U3F1ZWV6ZTM5MTc3MDA0NzM0MDI0X0ZyZWUyNDcxNjI0MjI1NTU3Mw==

رواية مشاعر موقدة حلقة خاصة ربما تستقيم الأفئدة بقلم فاطيما يوسف حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج

 

رواية مشاعر موقدة حلقة خاصة ربما تستقيم الأفئدة بقلم فاطيما يوسف حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



رواية مشاعر موقدة حلقة خاصة ربما تستقيم الأفئدة بقلم فاطيما يوسف حصريه وجديده 


في العلاقاتِ السويّةِ لا تُرفَعُ الخلافاتُ إلى ساحاتِ الخصومة، بل تُعادُ إلى قلبِ الحبِّ ليحكمَ بينها، هناك، حيثُ يكونُ العشقُ متبادَلًا، تُهزَمُ الأسبابُ القاسيةُ أمامَ رغبةِ البقاءِ معًا،

فالحبُّ الصادقُ لا يُنكرُ الألم، لكنهُ يحتويهُ، ويُعيدُ صياغتَهُ حنانًا وتفهّمًا، وحين يتشاركُ الطرفانِ العشقَ ذاته، تصبحُ المشكلاتُ جسورًا لا جدرانًا، هكذا تبقى العلاقاتُ النقيّةُ واقفةً، لأن القلوبَ فيها تختارُ الحلَّ وتنبُذ الرحيل.


عاد رسلان من عمله مُرهق الجسد، مُثقل الفكر، تتبعه رائحة يومٍ طويلٍ من المسؤوليات التي وضعها والده على عاتقه ،

دخل الشقة بهدوءٍ معتاد، لكنه توقّف حين لمح الضوء الخافت من غرفة النوم،

لم يسمع صوت التلفاز، ولا ضحكة ابنه، فقط نشيجٌ مكتومٌ يقطع الصمت،

فتح باب الغرفة ببطء، فوجد "دعاء" جالسة على طرف السرير، رأسها منخفض، ودموعها تنساب في صمتٍ موجع، تجمّد في مكانه للحظة، ثم اقترب منها بقلبٍ قلقٍ :


ـ ايه ده مالِك يا "دعاء" ؟

أنا داخل مستغرب ألاقي البيت هادي بالشكل ده، وصوتك مكسور كده، ايه اللي مزعلك ومخليكي بتعيطي بالشكل المنهار ده مالك يا ماما في ايه؟!

أنا بقالي كذا يوم حاسس إن في حاجة مضايقاكِ، وحاولت أسألك وأنتِ بتتهربي،

بس المرة دي مش هينفع أعدي الموضوع كده، قوليلي يا حبيبتي، في إيه؟


مسحت دموعها بسرعة، وأدارت وجهها بعيدًا، محاولة أن تُنهي الأمر بكذبةٍ خفيفة.


ـ مفيش حاجة يا "رسلان" مخنوقة شوية او يمكن شوية تعب كده ولا حاجة، و مجهدة شوية، إنت عارف اليومين دول ضغط، والولد مطلع عيني، متشغلش بالك.


جلس جوارها، وأمسك يدها برفقٍ شديد، كمن يخشى أن تنكسر بين أصابعه، وهو يتيقن تهربها منه:


ـ لا، لا، الكلام ده ما يدخلش عليا،

إنتِ مش من النوع اللي يعيط من الإرهاق، ولا عمرك خبّيتي دموعك عني بالطريقة دي،

وبعدين أنا جوزك، مش غريب،

واللي مزعلك يزعّلني، واللي وجعك لازم أعرفه علشان أداويه.


سحبت يدها بهدوء، ونهضت لتقف عند النافذة، محاولة الهروب من عينيه:


ـ قلت لك مفيش حاجة يا "رسلان" لو سمحت بقى سيبني مع نفسي شوية وانا هاهدى ما تضغطش عليا من فضلك.


نهض خلفها، ووقف على مسافةٍ قريبة، صوته خرج أعمق، وأكثر حنانًا وهو على تصميم أن يعرف ما بها :


ـ لا يا "دعاء" ، أنا مش هسيبك، ولا هسيب الحزن يبات في قلبك ليلة كمان ،بقالي أيام شايف الضيقة في عينيك، وسكوتك، وقلة كلامك، وكل مرة تقولّي مفيش، وأنا قلبي يقولي في ألف حاجة، انا ما اتعودتش عليك غير مرحة وادخل البيت الاقيكي بتقابليني بالأحضان كأني غايب عنك بقالي سنين، بقالك شوية متغيرة وأرجوكي ما تحاوليش تخبي عليا.


تنفست بعمق، وارتجف صوتها وهي تحاول المقاومة:


ـ يا "رسلان" ، والله أنا تعبانة بس،

ومش قادرة اتكلم ولا افتح في مواضيع وقت ما احس ان انا عايزه احكي هحكي.


رفع يده، ولامس خدها بحنو، مجبرًا إياها على النظر إليه وهو يحاول تهدئتها برقي :


ـ المشاكل الحقيقية يا "دعاء" مش في الكلام، المشاكل في الكتمان اللي بيكبر جوا القلب لحد ما يكسره، إنتِ مراتي، وأم ابني، ونص روحي، ولو زعلانة من الدنيا كلها، أنا المفروض أكون أول واحد تعرفيه.


انهارت مقاومتها، وعادت الدموع أقوى من ذي قبل، جلست مرة أخرى، ودفنت وجهها في كفيها:


ـ أنا ما كنتش عايزة أقول لك، ولا عمري حبيت أشتكي لك من حد من أهلك، بس والله تعبت،

تعبت ومش قادرة أستحمل أكتر من كده.


جلس أمامها، على ركبتيه، رافعًا رأسها برفق، وهو يشعر بالقلق الشديد فقد قرأ في عينيها الوجع والحزن الشديد:


ـ اشتكي يا "دعاء" ، فضفضي، وطلعي اللي جواكِ، أنا سامعك بقلبي مش بس بوداني، 

ومش هسيب كلمة توجعك من غير ما أقف قدامها، او يمكن انتي فاهمة غلط ،صدقيني لازم لو في قلبك حاجة تحكيها علشان انا وانتي نعيش مرتاحين ما ينفعش واحد فينا يخبي حاجة عن التاني صدقيني.


