U3F1ZWV6ZTM5MTc3MDA0NzM0MDI0X0ZyZWUyNDcxNjI0MjI1NTU3Mw==

رواية هجوم عاطفي الحلقة التاسعة والعاشره بقلم هاجر عبدالحليم حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج

رواية هجوم عاطفي الحلقة التاسعة والعاشره بقلم هاجر عبدالحليم حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



رواية هجوم عاطفي الحلقة التاسعة والعاشره بقلم هاجر عبدالحليم حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 


كان مالك ورودينا جالسين في السيارة.

كانت رودينا تتولى القيادة، بينما كان مالك يكتم عصبيته وقلقه الشديد على ابنته. كانت رودينا بين الحين والآخر تلتفت إليه، تراقب ملامحه الصامتة.

قالت رودينا وهي تنظر إليه:

ــ "الووو!"

تطلع مالك إليها، وسرح في ملامحها.

ابتسمت رودينا بمرح وقالت:

ــ "هل تسمعني؟ نحن هنا!"

ظل مالك يحدق بها دون أن ينطق بكلمة.

ضحكت رودينا وأردفت:

ــ "أنا أخطف العين، آه، بس مش لدرجة إنك تسبلّي كده!"

قال مالك بصوت مبحوح:

ــ "انتي بتعملي ده كله ليه؟"

ردت رودينا ببساطة:

ــ "عشان وديت بنتك عندي. كل الموضوع إنك صعبت عليا، قولت آخد فيك ثواب يعني! مش معقول راجل قلبه واكله على بنته والدنيا عنده بتتقلب وأنا أسيبه لوحده، دا حتى عيب ف حقي."

تنهد مالك بمرارة وقال:

ــ "عجزي قدامك إني شايفك واحدة غامضة ومجهولة، ومع ذلك ماشي معاكي زي المغمض، لا فاهمك ولا فاهم الطريق، ومع ذلك متأكد إني مش هتأذي منك."

قالت رودينا بهدوء:

ــ "ثق فيا بس."

هزّ مالك رأسه وقال بصوت منخفض:

ــ "مش معقول اللي بيحركك معايا هو الحب بس."

ابتسمت رودينا بألم وقالت:

ــ "والواجب كمان، يا مالك. واجبي تجاه قلبي اللي بيتعصر من جوا كل ما يشوف التوهة والغربة ف عينك دي."

فتح مالك فمه ليقول شيئًا، لكن فجأة انطلقت أصوات الرصاص من حولهم.

توقف الحديث، والتفت مالك بسرعة إلى الخلف، مذهولًا.

صرخ مالك بصوت عالٍ:

ــ "انزلي بسرعة!"

نظرت رودينا خلفها، لترى سيارة مجهولة تطلق عليهما النار بلا توقف.

قالت رودينا بدهشة:

ــ "هما مالهم شادين حيلهم علينا كده ليه؟ كله ضرب ضرب!"

صاح مالك بغضب:

ــ "ده وقت هزار؟ هنموت يا مجنونة! ارجعي مكاني وسيبيني أنا أسوق!"

امتثلت رودينا سريعًا لأمره، وانتقلت إلى المقعد الآخر.

قالت بتذمر:

ــ "أنا اتخنقت أوي!"

ظل مالك يحمي رأسه بذراعيه من الرصاص المتطاير، ثم صاح:

ــ "في مسدس تحت الدواسة عندك! هاتيه!"

بحثت رودينا بسرعة حتى وجدته.

قالت بحماس:

ــ "سيبلي بقى الفرصة دي! دي لعبتي!"

مالك بدهشة:

ــ "نعم؟!"

أردفت رودينا بحزم:

ــ "افتح سقف العربية من فوق!"

صرخ مالك رافضًا:

ــ "لا يمكن أخاطر بيكي!"

قالت رودينا بعناد:

ــ "اسمع الكلام، مش هيجرالي حاجة! المهم مانسبش المجرمين دول يفلتوا ويحرّموا يتعرضوا لينا تاني! يلا يا مالك!"

صرخ مالك بصوت مختنق:

ــ "لأ! أنا مش هستحمل تضيعي مني انتي كمان! لو حصلك خدش، أنا هموت من قهري! مش هستحمل!"

ابتسمت رودينا بثقة وقالت:

ــ "أنا محدش يقدر عليا يا مالك! أنا واحدة براوية قوي وجامدة، وفوت ف الحديد! دماغي حجر صوان! يللاااااا!"

وبالفعل، فتح مالك سقف السيارة.

تمتمت رودينا في سرها:

ــ "توكلنا على الله!"

بمهارة عالية كشرطية محترفة، تمكنت رودينا من إصابة اثنين من المهاجمين بدقة، ثم صوبت نحو إطارات السيارة الأخرى حتى فقد السائق السيطرة واصطدم بعنف.

ترجلت رودينا من السيارة بثقة، بينما كان مالك يحدق بها مصدومًا من قوتها وثباتها.

صرخت رودينا:

ــ "العربية هتولع!"

كان مالك يهم بالكلام حين سمع دوي انفجار، ورأى النيران تلتهم السيارة الأخرى.

.....

بعد أن انفجرت السيارة واشتعلت النيران فيها، نظر مالك حوله متفحصًا المكان، ليكتشف أنهما في منطقة مهجورة تمامًا.

قالت رودينا، وهي تتلفت بقلق:

ــ "إيه المكان دا؟"

رد مالك وهو يتنهد:

ــ "أنا عارف! ببص لقيتنا هنا زيك على فكرة... يعني متسألنيش."

قالت رودينا بنفاد صبر:

ــ "وإيه اللي جابنا هنا؟ يلا نرجع!"

أجابها مالك محاولًا التماسك:

ــ "مش لما أعرف المنطقة دي فين الأول؟ اهدي بقى شوية."

نظرت رودينا حولها وقالت بقلق أكبر:

ــ "مفيش حد غيرنا هنا... يعني مش هنعرف نسأل حد حتى!"

ابتسم مالك بثقة مصطنعة وقال:

ــ "اتقلي بقى... وأنا هتصرف."

أولما نزلوا من السيارة، نظرت رودينا حولها بدهشة وقالت:

ــ "هو إحنا جرينا منهم كل المسافات دي؟"

أجاب مالك وهو يسرع في خطواته:

ــ "خليكي حريصة وأنتِ ماشية."

استمروا في السير، وفجأة سمع مالك صوت خطوات تقترب.

قالت رودينا بتوجس:

ــ "إيدة في صوت."

أمسك مالك سلاحه بحذر، وبدأ يتقدم نحو الصوت.

ــ "شايفة النور ده؟"

قال مالك وهو يشير بيده إلى النور البعيد.

ــرودينا"تعالي نمشي بالله عليك.

ــ "أنا مش حاسة أن المكان ده آمن."

أجاب مالك وهو يشعر بالتوتر:

ــ "أنا فعلاً مش عارف أتحرك في مكان زي ده."

قالت رودينا، وهي تحاول أن تجد حلاً:

ــ "خلاص، أنا هتصرف."

ركبت رودينا السيارة بسرعة وحاولت تشغيلها، لكنها كانت متوقفة.

ــ "إيه الزفت ده؟! هي لما بتخرب بتخرب من كله هنروح فطيس فعلا كدا!

قال مالك، وهو يبدو مرتبكًا:

ــ "مفيش بنزين صح؟"

قالت رودينا بدهشة.وانت ازاي مختش بالك

ــ مالك بتهكم:آسف لجنابك، كان المفروض أحط بنزين زيادة كاحتياط."

ــ رودينا بحزم:"عَ فكرة، كان المفروض دا يحصل من غير تريقتك دي. دلوقتي، إحنا توهنا واتحسبنا هنا!"

مالَ مالك وهو يمشي غاضبًا. ثم قال:

ــ "استني هنا."

نزلت رودينا بسرعة وبدأت تمشي معه.

ــ مالك:"لازم نلاقي على الأقل عربية توصلنا، يمكن في حد رايح اتجاه المنطقة بتاعتنا."

قالت رودينا بتشكك:

ــ "ولو مفيش؟ اي العمل هنبات؟

ــ "استحالة أبقى معاك هنا، إنت مجنون!"

رد مالك، وهو يتحدث بحزم:

ــ "مش أكتر من جنونك، واسكتي... خليني أنا كمان أعرف أربط لساني عليكِ."

قالت رودينا، وهي ترفع حاجبها:

ــ "لا، سيبه! وأنا أقصه وأروضه كمان."

قال مالك بصوت مرتفع:

ــ "يابت، آخرسي بقى!"

لكن رودينا ردت بنبرة حازمة:

ــ "لا مش هخرس، ومتزعقش فيا!"

فجأة، حاول مالك أن يشد يدها بقوة، لكنها ابتعدت عنه بسرعة.

ــ "متسوقش فيها، ومتعودش إيدك كل شوية إنها تتحط على جسمي عمال على بطال."

في تلك اللحظة، ظهر رجل غريب من الظلام، ممسكًا بعصا خشبية.

قال الرجل بصوت منخفض:

ــ "مين هنا؟"

مالك، وهو يحاول أن يكون مهذبًا رغم الموقف العصيب:

ــ "آسفين جدًا على الإزعاج، بس إحنا عايزين نلاقي طريقة نخرج بيها للشارع الرئيسي."

الرجل نظر إليهم بتشكك، وقال:

ــ "وانتو إيه اللي وصلكم هنا؟ المكان دا مش آمن للناس اللي زيكم."

رودينا، وهي تبذل جهدًا للحفاظ على هدوئها:

ــ "إحنا مستعدين ندفع لك أي مبلغ، بس اتصرف ودلنا على أي طريقة تخرجنا من هنا."

الرجل أوقف خطواته للحظة، ثم أضاف:

ــ "أعرف شخص معاه عربية هيوصلكم، بس ممكن يطلب مبلغ كبير."

رودينا، وهي تنظر إليه بتركيز:

ــ "اللي هو عايزه، المهم إنه ينجدنا."

وبالفعل، تحرك الرجل ببطء، يقودهم نحو المكان الذي يعتقد أن الشخص الذي سيساعدهم ينتظره.

مالك، وهو يشعر بالقلق:

ــ "مش معايا فلوس... الفيزة عند واحدة صاحبي حاليًا."

رودينا، محاولة أن تهدئه:

ــ "أنا معايا، اطمن."

......

بينما كانوا يسيرون مع الرجل، لم يكن مالك ورودينا يدركان أنهما كانا يقتربان من فخ آخر. الرجل الذي ظنوا أنه قد يساعدهم في الخروج من المأزق كان هو نفسه من نصب لهم كمينًا جديدًا.

عندما وصلوا إلى الباب، فتحه الرجل ببطء، لكن لحظة دخولهم تغير كل شيء. الباب أغلق خلفهم بقوة، وأحاط بهم رجال ملثمون، وجعلوا الجو مشحونًا بالتوتر.

الرجل الذي رافقهم ابتسم ابتسامة خبيثة وقال بنبرة تهديد:

ــ "أخيرًا وقعتوا تحت إيدينا."

مالك نظر حوله سريعًا، لكنه لم يستطع الخروج من هذا المأزق. فصرخ غاضبًا:

ــ "دا كان كمين! أدي آخره اللي يمشي وراكي يا وش المصايب أنتِ!"

رودينا كانت في حالة غضب شديد، ولكنها لم تستطع منع نفسها من الرد:

ــ "ياسلام يا أخويا! وأنا كنت إيش عرفني أنه كمين تاني مترصد لينا؟ مش كان راجل عجوز؟"

مالك نظر إلى الرجل الذي كان معهم، ليكتشف أنه كان متنكرًا. الرجل خلع شنبًا وباروكة، ليظهر في شكله الحقيقي. مالك، الذي شعر بالخداع، قال:

ــ "دا إحنا أغبياء بشكل!"

رودينا، التي لم تكن لتقبل اللوم، ردت بحدة:

ــ "اتكلم عن نفسك! لو أنت شايف نفسك غبي دي مشكلتك مش بتاعتي!"

لكن مالك لم يستطع الصمت أكثر. مسك مسدسه وهو عازم على مواجهة الموقف مهما كلفه الأمر. وبينما كان يحضر المسدس، شعر بشيء غريب. فشال المسدس قبل أن يراه الرجل الذي كان معهم.

رفع المسدس تجاههم وقال بحزم:

ــ "مشينا من هنا."

أحد الرجال الآخرين، الذي كان يراقب عن كثب، قال ببرود:

ــ "مش قبل ما ناخد الورق اللي معاكم."

رودينا لم تتمالك نفسها وقالت بعنف:

ــ "مين تبعكم؟"

الرجل الآخر رد بنبرة قاسية:

ــ "لو قولنا، هنموت. إحنا مش جايين عشان نتساير."

مالك، الذي شعر بالغضب الشديد من الموقف، قال، محاولًا فهم الوضع:

ــ "مأجركم يعني؟"

رودينا، التي شعرت بالضغط، قالت مباشرة:

ــ "شكلها كده. لو سيبتونا نمشي، هديكم ضعف المبلغ."

الرجل الآخر ابتسم بسخرية وقال:

ــ "إيه؟ هتقبضونا بالدلاور زيهم؟"

رودينا ردت بسرعة، وهي تتحدى كلامه:

ــ "زي مين بالضبط؟"

أحد الرجال نظر إليه بازدراء وقال:

ــ "أنتِ عبيط يلا  دي بتوقعك في الكلام.

رودينا رمقت مالك بنظرة سريعة وهمست له بنبرة بالكاد تُسمع:

ــ "أنا هلهيهم.. خليك جاهز، وحاول تهرب أول ما تلاقي فرصة."

اكتفى مالك بإيماءة خفيفة برأسه تأكيدًا لفهمه.

حينها أخذت رودينا نفسًا عميقًا، ثم تقدمت نحو الرجال بخطوات متهادية، تمتلئ بالدلال والإغراء.

كان تأثيرها عليهم واضحًا، إذ تسمرت أنظارهم عليها وكأنهم وقعوا تحت سحر لا يستطيعون مقاومته.

مالك، الذي كان يراقب المشهد بذهول، تدارك أمره بسرعة، وأخذ يبحث بعينيه عن مخرج. وقعت عيناه على شباك نصف مفتوح في الجهة الأخرى من الغرفة، فبدأ يتحرك نحوه بحذر شديد، حتى نطّ منه بخفة واختفى خارج المكان.

رودينا، بعد أن تأكدت من خروجه، تبدلت ملامح وجهها في لحظة؛ من الابتسامة المغرية إلى نظرة صارمة وقوية.

في ومضة عين، أمسكت بذراع أقرب رجل إليها، واستدارت بجسده حولها بقوة، ثم سددت له ركلة عنيفة في بطنه أطاحت به أرضًا.

لم تمنح الآخرين فرصة لالتقاط أنفاسهم، فوجهت ركلة جانبية إلى رأس رجل آخر، جعلته يسقط فاقدًا للوعي.

أحد الرجال حاول رفع سلاحه، لكنها كانت أسرع منه؛ خطفت المسدس من حزامه بحركة دقيقة، وأطلقت رصاصة خاطفة أصابت أحدهم في صدره، فسقط صريعًا.

استدارت بسرعة نحو آخر رجل يحاول مهاجمتها، وضربته بقوة بمقبض المسدس على صدغه، فسقط أرضًا يتلوى من الألم.

لم تتردد رودينا لحظة، ركضت بكل قوتها نحو الشباك وقفزت منه بخفة، حيث كان مالك ينتظرها.

ما إن لمح مالك رودينا تهبط من الشباك، حتى أسرع نحوها، قبض على يدها بقوة، وبدأ الاثنان بالجري معًا دون تردد.

لكن سرعان ما لمحا رجلين آخرين يندفعان نحوهما من الزقاق الضيق، أصوات أقدامهم تقترب بسرعة.

صرخ أحد الرجال:

ــ "أهوم! امسكوهم بسرعة!"

ازدادت وتيرة الجري، وصاحت رودينا وهي تلهث:

ــ "الجري دلوقت الجدعنة كلها، اجري يا مالك!"

رد عليها مالك، محاولًا مضاعفة سرعته:

ــ "دول ورانا! اجري جامد!"

أبصر الاثنان جدارًا منخفضًا أمامهما، لم يترددا لحظة وقفزا من فوقه بخفة.

هبطا على الجانب الآخر ليجدا أنفسهما وسط تجمع كثيف من الأشجار، حيث اختبآ بين الظلال محاولين كتم أنفاسهما.

همس مالك وهو يراقب الطريق خلفهم:

ــ "لو اتكتب لينا عمر جديد وعرفنا نخرج من هنا... لازم أعمل حاجة مهمة أوي."

نظرت إليه رودينا بحذر وهي تراقب حركة الأشجار، وسألته بصوت منخفض:

ــ "حاجة إيه دي؟"

ابتسم مالك ابتسامة خفيفة، ثم مال نحوها وهمس بعاطفة صادقة:

ــ "أكتب عليكي."


قصة قصيرة بعنوان هجوم عاطفي
الحلقة العاشرة
هاجر عبدالحليم
حدّقت رودينا فيه بدهشة، قلبها ينبض بعنف، ليس فقط من الجري، بل من وقع كلماته المفاجئة.
حاولت أن تبدو متماسكة، لكنها لم تستطع منع احمرار خديها الخفيف رغم الظلام المحيط بهما.
همست بتوتر خافت:
ــ "انت بتقول إيه يا مالك دلوقتي؟ إحنا ف مصيبة مش وقت هزار!"
ابتسم مالك، عيونه كانت بتلمع بصدق غريب وسط الظلمة، وقال بنبرة فيها إصرار:
ــ "مش هزار... أنا بتكلم جد. أنا عمري ما حسّيت إني عايز أحمي حد بالشكل دا قبل كدا."
لم تجد رودينا ما ترد به، شعرت أن الوقت توقف لثوانٍ، كأن الخطر المحيط بهما اختفى، ولم يبقَ سواهما.
لكن صوت خطوات تقترب أعاد لهما وعيهما فجأة. شد مالك على يدها مرة أخرى، وهمس لها:
ــ "كلامنا لسة مخلص بس نروق الاول"
أومأت له بصمت، وركض الاثنان بين الأشجار، تختلط أنفاسهما المتلاحقة بصوت الريح... وبدقات قلوب لا تعرف إن كانت تهرب من الموت، أم تهرب نحو حب يولد وسط الخطر.
.....
انطلق مالك ورودينا بأقصى سرعة بين الأشجار، يتلفتان خلفهما بين الحين والآخر، حتى لمح مالك من بعيد ضوءًا خافتًا. شد على يد رودينا بحماس وهمس:
ــ "بصي هناك بصي! في عربية. اخيرا بجد !"
اندفع الاثنان نحو الضوء، يتعثران أحيانًا بين الحشائش الكثيفة، حتى اقتربوا أكثر. كانت سيارة صغيرة قديمة، يبدو أن صاحبها نزل ليبحث عن شيء قرب الغابة.
مالك التفت لروادينا وهو يلهث:
ــ "اسمعي، هنركب بسرعة ونمشي من غير ما ياخد باله... مفيش وقت نشرحله يلا!"
هزّت رأسها بالموافقة دون تردد. في لحظة خاطفة، قفز مالك إلى المقعد الأمامي وبدأ يحاول تشغيل السيارة، بينما رودينا كانت تراقب الطريق برعب.
رودينا بصوت خافت مضطرب:
ــ "مالك، بسررررعة... هما  خلاص قربوا!"
مالك وهو بيحاول يثبت أعصابه:
ــ "معلش... العربية قديمة، بحاول اهو."
وأخيرًا دارت المحرك ببطء، ومع أول محاولة انطلقت السيارة تعافر فوق الطريق الترابي.
أحد الرجال صاح من بعيد:
ــ "اهوم! العربية! امسكوهم!"
لكن كان الأوان فات، فقد اندفعت السيارة بعيدًا عن الغابة، ورودينا التفتت للخلف تراقب الرجال وهم يتضاءلون خلفهم.
أخذ مالك نفسًا عميقًا وقال بنبرة فيها مزيج من الراحة والضحك:
ــ "نجينا يا بنتي... نجينا ههههههه الحمد الله ربنا نجدنا يارب
رودينا وهي بتحاول تهدي نفسها:
ــ "مش مصدقة... دا احنا فعلاً هربنا منهم بجد كانت لحظة مرعبة"
ابتسم مالك وهو بيبص لها بنظرة دافئة وقال:
ــ "قلتلك حاليا خلاص الغزالة راقت ولازم نتكلم
استمروا في القيادة حتى بدأت أضواء الحياه تلوح لهم من بعيد، كأنها بوابة نجاة أخيرًا فتحت لهم أبوابها وسط ظلمة الخطر.
.....
ف الشارع 
كانت رودينا تبتعد عنه بخطوات متعثرة، وكأنها تهرب من مواجهة محتومة. لحق بها مالك، وقد ضاق صدره بنيران الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا.
قال مالك، وصوته يختنق بالغضب والخذلان:
ــ "خلاص! منا لازم أفهم... انتي رافضة الجواز مني ليه؟ مش بتحبيني ولا كنتي كدابة من الأول؟"
توقفت رودينا، واستدارت نحوه والدموع تلمع في عينيها، لتجيبه بصوت مرتجف:
ــ "لا والله، مش كدابة... أنا فعلا بحبك."
اقترب منها خطوة أخرى، وهو يحاول أن يلملم شتات قلبه:
ــ "يبقى في حاجة مخبياها عني! احكيلي علطول، بلاش لف ودوران."
همست رودينا بألم، وهي تطرق برأسها للأرض:
ــ "مقدرش... مقدرش."
تحركت لتبتعد، لكنه أمسكها فجأة بشدة من خصرها، وقربها إليه بعنف لم يعهده في نفسه.
ــ "لو كنتي مين، أنا هكتب عليكي النهارده! هتكوني ليا... برضاكي أو غصب عنك."
صرخت رودينا وهي تحاول تحرير نفسها:
ــ "شيل إيدك عني... عيب كده!
استفاق مالك على صوتها المرتجف، وأرخى قبضته على الفور. مد يده لها برفق وقال بحسم:
ــ "ولا تزعلى نفسك... يلا بينا عالمأذون حالًا! مش هستنى لحظة. إحنا عمرنا بقى ع المحك، وعايزك شريكة حقيقية معايا، مش بس وقت الجري والهروب."
ظلت رودينا ساكنة لبرهة، قبل أن تهمس بتردد:
ــ "هنتجوز... بس بعد ما نقبض عليهم ونكون في أمان."
ضغط مالك على أسنانه، وألقى عليها نظرة ملؤها الإصرار، ثم قال بحدة:
ــ "لآخر مرة... انتي مين؟"
رفعت رودينا رأسها، والدموع تحرق عينيها، وقالت وهي تشد أنفاسها بشجاعة:
ــ "أنا رودينا... ظابط شرطة. ومكلفة بحمايتك، يا مالك."
تسمرت قدماه في الأرض من هول الصدمة، واتسعت عيناه بدهشة لا تصدق. دفعها عنه بقوة لا إرادية، كأنها خدعته بطعنة في القلب، وصاح بذهول:
ــ "انتي... الظابط اللي جه المستشفى... واللي رجع الطفل المفقود لأهله؟!
.....
وقفت رودينا أمامه مكسورة، تحاول أن تبحث عن كلمات تنقذ ما تبقى بينهما. تمتمت بصوت مبحوح:
ــ "أنا مش هدافع عن نفسي... مش هقول إني مليش ذنب، ضحكت عليك في الأول، بس أنا..."
قاطـعها مالك بحدة، صوته يعلو بغضب:
ــ "انتي إييي؟ قولي! إي هااااا؟!"
اغمضت عينيها بألم، ثم فتحتها لتهمس بصدق:
ــ "أنا... أنا حبيتك."
شد مالك يدها بعنف، ونظراته تشتعل قسوة وهو يقول بسخرية لاذعة:
ــ "حضرة الشرطية اللي قلبها ميت... تعرف يعني إيه حب؟! مظنش! اللي معندهاش دم، مستحيل يكون عندها روح تحس بالوجع."
ابتلعت رودينا دموعها بالقوة، وتمسكت بآخر خيط للأمل:
ــ "آه ليا... بس كانت أوامر... مقدرتش أخالفها. كنت فاكرة إنها مجرد مهمة وتعدي، لكن مع كل يوم، مشاعري ناحيتك كانت بتزيد... غصب عني."
ضحك مالك ضحكة ساخرة، ثم مال نحوها قائلًا بازدراء:
ــ "واو! بجد؟ تفتكري شوية كلام هيخلوني أضعف؟! انتي إنسانة مخادعة... مش قادر أصدق نفسي إزاي كنت أعمى للدرجة دي! انجذابي ليكي كان غباء مني... خلاص، أنا مش عايزك في حياتي، ولا عايز حمايتك!"
استدار ليبتعد عنها، لكن رودينا مدت يدها تمسك بذراعه بيأس، وصاحت:
ــ "أنا موافقة نتجوز يا مالك!"
توقف لحظة، التفت إليها بنظرة ملؤها الاحتقار، وقال ببرود قاتل:
ــ "وأنا مبقتش عايزك... بقيت قرفان منك، ومش طايق أشوف وشك."
وبدون أن يمنحها فرصة للرد، استدار ومضى بعيدًا، يتركها خلفه تتخبط بين دموعها والخذلان.
......
وقفت رودينا مكانها، تحدق في ظهره البعيد بعينين غارقتين بالدموع. شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها، أنفاسها صارت متقطعة وكأنها تلفظ روحها مع كل خطوة يبتعدها عنها.
حاولت أن تناديه، أن تركض وراءه، لكن كرامتها ـ التي لطالما كانت درعها ـ شدت عليها القيود.
رفعت رأسها رغم الألم، مسحت دموعها بكف مرتعشة، وتمتمت بقلب منكسر:
ــ "حقك تزعل... حقك تكرهني، بس أقسم بالله بحبك أكتر من نفسي."
سارت ببطء بين الأشجار، تشعر أن الطريق يضيق عليها، وأن الوحدة تنهش روحها بلا رحمة.
مرّت سيارة شرطة في الجوار، توقفت عندها، نزل منها زميلها في المهمة، وهو يصرخ بقلق:
ــ "رودينا! انتي كويسة؟ وصلنا بلاغ عن إطلاق نار هنا!"
أومأت برأسها ببطء، وكأن الكلمات تخونها، ثم تمتمت بصوت خافت بالكاد يُسمع:
ــ "كويسة... بس فقدت أهم حاجة كنت بحارب الدنيا عشانها."
لم يفهم زميلها شيئًا، لكنها لم تكن بحاجة لشرح شيء. كل ما أرادته الآن هو أن تختفي عن الأنظار، أن تختبئ من نفسها قبل أي أحد.
ركبت السيارة في صمت، وقلبها يحترق على حب لم يكتمل... على قلب خذلته بيدها.
.......
كان مالك يمشي في الشارع المظلم، يكتم الغضب في صدره بعد مشادة رودينا، حين شعر بحركة خلفه. استدار بسرعة، ليجد رجلاً ضخم الجثة ينقض عليه حاملاً عصا غليظة.
بلا تردد، حاول مالك تفادي الضربة الأولى، لكنها لامست كتفه بقوة فدفعته للخلف. تألم بشدة لكنه لم يستسلم، زم شفتيه وهو يشد قبضته واندفع نحو الرجل، وجّه له لكمة مباشرة في وجهه.
ارتد الرجل خطوة للخلف وهو يزأر غاضبًا، ثم عاد يلوّح بعصاه بقوة. مالك، رغم إصابته، انخفض بمرونة وتفادى الضربة، ثم ركله بكل قوته في ركبته فاضطر المهاجم للانحناء قليلًا.
استغل مالك اللحظة، أمسك بالعصا من يد الرجل بقوة، وجذبها نحوه بحدة حتى اختل توازن المهاجم وسقط أرضًا. ولكن قبل أن يلتقط أنفاسه، انقض الرجل عليه مجددًا، تشابكا بالأيدي، يتبادلان الضربات بقسوة.
مالك كان يتلقى الضربات لكنه يردها بصلابة، يتشبث بروحه المقاتلة. تلقى لكمة قوية في فكه جعلته يترنح، لكنه بسرعة استعاد توازنه ووجه ضربة عنيفة بقبضته في معدة خصمه.
سقط الرجل على الأرض يتلوى من الألم، بينما وقف مالك فوقه، يتنفس بصعوبة ووجهه ينزف قليلًا من شفته.
نظر مالك إلى خصمه الملقى تحت قدميه، وعيناه تلمعان بمرارة وعزم. رغم كل شيء، كان لا يزال واقفًا... لا يزال يقاتل.
...
كان مالك يلهث وهو ينظر إلى خصمه الملقى أمامه. لمح شيئًا يلمع يخرج من جيب الرجل بفعل السقوط، فانحنى والتقطه. كانت بطاقة تعريف مزورة، وإلى جوارها ورقة مطوية.
فتح الورقة بسرعة، فوجد خريطة مبسطة لمكان المستشفى وبعض العلامات عليها وكلمة واحدة بخط بارز:
"التنفيذ الليلة."
اتسعت عينا مالك بصدمة، وتمتم:
"الليلة؟ يعني في مصيبة كبيرة بتحصل دلوقتي وأنا واقف هنا!"
لم يكن بوسعه إضاعة لحظة واحدة، يجب أن يصل إلى المستشفى ويكشف ما يُخطط له، لكنه يعرف جيدًا أن اقتحام وكر العصابة بمفرده انتحار.
أمسك هاتفه بسرعة واتصل بأول رقم في باله: رودينا.
مالك وهو يلهث: "رودينا!  أنا محتاجك دلوقتي ضروري."
رودينا بتوتر: "مالك؟ في إيه؟ أنت كويس؟"
مالك: "لقيت ورقة مهمة، في مصيبة هتحصل في المستشفى ولازم نتصرف في ارواح لازم ننقذها"
رودينا: "طيب  الاقيك فين؟"
مالك: "هقابلك تحت الكوبري اللي جنب المحطة القديمة... بسرعة."
أغلق المكالمة دون انتظار، ثم تواصل مع اللواء المسؤول مباشرة، يبلغه بكل التفاصيل.
مالك بحزم في المكالمة مع اللواء: "يا فندم، أنا لقيت دليل بيأكد إن في عملية إجرامية ضخمة بتحصل جوه المستشفى... محتاج دعم وحماية للمدنيين اللي جوه."
اللواء: "كويس يا مالك، احذر وخليك متخفي، بس أوعى تتحرك لوحدك، إحنا هنجهز قوة دعم ونتواصل معاك."
أنهى المكالمة، وركض مسرعًا إلى مكان اللقاء.
لم تمر دقائق حتى ظهرت رودينا، تقود دراجة نارية صغيرة. توقفت أمامه وهي تقول بسخرية رغم التوتر:
رودينا: "ايه يا بطل؟ محتاج توصيلة؟"
ابتسم مالك بسخرية وهو يركب خلفها:
مالك: "محتاج أكتر من توصيلة... محتاجك جمبي وبس يلة احنا اتكتب علينا نكون سوا ولازم نكمل للاخر."
وانطلقا معًا وسط الظلام نحو المستشفى، الخطر يحيط بهما من كل جانب، لكن هذه المرة... لم يعودا وحدهما.

يتبع 








تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة