يوم طلاقي، أقسم أبي أمام طليقي وقال له:
«سأزوّج ابنتي لأول رجل يتقدّم لخطبتها، حتى لو كان كلـ.ـبًا !»
وفجأة، تقدّم جارنا الذي كان الجميع يصفونه بالمجنون وقال:
«أنا... أنا سأتزوج نوال! أنا سأتزوجها وأحبها!»
كانت الصدمة حين وافق أبي عليه بالفعل.
لكن الصدمة الحقيقية كانت ما فعله العريس ليلة الزفاف أمام طليقي وأهله!
منذ اليوم الأول لزواجي، رأيت الوجه الحقيقي لحمدي، طليقي، ولأمه وأخته. كانت أمه تعاملني وكأنني خادمة في منزلها، وكانت أخته تدس السم بيني وبينه في كل كلمة، بينما كان هو بلا شخصية، يسير خلفهما في كل شيء.
كانت حياتي معهم جحيمًا يوميًا، حتى قرر أهلي التدخل وإنقاذي منه. لكن حمدي وأمه لم يتركونا وشأننا، بل تعمدوا تضييق الحياة علينا وإذلالي والضغط على أعصاب أبي، حتى وصل بنا الأمر إلى أننا أصبحنا نتمنى أن يطلقني، حتى لو حُرمت من جميع حقوقي؛ من المؤخر والقائمة وأي شيء آخر... المهم أن أتخلص من ذلك السجن.
وفي يوم الطلاق، وبعد عذاب طويل بين المحاكم والجلسات العرفية، تم الطلاق رسميًا.
لكن طليقي لم يستطع أن يغادر المنزل من دون أن يترك بصمته الحقيرة.
وقف عند باب بيتنا، ونظر إلى أبي بابتسامة مستفزة وسخرية مقززة، ثم قال:
«مبروك عليكم الطلاق! وعقبال أن تجدوا لها عريسًا جيدًا... يكون من مستواي!»
كان أبي شديد العصبية، وكان الدم يغلي في عروقه، فأقسم من دون تفكير وقال:
«عهدٌ عليَّ أمام الله... لأزوّجنها لأول رجل يطلبها، حتى لو كان كلبًا في الشارع! سيكون أفضل منك وأكثر وفاءً منك ومن أصلك!»
وفي تلك اللحظة بالذات، كان يقف أمام باب الشقة أحد جيراننا، شاب يُدعى صلاح.
كان صلاح في منطقتنا معروفًا للجميع بأنه «مجذوب» أو مجنون. كان يسير في الشوارع ويتحدث إلى نفسه، وكانت ملابسه دائمًا ممزقة ومتسخة، وشعره منكوشًا، ولحيته طويلة. كان يترك أهله وبيته معظم الوقت، ويتسوّل من الناس ليحصل على الطعام أو قطعة من الحلوى.
وكنت دائمًا أشفق عليه. كنت أخرج له طعامًا نظيفًا، وأعطيه شيئًا حلوًا، وأبتسم في وجهه وأقول:
«ربنا يفك كربك يا صلاح.»
لكن صلاح، ما إن سمع كلام أبي، حتى أشرقت عيناه، واندفع عدة خطوات إلى الأمام، ثم صاح بصوت طفولي حاد:
«أنا... أنا! أنا سأتزوج نوال! أنا سأتزوجها وأحبها!»
ما إن سمع طليقي تلك الكلمات حتى انفجر ضاحكًا. ظل يضحك طويلًا، ثم قال:
«والله، هذه هي النهاية فعلًا!»
اشتد غضب أبي، وصاح فيه بعصبية:
«اخرج من بيتي أيها الندل! وليس لك شأن بمن ستتزوج ابنتي. لقد أقسمت أمام الله، وأنا موافق عليه! ما رأيك؟ إن صلاح عندي أفضل منك أيها الوضيع!»
غادر طليقي وهو يضحك بصوت عالٍ، حتى سمعه أهل الشارع كله.