تنفست بعمق، وبدأت كلماتها تتدفق بثقل السنين:


ـ خالتي يا "رسلان" ، من ساعة ما اتجوزنا وهي مش طايقاني، كل مرة تشوفني تبص لي من فوق لتحت كأني أقل منها،

وتعلّق على لبسي، على شكلي، على طريقتي، وكأني داخلة امتحان مش زيارة.


شدّد على يديها، وعيناه حزنت لأجلها ولأجل شعور النقصان التي أوصلته إليها والدته، فتابعت هي:


ـ كل مرة ألبس حاجة تقول لي دي مش لايقة،

دي فلاحي، دي مش على سنك، حتى لبس ابننا ما سلمش منها، كل ما أوديه علشان جدو بيطلبه، ترجع تقولي هدومه مبهدلة وذوقي وحش، ما تختاريش لابنك هدوم تاني واي حاجة ببعتها لك ما تركنيهاش ولبسيها له مع اني والله علقت لي على طقم قبل كده هي اللي كانت شرياه وتقريبا نسيت، او ما كانتش فاكراه لأني ركنته شوية لأنه كان كبير، ولما قلت لها ده هدية حضرتك انصدمت، انا خلاص ما بقتش قادرة أتحمل طريقتها ولا عدم تقبلها ليا، لحد دلوقتي متجوزين بقى لنا سنين وهي حاطاني في زاوية البنت الفلاحة اللي ما تليقش بيك.


ارتعش صوتها أكثر، وأكملت بنحيب فقد ضعطت على حالها كثيراً وهي تحاول الكتمان:


ـ بتكسفني يا "رسلان" ،قدام الناس، وقدام نفسي، بتحسسني إني قليلة، وإني مهما عملت مش عاجبها ،وأنا ساكتة من يوم جوازنا، ومستحملة، بس الكيل طفح.


ظهر الغضب واضحًا على وجهه، لكنه حاول كتمه:


ـ ليه ما قولتيش من الأول؟ ليه شيلتي كل ده لوحدك؟ أنا عمري ما أرضى إن حد يكسر بخاطرك بالشكل ده؟!


هزّت رأسها بأسى:


ـ كنت خايفة أزعلك، وخايفة تقول إني بكبّر الموضوع، وبعدين دي والدتك،

وأنا كنت فاكرة إن الصبر هيخلّيها تلين، بس هي بتقسى أكتر،وبصراحه ما كنتش حابة اخليها تشوفني بصورة اني بوقع بينك وبينها فكنت بتحمل وباجي على نفسي لكن خلاص ما بقتش قادرة آخر مرة كسفتني قدام البنات اللي شغالة عندها في البيت والله العظيم الدمعة فرت من عيني وانا خارجة من عندها.


ضمّها إلى صدره بقوةٍ حنونة، وهو يعتذر لها عن تصرفات والدته:


ـ سامحيني، سامحيني إني ما خدتش بالي،

وحقك عليا على أي دمعة نزلت منك بسببي،

أنا آسف يا "دعاء" ، وصدقيني اكيد هي ما تقصدش،هي بتتعامل معاكي كانك بنتها بالظبط معلش ولازم تعرفي إن وجعك عندي أهم من أي نية.


أمسك يدها، وقبّلها قبلة طويلة صادقة وأكمل:


ـ إنتِ على راسي، وكرامتك من كرامتي،

وما فيش حد في الدنيا له الحق يقلل منك أو من ذوقك أو من تربية ابننا،

وأوعدك إني هحل الموضوع ده بهدوء ومن غير ما أجرح حد.


في المساء، وقف "رسلان" أمام والدته باحترامٍ ثابت،كان صوته هادئًا، لكن كلماته واضحة لا تحتمل التأويل:


ـ يا أمي، أنا جاي أكلمك بهدوء، ومن غير زعل،

"دعاء" مراتي، واختيارِي، وذوقها ذوقي،

وأي تعليق على لبسها أو لبس ابننا بيكسر بخاطرها وبيكسرني أنا شخصيا وانا اتكلمت مع حضرتك في الموضوع ده قبل كده لما لاحظتك بتبص لها نظرات مش كويسه على فكره يا امي انك تقللي منها كانك بتقللي مني بالظبط.


حاولت التملص، وارتسمت الدهشة المصطنعة على وجهها:


ـ يا سلام هو انا كنت عملت ايه يعني علشان خاطر تديني المرشح ده كله ولا الهانم قومتك على مامتك وجاي تحذرني اني ما ابصلهاش حتى وبعدين ده حفيدي احب اشوفه في احسن وابهى صوره ما ليش علاقه ان هي بتفهم كلامي غلط وبتاخده على صدرها قوي كده.

تنفّس بعمق، وأكمل بنفس الهدوء فهو لم يريد ان يدخل في جدال مع والدته فهو يريد لفت نظرها دون ان يغضبها:


ـ أنا عارف إنك ما تقصديش، بس اللي ما يقصدش لازم ياخد باله، ولو حابة تجيبي حاجة لحفيدك إحنا نشيلها فوق راسنا،

بس من غير ما تكسري بخاطر مراتي، علشان دي شريكتي في الحياة واللي يمسها يمسني.


أنهى حديثه مع والدته التي لم تقتنع بكلامه وظلت تتآكل من الداخل لدفاعه عن زوجته فظنت انه حينما يتزوجها ويكتشف انها ليست من مستواه الاجتماعي ولا المادي انه سيزهق منها وحتما سيطلقها ولكن خابت امالها وولدها يحبها بشده بل ويزداد حبها في قلبه اكثر من ذي قبل ،في الليل، عاد إلى "دعاء" ، يحمل علبة صغيرة بين يديه، ابتسم وهو يراها ترفع رأسها وترتسم على وجهها بسمة صافية:


ـ ممكن الأميرة "دعاء" تقبل مني الهدية اللطيفة دي، وممكن كمان ما تبطلش الابتسامة القمر بتاعتها دي وما تحرمنيش منها أبدا رجاء أيتها الأميرة الجميلة.


