حصل لازم النهارده "نوارة" تدوق المكرونة بتاعتي أنا وبلال.


هز "بلال" رأسه بحماس مؤيدًا حديث والده، والتفت "طارق" إلى زوجته قائلًا برجاء:

"إيمان" نامت هاتيها أدخلها الأوضة.

وقبل أن تعترض، كان قد أخذ الصغيرة برفق من بين ذراعيها حتى تتمكن من تناول طعامها في راحة ثم اتجه بها إلى الغرفة.


التقت عينا "نوارة" بعيني "بلال" كان يطالعها بحزن صامت، فارتد إلى أذنها صوت "أميرة" وهي تقول:

علشان خاطر ابنك.


مدّت يدها إلى الملعقة على الفور، وتذوقت من الطبق أمامها، ثم التفتت إلى "بلال" بابتسامة وسألته:

قولي بقى ساعدت بابا بجد ولا هو بيضحك عليا.


سعد بسؤال أمه هذا أكثر من أي شيء أخر وبان هذا في إشراقة وجهه وهو يجيب بحماس:

لا أنا ساعدته في كل حاجه، وكمان ظبطنا الملح زي ما بتحبيه بالظبط يا ماما.


_ تسلم إيدك يا نور عين ماما.


سمع "طارق" مدحها وهو يعود إليهما، فسأل ضاحكًا:

وأنا مليش أي حاجه يا "نوارة" ولا إيه؟


جلس جوارها فمدت يدها تمسد على كفه في حركة مفاجأة، ورأى الامتنان في عينيها وهي تقول:

أنت حبيبي يا "طارق".


التقت عيناهما لثوانٍ، وشعر "بلال" للمرة الأولى منذ أشهر أن الحياة عادت إلى بيته، وتمنى لو تدوم هذه اللحظات إلى الأبد.


________________________________________


النوم نعمة كبيرة، أدركت "نوارة" قيمتها حين حرمتها الهموم منها.

كانت ممددة على الفراش، تحدق في اللاشيء وسط عتمة الغرفة، حتى شعرت بلمسات "طارق" الراقد إلى جوارها على كفها.

ماذا تفعل بهذه الحرب المشتعلة داخلها؟ لا تهدأ، مهما حاولت أن تخمدها.


استدارت نحو "طارق"، وما إن التقت عيناها بعينيه حتى تاهت فيهما. 

لم تجد فيهما ضيقًا، ولا عتابًا، بل ذلك الصبر الذي لم يفارقه منذ الحادث. 

كانت تعلم أنه يتقبل جفاءها وابتعادها بصمت، لأنه يدرك جيدًا ما تمر به.

حتى محاولاته لمواساتها كانت تؤلمها، كلما همس لها عقلها بأنه ربما لم يعد يفعل ذلك إلا شفقةً عليها... وكانت تلك الفكرة وحدها كفيلة بقتلها.


سارت أنامله ببطء على وجهها، وكأنه يحفظ ملامحها، كانت نظراته أرق من أي شيء، ثم أحاطها بذراعه بحنان، ومال يقبلها.

استسلمت له، وأغمضت عينيها، راغبةً في أن تنسى حزنها ولو لبرهة... وكان هو بارعًا في منحها ما أرادت.


وصل إلى أذنيه همسها وهي تبثه حزنها:

أنا قلبي واجعني أوي يا "طارق".


ضمها إليه أكثر، وربت على ظهرها برفق وهمس:

كل حاجه هتخلص، وأنتِ هتبقي كويسه وهننسى، هنحاول ننسى سوا يا "نوارة".


بمجرد أن أنهى جملته، علا صوت بكاء الصغيرة فطمأن "طارق" زوجته بأنه سيحضرها إليها، ثم يعد لها رضعتها. 


اكتفت "نوارة" بابتسامة صغيرة، وعيناها لا تفارقانه كانت تشعر بامتنانٍ مؤلم؛ فكلما ازداد عطاؤه لها، ازداد شعورها بأنها لم تعد تمنحه شيئًا في المقابل، ولم يكن هناك ما يؤلمها أكثر من ذلك.


------------------------------------------------------------


كان "طارق" يشعر وكأنه يدور في دائرة مغلقة، لا يرى لها بداية ولا نهاية. خرج من عمله مثقل الرأس، واتجه إلى سيارته وما إن همَّ بتشغيلها حتى لمح "سهر" تستوقفه.

