الفصل الثالث عشر من حين_تنفس_القلب شارع_خطاب_الجزء_الثاني الجزء الأول كان بعنوان "عذرا لقد نفذ رصيدكم" بقلم fatma_taha_sultan حصريه وجديده
الفصل الثالث عشر من حين_تنفس_القلب شارع_خطاب_الجزء_الثاني الجزء الأول كان بعنوان "عذرا لقد نفذ رصيدكم" بقلم fatma_taha_sultan حصريه وجديده
____________
اذكروا الله.
دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية.
____________
"أنت الوجهة التي أتابعها بصمت، حيث أغوص في أعماقها دون أن أبوح لأحد، ولا أفكر في الهروب منها."
#مقتبسة
زقد يفسّرُها البعضُ على أنّها " حبٌّ " وقد يراها آخرونَ تعبيرًا عن " العاطفةِ" ، وكلُّ ذلك يتوقّفُ على منظورِ كلِّ فردٍ وإحساسِهِ الداخليِّ .
#مقتبسة
أنني اريدك أنت بالتحديد، لم يعد لدي صفات معينه لشخصي المُفضل، حتى كل قواعدي كسرتها لأجلك،
من بين مئات الأوجه والكثيرين من حولي..
قلبي لم يميل سوا لك، عيني لم تغمرها السعاده سوا برؤيتك، وكل ما أتمناه أن أحصل عليك...أنت لا أحد غيرك.
#مقتبسة
____________
- يا تيجي تشوف مراتك وتاخدها بيتكم يا تجيب المأذون وتيجي تطلقها.....
هكذا انتهت المكالمة بينهما......
بعدما أغلق محمد الهاتف في وجهه...
مما جعل ريناد تقول:
-ليه كده يا بابا تقلقه؟؟.
خرج العتاب من فم ريناد مكسورًا، لا يحمل قوة الاعتراض بقدر ما يحمل خوفًا عليه….
رد والدها محمد بنبرة منفعلة، حاول أن يخفي خلفها ارتجاف قلبه؛ وقلقه علبها فريناد هي حياته كلها، وابنته الوحيدة:
-ترجعي بيتك النهاردة يا تطلقي مفيش حل وسط؛ كفايا أوي لغايت كده؛ ولا تقوليلي محتاجة وقت ولا غيره؛ وجهزوا شقتكم وكملوها وأنتم مع بعض...
لم يكن حديثه قسوة، بقدر ما كان فزعًا…
فزع أب رأى ابنته تتهاوى أمام عينيه دون سابق إنذار....
انتهى النقاش عند هذا الحد.
غادر محمد الحجرة بخطوات سريعة وتلقى اتصال أخر من دياب، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، وظلت ريناد وحدها، ساكنة، تضع يدها فوق بطنها بحركة لا واعية، وكأنها تبحث عن شيء رحل قبل أن تعرف بوجوده...
__________
بعد المكالمة التي جاءت له من والد ريناد....
لا يعلم كيف قاد سيارته وجاء إلى المستشفى التي أخبره محمد عنها.....
استقبله محمد أمام غرفة ريناد، طلب منه مفاتيح شقتهما، ثم غادر دون كلمة إضافية، وكأن الأمر أكبر من الحديث......
أشار له فقط بعينيه أن يدخل وأن يكون بجوارها، كأنه يدرك بأن في تلك اللحظة ابنته تحتاج إلى زوجها أكثر منه، فهو يعلم بأنها تشعر بالحرج في وجوده....
فتح دياب الباب....
ما إن رأته ريناد حتى انتفض قلبها قبل جسدها، رفعت نفسها نصف جلسة، بعينين ذابلتين أنهكهما البكاء فاقترب منها دياب ولم تنتظر ريناد شيء بل اندفعت نحوه واحتضنته بكل ما تبقى فيها من قوة.......
احتواها دياب بحنان صامت، شدها إليه، وكأن روحه عادت إلى مكانها الصحيح لمجرد أنها بين ذراعيه....
الأهم بالنسبة له الآن بأنها أمامه وبخير..
مر الوقت دون أن يشعر بهما، كانت بين ذراعيه، تحكي له من وسط بكائها كل ما حدث منذ بداية اليوم، وهو يستمع ولا يقاطع فقط يمسكها بقوة...
-كنت في الـ meeting مع بابا، زي ما قولتلك بليل، كنت صاحية من النوم تعبانة بس كنت بكدب نفسي قولت ممكن أكون مرهقة شوية بسبب الفترة اللي فاتت.....
ابتلعت ريقها ثم تابعت حديثها:
-فجأة حسيت إني مش مركزة ومش قادرة اركز، كأني مش سامعة حد، مغص غريب ووجع حاولت أكمل، بس كأن الصوت مش بيخرج مني أصلا وبابا كان ملاحظ كده فاخدني وجابني على المستشفى علطول مستناش..
تعرضت ريناد للإجهاض في شهرها الأول…
دون أن تدري أصلًا أنها كانت حاملًا.....
ذلك ما فجر خوف والدها، وأغضبه في آنٍ واحد.....
كان وجهه شاحبًا حين رأها، أصفر من الهلع...
لا من الغضب....
تابعت ريناد وهي تتشبث بذراع دياب الملفوف حولها:
-رغم إني مكنتش أعرف بس حاسة إني زعلانة أوي...
تنهد دياب، ومسح على شعرها برفق:
-الحمدلله أهم حاجة أنك كويسة يا حبيبتي.
احتضنته أكثر كأنها تحتاجه...
للمرة الأولى تمر بهذا الأمر وتختبره...
ويبدو أن خسارة الجنين هو شيء يؤثر في نفسية المرأة حتى ولو كان لديها أطفال، حتى ولو كانت لا تعلم به....
غريزة طبيعية تتواجد بها...
