ابني زقّني من على السلم والوقعة اللي كان المفروض تقتلني، رجّعتلي نظري اللي فقدته من سبع سنين.
ولما سألت جوزي:
— هو ليه شبهها كده؟
وشه اتقلب، وحاول يخليني أمضي على شوية ورق بحجة إن ده «عشان مستقبل الولد».
ابتسمت.
ومضيتش.
بدل كده، مسكت موبايلي وكلمت محامي.
وسكت.
لأني في اللحظة دي كنت بدأت أفتكر حاجات هما كانوا فاكرين إن عمري ما هفتكرها تاني.
وأهم حاجة فيهم…
إن الطفل اللي عايش في بيتي من ست سنين، واللي طول عمري فاكرة إنه ابني…
يمكن ما يكونش ابني أصلًا.
لكن ده ما كانش أخطر سر.
الأخطر كان إني لسه ما اكتشفتش هو ابن مين.
الجزء الأول
ابني اللي عنده ست سنين زقّني من على السلم، ولما فتحت عيني بعد الخبطة، اكتشفت حاجتين قلبوا حياتي كلها:
إني بقيت أشوف تاني…
وإن الطفل اللي ربيته ست سنين، غالبًا ما كانش ابني.
سبع سنين كاملة عشتهم في الضلمة.
مش مجازًا.
أنا فعلًا ما كنتش بشوف.
وقعت من على حوالي ست درجات من السلم الرخام في بيتنا الكبير في التجمع الخامس، ودماغي خبطت جامد في الأرض.
حسيت بألم رهيب.
وبعدين…
نور.
نور أبيض قوي لدرجة إني افتكرت إني مت.
فتحت عيني.
قفلتهم.
فتحتهم تاني.
ولأول مرة من سبع سنين…
شفت.
شفت النجفة اللي فوق دماغي.
شفت إيدي وهي بتترعش.
شفت الدم على هدومي.
شفت السلم.
وشفت…
ابني.
— أنا… بشوف!
الكلمة خرجت مني وأنا مش مصدقة نفسي.
لكن قبل ما أنده على جوزي، عيني وقعت على صورة عائلية كبيرة متعلقة على الحيطة جنب السلم.
وقفت أنفاسي.
في الصورة كان جوزي، أحمد السيوفي.
جنبه كانت داليا، مرات أخوه الكبير اللي مات من سنين، واللي كانوا دايمًا يقولولي إنها عايشة معانا عشان تساعدني بسبب فقدان نظري.
وفي النص…
كان آدم.
الولد اللي طول الست سنين اللي فاتوا قالولي إنه ابني.
فضلت أبص للصورة.
وبعدين قربت منها.
آدم كان عنده نفس عيون داليا.
نفس لون العين.
نفس شكل الأنف.
حتى لما كان بيزعل، شفايفه كانت بتتني بنفس الطريقة اللي كنت بشوفها دلوقتي على وش داليا.
طول السنين اللي فاتت كنت بقول لنفسي:
«أكيد واخد ملامح من عيلة أبوه.»
لكن دلوقتي…
وأنا شايفاهم بعيني لأول مرة…
الموضوع ما بقاش مجرد شبه.
كان شبهها بشكل يخض.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
وفي اللحظة دي سمعت صوت جوزي بيجري من فوق.
— آدم!
جري ناحيته.
لكن الغريب…
إنه عدّى من جنبي من غير حتى ما يبصلي.
نزل على ركبته وشال الولد من على الأرض.
وبدأ يبص على دراعاته ورجليه.
— اتخبطت يا حبيبي؟ وجعتك حاجة؟
كنت لسه مرمية على الأرض.
ببص له.
وببص لآدم.
وبعدين لجوزي.
سبع سنين كنت بعرف أحمد من صوته.
من طريقته وهو بيتكلم.
من خطواته.
من إيده لما كان بيمسك إيدي وأنا مش شايفة.
لكن دي كانت أول مرة أشوف وشه.
وأول مرة أشوف الحقيقة اللي مستخبية وراه.
وشه ما كانش عليه خوف عليا.
كان عليه…
رعب.
ناديت عليه:
— أحمد…
لف ناحيتي.
وأنا بصيت له كويس.
وبصوت هادي جدًا سألته:
— آدم ابني بجد؟
وشه اتجمد.
ثانيتين كاملين ما ردش.
وبعدين قال بعصبية:
— يعني إيه السؤال ده؟
— يعني بسألك… آدم ابني فعلًا؟
— إنتِ خبطتي دماغك!
قرب مني وبص في عيني.
— إنتِ لسه راجعة من فقدان الوعي وبتقولي كلام مش مفهوم.
بصيت لآدم.
كان مستخبي في حضنه.
قلت:
— هو ليه طول عمره بيبعد عني؟
أحمد سكت.
كملت:
— ليه لما نبقى لوحدنا عمره ما بيناديني «ماما»؟
آدم رفع عينه ناحيتي.
ولأول مرة أشوف نظراته بوضوح.
ما كانش فيها خوف.
ولا حتى ارتباك.
كان فيها…
كره.
كره واضح وصريح.
وقتها آدم خبّى وشه في صدر أبوه.
وأحمد شد عليه أكتر.
وبعدين قال بحدة:
— كفاية بقى!
بصيت له.
— كفاية إيه؟
— كفاية أوهام وشك في الناس!
حاول يشيل آدم ويمشي.
وفي اللحظة دي سمعت الولد بيهمس في ودن أبوه، وهو فاكر إني مش سامعة:
— هي اللي بدأت.
أحمد سكت لحظة.
وبعدين مسح على شعره وقال:
— متخافش… أنا معاك.
بصيت لهم وهما بيطلعوا السلم.
وأنا لأول مرة فهمت حاجة خوفتني أكتر من فقدان النظر نفسه.
أنا كنت عايشة وسط ناس بيخبوا عني حاجة.
ولما وصلوا فوق، آدم لف راسه وبصلي.
الغريب إنه ما كانش خايف.
كان بيبصلي كأنه طفل حد لقنه يكرهني.
دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح.
وقفت قدام المراية.
فضلت أبص لنفسي.
وشي.
شعري.
إيدي.
كل حاجة كنت بسمع عنها طول سبع سنين، لكن ما كنتش شايفاها.
وبعدين…
حاجة حصلت جوا دماغي.
صورة قديمة ظهرت فجأة.
راجل واقف قدامي.
شعره أبيض.
وبيضحك.
صوته بيناديني:
— يا سلمى!
اتخضيت.
حطيت إيدي على دماغي.
— بابا…
الكلمة طلعت من بوقي لوحدها.
بابا؟
بس جوزي طول عمره بيقول إن أبويا وأمي ماتوا قبل الحادثة.
وإن أنا ماليش حد.
وإنه هو اللي وقف جنبي لما فقدت الذاكرة والنظر.
قاللي إني كنت لوحدي.
قاللي إني ما كانش ليا حد أرجع له.
لكن أنا فجأة افتكرت اسم أبويا.
حسن عبدالسلام.
وافتكرت بيتنا القديم في مصر الجديدة.
افتكرت أمي.
افتكرت الجامعة.
افتكرت إن أبويا كان عنده شركة كبيرة.
وافتكرت…
إني ما كنتش بنت وحيدة زي ما أحمد قاللي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بدور على رقم.
مش عارفة الرقم جه في دماغي إزاي.
بس صوابعي كتبته لوحدها.
رن التليفون.
مرة.
مرتين.
تلات مرات.
وبعدين حد رد.
— ألو؟
أول ما سمعت صوته…
نفسي اتقطع.
صوت راجل كبير.
صوت كنت ناسيّاه…
بس قلبي عرفه.
قلت بصوت مكسور:
— بابا؟
سكت.
ثواني طويلة.
وبعدين سمعت صوت شهقة.
وبعدها…
راجل بيعيط.
— سلمى؟
غمضت عيني.
— أيوه يا بابا.
صوته اتهز.
— إنتِ… إنتِ عايشة؟
نزلت دموعي.
— أنا عايشة.
سكت لحظة، وبعدين قال:
— إحنا دورنا عليكي سبع سنين.
حطيت إيدي على بوقي.
— سبع سنين؟
— أيوه يا بنتي… سبع سنين وإحنا مش عارفين إنتِ فين.
بصيت ناحية باب الأوضة.
وبعدين بصيت للصورة اللي كانت على الكومود.
الصورة اللي فيها أحمد…
وداليا…
وآدم.
عيلة شكلها من بره مثالية.
لكن جواها سر.
قلت لأبويا:
— بابا، متجيش دلوقتي.
— ليه؟ حصل إيه؟ مين معاكي؟
— اسمعني بس.
نبرة صوتي اتغيرت.
ما بقيتش البنت اللي لسه مكتشفة إنها شايفة.
بقيت واحدة بدأت تفوق.
قلت:
— عايزاك تعمل حاجة من غير ما حد يعرف.
— قولي.
— دور ورا أحمد السيوفي.
سكت.
— عايزاه تدور على كل حاجة.
— يعني إيه كل حاجة؟
— شركاته… حساباته… علاقاته… كل حاجة تخصه.
سكت لحظة.
وبعدين قلت:
— والأهم… عايزاك تعرف الحقيقة في الحادثة اللي حصلتلي من سبع سنين.
أبويا ما ردش.
فكملت:
— وعندي سؤال تاني.
— اسألي.
بصيت ناحية باب الأوضة، واتأكدت إنه مقفول.
وبصوت واطي قلت:
— أنا فعلًا خلفت طفل من ست سنين؟
الصمت اللي جه بعدها كان أطول من أي إجابة.
لأني لو آدم مش ابني…
يبقى حد ما سرقش مني ابني وبس.
حد سرق مني سبع سنين من عمري.
حد أقنعني إني وحيدة.
حد خلاني أعيش في بيتي كأني ضيفة.
وحد ربى طفل قدامي، وخلاني أفتكره ابني.
لكن السؤال اللي كان بيقتلني وقتها كان واحد:
لو آدم مش ابني… يبقى ابن مين؟
وليه أحمد وداليا كانوا مرعوبين أول ما رجعلي نظري؟
أنا ما كنتش أعرف الإجابة وقتها.
لكن كنت متأكدة من حاجة واحدة…
إني مش هسألهم.
مش دلوقتي.
لأن لأول مرة من سبع سنين…
أنا شايفة.
وهم لسه فاكرين إني الست العمياء اللي يقدروا يكدبوا عليها.لمتابعه القصه كامله لايك وعلـ.ـق ب تم هنا وهيوصلك اشعار ومتنساش تصل على الحبيب المصطفى
