القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية ثمن العروس البارت_الثالث_عشر بقلم الكاتبه أماني السيد حصريه وجديده

 رواية ثمن العروس البارت_الثالث_عشر بقلم الكاتبه أماني السيد حصريه وجديده 



بعد أسبوع كامل، لم تعرف غزل معنى الراحة.

كانت تقضي ساعات طويلة داخل مكتبها، تراجع كل تفصيلة في العرض الذي طلبه كريم الدمنهوري، وترفض أي فكرة لا تشعر أنها ستضيف شيئًا مختلفًا. لم تكن تريد مجرد الفوز بالمشروع، بل كانت تريد أن تثبت لنفسها أولًا أنها تستحق المكان الذي وصلت إليه.

وفي الموعد المحدد...

دخلت إلى مقر شركة الدمنهوري للتطوير العقاري تحمل حاسبها وملفاتها، بينما كان مجلس الإدارة بأكمله حاضرًا.

بدأت عرضها بثقة، متنقلة بين الشرائح، تشرح رؤيتها التسويقية، وكيف يمكن للحملة أن تجعل المشروع حديث السوق قبل افتتاحه.

كان كريم يتابعها في صمت، لا يقاطعها إلا بأسئلة دقيقة، وكأنه يختبر مدى فهمها لكل كلمة تقولها.

وحين انتهت...ساد الصمت للحظات.

ثم أغلق الملف أمامه وقال:

عندي سؤال واحد.

نظرت إليه باهتمام.

لو الميزانية قلت للنص... هتقدري تحققي نفس النتيجة؟

ابتسمت غزل بثقة.

لأ.

ارتفعت حواجب بعض الحاضرين من صراحتها.

لكنها أكملت فورًا:

هحقق نتيجة مختلفة... لكن مش أقل.

وأخذت تشرح خطة بديلة تعتمد على التسويق الرقمي وصناعة المحتوى والتعاون مع المؤثرين، مع تقليل الإعلانات التقليدية.

وبمجرد أن انتهت...

ابتسم كريم لأول مرة ابتسامة واضحة.

ثم نظر إلى أعضاء المجلس وقال:

ده بالضبط الرد اللي كنت مستنيه... لأنها ماوعدتش بحاجة مستحيلة.

أغلق الملف، ثم التفت إليها.

مبروك يا آنسة غزل... المشروع بقى مع شركتك.

شعرت غزل أن قلبها يقفز من الفرح، لكنها حافظت على هدوئها.

شكرًا على ثقتكم... وإن شاء الله أكون عند حسن ظنكم.

غادرت الشركة، وما إن أغلقت باب المصعد حتى أغمضت عينيها للحظة.

ثم أطلقت ضحكة صغيرة خرجت منها دون إرادة.

كان هذا أول مشروع تحصل عليه بعيدًا عن اسم والدها...

وأول انتصار حقيقي صنعته بيديها.

بل بدأت تصنع حياة كاملة... بدونه..

فى الجهه الاخرى ٣

جلس مختار على رأس طاولة الاجتماعات، بينما كان مجلس الإدارة وعدد من المستثمرين يناقشون الخطة التسويقية الخاصة بأحدث مشروعات الشركة.

وبعد أن انتهى مدير التسويق من عرض أسماء شركات الدعاية المرشحة، قلب أحد المستثمرين الملف بين يديه، ثم رفع رأسه قائلًا باستغراب:

- اسمحلي يا مختار بيه .. عندي سؤال.

أشار إليه مختار أن يتفضل.

- إزاي شركة مدام غزل مش موجودة ضمن الشركات المرشحة أصلًا؟

ساد الصمت داخل القاعة.

تبادل بعض الحاضرين النظرات، قبل أن يضيف المستثمر مبتسمًا:

- على حد علمي... دي شركة مدام غزل، صح؟

أجاب مختار باقتضاب:

- أيوه.

هز الرجل رأسه وقال:

- بصراحة استغربت. السوق كله بيتكلم عن الشركة دي بقاله فترة، وآخر حملة عملتها لمشروع كريم الدمنهوري كانت ناجحة جدًا، وحققت صدى كبير. كنت متوقع أول اسم يتطرح علينا النهارده يكون شركتها.