ضمها دياب أكثر، قبل رأسها مرة أخرى ثم حاول أن يخفف عنها بابتسامة خفيفة:
-ابوكي كأني مسكني متلبس، أصلا أعصابي باظت في التليفون عقبال ما رد عليا تاني وقالي حصل إيه وبعتلي اللوكيشن، ولما جيت أخد مني مفتاح الشقة ومشي، تقريبًا هيبعت حد ينظفها.
ابتسمت ريناد رغم الألم، شعرت بالحرج قليلًا، ثم قالت بصوت خافت:
-كفايا القلق اللي قلقه عليا؛ هو بس اتصدم مش اكتر.......
نظر لها دياب بجدية، عينيه مليئتان بالحب والاطمئنان:
-مش مهم أي حاجة تانية المهم أنك كويسة يا حبيبتي.
ابتسمت له بإرهاق، عيناها متعبتان لكن قلبها أكثر هدوءًا بوجوده:
-روح شوف الدكتور اتأخر ليه، أنا عايزة اروح البيت مش عايزة اقعد هنا اكتر من كده....
ربت على يدها برفق، وقبل جبينها قبل أن ينهض حتى يأتي بالطبيب ويطمأن عليها أولا ثم يأتي أي شيء أخر........
_____________
أغلقت حور الباب خلفها وخلف والدتها.....
دخلت حُسنية، خلعت حجابها بتعب واضح، وجلست على الأريكة تلتقط أنفاسها، رُبما لم يعد عمرها يحتمل المشاوير الطويلة كما السابق، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من وداع هدير.
التي سوف تفتقدها للمرة الثانية...
مؤلمة فكرة بأن سنة الحياة بأن يكن لكل شخص حياة وطريق مختلف، لكنها لا ترغب في أي شيء سوى أن يوفق الله هدير في حياتها وأن يكن زوجها زوجًا صالحًا لها...
اختفت حور لنحو نصف ساعة...
أخذت حمامًا سريعًا، بدلت ملابسها، ثم خرجت فوجدت والدتها في مكانها كما تركتها، فقد اعتادت بعد أي مشوار أن تجلس قليلًا........
تسترد أنفاسها قبل أي شيء......
جلست حور دون أن تتحدث، على غير عادتها، صمتها هذه المرة لم يكن فراغًا، بل ازدحام وكأن عقلها يحاول أن يسترجع تفاصيل اليوم......
بعد الاتصال الذي جاء إلى دياب من والد ريناد...
استأذن بأنه عليه الرحيل فورًا...
حاول ألا يقلق والدته رغم أنه يموت قلقًا وأخبرها بأن تذهب مع نضال وكأن شيئًا لم يحدث....
بالفعل ذهبت حُسنية لقضاء الواجب، رغم أن قلبها ظل مشغولًا، حتى اتصل بها دياب لاحقًا وأخبرها أن ريناد مريضة قليلًا وأنه سيعود بها إلى منزلهما في المساء فحينها فقط شعرت بشيء من الاطمئنان.....
رُبما بداية الأمر مقلقة لكن النتيجة بالتأكيد ستكون جيدة وهي عودة الاثنان إلى منزلهما بعد أشهر طويلة جدًا..
كانت حور متوترة مما حدث واختفاء دياب...
غير أنها بالفعل تألمت من أجل دموع طارق أثناء وداعه إلى شقيقته، كان متأثرًا بحق وبكت أو رُبما كانت تبكي من البداية لكنها لا تتذكر سوى بأنها تألمت من أجله.
شعرت بالضيق من أجله...
نعم لقد أعجبت بالعديد من الرجال ذلك الاعجاب الذي يكون سطحي وعابر جدًا، كممثل سينمائي يمر من أمامها، أو شخص قد رأته صدفة في مكان، بعدها ينتهي الأمر كأنه لم يبدأ....
لأول مرة تتألم إلى تلك الدرجة من أجل رجل...
لم تكن تجد بأن هناك رجلًا يستحق أن تتألم المرأة من أجله...
لكنها تألمت دون أن تدري...
كأنها حملت همه...
حور التي لا تحمل همًا غير هموم عائلتها
حملت هم طارق.....
فشعرت بثقل غريب في صدرها لم يكن شفقة فقط،
ولا تعاطفًا عابرًا.....
قالت حُسنية بنبرة حنونة وعطوفة:
-الواد طارق ده صعبان عليا والله، مش عايزة أقول كده بس تحسي أنه مكتوب عليه يفارق حبايبه، بس هنعمل إيه بقا ده النصيب وحال الدنيا؛ والجواز بالذات قسمة ونصيب محدش عارف نصيبه فين...
ابتلعت حُسنية ريقها ثم غمغمت:
-يمكن الزمن ده احسن من الزمن بتاعنا، علشان النت والمكالمات متوفرة طول الوقت، احنا على أيامنا لما خالتك سمر اتجوزت بعيد كنت متنكدة نكد الدنيا كلها، وحقيقي حسيت بطارق النهاردة قطعت قلبي والله دموعه....
تمتمت حور بجدية وصوتٍ خرج منها صادقًا لا مجاملة فيه:
-اه والله يا ماما صعب عليا جدًا..
ثم تداركت الأمر سريعًا:
-الأتنين صعبوا عليا جدًا يعني.
ابتسمت حسنية بهدوء ثم قالت:
-أهم حاجة ربنا يهدي سر هدير وجوزها، وبكرا طارق يشوف حياته ان شاء الله..
فهمت حور مقصدها وهذا ما أغضبها..
هل بالفعل سوف تجعله والدتها يقوم بخطبة فتاة؟!
ماذا عن مشاعرها؟؟؟..
نعم هي تمتلك مشاعر حقيقية نحوه ولن تنكرها...
كانت مشاعر حقيقية، ناضجة، لم تعرفها يومًا تجاه أحد سواه....
قالت حُسنية وكأنها تقاطع أفكارها ووجدانها بأكمله بعدما أخرجت الهاتف من حقيبتها الجلدية التي تتواجد بجوارها:
-قومي حطي التليفون في الشاحن علشان يشحن شوية علشان أعرف أكلم اخوكي واطمن عليه روح ولا لا هو ومراته..