اقتربت، واستأذنته بنظرة مترددة قبل أن تصعد إلى المقعد المجاور، ثم قالت:

ممكن أتكلم معاك شوية.


زفر ببطء، ثم قال وقد بدا الإرهاق واضحًا على ملامحه:


أكيد أنتِ شايفة إن حالتي متسمحش بأي كلام الفترة دي.


لم تغضب من رده، بل هزت رأسها بتفهم وقالت:

عارفة وشايفه، وحقيقي أنا صعبان عليا حالتك دي، وصعبان عليا اللي حصل لـ "نوارة" كمان.


ولم تمهله فرصة للرد، بل فتحت حقيبتها، وأخرجت منها علبة بلاستيكية صغيرة تحت نظراته المستغربة:

بلاش كلام في أي حاجه تضايقك يا "طارق" دلوقتي.


ناولته العلبة بابتسامة وأضافت:

أنا عملتلك الكيك اللي بتحبها، وهتاكلها وتخلصها كلها كمان.


أخيرًا رأت ابتسامته فسعد فؤادها لكنه همس بما يثقله منذ شهور:

أنا تعبان يا "سهر".


نظرت إليه بحزن وربتت على يديه قائلة:

عارفه وحاسه بيك، ومش قادره أشوفك كده.

كان ضائعًا... وتلك كانت أدق كلمة تصف ما يعيشه، لذلك قالت برجاء:

احنا هننسى دلوقتي أي حاجه ونروح نتغدى في أي مكان، وبعدها تحكيلي كل اللي تاعبك ونحاول نشوف حل.


هز رأسه معتذرًا:

مش هينفع لازم أتغدى مع "نوارة" و"بلال".


قالها رغم رغبته الشديدة في الهروب من كل شيء وتلبية دعوتها، وتوقع أن يضايقها رفضه، لكنها ابتسمت برفق وقالت:

خلاص بلاش نروح نتغدى، احنا ناكل الكيك دي وأنت بتحكيلي.


هز رأسه موافقًا، ولا يعلم متى سيتوقف عن الغرق في عينيها الخضراوين اللتين طالما أغوتا قلبه، ذلك القلب الذي كان يرغب في التوبة عن ضعفه لأجل "نوارة".


_______________________________________


مر عام كامل... عام هدأت فيه العاصفة قليلًا، لكن آثارها ظلت عالقة في القلوب.

جلست "نوارة" إلى جوار المذياع، الذي لم تعد تهتم به كما في السابق، لكن "بلال" كان يرفض استسلامها، ويصر دائما على أن يعيد إليها ما فقدت شغفها به.


ابتسمت بحنان وهي تراه يجلس على الأرض إلى جوار "إيمان"، يشاركها اللعب وكأنه في مثل عمرها. 

كانت تلك الصغيرة منذ اللحظة الأولى مسؤوليته التي لم يفرضها عليه أحد؛ الشقيقة التي طالما تمناها، فشارك أمه في رعايتها بكل ما يستطيع، ليخفف عنها ويمنحها بعض الراحة.


بدأت "إيمان" تشير نحو "نوارة"، وهي تردد:

ماما


ضحك "بلال"، ثم نظر إلى أمه متصنعًا التذمر:

يعني أنا بقالي ساعه بلعب معاها وفي الأخر عينها عليكي أنتِ بس.


ضحكت "نوارة" على حديثه، فاتسعت ابتسامة الصغيرة، وقد ظنت أن ضحكتها كانت من أجلها، فطالبتها "نوارة" بحنان:

تعاليلي يا "موني" هنا.


أشارت إلى المساحة أمام كرسيها المتحرك، وظلت تتابع خطوات الصغيرة المتعثرة وهي تتجه إليها، قبل أن يقطع تركيزها صوت "بلال":

هو بابا هيتأخر النهارده؟


لم تكن تعلم، ولم تعد تسأل "طارق" عن سبب تأخر عودته. يكفيه ما يحمله فوق كتفيه منذ ذلك الحادث؛ مسؤولية المنزل، وعمله، ومرافقتها إلى جلسات العلاج، ورعاية "بلال" و"إيمان"، ورغم كل ذلك لم يبخل عليها يومًا بحبه، ولا توقف عن طمأنتها والتأكيد أنه راضٍ وسعيد بكل ما يفعله من أجلها


ولكن كان قلبها يؤلمها، تشعر أن هناك شيئًا يخفيه عنها، تراه واضحًا في عينيه، وكلما حاولت الوصول إليه، هرب منها وأشد ما تخشاه هذا الهروب.