أيده مستثمر آخر قائلًا:

- وأنا كمان. بالعكس، كنت فاكر إن بما إنها مراتك، فهي المسؤولة أصلًا عن الحملات الإعلانية لشركتكم.

ساد هدوء ثقيل داخل القاعة.

أما مختار، فظل ينظر إلى الأوراق أمامه دون أن يرفع عينيه.

ثم قال أحد أعضاء مجلس الإدارة بنبرة عملية:

- بعيدًا عن أي علاقة شخصية، شركة غزل بقت اسمها موجود في السوق، ومن حقها تدخل المنافسة زي أي شركة. وفي النهاية إحنا اللي هنختار أفضل عرض.

رفع مختار رأسه أخيرًا، وقد أخفى اضطرابه خلف ملامح جامدة.

وقال بهدوء:

- ابعتولها دعوة رسمية... وشركتها هتدخل المناقصة مع باقي الشركات. واللي هيقدم أفضل عرض هو اللي هياخد المشروع.

هز الحاضرون رؤوسهم موافقين، بينما عاد الحديث إلى تفاصيل الاجتماع.

أما مختار...

فكان يدرك أن هذا القرار سيجعله يواجه غزل من جديد، لكن هذه المرة لن تدخل عليه بصفتها زوجته...

بل بصفتها منافسًا جاء الجميع يطالب به.


في صباح اليوم التالي، كانت غزل تجلس داخل مكتبها، تراجع مع فريقها التصور النهائي لإحدى الحملات الإعلانية، عندما أطلق جهازها اللوحى إشعارًا بوصول رسالة جديدة إلى البريد الإلكتروني الرسمي لشركة غزل ميديا.

فتحت الرسالة، لتجدها دعوة رسمية من شركة الشيخ للتطوير والاستثمار العقاري للمشاركة في المنافسة على تنفيذ الحملة الدعائية الخاصة بأحدث مشروعاتها.

قرأت الرسالة كاملة في هدوء، ثم أغلقت شاشة الحاسب لحظات وهي تستغرق في التفكير.

في تلك الأثناء، طرقت السكرتيرة الباب.

- اتفضلي.

دخلت وهي تحمل بعض الملفات، ثم لاحظت اسم الرسالة الظاهر على الشاشة قبل أن تُغلق بالكامل.

ابتسمت قائلة بإعجاب:

- شركة الشيخ!... دي فرصة كبيرة يا فندم.

رفعت غزل رأسها إليها.

أكملت السكرتيرة بحماس:

- بصراحة لازم نعترف إن الشركة دي رجعت بقوة في وقت قياسي. من سنة تقريبًا الناس كلها كانت بتتكلم عن الأزمة اللي كانت بتمر بيها، لكن دلوقتي بقت من أقوى شركات التطوير العقاري في السوق، وكل مشروع بينزلوه بيحقق نجاح كبير يعنى حملتنا مع كريم الدمنهورى وحامله مختار الشيخ ممكن ينقلوا شركتنا لحته تانيه وقتها ممكن نمسك الدعايه بره مصر مش بس محليا 

اكتفت غزل بابتسامة هادئة دون أن تعلق.

وأضافت السكرتيرة:

- ولو قدرنا ناخد المشروع ده، هيبقى نقلة كبيرة جدًا لاسم شركتنا.

أعادت غزل فتح البريد الإلكتروني مرة أخرى، ثم قالت بهدوء وثقة:

- جهزي رد رسمي... أكدي لهم حضورنا في الموعد المحدد.

ابتسمت السكرتيرة وهي تهز رأسها

- حاضر يا فندم.

وقبل أن تغادر، التفتت قائلة:

- عندي إحساس إن الاجتماع ده هيكون بداية تعاون كبير بين الشركتين.

غادرت السكرتيرة، بينما بقيت غزل تنظر إلى شاشة الحاسب للحظات.

ثم همست لنفسها بصوت خافت:

- أتمنى يكون مجرد شغل... وبس.

عادت غزل و انغمست في مراجعة التصور النهائي لإحدى الحملات الإعلانية، بينما توزع تعليماتها على فريق العمل، حين رن هاتفها.

ألقت نظرة سريعة إلى الشاشة.

كريم الدمنهوري.التقطت الهاتف على الفور.

- السلام عليكم 

جاءها صوته الهادئ يحمل نبرة ودودة لا تخلو من الرسمية.

- وعليكم السلام يا أستاذة غزل... عامله إيه؟

ابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تجيب:

- الحمد لله، بخير. حضرتك أخبارك إيه؟

- الحمد لله. الحقيقة أنا بكلم حضرتك بخصوص افتتاح المرحلة الجديدة من مشروع الساحل.

اعتدلت في جلستها باهتمام.

- اتفضل يا فندم.

- الافتتاح بعد يومين، وهيكون فيه عدد كبير من رجال الأعمال والمستثمرين والإعلاميين. وحقيقي كنت حابب حضرتك تكوني موجودة.

ساد صمت قصير، قبل أن يضيف:

- الحملة اللي نفذتها شركة غزل ميديا كانت سبب من اسباب النجاح فى بيع الوحدات من المشروع الاول . ومن وجهة نظري، النجاح ده لازم أصحابه يكونوا موجودين في يوم الافتتاح.

ارتسمت على شفتيها ابتسامة امتنان.

- دي شهادة أعتز بيها جدًا... وشكرًا على ثقة حضرتك.

ابتسم كريم وهو يقول:

- دي مش مجاملة يا أستاذة غزل... دي الحقيقة. وبالمناسبة، هيكون موجود عدد كبير من المستثمرين، ودي فرصة كويسة إنهم يتعرفوا على شغل شركتكم عن قرب.

أجابته بثقة:

- يشرفني الحضور.

- ممتاز... هبعت لحضرتك الدعوة الإلكترونية ومواعيد الفعاليات.

- في انتظارها.

أنهى المكالمة، بينما ظلت غزل تنظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ، قبل أن تعود إلى عملها.

وفي المساء...

وصلت الدعوة الرسمية إلى بريد شركة غزل ميديا، تحمل شعار شركة الدمنهوري للتطوير العقاري، وجدول فعاليات يوم الافتتاح، وأسماء أبرز الحضور.

ألقت غزل نظرة سريعة على القائمة.

وزراء...مستثمرون...ورؤساء مجالس إدارات كبرى شركات التطوير العقاري.

توقفت عيناها عند أحد الأسماء.

المهندس مختار الشيخ... رئيس مجلس إدارة شركة الشيخ للتطوير والاستثمار العقاري.

ساد الصمت داخل المكتب.

أعادت قراءة الاسم مرة أخرى، وكأنها تتأكد أنه لم يخيل إليها.

كانت تعلم أن وجوده أمر طبيعي...

فهو واحد من أبرز رجال الأعمال في السوق.

لكنها لم تتوقع أن يجمعهما مكان واحد بهذه السرعة.

أغلقت البريد الإلكتروني بهدوء، ثم رفعت رأسها إلى مساعدتها التي كانت تنتظر تعليماتها.

- بكرة عايزة آخر نسخة من البروفايل الخاص بالشركة تبقى جاهزة.

سألتها المساعدة باستغراب:

- في مستثمرين جداد؟

ابتسمت غزل ابتسامة هادئة، وقالت بثقة:

- فيه فرصة... ولازم نكون مستعدين لها كويس.

لم تكن تفكر في مختار...

بل كانت تفكر في شيء واحد فقط...

أن تخرج من ذلك اليوم باسمٍ أكبر لشركتها، مهما كانت المفاجآت التي تنتظرها.

في مساء اليوم نفسه، وبعد أن انتهت غزل من مراجعة جدول أعمالها، أغلقت الحاسب المحمول وأسندت ظهرها إلى المقعد، ثم التقطت هاتفها وضغطت على اسم شقيقتها.

لم تنتظر كثيرًا حتى جاءها صوتها المرح.

- أيوه يا غزل... خير؟

ابتسمت غزل ابتسامة خفيفة.

- فاضية بكرة بعد الضهر؟

- على حسب... ليه؟

- عايزاكي تيجي معايا المول.

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن تقول شقيقتها بدهشة:

- المول؟! إنتِ؟

ضحكت غزل بخفة.

- أيوه أنا... مستغربة كده ليه؟

- أصلك آخر واحدة ممكن تقول يلا نروح نشتري هدوم.

هزت غزل رأسها مبتسمة، وكأنها تراها أمامها.

- الظاهر إن الناس واخدة عني فكرة قديمة.

قالت شقيقتها بمزاح:

- ما هو دي الحقيقة... إنتِ طول عمرك لو معاكي فلوس تشتري كتاب ولا كورس، ولا تشتري بلوزة جديدة يا غزل انا وماما ياما كلمناكى من وانتى طفله إنك تغيرى من نفسك لكن انتى بترفضى حابه شكلك كده وحابسه نفسه وتقولى انا وحشه وراضيه بنفسى كده مهما نحاول نفهك مافيش فايده

ابتسمت غزل وهي تتطلع من نافذة مكتبها.

- يمكن... بس الفترة دي بقيت مقتنعة إن الشكل جزء من الشغل.

- يعني أخيرًا اقتنعتي؟

- اقتنعت إن أول انطباع بيفرق... خصوصًا في شغلي. أنا بقابل مستثمرين ورجال أعمال كل يوم، ومينفعش أفضل بنفس الطريقة اللي كنت عايشة بيها زمان واقتنعت إن طالما عندى فرصه للتغير يبقى ليه لأ 

جاءها صوت شقيقتها يحمل حماسًا واضحًا.

- ده أنا مستنياكي من زمان تقولي الكلام ده.

ضحكت غزل.

- يبقى اتفقنا؟

- اتفقنا طبعًا... هنلف المول كله.

قالت غزل بسرعة وهي تضحك:

- لا، بالله عليكي بلاش "هنلف المول كله". أنا داخلة أجيب كام طقم مناسبين للشغل وخلاص.

- سيبيها عليا... أنا هختارلك.

رفعت غزل حاجبها وقالت في اعتراض مصطنع:

- وده اللي مقلقني انا كلمتك عشان عارفه انك بتتعاملى محلات حلوه وده باين من لبسك بس مش معناه إن كل حاجه بتلبسيها بتعجبنى 

قهقهت شقيقتها.

- متخافيش... مش هلبسك فستان سواريه. بس هخليكي تشوفي نفسك بشكل عمرك ما شفتيه قبل كده.

ابتسمت غزل وهي تشعر بشيء من الحماس يتسلل إليها.

- خلاص... بكرة الساعة خمسة أعدي عليكي.

- لا... أنا اللي هاجي الشركة عندك، ومنها نروح سوا.

- تمام... مستنياكي.

أنهت المكالمة، ثم وضعت الهاتف فوق المكتب، وأطلقت زفرة طويلة.

لم تكن تنوي تغيير شخصيتها...

ولا كانت تسعى لأن تصبح نسخة من أحد.

كل ما أرادته...أن تعكس هيئتها المرأة التي أصبحتها بالفعل.امرأة صنعت لنفسها اسمًا، وبدأت تشق طريقها بثبات، ولم يعد يليق بها أن تختبئ خلف بساطة لم تكن يومًا تعبر عن ضعف، لكنها كانت تخفي كثيرًا من ثقتها بنفسها.

ابتسمت لنفسها وهي تغلق أنوار المكتب، ثم غادرت، وقد عقدت العزم على أن يكون ظهورها في افتتاح مشروع كريم الدمنهوري مختلفًا...لا لتلفت الأنظار...

بل لأنها، لأول مرة، أرادت أن تمنح نفسها الاهتمام الذي كانت تمنحه دائمًا لكل شيء... إلا نفسها.

عادت غزل إلى منزلها مع اقتراب المساء، بعدما أنهت يومًا طويلًا من الاجتماعات ومراجعة خطط العمل.

ما إن دخلت غرفتها، حتى خلعت حذاءها في إرهاق، وألقت حقيبتها فوق الأريكة القريبة، قبل أن تتجه إلى النافذة وتزيح الستائر قليلًا.

ومع إشراقة صباح اليوم التالي...

أنهت غزل استعدادها على عجل، وارتدت ملابس بسيطة كعادتها، ثم غادرت منزلها متجهة إلى الموعد الذي اتفقت عليه مع شقيقتها.

بعد نحو ساعة، كانت تقف أمام المدخل الرئيسي لأحد المراكز التجارية الكبرى، وما إن وقعت عيناها على شقيقتها حتى لوحت لها الأخيرة بيدها وهي تبتسم.

اقتربت غزل، فتأملتها شقيقتها من أعلى إلى أسفل، ثم هزت رأسها ضاحكة.

- إن شاء الله دي آخر مرة أشوفك باللبس ده.

ابتسمت غزل وهي تعانقها.

- بدأنا؟

- لسه هنبدأ... ويومك طويل معايا.

تشابكت ذراعاهما، ودخلتا إلى المول.

لم تتجه شقيقتها إلى المتاجر التي اعتادت غزل الشراء منها، بل قادتها إلى علامات تجارية أكثر رقيًا، تعرض أزياء تناسب سيدات الأعمال والاجتماعات الرسمية.

توقفت غزل أمام إحدى الواجهات الزجاجية، تتأمل البدل النسائية الأنيقة المعروضة خلف الزجاج.

لم تكن تلك القطع تشبه ما اعتادت ارتداءه...

بل كانت تعكس حضورًا مختلفًا... حضور امرأة تعرف قيمتها.ابتسمت شقيقتها وهي تراقب نظراتها.

- داخلة؟

أومأت غزل في هدوء.

داخل المتجر، بدأت البائعة تعرض عليها أحدث المجموعات.بدلات رسمية بقصات عصرية...

بليزرات أنيقة بألوان الكحلي، والبيج، والأسود، والأوف وايت...

قمصان حريرية، وحقائب جلدية راقية، وأحذية صُممت لتناسب ساعات العمل الطويلة.

كانت غزل تجرّب قطعة تلو الأخرى أمام المرآة.

وفي كل مرة، كانت ترى انعكاسًا مختلفًا لنفسها.

لم تعد تلك الفتاة التي كانت تختبئ خلف الملابس الهادئة الواسعة، وكأنها تخشى أن يلتفت إليها أحد.

بل امرأة فرضت وجودها بعملها، وأصبح من حقها أن يعكس مظهرها المكانة التي وصلت إليها.

قالت شقيقتها وهي تشير إلى إحدى البدل ذات اللون الزيتي الداكن:

- دي... معمولة علشانك.

خرجت غزل بها من غرفة القياس.تأملتها شقيقتها بإعجاب، ثم ابتسمت ابتسامة واسعة.

- أهو ده اللي كنت نفسي أشوفه.

نظرت غزل إلى المرآة طويلًا.

كانت قصة البليزر تمنحها حضورًا قويًا، بينما أضفت الألوان الهادئة لمسة من الرقي.

ابتسمت دون أن تشعر.

- دي هخدها.

لم تتوقف عند بدلة واحدة...

بل اختارت عدة بدلات رسمية، وبليزرات متنوعة، وقمصانًا أنيقة تناسب الاجتماعات، ثم انتقلتا إلى متجر آخر، حيث اختارت عددًا من الفساتين.

لكنها لم تعد تلك الفساتين البسيطة التي كانت تشتريها قديمًا.

بل تصميمات راقية، بأقمشة فاخرة وقصات أنيقة، تناسب حفلات الافتتاح، والمؤتمرات، والعشاءات الرسمية.

ولم تكن تنظر إلى الأسعار...بل كانت تسأل عن جودة الخامة، وطريقة التفصيل، وما إذا كانت القطعة مناسبة لبيئة الأعمال.

راقبتها شقيقتها في صمت، ثم ابتسمت وهي تقول:

- تعرفي إيه أكتر حاجة فرحاني؟

التفتت إليها غزل.

- إيه؟

- إنك أخيرًا بقيتي شايفة نفسك زي ما الناس شايفاكي.

ساد الصمت بينهما للحظات، قبل أن تجيب غزل بابتسامة هادئة.

- يمكن... علشان أنا نفسي بقيت شايفة نفسي لأول مرة.مش بس بقيت شايفه العيوب وانى وحشه لا بقيت شايفه انى ناجحه وإن اقدر اجمل العيوب واداريها 

وبعد جولة طويلة بين المتاجر، اتفقت الشقيقتان على أخذ قسطٍ من الراحة.

اختارتا أحد المقاهي المطلة على الساحة الرئيسية للمول، وجلسـتا إلى طاولة هادئة بجوار الواجهة الزجاجية، بينما أخذ النادل طلبهما ثم انصرف.

وضعت شقيقتها أكياس التسوق إلى جوار المقعد، ثم نظرت إلى غزل وهي تبتسم.

- بصراحة... النهارده من أحلى الأيام.

رفعت غزل فنجان القهوة إلى شفتيها.

- علشان الشوبنج بتعشقى انتى اللف فى المولات انا مش عارفه هروح ازاى رجلى مش قادره ادوس عليها؟

هزت رأسها.

- لأ... علشان أول مرة أحس إنك بتدي لنفسك القيمة اللي تستحقها.

ابتسمت غزل ابتسامة هادئة، ثم قالت:

- يمكن اتأخرت شوية.

- المهم إنك وصلتي.

ساد بينهما صمت قصير، قطعه صوت الموسيقى الهادئة المنبعثة داخل المقهى.

كانت شقيقتها تنظر إليها بين الحين والآخر، وكأنها تخوض صراعًا بين أن تلتزم الصمت أو تفتح الموضوع الذي يشغلها.

لاحظت غزل ذلك، فابتسمت وهي تضع فنجانها فوق الطاولة.

- قولي اللي في دماغك... شكلك هتنفجري.

ضحكت شقيقتها بخفة.

- باينة أوي؟

- جدًا.

تنهدت، ثم اعتدلت في جلستها.

- بصراحة... عايزة أتكلم عن مختار.

رفعت غزل حاجبها، ثم قالت وهي تبتسم بمكر:

- أهو بدأنا.

- اسمعيني للآخر بس.

- اتفضلي.

تنهدت شقيقتها مرة أخرى، ثم قالت بهدوء:

- أنا عارفة إنك اتوجعتي... وعارفة إن الطريقة اللي اتجوزكم بيها كانت غلط، ومش هبررها.

أومأت غزل برأسها دون أن تتكلم.

- لكن برغم كل ده... مختار راجل يتعمله ألف حساب.

ابتسمت غزل في هدوء.

- كملي.

- راجل ناجح... وطموح... وعارف هو عايز إيه. شوفتي بنفسك إزاي قدر يرجع شركته بعد الأزمة اللي كانت هتضيع كل تعبه؟ النهارده بقى من أكبر الأسماء في السوق، وكل المستثمرين بيتسابقوا يشتغلوا معاه.

ظلت غزل تستمع إليها في صمت.

فأكملت شقيقتها:

- وبعيدًا عن شغله... هو محترم، وعمرنا ما سمعنا عنه حاجة وحشة، ولا شفناه بيجري ورا واحدة، ولا بيضيع وقته في لعب العيال.

ثم ابتسمت وهي تضيف بمزاح:

- ده بصراحة أي بنت تتمناه كنت مستغربه ازاى بصلك 

ضحكت غزل، ثم هزت رأسها وهي تشير إليها بإصبعها.

- بطلي الطوب اللي بترميه ده.

انفجرت شقيقتها ضاحكة.

- والله ما برمي طوب... أنا بقول الحقيقة.

- حقيقة من وجهة نظرك.

- ومن وجهة نظر ناس كتير.

تنهدت غزل، ثم أسندت ظهرها إلى المقعد.

- يا نور ... أنا عمري ما اعترضت على مختار كشخص.

انعقد حاجبا شقيقتها.

- أمال؟

- اعترضت على المكان اللي أنا كنت واقفة فيه في حياته.ساد الصمت للحظة.

ثم قالت غزل بهدوء:

- إنتِ شايفة راجل ناجح وطموح... وأنا كمان شايفة ده.

- أهو.

- لكن النجاح ده مش هو اللي بيخليني أكمل معاه.

قالت شقيقتها سريعًا:

- طب إيه اللي يخليكي؟

ابتسمت غزل ابتسامة خافتة.

- إنه يكون اختارني من البداية.

تنهدت ندى وقالت:

- يا بنتي... الناس مشاعرها بتتغير.

- عارفة.

- ويمكن هو فعلًا حبك بعد الجواز.

أطرقت غزل برأسها للحظة، ثم رفعت عينيها إليها.

- وأنا أعيش باقي عمري أسأل نفسي كل يوم... هو حبني فعلًا؟ ولا لو الزمن رجع بيه، كان هيختار نفس الاختيار؟

لم تجد نور إجابة.

فأكملت غزل بصوت أكثر هدوءًا:

- الشك يا ندى... أصعب من الحقيقة.

حتى لو الحقيقة كانت موجعة.

سكتت نور للحظات، ثم مدت يدها وربتت على كف شقيقتها.

- أنا مش ضدك... والله.

ابتسمت غزل في امتنان.

- وأنا عارفة.

- بس نفسي تدي لنفسك فرصة... وتديله فرصة هو كمان.

ظلت غزل تنظر إلى فنجان القهوة أمامها، ثم قالت بعد صمتٍ قصير:

- يمكن المشكلة إن الفرصة اللي بتتكلمي عنها... هو كان المفروض ياخدها قبل ما يتجوزني، مش بعدها.

ساد الصمت بينهما من جديد.

لكن هذه المرة...لم يكن صمت خلاف...

بل صمت امرأتين، كل واحدة منهما ترى الحقيقة من زاوية مختلفة، وكلتاهما تتمنى أن تكون الأخرى على صواب.


دخلت غزل قاعة الاحتفال برفقة والدها فؤاد، بعدما توقف السائق أمام الفندق الذي ازدانت واجهته بالأضواء، واصطف عند مدخله عدد من كبار رجال الأعمال والإعلاميين.

كانت ترتدي بدلة نسائية أنيقة باللون العاجي، صُممت بخطوط بسيطة راقية، ينسدل فوقها بليزر بنفس اللون، بينما التفَّت طرحتها بطريقة عصرية أبرزت ملامحها الهادئة، دون أن تنتقص من وقارها.

أما فؤاد، فما إن دخل القاعة حتى بدأت التحيات تنهال عليه من كل اتجاه.

صافح هذا، وتبادل الحديث مع ذاك، بينما كانت غزل تسير إلى جواره بابتسامتها الهادئة، ترد التحية على من يعرفها.

ولم تمضِ سوى دقائق...

حتى لمحها كريم الدمنهوري من بعيد.

ابتسم على الفور، ثم استأذن ممن كان يتحدث معهم، واتجه إليها بخطوات واثقة.

توقف أمامها، ثم مد يده مصافحًا.

نورتِ الحفل يا أستاذة غزل.

ابتسمت وهي تصافحه.

ألف مبروك يا أستاذ كريم... المشروع طلع أكثر من رائع.

قال مبتسمًا:

النجاح ده ليكم فيه نصيب كبير.

هزت رأسها نافية.إحنا عملنا شغلنا بس.

ابتسم وهو ينظر إليها نظرة تقدير.

وده بالضبط سبب نجاحكم... إنكم كل مرة تعتبروا النجاح بداية، مش نهاية.

التفت إلى فؤاد وصافحه بحرارة.

نورتنا يا باشمهندس.

بادله فؤاد الابتسامة.

مبروك يا كريم... واضح إن المشروع هيكسر الدنيا.

ضحك كريم.بدعمكم إن شاء الله.

ثم عاد بنظره إلى غزل.

بالمناسبة... من ساعة ما خلصنا الحملة، وأنا بسمع إشادات كتير جدًا بيها

ابتسمت في امتنان.

- الحمد لله.

وده خلاني أقتنع إن قرار التعاقد مع شركتكم كان من أنجح القرارات اللي أخدتها السنة دي.

خفضت غزل رأسها قليلًا، وقد بدا عليها شيء من الخجل.

ـ شهادة كبيرة أعتز بيها.

ابتسم كريم، ثم قال بمزاح خفيف:

بس أوعي الغرور يدخل قلبك.

ضحكت لأول مرة.

أوعد حضرتك... لسه بدري على الغرور.

فضحك هو الآخر.

ابتسم فؤاد وهو ينظر إلى كريم، ثم قال بعد أن لمح عددًا من المستثمرين يلوحون له من الطرف الآخر للقاعة:

- استأذنكم دقيقة... واضح إن في ناس مستنياني.

ابتسم كريم باحترام.

- اتفضل يا باشمهندس.

ربت فؤاد على كتف ابنته قبل أن يغادر.

- خليكي هنا... هاجيلك.

تابعته غزل بعينيها حتى ابتعد، قبل أن تعود بنظرها إلى كريم.

ساد بينهما صمت قصير، قطعه كريم وهو يبتسم ابتسامة هادئة.

- تعرفي... أنا كنت مستني اللحظة دي من أول ما دخلتي.

عقدت حاجبيها باستغراب.

- مستني تقولّي إيه؟

- إني أشكرِك بعيد عن المجاملات الرسمية.

ابتسمت بخفة.

- حضرتك شكرتني أكتر من مرة.

هز رأسه نافيًا.

- لا... اللي فات كان قدام الناس. لكن أنا بتكلم بجد.

نظر إليها للحظة، ثم قال بصدق:

- في الأول، لما المهندس فؤاد رشح شركتكم، وافقت لأن اسمه بالنسبة لينا كلنا ثقة كبيرة... وده شيء طبيعي.

أومأت غزل في هدوء.

- وأنا كنت عارفة إن اسم بابا هو اللي فتحلي أول باب وبسببه اخدت فرص عمرى ما كنت هاخدها من غيره 

ابتسم كريم.

- ودي مش حاجة تعيبك.

ثم أردف بنبرة جادة:

- أي حد في مكانك كان هيستفيد من اسم والده لو كان عنده اسم بحجم المهندس فؤاد.

سكت لحظة، ثم أكمل:

- لكن اللي حصل بعد كده... مالوش أي علاقة باسمه.

نظرت إليه باهتمام.

- بعد أول اجتماع، اكتشفت إنك داخلة كل تفصيلة في المشروع، وعارفة السوق، وبتسمعي أكتر ما بتتكلمي... ودي ميزة نادرة.

ابتسمت في تواضع.

- لسه بتعلم.

ابتسم هو الآخر.

- ودي ميزة تانية.

ضحكت بخفة.

- هو حضرتك ناوي تفضل تعدد مميزاتي طول السهرة؟

ضحك كريم لأول مرة بصوت مسموع.

- لا... بس أنا من الناس اللي بتحب تقول كلمة الحق.

ثم أضاف وهو ينظر إليها باحترام واضح:

- واسمحيلي أقولك حاجة...

رفعت عينيها إليه.

- اتفضل.

- أنا عايز أشكر المهندس فؤاد... لأنه عرف السوق على موهبة زيك.

اتسعت ابتسامتها في خجل، وأخفضت رأسها قليلًا.

- دي شهادة كبيرة أوي.

- دي الحقيقة.

ثم أشار بيده ناحية فؤاد الذي كان يتحدث مع مجموعة من المستثمرين.

- والدك فتحلك أول باب... لكن إنتِ اللي عرفتي تخلي كل الأبواب بعد كده تتفتح لوحدها.

رفعت غزل رأسها، وقالت بابتسامة امتنان:

- أتمنى أفضل عند حسن ظن كل الناس اللي وثقت فيا.

نظر إليها كريم لثوانٍ، ثم ابتسم وهو يهز رأسه بإعجاب.

- وأنا متأكد إن ده اللي هيحصل.

وفي تلك اللحظة...

انفتح باب القاعة الرئيسية.

ودخل مختار الشيخ، وبينما كان يبادل بعض الحضور التحية، استقرت عيناه، دون قصد، على غزل...

كانت تقف تضحك بهدوء مع كريم الدمنهوري، بينما كان الأخير ينظر إليها باهتمامٍ واضح، وكأن حديث من حوله لم يعد يعنيه.

فتوقفت خطوات مختار... دون أن يشعر. 

الكاتبه_امانى_سيد 

ثمن_العروس 

يتبع

تعليقات

التنقل السريع
    close