أردفت حور بجدية:
-واحنا ليه مروحناش ليهم من برا برا وخلاص؟ كان من الواجب نروحلها المستشفى....
ردت عليها حُسنية بهدوء:
-أكيد دي أول حاجة أنا فكرت فيها، بس أنا حسيت أن دياب مش عايز حد يروح تحديدًا لما قالي أبوها كمان مش موجود ومشي وموضحش حتى ريناد مالها، علشان كده أنسب حل نطمن عليهم ولو روحوا بيتهم النهاردة بكرا نروحلهم أو بعده ....
لم تفهم حور أي شيء لكنها تدرك بانها والدتها تمتلك الرأي الصواب دائمًا لذلك استمعت لها وقالت وهي تتجه إلى الحل الذي يأتي في عقلها:
-أنا البس العباية وهنزل أجيب حاجات علشان اعمل ميني بيتزا...
قالت حُسنية باستنكار:
-ماشي بس تشطبي المطبخ بعدها بدل ما اعجنك أنا زي البيتزا، اللي بتخلي الدنيا كلها دقيق دي..
تمتمت حور بجدية:
-نجيب عجان يا سوسو بقا ومعجنش علي ايدي ولا ابهدلك الدنيا...
____________
بعد الغداء...
أعدت السيدة صباح أكواب الشاي بالنعناع وقدمتها لأسرتها، ثم جلس الجميع أمام التلفاز، كانت نورا منهمكة في هاتفها كعادتها، أصابعها لا تتوقف،
بينما جلس كريم صامتًا، يتناول الشاي بقلب مُرهق ومُنهك، كأن المرارة لم تكن في الكوب بل في صدره..........
منذ المكالمة التي دارت بينهما وهو توقف عن الاحتكاك بها بشكل مباشر وعاد إلى تلك المرحلة القديمة وهي المراقبة في صمت.....
حتى لا يتسبب بأي شيء قد يزعجها أو يزعج عائلتها ولأنه لديه شقيقة، لا يفضل أن يصبح متطفلًا على أمرأة فهو لا يفعل ما لا يحب أن يُفعل في شقيقته...
عاد للمبيت في الشقة مع عائلته منذ سفر هالة وشقيقها،
واللذين لم يعودا حتى الآن إلى البلدة.....
حمد كريم ربه على غيابها صدقًا ما به من هموم يكفيه ويفيض لا ينقصه هالة، ولا خطط والدته....
تنحنح عزت حتى ينتبه الجميع، ثم وضع كوب الشاي على الطاولة وقال:
-في موضوع حابب أتكلم معاكم فيه..
رفعت صباح رأسها باهتمام:
-موضوع إيه دا يا عزت...
قال عزت بسخرية خفيفة وهو ينظر إلى ابنته التي كانت في عالم أخر مع هاتفها:
-هقول بس لما الهانم تسيب موبايلها وتركز معانا شوية......
لم تكن نورا تسمعهما، منشغلة بمقطع كعادتها، فمد كريم يده وسحب الهاتف منها فجأة، فزفرت بضيق:
-ليه الرخامة دي طيب..
قال كريم ببساطة هادئة:
-ارحمي التليفون وارحمي النت واسمعي ابوكي عايز يقول إيه.
قالت نورا بنبرة متحفزة:
-خير يا بابا.
تنهد عزت وقال بهدوء وهو يشرح:
-أنا قررت إني أجر الشقق هنا في العمارة إيجار جديد فيه ثمن شقق ممكن نأجرهم ونستفاد بيهم ونسيب بس شقتين، احنا من ساعة ما جينا ووضبنا العمارة واحنا مأجرناش لحد..
اعترضت صباح فورًا:
-وليه ندخل علينا ناس غريبة تفضل طالعة نازلة في البيت؟...
رد عزت بجدية:
-إيه المشكلة؟ هو ده بيت عيلة؟ دي عمارة كبير بطولها وعرضها، تعرفي احنا لو أجرنا الشقق دي هيدخلنا كام في الشهر؟ ده استثمار ملهوش حل.....
صمتت صباح وحاولت أن تفكر في حديثه بداخلها رغم رفضها للفكرة، فسأل عزت ابنه وكأنه ينتظر منهما تأييد لفكرته:
-إيه رأيك يا كريم؟.
قال كريم بهدوء:
-عادي يا بابا لو ده هيريحك أنا معنديش مشكلة، وحضرتك معاك حق، قفلة الشقق كده ملهاش لازمة ولا منفعة...
التفت عزت إلى نورا ثم سألها:
-إيه رأيك يا نورا؟؟.
قالت نورا بضجر:
-اعملوا اللي تعملوه والله ما فارقة معايا، بس اديوني الموبايل.....
سخرت منها صباح هاتفة:
-يعني شوفي احنا في إيه وأنتِ في إيه يا بت أنتِ؟.
فخطرت على بالها فكرة وليدة اللحظة:
-مدام كده كده هتأجر، تأجر شقة لـهالة واخوها ويعيشوا هنا عندنا وابوهم هيرحب بالفكرة هو أصلا عرضها عليا قبل كده وأنا قولت لا، واهو العيال ياخدوا بحسنا..
همست نورا إلى نفسها:
-يا منجي من المهالك يارب، يارب ارحمنا بقا من الموال ده...
قال عزت بحسم:
-ياستي هما على عيني وعلى رأسي من غير إيجار يشوفوا الشقة اللي عاوزينها وأنا افتحها وافرشها ليهم كمان..
لكنه تابع بحدية شديدة:
-بس من ساعة ما راحوا لا حس ولا خبر يمكن ابوهم بيحاول يصلح الدنيا لأن مكان العيال جنب ابوهم ومعاهم، احنا مينفعش نقترح اقتراح زي ده حتى لو هو اقترحه زمان، كده هيكون بنبعدهم عن ابوهم في عز المشاكل الموجودة....
نهض كريم من المكان ولم يعد يرغب في سماع المزيد؛ يكفي الضوضاء والأفكار المتواجدة في عقله فأعاد الهاتف إلى شقيقته ثم قال:
-تصبحوا على خير.