وكعادته، كان المذياع رفيقها الذي يترجم ما تعجز عن البوح به، وصل إلى أذنيها صوت "سمية قيصر" تغني إحدى الأغنيات القريبة إلى قلبها، فرفعت "نوارة" الصوت قليلًا، وأخذت تنصت:

يقول الناس يا عمري .. بأنك سوف تنساني

وتنسى أنني يوما .. وهبتك نبض وجداني


حتى طرقات الباب المفاجئة، وخطوات 'بلال' المهرولة لفتحه، لم تنتزعها من اندماجها، لكن ما إن وقع بصرها على الواقفة خلفه حتى تجمدت ملامحها.


كانت "سهر" 

وفي الخلفية، ظل صوت "سمية" ينساب:

وتعشقُ موجةً أخرى .. وتهجر دفء شُطآني

ويسقط كالمنى إسمي .. وسوف يتوه عنواني


لم يتزحزح "بلال" خطوةً واحدة، عاد إلى ذهنه لقاؤه الأخير بهذه المرأة قبل عام، حين تركه والده معها وذهب إلى المشفى، ذلك اللقاء الذي لم يخبر أمه عنه مطلقًا.

لم يكن "بلال" في تلك اللحظة ذلك الصبي المهذب الذي اعتادت "سهر" رؤيته، بل كان آخر وقد غلف الجفاء صوته وهو يسألها:

عايزه إيه؟


_ عايزه ماما يا حبيبي.

قالتها وهي ترمقه بضيق من أسلوبه، قبل أن يصلها صوت "نوارة" من الداخل:

دخلها يا "بلال".


وأضافت "نوارة" برفق بعدما رأت ابنها وهو يفسح الطريق لـ "سهر" حتى تدخل: 

خد يا "بلال" أختك وسيبونا لوحدنا. 


لم يرغب في هذا لكنه لم يعترض، أمسك يد "إيمان" واتجه بها إلى غرفته، ولم يبق في الصالة سوى "نوارة" و"سهر".


جلست "سهر" على المقعد المقابل لها، وقالت وهي تستند إليه بتعب:

معلش لو قعدت من غير ما تقوليلي، أصل تعبانة شويه.


لكن "نوارة" لم تهتم بما قالت، وسألتها مباشرة:

عايزه إيه يا "سهر"؟


ابتسمت "سهر" قبل أن ترد تعاتبها:

مش هتسأليني طيب أنا تعبانة ليه؟


ظلت "نوارة" صامتة، لقد مر وقت طويل منذ آخر مرة رأت فيها "سهر"، كانت آخر زيارتين لها حين جاءت لتقديم واجب العزاء في "إيمان"، ثم عادت بعدها تعرض مساعدتها، لكنها لم تجد من "نوارة" حينها سوى الرفض والجفاء.


_ طالما هتفضلي ساكتة يا "نوارة" يبقى أتكلم أنا.

قالت "سهر" ذلك بهدوء، ثم لمحت "بلال" يقف خلف باب غرفته الموارب، يراقبها وكأنه يخشى على أمه منها التقت عيناهما للحظة، لكنها تجاهلته تمامًا، وأردفت:

أنا تعبانة علشان أنا حامل.


هوى فؤاد "نوارة"، وتجمد "بلال" مكانه، وتركت "سهر" الصمت يثقل المكان لثوانٍ، قبل أن تتابع:

حامل من "طارق" جوزك.


كانت نظرات "نوارة" وحدها كفيلة بالتعبير عن صدمتها، حتى أنها لم تنتبه لـ"بلال" وهو يخرج من غرفته، تتبعه "إيمان" بخطواتها الصغيرة تطالع الوجوه حولها في حيرة.

أضافت "سهر" معلنة عن حقها في "طارق":

واللي هو جوزي أنا كمان من فترة وأنا وافقت الموضوع ميوصلكيش علشان مشاعرك.


_ أنتِ كذابة.

نطقها "بلال" بحدة، وقد تمنى لو تتوقف عن الكلام، خاصة وهو يرى الذهول يملأ عيني أمه، لكن "سهر" لم تعبأ، وأكملت:

بس مينفعش مشاعري تفضل تتداس علشانك، ولا ينفع يمنعني من الخلفة علشانك يا "نوارة"، علشان كده حبيت تكوني أول حد يعرف خبر حملي


علا صوت "بلال" الذي وقف أمامها يدافع عن أمه ويصرخ فيها:

اسكتي ومتقوليش حاجه لماما تاني، ملكيش دعوه بيها وامشي من هنا.


تنهدت "سهر" بضيق، لكنها أصرت على إكمال ما جاءت من أجله، اقتربت من "نوارة"، وربتت على ساقها برفق، بينما كانت الأخيرة غارقة في صدمتها، ثم قالت:

أنا متأكده إنك مش ظالمة وهتعرفي توزني الأمور كويس وتشوفي مصلحة الكل فين.


أبعد "بلال" يدها عن أمه فنفذ صبر "سهر" منه، ووبخته:

ملكش دعوه بكلام الكبار يا "بلال"، وادخل أوضتك زي ما ماما قالتلك.


_ لا مش هدخل، وأنتِ اللي هتمشي من هنا دلوقتي.


كان يغلي من الغضب، وفي اللحظة نفسها بدأت "إيمان" في البكاء، فاستقامت "سهر" واقفة، وقد قررت الرحيل، لكنها قبل أن تغادر التفتت إلى "نوارة"، التي كانت تطالعها بعينين دامعتين، وقالت:

صدقيني يا "نوارة" أنا مش عايزه أخرب البيت ده بالعكس ده أنا وجودي ممكن يحافظ عليه بالذات إن الحمل بقى تقيل على "طارق" لوحده.


كانت كلماتها كافية لتصيب "نوارة" في مقتل

اندفع "بلال" يدفعها نحو الباب، لكنها ثبتت مكانها للحظة، ثم قالت وهي تنظر إلى "نوارة":

أنا مش عايزه أكتر من حقي يا "نوارة".


تعالت أصوات المكان؛ بكاء "إيمان"، وغضب "بلال"، وصوت "سمية قيصر" المنساب من المذياع:

ترى ستقول يا عمري بأنك كنتَ تهواني؟

حبيبي... كيف تنساني؟


وحدها "نوارة" كانت ساكنة وما إن دخل "طارق" من باب الشقة حتى التقت عيناها بعينيه، فرأى في بريقهما انكسارًا لم يره من قبل، وكأن شيئًا بداخلها قد انطفأ، وقبل أن يستوعب ما يحدث قالت "نوارة" بنبرة هادئة، لا تشبه العاصفة التي تعصف بروحها:

أنا موافقة.

__________________________________________


ماذا تفعل بنا الأيام؟ أَنَستثمر أعمارنا في مطاردة أحلامنا، أم تستثمرنا هي في معارك لم نختر خوضها، وآلام لم نرغب بها يومًا؟


سنوات مضت منذ وافقت "نوارة"... موافقة أعقبتها عواصف لم ينج أحد من بطشها.


عواصف لا تتناسب تمامًا مع لحن البيانو الدافئ المنبعث من هاتفٍ يرقد صاحبه على أريكة في زاوية الغرفة.


ملأ صوت الأغنية المكان بنعومة غريبة:

صوتك، وجهك، عطرك، شعرك، لمسة إيدك عم تندهلي

شايف فيكي إم ولادي، شامم ريحة أرضي وأهلي


فتح "بلال" عينيه ببطء، محدقًا في سقف الغرفة، يردد الكلمات باستمتاع، ثم قال مبتسمًا:

فنان والله يا "مروان".


لم يعد ذلك الطفل الذي كان يستلقي في صالة بيته القديم، بل صار شابًا في العشرينيات، يتمدد على أريكة غرفته الخاصة، وعيناه معلقتان بالفتاة الواقفة على مقربة منه.


يراقبها بشغف وهي ترتدي ملابسها على عجل، تغلق أزرار قميصها، بينما تقع عيناها بين الحين والآخر على نظراته التي لا تزال تحتفظ بأثر اللحظات التي جمعتهما قبل قليل.


انتهت "سما" مما كانت تفعله، ثم اتجهت إلى المقعد المجاور له وجلست ترتب خصلات شعرها، وما إن فرغت حتى امتدت يد "بلال" يعبث بها كعادته، فابتسمت وقالت:

شكرًا إنك مسيبتش كل حاجه تضيع يا "بلال".


تعالت دقات فؤادها حين انسابت إلى أذنيها كلمات الأغنية التي كان يستمع إليها:

بحلم فيكي وعم بتأمل...

يكبر مرة الحلم ويكمل...

عمّر بيتي عإيديكي...

بيت صغير يصير الأجمل.


أفسح "بلال" لها المجال، وفرد ذراعه إليها قائلًا:

ما تيجي في حضني.


ضحكت وهي ترد:

ما أنا كنت لسه في حضنك، وبعدين احنا عايزين نتكلم.


جذبها من ذراعها برفق، فوجدت نفسها تستسلم لمكانها المعتاد بين ذراعيه، تمددت جواره وأسندت رأسها على صدره، فابتسم قائلًا:

طب ما نتكلم في حضني عادي. 


استكانت بين ذراعيه وابتسامة دافئة تزيّن وجهها؛ هنا فقط، في هذا الحيز الضيق، كانت تجد سعادتها الكاملة والوحيدة.

​لكن الحزن سرعان ما تسلل إلى عينيها وهي تتذكر ما يثقل عاتقها، سألته وهي على ثقة مطلقة بقدرته على إيجاد حل:

طيب هنعمل إيه؟


لكنه بدا وكأنه لم يسمع سؤالها، أو ربما اختار ألا يجيب الآن؛ فقط اشتدت يده حول خصرها، وردد مع كلمات الأغنية:

شو مشتاق لبيت صغير 

وأنتِ تحبيني مش أكتر

وشبابيك الإلفة تضّوي 

وأبواب الحيرة تتسكر


تمنت لو يتحقق في حياتهما القادمة كل ما تحمله هذه الكلمات من أحلام، نظرت إليه وهتفت بنبرة رجاء عذبة:

"بلال" رد عليا هنعمل إيه


لم يبادلها النظر، ظل غارقًا في صوت الموسيقى المنساب من حولهما، وتابع "مروان خوري" الغناء:

دقة قلبك ترسم قلبي

عمرك عمري ودربك دربي


غزا القلق فؤادها، ما هذه الحالة التي هو عليها؟، ابتلعت ريقها بتوتر واستفسرت:

أنت سامعني يا "بلال"؟


أخيرًا رفع عينيه إليها، لكنها لم تجد في نظرته جوابًا امتدت أنامله بخفة على وجهها، ووصل إلى أذنيها صوته يردد:

مشتاق لوجهك يحميني

يحميني من وجوه الكذبة


طالعت عينيه فلم تجد فيهما ما اعتادته، كانت هناك نظرات لا تشبهه جعلتها تشعر لأول مرة بالبرودة وهي معه، وقال هو:

لا مش سامعك.

ارتخت يده التي كانت تقبض على خصرها تمامًا، وقبل أن تجد كلماتها طريقها إلى فمها، عاد ينظر إلى هاتفه ثم أضاف:

ولا عايز أسمع.


ساد الصمت بينهما، عدا كلمات الأغنية التي لا تشبه تمامًا ما يحدث الآن:

بقول بحبك قلبي بيكبر وسع الكون ويرجع يصغر

عمر فوق الرمل الدايب قصر الشوق اللي ما بيتعمر


صارت تائهة بين كلمات تتردد، تفصح عن العشق والأحلام، وبين صدمتها من رده.

ظلت تطالعه بذهول، لكنها لم تجد إلا ذلك الصمت المألوف... صمتًا يشبه تمامًا ما غلّف روحه منذ سنوات طويلة عند باب شقتهم القديمة

يومها تخلّت والدته عن رفضها أن يشاركها أحد في زوجها، وقالت: موافقة.

واليوم، يبدو أنه هو الآخر يتخلى عن شيء ما... وأقسى ما تخشاه أن يكون ذلك الشيء هي.


يُتبع...

رواية_طيور_تهوى_الخداع


يارب الفصل يكون عجبكم، والبداية تكون قوية، مواعيدنا بإذن الله هتكون كل جمعة الساعة ١٠ 

متنسوش تدعوا لبابا وخالتو بالرحمة

وتقولولي رأيكم في الفصل وتوقعكم للأحداث الجاية 🩵


تعليقات

close