فتحَت العلبة، وابتسمت لأول مرة منذ أيام، ثم احتضنتها بين يديها وهي تشعر بالعشق الشديد لذاك المحب لها والذي يعاملها منذ زواجهم كما وصى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأت هديته الجميلة بقلب فرح كما المراهقة التي جلب لها حبيبها هدية عناق الروح للروح:


ـ "رسلان" ... إنت دايمًا بتعرف تطلّعني من أضيق حتة، والله العظيم بجد وجودك جنبي مخلّيني أقدر أستحمل الدنيا كلها، وطيبه قلبك وحنيتك عليا مخلياني حتى في عز زعلي ما اقدرش احمل في قلبي حاجة من ناحيتك بسبب اللي بيحصل حواليا، بجد ومن كل قلبي انت هدية ربنا ليا .


اقترب منها، وضمّها بحبٍ عميق:


ـ وأنا ما ليش غيرك، إنتِ أماني وبيتي وأم ابني، وأوعدك إن ما فيش زعل هيفضل ساكن في قلبك وأنا عايش.


انتهى الحوار بينهما وهما متعانقان، وقد عاد الدفء إلى قلبٍ كاد يبرد من كثرة التحمل ولكن اهتمام "رسلان" بها وبمشاعرها ولم يمرر زعلها مرور الكرام حتى رطب على قلبها وهدأها بكل معاني الحب والإنسانية.


******


نظر إليه الطفل وهو يسأله ببراءة:

ـ إلا قول لي يا بابي مين "سهى" اللي كانت بتكلمك امبارح بالليل وبتقول لك انها محتاجة لك قوي يا دكتور؟ خلي بالك مامي لو سمعت "سها" وهي بتقول لك كده الدنيا هتقوم ومش هتقعد مش فاكر آخر مرة لما اللي اسمها "نانا" دي قالت لك نفس الكلمة وماما سابت لنا البيت ومشيت. 


اتسعت عيناي ذاك الـ"زيد" بدهشة ليساله وقد احمر وجهه مستعدا للغضب على طفله:


ـ انت ازاي عرفت الرسالة دي يا ولد انت بتفتح الواتساب الخاص بيا وبتقرا الرسائل اللي بتجيلي؟! ازاي تدخل على الوتساب وتعمل كده يا "ادم" ؟! هو انا مش منبه عليك ان دي خصوصيات وما ينفعش ان انت تقتحمها حتى لو انت واخد موبايلي تراجع على شات المجموعات بتاعتك؟


أجابه الطفل ببراءة وصدق وهو يرفع يديه في الهواء باستسلام:

ـ والله يا بابي ما فتحت الشات بتاعك وانا ماسك الموبايل علشان اشوف تعليمات المستر على المراجعة الرسالة جت على الشاشة من فوق من غير ما اشوفها انا ما ليش ذنب وعلشان خاطر تيته "شهيرة" معلماني اني ما ينفعش اشوف أسرار غيري واتجسس حتى لو من غير قصد جيت سألت حضرتك دلوقتي.


نظر "زيد" حوله قبل ان يجيب ابنه بترقب وعينيه تتلصصان في كل مكان بجانبه ومن خلفه ليرى ما اذا كانت متواجدة في المكان أو تراقبهم من بعيد كعادتها فتلك الـ" ليلى" تغار عليه بشدة ولن تتقبل أي أعذار بخصوص مهنته كدكتور جامعي وصاحب أكبر منصات على مواقع السوشيال ميديا :


ـ طب بعد كده لما تشوف رسائل زي دي ما تسالنيش عنها في البيت إلا إذا كنا لوحدنا يا متخلف انت، دول طالبات في الجامعة بيسالوا عن حاجة تخص المنهج وكمان لو خدت بالك هتلاقيها كانت على شات المجموعة اللي فيها بنات وشباب .


ثم تابع باعتراف صريح تصحبه الدعابة أمام طفله وهو يعلم تمام العلم أنه لن ولم يفتن عليه أبدا فقد ربته والدته وجدته على الصدق وعدم التلصص وعدم الفتنة بين الآخرين وكتمان الأسرار وهو كان خير مستمع ومنفذ :

ـ وبعدين "سها" مين و"نانا" مين؟! انت ما شفتش بابا زمان كان عامل ازاي؟ انا كنت يا ابني الجان الجنتل اللي مدوخ البنات كلها بس توبت على ايد مامتك اللي تتوب الشيطان ذاته وبقيت من ايديها دي لايديها دي، وبقيت غلبان خالص يا "آدم" وبابي ماشي على الصراط المستقيم وما يقدرش بس عينه تترفع على أي بنت.


واسترسل بعيناي زائغة وهو يعبث بياقة قميصه:

ـ مش علشان خوف من ماما لا سمح الله لا والله علشان خاطر ربنا وانت كمان لازم تخاف ربنا وتعرف ان كل حاجة في النور حلوة ماشي يا حبيب بابا.


ابتسم الطفل بشغف وسأله بتطلع:

ـ بابي ممكن تقول لي اتعرفت على مامي ازاي متشوق قوي اني اعرف قصه مقابلتكم او لقيت فيها ايه علشان تبقى زوجتك وام اولادك اللي هو احنا؟


كان ذلك الطفل ذو الاثنى عشر عاما لديه رغبة في معرفة بدايات تعارف أبيه وأمه فهو ذو عقل متفتح بشدة نظرا لمشاركة "ليلى" ووالدتها و"زيد" في تربيته فأصبح بتلك العقلية الماهرة التي تسبق سنها:

ـ لا بقى ده قصتي انا ومامتك لازم كانت تبقى زي قصة العاشقين روميو وجولييت وعنتر وعبلة وقيس و ليلى، انا عايز اقول لك ان بفضل الله اتعذبت عذاب واتمرمطت مرمطة ما اتمرمطهاش حد في حياته علشان خاطر اتجوز ماما انا يا ابني تقريبا كده الوحيد اللي في العالم اللي قعد خمس سنين علشان يثبت لماما ولتيته اني استحقها وان هي تخليني اتجوزها عايز اقول لك مرمطوني والله يا ادم بابا اتبهدل على ايديهم. 


ضحك الطفل باستمتاع على إجابة والده لينطق بدهشة:

ـ مش للدرجة دي يا بابا دي ماما وتيته طيبين جدا وعمرهم ما كانوا شريرين انا حاسس انك بتعلي عليهم شوية علشان تثبت دايما قدامي إنك غلبان وهم اللي دايما ظالمينك.