قال عزت بهدوء:
-وأنتَ من أهل الخير يا ابني.
دخل كريم غرفته وأغلق الباب خلفه، فعلقت صباح بقلق:
-هو الواد ده ماله؟ حاله متشقلب كده ليه بقاله مدة؟!.
لم يجد عزت رد مناسب قد يقوله..
فهو يشعر مثلها أيضًا...
ولا يدري ماذا يفعل؟!
كان الاثنان لا يدركان أن الأمل الذي بداخله أصبح سراب..
قالت صباح بعصبية:
-أنتِ يا زفتة أنا مش بكلمك.
ردت عليها نورا بفزع:
-في إيه يا ماما؟
تمتمت صباح بجدية:
-اخوكي ماله؟ قاله فترة مش مظبوط، وأكيد أنتِ عارفة.
أنكرت نورا بسرعة:
-وأنا مالي؟ مهوا عندك اساليه..
-بس أنتِ عارفة أكيد..
قاطعهما عزت بحزم:
-حتى لو تعرف حاجة مدام هو مش عايز يقول إيه اللي فيه يبقى مش لازم تفتح بقها، ياريت نقفل على السيرة دي كريم مش صغير ولا مستني حد يراجع وراه، خلاص بقا راجل مسؤول عن نفسه.....
____________
-نــضــال.
كانت تصيح باسمه وهي تجوب الشقة بعينين تبحثان عنه، حتى وجدته جالسًا على الأريكة، مسترخيًا كعادته، فرفع رأسه وقال بابتسامة خفيفة:
-بتنادي على عيل تايه يا سلمى في إيه؟.
أردفت بجدية ظاهرها حزم وباطنها ألف عادة يومية:
-هو أنا مش قولتلك متجيش ناحية الكاتل مش كل ما تعمل لنفسك شاي أو حاجة تغير مكانه، احنا بقالنا سنين في الحوار ده....
قال نضال ببساطة مستفزة:
-مكان الكاتل مش جنب البوتجاز..
زفرت بانزعاج وهي تعقد ذراعيها:
-أنا حرة ده مطبخي أنا وبقف فيه اكتر منك، والكاتل كده بيكون قريب مني وأنا بطبخ لو عايزة مياة، متغيرش مكانه تاني يا نضال...
تمتم نضال ببساطة:
-حاضر..
وهي تعلم، كما يعلم هو، أن كلمة "حاضر" الخارجة من فمه لا تعني وعدًا بل هدنة مؤقتة.....
كأغلب الرجال....
لكنه تابع بابتسامة جانبية، وكأنه يعقد معاهدة سلام:
-بكرا هجيب كاتل تاني هحطه في المكان اللي يعجبني وخلي التاني جنب البوتجاز ده الحل المثالي بالنسبالي علشان كل واحد يعيش مبسوط...
رفعت حاجبها بدهشة ساخرة:
-والله؟..
مرت ساعة تقريبًا على هذا الجدال اليومي تقريبًا…
ذلك النوع من الخلافات الصغيرة التي يمكنها لو أُعطيت أكبر من حجمها أن تتحول إلى شجار ضخم، وحين تعود لجذورها تكتشف أنها لا تستحق كل هذا الصخب.....
كانت مستلقية على الأريكة تضع رأسها على فخذيه بينما هو يشاهد فيلمًا شاهده عشرات المرات، لكنه بدا مريحًا في تلك اللحظة مثل وجودها تمامًا.
تمتمت سلمى بصوت هادئ كمن يشارك فكرة عابرة:
-امبارح شوفت فيديو على الانستا بيتكلموا عن الـ Break في العلاقات...
خفض نضال صوته، مرر يده على خصلات شعرها بحنان تلقائي:
-الـ Break ده يا حبيبتي اما تكوني متجوزة واحد من الانستا بتاعك مش متجوزة واحد من شارع خطاب...
ثم تابع بعدم فهم حقيقي:
-وبعدين يعني هو علشان غيرت مكان الكاتل هتديني Break إيه الظلم ده؟ وبعدين Break إيه اللي ناخده ده احنا نص اليوم مش قاعدين مع بعض اصلا أنا في الشغل وأنتِ في الجيم..
اعتدلت وجلست بجواره، عيناها عليه، لا تبحث عن خلاف بل عن حديث:
-لا طبعًا مش قصدي علينا، أنا بتناقش معاك لأن مش أول مرة أشوف الفكرة دي، بس أول مرة لما اشوف التعليقات ألاقي رجالة كتير وستات برضو مأيدين الفكرة....
نظر لها نضال بجدية، تلك الجدية التي لا يستخدمها إلا حين يتكلم من قلبه:
-اللي بيحب حد حقيقي مبيقدرش ميكنش جزء من يومه بأي طريقة، غير لو حد بينك وبينه سنين دي كفيلة تخلي الموضوع اصعب وأصعب، ده كلام فارغ، اه صحيح ممكن الواحد يزهق من روتين حياته وبيزهق من شغله وبيزهق من اللي معاه ساعات دي حاجة طبيعية لكنه ميقدرش يستغنى عنه برضو...
كانت تسمعه بسعادة واهتمام كبيران...
بشغف حقيقي كأنها تتحدث معه للمرة الأولى....
تنصت له باهتمام أمرأة مازالت في مرحلة الإعجاب....
بنفس نظرة الإعجاب القديمة التي لم تبهت رغم السنين.....
لم تجد رد له..
لكنها وضعت رأسها على صدره واحتضنته بمشاعر عميقة جدًا؛ كأنها تتأكد من أنها لم تخطئ يومًا حينما ارتبطت بهذا الرجل، ضمّها نضال إليه، طوقها بذراعيه، وانحنى يترك قبلة دافئة على رأسها…....
____________
عادت إلى منزلها بعد أشهرٍ طويلة من الفراق…
وقد اشتاقت إليه بشدة.....
علاقة الإنسان بمنزله تظل من أغرب العلاقات؛ علاقة صامتة، عميقة، ودودة على نحو يفوق أحيانًا علاقاتٍ إنسانية كثيرة........
فالمكان لا يخذل، لا يسأل، فقط يحتضن....
كانت تسير بجواره، وما إن دخلت حتى اصطحبها مباشرة إلى غرفة النوم.....
ساعدها في خلع السترة التي ارتدتها فوق ملابسها التي كانت عبارة عن بنطال وسترة قطنية جاءت بهما العاملة إلى المستشفى، والتي رافقتهما حتى هنا تنفيذًا لتعليمات السيد محمد والد ريناد.
حين دخلت ريناد المنزل، استقبلتها ثلاث عاملات أرسلهن محمد خصيصًا لتنظيف وترتيب المكان قبل عودة ابنته؛ ولهذا السبب تحديدًا أخذ المفتاح من دياب.
كان المنزل يحتاج إلى تنظيف عميق…...
فالحياة توقفت فيه لما يقارب سبعة أشهر، وترك الغياب أثره في كل زاوية......
جعلها دياب تجلس على الفراش فاستلقت عليه بعد تنهيدة خرجت منها وكأن قلبها عاد يتنفس حقًا من جديد......
تمتم دياب بعدم راحة:
-هما قالوا هيحضروا العشاء وجابوا حاجات وهما جايين.
أمسكت ريناد كف يده حين جلس بجوارها بعد أن دثرها بالغطاء، وقالت بنبرة هادئة:
-أنا عارفة أنك مش مرتاح في وجودهم بس هما خلاص بيخلصوا وهيمشوا ومفيش إلا منى بس اللي هتكون موجودة....
كانت تفهم جيدًا بأن زوجها لا يشعر بالراحة، ففي السابق كانت تستعين بأشخاص للمساعدة في تنظيف المنزل لكن في غيابه، هو غير معتادًا أن يكون هناك اشخاص غريبة في منزله.....
ابتسم دياب بهدوء رغم حقيقة ما تقوله:
-متشغليش بالك بحاجة، المهم أنك تكوني كويسة وبس....
رن جرس الباب، فتهيأ للنهوض، لكن ريناد أوقفته قائلة:
-خليك جمبي هما أكيد هيفتحوا....
بعد ثوانٍ، دخلت ليان الغرفة المفتوحة من الأساس، تركض بسعادة، لأنها عادت أخيرًا إلى بيتها.....
فتحت ريناد ذراعيها لها على الفور واحتضنتها بقوة..........
ابتعدت ليان بعد دقيقة، ثم قالت ببراءة:
-جدو قالي أنه هيجبني بكرا بس أنا قولتله لا..
وضعت كفها الصغير على وجنة والدتها:
-أنتِ تعبانة..
قبّلت ريناد يدها هامسة:
-يعني شوية بس بقيت أحسن لما شوفتك...
جاء محمد ووقف محمد عند باب الغرفة دون أن يدخل، وسأل:
-عاملة إيه دلوقتي يا ريناد؟.
ردت عليه ريناد بهدوء بعدما اعتدلت قليلًا واحتضنت ابنتها:
-الحمدلله بخير..
قال محمد بحنان:
-أنا همشي بقا جيبت ليان وجيت وهروحهم كلهم هما خلصوا اللي وراهم وهسيبلك بس منى...
ردت ريناد بهدوء حازم:
-ممكن تخليها تمشي عادي معاك هي تعبت النهاردة تروح تنام وتيجي الصبح..
قال محمد بجدية:
-خليها موجودة علشان خاطر لو احتاجتي حاجة وعلشان خاطر ليان..
نظرت ريناد إلى دياب قبل أن تقول:
-خلاص الوقت اتأخر يا بابا وأنا هأكل وأنام مفيش حاجة هتعملها ودياب موجود هي ممكن تمشي وتيجي الصبح بدري..
هي فعلت هذا من أجل دياب..
ففهم محمد مقصدها، وقال:
-اللي يريحك أنا هخليها تروح وتجيلك الصبح ان شاء الله، عايزة حاجة؟.
-لا سلامتك يا بابا شكرًا..
نهض دياب في اللحظة التي قال فيها محمد:
-مع السلامة.
خرج دياب إلى الخارج مع محمد قائلا:
-خليك معانا، حضرتك جيت في إيه وهتمشي في إيه؟ نتعشى سوا وبعدين تأخد قهوتك ...
قال محمد بجدية:
-كفايا كده خليها ترتاح النهاردة تعبت جدًا، أنا همشي علشان ورايا ميعاد الصبح بدري هخلصه واجي علطول اطمن عليها..
ثم تابع حديثه بجدية:
-خلي بالك منهم ولو حصل أي حاجة كلمني فورًا...
وقف دياب يراقبه وهو يبتعد، ثم عاد إلى الداخل…
إلى بيته الذي عاد ينبض من جديد وإلى امرأة احتاجته أكثر من أي وقتٍ مضى.....
فهو يعرف قيمة منزله ولكن يدع أي شيء يهدد استقراره مرة أخرى.....
__________
بعد مرور أيام كان هناك....
…يوم خاص بالفتيات…
يوم تُغلق فيه الأبواب في وجه الرجال، ويُمنع الأطفال من الاقتراب، وتُترك المساحة كاملة للضحك، والفضفضة، والفوضى اللطيفة التي لا يفهمها سواهن.........
ذهبت انتصار برفقة الطفلين، غالي وريان إلى شقيقها، ومعها زهران.......
كان الطفلان يعشقان الذهاب إلى هناك، حيث يجدان عددًا لا بأس به من الأطفال في مثل عمرهما؛ أحفاد شقيق انتصار، عالم صاخب يليق بهما.....
أما سامية.....
لم تذهب معهما، إذ كانت مدعوة إلى جلسة أخرى في نفس اليوم.......
في شقة سلمى ونضال...
كانت الأجواء مختلفة تمامًا.....