ثم التفت أبي إلى صلاح وقال بجدية:
«اذهب وأخبر أهلك، وتعال... سأزوّجك نوال.»
قفز صلاح في الهواء كالأطفال، ثم ركض نحو منزله وهو سعيد، يصرخ من شدة الفرح.
أما أنا، فوقفت مصدومة، وتجمدت دموعي في عيني، ثم صرخت في أبي:
«ماذا تقول يا أبي؟! كيف أتزوج صلاح؟! أنت تعرف حالته، وتعرف أنه مجنون!»
نظر إليّ أبي نظرة قطعت قلبي، وقال:
«أتريدينني أن أنقض يميني؟ أتريدين أن تكسري كلمتي؟»
لم أستطع الرد.
ركضت إلى غرفتي، وألقيت بنفسي على السرير، وبكيت بحرقة. حاولت أمي إقناع أبي بكل الطرق، توسلت إليه وبكت أمامه، لكنه ظل يردد:
«سأفي بقسمي... سأفي بكلمتي.»
ومرت الأيام بسرعة مخيفة، حتى أقام أبي الزفاف!
كان حفل الزفاف في حارتنا، واكتملت المأساة عندما علم طليقي أن أبي لم يكن يمزح، وأنه فعلًا سيزوجني من صلاح، ذلك الشاب الذي كانوا يصفونه بالمجنون.
جاء طليقي برفقة أمه وأخته إلى حفل الزفاف، لا ليباركوا لنا، بل ليحوّلوا الحفل إلى سخرية وإهانة أمام أهل المنطقة جميعًا.
دخلت أمه، ونظرت إليّ وأنا جالسة على منصة الزفاف، ثم قالت بصوت مرتفع حتى يسمع الجميع:
«هذا هو مصيرك في النهاية يا جميلة! من كان سيحتملك غير مجنون؟! ابني لأنه عاقل ويفهم، طلقك وتخلّى عنك!»
ضحكت أخته وقالت:
«مبروك يا عروس... أين ستكون الصباحية؟ في المصحّة أم في مكان آخر؟»
فردت أمها بسخرية:
«لا يا ابنتي، سيأخذها إلى الإشارة ليتسوّل بها!»
ثم انفجر الاثنان بالضحك.
كان الناس ينظرون إلينا، بينما كنت أبكي في منصة الزفاف بحرقة، وقلبي يتقطع من الداخل.
رفعت عيني نحو أبي، فوجدته واقفًا ووجهه شديد الاحمرار من الغضب، لكنه كان صامتًا، ينظر أمامه وكأنه لا يراهما، وكأنهما مجرد هواء يمر أمامه... بينما كانت النار تشتعل بداخله.
وفجأة، صعد طليقي بنفسه إلى منصة الزفاف، والسخرية لا تفارق وجهه.
اقترب مني وقال ضاحكًا:
«مبروك يا جميلة... عقبال أن تربّي أولادك!»
ثم استدار ومد يده ليسلم على صلاح، العريس الذي كان يجلس إلى جواري، مرتديًا الملابس التي ألبسه إياها أهله بصعوبة، وقال له:
«مبروك يا عريس... وعقبال أن تنجبا أطفالًا مجانين يشبهونكما!»
انفجر الجميع بالضحك.
كانت كلماته تهتز في المكان، والناس من حولنا يضحكون ويتبادلون النظرات.
لكن في تلك اللحظة بالذات...
حدثت المفاجأة التي جعلت الجميع يصمت.
الشيء الذي فعله صلاح أمام طليقي وأمه وأخته جعلهم يتجمدون في أماكنهم، وكأنهم تحولوا إلى تماثيل.
صدمة لم تخطر على بال أحد...
ولا حتى أنا!
وكان ما حدث في تلك اللحظة هو البداية الحقيقية للقصة التي ستجعل طليقي وأهله يندمون على كل كلمة قالوها في ذلك اليوم..
القصه كامله من هنا 👇 👇 👇
