القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

رواية منازل القمر البارت الخامس والسادس بقلم برد المشاعر كامله علي مدونة النجم المتوهج للروايات

 


يسعد أوقاتكم جميعا بكل حب

رواية منازل القمر

البارت الخامس والسادس

بقلم برد المشاعر

فصل اليوم سيكون لبطاتنا قمر ... أتمنى أن تحوز على


مكان كبير في قلوبكم كقمر الطفلة


الفصل الخامس والسادس


كنت جالسة على سريري أرتدي فستانا قطنيا أبيض قصير بعض الشيء وأمسك شعري


بمشبك بسيط عند منتصف ظهري لتتدلى جوانبه على أكتافي كستائر حريرية وغرة


مقصوصة حتى أطراف الحاجبين وهوا الحل الوحيد لها لأنها لن ترتفع عن عيناي مهما


حاولت , أُمسك قلما ودفتر أوزع عليه الكلمات بعشوائية لأرجع وأجمعها مع بعضها فيما بعد


وما هي إلا لحظات وقفز ذاك الجسد بجواري وتسللت تلك الأصابع لغرتي تحركها كالريش


وهي تقول بضحكة " قمر هل لي بطلب "


أبعدت يدها وأعدت ترتيب غرتي وقلت بتذمر " نوران لما أنتي مزعجة هكذا "


أمسكتْ جديلتي من خلف ظهري ورمتها للأمام لتضرب بجسدي وقالت بحسرة


" آه كم أحسدك يا قمر شعرك تجاوز نهاية خاصرتك متى سيتوقف عن النمو "


أمسكته ورميته للخلف وقلت وعيناي على الورقة في حجري


" حتى إن وصل كعب قدماي فلن يمحوا يوما واحدا من السنين التي عشتها دون شعر "


تنهدت وقالت " قمر ما هوا الشيء الذي يمحوا تلك الذكريات من رأسك شوري به


علي وأنا أشتريه بعمري "


قبضت على القلم بين أصابعي بقوة وقلت بنبرة حزينة


" لا شيء يمحوا ما في القلب إلا شيء علق فيه يا نوران "


سقطتْ مني دمعتان على الورقة لتتناثرا في كل مكان وتحكيا ألما يسكن قلبي وحزننا لن


تخفيه السنين بكل ما فيها , مدت أصابعها لذقني ورفعت وجهي لترى عيناي من خلف


الغرة التي تخفيهما وقالت بحيرة وحزن " قمر ماذا حدث !! "


نظرت للسقف لتنزل الدموع عابرة خداي وقلت بابتسامة حزينة " لقد قابلته "


عم صمت موحش وغريب وكأن المكان لم يتبقى به إلا الفراغ وصدى كلماتي في أذنينا


حركَتْ رأسها بعدم استيعاب ثم قالت بهمس " أين ؟!! "


نظرت للأسفل مسحت دموعي وقلت " في حفل الكتاب وقبلها في المكتبة "


قالت بهدوء حذر " هل عرف من تكونين "


قلت بابتسامة ألم " من منهما "


قالت " قمر طبعا "


قلت بحزن " لا يبدو ذلك "


قالت بهدوء " لما لم تخبريه "


تنهدت وقلت بأسى " أخبره بماذا يا نوران وعن ماذا , فلأبقى نورسين خيرٌ لنا "


أمسكت ذراعاي وقالت بحيرة " قمر أنا لا أفهمك , لما لا تخبريه كل شيء فأنتي لا


ذنب لك فيما حدث ولن يمحوا أحد الأسى الذي في قلبك وكل تلك المآسي غير رائد


فهوا الشيء الذي انغرس فيه منذ سنين "


ابتسمتُ ابتسامة حزينة وقلت " لن يصدقني ولن يغفر لي , قد يكون يذكر قمر الطفلة وإن


لم يتعرف علي فلما اشوه صورتها لديه "


تنهدت وقالت بهدوء " بماذا شعرتي حين رأيته "


أمسكت قلبي وكأن كلماتها أصابته في صميمه ثم ابتسمت ابتسامة حزينة وأنا أشده


أكثر وقلت بشرود " شعرت بالنار تشتعل هنا "


قالت بحيرة " قمر يبدوا لي حالتك متطورة جدا "


نظرت لها مبتسمة وقد امتلأت عيناي بالدموع في صمت , ليثه بإمكاني أن أعبر لك عن


الذي أشعر به ويجتاحني كلما رأيته وتحدثت معه فلأول مرة يعجز قلبي عن شرح شيء


ثم تنهدت بحزن فقالت بمرح وهي تشير لقلبي


" حاذري فهذا الذي اشتعلت فيه النيران به قطعة صناعية قد تذوب "


ضحكت ومسحت عيناي ثم وقفت وتوجهت للخزانة فتحتها فتشت فيها قليلا ثم أخرجت


شيئا ونظرت لها بصدمة وقلت " مفكرتي !!! أين هي من مزقها "


قفزت أمامي وقالت " أنا "


قلت بصدمة " لما يا نوران وأين هي "


قالت بتردد " لأن ... لأن عليك أن تنسي الماضي عليك محوه يا قمر "


قلبت صفحاتها وقلت " أين الأوراق كلها لم تبقي إلا الأخيرة , لماذا يا نوران "


استلتها من بين يدي وقالت " سآخذها أيضا "


أخذتها منها بقوة فقالت وهي تسحبها مني " قمر يجب أن تختفي هذه أيضا هناك حيث


البقية إنها الجزء الأهم في الموضوع , أعطيهم لي حالا قبل فوات الأوان "


سحبتها منها بقوة أكبر وقلت " أي موضوع وأي بقية أين ذهبت بها أعيديها الآن "


غادرت الغرفة متذمرة تتمتم قائلة بغيض


" أنا الغبية هل كان عليا أن أتأخر كل هذا الوقت لقد أفسدت كل شيء لأنــ.... "


وانقطعت كلماتها لأنها ابتعدت ونظرت أنا للباب الذي لم تغلقه خلفها ولبقايا المفكرة


في يدي , كانت دائما تلوميني على الاحتفاظ بها ولكني لم أتصور أن تفعل بها هذا


هذه الأوراق وحدها جسري للماضي الجميل معه , كم كان تصرفك هذا أحمقا يا نوران


أخذت ما تبقى منها وخرجت متسللة بخفة وخبأتها في مخزن المنزل كي لا تجدها


وتتخلص منها هي أيضا , لما لا يبقى لي شيء منه ولا حتى تلك الأحرف التي أقرأها


كلما دفعني الحنين لتلك اللحظات


عدت لغرفتي نمت على سريري وخبأت رأسي تحت اللحاف كي أغرق في ظلامٍ دامس


لأني لا أنام إلا هكذا أو لم أعتد النوم إلا بهذه الطريق وقرأت أذكار النوم عشرات المرات


ككل ليلة حتى غفيت كي تحصني من رؤية الكوابيس من عينا التنين وزوجها وتلك الهوة


التي أسقط فيها في الحلم , نمت لوقت ثم سمعت صوتا رنانا لم يكن صوتها بل منبه الساعة


مددت يدي من تحت اللحاف وأسكته وعدت لإغماض عيناي من جديد , لحظة اثنان ثلاثة ثم


رميت باللحاف من على وجهي ليس لأجبر نفسي على الاستيقاظ ولكن لأني لم أعتد إلا على


هذا لأصحو بسحب اللحاف مني بقوة لكن الآن دون صرختها المدوية


( انهضي أيتها الكسولة )


جلست أتنهد بضيق مسحت وجهي بيدي وعبثت بغرتي بين أصابعي بعشوائية


..... لما لا تتركيني وشأني يا عينا التنين .....


تسحبت من السرير ودخلت للحمام توضأت أولا وصليت كي لا يفوتني وقت الفجر ثم عدت


للحمام استحممت وخرجت , ارتديت فستانا يصل عند الركبة برسومات بسيطة وصورة لفتاة


صغيرة تجلس في منتصفه تمسك باقة أزهار , له كمان طويلان يصلان لنصف الكف


وربطات حمراء صغيرة موزعة عند الرقبة , جففت شعري مشطته للخلف وغرتي للأمام


ثم جمعته أماما وربطته بشريطه حمراء عند منتصفه ورميته خلف ظهري ونزلت


للأسفل , عبرت السلالم لتظهر لي عند منتصفها طاولة الطعام وشخصان يجلسان


عليها وقد اختفيا ما أن وصلت نهاية السلالم , نزلت ولففت خلف ذاك الدرج


الضخم ليظهروا لي من جديد


نظرَتْ لي الجالسة هناك بابتسامة وقالت "صباح الخير على القمر "


قلت بابتسامة مماثلة " صباح الخير عمتي , صباح الخير عمي "


وقبلت رأسيهما ككل صباح وجلست , وما هي إلا دقائق وسقطت على الكرسي بجانبي


قذيفة هزت كرسيها وكرسيي معها وهي تقول " صباح الخير يبدوا أنني سأتأخر "


قالت عمتي بتذمر " لو أراك صباح واحد فقط بغير هذا الاستعجال لقد حطمتِ الكراسي "