أشاح "زيد" بيديه في الهواء وهو يعاتبه بغضب مصطنع:

ـ وانت ليه دايما مصمم ان ماما اطيب من بابا وان بابا وحش؟ أنا نفسي أفهم أنا مصاحبك وبتعامل معاك كأنك صديقي المقرب شفت مني ايه خلاك تيجي صف ماما وما تجيش صف بابا؟ ياض احنا رجاله زي بعض لازم تقف في ضهري ولازما تدافع عني في اي وقت ويكون في علمك في قانون الصحاب ان صاحب صاحبه لازم يبقوا كتف واحد وعلشان كده بطلب منك في اي مشكلة ما بيني وما بين ماما تتدخل على طول وتنقذ بابا وتدافع عني وتطلعني ملاك بريء وعمري ما اعمل الغلط تمام يا صاحبي.


ضم الطفل يديه وعانق قبضة يداي أبيه وهو يغمز له بشقاوة:

ـ قشطة يا مان، تمام يا صاحبي ، في ضهرك يا باشا.


في تلك اللحظة أتت "ليلى" وهي تشهق بشدة وسحبت ابنها وهتفت بنبرة يملؤها الذهول:

ـ هاااااااا ... ايه الألفاظ اللي بتنطقها دي يا "آدم" ؟


ثم جزت على أسنانها بغضب وهي توجه رسالتها إلى "زيد":

ـ وانت كمان بتبتسم على كلمته انا نفسي افهم انت بتعلم الولد ده ايه انا كل تعبي معاه بيروح هدر بمجرد ما يقعد معاك حبه صغيرين، حرام عليك يا "زيد" بجد انت كده هتبوظ لي الولد وانا منبهه عليك بلاش الألفاظ دي قدامه، بجد زعلتني منك، لما انا جيت وانتم في آخر القعدة وهو بيقول لك؛ قشطة يا مان، أمال من أول القعدة عمالين تقولوا لبعض ايه؟


اقترب منها وهو يهمس بجانب أذنها مما جعلها كظمت غيظها:

ـ هشش الدكتوره شهيره منبهة عليكِ من آخر خناقة ما بينا وطلعتك انتِ اللي غلطانة وقالت لك؛ ما ينفعش تزعقي قدام الولد ولا تتنرفزي ولا نتخانق قدامه؟! شايفة الولد واقف هيمـ.ــوت من الخوف منك، اطلعي على أوضتنا وقولي اللي نفسك فيه بس بعد ما تراضي الولد يا دكتورة. 


حاولت كظم غيظها بأعجوبة ولكن داخلها يتآكل غيظا منه وهي تتوعد له سرا بأن ذلك الموقف لن يمر مرور الكرام، واقتربت من ابنها وهي تحتضنه من كتفه وارشدته بصوت حاني:

ـ دوم ي حبيبي انت جميل وكل اللي حوالينا بيحلفوا بأخلاقك العالية، مش عايزاك تقول الألفاظ الوحشة دي تاني، انت واحد حافظ قرآن ربنا تلاوة وتجويد فمش عايزاك تقول الحاجات دي ولا لسانك يقول الا كل ما هو جميل علشان أول حاجة ربنا يرضى عنك ويراضيك، تاني حاجة الناس كلها تفضل تشاور وتقول الولد ده متربي ميت مرة وساعتها هيقولوا يسلموا الأم والأب اللي ربوه، يعني انت هتخلي الناس تشكر في تربيتنا ليك أنا وبابي، ويدعو لنا كمان ماشي يا دومي. 


حرك الولد رأسه بطاعة وهو يعتذر لوالدته بتأدب :

ـ حاضر يا مامي، أنا آسف واوعدك اني هحافظ وهخلي بالي من كل كلمة بقولها وارجوكي ما تزعليش مني وحقك عليا يا مامي انت وبابي . 


اقترب منه "زيد" وهو يسحبه لأحضانه وربت على ظهره بحنو بالغ :

ـ مين قال لك اصلا ان بابي زعلان منك هو انت في زيك في الدنيا يا دومي عليا النعمة انت اخلاقك أحسن من أبوك عشرين مرة ياض. 


كانت تقف خلفهم وهي تواري وجهها بعيداً عنهم وتنفخ بضيق شديد من تلك الكلمات التي يلقيها على مسامع طفلهم ثم انصرف الطفل وكاد هو الآخر أن ينصرف إلا أنها رفعت حاجبها بغيظ ونادت عليه :

ـ ايه ده انت رايح فين ان شاء الله قبل ما نتكلم وسايبني واقفة كده ولا عبرتني. 


تحرك بخطواته ووقف أمامها مرددا بدعابة كي يخفف خنقتها وهو يغمز بعينيه بشقاوة:

ـ ايه ده هو انا قد كده وحشك يا لولا وعايزه تتكلمي معايا كتير اذا كان كده تعالي نطلع على اوضه نومنا نتكلم براحتنا وتقولي كل اللي نفسك فيه وانا كمان في حاجات كتير نفسي اقولها لك ومن اولها..


ثم اقترب منها أكثر وهمس بجانب أذنها:

ـ حضنك وحشني قوي ياللي مجنناني وعلطول مخصماني ومن حنانك حرماني وأنا غلبان مبتكلمش .


احمرت وجنتيها من همسه ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبةوحاولت أن لا تتأثر بهمسه:


ـ وكمان بتلحنها ، ممكن نطلع نتكلم في أوضتنا شويه أظن انا حاولت اتحكم في أعصابي جامد قدام الولد علشان ما اطلعش غلطانه زي المرة اللي فاتت بس انا مصممة ان اللي سمعته وان اللي حصل ده ما يعديش مرور الكرام ابدا يا "زيد".


ـ اوووه، أوضة النوم.. ده أنا سابقك يا باشا وانا كلي أذان صاغية طالما في الاخر هنروح لأوضة النوم... جملة ماكرة نطقها ذاك الزيد بعبث وأكمل بنفس الخفة:

ـ عارفه لو كنت قلتي لي اوضه المكتب كنت سبتك ومشيت على طول بس طالما أوضة النوم يبقي اسبقني يا قلبي اسبقني على الجنة الحلوة اسبقني، اسبقني وقول لحبيبي انا جاي على طول يا حبيبي .


دبت قدميها في الأرض وهي تربع ساعديها أمام صدرها ناطقة بغيظ من طريقته :

ـ هو انت على طول كده كل تفكيرك شمال يا ابني احنا عايزين نتكلم في حاجة تخص ابننا بطل بقى دماغك اللي بتحدف شمال دي كل ما آجي اتكلم معاك ده انت جننتني معاك يا "زيد" والله.


غمز بإحدى عينيه ليقول وهو يتحرك من أمامها كي يسبقها:

ـ هو في أحلى من الشمال يا لولا، وبعدين "زيد" طالعة منك زي القمر، وبصراحة بقى انا بتلكك وانا بخترع أي حاجة علشان نوصل لأوضة النوم اللي مش عاجباكي دي وبطلي بقى تتبطري على نعمة ربنا، غيرك مش طايل إن جوزه يبقى عايزه ويدلعه ويقول له أحلى كلام، انتِ في نعمة وانتي مش واخدة بالك والله. 


واسترسل حديثه باعتراض:

ـ وبعدين انتِ مكبرة الموضوع ليه ده كلمة بسيطة وانا مش حابب اخلي ابني يطلع قفل أنا عايزه يطلع فريش وفرفوش زي ابوه بالظبط، انا مش شايف انه قال حاجة يعني غريبة، ده بيتكلم مع ابوه وأنا متعود ان احنا نبقى اصحاب. 


تحركت وراؤه وهي تذوم باعتراض ثم دخلا إلى غرفة نومهم وأوصد الباب خلفهم بالمفتاح لتعترض على فعلته تلك وهي تراه يخلع الجاكيت ورماه وفك رابطة عنقه لتسأله:


ـ ايه ده انت بتقفل الباب ليه ان شاء الله وكمان قلعت الجاكيت والجرافتة بتاعتك، هو انت مش وراك محاضرة دلوقتي واظن انا كمان عندي محاضرة كمان نص ساعة، اللي في دماغك ده مش هيحصل أبدا مهما عملت أنا فايقة لك بقى المرة دي على الآخر مش هيحصل زي كل مرة وتنفذ اللي في دماغك وتاخدني على غفلة وتضحك على عقلي. 


اقترب منها وهي تبتعد حتى حاصرها بين خزانة الملابس وصدره وتمسك بوجهها بين يديه ونظر بعينيها بطريقته التي تسحرها كما المعتاد:

ـ الله دلوقتي خايفه مني ما كنت من شويه فايقه لك وتضحك على عقلي وعامله نفسك هيرو يا ماما انت ما تقدريش تصدي قصاد نظرات عيوني ولا تقاومي حتى ريحه انفاسي انت بتضعفي قدامي يا لولا وانا بصراحة بموت في ضعفك ده ببقى حاسك طفلة صغيرة قدام حبيبها لأول مرة وإحساس الخجل بتاع كل مرة منك بيدوبني فيكِ يا لولتي. 


تفككت أعصابها في قربه وانفاسه التي لفحت عنقها فذاك الـ"زيد" مخادع في قربه، وماكر في سحبها له ويعرف كيف يجعلها تذوب به بل وتلهث لأجل اقترابه منها ولأجل أن يسحبها لعالمه الجميل :

ـ بس احنا عايزين نتناقش في ايه اللي حصل دلوقتي والكلمه اللي انت قلتها للولد اللي ما ينفعش تقولها. 


اقترب منها اكثر واسند جبهته بجبهتها يتنفس انفاسها ثم قال بوله: 

ـ ما احنا هنتناقش وهنقول كل حاجة بس بعد ما اقول انا واعمل اللي نفسي فيه وانت اللي جيتي برجلك يا قطتي الجميلة وانا في اي وقت جاهز لاستقبالك يا لولتي الأميرة.


حاولت تنظيم أنفاسها بصعوبة بالغة أمامه وهو يسحرها بهمساته ولمساته الجريئة فذاك الـ."زيد" متمرس بل ومحنك بشدة في قوانين القرب بينه وبينها لتهمس:


ـ طب أنا عندي محاضرة وانت كمان، واحنا كدة هنتعطل بسببك .


قبلها من عينيها بشغف ووله شديد :

ـ بلا محاضرة بلا تعليم بلا يحزنون أنا على أخري يا لولتي وباين من عينيكي إنتي كمان إنك ملهوفة عليا اعترفي بقي إني اجمد منك وبعرف أخليكي تتراجعي عن موقفك المتشبس بسهولة.


أنهى تحديه معها وسحبها بقبلته العاصفة إلى عالمهم الخاص وهي كانت خير مرحب فهي مسكينة في التحدي أمام ذاك العاشق المتيم بمشاعره الموقدة التي ألهبت كل حواسها وجعلتها اندمجت معه دون أن يبذل مجهودا كثيراً فقط نظرة ساحرة تصحبها لمسة ثائرة يعقبهما قرب عاشق متمرس جعلتها فتحت أحضانها له بكل ترحاب وأنساها ذاك الماكر كل شئ حتى نفسها .


*******

ـ انت اتاخرت قوي يا "هاشم" لازماً كل لما أكون متفقة معاك على حاجة من ناحية اهلي واكون منبهة عليك ما تتأخرش تتأخر برده بجد انت ضايقتني. 


أجابها عبر الهاتف وهو يقود سيارته سريعا معتذرا عن تأخيره:

ـ معلش يا "حنين" كان عندي طلبية مهمة كان لازم أسلمها وبعدين التأخير كله نص ساعة يعني مش مشكلة الكون مش هيتهد. 


انفعلت عليه وصوتها على بعض الشيء لدرجة ان والدتها سمعتها:

ـ بلا طلبية بلا بتاع، انت دايما كده بتحبش تهتم بالحاجة اللي تخصني، لما يكون ميعاد مع أصحابك بتيجي من قبلها بقد كده وتجهز نفسك وتطير زي الحمام علشان تلحق ميعادك معاهم، اما انا واللي يخصني طز وفي ستين داهية.


استمع هو الى صوت والدتها وهي تنهرها على علو صوتها فغضب بشدة وهو يتوعد لها بسبب حماقتها معه لدرجة ان والدتها سمعتها :

ـ قسما بالله يا "حنين" ما هعدي لك علو صوتك ده عليا وكمان أمك سمعتك وانتِ بترفعي صوتك على جوزك بس نخلص ونرجع البيت والله العظيم ما هعديلك الموقف ده.