مجموعة متنوعة من الأسماك المدخنة والمملحة: الرنجة، الفسيخ، الملوحة...
تلك الأكلات التي يعشقها البعض وينفر منها البعض الآخر، قررت سلمى أن تجعلها عنوان عزيمتها لهذا العام، كعادة سنوية لا تتغير......
أرسلت زوجها مبكرًا، وكانت قد أخبرته قبلها بأيام عن هذا اليوم تحديدًا، لذا يعلم جيدًا أنه لن يعود إلا حينما يتلقى اتصالًا منها، اليوم ليس له…
اليوم لهن فقط.....
جاءت سامية مبكرًا وساعدتها في تجهيز الأطباق، تتنقلان بين المطبخ والسفرة، تتبادلان التعليقات الساخرة كعادتهما......
حتى وصلت حور ووفاء محملتين بالحلوى، والمشروبات الغازية، والعصائر، وكأنهما قادمتان لمعركة طويلة لا جلسة لطيفة........
بدلت حور ملابسها سريعًا بملابس أحضرتها وفاء لها، ثم بدأت في تجهيز السفرة بحماس واضح......
قالت حور بنبرة مرحة وهي تلتفت لوفاء:
-مش هتأكلي فسيخ يا دكتورة؟ ولا حتى سردين أو ملوحة.
هزت وفاء رأسها بحزم:
-ممكن أكل سلطة الرنجة اللي بتعملهما سلمى لكن أكتر من كده لا، ولو جعت هبقى أجيب أكل من تحت واسخنه، طنط انتصار كانت عاملة امبارح بسلة باللحمة فظيعة.......
قالت حور وهي تحاول إقناعها:
-ما تجربي ياستي هتخسري إيه؟ جربي تدوقيه ده اللي حتى سلمى بتاعت السعرات الحرارية بتأكله، واهي مرة بتحصل كل سنة قبل رمضان.
ضحكت وفاء ثم قالت:
-مش هجرب كفايا ريحته، وبعدين احمدي ربنا بقا إني هأكل سلطة رنجة وهشارك في الجريمة.
بعد مرور بعض الوقت…
كانت الفتيات الأربع قد انتهين من الطعام، وصنعت سامية أكواب الشاي بالنعناع، ووزعتها عليهن قبل أن تجلس أما سلمى كانت غائبة، منغلقة على نفسها داخل غرفتها، تتحدث عبر الهاتف منذ فترة ليست بالقصيرة.......
تمتمت وفاء بدهشة:
-الشاي هيبرد، هي سلمى بتكلم مين ده كله؟ معقول جهاد لسه بتكلمها...
ردّت حور وهي تحتسي آخر رشفة في كوب الشاي:
-ما أنتِ اللي اتصلتي تقوليلها قاعدين مع سلمى طلعتي حرباية بصحيح على اخوكي ومراته كنت شاكة فيكي عموما من زمان...
كادت وفاء ترد، لكن سلمى خرجت في تلك اللحظة، فبادرتها سامية بسؤالها وهي تلاحظ ملامح الضيق على وجهها:
-في حاجة حصلت ولا إيه جهاد اضايقت بجد؟.
وقبل أن تشعر وفاء بالذنب وتتكلم، قالت سلمى سريعًا:
-لا أنا قفلت مع جهاد من بدري أول ما دخلت جوا بس كنت بكلم واحدة بجد منرفزاني أوي..
سألتها حور بفضول:
-ليه حصل إيه؟.
جلست سلمى وأخذت نفسًا:
-أنا كنت منزلة في كذا جروب على أننا عايزين واحدة لكلاس الـ Belly Dance علشان من ساعة ما بدأنا والكل بيسأل عليه، المهم يعني اتواصلوا معايا كتير بس في واحدة اتواصلت معايا من الشرقية اسمها شمس منير.
قالت سامية بعدم فهم:
-وهي اللي من الشرقية دي هتيجي تعمل إيه عندك؟.
وضحت لها سلمى الأمر:
-دي أول حاجة جت في بالي بعد كده قالتلي أنها راجعة القاهرة خلال أيام وهتقابلني وبقالها فترة بتماطل وتديني ميعاد ومتجيش وأنا اصلا مش لاقية حد تاني، ودلوقتي كلمتني بتقولي أصلي كنت هطلق وبدور على شغل بس دلوقتي اتصالحت مع جوزي...
ضحكت سامية ووفاء معًا، لكن عينا حور لمعتا، واقتربت منها قائلة بحماس:
-خديني أنا فكك منهم كلهم مش هتلاقي زيي.
نظرت لها سلمى باستنكار:
-هزري هزري، هي نقصاكي يا حور.
تصلبت ملامح حور ثم قالت بجدية شديدة:
-والله أنا بتكلم بجد ههزر ليه؟ على فكرة أنا بعرف وأسالي وفاء...
ثم قالت بجدية طفولية:
-طب أقوم ارقصلك؟؟..
ضحكت سلمى رغمًا عنها، وقالت سامية بمرح بينما وفاء تكاد تختنق من الضحك:
-حلو ده علشان دياب يجي يكسر باب البيت علينا، اخوكي مجنون وكلنا عارفين ده من زمان...
تمتمت حور باعتراض واضح:
-ليه هو أنتم بتجيبوا رجالة هناك؟ مهوا جيم للبنات بس.
قالت وفاء بعد أن هدأت قليلًا:
-هاتيلنا موافقة من دياب واحنا نخلي سلمي توافق..
بعد وقت..
تغيرت المواضيع وتشعبت، كما تفعل دائمًا جلسات الفتيات؛ ضحك، حكايات، تعليقات جانبية، حتى جاء اتصال لوفاء، فخرجت إلى الشرفة....
بعدما انتهت المكالمة.....
جاءت لها رغبة حمقاء جعلتها تفتح الحساب الخاص به على "الانتسجرام" كان هناك منشورًا قام بتنزيله أخذت تشاهد الصور التي كانت أغلبها عن الطبيعة والشوارع في بلد ما وضع موقعها فوق الصور
"سويسرا".
كانت الصورة الأخيرة في المنشور له على غير العادة صورة له...
أصبحت تشاهد حساباته في صمت يبدو أنها أصابتها عدوى حور التي كانت دومًا تسخر منها...
من دون قصد....
تركت إعجابًا له على المنشور....
تجمدت للحظة تستوعب ما يحدث، وقبل أن تلغيه، سُحب الهاتف من يدها وأُغلق فورًا.....
كانت حور....
-مكلتيش فسيخ وقولنا ماشي، اخدتي لقمة رنجة بس وكملتي بسلة ولحمة وقولنا عادي، لكن هتفضلي ماسكة الموبايل واحنا موجودين يبقى عيب، يلا سلمى عاملة كيك شوكولاتة ملهوس حل حرفيًا..
قالت وفاء بعصبية:
-هاتي التليفون طيب بس..
-ليه مالك؟.
مدت وفاء يدها بعصبية شديدة مغمغمة:
-هاتي الأول يخربيتك اخلصي..
...في الداخل...
كانت سامية تجلس على الأريكة بجوار سلمى، كانت تخبرها سامية بما يحدث منذ مدة، كيف أصبح كريم من النادر رؤيته، كأنه يتعمد ألا يظهر....
مما جعل سلمى تعقب باستغراب:
-طب كويس، هو شخص مش متطفل ولا شخص عايز يضايقك بوجوده مدام أنتِ اللي طلبتي منه بصراحة يعمل كده، مش عاجبك ايه؟ أنتِ معترضة على أي حاجة....
قالت سامية بنبرة جادة:
-ايوة أنا قولت كده...
-بس مضايقة؟.
هزت سامية رأسها بإيجاب فقالت سلمى بهدوء:
-والله مش عارفة اقولك إيه، بس اعتبريها فترة هدنة وكل حاجة هتبان مع الوقت مشاعرك وحتى صدقه هو.......
صوت رنين هاتفٍ وحيد، كان هاتف سلمى…
الموضوع بعناية في الرواق، موصول بالشاحن، بعيدًا عن متناول الأيدي، تنفيذًا لقانون حور غير المُعلن:
“مفيش موبايلات، اللي يمسكه يتصادر.”
لذلك نهضت سلمى وذهبت إلى هاتفها لتجد زوجها العزيز هو من يقوم بالاتصال بها..
أجابت:
-الو.
جاءها صوته مشاغبًا، يحمل نبرة متعمدة من التذمر:
-خلصتوا ولا لسه؟ أنا عايز اجي البيت..
رفعت سلمى حاجبها تلقائيًا، وكأنها تراه أمامها:
-والله يعني النهاردة حبكت معاك تعوز ترجع بدري كده؟
ضحك بخفة قبل أن يتقمص دور المظلوم:
-شوفتي بقا؟ خليكي أنتِ مع صحابك وأنا أقعد في الشارع..
تمتمت سلمى بعدم تصديق:
-اقفل يا نضال مش وقت هزار...
ثم سكتت لحظة، قبل أن تسأله بنبرة أقل حدّة، بل مهتمة لمعرفة تفاصيل يومه:
-وبعدين استنى كده؟ أنتَ فين دلوقتي؟....
______________
في اليوم التالي......
منذ أن سافرت شقيقته…
وهو ليس بخير......
كأن الغربة عادت إليه من جديد، ذلك الشعور القديم الذي ظن أنه تجاوزه يومًا حين هاجر وترك وطنه.....
عاد الإحساس البغيض يتسلل إلى صدره بلا شفقة وبلا رحمة، على ما يبدو أنه تنساه منذ أن سافرت شقيقته له والآن هو يفترق عنها......
كانت هدير أخر ما تبقي من عائلته....
البقية لم تعد تربطه بهما أي شيء سوى الواجب فقط....
ولولا أنه يعلم حب شقيقته لهذا الشاب وحبه الكبير لها أيضًا لم يكن يوافق أبدًا على عودتهما مرة أخرى والزواج لكنه لم يكن له الحق أن يمنعها عن عيش حياتها كما تريد فهي تعذبت أيضًا......
اتصل به نضال اليوم......
بعدما لاحظ اختفاءه وكان دياب هو من حثه على ذلك، لعدم قدرته على الحضور، فأخبره دياب أن زوجته مريضة قليلًا ويجلس بجوارها، وشدد عليه ألا يترك طارق وحده.....
جاء طارق وجلس مع المعلم زهران بجوار الجزارة بعدما جاء حتى يلقي السلام عليه أولًا قبل أن يرحل برفقة نضال، ولكن طلب منهما زهران الجلوس معه قليلًا...
لاحظ زهران فورًا الهموم التي تقع على عاتق طارق وحالته النفسية السيئة فأخذ يحاول أن يسأله عن أحواله، ويتجاذب معه أطراف الحديث...
لم يستطع طارق وقتها أن يُعطيه إجابة كاذبة أو يقول أمام صديقه ووالده إجابة ليست حقيقية فغمغم بنبرة باهتة:
-مش عارف، مش مرتاح ولا مبسوط من ساعة ما هدير سافرت، حاسس أن كان معاها حق أنا مبقاش ليا حاجة هنا، ويمكن فعلا حياتي بقت هناك....
رد زهران قبل أن يتكلم نضال، بنبرة عملية:
-لا طبعا مفيش حاجة اسمها كده، إيه اللي هيقعدك برا ده كله؟ كفايا اللي راح من عمرك، وبعدين اختك اتجوزت وبقى ليها بيت وحياة حتى لو رجعت تعيش تاني هناك هي مش هتكون موجودة زي الأول، دي سنة الحياة.
أضاف نضال مؤيدًا حديث والده:
-بابا معاه حق يا طارق؛ وبعدين أنتَ اللي لازم تشوف حالك ودنيتك وتتجوز بأسرع وقت، إيه اللي معطلك شقتك وجاهزة ناقص بس العروسة اللي تختارها تنقي معاك وتفرشها..
سحب زهران نفسًا من أرجيلته وقال:
-أيوة ده عين العقل، مع إني واخد على خاطري منك يا واحد يا طارق..
ضيق طارق عينيه باستغراب متمتمًا:
-ليه بس يا عم زهران أنا عملت حاجة تزعلك؟!..
هز زهران رأسه بإيجاب ثم قال:
-ايوة، مزعلني من ساعة ما جيت من السفر وعرفت من الواد دياب أنك قولت لأمه أنها تشوفلك عروسة، وهي أم دياب مع احترامي يعني هتعرف تشوفلك؟ وأنا روحت فين؟ ده مفيش واحدة في المنطقة والمناطق المجاورة او أي انثى إلا وأنا عارفها، أو أعرف حد يعرفها او اتجوزت حد من عيلتها، ده أنا الخبرة كلها...
علق نضال ساخرًا:
-اه في دي بابا معاه حق...
ضحك طارق من وسط همه....
حتى أنه تناسي هذا الأمر فقال:
-حقك عليا يا عم زهران فاتنني دي...
لوى زهران فمه بتهكم ثم سحب نفس من الأرجيلة وساد الصمت لثوانٍ قبل أن يقول:
-وبعدين هو أنتَ اتعميت ولا أيه؟.
تمتم طارق متهكمًا:
-عملت إيه يا عم زهران تاني؟..
قال زهران بنبرة عفوية:
-في أنك بتطلب من الست تشوفلك عروسة، وهما في بيتهم بت زي الورد، حور مفيهاش غلطة، بت محترمة ومتربية وخفيفة على القلب كده؛ متلاقيش زيها، ومتربية على ايدينا، صحيح اخوها صايع بس مش مشكلة أنا ليا كلمة عليه، كون أنك تخلي الست تدورلك وهي عندها حور في البيت تبقى أعمى ومغفل..
من المرات القليلة جدًا جدًا...
هي أن يعجب نضال بحديث والده لذلك تمتم:
-فعلا بابا معاه حق، حور فعلا كويسة جدًا ومحترمة ومتربية ونعرفها من وهي عيلة صغيرة.
نظر لهما طارق بحرج وفكر...
كيف له أن يصارحهما....
أن هذا الاقتراح جاء في عقله بمجرد أن وقعت عينه عليها حتى أنه شعر بمشاعر مختلفة لم يعطِ لنفسه مساحة حتى لتحليله بل أخفاه، فقال:
-في فرق سن ما بينا، وكمان أنا مش عايز أي حاجة بأي شكل تخسرني دياب...
قال زهران ببساطته المعهودة:
-مش أوي كده متعقدهاش، وبعدين يعني مدام مكنش ينفع تخلف قدها لو اتجوزت يبقى الموضوع تمام، فكر فيها، أنا زهران لما بقول على جوازة أعرف أنها جوازة تعيش معاك العمر كله، وبعدين الصايع ده يلاقي زيك فين يناسبه، وبعدين ده لو فتح بقه أنا اظبطهولك؟.
قال طارق مازحًا:
-اومال مال الموضوع ده مش ماشي معاك ليه يا عم زهران؟...
قال نضال بخفة ظل:
-باب النجار مخلع بقا....
هتف زهران منفعلًا:
-أنا غلطان اني قاعد معاكم، يلا امشي أنتَ وهو شوفوا كنتم رايحين فين..
قال طارق ضاحكًا:
-أنتَ اللي قولتلنا نقعد يا عم زهران واحنا كنا ماشيين.
رد عليه زهران بسخرية:
- كنت غلطان وبعدين ده كان قبل ما تقلوا أدبكم، كان فيه وخلص، يلا طرقوني..
ثم قال بجدية وهو يسحب نفسًا أخيرًا من الأرجيلة:
-فكر في اللي كلمتك فيه، حور مش هتلاقي بنت زيها في الزمن ده، أنا ليا نظرة......
بعد وقت…
رحل نضال وطارق، وعاد الهدوء يهبط على المكان ببطءٍ مُريب........
صعد زهران ليتناول طعامه مع عائلته، ثم هبط مرة أخرى إلى الشارع….....
فتوقفت شاحنات تقف أمامه....
رجال يفرغون أثاثًا، أجهزة كهربائية، صناديق تُحمل بعجلة، أصوات تتحرك وتكسر صمت المساء.
كل هذا…
أمام بناية عزت....
انعقد حاجباه، ونادى بصوته الأجش:
-واد يا بدر..
خرج بدر مسرعًا من داخل الجزارة:
-نعم يا معلم زهران؟..
أشار زهران برأسه ناحية العمارة، ونبرة الريبة تتسلل لصوته:
-إيه اللي بيحصل؟.
حك بدر رأسه وهو يجيب:
-الحاج عزت بيأجر شقق عنده في العمارة، وتقريبًا في ناس سكنت وجت اهي....
لم يرتح قلب زهران وقبل أن يسأل أكثر…
وصلت سيارة، توقفت بهدوءٍ لافت، ونزل منها رجل تحت عينيه مباشرة......
تصلب زهران في مكانه.
ملامح يعرفها جيدًا أكثر مما ينبغي....
اقترب بخطوات واثقة، وابتسامة خفيفة على شفتيه:
-ازيك يا معلم زهران؟.
ضيق زهران عينيه، وصوته خرج جافًا:
-أنتَ بتعمل إيه هنا يا حمزة؟.
أجاب حمزة بهدوءٍ مقصود، وكأنه يلقي حجرًا في ماءٍ راكد:
-أجرت شقة في العمارة اللي قصادكم...
وسكت لحظة، قبل أن يضيف:
- علشان أكون موجود جنب ريان....
______يتبع______
لو وصلتم لغايت هنا دمتم بألف خير ونتقابل في فصل جديد ان شاء الله...
متنسوش الفوت والكومنت...
بوتو يحبكم وفي انتظاركم في معرض الكتاب يوم الجمعة
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


0 تعليقات