ضحكتُ ضحكة صغيرة وهادئة فقالت نوران بضيق " أعجبتك النكتة سيدة قمر "


قالت عمتي بحدة " كوني ربع هدوئها ورتابتها وسأحمد الله كل ليلة على ما أعطاني "


ضربت الطاولة بقبضة يدها وقالت " أبي أين لسانك ابنتك تُهان "


ضحك وقال " معها حق "


قالت ببكاء مصطنع " إهي إهي سوف أترك لكم البيت وأهاجر واشبعوا بقمركم "


جاءت حينها قذيفة أخرى ولكنها أصغر حجما من هذه وقبلت رأسا والديها ثم مرت


بجانبي وقالت " صباح الخير يا قمري "


ضحكت نوران وقالت " سنتين للأمام وسيطلب يدك للزواج يا قمر "


نظرت لها بضيق فضحكت من فورها وجلس مؤمن غير مدرك أو متجاهل لما


تقول وقال " أبي أريد نقود "


قال عمي ببرود " نقود الأمس تكفيك شهرا "


قال بضيق " شهر !!! إنها لا تكفي نصف يوم لدينا رحلة مدرسية أخبرتك سابقا "


قال بجدية " الرحلة سأتفاهم في أمرها مع مدير المدرسة , بسرعة كُل


وغادر , السائق ينتظرك ليأتي ويأخذ والدتك "


وقف مغادرا بضيق دون إفطار , مؤمن يدرس في المدرسة الابتدائية وعمره تسع سنين


نوران في نفس سني تخرجت من الجامعة العام الماضي وتعمل في شركة لا أعرف ولم


أهتم ما تكون , عمتي مدرسة في الجامعة وزوجها مدير عام لشركة تابعة للدولة , كانوا


يعيشون في الخارج من أجل دراسة عمي وسبب آخر هي المشاكل بينه وبين والد


والدي في الماضي لأنه ابن عمهم فطردوه وابنتهم من العائلة وقطعوا أي صلة تربطهم


به وانقطعت أخبار الطرفين عن بعض لسنين طويلة ولم يرجعا للوطن إلا تلك السنة التي


أخرجتني فيها عمتي من بيت خالي وزوجته


غادرت نوران مسرعة ومستعجلة كعادتها بعدما همست في أذني قائلة


" لدي لك مفاجئة لن أخبرك بها حتى أعود "


وقف زوج عمتي وقال " سأغادر هل توصيان شيئا "


قالت عمتي بحب " سلامتك فقط "


خرج مغادرا وصعدت عمتي للأعلى لتجهز نفسها فستلحق بهم ما أن يعود السائق


فجدول محاضراتها مزدحم ككل يوم , جاءت الخادمة تجمع الأطباق فوقفت وخرجت


للحديقة جلست على الأرجوحة النحاسية متكئة على عمودها النحاسي أراقب النافورة


أمامها في صمت وشرود , لما لا أشعر بكل هذا ..؟ لما لازالت الهوة الفارغة تسكن


جوفي وأحلامي ولما لازلت أشعر بالبرد يجمد أطراف أصابعي كل ليلة رغم التدفئة


والأغطية السميكة الناعمة ورغم هذا الشعر الطويل لازلت أشعر أنني صلعاء وأن


الجميع يراني دون شعر


شعرتُ بيد تمسح على شعري وترفع غرتي عن جبيني , رفعت نظري فكانت


عمتي بابتسامتها الجميلة , جلست بجواري على الأرجوحة وقالت


" قمر الجو بارد وملابسك خفيفة "


قلت بشرود وعيناي على نافورة المياه


" يبدوا اليوم مشمسا ولا نسائم باردة نحن في مقبل الربيع "


قالت ماسحة على شعري الحريري بحنان " قمر ما بك أنتي لا تعجبينني , تكلمي حبيبتي "


قلت بدمعة محبوسة " أريد والداي أريد أن أراهما ولو ليوم واحد , واحد فقط عمتي "


ضمتني لصدرها بقوة وقالت " قمر يا ابنتي ما نفع هذا الكلام "


تمسكت بها بقوة وقلت بحزن


" لما لم يرجع أي شيء مما خسرته , كلهم ضاعوا ثلاثتهم رحلوا ولم يعودوا "


أبعدتني عن حضناها وقالت بحنان


" من هذا الثالث كي أشتريه بالمال لأراك سعيدة سعادة حقيقية ولو ليوم واحد "


هززت رأسي وقلت ببكاء " لا فائدة عمتي انتهى كل شيء "


تنهدت وقالت " ليثه بيدي شيء أفعله الأطباء قالوا أنك تخطيتي الأزمة والباقي لقوتك وعزمك "


مسحت دموعي ونظرت لها وقلت " كيف مات والداي أخبريني أرجوك "


قالت وهي تمسح على وجهي بيدها " وفيما ينفعك ذلك فالطرق عديدة والنتيجة واحدة "


هززت رأسي نفيا وقلت " لا ليس كذلك كيف يموتان بصرخة من أمي ثم يختفيان كليهما كيف ..؟ "


تنهدت وقالت " هل هذا فقط ما يحزنك !! , صارحيني يا قمر "


اتكأت على كتفها في صمت فضمتني لها وقالت


" لما لا تعملي وتخرجي من هذه العزلة حتى أنك تخفي حقيقة انجازاتك خلف اسم مستعار "


اكتفيت بالصمت فقالت " قد تجدي السعادة يوما في غير الماضي عليك نسيانه يا ابنتي "


قلت بأسى وأنا أدس وجهي في حضنها " لا أستطيع , كيف ذلك من دونه كيف ..؟ "


قالت بهمس متجاهلة أن تسألني من يكون " وأين هوا أخبريني كيف نجده "


ابتعدت عن حضنها ونظرت لعينيها وقلت بحسرة " لم يعرفني عمتي لقد نسيني تماما "


قالت بحنان ماسحة بيدها على وجهي " انسيه أنتي أيضا يا قمر عامليه بالمثل "


دخلت حينها سيارة السائق فأمسكت وجهي وقالت " سنتحدث فيما بعد صغيرتي , حسنا "


هززت رأسي بلا دون كلام فقالت


" حسننا كما تريدين , وداعا الآن وقومي بشيء يسليك حتى نعود "


هززت رأسي بنعم مبتسمة فقبلت خدي وغادرت , دخلت لغرفتي شغلت التلفاز حضنت


وسادة الأريكة وكلماته يوم الحفل لا تغيب عن مخيلتي أحفظ كل حرف قاله لي بل كل


تعبير في كل حرف خرج من شفتيه بل وكل نفس تنفسه أعرفه بالعدد فقد خرج من رئتيه


ليدخل لقلبي , تنهدت بأسى غيرت المحطة ورفعت الصوت


بعد ساعتين وقفت وتوجهت للخزانة أخرجت بنطلونا أسودا وقميص شتوي أسود غيرت


ملابسي ولبست حجابي وارتديت معطفا شتويا مخصرا أحمر اللون يصل طوله للركبتين


أخذت حقيبة يدي وخرجت نزلت السلالم وغادرت المنزل , شددت المعطف على جسدي


وسرت بخطوات بطيئة حتى نهاية الشارع الآخر حيث يوجد محل لبيع الأدوات المكتبية


والمدرسية , نوران المستهترة تنسى يوميا المفكرة الجديدة التي أوصيها بأن تحضرها


وأنا مرغمة على الخروج الآن لأن التي لدي انتهت منذ أيام


منذ عام عدنا من الخارج لنستقر هنا ولم أخرج من المنزل سوى للمشاور الضرورية


وكانت معدودة جدا وحتى الجريدة التي كنت أكتب فيها كنت أتواصل معهم بالفاكس فقط


وكما هوا الحال مع جريدتي الجديدة الآن , زوج عمتي اقترح عليا أن استخدم اسما مستعارا


لكتاباتي فوافقت على رغبته رغم استغرابي هذا الطلب منه وكأنه لا يريد أن يظهر اسمي


كاملا لعوام الناس , يبدوا أنني سأصبح كعمتي التي لا يعرفها أحد إلا باسم زوجها وكأن


عائلة والدي تموت من التاريخ شيئا فشيئا وكل ما أخشاه أن يموت اسم قمر نهائيا وأفقده


هوا أيضا وللأبد


وصلت المحل دفعت الباب ببطء ودخلت ملقية التحية , لم أزر هذا المكان سوى مرة واحدة


أنا ومؤمن ليشتري أغراضا للمدرسة حين لم يجد من يرافقه فوالده يرفض بشدة خروجه


وحده رغم أن المحل قريب لكنه يستلزم عبور الشارع الرئيسي السريع للوصول له ويبدوا


هذا سبب رفض زوج عمتي ذهابه له لوحده


اقتربت من الرف المخصص للمفكرات والذي يأخذ الجهة المجاورة لطاولة البائع وبدأت


بالتنقل بين الأنواع العديدة الموجودة فيه حتى شد انتباهي شخص يقف في الخارج أراه


بوضوح من خلال الباب الزجاجي للمحل , يرتدي معطفا أسود حتى ركبتيه متناسق مع


جسده وكأنه صنع له خصيصا , يخرج عقب سيجارة من فمه ونظره للأرض لا أرى


سوى نصف وجهه وجسده لأنه يقف بالجانب , رمي السيجارة أرضا وداسها بحدائه


الأسود فشعرت بالدموع تجتمع في عيناي , لو لم يدسها بقدمه لحسدتها طوال العمر


على نومها في جيبه ولمسه لها بأصابع يديه وشفتيه بل على دخولها لمنزله ولو ليوم واحد


مسحت عيناي وخبأت وجهي جهة الرفوف حين دفع الباب بيده ودخل متوجها من فوره


لطاولة البائع ليصبح واقفا خلفي مباشرة ودقات قلبي تضطرب بقوة لوجوده الذي غزى


المكان وعطره القوى الذي تغلب على رائحة السجائر في ثيابه


كم يسهل على رجل أن يبعثر مشاعر أنثى ويحولها لبقايا في لحظة واحدة وكم يسهل


عليه هوا تحديدا سرقتي من نفسي وسرقة نفسي مني في طرفة عين


ألقى التحية ليجيب عليه الشاب الموجود خلف الطاولة ثم قال " أعطني ورقا أبيض وورق


بحوث وحبر طابعة وإن أعطيتني كالسابق سكبته لك على أرضية محلك ... تفهم "


ضحك الشاب بعفوية وتحركت شفتاي بابتسامة حزينة .... رائد لم تتغير أبدا كما


كنت في طفولتك


أخرج له البائع ما طلب وهوا يقول


" هذا وصل اليوم ونوعه جيد سيعجبك , لا تورطني في تنظيف الأرضية أرجوك "


ضحك ضحكته الخفيفة المخملية الدافئة وقال " أنقذت نفسك مني هذه المرة "


ثم مد يده ليأخذ قلماً من العلبة في طرف الطاولة فاقترب جسده مني أكثر فاضطربت


كل مفاصلي وسقطت المفكرة من يدي دون شعور لتسقط بيني وبينه , انحنيت لأرفعها


فسبقني لها وهوا يقول " عذرا يا آنسـ ..... "


ثم ابتسم ما أن رأى وجهي واكتفى بالصمت ونظرت أنا للأرض مباشرة أُمسك يداي


ببعضهما عند خصري فدس المفكرة بين معطفي وجسدي وقال هامسا


" صدفة .... أليس كذلك "


نظرت له نظرة ضياع وحيرة وشوق وكل المعاني التي دفنتها في قلبي كل تلك السنين فابتسم


لي وعيناه تبحث في عيناي عن شيء لا أفهمه ثم توجه للبائع همس له شيئا في أذنه وغادر


مسرعا وكأنه يهرب من المكان


تنفست بقوة أعوض الهواء الذي فقدته ثم وضعت المذكرة على الطاولة وقلت


" سوف آخذ هذه "


قال بابتسامة وهوا يدسها في كيس


" وقع اختيارك على المذكرة التي كنتي تتجنبينها منذ وصولك "


نظرت للأرض وقلت بابتسامة حزينة


" لم تعجبني بادئ الأمر لكني الآن لن أستطيع شراء غيرها "


مد لي الكيس ففتحت حقيبتي فقال وهوا منشغل بترتيب رف الطاولة تحته


" ثمنها مدفوع لا تعطيني شيئا "


نظرت له بحيرة فوقف على طوله ونظر لي وقال


" الشاب الذي كان هنا سيدفع ثمن كل ما ستأخذينه من المحل "


نظرت له مطولا باستغراب ثم قلت " ولما !! "


رفع كتفيه وقال " لا أعلم ولا تورطيني معه رجاءا فأنتي لا تعرفينه وقد


هددني فلن آخذ منك مليما واحدا "


ابتسمت وشكرته وخرجت عائدة للمنزل لا شيء معي سوى المذكرة التي لمستها أصابعه


أدسها في حضني وكأني أخشى ضياعها من يداي , أسير ولا شيء يعبر عما بي سوى


الدموع التي تملأ عيناي تكابر السقوط , من قال أن الصدف غير مدبرة فقد أخطأ خطأً كبيرا


نوران لا أعلم هل أشكرك أم أدعوا عليك لإخراجي في هذا الوقت تحديدا


وصلت المنزل دخلت غرفتي وارتميت على السرير والمفكرة في حضني وأغمضت


عيناي التي بدأت تتسلل الدموع منهما بحزن ثم انقلبت على ظهري ونظرت للسقف


وقلت بابتسامة حزينة " لقاء بلا موعد وجع أقسى من موعد بلا لقاء "


لتتدحرج دموعي وتمارس عيناي عادتها الدائمة وهي البكاء دون توقف


عند المساء طرق أحدهم باب غرفتي ثم دخلت نوران تخفي يدها خلف ظهرها


اقتربت مني وقالت " ماذا تفعل القمر "


قلت ونظري على الأوراق في يدي وأنا جالسة على السرير


" أكتب المقالة لأنهي طباعتها فعليا تسليمها لهم مطلع الشهر "


قفزت على سريري كعادتها وقالت " لم تسأليني عن المفاجأة فجئت بنفسي لأقولها لك "


نظرت لها ببرود ثم عدت بنظري للأوراق وقلت " لابد وأنها كسابقاتها "


ضحكت وقالت " بل مختلفة تماما "


ثم رفعت وجهي بأصابعها من ذقني وقالت ببريق في عينيها


" لقد كتب مقالا "


نضرت لها بصمت وشرود بادئ الأمر ثم قلت " من !! "


صفقت بيديها وقالت بحماس " ومن غيره حبيب الطفولة "


ضربتها وقلت بحدة " أخفضي صوتك يا مجنونة "


قفزت على السرير وهي جالسة وضامه ليديها عند صدرها وقالت


" عنوان المقال ... عندما يأتي القمر "


نظرتُ لها بحيرة بل بتيه وتشتت أحاول فهم أو حتى استيعاب ما تقول وما أسمع


ثم قلت بهدوء ولهفة تشق أضلعي من إخفائي لها " أين هوا !! "


التفتت خلفها ثم أخرجت جريدة من وراء ظهرها فأخذتها منها فورا ودون شعور لتسقط


عيناي على الاسم قبل المقال بل على صورته أعلاه قبل كل شيء وطبول قلبي تزف عيناي


وهما تتدرجان من كلمة لكلمة ومن سطر لسطر ثم وقفت عند السطرين الأخيرين مطولا


بملامح غريبة عني حتى أنا لذلك لا أستطيع وصفها لكم فقالت نوران


" قمر ما بك علقتِ هناك "


رفعت رأسي ونظرت لها وأشرت بإصبعي على آخر المقال وقلت بحيرة


" هذان السطران ...!!! "


نظرت للجريدة بين يداي بفضول وقالت " أين هما !؟ , اقرئي "


قرأت ببرودة تتسلل لأطرافي وعينان تلمعان كالبلور من حبس الدموع وصوت هادئ


لقلب يرتعش ( كل شيء معرض للكسر في هذه الحياة فمثلما الأشياء تنكسر كذلك


الأحلام تنكسر الأماني تنكسر والقلوب تنكسر وجميعها لا تعود مع الأيام وتنجبر


كما الأشياء المكسورة لا تعود كما كانت , فماذا عن الليالي الجميلة وذكريات


الطفولة عن الماضي وما خلف السنين , هوا لا ينكسر لأنه ... )


قالت بهدوء " لأنه ماذا يا قمر تابعي "


قلت برجفة " ( لأنه يأتي مع قدوم القمر ) "


قالت بحيرة أكبر " وما الغريب في هذه السطور "


نظرت لها وقلت " كلها غريبة لا أعلم لما "


قالت بتذمر " آه قمر أنتم الكُتاب غريبو أطوار حقا هوا مقال رائع ويكفي قولي كما يقول الجميع "


ابتسمتُ ابتسامة صغيرة فقالت بمرح " جيد أول ابتسامة مشرقة لأول مقال له منذ ..... "


سكتت فجأة فتابعت أنا قائلة بألم " منذ كسرتُ قلبه "


قالت بحزن " بل منذ تكسر قلبك أنتي فلن أنسى ذاك اليوم ما حييت حين سقطتي أرضا ولم


تستفيقي إلا في مستشفى القلب بألمانيا بعد جراحة طويلة وخطيرة "


تنهدت وقلت " كان يوما قاسيا على الجميع "


هزت رأسها بالنفي وقالت


" لا , عليك أنتي نعم أما هوا فلم يخسر شيئا وقد توقف عن الكتابة بمحض إرادته "


قلت بدمعة علقت على رموشي " بل لأني حطمت أحلامه الوردية فالأدباء أكثر من


يشعرون يا نوران , هم أكثر من يعشق بقوة وأكثر من يشعر بجرح المشاعر وبقوة "


قالت بهدوء حزين " ما ذنبك يا قمر أنتي ضحية مثله "


تنهدت بحزن ومسحت عيناي وقلت " إذا انتهت مهمتي "


قالت بحيرة " أي مهمة !! "


قلت بابتسامة مغصوبة " عهد بيني وبين قلبي "


تنهدت بضيق ودفعت رأسي بأصبعها وقالت


" لو أدخل هذا الرأس وأجد فيه شيئا أفهمه غير السيد رائد "


ابتسمت ودفعتها بيداي وقلت " هناك عينا التنين أيضا "


ضحكت بصرخة وقفزت واقفة خارج السرير وقالت ضاحكة " لا كل شيء إلا هي "


ضحكنا سويا ثم قالت وهي تخرج مغادرة " سأترك لك الجريدة لابد وأنك تريدي حفظ المقالة "


قلت بهمس " ومن قال أني لا أحفظها الآن "


أخرجت مقصا من الدرج جانب السرير وقصصت المقالة لألصقها في الدفتر الذي يحوي كل


مقالاته , الدفتر الذي رافقني لسنين وقد توقفت عن إضافة أي شيء جديد له منذ ثلاث سنوات


حين توقف رائد عن الكتابة وها هوا ينتعش بالحياة من جديد , ألصقت المقالة وضممت الدفتر


لصدري , أشعر اليوم أن عمرا جديدا أضيف لعمري بعودته للكتابة


بعد ساعتين رن هاتف غرفتي رفعت السماعة فجاءني صوت الخادمة وهي تقول


" آنسة مكالمة لك هل أحولها أم أعتذر "


قلت بهدوء " من !؟ "


قالت " لم يفصح عن اسمه "


غريب يبدوا رجلا ترى من يكون !!! قلت " حسننا حوليها لغرفتي "


انتظرت في صمت حتى دقت طبلة أذني تلك الكلمة " نورسين "


لا بل ضرب ذاك الصوت قلبي حتى أوجعه ليتوقف عند آخر نبضه أخرجها عند


سماعي ذاك الصوت , جمعت كل ما لدي وأوتيت من قوة وقلت بهمس مخنوق


" نعم "


قال بعد صمت طويل " أنا رائد "


كل الدموع التي بكيتها سنين حياتي تجمعت لحظتها في عيناي وشعرت بألم فضيع في


حنجرتي من كثرة ما أمسكت عبرتي عن الخروج وما لم أستطع إمساكه هي دموعي


مسحت عيناي وقلت بهدوء " من رائد "


قال مباشرة " رائد المنذر "


أغمضت عيناي بقوة وكأني أريد عصرهما ليتوقفا عن ذرف الدموع وأبعدت السماعة عن


أذني ودسستها في حضني لأشهق العبرة التي تكاد تقتلني تريد الخروج ولأطلق سراحها قبل


أن تفضحني وتصل إليه , ثم رفعت يدي ببطء أعدت السماعة لأذني وقلت


" مرحبا سيد رائد "


قال بهدوئه ذاته " هل قرأتِ المقالة "


قلت بابتسامة حزينة " نعم وأخيراً قلبتَ الساعة الرملية "


قال بعد ضحكة صغيرة " نعم ولابد وأنها ستأخذ من أحدهم لتسكب عندي "


ابتسمت وقلت " بكل تأكيد وقريبا جدا "


قال من فوره " لماذا فقلمك مميز "


قلت بحزن " لأنها ستسكب لديك وتنتهي عندي هكذا هي الحياة "


قال بنبرة هادئة " ولما لا تسكب عند كلينا "


لذت بالصمت فقال " هل أعجبك "


قلت " نعم رائع لكن السطرين الأخيرين غريبان "


سكت حتى ضننت أنه اختفى وأني كنت أتوهم اتصاله حتى كدت أنادي عليه لأرجعه


لواقعي لولا أن وصلني صوته قائلا بنبرة غريبة " ما بهما !! ألم يعجباك "


قلت من فوري " يعجبانني بالتأكيد ولكنهما يحويان معاني كثيرة ليست في


المقالة , يبدوان مقالة منفردة تحتاج للكثير من التعمق والتوضيح "


قال بهدوء " أنتي وحدك من لاحظ ذلك لماذا يا ترى "


قلت بحيرة " لا أعلم "


قال بعد صمت لحظة " حسننا تصبحين على خير و آسف على الإزعاج


أردت فقط معرفة رأيك في المقالة "


قلت بابتسامة حزينة " لا داعي للاعتذار شكرا لك سيد رائد وشكرا على


كرمك معي في المحل اليوم "


قال ضاحكا " لم تأخذي شيئا يستحق كنتي كلفتني أكثر "


قلت بحياء " أخجلتني بكرمك "


قال مباشرة " لأنك تستحقين , وداعا الآن "


قلت بهمس " وداعا "


قال من فوره " قمر "


أحسست قلبي ارتجف حتى فقد السيطرة على دقاته بل يبدوا أني لم أشعر بنبضه في


ضلوعي إلا الآن ليضرب ويضرب حتى توقفت أنفاسي وتيبس لساني فقال عندما


طال صمتي " السيد أسعد أخبرني أنه اسمك الحقيقي آسف إن كان سريا "


قلت بدمعة تترقرق في عيناي وبحة تخنق صوتي " لا أبدا الكثيرين يعرفونه "


سكت مطولا ثم قال بشبه همس " تصبحين على خير .... يا قمر "


وأغلق الخط ولم تطاوعني نفسي لأفعلها أنا أولاً ولا لأن أعيد السماعة لمكانها بل أعدتها


لحظني من جديد أستشعر صوته الذي خرج منها لعله ينسكب بين ضلوعي رغم انه هوى


من أذني لقلبي مباشرة , كم تمنيت لو تذكرني وذكر شيئا من طفولتنا بل لو استطعت أنا أن


أذكرها له الآن , لكن الأماني لا تبقى إلا أماني


بقيت على ذاك الحال طويلا ثم تنهدت وأعدت السماعة لمكانها , ترى كيف علم أني لم


أشتري غير مفكرة يبدوا أنه اتصل به وسأله أو زاره مجددا , وهل سبق وأخبرت السيد


أسعد باسمي !! قد أكون فعلتها


طرق أحدهم الباب ودخلت نوران ونظرت من فورها للساعة على الحائط وقالت


" وجدت هاتف المنزل مشغولا مع من كنتي تتحدثين هذا الوقت "


قلت بضيق " أليس لديك هاتف محمول ما تصنعيه بهاتف المنزل "


قالت بتذمر " هذه أحلام لا تحب التحدث إلا من هاتف منزلهم أرسلت لي


رسالة تخبرني أن أجيب عليه "


ثم اقتربت وقالت " ماذا بشأن المقالة هل أنهيتها , هل لي أن أراها "


قلت " لا لم تنتهي بعد قد أغيرها "


قالت بحيرة " ولما "


قلت بهدوء وعيناي على يداي " لأنها ستكون الأخيرة "


شهقت بصدمة ثم اقتربت أكثر وجلست على السرير وقالت " ولكن لماذا !! "


قلت ببرود " هكذا من غير سبب "


قالت بحدة " لا , لاشيء يكون بغير سبب لقد تركتي جريدة الفجر لأن رئيس


تحريرها طلب منك كتابة مقال تهاجمين به رائد والآن لا بد وأن مقاله السبب "


أشحت بنظري بعيدا عنها وقلت " نعم لأن مهمتي انتهت "


وضعت يديها وسط جسدها وقالت " هكذا إذا فقد قبلتي العمل لجريدتهم من أجل أن يكتب هوا "


تنهدت وقلت " نعم كنت أتوقع مقالا نقديا منه يوجهه لي ولكن حدث غير ذلك ولا يهم المهم


أنه كتب مجددا ليخف تأنيب الضمير عني ولو قليلا "


هزت رأسها بيأس وقالت " قمر لما لا تتحدثي معه عن الحقيقة وترتاحي "


قلت بحزم " لا وإياك يا نوران أن تفكري في التحدث إليه "


نظرت لي بصدمة ثم قالت " قمر لما كل هذا الاعتراض "


استلقيت على السرير وقلت " أريد النوم هيا تصبحين على خير "


تذمرت كثيرا ثم غادرت الغرفة تسحبت تحت الغطاء أريد النوم دون تفكير


قمر نامي هيا وكأن شيء لم يحدث , ولكن هيهات فكيف سأنام بعدما رأيته وسمعت


صوته وقرأت حروفه , بعدما عاد من سلب قلبي يوما ليسلبه من جديد , أخبروني ما


العمل وكيف يكون لي , كيف يتذكرني ويتذكر طفولتي , كيف يصدقني ويغفر لي


وليثكم أخبرتموني أن المفاجأة لم تنتهي هنا


وهذه كانت نهاية الفصل الخامس الذي وضع أسرار جديدة بدل كشف القديمة


فما مصير تلك الأشياء المبهمة وبما ستأتي لأبطالنا من جديد


ترقبوا القادم معي ....... ولا تنسونا من دعواتكم

الفصل السادس


كنت أقلب الجريدة وعيناي تسافران وتعودان لذات المقال لأكتشف أن إمساكي لها كل


هذا الوقت ليس إلا من أجله , آه قمر يا قمر كيف تظهرين في حياتي فجأة في الوقت


الذي أبعد شيء أفكر فيه هوا النساء , آمنت الآن بالعبارة التي تقول


( يوجد دائماً من يهتم لأمرك وأنت لا تعلم به )


لكن لما تُخفي أمرها عني ولم تُذَكريني بها أو حتى تسألني إن كنت أذكرها !!!


عدت بنظري لمقالها وعلقت عيناي على الجملة التي قرأتها عشرات المرات


( إن أحببت أحدهم بعنف فلا تصدق أن تكرهه مهما جرحك بعنف وكسرك بوجع وأبكاك


بألم فسيبقى الحب حباً والعشق أبدياً فقط هي الأماني ستتغير لتتماشى مع الواقع وسيبقى


هنالك عِرق في قلبك ينبض خصيصا حين يذكر أحدهم اسمه أمامك وأنت تضنه ألم في


قلبك بسبب كرهك له , لكنه أقصى علامات الحب الدفين )


طويت الجريدة ورميتها بعيداً عني كي أرحمها وأرحم نفسي , لا أفهم هذا الجزء من


المقالة ولم أعد أفهم شيئاً , ما تعني بهذا !! هل جرحها أحدهم أم هي جرحته ... آآآه ما


الذي فعلته بي يا فتاة , كيف يكون للإنسان ماضي لم ينتهي بعد وهوا يضن أنه طوى


صفحاته منذ زمن بعيد ليظهر من يفرشه أمامه كالبضائع في الأسواق


أخذت مفاتيحي ومحفظتي من على الطاولة ارتديت معطفاً خفيفاً فالجو أصبح يقترب


للاعتدال وغادرت المنزل وتوجهت من فوري للجريدة ومن فوري طبعاً لمكتب رئيسا


تحريرها , طرقت الباب ودخلت قائلاً بابتسامة " هل جُن أسعد أم ليس بعد "


تأفف قيس الجالس في المكتب وقال " كم تمنيت أن كنتما معا في الجريدة كنا سنفجر


البلاد بأعدادها القادمة , لما تركت تلك الفتاة جريدتنا أيضاً "


جلست وقلت " كان عليكما توقع ذلك منذ البداية "


قال بضيق " لو أعلم لما فعلت ذلك فجأة وتركت الجريدة يالها من لغز "


حركت القلم على الطاولة ونظري عليه وقلت بابتسامة جانبية


" لسبب أزال السبب الأول هكذا كان مخططها ولكن ما يحيرني لما هكذا تحديداً "


نظر لي باستغراب فضحكت وقلت " لن أوضح لك شيئاً "


دخل حينها أسعد وما أن رآني حتى وضع يديه وسط جسده وقال " هل لي أن أفهم لما


اعتذرت نورسين عن إرسال المقالات لنا فور عودتك للكتابة , ولما طلبتَ أنت مني


رقم هاتف منزلها وبعدها بح انتهى كل شيء "


قلت ببرود " لا تلقي باللوم علي لا دخل لي بما حدث ولا تتهور لتخسر مقالاتي أيضاً "


اقترب وضرب كتفي بيده وقال بابتسامة " المهم أنه تحرك هذا الجبل فهذا هوا الأهم لدينا "


ثم غمز بعينه وقال " لما أخذتَ رقم هاتفها مني ها , يبدوا أنها حركت شيئاً في ذاك الحجر


الذي ينبض بين ضلوعك , كنت أرى نظراتها إليك وأنت تتحدث بهاتفك في الحفل , يالك


من محضوض إنها كارثة بشرية يا رجل "


أخذت القلم من على الطاولة ورميته به وقلت بغيض " احترم محارم غيرك "


ضحك وقال " لم يزعجك كلامي عنك وأزعجك تغزلي بها !! "


تجاهلته ونظرت جهة قيس وقلت


" لدي موضوع سأطرحه في الجريدة ليس من كتاباتي لكنه يستحق "


قال باستغراب " كيف !!! أنا لم أفهم "


قلت وأنا أقف مغادراً " احجز عمودا لمقالة بعنوان ( ذكريات طفلة صغيرة ) وسنتحدث لاحقاً "


عند المساء وأنا غارق في أوراقي وقفت وأخرجت ظرف مذكرتها الذي وصلني مؤخراً


لأضع أوراقه مع البقية فأخرجت الأوراق وفرزتها , سوف أعد لها بها مفاجأة جميلة لنتذكر


كل تلك الأيام , ولكن ما يحيرني ما صلتها بتلك الفتاة البائعة ولما أرادت تذكيري بها


وهل ترفض قمر فعل ذلك بنفسها أم ماذا !!!


انتبهت لقصاصة ورقة مرمية على الأرض لابد وأنها التي تكملة تلك الورقة الناقصة


ويبدوا أنها كانت في الظرف ولم انتبه لها , نظرت لها بحيرة ثم رفعتها من على الأرض


وأخرجت الأخرى قبل أن أقرأها لأقرأهما معا ورقة كاملة كانت القصاصة مطوية على


مرتين , تبدوا وقعت في الظرف بالخطأ من تلك الفتاة !!!


توجهت بهم لمكتبي وأوصلتهما ببعض فوق طاولة المكتب وكان مكتوب فيها


( ليصبح رائد بعد ذاك اليوم شيئاً جديداً في عالمي بل لأصبح أنا نقطة جديدة في عالمه


وأعشق كل كتاباته وكل مقالاته وكل حرف يكتبه ردا على معجبيه ليصبح هوسي وجنوني


فاخترت من بين كل تلك الأشياء المنتدى الأدبي الذي يشارك فيه ومن بين كل الأسماء اسم


(ضوء القمر) لأظهر به )


بقيت أحملق في الكلمات كالتائه ثم نثرت الأوراق أمامي من على الطاولة وقلت بصراخ


غاضب " مستحيل أن تكوني تلك .... لماذا ؟! "


ثم رميت كل ما كان على الطاولة وأنا اضرب بيدي عليها يمينا ويساراً وأصرخ


" لماذا يا قمر , لماذا تكونين تلك الفتاة التي علقتني بها وخدعتني وذهبت لماذا "


ولم يقف العنف والعنفوان عند ذلك فقد حطمت كل شيء وقلبت المكتب رأساً على عقب


بصراخ وغضب وخرجت منه ألهث بأنفاسي كالأسد , توجهت لدورة المياه فتحت صنبور


الماء البارد لتتدفق تلك المياه باردة كالجليد على رأس يغلي كالبركان ثم ابتعدت والمياه


تقطر من رأسي وتساندت بالجدار ونظرت للسقف بتوهان


كيف تكون قمر كيف !! , كيف لتلك الطفلة البريئة التي عانت الأمرين أن تخدع


وتخذل وتجرح قلب إنسان , وقلب من !! قلب رائد... لماذا يا قمر لماذا ..؟


لماذا أنتي الفتاة التي علقتني بها بكتاباتها وردودها وتشجيعها لي وكلامها لتخبرني بكل


برود أنها ستتزوج بحبيبها وأني لست سوى زميل في منتدى وأنك كنتي لم تكتشفي حقيقة


مشاعرك بعد , هكذا وبكل بساطة , من هذا الذي أحببته غيري وسلبك عقلك لتبيعيني من


أجله , خرجت من الحمام وأنا أردد " صدقت تلك البائعة حين قالت أنها تبيع الأميات "


أمسكت الأوراق كالتائه المطعون بسكين مرتين من ذات المرأة وفي نفس المكان وهوا


صميم القلب , رميتهم أرضاً وخرجت من المكتب ومن كل المنزل لففت الشوارع وأنا


بين متناقضان جرح وكره وعاطفة وتعاطف , لما كنتي أنتي من بين كل النساء , كيف سأفي


بقسمي الآن وانتقم منك على تلاعبك بي , كيف سأجرح قلب فتاة عانت الأمرين كيف


لما ظهرتِ في حياتي يا قمر لما لم تهربي مني كي لا أضرك كي لا يقتل عقلي قلبي


كنتي ابتعدتِ عني كي لا أفي بقسمي لنفسي كي لا يؤذيك رائد الذي بقدر ما أحببته


جرحته والذي بقدر ما أعطاك بعشوائية وأنتي طفلة سلبتِ منه بعشوائية وهوا شاب


كان ذاك الاكتشاف كضربة قوية تلقاها قلبي قبل عقلي ... فلم بكن يردد سوى جملة


لماذا يا قمر لماذا ؟!!


لما أنتي هذه الفتاة الفاتنة الرقيقة العذبة ولما أنتي هي تلك الطفلة الجميلة البريئة


إن كنتي ستكونين تلك الفتاة الخائنة


أن تكوني نورسين فشيء يقبله العقل لكن أن تكوني ضوء القمر شيء يستحيل أن


يصدقه , حتى انك لم تتزوجي هل كنتي تكذبين علي !!


لما أحببتك يوما وبعنف لما أنتي قمر ولما أنتما نورسين , يبدوا أنني سوف اجن حتما


ضربت مقود السيارة بقوة وغيض وتوقفت عند الجسر ونزلت أدخن سيجارتي العاشرة


بعد الألف عند قضبان سياجه الحديدية


كم أردت أن تمسح يدي بحنان على وجه قمر الطفلة فيها لتنسيها كل تلك السنين ليعود


رائد الذي فقدته يوما وكم أردت يوما أن اكسر قلب ضوء القمر لكسرها قلبي ورحيلها


فكيف أفعل كل تلك الأمور في آن واحد وكيف يكون كل ذلك في شخص واحد في فتاة


لم ترى عيناي كرقتها وجمالها ورقي أسلوبها وخداعها وغدرها


رميت باقي السيجارة من أعلى الجسر لتسقط في البحر ورميت بعدها كل العلبة بغيض


كي أرحم نفسي منها وعدت لمنزلي وأول ما فعلته أن اتصلت بأسعد لإلغاء عمود


مذكراتها فلم تعد لي به حاجة


ومرت بي الأيام أحاول ولو تناسي ما حدث فليس بإمكاني نسيانه ولكن عبثا حاولت


بعد أسبوعان لم أخرج فيهما من منزلي ولم أنم فيهما نوما كنوم باقي البشر خرجت


حاملا الكتب كي أعيدها للمكتبة لأني مددت فترة استعارتها وعليا الآن إرجاعها


دخلت المكتبة وضعت الكتب على الطاولة وقلت


" مرحباً هاهي الكتب راجعها ودون في البطاقة "


قال بابتسامة " كادت تعيش لديك ألهذا الحد هي مهمة "


ابتسمت ابتسامة جافة وقلت " لا ولكني احتجت وقتا لإنهائها "


أزالها وأحداً بعد الآخر وقال " خذ هذا لك "


نظرت له بتعجب وقلت " ألم تقل أنها نسخة المكتبة !! "


قال وعيناه على البطاقة


" نعم ولكن الفتاة التي كانت هنا يومها طلبت إعطائه لك وأعطت المكتبة غيره "


قلت بهدوء يقارب الهمس " الفتاة نورسين "


قال " نعم يمكنك أخذ الكتاب معك "


حملته أنظر له في حيرة , هي تعرفت علي من يومها إذاً !! , لذلك كانت


تلك النظرات الغريبة , لما تفعل ذلك !! لا أفهمك أبداً يا قمر لا أفهمك


وصلني صوته قائلا " خذ بطاقتك "


نظرت له وقلت " أتركها سأتجول قليلا في المكتبة "


حملت الكتاب معي أتجول في الأرفف حيث العالم الذي أنسى معه نفسي لألمح من


بين الكتب .... قمر نعم قمر عند الرف الآخر بحجابها الزهري الذي أضفى على


وجنتيها بريقا غريبا وأضاف لعينيها سحرا مدهشا ولا تعرف أي منهما أثر لونه على


الآخر , قمر التي أصبحت عالمين في عالمي ونقطتين في تاريخي المعقد


توجهت فوراً بخطوات واسعة مجتازا المسافة في ثواني ووقفت بالمقربة منها متظاهراً


أني أرى كتاباً وقلت بهدوء وعيناي على الكتاب " كم تجمع الصُدف من أشخاص "


التفتت ناحيتي بسرعة تنظر لي بتمعن وهدوء وصمت ونظري كان على الكتاب في يدي


ثم عدلَتْ وقفتها لتصبح مقابلة لي وفي صمت فنظرت لها وقلت بابتسامة


" صدفة "


ابتسمت بحياء وقالت " خيرٌ من ألف ميعاد "


تنقلت بنظري بين ملامحها كأني أبحث عن شيء أفهمه فيهم لو أكتشف فقط السر في


ملامحها فشيء فيها يجعلك تتأملها دون توقف ولو أعرف فقط كيف لهذه الملامح البريئة


أن تجرح وتغدر وتطعن بعنف كيف أركب صورتان لها في دماغي كيف !!


شتت نظري بعيداً عنها , يكفي يا رائد هذه لم تعد كما كانت في السابق


عدت بنظري عليها وقلت بهدوء وهي عيناها على أصابعها الممسكة بالكتاب


" شكراً على الكتاب "


نظرت للكتاب في يدي ثم لعيناي وقالت " يشرفني أن يكون ضمن رفوف مكتبتك "


قلت بابتسامة جانبية بل بشيء يوحي بالتساؤل " هوا فقط !! ؟ "


نظرت لي نظرة غريبة وكأنها فسرت تفسيراً ما في عقلها لما قلت


كم هي مثيرة هذه الأنثى في كل أحوالها حتى في حيرتها وتفكيرها


أشرت لها بإصبعي على جانب رأسي بحركة دائرية بمعنى التفكير ثم أشرت به


أمام وجهي بلا مبتسما فابتسمتْ ابتسامة صغيرة ثم قالت " لم أفهم ما تعني "


قلت وأنا أعيد الكتاب لمكانه


" بلى فهمتي شيئاً ولا تريدي سؤالي إن كان ما فهمته صحيحاً "


لاذت بالصمت فقلت ونظري عليها " المقالة رائعة هي الأخيرة أليس كذلك "


شتت نظرها على كل شيء حولي وكأنها تهرب من تفسيري لنظراتها ثم قالت


" كيف علمت !!! "


قلت بابتسامة حزينة " أنا أكثر من يقرأ السطور وما تخفيه يا قمر "


نظرت لعيناي فورا بصمت ثم نظرت للبعيد وقالت بابتسامة حزينة


" وما قرأت في السطور "


نظرت لكتابها في يدي وقلت " قرأت الألم والحزن والقليل من الندم على


خطأ قديم , شيء احتجت لوقت لأفهمه "


نظرت لي مطولاً وكأنها تريد الاعتراض على أحد الكلمات فقلت مشيحا بنظري بعيداً


" لا تفكري كثيرا فيما أقول فقد أكون أخطأت "


لاذت بصمت غريب وعيناها معلقتان بعيناي وتلمعان من حبس شيء يشبه الدموع فقلت


" علينا أن نشكر الصدف فقد تكون القادمة بميعاد ...... وداعاً الآن "


وغادرت مبتعدا عنها وهي لا تزال في غمرة صمتها , بقدر قوة الجاذبية فيها بقدر ما أردت


الهروب منها وبقدر ما تجذبني بعنف فهناك شيء أصبح يبعدني بقوة


عدت للمنزل لا أحمل معي شيئاً سوى كتابها وشعوري بالألم والأسى والخذلان


وضعته ضمن الكتب في رفوف مكتبتي وقلت بابتسامة جانبية


" نعم ليس هوا فقط من عليه أن يكون ضمن الرفوف في حياتي "


لا أعلم أي الأمور تجعلني أتخذ قراراً كهذا القرار ولكن ما أنا موقن منه أني أريد هذا


لذلك عليا أن اجتاز هذه العقبة التي تزعج تفكيري وقد اتخذت قراري وأنا من سيعلم


منها سبب كل ذلك وعلى طريقتي


سمعت جرس الباب يُقرع فخرجت من فوري فتحته وقلت مبتسما لمن يقف أمامه


" مرحباً حيدر هيا تفضل "


صافحني مبتسما وقال وهوا يدخل " إجازتي بدأت وها أنا عند الوعد "


ضحكت وقلت وأنا أغلق الباب " متى وعدتني أنت أمرتني وأغلقت الهاتف فوراً "


ضحك ودخل في صمت جلس على الأريكة بأريحية وتنهد وقال


" أحسدكم انتم الأدباء لا تفعلون أي شيء متعب "


قلت متوجها للمطبخ " كن مثلنا إذاً , هل تشرب الشاي "


قال بصوت مرتفع لأسمعه " أقسم لن أستطيع كتابة حرفين على بعضهما ولن


يشتري أحد المجلة التي أكتب فيها "


قلت ضاحكاً " لما لا تجرب قد ينجح الأمر , ماذا عن الشاي !! "


قال " أحضر لي كأساً وأنقص السكر طبعاً فشايك لا يمكنني بلعه "


ضحكت وسكبت له وأحداً وضعتهما في صينية تقديم وخرجت به وضعته على


الطاولة وقلت " ما هي الأخبار لديك "


قال وهوا يرشف من كوبه " كما هي , ما أخبارك أنت مؤكد لا جديد ولا مفيد "


ابتسمت وقلت وأنا أجلس " بلى هناك جديد أما مفيد فلم أحدد بعد "


نظر لي باستغراب أشبه ما يكون للصدمة ثم قال " هل كتبت شيئاً !! "


خللت أصابعي في شعري وقلت " نعم ولكن ليس هذا ما كنت أعني "


صفر وقال " يبدوا لي التطورات كثيرة لديك فأنت لم تكتب منذ ثلاثة


أعوام فأن يكون لديك شيء أهم منه فسيكون خطيرا "


شبكت أصابع يداي ببعض وأنا أرتكز بمرافقي على ركبتاي ونظري للأرض


وقلت بهدوء " سوف أتزوج "


عم صمتٌ مخيف وكأني جالس لوحدي في الفضاء الخارجي , رفعت رأسي ونظرت


إليه فكانت عيناه مفتوحة على اتساعهما من الصدمة فضحكت بهدوء وقلت


" هل قلت شيئاً غريبا "


هز رأسه وكأنه ينفض ما سمع منه ثم قال " أعد ما قلت "


اتكأت على ظهر الأريكة ومددت ذراعي على حافتها وقلت " سأتزوج "


ضحك مطولاً ثم قال " قل أنك لست نائم وتهدي "


رميته بوسادة الأريكة وقلت بضيق " حيدر لست بمزاج مزاحك "


ابتسم وقال بهدوء " وأخيراً يا أخي "


قلت بضيق " من يسمعك يضن أنني قاربت الأربعين "


قال ببرود " لو بقيت على حالك ستتجاوزها بكثير "


لذت بالصمت فقال " ومن سعيدة الحظ تلك "


قلت ببرود " كاتبة في جريدتنا "


قال بابتسامة " الطيور على أشباهها تقع , أين كانت عنك منذ سنين ؟! "


قلت بابتسامة سخرية " كانت هاربة مني "


نظر لي باستفهام ثم قال " ومتى خطبتها !! "


قلت " ليس بعد سوف أخطبها قريباً "


قال " هل تحدثت معها في الأمر , يبدوا لي ثمة علاقة بينكما "


عدت لجلستي السابقة وقلت ونظري أرضاً


" بل أخطبها مباشرة , أنت تعرف وجهة نظري في هذه الأمور "


قال بعد صمت " وإن لم تكن موافقة عليك "


قلت بهدوء " سأصرف النظر عن الموضوع مجدداً "


قال بحيرة " إذا هي أو لا أحد "


قلت مختصرا " نعم "


قال باستغراب " لما !! "


نظرت له وقلت " لي أسبابي الخاصة "


تنهد وقال " وهل ستذهب لوالدها وحدك أم ستخبر والدك ليأتي معك "


أشحت بنظري جانبا بضيق وقلت " وحدي طبعاً "


قال بحدة " وكيف سيعطيها لك وأنت تذهب وحدك "


قلت بسخرية " لو قالها أحدٌ غيرك لعذرته أما أنت تعلم أني لا أستطيع أخذ والدي معي "


قال بجدية " سأذهب معك إذاً فأنا شقيقك الأكبر وإن كنت من والدتك فقط "


قلت ببرود " بل وحدي "


صرخ غاضبا " رائد متى سيتوقف الجنون الذي لديك "


عدت للاتكاء على مسند الأريكة وقلت


" هوا ليس والدها إنه زوج عمتها أي سيكون القرار لها في كل الأحوال "


قال " وأين والدها "


قلت بابتسامة " ذهب مع ماتوا أو شيء لا أعلمه "


بقي يحملق فيا بصدمة فضحكت وقلت


" على حد علمي أنه ميت وليس لديها سوى عمتها وزوج عمتها "


قال بهدوء " أليس لديها أحد آخر , عم خال أي شيء "


قلت بضيق " لديها خال ولكني لن أخطبها منه ولو كان وليها الوحيد "


هز رأسه بيأس ثم قال " أتمنى أن تكون السبب في إيقاف جنونك "


ابتسمت وقلت " بل قد تزيده أو تكمله "


قال بعد صمت " أُقسم أنني لم أفهم شيئاً "


قلت بضحكة " ذاك أفضل "


قال " أتحفني باسمها إذا قد أكون أعرفها فأنا أقرأ جريدتكم أحياننا "


قلت ببرود " تريد الاسم الحقيقي أم المستعار "


ضحك وقال " ولها اسمان أيضاً "


قلت بسخرية " بل أكثر ولكل اسم حكاية وحده "


تنهد وقال " كالعادة جلستي معك كلها ألغاز لا أحل منها شيئاً , قل


الاسم الذي تكتب به عندكم "


قلت " نورسين "


نظر لي مطولاً بصمت وصدمة ثم قال


" نورسين لا غيرها صاحبة عمود عيون الليل سابقاً في جريدة الفجر !! "


قلت بهدوء " نعم هي "


قال بابتسامة واسعة " أُقسم أنك وقعت صريعا "


نظرت له باستغراب وقلت " من أين تعرفها !! "


ضحك وقال " من لم يقرأ مقالاتها ومن ينسى ذاك الوجه وإن رآه مرة واحدة "


نظرت له بحيرة وقلت " أين رأيتها سابقاً !! "


قال " صديق لي يقرب لقريبها قابلناها مصادفة فسلم عليها , كلمتان وهربت من


أمامنا كالنسيم , إنها أنشودة يا رجل "


قلت بضيق " ولما تتغزل فيها أمامي "


ضحك وقال " مهلك يا رجل هي لم تصبح زوجتك بعد "


قلت بضيق أكبر " وإن يكن "


ضحك مطولاً فصرخت به " ما المضحك في الأمر "


فتح فمه وكأنه يريد قول شيء ثم تراجع وأغلقه ثم قال مبتسما


" أحب إعلامك بشيء هي ترفض الخاطبين "


نظرت له مطولاً في صمت ثم قلت " هوا من أخبرك بذلك ؟! "


قال " نعم فهوا أحد من خطبوها "


قلت بملامح قاسية " وما كانت تفعل معه وهوا خطبها ورفضت "


ضحك وقال " اقسم أنك وقعت , أخبرتك أنه قريب لقريبها وهوا من


استوقفها وغادرت في لمح البصر "


رن هاتفه حينها فأجاب مبتسما " مرحباً مريم ما هذه المفاجأة "


ثم ضحك وقال " مفاجأة حتى لو تحدثنا منذ قليل وليس الأمس "


قال ناضراً لي بنصف عين " لا لن آتي سأقضيها مع الحي الميت "


ثم ضحك وقال " حسناً حسناً لن أكررها لو يحبك فقط كما تحبينه "


قال بعد صمت طويل " جيد وبصحة جيدة , ها هوا أمامي ولديه أخبار ستفرحك "


ثم قال مبتسما " شقيقك الحبيب سوف يتزوج "


ضحك مطولاً ثم رمى لي بالهاتف وقال


" اقسم إن لم تحدثها قتلتك الآن , إنها تزغرد في أذني "


ابتسمت ورفعت الهاتف من حضني وأجبت قائلاً " مرحباً مريم كيف أنتم "


قالت ببكاء " مبارك يا أخي أقسم أنه أجمل خبر سمعته "


قلت مبتسما " لم أخطبها بعد فقط شقيقك هذا مستعجل دائماً "


قالت " لا يهم المهم أنك قررت , هل ستقيم حفلا ؟ "


قلت مختصرا " لا "


قالت بعد صمت " لما !! ألن أرها ولو مرة في حياتي "


قلت " الكلام في الأمر سابق لأوانه واتركيها للظروف "


تنهدت وقالت " أمري لله أتمنى أن تلين قلبك علينا "


قلت ببرود " لا أعتقد أنها ستفعل بي شيئاً من هذا , وداعاً الآن وسلمي لي على أيوب "


رميت له بهاتفه فأعاده لأذنه وقال ضاحكاً


" نعم يا مريم أنا أخبرك عنها , قمر قمر يمشي على الأرض "


لا أعلم لما أشعر بالبراكين تغلي في داخلي كلما تحدث عنها متغزلاً , لم أشعر بنفسي


إلا ضاربا له بوسادة الأريكة فضحك وأراني الهاتف وهوا يقول


" لقد أغلقتْ الخط قبل أن ترمي به لي , ما ستفعل بعد أن تتزوجها !! هل ستحجبها عن الناس "


قلت بحدة " إن اطر الأمر سأفعل "


أشحت بنظري عنه وتأففت بضيق , ما بك يا رائد هل سلبتك عقلك لهذا الحد


لا تنسى ما فعلت بك , نظرت له فوجدته ينظر لي بابتسامة ماكرة فقلت بضيق


" قل ما لديك لا تكتمه في قلبك كي لا يقتلك "


ضحك مطولاً ولاذ بالصمت فوقفت وقلت " سأعد العشاء هل تقترح شيئاً "


قال مبتسما " على دوقك فستكون آخر الوجبات من يد العزوبية وسنأكل


من أنامل العروس فيما بعد "


تجاهلته ودخلت المطبخ , خطئي أني فقدت أعصابي أمامه فلن يرحمني بعد اليوم


حيدر هوا شقيقي الوحيد من والدتي رحمها الله ومريم هي الشقيقة الوحيدة لي من


والداي ولي شقيقتان من والدي من زوجته الثانية , لم أرى أحداً منهم منذ ست سنين


فيما عدا حيدر في أوقات بعيدة جداً من العام


قضى حيدر معي أيام إجازته ولم يتوقف عن الحديث عن الترتيبات


( هذه الغرفة بحاجة لتجديد وتلك غيرها بهذه , المطبخ يحتاج لصيانة والبيت عليك طلائه )


حتى نفخ لي رأسي وتمنيت أنني لم أخبره ولم يرحمني إلا بمغادرته لعمله من جديد


وبعده استلمتني مريم في اتصال مطول تدخلت حتى فيما أرتدي حين اذهب إليهم وما عليا


شرائه للبيت قبل أن أتزوج كمن كذب كذبة وصدقها , كل ذلك بحجة أنني رجل ووحيد


وسأغفل عن هذه الأمور , وحقيقة الأمر لفتت انتباهي لأمور كنت سأغفل عنها


وكان عليا استحمالها ذاك اليوم كي لا أكسر السعادة التي تخرج من صوتها لأني


استمع لها دون مقاطعة بكلمة وداعاً


وجاء اليوم الذي كان عليا أن أزور فيه منزل عمتها , ارتديت بذلة رسمية سوداء وربطة


عنق زرقاء بها خطان مائلان باللون الأبيض عند المنتصف وحداء جلدي أسود لامع


لم أعرف ما آخذ معي ولو ذهبت دون أخذ شيء لن يكون لائقا , احترت كثيرا بين أن


آخذ علبة حلوى فاخرة أو باقة أزهار فرأيت الأزهار خيار أنسب لأني أحبها


وصلت هناك نزلت ودخلت ثم قرعت الجرس , كنت على موعد مع زوج عمتها السيد


شاهد دون أن أخبره اسمي كاملاً , فتح لي الباب فتى في التاسعة أو العاشرة من العمر


وقال بابتسامة " مرحباً سيدي "


ابتسمت وقلت " أنا من يفترض به قول مرحباً وليس أنت "


حك شعره في خجل وقال " من كثرة ما تعلمها لي قمر حتى أصبحت ألخبط متى أقولها "


أحسست شيئاً نغز في قلبي حين ذكر اسمها لتقفز قمر الطفلة أمامي حينها وليتحول


لضيق حين تذكرت فتاة القمر فتنهدت وقلت " هل والدك موجود "


فتح الباب بوسعه وقال " نعم في مجلس الضيوف ينتظر شخصا لابد وأنه أنت "


ابتسمت ومددت له باقة الزهور وقلت بهمس " لا تذكر أسماء نساء المنزل للزوار


خصوصا الأسماء التي تجعل الخيال يسافر بعيداً بسبب معانيها "


نظر لي بحيرة وعلامات الاستفهام تدور حول رأسه فقلت بضحكة


" خذ الأزهار للداخل ودلني على المجلس "


ابتسم وقال مغادرا " بالتأكيد تفضل "


سار وأنا أتبعه , منزلهم راقي وكبير يبدوا أن هذا النعيم هوا من جعل قمر الطفلة تموت فيك


يا قمر لذلك لم تُذكريني بك , وصلت المجلس استقبلني السيد شاهد بخطوات ثقيلة وقال معتذرا


" أعذرني فبسبب التواء كاحلي لم استطع استقبالك لابد وأن مؤمن أتعبك عند الباب "


ضحكت وقلت " اللوم على معلمه يبدوا أنه يقصر في تعليمه "


قال بخجل " أجل المدارس لم تعد كالسابق "


يبدوا أنه فهم أنها المدرسة وهذا ما كنت أتوقع عند سماع صوته في الهاتف


رجل متواضع وبسيط , تعارفنا وتبادلنا بعض الأحاديث العامة عن السياسة


والأدب وحتى الطقس ثم حمحمت وقلت


" سيد شاهد أنا جئت طالبا للقرب فأرجوا أن ألقى منكم الرد الذي يريحكم ويسعدني "


قال مبتسما " في أي ابنتاي !! "


قلت بابتسامة " حد علمي أن إحداهما ليست ابنتك "


قال " نعم ولكنها في مقامها , بل أكثر "


ضحكت وقلت " لو سمعتك ابنتك لأصبحت في مشكلة "


قال بضحكة " تسمعها منا في كل وقت "


قلت " لو كنت قادماً من أجلها فستنفرني منها , لا تقطع نصيب ابنتك "


ضحك وقال وهوا يقدم لي صينية العصير


" قلت ما قلت لأني متأكد أنك لا تقصدها هي "


قلت بحيرة وأنا أتناول كأساً منها " كيف علمت !! "


ضحك كثيرا ثم جلس وقال


" لم يخطبها واحد يشبه خُطاب الأخرى , كلهم مصروعين وبلا عقل مثلها "


لم استطع إمساك نفسي عن الضحك فقال بهدوء " إذا قمر تقصد "


قلت " نعم ولي الشرف بنسبكم "


قال " يعجبني حسن لباقتك وأسلوبك وأنت شخص محترم ومعروف ولكن


لما أنت وحدك هنا اليوم "


ها قد جئنا للسؤال الصعب والمرتقب , قلت " سأكون وحدي دائماً "


نظر لي بحيرة ثم قال " لو كانت ابنتي المقصودة لرفضتك فوراً ليس لعيب بك و ..... "


قلت مقاطعا له " أحترم رأيك ولكن هذه حقيقة حياتي ولن أكذب فيها أنا وحيد "


تنهد وقال " القرار لقمر وحدها ولن أتدخل في شيء وكما قلت لك لو


كانت ابنتي المقصودة ما وافقت على هذا "


ثم قال بهدوء " وهناك ما عليك معرفته قبل كل شيء وقبل حتى أخذ رأيها "


نظرت له بحيرة فقال " منذ ثلاثة سنين تعب قلب قمر ونقلناها لألمانيا لإجراء جراحة


عاجلة وخطيرة كادت خلالها أن تفقد حياتها ونجحت الجراحة بنسبة فوق المتوقعة لكن


ثمة عملية بسيطة علينا إرجاعها لتجريها بعد عامين من الآن "


بقيت أنظر له بصدمة وحيرة , مؤكد ستكون هذه النتيجة المحتملة فما كان لذاك


القلب أن يستحمل كل ما مر به , ولكن مهلا منذ ثلاث سنين أي حين تركتني


أيقضني صوته من شرودي قائلا " لم أسمعك علقت على الأمر "


قلت " وما المشكلة مادامت العملية ناجحة "


قال بعد صمت " على قمر أن لا تنجب قبل العملية الأخرى لأنها ستموت حينها أما


بعد الجراحة فلا بأس والخيار لك "


قلت بهدوء " إذا انتظر ردها "


ابتسم بارتياح وقال " على بركة الله وأتمنى أن لا تلقى نفس مصير سابقيك فكم رفضت


من لو أنها ابنتي لأجبرتها على الزواج بأحدهم "


ضحكت وقلت " يبدوا لي ابنتك ستتزوج خارج رغبتها "


ضحك وقال " قد تتزوج قمر ويلتفت لها أصحاب العقول الراجحة "


أستغرب من هذا الرجل كيف يتكلم معي في مواضيع حساسة كهذه وهوا لقائنا الأول


يبدوا عفويا جداً , ودعته وأصررت على أن لا يرافقني حتى الباب , نادى على ابنه


ليوصلني كما جاء بي فقفز من فوره أمام الباب وكأنه كان بجانبه وقال دون أن يخبره


والده " تفضل معي يا سيد الباب من هنا "


هههههه هذا الفتي يخلط الأمور حقا وهذه العبارة كان عليه أن يقولها لي عند دخولنا


فهل المعلم فاشل أم الطالب بطيء فهم


رافقني للباب وعيناه معلقتان بي حتى وصلنا للخارج فخرج معي ثم قال


" هل ستتزوج من قمر "


نظرت له باستغراب فقال " الزوجان ينامان معا أليس كذلك "


قلت بحيرة " من علمك هذا "


قال مبتسما " أعلم لوحدي "


قلت " ولما تسألني إذاً "


قال بحزن " لأن قمري تبكي كثيرا في الليل وترى الكوابيس "


نظرت له مطولاً بصمت وضياع ثم قلت " هي من أخبرك بذلك ؟!! "


هز رأسه بلا وقال " لا سمعت أمي ونوران يتكلمان في ذلك , إن تزوجت


بها فلن تنام وحيدة ولن تخاف في الليل أليس كذلك "


ابتسمت وقلت " وهل تخبر كل من خطبها بذلك "


هز رأسه بنعم فقلت ضاحكاً " ستقطع نصيبها على هذا الحال "


ثم وضعت يدي على كتفه وقلت " مؤمن لا يجوز أن نتحدث عن ما نسمع أو


يجري داخل المنزل مع الغرباء وأنت رجل والرجال لا يفعلون ذلك "


سرت أساريره بكلمة رجل حتى كادت أزرار قميصه تتقطع وقال


" نعم رجل ولن أتحدث "


ضحكت وغادرت منزلهم , تبدوا قمر الطفلة لم تمت فيها ولو ليلا فقط


ومضت بي أيام الأسبوع أنتظر حتى وردني اتصال من زوج عمتها ليزف لي


خبرا صعقني به بلا رحمة


وعند هنا كانت نهاية الفصل


فما ينتظر بطلينا وما يخبأه رائد ويخطط له


وكيف ستكون حياته مع فتاة أحبها يوما وعاش طفولته معها وجرحته كثيراً


وكيف ستكون حياة قمر مع رجل أحبته بجنون وتعلقت به منذ صغرها


ورأت فيه المنقذ لها من بؤسها الذي لازال يعيش فيها


مفارقات وأحداث أكثر من كثيرة تنتظرهم وتنتظركم


فكونوا بالقرب مني دائما

بداية الروايه من هنا 👇👇👇


من هنا


تعليقات

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close