بعد طلاقي، تزوجتُ من المرأة التي طالما أحببتها لسنوات.
لم تكن سارة تسألني قط أين كنت.
لم تتجسس على هاتفي أبداً.
ولم تجادلني يوماً أمام أصدقائي.
كان الجميع يقولون لي:
— «يا طارق، لقد أحسنت الاختيار هذه المرة.»
وكنتُ أنا أيضاً أؤمن بذلك.
منذ اليوم الذي وقّعتُ فيه أوراق الطلاق مع زوجتي السابقة، ليلى، انقطعت أخبارنا تماماً.
حتى ذلك العصريّة...
ذهبتُ لحضور مجلس الآباء الأول لـ "زياد"، ابن سارة.
بينما كنتُ أدخل مبنى المدرسة، سمعتُ صوتاً خلفي:
— «بابا! أنا هنا!»
تسمّرتُ في مكاني.
التفتُّ على الفور.
لا شيء.
لا وجه أعرفه.
ابتسمتُ بمرارة.
كان أمراً أحمقاً مني، فابنتي "ندى" لا يمكن أن تكون هنا، إذ إنها تدرس في أقصى الطرف الآخر من المدينة.
فضلاً عن ذلك...
لقد مضى أكثر من عام على طلاقي من ليلى، وطوال تلك المدة لم أرَ ندى سوى مرتين فقط.
اهتز هاتفي برسالة من سارة:
«طارق، هذا أول اجتماع لآباء زياد، أرجوك لا تتأخر، الأمر يعني له الكثير.»
أجبتها:
«أنا في المدرسة بالفعل.»
ثم سمعتُ الصوت مجدداً:
— «بابا!»
هذه المرة التفتُّ بسرعة خاطفة كادت تجعلني أرتطم بامرأة مرّت بجانبي.
وهناك رأيتُ شخصاً أعرفه عز المعرفة...
ماجد.
أحد أعز أصدقائي.
كان يسير أمامي على بُعد بضعة أمتار بتلك العرجة الخفيفة التي خلّفها لديه حادث قديم.
ناديته:
— «ماجد!»
لم يلتفت، ودخل مباشرة إلى فصل الصف الثالث.
قضبتُ حاجبيّ بضيق... الصف الثالث؟
ماجد أعزب منذ سنوات، فمنذ متى أصبحت لديه عائلة؟
أرسلتُ له رسالة:
«رأيتك للتو، اجتماع مَن هذا؟»
تأخر كثيراً في الرد، قبل أن يكتب:
«أنا أؤدي خدمة لصديقة.»
لم أشغل بالي بالأمر كثيراً ودخلتُ فصل زياد.
عندما أعلنت المعلمة أن زياد حصل على ثلاث درجات متفوقة، التقطتُ صورة للشهادة وأرسلتها إلى سارة:
«زياد كان رائعاً اليوم، وكل الفضل يعود لأمه.»
ردّت عليّ في الحال:
«بل الفضل يعود لك أيضاً. لقد كان طفلاً انطوائياً للغاية، وأنت من منحته السند والقدوة التي كان يفتقدها. شكراً لأنك تحبه كابنك.»
ابتسمتُ... كان هذا تماماً أكثر ما أحبه في سارة؛ أنها قدرّت دائماً كل ما أفعله، وبجوارها كنتُ أشعر بوجودي ومكانتي.
لكن، دون أن أدرك السبب، قفزت صورة ندى إلى ذهني فجأة.
يا ترى كيف هي درجات ابنتي؟
لم أكن أعلم.
بعد الطلاق انقطعت عن المدرسة لفترة، وإذا كانت حساباتي صحيحة، فمن المفترض أن تكون في الصف الثالث الآن أيضاً.
في آخر مرة رأيتها فيها، كادت لا تتكلم معي، ولم تعد تلك الابتسامة تفارق وجهها كما كانت.
طردتُ تلك الأفكار من رأسي، وكان زياد يلوّح لي بسعادة من على المنصة. قلتُ لنفسي إن حبّي لسارة يعني أيضاً أن أحب ولدها.
عند انتهاء الاجتماع، أخذت بيده وخرجنا.
وعند معطف الممر، رأيتُ ظهر ماجد مجدداً...
لكنه هذه المرة لم يكن بمفرده.
كانت تسير بجانبه طفلة بضفيرتين.
خفق قلبي بقوة واضطراب، وأسرعتُ خطواتي نحوهم.
سمعتُ ماجد يقول لها:
— «هاتي حقيبتك، أنا سأحملها عنكِ.»
فأجابته:
— «لا داعي يا عمي ماجد، دعني فقط أساعدك في المشي.»
توقفتُ في مكاني.
هذا الصوت... مستحيل أن أخطئه!
— «ماجد!»
تجمد ماجد في خطوته، والتفتت الطفلة ببطء.
وعندما وقعت عيناني على وجهها... شعرتُ وكأن الهواء قد سُحب من رئتيّ تماماً.
— «ندى؟»
ركضتُ نحوهما:
— «ماذا تفعلان معاً؟»
نظرت ابنتي أولاً إلى ماجد، ثم وجهت نظرتها إليّ:
— «أمي في العمل ولم تستطع الحضور، فالعم ماجد جاء معي.»
عجزتُ عن الكلام:
— «ولماذا لم تتصلي بي؟»
في تلك اللحظة، نظر كلاهما إلى زياد... ربيبي، الطفل الذي كنتُ أمسك بيده.
أطرقت ندى رأسها إلى الأرض ولم تنطق بكلمة.
وكان ذلك الصمت أشد إيلاماً من أي عتاب.
بعد ساعات، دخلتُ أنا وسارة وزياد إلى مطعم صغير.
وما إن فتحتُ الباب... حتى تجمّدتُ في مكاني مرة أخرى.
على إحدى الطاولات، كان يجلس والداي... وماجد... وندى.
كانت عينا أمي محمرتين من الدموع:
— «ندى نَحُفت كثيراً...»
فأجابها ماجد:
— «ليلى تعمل طوال النهار، لكنها تسهر معها كل ليلة لتدرس لها، وندى تبذل قصارى جهدها أيضاً.»
سألت سارة السؤال الذي كان يؤرقني منذ ساعات:
— «ألم تكن ندى تدرس في مدرسة بشمال المدينة؟ ما الذي أتى بها إلى هنا؟»
لم يلحق ماجد بإنهاء إجابته، فقد بدأ هاتفه يرن.
نظر إلى الشاشة ثم ناول الهاتف لندى:
— «هذه أمكِ.»
أجابت ابنتي المكالمة، وظهر وجه ليلى على الشاشة.
كانت المرة الأولى التي أراها فيها منذ أكثر من عام.
لكن ما حبس أنفاسي حقاً لم يكن رؤيتها... بل الجملة الأولى التي قالها لها ماجد بعفوية أثلجت الدماء في عروقي:
— «ليلى، لا تقلقي، أنا مع ندى...»
ثم صمت قليلاً وأضاف:
— «وقد أخذت دواءها في موعده.»
الدواء؟!
نظرتُ إلى ابنتي، ثم إلى زوجتي السابقة...
وللمرة الأولى، أدركتُ أنه طوال العام الذي كنتُ ألعب فيه دور الأب المثالي لابن امرأة أخرى...
كان هناك أمرٌ مرعب يحدث لابنتي الحقيقية.
وكان الجميع يعلم به...
الجميع... باستثنائي أنا.
مين عايز يكمل القصه المشوقة دى يعمل لايك ويكتب تم ومننساش نذكر الله


تعليقات
إرسال تعليق