انهي حديثه الغاضب وأغلق الهاتف في وجهها مما جعلها ارتعبت بشدة ودقات قلبها اعتلت بخوف شديد فعاتبتها والدتها على طريقتها وعلو صوتها: 

ـ طب انا بقى حضرت الموقف اهو من اوله انتِ غلطانة جدا يا بنتي، ما فيش واحدة تعلي صوتها على جوزها وخصوصا انه ما كانش بيتسرمح ده كان في شغله اللي ملتزم بيه، يعني ما كانش مع اصحابه مثلاً واتأخر عليكِ، انتِ غلطانة جامد جدا يا "حنين" واستحملي بقى اللي هيجرى لك بسبب طريقتك وصوتك العالي، واحد زي ده لسه راجع من شغله تعبان وهلكان وكمان جاي علشان يلبي دعوة أخوكِ على عيد ميلاد ابنه وهو مش قادر يصلب طوله بسبب تعب الشغل وانتِ عارفة شغله عامل ازاي وفي الآخر تتكلمي معاه بالطريقة دي، انا مش فاهمة هتعقلي امتى يا بنتي.


بكت بشدة لسببين أولا خوفها من بطش "هاشم" ، ثانيا من حالتها النفسية الغير مستقرة بعد ولادتها الأخيرة لطفلهم الذي يبلغ شهرين فقط:

ـ ما اعرفش يا ماما انا بقيت بتعصب على اقل شيء انتِ عارفة الأولاد معايا تلت اطفال ومن ضمنهم طفل رضيع من ساعة ما ولدته وانا الهرمونات عندي متلخبطة ودايما بتعصب وهو بيتحملني، بس المرة دي غير علشان اتعصبت وانتِ موجودة وانا عارفة ان "هاشم" مش هيعديها بالساهل. 


سحبتها والدتها إلى أحضانها وحاولت تهدئتها:

ـ خلاص يا حبيبتي بلاش عياط علشان اللي حوالينا ما يلاحظوش عليك حاجه حاولي تهدي اعصابك وحاولي تظبطي ردود افعالك اكتر من كده وما تقلقيش جوزك حنين هيقول كلمتين وخلاص، ويلا بقى علشان نخرج بدل ما تلفتي الانتباه ليكي ومرات اخوك تدخل تسألك في ايه ونعمل حوار .


مسحت دموعها ثم غسلت وجهها من صنبور المطبخ وجففته بالمناديل الورقية واخذت نفساً عميقاً ثم خرجت ليسألها اخيها: 

ـ ايه يا "حنين" هو "هاشم" أتأخر ليه المعزومين كلهم جم إلا هو عايزين نطفي الشمع.

استمعوا إلى صوته يردد :

ـ و"هاشم" وصل اهو يا سيدي وجاب الشمع والتورتة عملتها بايدي مخصوص علشان حبيب عمتو وجوز عمتو.


وقف "هاشم"  بجانبها وهو يبتسم لها امامهم إبتسامة عابرة تفهمتها وبات داخلها يدق رعبا من طريقته الجافة معها منذ أن دخل وبدأت أجواء عيد الميلاد تأخذ مجراها إلى أن تفرق الجميع كل في مكان بجانب زوجته وهم يتناولون الحلوى في جو من الألفة، فتحدثت "حنين"  وهي تضم على شفتيها بتردد:


ـ معلش اني عليت صوتي في التليفون ودي أنا غلطانة فيها وانت كمان غلطان إنك قفلت التليفون في وشي ما كانش يصح ابدا يا "هاشم". 


رد عليها بنبرة جافة باردة بكلمات معدودة فهو لا يريد التطويل معها لأن لا يتعصب وكي لا يلفت الانتباه إليهم:

ـ مش حابب نتكلم في وسط الزحمة دي لما نروح بيتنا نبقى نشوف مين فينا اللي غلطان يا هانم ويا ريت تقفلي على الموضوع. 


استقبلت نبرته الجافة برعب أكثر فهي تعرفه حينما يتعصب منها لا يهدا الى ان يكيل لها مائة كيل كي يشعر بالهدوء، واثناء تناولهم الحلوى اتى ابن خالتها وهو يقترب منها كي ياخذ صوره معها في ذلك التجمع وتلك الحركة فعلت الأفاعيل بـ"هاشم"والغيرة اشتعلت داخله، فكيف يقترب منها بهذه الدرجة؟ وكيف له أن يلتقط صورة معها دون أن ان يستأذنه، ودون مراعاة لأي شيء أو منطق، نطق بانفعال: 

ـ هو ايه حضرتك أنا قاعد كيس جوافة جنبها، يعني أنا جوزها والمفروض تستأذن وتشوف انا هوافق تاخد صورة معاها ولا لا جرى ايه يا ابني ما تظبط كده. 


احمرت وجنتي "حنين"  ولأنها متيقنة أن الموقف سيتصعد أكثر من ذلك فاستنجدت بوالدتها ولكن قبل مجيئها تحدث ابن خالتها ذو العشرون عاماً ولكنه طويل الجسد عريض المنكبين إلى "هاشم" مندهشا من طريقته الفظة معه:

ـ جرى ايه يا شيف "حنين"  بنت خالتي متربيين مع بعض من واحنا صغيرين ده احنا كنا بننام جنب بعض على السرير وهي اختي تماماً.


هنا قد سمعت والدتها ما حدث فسحبت ابن شقيقتها على جنب وقالت: 

ـ ما ينفعش يا ابني اللي انت كنت هتعمله كنت لازم تحترم جوزها انتوا بقيتوا شباب كبار مش عيال صغيرة زي زمان، انا عارفه انك بتعتبرها اختك تماما لكن اللي حصل ما ينفعش ومش عايزين نكبر الموضوع لان جوزها بيغير عليها جدا ومن حقه. 


اما ذاك الـ" هاشم"  بعدما اشتعل داخله بشدة طلب منها بصوت غليظ لكنه منخفض وهو يحاول ان يتمسك بأعصابه:

ـ يلا علشان نمشي من غير ولا كلمة هاتي البنت الصغيرة وانا مستنيكي تحت وهاخد الكبار في ايدي.


حَرَّكَتْ رأسَها بموافقةٍ دون أن تتفوَّهَ ببنتِ شَفَةٍ، وتيقَّنتْ أنَّ تلكَ اللَّيلةَ لن تمرَّ مرورَ الكِرامِ ؛ فعينيه  كانتا تَقْدَحانِ شَرَرًا بشدَّةٍ،

فاقتربَ هو من والدتِها، واستأذنَ منها بلباقةٍ؛ لأنَّهُ يشعرُ بالتعبِ الشديدِ، وبدورِها أذِنَتْ له ببسمة ممتنة ، وما إنْ خرجَ، وقفتْ بجانبِ ابنتِها تنصحُها أن تكونَ عاقلةً، هادئةً، حكيمةً في حديثِها وتصرفاتِها مع زوجِها، وأعطتْها نصائحَ كي تمتصَّ غضبَه وتمرَّ اللَّيلَةُ عليهِم بسلامٍ، صعدتِ السيَّارةَ بجانبِه، وطيلةَ الطريقِ لم يتفوَّهْ بكلمةٍ واحدةٍ؛ فأطفالُهُما معهما، ولا يريدُ أن يفتحَ الحديثَ عن مشاكلِهما أمامَهُم،

وما إنْ وصلوا، حتى دخلَ الأطفالُ إلى غرفِهم، ووضعتِ الرضيعةَ في مهدِها، ثم اقتربتْ منه كي تفعلَ ما طلبتْهُ منها والدتُها، واعتذرتْ بنبرةٍ رقيقةٍ ناعمةٍ :


ـ انا آسفة جدا للي حصل يا "هاشم"  غصب عني انا ما ليش ذنب وانت عارف.


ـ هتعتذري عن ايه ولا ايه يا هانم عن انك عليتي صوتك على جوزك في التليفون؟ ولا على ابن خالتك اللي بيتباهى انه كان بينام جنبك في يوم من الأيام ولا كأنه شايف جوزك قاعد معتبرني قرطاس لب مثلا؟! قولي بقى ان حضرتك عايشة فري مع ولاد خالاتك عادي جدا وانا المغفل. 


أدمعت عيناها لظنه السيء ودافعت عن حالها:

ـ والله العظيم ابدا هو انا اصلا يا "هاشم"  بلحق اشوف حد ولا اتكلم مع حد انت ما انتاش دريان بيا ولا عارف العيال بيعملوا فيا ايه طول النهار والليل؟ تالت اطفال كل واحد فيهم في سن مختلف مسؤولة عنهم ومنهم وطفلة رضيعة، وأنا أصلا هرموناتي من بعد الولادة متلخبطة وانت مش ملاحظ الحاجات دي كلها ودايما بتيجي عليا وأنا خلاص ما بقتش قادرة أتحمل طريقتك وظنك السيء بيا انا تعبت، والله العظيم بجد اعصابي تعبت دايما مجبورة اني اتحمل عصبيتك وانت مش هاين عليك تتحمل تغيراتي النفسية وتتعصب عليا وبقيت قاسي عليا قوي يا "هاشم" .


انهت حديثها وانفجرت في بكاء شديد جعله يقف خلفها وهو يحاول تهدئة أعصابه الثائرة، ثم اقترب منها وسحبها إلى صدره العريض وهو يحاول التخفيف عنها فهو يعلم أن أطفاله يتعبونها بشدة:

ـ خلاص يا "حنين"  بلاش عياط انت بقيتي تعيطي كتير قوي اليومين دول وخصوصا بعد ما خلفنا البنت الأخيرة، بس بلاش تعلي صوتك عليا تاني علشان انتِ عارفة الحركة دي بتضايقني جداً، والأهم من كل ده ابن خالتك السمج ده تعملي له حظر من عندك، ولو سمحتي تحفظي غيابي وتعرفي اني مش حابب كده حتى لو كنتم متربيين مع بعض انا مش حابب كده يا "حنين" .


حركت رأسها بموافقة وأجابت برقة وهي تبلل شفتيها الجافتين بلسانها مما جعله تأثر بتلك الحركة منها وهيئتها الباكية التي أثرت به : 

ـ حاضر يا "هاشم"  ومن غير ما تقول انا عارفة حدودي كويس جداً مع اللي حواليا، لازم تكون مطمن وواثق فيا. 


سحب نفساً عميقاً وهو يقترب منها ويحتضن وجنتيها بين كفاي يديه ثم اقترب منها وقبل عينيها الباكيتين وهو يشعر برغبته بها بشدة وبالتحديد في أشد لحظات ضعفها تلك:

ـ طب خلاص يا عيوطة تعرفي شكلك حلو قوي وبصراحه أغريتيني وحشتيني قوي يا روحي. 


ـ هو انت ما بتشبعش يا روحي انا جاية تعبانة وعايزة ارتاح وكمان كنت على اعصابي علشان خايفه منك بسبب رد فعلك. 


شدد على رقبتها بتملك وهو يرغب بقربها مهما فعلت:

ـ ما تحاوليش تتهربي مني علشان ما فيش مني مهرب انا عايزك وانت عارفة انك بتوحشيني على طول يا حنيني. 


وكالعادة سحبها إلى عالمه الخاص بإرادته دون ان تعترض هي باتت تحفظ طبعه وخصوصا في قوانين القرب منها فهو يعشقها ويعشق عالمه معها وهي اعتادت على طريقته تلك بل وعشقتها منه بشدة . 


                   ******


دلف إلى غرفتهم الخاصة وجدها تقف أمام المرآة تنظر إلى نفسها نظرة بائسة يملؤها الحزن الشديد، ضم حاجبه بدهشة من هيئتها تلك واقترب منها محتضنا ظهرها من الخلف ويديه طوقت خصرها بتملك وهمس بجانب أذنها بصوت أجش خشن:

ـ مالك يا "نور" شكلك في مود كئيب ياحبيبي وبصراحة مش لايق عليكي خالص الوش الخشب ده . 


مطت شفتيها للأمام بحزن وهي تنظر بعينيه أمام المرآة وتشير إلى جسدها باستنكار لهيئتها المزعجة لها:

ـ شايف جسمي بقى عامل ازاي يا "يحيى" انصدمت النهاردة بوزن نفسي لقتني بقيت خمسة وسبعين كيلو بحالهم وشكلي بقى زي الدوبة وقرفانة من نفسي وشكل جسمي البايظ ده ومش عارفة اسيطر على حالي وأظبط جسمي خالص ، بجد أنا حزينة على نفسي. 


قهقه بدهشة على سبب حزنها لينطق مداعباً إياها وأدارها إليه واحتضن وجنتيها بين كفاي يديه:

ـ بقى كل مشكلتك في الحياة يا "نوري" إن شكل جسمك ووزنك مش عاجبينك وجايبين لك اكتئاب؟!


وتابع بخفة جعلتها ابتسمت:

ـ فوقي يا ماما الستات دلوقتي اللي معاهم أطفال زيك همهم في الحياة إنهم يغيروا البامبرز ويعملوا رضعة للبيبي وهيطبخوا ايه النهاردة وانتِ في عالم موازي خالص .


لكزته بخفة لتقول بتعالي يليق بها :

ـ وأنا أشيل هم ليه إن شاء الله؟

ربنا يخلي لي مامي ويبارك لي فيها مش مخلياني أحمل هم بيت وأطفال ولا حتى أمور الطبخ دي .


وتابعت بحزن مصطنع وهي تلومه:

ـ وبعدين انت بتسخر من أسباب حزني ومبتهونش عليا ولا بتواسيني؟ لا وكمان شايف إني بتدلع في حين إني في مشكلة كبيرة جداً.


أمسك كفها وجعلها تدور حوله كالفراشة وهو يداعبها بمكر :

ـ عليا النعمة قمر وعود البطل ملفوف كمان، وإذا كان على الزيادة اللي بتتكلمي عنها فده من حظ العبد الغلبان.


اتسعت دائرة عينيها لتسأله بتعجب ولم تفهم مقصد كلامه:

ـ يعني ايه من حظك وايه علاقة زيادة جسمي بحظك يا "يحيى" ؟


غمز لها بعينيه بشقاوة وهو يردد بعبث أخجلها:

ـ إزاي يعني وانتي بقيتي حاجة كدة واو ، كيرفي وشكلك قمر وبسطاني على الآخر بالهيئة دي، ومزاجي آخر روقان .


ـ يااااه، للدرجة دي الرجالة بتحب الست اللي جسمها مليان ؟! ... جملة استنكارية يغلفها الذهول نطقتها تلك النور فتابع هو بنفس طريقته المرحة:

ـ طبعا، اهم حاجة في حضن البنت تكون مالية مركزها وانت ياباشا اللهم زيد وبارك المركز عالي عندك قوي وبيمزجني ،فعلشان كدة شوفي نفسك بعيني وعيني بتقول لك انك متمكنة يا نوري وجاحدة.


أنهى كلامه وهو يشدد على خصرها لتقول بخجل من تلميحاته :

ـ الله! ايه ده يا "يحيى"  انت بتكسفني بجد .

كانت تحاكيه بنبرة رقيقة ناعمة جعلته تشوق وتلهف واشتاق فما كان منه إلا أنه خلع حلته سريعاً وحملها بين ذراعيه و ألقاها برفق على التخت وكاد أن يقترب منها كي ينهل من رحيق شفتيها إلا أنها دفعته برفق في صدره وسألته بنعومة:

ـ ايه ده انت هتعمل ايه انا مش جاهزة .

تمسك بكف يدها بقوة بين قبضتيه وقال:

ـ هستغل إن حماتي مدلعة مراتي وواخدة العيال وهتدلع على حسها أنا كمان ، وبصراحة أكتر إنتي أغرتيني وانت واقفة قدام المراية بالبيجامة المهلكة دي ، وانا مش واد غشيم علشان أضيع الفرصة دي .


ـ يحيى .. الله بقى.


ـ الله بقى انتي يا قلب يحيى وعيونه، بعشق دلعك ودلالك ونعومتك يا نوري .


واقترب منها محتضنا إياها برغبة وتاها في عالمهما الخاص بعد أن احتوى خوفها في عالم جميل حالم لا يفقهه سوى العاشقين.


                        ******


ـ ايه يا شباب ما بقيناش نتقابل غير كل عشر أيام مرة بعد ما كنا كل يوم ما بنفارقش بعض هو الجواز بيعمل كده ولا ايه؟


أجاب "يحيى":

ـ فعلا والله يا"زيد"  عندك حق الدنيا سحابة قوي يا جدع وخصوصا الجواز والعيال والمسؤوليه لدرجه ان احنا ما بقيناش عارفين نتلم على بعض الا كل فين وفين لا وكمان حبه وقت صغيرين وكل واحد يطير علشان يشوف الست بتاعته وحواراتها هي والعيال ياه على الدنيا. 


تحدث "هاشم" إليهم:

ـ والله نحمد ربنا ان احنا بنتقابل اصلا الشغل بيكتر والمسؤوليات بتكتر معاه وليلة كبيرة قوي يا شباب. 


ضحك "زيد" على حالهم ونطق:

ـ اللي يشوفنا زمان واحنا بنقول ان احنا عمرنا ما نفترق عن بعض ابدا وان القاعده دي هتفضل لحد ما نبقى شيوخ ما يشوفناش دلوقتي واحنا بنسرق وقت من الزمن علشان نقعد مع بعضنا هو احنا يا شباب اتغفلنا ولا ايه بالظبط؟


ـ يا عم "زيد" اهو كله كان كلام ما احنا ما كناش نعرف ان الجواز سحلة قوي كده بس بصراحة لذيذ ان يكون في حياتك حد يهتم بيك ويكون حابب انك تفضل معاه وما يفارقكش ابدا حد تكون انت كل حياته ومعتمد عليك في كل كبيرة وصغيرة بصراحة الست كائن رقيق قوي وعلشان كده الواحد مننا ما بيعرفش يرفض لهم اي طلب. 


ـ أوووه... لساك زي ما انت يا عم "يحيى"  دماغك راقية قوي بس انت عندك حق انا عن نفسي ما اقدرش اعيش من غير "ليلى"  والأولاد حياتي من غيرهم ولا أي حاجة بجد ربنا يبارك لنا فيهم. 


وهكذا كانت جلسة الأصدقاء في جو يملأه الألفة دون كلل او ملل تسحبهم مشاغل الحياه الدنيا لكن مهما دارت الدائرة تعود الى نفس النقطة ويتجمعون كي يخرج كل منهم ما في صدره أمام الآخر ويتحابون بكل رقي بينهم. 


والى هنا انتهت الحلقه اتمنى ان تكون نالت اعجابكم في روايتي مشاعر موقدة ربما تستقيم الأفئدة تلك الرواية الممتلئة بالمشاعر والمواقف الكثيرة التي أثرت في و فيكم من قبل، إلى اللقاء دمتم في رعاية الله وأمنه. 

مع تحياتى 



لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 



جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحصريه



اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحديثه



❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺 



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة