رواية هجوم عاطفي الحلقة الحادية عشر والثانية عشرة والثالثة عشر والاخيره بقلم هاجر عبدالحليم حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية هجوم عاطفي الحلقة الحادية عشر والثانية عشرة والثالثة عشر والاخيره بقلم هاجر عبدالحليم حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
في الموتوسيكل، وقفا بالقرب من المستشفى، كانت الأجواء مشحونة بالتوتر
مالك: يلا، عايزين نخلص اللي جايين عشانه.
رودينا، التي كانت مشغولة في أفكارها الخاصة، نظرت له بعينين ملؤهما الحيرة. كانت تعرف أن هناك شيء غير عادي بينهما، وأن العلاقة بينهما دائمًا محكومة بالقلق. لكنها قررت أن تكسر هذا الصمت الذي بدأ يطبق عليها. تنهدت، وقالت بصوتٍ منخفض، محاولة تخفيف التوتر:
رودينا: لسه زعلان مني مش كده؟
رودينا كانت تعرف أن مالك متوتر، لكن قلبها كان يشعر بحالة من التردد. في هذه اللحظة، مشاعرها المختلطة بين القلق عليه وعلى حياتهم المشتركة جعلتها تشعر بأنها تخوض معركة داخلية صعبة. مالك، الذي يشعر بالضغط الكبير من كل جهة، رد بصوتٍ غاضب لكنه محبط، ليس لأن كلامها أثار غضبه، بل لأن الوضع لا يحتمل أي شيء آخر الآن.
مالك: بذمة أهلك، ده وقت الكلام ده؟ ارحميني، مش كفايا اللي إحنا فيه؟ إحنا داخلين على عصابة ممكن منرجعش غير جثث. وانتي كل اللي فارق معاكي زعلي؟
نظرت له رودينا للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، وهي تشعر بمرارة موقفهم. لكن رغم ذلك، كان قلبها ينبض بالكثير من الهمسات العاطفية التي تجعلها تهتم بتفاصيله، حتى لو كانت صغيرة.
رودينا: طبعًا، عشان لما قلبك يكون زعلان حتى لو بسيط، أنا مش بكون على بعضي، وببقى عاملة زي المجنونة اللي مش راسية عَ بر.
ضحك مالك بشكل شبه يائس، ثم نظر لها بنظرة مختلطة بين الاستهجان والتعجب.
مالك: وأيه الجديد؟ انتي فعلاً مجنونة. معرفش ازاي دخلتي كلية الشرطة بدماغك البصلة دي.
رودينا لم تجد ردًا، فقط فكرت قليلاً قبل أن تُجذب نحو الموقف. لكن كانت عيناها تلمع بعناد وتحدٍّ، وكأنها تقول له بدون كلمات: "أنت مش عارف كل شيء عني."
رودينا: لا، حاسب! أنا...
ثم فجأة، مالك أمسك بفمها بيده، موجهًا وجهها نحوه، وقال بحزم، وعينيه مليئة بالتركيز على الهدف:
مالك: مش وقت فتحة دلوقتي، خلينا في اللي إحنا جايين عشانه.
رودينا نظرت إليه بعينين مليئتين بالأحاسيس المتضاربة، وفي تلك اللحظة، اختلط لديها مشاعر الدهشة بالإعجاب، لكنها حاولت أن تُظهر رباطة جأشها. مالك لم يكن قادرًا على إخفاء اضطرابه، لكنه كان في ذات الوقت يشعر بشيء ما في داخل قلبه نحوها.
توقفت رودينا لحظة، ثم وضعت عينيها على يده التي كانت على شفتيها، فتراجع مالك فجأة، وكأن لمسه لشفتيها أخرجته من شرودٍ عميق.
رودينا: بس مينفعش ندخل المستشفى وانت هدومك غرقانة دم بسبب ضربك للراجل. كده هنثير الشبهات.
مالك، الذي كانت كل أعصابه مشدودة الآن، قال بصوت خافت لكنه حازم:
مالك: والعمل؟ إحنا لازم نخش وحالا.
بدأت تفكر بسرعة، تبحث عن حل، وحين خطر لها شيء في رأسها، ابتسمت ابتسامة صغيرة من نوعها، ربما تكون بداية لحل
رودينا: بااااس... لقيتها! أيوة... بقى يارودي يا جامدة!
.......
في مكان بعيد عن المستشفى، نظرت رودينا إلى مالك بابتسامة رضا وقالت:
"بس كده، الشغل بقى تمام... لوز يا لوز!"
مالك نظر لنفسه في المراية، ثم قال باستفهام:
"إيه لزومه إنك تقلعيني القميص؟"
ردت عليه رودينا بتفكير عميق، ثم قالت:
"حظك كمان إنه كان معايا هدوم مقطعة للضرورات السرية اللي بنحتاجها في شغلنا. هنخش دلوقتي وكأنك شخص مصاب وحالتك حرجة جداً. هتعمل نفسك مش قادر تتنفس، وأنا هعملك شوية خدوش بسيطة في جسمك، كأن حد ضربك أو جرحك، وهنقول إن فلوسنا اتسرقت. هنعمل حوار عليهم وبااشكل دا هيدخلونا المستشفى وهيركزو معاك، وأنا هخش شوية، أفتش في الورق أو أي دليل. لكن الأكيد إننا مش هنرجع وأيدنا فاضية، يا ننجح في إنقاذ الأطفال ياع الاقل نلاقي دليل وقوي كمان وانا بردو هتنكر عشان محدش يعرفني."
مالِك كان يبدو مترددًا، فقال بعصبية
"وانتي عايزة تعوريني؟"
رودينا ابتسمت ابتسامة مغرية، ثم أمسكت بالسكينة وقالت بصوت هادئ:
"ايوة، انشف كده، ها. أنا بحب راجل يفوت ف الحديد
.......
في مكان بعيد عن المستشفى، مالك نظر إلى رودينا بعينين مليئتين بالخوف والتردد، ثم قال:
مالك:
"بت خفي لبط معايا ها
رودينا ابتسمت ابتسامة مليئة بالثقة، وقالت بصوت هادئ:
رودينا:
"قلب البت."
مالك أخذ نفسًا عميقًا وقال وهو يحاول إخفاء التوتر في صوته:
مالك:
"أنا هروح... كفاية. مش قادر أكمل كده."
رودينا ضحكت بخفة وقالت بنبرة متسائلة:
رودينا:
"خايف يا بيضةولا إيه؟
مالك رد بجدية، كأنه يحاول أن يجد مخرجًا آخر:
مالك:
"فكري في أي طريقة تانية. في حلول تانية ممكن نعملها."
رودينا نظرت إليه بعينين تحدد كل شيء في تلك اللحظة، ثم أجابت ببرود:
رودينا:
"يا مالك، دي مجرد خدوش بسيطة، مش حاجة كبيرة."
مالك:
"يعني هنزل شربات مش دم؟!
رودينا نظرت له نظرة قاسية وقالت بسرعة:
رودينا:
"يا سكر، اخلص بقى، الوقت دا ضدنا مش معانا. لو قعدنا بنقنعك دلوقتي، ممكن ينفذوا المهمّة وأنت قاعد هنا بنقول نفس الكلام. اعتبرها تضحية...."
مالك انفجر في صمت، ثم تمتم بكلمات مليئة بالقهر والألم:
مالك:
"في تضحية أكتر من إني أمي ماتت؟"
رودينا خفضت رأسها للحظة بحزن عميق، ثم قالت بصوت خافت:
رودينا:
"الله يرحمها. خلاص، يا مالك، براحتك. لو مش قادر، أنا هخش لوحدي."
مالك شدها إليه بعنف مفاجئ، وعينيه مليئة بالإصرار والتحدي، وهو ينظر إليها كالصقر. هي سرحت في عينيه للحظة، وعينيه كانت تلاحق شفايفها، اقترب منها قليلاً، لكنهة بعدت عنه بضعف.
مالك، متسمرًا في مكانه، مد ذراعه إليها وقال بهدوء عميق، وهو يضغط على قلبه:
مالك:
"ابدئي، وأنا هستحمل."
......
داخل المستشفى، كان كل شيء يزداد تعقيدًا. رودينا ومالك يمران عبر الممرات الضيقة بسرعة، محاولةً الحفاظ على مظهر طبيعي قدر الإمكان رغم الحالة المتوترة التي يعشيانها. الصوت الوحيد الذي يقطع الصمت هو صرير خطواتهم على الأرضية اللامعة.
رودينا (همس):
"ركز معايا... لو حد شافك أو سأل،، كل اللي هنقوله إننا ضحية حادثة كبيرة وحالتك حرجة جدا
مالك كان يلهث بصعوبة، ولكن عينيه تراقب كل شيء حوله. كانت أعصابه مشدودة لدرجة أنه كاد ينسى دوره في الخطة. نظر إلى رودينا، ثم بصعوبة، قال:
مالك (بصوت خافت):
"ولو اتشك فينا ولا اتحقق معانا يافالحة؟
رودينا لم تلتفت إليه مباشرة، ولكن كانت عينها على الممرات والأشخاص من حولهم. كان قلبها ينبض بسرعة، ولكنها حاولت الحفاظ على هدوئها قدر الإمكان.
رودينا (مبتهجة لكن بلهجة هادئة):
"متقلقش، لو حصل أي حاجة، هنعرف نتعامل. دلوقتي، فكر في نفسك عايزك تمثل كأنك شخص بينك وبين الموت شعرة"
وصلوا أخيرًا إلى غرفة الطوارئ. دخلوا، وعيني رودينا تراقب كل حركة في المكان. كان الجو مشحونًا بالقلق، والأطباء والممرضات مشغولين بحالات أخرى. وقف مالك على ساقيه بتعب، ولكنه حاول أن يظهر كما لو كان عاجزًا تمامًا، متألمًا بشدة.
رودينا تقدمت نحو الممرضة المتمركزة بالقرب من الباب. بحركات سريعة ومدروسة، قالت بصوت منخفض ولكنه ملح
رودينا:
"الامؤخذة ياحبيتي اخويا محتاج مساعدتكم بالله عليكي دخليه يشوفهولي ماله انا قلبي واكلني عليه من الصبح
الممرضة نظرت إليه بسرعة ثم نظرت إلى رودينا، وبدأت تسجل بياناته. قبل أن يسألها أي سؤال، اقترب الطبيب المسؤول عن الطوارئ وأخذ الملف الطبي من الممرضة. رودينا لم تتوقف عن إظهار القلق في ملامح وجهها.
الطبيب (بصوت حاد):
"إيه الحكاية ماله جسمه؟
رودينا شدّت على يده ببطء، محاولةً التأثير عليه بابتسامتها الخفيفة رغم الوضع الصعب.
رودينا
".. كان معانا مبلغ كبير من الفلوس، واتسرق مننا، ده اللي حصل حاولنا نقاوم بس هما عورو وجتله النوبة وانا حتى دواه مش معايا."
مالك زفر بصوت منخفض، محاولةً التظاهر بأنه يفتقد القدرة على التنفس بسببه الألم، وكل خطوة كانت تزداد في صعوبة التنفيذ.
مالك (بصوت مكتوم)
"مش قادر أتنفس، يا ريت.. تسرعو شوية، بجد ما بقاش فيا حاجة،."
الطبيب أشار إلى الممرضة بسرعة.
الطبيب:
"خليه في غرفة الطوارئ فورًا،."
دخلوا إلى غرفة الطوارئ، وكان الجو داخل الغرفة أكثر اضطرابًا. رودينا كانت تتنقل بسرعة بين الأدوات الطبية، مستغلة انشغال الطبيب معه ولكن في الوقت نفسه كانت عيناها تبحثان في الغرفة وفي الأثاث والملفات عن أي شيء قد يفيدها.
بعد لحظات، لم يكن أمامها سوى التقدم إلى المكتب المليء بالملفات الطبية. دست يدها بين الأوراق بسرعة، وبينما مالك كان على طاولة العلاج يحاول أن يتحمل الألم ويلهي الطبيب، سمع صوت خطوات قادمة خلفه.
سريعة، أغلقت رودينا الملف الذي كانت تبحث فيه وابتسمت بوجهها المطمئن، لكنها كانت تحاول إخفاء التوتر الذي بدأ يظهر على ملامحها.
رودينا (بصوت خافت إلى مالك):
"انا لقيت ورق بس معتقدش هنطلع من هنا بسهولة ."
.......
بينما كانت رودينا واقفة بجانب مالك، الذي كان يُلقى العلاج بسرعة على الطاولة، كانت عيونها تراقب كل شيء بحذر. الطبيب كان مشغولًا في فحصه لحالته، والممرضة كانت تتابع التعليمات الطبية. كانت رودينا تزداد توترًا، ولا تستطيع أن تضيّع الوقت أكثر. فكرت في طريقة للخروج دون أن تثير أي شكوك
فجأة، لاحظت أن الممرضة بدأت تبتعد عنها قليلاً لتجلب بعض المعدات من الغرفة المجاورة. كانت هذه فرصتها. بخفة وسرعة، اقتربت من مالك، همست له بسرعة:
رودينا (بصوت منخفض، ولكن حاسم): "خلي عينك مفتوحة. لو حد سألك، احكي إنك مش قادر تتحمل الألم وانا هعمل نفسى هروح اجيبلك اي حاجة تشربها
مالك (بصوت ضعيف): "أيوه... تمام.
رودينا ابتسمت له بشكل مطمئن، ثم اختارت لحظة مناسبة حينما كانت الممرضة قد دخلت في غرفة أخرى. دون أن تُلاحظ، توجهت نحو الباب الجانبي المفضي إلى الممرات الخلفية للمستشفى، حيث يمكنها الوصول إلى الأقسام غير المعلنة أو المشبوهة.
والهدف العثور على المكان الذي يتم فيه تنفيذ عمليات تجارة الأعضاء.
رودينا كانت تتنقل بحذر عبر الممرات، تتجنب الظهور في الأماكن العامة. كانت تتفقد الأبواب والنوافذ المفتوحة، بينما كانت تراقب العلامات أو أي شيء يوحي بمكان العمليات المشبوهة. وصلت إلى منطقة أكثر هدوءًا، ورأت بابًا صغيرًا يؤدي إلى سلالم غير مرئية تقريبًا.
توجهت بخطوات سريعة، ولكن خفيفة، حتى دخلت إلى المنطقة التي بدت كمنطقة عمليات. كانت الأضواء خافتة والمكان يبدو مغلقًا، ولكن هناك صوت خفيف يتسرب من الداخل.
رودينا (همس لنفسها): "ده المكان... انا متاكدة."
بدأت رودينا تقترب بحذر، ملاحظة الباب الذي يقود إلى غرفة عمليات غير مرخصة، تظهر على حيطانها بعض الأدوات الطبية. كان هناك رائحة قوية من المعقمات، لكنها كانت تعرف أنها في المكان الصحيح. بحذر شديد، فتحت الباب قليلًا لكي ترى ما يحدث داخل الغرفة، لكنها تراجعت بسرعة عند سماع صوت خطوات تقترب.
كانت رودينا بحاجة إلى الخروج من هناك بسرعة دون أن تثير انتباه أي شخص، ولكنها كانت قد جمعت ما يكفي من الأدلة حول مكان عمليات تجارة الأعضاء. حاليًا، كل شيء يعتمد على الخروج بأمان والعودة إلى مالك بسرعة.
......
داخل المستشفى، كانت رودينا تشعر وكأن الأرض تهتز تحت قدميها. كانت خطواتها تتسارع، لكن كل خطوة كانت تخفق بها روحها كما لو كانت تُسحب إلى قاع البحر. تلك الأوراق التي اكتشفتها، تلك الحقيقة المريعة التي تكتنفها، كانت تقف أمامها كجبل هائل، وكأنها تجد نفسها في مواجهة وحش مظلم يبتلع كل ما هو عزيز.
لقد مرت بتجارب صعبة في حياتها، لكن ما اكتشفته الآن كان يقذفها إلى عالم لا تعرفه، عالم مليء بالخوف والظلام. تجارة الأعضاء التي اكتشفتها في قلب المستشفى، كانت أبشع من أي كابوس. كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كانت تسأل نفسها مرارًا وهي تسرع في خطواتها، وأفكارها تتسابق معها، تتنقل بين الوجوه التي مرت بجانبها، وأصوات الضجيج في أذنيها كأنها لا تنتمي إليها.
"هذه مكان العمليات؟ هذه الطاولات؟ هؤلاء الذين يُجبرون على الموت؟"
كانت تشعر كأن قلبها ينبض بسرعة كأمواج البحر التي تتلاطم دون رحمة. لم تستطع أن تُنكر هذا الصراع الداخلي، فكل جزء من جسدها كان يتألم بطريقة لا تُحتمل، بينما عيونها كانت تملأها الدموع، ولكنها لم تجرؤ على السماح لها بالخروج.
......
بينما كان الدكتور يقترب أكثر من مالك، كان قلب رودينا يخفق بشدة، لكنها تمالكت نفسها. جاءتها الفرصة. بخفة وسرعة، توجهت نحو الطبيب وابتسمت ابتسامة هادئة، ثم قالت بسرعة:
رودينا (بهمس): "يا دكتور، أنا شوفت أوضة سرية هناك فيها زي إنذارات، بيحصل حاجة غريبة تحت، ولا إيه كفا الله الشر."
الدكتور شعر بتوتر مفاجئ، ارتبكت ملامحه، وصرخ في وجهها: "إنتي روحتي فين؟!"
في لحظة واحدة، اقتربت رودينا منه سريعًا، وضغطت على زجاجة البنج الصغيرة التي كانت في يدها. رشّت البنج على وجهه، فاختل توازنه، وأغشي عليه قبل أن يتمكن من الحركة.
مالك، الذي كان يراقب الموقف بعينيه المليئتين بالتوتر، نهض بسرعة. خطواته كانت متسارعة، جرى إلى جانب رودينا، ورؤيتهما للأشخاص الذين اقتربوا من الغرفة جعلت خطواتهم تتسارع أكثر.
نظرا عبر الباب، ورأوا فريقًا قادمًا بسرعة. لم يكن هناك وقت للتفكير، فاندفعوا معًا إلى الشباك.
مالك، الذي كان يحاول تهدئة نفسه، قال بنبرة مشحونة بالقلق: "المرة اللي فاتت كان بحر، المرة دي عمارة. أنا خايف المرة الجاية ترميني في جهنم."
رودينا نظرت إليه بتركيز، وهمست: "لو نطينا للمسافة دي بشكل مدروس، النطة هتكون بأقل الخساير الممكنة. جاهز؟"
مالك مسك يدها بقوة، ونظر في عينيها، وقال بصوت حازم: "جاهز."
وفي لحظة، اندفعوا معًا. القفزة كانت محكومة بعقلانية، لم يكن لديهم سوى تلك اللحظة للهرب. المسافة التي بين الشباك والأرض كانت مخيفة، ولكن مع التركيز، استطاعا التنقل عبرها بسهولة أكبر مما توقعا.
الهواء كان يعصف بهما أثناء قفزتهما، وكانا يشعران وكأن الوقت قد توقف للحظة. الهبوط كان قريبًا، ولكن مع تلك القفزة، كانا قد تجاوزا الخط الفاصل بين الحياة والموت. بعد أن لامست أقدامهم الأرض، قامت رودينا بلمس يد مالك، وأسرعا بالركض نحو الزاوية المظلمة بعيدًا عن الأنظار.
كان الهروب جزءًا من حياتهم الآن، كل لحظة كانت تعني النجاة أو السقوط.
قصة قصيرة هجوم عاطفي الحلقة الثانية عشر
هاجر عبدالحليم
الركض مستمر...
استمروا في الجري، لكن فجأة، رودينا سقطت على الأرض. شعرت بألم حاد في قدمها وكأن عظامها تحطمت. حاولت النهوض، لكنها لم تستطع، وكان وجهها يكتسي بالمعاناة.
مالك اقترب منها، شعر بشيء غير طبيعي في قدمها. كانت نبرة صوته مشدودة، وأعينه متسائلة.
مالك: "إنتِ تمام؟" سأل وهو يقترب منها، وكان صوته يحمل قلقًا واضحًا.
رودينا: قالت بابتسامة مرهقة، رغم الألم الذي يعتصر قلبها: "أنت طلعت بطل بجد، يا مالك."
مالك مسح العرق الذي تجمع حول جبينها بنعومة، وكأن تلك اللمسة محاولة لتهدئتها.
مالك: "وأنتِ أكتر واحدة شجاعة شوفتها في حياتي."
رودينا كانت تكاد لا تقدر على الحركة، لكن صوتها كان لا يزال صلبًا رغم الألم الذي يشتعل في رجليها.
رودينا: "مش قادرة اتحرك، حاسة بكسر رهيب في رجلي."
مالك، الذي كان يراقبها بتركيز، لم يتردد لحظة. حملها بين ذراعيه بحذر، وبصوت هادئ، لكنه مليء بالقلق قال:
مالك: "تحبي أوديكي فين؟"
رودينا: قالت بنبرة غاضبة متسائلة: "إنت مش سامعني ولا إيه؟"
مالك: بدا متفاجئًا، محاولًا التأكد: "هنروح فين؟"
رودينا: نطقت بصوت قوي رغم الألم: "القسم يا مالك."
مالك: عبّرت نبرته عن القلق: "بحالتك دي، مش هينفع."
رودينا: "لا، ودينا هناك، هيتصرفوا. بس نزّلني، أنا هتصل بحد ييجي ياخدنا."
مالك نزلها ببطء، ورغم ذلك، كانت عيونه تتابعها بقلق مستمر.
رودينا ابتعدت قليلاً وأخرجت هاتفها، وعندما تأخرت في الرد، عاد مالك بنبرة غريبة، يشعر بالغيرة ويكتمها بصعوبة:
مالك بغيرة: "كل دا؟"
رودينا: كانت نبرتها هادئة، لكن بإصرار: "كنت بشرح له الوضع."
مالك: أطلق نفسًا متوترًا وقال بحيرة: "وهو مش فاهم يعني؟"
رودينا: حاولت أن تكون متفهمة: "هيعرف منين، بس أنا كنت بوصله الأخبار."
وبنبرة ملؤها السخرية، قال مالك:
مالك: "خلاص، خلصنا يا ستي."
رودينا: ردت بطريقة غير مألوفة، بها تحدٍ واضح: "غيران عليّ؟"
مالك: نطقها بحيرة، ثم أضاف: "وعشان إيه؟"
رودينا: تحدثت بثقة وكأنها تستفزه: "قول لنفسك."
مالك: ارتفع صوته قليلاً وهو يرد بقسوة: "لا، إنتِ بس واخدة مقلب في روحك."
رودينا: عادت لتغمره بالثقة، ثم قالت بابتسامة ساخرة: "لا، أنا مرغوبة، وألف واحد يتمنوا نظرة مني."
مالك: الرد كان سريعًا، لكن بدا كأنه يحاول كبح مشاعر الغيرة: "وأنا بقى مش منهم. أتمنى القضية دي تخلص، ومشوفش وشك ده تاني."
رودينا: كان وجهها مليئًا بالتهكم عندما قالت: "على أساس إني دايبة في هواك."
مالك فغر فمه بنظرة غاضبة وقال بنبرة تهديد:
مالك: "كلمة كمان وهكسر رجلك التانية."
رودينا: تحدته بابتسامة ساخرة: "اعملها، وأنا أقطع نسلك خالص بضربة مني."
استمروا في مشاكستهما كقط وفأر، وتبادلوا الكلمات اللاذعة حتى وصلت السيارة وأوقفوا التوتر لحظة الوصول.
....
مكتب اللواء في مبنى الأمن العام. يجلس اللواء وسط الأوراق المتناثرة على الطاولة. مالك ورودينا في مواجهة معه، وكل منهم يحمل في قلبه همًا ثقيلًا. كلاهما يحمل معلومات دقيقة حول الجريمة التي كان من الصعب الكشف عنها.
اللواء: (ينظر إلى الأوراق أمامه بصمت، ثم يرفع رأسه في اتجاه مالك ورودينا) "المعلومات اللي عندكم في الملفات دي... مش بسيطة ولا هينة ابدا"
مالك: (يتنهد بشدة ويقترب من الطاولة، ثم يلتقط الورقة الأولى): كل اسم هنا هو جزء من شبكة كبيرة جدًا.، ده تلاعب بحياة ناس وارواح بنخسرها كل ثانية ."
رودينا: (تضع يدها على الورقة وتبدأ في تحريكها، قبل أن ترفع رأسها قائلة بصوت هادئ): "كل واحد من الأسماء هنا كان جزء من الجريمة... لكن مش بس كده، الورق ده بيكشف الطريقة اللي كانوا بيشتغلوا بيها. كانت عملياتهم مخفية جدًا، الطريقة اللي كانو بيجمعو الضحايا بيهم مريبة اوي."
اللواء: (يتنهد ثم ينظر للورق بتركيز) "اسامي الاطفال معظمه متشفر
مالك: (يعقد حاجبيه ويقلب الورقة) "ل كل عملية كانت بتتم عن طريق فرق معروفة. كان فيه شبكة طبية متكاملة، من جراحين لناس بتتلاعب في بيانات المرضى، وكل ده كان بيخدم أغراض الشبكة دي."
رودينا: (بصوت أكثر حدة): "كل الأوراق دي كانت مخفية عن الأنظار، بسبب الحماية من ناس تقال اوي . فيه أسماء كبيرة موجودة هنا... هما اللي خلصو اي اوراق رسمية كانت بتعرقل ظهور الحقيقة لينا"
مالك: (يعود لنظر في الأوراق بتركيز شديد، ثم يلتفت للواء) "إنت لازم تشوف دا بعينك التشفير دا كان بيتم عشان ميكونش في اي بلاغات او اسامي اطفال مفقودة مخفيين عن وسايل الإعلام تماما."
اللواء: (مفاجأ، يفحص الورق بتمعن) "واي كمان؟"
رودينا: (تنظر للورقة في يديها، وعينها مليئة بالغضب، كمان وصلنا لمعلومات بتتكلم عن أماكن تخزين الأعضاء والأشخاص اللي كانوا بيشتغلوا معاهم واتضح انه مدير المستشفي هو المحرك الاساسي للشبكة هنا ف مصر"
مالك: (بجديه وحسم): "كله لازم بتحاسب."
اللواء: (يضع الورق بحذر على الطاولة، وعيناه تزداد توترًا): "ده عمل إجرامي ماشي يترتيب دولي لازم نتحرك فورا"
رودينا: (وهي تجلس، تبعد يدها عن الورقة، ثم تقول بصوت متألم): "لو ما كناش دخلنا مكناش هنعرف نوصل لحاجة بس سيبناها ع الله وجازفنا. وحالا القضية دي هتخلص يلا بينا"."
.....
في السيارة، يتبادل مالك واللواء نظرات من التوتر قبل أن يتحدث اللواء:
اللواء: (بصوت هادئ وموجه) "دلوقتي، روحي على المستشفى وامشي ناحية الباب اللي بيكون فيه العمليات. أول ما توصلي، اديني الإشارة."
رودينا: (بتأكيد وحزم) "حاضر يا فندم."
رودينا بدأت تمشي، لكن مالك مسك إيدها بشدة، كأنه مش قادر يسيبها تروح لوحدها. هي بصت له بحب، وطبطبت على إيده برقة.
مالك: (بصوت منخفض وكأنه يتنهد) "لا إله إلا الله."
رودينا: (بتأكيد، كأنها تواسيه) "محمد رسول الله."
ثم نزلت رودينا لتبدأ تنفيذ خطتها، بينما مالك كان يتابع كل حركة منها بعينيه، قلبه مشغول.
اللواء: (ينظر إلى مالك، محاولًا تهدئته) "متخفش عليها."
مالك: (بصوت هادئ ومليء بالعاطفة) "بحبها."
اللواء: (يبتسم ابتسامة خفيفة) "وماله.. اتجوزها."
مالك: (بتنهيدة من القلب، بصوت حازم) "في دماغي والله يا فندم."
اللواء: (ينظر إليه باهتمام، يضيف بنبرة أكثر جدية) "بس أوعى تقولها اقعدي ف بيتها . دي زهرة نبتت في الصخر، ما نقدرش نعيش من غير نفسها."
مالك: (بتصميم، نظرته تزداد حدة) "ولا أنا هقدر أعيش من غيرها. دي بقت كل دنيتي. وهتكون مراتي قريب اوي بس احاسبها ع اللي هي عملته الأول"
.....
المستشفى تعج بالحركة، الأضواء الساطعة تسطع على جدران الممرات بينما يسير الحراس في خطى ثابتة، يحرسون كل مداخل المستشفى. الممرات مليئة بالزحام، والحركة مستمرة بين الأطباء والممرضات. الحراس يقفون في أماكنهم، يتبادلون النظرات الحادة، والعيون تراقب كل حركة.
رودينا: (تتوقف عند أحد الزوايا المظلمة للممرات، تراقب الموقف بدقة. تبتلع ريقها ثم تلتقط أنفاسها بسرعة. اليوم هو اليوم الذي ستكشف فيه أسرارًا خفية. تحركت بخطوات هادئة باتجاه أحد الممرات الرئيسية التي تقود إلى منطقة العمليات. كانت تعرف أن الحراس يمرون من هذه المنطقة بين الحين والآخر، ولكن كان عليها أن تجد اللحظة المناسبة.)
رودينا: (بينما تمشي في الممر الضيق، تتنقل بين الموظفين دون أن تلفت الانتباه. رأسها مرفوع، وحركاتها تبدو طبيعية تمامًا. في لحظة، ترى أحد الحراس يقترب منها من الاتجاه المعاكس. تتحرك خطوة للجانب في الوقت المناسب، وتظهر أمامها ممرضة في زي رسمي، مشغولة بتوثيق بعض المعلومات.)
رودينا: (سرعان ما تندفع نحو الممرضة بخفة، وتضربها بشكل مفاجئ في جانب رأسها باستخدام جزء من الأدوات التي كانت قد أعدتها مسبقًا. الممرضة تسقط على الأرض بصمت، بينما ينزل جسدها على الأرض بشكل سريع. رودينا تتنفس بسرعة، ثم تلتفت حولها بحذر شديد، للتأكد من عدم وجود أي شخص يراقبها.)
رودينا: (بسرعة، تلتقط ملابس الممرضة من حولها وتسرع بتغيير ملابسها. كل حركة تقوم بها محسوبة بدقة. تلبس زي الممرضة، وتسحب الحجاب الذي كان موضوعًا على رأسها، وتضعه بحذر. تُخفي شعرها، بينما تضع حقيبة الممرضة على كتفها، متأكدة أنها الآن تبدو كأي ممرضة أخرى في المستشفى.)
رودينا: (تسير بخطى ثابتة في الممرات وكأنها جزء من النظام. تتجنب النظر المباشر إلى الحراس، بينما تراقبهم من زاوية عينها. كلما اقتربت أكثر من منطقة العمليات، تزداد وتيرة قلبها. تلتفت وتجد أحد الحراس يقف بالقرب من الباب. لحسن الحظ، لا يلتفت إليها، فتستمر في سيرها بهدوء، بينما هي تبتسم داخل نفسها، متأكدة أن الخطة تسير كما هو مخطط لها.)
رودينا: (أخيرًا، تصل إلى الباب المؤدي إلى غرفة العمليات. قبل أن تفتح الباب، تنظر خلفها لتتأكد أن الحراس لا يراقبون. تفتح الباب ببطء شديد وتدخل، بينما قلبها ينبض بقوة. الآن هي في قلب المكان الذي يجب أن تكون فيه. ولكن خطر الاكتشاف ما زال يطاردها، إذ يجب عليها أن تتحرك بسرعة وأن تبقى متأهبة في كل لحظة.)
....
رودينا، بعد لحظات من التأمل والتخطيط، تصل إلى الباب المغلق لغرفة العمليات. تدفع الباب بهدوء، ولكنها تفاجأ بأنه مغلق. شعرت بشيء من الإحباط يتسرب إليها، فكل شيء كان يعتمد على هذه اللحظة. لكن نظراتها الحادة استقرت على الحارس الذي كان يقف على مقربة من الباب، مشغولًا في محادثة عبر جهاز اللاسلكي.
رودينا: (بصوت خافت داخل نفسها) " عمال يتكلم ف التليفون واكيد المفتاح معاه يلة يارودينا دي فرصتك."
نظرًا للوضع المحفوف بالمخاطر، كانت رودينا تعرف أن الوقت لا يسمح لها بالانتظار أو التراجع. استدارت ببطء، وعيناها تركزان على الحارس. في لحظة خاطفة، ابتسمت لنفسها، بينما كانت تدس يديها في حقيبتها، تخرج منها قنينة صغيرة تحتوي على مخدر قوي، كانت قد أخذتها من المستشفى سابقًا.
رودينا: (تتحدث إلى نفسها بهدوء) "واحد اتنين تلاتة."
قربت نفسها من الحارس بخطوات واثقة، ولم تترك مجالًا لأي شك. عندما اقتربت منه بشكل كافٍ، رشه المخدر بسرعة على وجهه. هز الحارس رأسه قليلاً، ثم بدأ يشعر بالدوار، قبل أن يسقط على الأرض في غيبوبة قصيرة. رودينا تأكدت أنه غير قادر على الحراك، ثم سحبت منه المفتاح الكبير الذي كان معلقًا في جيبه.
رودينا: (همست) "قويني يارب"
بيدين مرتجفتين قليلاً من التوتر، فتحت الباب بهدوء، وتسللت إلى داخل غرفة العمليات. كانت الإضاءة في الغرفة ساطعة، والجو مشبع برائحة مطهرات طبية حادة. الحوائط كانت مغطاة بألواح معدنية لامعة، تعكس الأضواء بشكل قاسي، وكأن الغرفة نفسها تنبض بالبرودة والتعقيم.
رودينا: (تنظر حولها بسرعة) كل واحد دخل هنا مكنش ليه الفرصة انه يطلع حي
غرفة العمليات كانت مليئة بالأجهزة الطبية المتطورة. على الطاولة المركزية، كان هناك جهاز تنفس صناعي كبير، وهو يهمس بصوت متقطع، مع أنابيب ومعدات متصلة به. الجدران مغطاة بأنابيب وأجهزة مرقمة، بينما كان هناك طاولة جانبية مغطاة بقطع قماش معقمة، تحتوي على عدة أدوات طبية حادة، كالسكاكين والمباضع، التي يمكن استخدامها في أي لحظة.
على أحد الجدران، كانت توجد شاشة ضخمة تعرض معلومات حول المرضى، مع رسومات بيانية للعلامات الحيوية، وهو ما جعل الغرفة أكثر قسوة على الروح. بعيدًا عن هذه الأجهزة، كان يوجد جهاز تعقيم ضخم في الزاوية، يحمل أدوات جراحية نظيفة لا تزال في أكياس معقمة.
رودينا: (تنظر حولها، يدها تتشبث بالمفتاح، عيناها تلمعان بغضب) "هنا بتتغير مصير الناس. هنا بيتاجروا في الأرواح."
بينما كانت تتقدم خطوة خطوة، كانت ملامح وجهها تبدو أكثر جدية. بدأت تنظر إلى الطاولة التي كانت فارغة إلا من بعض الأدوات الملقاة على جنبيها. لم تجد أي علامات تشير إلى أن هناك عمليات جارية الآن، لكن المكان يظل مرعبًا بكل تفاصيله. كانت الغرفة نفسها لا تحمل أي نوافذ، وكأنها صممت لعزل العالم الخارجي تمامًا. هو مكان لا يرحم.
أثناء تفحصها الغرفة، رأت بابًا آخر يؤدي إلى غرفة تحكم داخلية. "لازم أكتشف أكثر"، همست في نفسها بينما تتجه بخطوات واثقة نحو الباب، عازمة على الوصول إلى أعماق الأسرار المخفية
على الطاولة المركزية، كان هناك مريض مغطى بالكامل بالملاءة البيضاء، على وجهه قناع الأوكسجين، وعليه خطوط رفيعة تظهر على جهاز مراقبة الحياة. كانت الآلات من حوله موصلة بشكل دقيق إلى جسده، تتنفس معه، وتراقب كل نبضة، وكأنها لا تكتفي بحياة واحدة، بل تراقب لحظة بلحظة.
كانت الآلات الإلكترونية على الحائط تواصل عملها، أما الأجهزة الجراحية فأشبه بمخلوقات حادة بلا روح، تتناثر على الطاولة الجانبية، حيث المباضع والسكاكين، التي برقت بفعل الضوء الساطع. الأجواء كانت معقمة، جافة، تُشعرك أنك تدخل إلى مكان مخصص للفناء. الأواني المملوءة بالدماء المتجلطة كانت تغطي بعضها البعض بشكل فوضوي، وقد تركت آثارًا من الرعب على كل ما حولها.
وفي الزاوية البعيدة، كانت شاشة كبيرة تعرض أرقامًا متقلبة، وبجانبها حاسوب يتابع العملية الجراحية بشكل مستمر، مع رسم بياني يوضح حالة المريض، وكأن حياته تتناقص أمام عينيه، وكل نبضة قلب تذهب في اتجاه مجهول.
رودينا، بكل قسوة، نظرت إلى الأدوات الجراحية الموضوعة بجانبها. كانت تعرف أن هذه الأدوات لم تُستخدم فقط في العمليات الطبيعية، بل كانت تلامس جسد ضحايا هذه الشبكة المجرمة. نظرت بحقد إلى الأدوات التي كانت تُستخدم في سرقة الأعضاء، في تجارب مرفوضة على أجساد بشرية لا تمت لهم بصلة. أيديها ارتجفت، لكن عيناها كانت أكثر قسوة من أي وقت مضى.
ثم استدارت لتكتشف رفًا جانبيًا آخر مغطى بآلات معقمة وأسطوانات ضخمة مملوءة بغازات ومخدرات. تلامس أصابعها جزءًا من الأسطوانة، ثم تحركت نحو طاولة العمليات الرئيسية. هنا كان الوضع أكثر كارثية، فالصمت كان قاتلًا، ولم يكن هناك أي صوت سوى دقات قلبها التي تزداد سرعة في كل لحظة.
شعرت ببرودة المكان تتغلغل إلى أعماق قلبها. كانت الغرفة تقف على حافة الهاوية، كل زاوية فيها تحمل مشاهد مرعبة، ولا تترك سوى علامات الصمت والانتظار المميت. ركضت أفكارها بين تفاصيل الحياة المفقودة في هذه الغرفة، ومع كل خطوة كانت تشعر بثقل الحزن واليأس يتركان أثرًا في روحها.
كانت هذه غرفة مخصصة لإنهاء الحياة، وحياتهم كانت مجرد أرقام في قوائم لا تنتهي. أسفل الطاولة، كانت هناك أوراق مشوشة، ملفوفة بشكل سريع، بعضها ممزق والآخر يحمل توقيعات وهمية، كأنها دلائل على قسوة أكبر من مجرد السرقة.
وفي هذه الأجواء المشحونة، تمكنت رودينا من التقاط مفتاح إضافي كان في الجيب الأمامي لشخص كانت تظن أنه أحد أعضاء الشبكة. استدارت نحو الباب الذي كان يؤدي إلى غرفة أعمق في هذه الشبكة المظلمة. همست في نفسها وهي تفتح الباب بهدوء: "لازم اوقف لازم."
وما إن دخلت الغرفة الأخرى، حتى أُضيئت شاشة أخرى بها رسومات بيانية تحلل أعضاء بشرية. كانت هناك صور لضحايا فقدوا حياتهم في عمليات تجارة الأعضاء، وصور أخرى تظهر كيف تم زرع الأعضاء في أجساد بشرية جديدة، لتُستغل وتُباع بثمن بخس.
......
بعد لحظات من الترقب، بدأت رودينا تتنفس ببطء وهي تقف عند الباب، تحمل المفتاح بين يديها، عيونها لا تترك أي زاوية من الغرفة. مع كل خطوة، كانت تزداد ثقتها في نفسها، لكن أيضًا كانت أدركت تمامًا حجم الخطر الذي يحيط بها. نظرت إلى الساعة، ثم رفعت يدها وأعطت الإشارة المقررة.
فور أن أعطت الإشارة، اشتعلت الحركة في المكان. اللواء وزملاؤه، الذين كانوا في الخارج، دخلوا من أبواب متعددة واندفعوا نحو الهدف المحدد. الصوت الذي كان يعم المكان كان صوت خطوات متسارعة، وصوت الأنفاس المتسارعة التي كانت تُكتم وسط جدران المستشفى الباردة.
في نفس اللحظة، دوت أصوات تصادمٍ وصرخات في الغرف المجاورة. رجال الأمن اقتحموا الممرات، وفتحوا الأبواب بحركة منسقة، بينما كانت رودينا تراقب بتركيز شديد كل ما يحدث من حولها. كانت تتابع الهجوم الذي خططوا له بكل حذر، وعينيها تراقب خطوات الجنود وهم يدخلون الغرف بشكل مفاجئ.
داخل غرفة العمليات، كان الوضع قد بدأ يشتد. الحراس داخل المكان حاولوا مقاومة الهجوم، لكنهم كانوا يواجهون قوة كبيرة من الشرطة وأفراد الأمن المدربين. الهجوم كان سريعًا ومنظمًا، وسرعان ما وجد رجال الأمن أنفسهم يسيطرون على الوضع.
ثم جاء الصوت الذي طالما انتظرته، الصوت الذي يشير إلى النجاح: "تم القبض عليهم!".
مع إعلان النجاح، سكنت رودينا لبضع لحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وأعينها تلمع بالارتياح. كان من الصعب تصديق أن كل شيء قد انتهى في لحظة واحدة. جريمة تجارة الأعضاء التي استمرت لفترة طويلة، والتي دمرت حياة العديد من الأبرياء، تم كشفها في لحظة.
ركض مالك نحوها، وأخذ يلتفت يمينًا ويسارًا، يتأكد من أن كل شيء قد تم السيطرة عليه. ثم اقترب منها قائلاً، بصوت هادئ، لكنه مليء بالطمأنينة:
"الحمد لله... انتي كويسة ياحبيتي طمنيني عليكي "
رودينا ابتسمت بحزن، فبينما كانت تشعر بالراحة لنجاحهم، كان هناك شيء عميق في قلبها يظل غير مرتاح. نعم، تم القبض على الجناة، ولكن كم من الأرواح قد فقدت؟ كم من الناس تأذوا قبل أن يتم إيقافهم؟
"المعركة انتهت، وانا بخير بس لازم نعرف مين كان وراء كل ده."
أومأ مالك برأسه، وعيناه تتسعان شيئًا فشيئًا. كان يدرك تمامًا أن هذا ليس سوى بداية رحلة طويلة نحو الكشف عن كل الحقائق المظلمة التي لا تزال تخفى عن الجميع
....
في مشهد مشحون بالتوتر، كانت الأنفاس تتسارع مع اقترابهم من الهدف الأخير. رجال الأمن والشرطة كانوا يتنقلون بهدوء عبر الممرات المظلمة للمستشفى، وهو يسيرون بسرعة وحذر في آن واحد، على أمل أن لا يشعر بهم أحد. كانت الساعة قد قاربت على منتصف الليل، وكانت جميع الأنوار في المكان خافتة، باستثناء الأضواء الساطعة التي تومض في زوايا غرف العمليات.
رودينا ومالك كانا يقفان على بُعد خطوات من الباب الذي يؤدي إلى غرفة الزعيم الكبير، الرجل الذي كان يقف وراء شبكة تجارة الأعضاء. كانت عيون رودينا تتلألأ بالتركيز، بينما كانت يدها تلامس مسدسها، عازمة على إنجاز المهمة مهما كانت الصعوبات. مالك كان يقف إلى جانبها، عينيه تتبعان كل حركة، مستعدًا لأي شيء قد يحدث في أي لحظة.
اللواء كان في القيادة، هو وزملاؤه، يتابعون خطط الهجوم الأخيرة. كانت اللحظات التي تسبق الهجوم كالسكون الذي يسبق العاصفة.
اللواء: (يهمس في جهاز الاتصال) "الهدف على بعد خطوات. تأكدوا من إغلاق كل الطرق."
كان الصوت داخل غرفة الزعيم يتعالى مع كل لحظة، وقد بدا أن هناك اجتماعًا مشبوهًا يجري داخل الغرفة. رودينا ومعها مالك كانا يعرفان أن هذا الاجتماع هو اللحظة الحاسمة، وأن أي خطأ قد يؤدي إلى تعقيد الأمور أكثر.
رودينا: (تلتفت لمالك بنظرة حادة، بصوت منخفض) "الأنسان دا شرس جدا اتمني تكون حذر."
مالك: (بصوت جاد، وهو يضغط على قبضته) "طاري وطار كل واحد قلبه اتحرق ع حبيبه انا اللي هاخده."
عندما أعطى اللواء الإشارة، انطلقت الهجمة. رجال الأمن اقتحموا الغرفة دفعة واحدة، وفتحوا الباب بقوة، مما جعل صوت الخشب يتصدع في أرجاء المكان. الزعيم الكبير كان يجلس في منتصف الغرفة، محاطًا بعدد من رجاله المخلصين، ولكنه كان يبدو متفاجئًا للغاية.
الزعيم: (ينظر بحذر، ثم يحاول السيطرة على الموقف) "أنتو مين؟!"
لكن قبل أن يستطيع الهروب، كان رجال الأمن قد أغلقوا جميع المداخل. فُجأة، شعر بالتهديد المحيط به، وعيناه تتسارعان بين رجال الأمن ورودينا التي كانت تقف بثبات، عيناها تُحدقان فيه بشدة.
رودينا: (بصوت حازم) "خلصت ياباشا
الزعيم: (محاولًا تهديدهم) "أنتم مش عارفين مين اللي بتقفوا قدامه لو حبين تعيشو امشو من هنا وانسوني"
لكن الوقت كان قد فات. رجال الأمن أحاطوا به من كل اتجاه، وتم تقييده بسرعة. الزعيم حاول أن يقاوم، ولكن قبضتهم كانت أقوى. الآن، بعد كل هذا العناء والمخاطرة، كان الزعيم الكبير في قبضة العدالة.
مالَك: (يمسك بذراع الزعيم، وهو يبتسم بقوة) متتصورش تعبنا اد اي عشان نوصلك حاولت تخلص مننا كتير والحمد الله كشفتكم والا كنت هتهم بالباطل واحصلك ف السجن
رودينا: (تنظر إليه ببرود، لكنها قلبها كان يخفق بشدة من الداخل) " المسلسل خلاص خلص ياباشا."
وبينما كان الزعيم الكبير يُسحب بعيدًا، كانت رودينا ومالك يقفان معًا، يدركان أن المعركة لم تنتهِ بعد، وأن الطريق طويل للانتقام لكل الأرواح التي أُهدرت. ولكن، في تلك اللحظة، كان ما يعترفون به هو الحقيقة الوحيدة التي كانت في أذهانهم: العدالة قد بدأت أخيرًا.
قصة قصيرة بعنوان هجوم عاطفي الحلقة الثالثة عشر والأخيرة
هاجر عبدالحليم
مرّت ثلاثة أشهر...
كانت رودينا تقف أمام المرآة في الحمام، تغسل وجهها، وعيناها غارقتان في الحزن. حدّقت في انعكاسها طويلاً، كأنها تبحث فيه عن شيء ضائع... عن حضوره الذي غاب عنها، وترك خلفه فراغًا لا يُملأ.
خرجت من الحمام متثاقلة، لتفاجأ بنصيرة جالسة في الصالة تبكي بحرقة.
رودينا (بقلق): في إيه بس يا دادة؟
نصيرة (بصوت مختنق): أنا عايزة البِت.
رودينا (وهي تجلس بجوارها): أجيبها منين دلوقتي؟ إنتي عارفة أبوها مش راضي يخلّيها تيجي، حتى خمس دقايق، كأننا هنعضّها ولا ننقص منها حتة!
نصيرة: ما هو برضو حرام يا بنتي... البت كانت معايا طول اليوم، أكل وشرب ونوم، وف الآخر تروح مني كده؟ بعد ما قلبي اتعلّق بيها وحبّها؟ اتصلي بيه، قوليله يجيبها، عايزة أشوفها.
رودينا (بأسى): دي لو بنتك، مش هتعملي كده...
نصيرة (تبتسم بألم): ضحكتها لسه مش راضية تفارق دماغي... لما كنت بقرأ لها آيات ربنا، ولما كنت بحضنها... بس لما كنت بشم ريحتها، كنت بحس إني عايشة عشان خاطر حد. لو ليا خاطر عندك، اتصلي بيه.
رودينا (تخفض عينيها): بلاش يا دادة.
نصيرة (بتعجب): ليه بس؟
رودينا (بحزم متماسك): من بعد آخر مرة... أنا حالفة، الشارع اللي يمشي فيه، أمشي ف غيره، وأدور وشي عنه.
نصيرة (بإصرار): كل الكلام دا ميشغلش بالي... هاتيلي البت.
تنهدت رودينا بعمق، ثم ابتعدت قليلاً، وجلست إلى جانب الحائط، تخرج هاتفها وتتصل به...
.....
رفعت رودينا الهاتف بتردد، وقلبها يخفق بقلق. ترددت قليلًا قبل أن تضغط على الرقم المحفوظ، ذاك الرقم الذي أقسمت ألا تطلبه مجددًا. وضعته على أذنها وانتظرت.
رنّ الهاتف مرة... مرتين... ثلاثاً... ثم جاء صوته، هادئًا كعادته، باردًا كالجليد.
مالك: ألو؟
رودينا (بصوت خافت): مساء الخير يا مالك.
مالك (ببرود): خير؟ بتتصلّي ليه؟ خلفتي وعدك، يعني اتضح إن ما عندكيش كرامة أهو.
رودينا (تتردد): كنت... بتصل بيك عشان طلب.
مالك: طلب؟ على أساس إنك بتكلميني أصلاً؟ من ساعة آخر مرة وأنا مرتاح، دلوقتي رجعتي تزنّي عليا تاني؟
رودينا (تحبس دموعها): الدادة... نفسها تشوف آسيا، بس تشوفها يا مالك. مش قادرة تبطّل عياط من يوم ما خدت البنت.
مالك (بتهكم): وهي كانت مين عشان تبكي عليها؟
رودينا (بحزم وألم): كانت عايشة وسطنا، وكانت بتحبها، وبنتك كانت متعلقة بيها.
مالك (بعد صمت): لازم ننسى إننا نعرف بعض.
رودينا: دي ست كبيرة، بتموت من البُعد ده.
مالك (بصوت منخفض): طيب... هبعتلكوا صورة.
رودينا (بذهول): صورة؟!
مالك (نهائيًا): أكتر من كده مفيش. دا اللي عندي... يلا، ومن غير سلام.
وأغلق المكالمة.
نظرت رودينا للهاتف في يدها، كأنها تنتظر أن يعود الصوت من جديد، لكنها لم تسمع سوى الصمت القاسي.
عادت إلى نصيرة، تنظر إلى الأرض، تتجنب عينيها.
نصيرة (بتوتر): قالك إيه؟
رودينا (بمرارة): قال... هيبعت صورة. شوفتي؟ كأنه بيتمسخر علينا... بيلوي دراعنا على أي بلا نيلة.
نصيرة (باندهاش): صورة؟ أنا عايزة البِت، مش صورتها!
ثم انفجرت بالبكاء من جديد، بينما جلست رودينا بجوارها، تضمّ يدها بصمت، وعيناها تهربان من الحقيقة المؤلمة التي تطوّقهما.
.....
في غرفة واسعة ذات جدران باردة، جلست آسيا الصغيرة على سجادة مزركشة بالألوان، تحضن دميتها بقوة، وكأنها تحتمي بها من عالم لا تفهمه بعد. عيناها تبحثان في الوجوه من حولها عن حضنٍ مألوف، صوتٍ حنون، أو حتى رائحة طمأنينة تذكرها بمن كانت تحبهم.
دخلت الخادمة الأجنبية، تحمل طبقًا من الطعام، وابتسامة باهتة.
الخادمة: يلا ياآسيا، تعالي كُلي. بابا قال لازم تخلصي الطبق.
آسيا لم تتحرك. كانت تحدّق في الأرض، شفتاها مضمومتان، وكأنها قررت ألا تفتح فمها إلا حين يُنادى عليها بصوت جدتها، أو تُحتضن بين ذراعي "رودينا".
اقترب منها مالك، وقف أمامها عاقدًا حاجبيه.
مالك (بصوت حاد): آسيا، لما حد يقولك تعالي، تقومي فورًا. مش عايز دلع.
رفعت الطفلة عينيها نحوه، بدموع محبوسة، ثم همست:
آسيا: عايزة الدادة اللي كانت بتقرالي القران يابابا.
ارتعش شيء ما في ملامحه، لكنه تمالك نفسه سريعًا.
مالك: خلاص مش هتشوفيها تاني مش فاهم بجد اي سر تعلقك بيها اعملي حسابك مفيش مراوح هناك تاني امسحيهم من ذاكرتك
ثم خرج، تاركًا وراءه طفلة تئنّ بصمت.
....
جلس مالك في غرفته، يغمره الصمت، فيما شردت عيناه في سقف الغرفة كأنما يفتّش فيه عن ملامح ماضٍ قريب. تذكّر آخر مرة رأى فيها رودينا، حين كانا معًا في قاعة المحكمة، يقفان جنبًا إلى جنب بعد أن خاضا المعركة ذاتها وانتصرَا.
كانت جلسة النطق بالحكم، والهواء مشحونًا بالتوتر، والكل يترقّب.
عندما نطق القاضي بالحكم بإعدام أفراد العصابة المتورطة في تجارة الأعضاء، وتشميع المستشفى محلّ الفساد، وفرض رقابة صارمة على باقي المستشفيات... شعر مالك أن قلبه عاد ينبض بالحياة.
كان النجاح مشتركًا، النصر يُحسب لهما معًا
.........
بعد انتهاء المحاكمة ركب مالك سيارته بسرعة، أغلق الباب بعنف وكأنما يغلق قلبه معها، لكن فجأة... سمع صوتها يعلو خلفه:
رودينا (بلهفة):
– مالك! استنّى!
مالك (من دون أن يلتفت وهو يصرخ):
– مش هستنّى... أنا ماشي حالًا.
رودينا (بحدة):
– بتزعقلي يا مالك؟!
مالك (يلتفت بعينين تشتعلان):
– أيوة! روحي بقى... احبّسيني! مش دا شغلك؟!
رودينا (بصوت غاضب ومرتجف):
– إنت بالفعل كنت هتتحبس... لو ما أدّيتش واجبي يامالك
مالك (يضحك بسخرية موجعة):
– واجبك؟ كان حمايتي؟
ولا كسر قلبي؟
ولا إنك تمثّلي الحب عليا بكلمات حافظاها مش حاسّاها؟
قلبي بيقولي دلوقت... إنك عمرك ما كنتي صادقة معايا ولا هتكوني مع غيري!
رودينا (تتقدّم نحوه بخطوات بطيئة):
– لا يا مالك... قلبي ما كانش بيمثّل،
كل تنهيدة، كل ضحكة، كل خوف كان بيخرج مني ليك،
كنت بعيشهم بكياني،.
الحب اللي فيا اتخلق عشانك إنت.
مالك (بغصة حارقة):
– إنتِ... معجونة بمية كذب.
رودينا (تبكي):
– لا... أنا بحبك، يا مالك.
بصدق، بضعف، بكل اللي جوايا.
مالك (يشيح بنظره عنها، ثم يتمتم):
– مش مسامحك...
أيوه، مش عايزك في حياتي...
بس... مستحيل أنساكي.
ركب سيارته من جديد، أدار المحرّك دون أن ينظر خلفه، ورحل، تاركًا خلفه قلبًا مكسورًا... وقلبًا آخر لا يعرف كيف يعيش بعده.
باك
جلس مالك في غرفته، وأمامه مرآة محطمة. كيف أنه حاول جاهدًا أن يتجاهل مشاعره، وأن يضع حواجز بينه وبين رودينا. ثلاثة أشهرٍ من الصراع الداخلي، ومن التساؤلات التي لم تجد لها إجابة. ولكن، في النهاية، لم يستطع أن ينكر الحقيقة.
وقام فجأةً بعصبية، ليكسر المرآة بقبضته، ثم بدأ يضرب الحائط بيده الأخرى، وكأنّه يحاول تحطيم كل الذكريات التي تمسكه،
وقف أمام الحائط، يلهث من شدة الغضب، ثم نطق وهو يكاد يخرّ من شدة الانفعال:
مالك (بغضب عارم):
"ثلاثة شهور في دماغي، أني أربيك على كذبك ليّ، بس دلوقت. خلاص! مش قادر! ضحكتك، صوتك، جنونك، قوتك... مش قادر أبعد عنك لحظة واحدة، خلاص!"
لم يكن الغضب هو ما يسيطر عليه فقط، بل كان شعورًا بالضياع والندم،
رغم كل ما حدث، كانت رودينا تمثل له شيءً لا يمكن الاستغناء عنه
.....
جلس مالك في سيارته، عقله يغلي كبركانٍ على وشك الانفجار. تردّد للحظة، ثم أمسك هاتفه وأجرى الاتصال. لم تمضِ سوى لحظات حتى جاء صوتها... ذاك الصوت الذي يعرف كل انعكاساته.
رودينا (ببرود متعمد):
"يانعم؟"
مالك (بلهجة حازمة):
"قابليني في الكافيه اللي اتقابلنا فيه آخر مرة."
صمتٌ قصير، ثم ردّت بصوت ساخر:
رودينا:
"مش فاضية... ورايا مواعيد مهمّة أوي. يلا سلام."
تصلّب وجهه، واشتعلت نبرة صوته بالغضب والعناد:
مالك:
"أقسم بالله يا رودينا، لو قفلتي... لأجي البيت وأكسّر عضمك!"
ارتفع حاجباها بدهشة على الطرف الآخر، لكنها لم تتراجع، بل ابتسمت بخفة متحدّية:
رودينا:
"أنا بقى عايزاك تيجي... عشان أشوف كلامك ده ف الهوا ولا جد."
صمت مالك لوهلة، ثم قال بنبرة مختلفة، أكثر لينًا... أكثر صدقًا:
مالك:
"طيب... أنا بجد عايز أشوفك."
لكن رودينا لم تمنحه الراحة، وردّت بابتسامة لاذعة:
رودينا:
"وأنا بجد بقولك... لا. ونجوم السما أقربلك مني... باي."
أغلقت الخط، بينما ظل مالك ممسكًا بالهاتف، يحدّق فيه كمن تلقّى صفعة أيقظته من وهمٍ مؤلم.
........
كان مالك جالسًا في ركنه المعتاد، جسده ساكن لكن قلبه في صخب لا يُحتمل. رغم كلماتها الحادة ورفضها المتكرر، كان لديه يقين بأنها ستأتي.
الليل ثقيل، كأن اليأس نفسه اتخذ شكل ظلاله. همّ أن ينهض ويغادر... لولا أنها ظهرت أمامه.
وقفت رودينا على بعد خطوات، تنظر إليه بثبات، لكن في عينيها بحر من العتاب، موج متلاطم من الألم الصامت.
رفع نظره نحوها... وابتسم.
جلست بهدوء، كأنها تعترف دون كلام أنها ما زالت مرتبطة بخيط خفي لم يُقطع بعد.
رودينا (بصوت بارد، وهي تتجنب النظر في عينيه):
"أنا ماجيتش عشانك... ومكنتش أعرف إنك هنا. كنت فاكراه كافيه تاني."
مالك (عيناه ثابتة عليها، بنبرة ساخرة):
"معقول؟ رودينا اللي بميت راجل... بتتكلم وعينيها بتلف يمين وشمال كأنها عاملة مصيبة؟ باين أوي."
رودينا (تحاول الحفاظ على اتزانها):
"مش حقيقي. وبصراحة... إيش عرفني إنك هتفضل قاعد مستنيني الوقت دا كله؟"
مالك ( مال عليها ويبتسم بخبث خفيف):
"تعالي نلعب على المكشوف بقى."
رودينا (ترفع حاجبًا، بتوتر بسيط):
"يعني إيه؟"
مدّ مالك يده فجأة، وأمسك بكفّها... كانت نبرته هادئة، لكنها محمّلة بقرار:
مالك:
"تعالي نتجوّز."
اتسعت عيناها بدهشة... لكن ابتسامة خفيفة ارتسمت على وجهها، لم تستطع إخفاء سعادتها المفاجئة.
رودينا (بصوت متهدج):
"يعني... هتسامحني؟"
أخفض رأسه، وقبّل يدها برقة، كأنه يعتذر عن كل ما مضى:
مالك:
"آه، هسامحك... وهنبدأ من جديد."
لكنها تمتمت بخوف:
رودينا:
"بس يمكن تفضل فاكر اللي عملته فيك..."
همّت أن تقوم، لكن قبضته أمسكت بذراعها برفق، ونزل على ركبته أمامها، أخرج خاتمًا كانت تعرفه جيدًا... الخاتم الذي تمنّت أن تراه في يدها يومًا ما.
عيناها اغرورقتا بالدموع، لم تستطع المقاومة، فتركت نفسها له.
لبّسها الخاتم، ثم جذبها إليه، لتجد رأسها يستقر على صدره، كأنها عادت أخيرًا إلى الوطن.
مالك (وهو يضمّها ويهمس بلهفة):
"بحباااااااااااك..."
ثم فاجأها.
حملها بين ذراعيه أمام الجميع، يدور بها بخفة كأنها قطعة من روحه استعادها أخيرًا. ضحكت رغماً عنها، وتعلّقت بعنقه، فيما هو دار بها دورة كاملة وسط دهشة الموجودين.
مالك (وهو يهمس في أذنها):
"دوّختيني شهور… جه الوقت أدوّخك بجد!"
رودينا (تضحك وهي تحاول تخبي وشها):
"مالك… نزلني، الناس بتتفرج!"
مالك (بضحكة دافية):
"ياريتهم يتفرجوا ويتعلموا… كدا الرجولة، وكدا الحب يا رودينا."
نزلها بهدوء، لكنها ظلت قريبة، أنفاسها تتسارع، ووجهها محتقن بلون الخجل والفرحة.
رودينا (بصوت واطي):
"بحبك بحبك اوي"
مالك (بنبرة واثقة):
"أنا بعيش اللي حلمت بيه… وأهو بدأ يتحقق بيكي. ياحبيتي وانا بموت ف التراب اللي بتمشي عليه"
.......
كان المطر ينهمر بغزارة، يغسل الأرصفة والقلوب معًا، ومالك يسير إلى جانب رودينا تحت سماء رمادية كأنها تشاركهما الحنين. لم يهتما أن البلل طال ملابسهما، فقد كان الدفء الحقيقي في قربهما، في تلك الخطوات البطيئة التي تشي برغبة في البقاء أكثر.
توقف مالك فجأة، أمسك بيدها بلطف، سحبها تحت مظلة صغيرة تكسوها لمبات صفراء خافتة، وابتسم رغم قطرات المطر التي انسدلت على جبينه.
مالك (بصوت دافئ وسط صوت المطر):
"تعرفي؟ من يوم ما بعدتي وأنا كل يوم بقعد لوحدي أقول… لو رجعت، مش هسيبها تاني. وهخليها ف حضني طول العمر."
رودينا (وهي تمسح خصلات مبتلة عن وجهها):
"بس أنا وحشة واندفعت."
مالك (بنظرة ثابتة وهو يمسك بيدها):
"اللي جرالي منك خلاني اعرف أحبك صح."
قبّل يدها برقة، ثم وضعها على صدره.
مالك:
"حاسّة صح؟ هنا في مكان ليكي… متخافيش ابدا، مش هتطردي منه لانك مخلوقة منه"
رودينا (بنبرة ممتزجة بالدموع):
"وأنا قلبي من جواه عمره ما رفضك."
اقترب أكثر، حتى تلاشت المسافة بينهما، والمطر يلفّهما كوشاح شفاف من حب قديم يتجدد.
مالك (يهمس):
"يلا نكمّل الليلة دي عند البحر اي رايك حابب اقول للكون كله إني أخيرًا بقيتي ليا؟"
رودينا (تضحك وهي تحتمي بذراعه):
"بس أوعى تغرقني هنا!"
مالك (يشبك يده في يدها ويبدأ بالجري وسط المطر):
"أنا هغرقك ممكن بس هتنقذي نفسك بيا لاني داءك ودواكي"
انطلقت ضحكتها، واختلطت بصوت المطر، لتكتب السماء فوقهما سطرًا جديدًا من قصة… تأخرت، لكنها لم تُنسَ.
....
وصلوا إلى الشاطي
واقترب مالك بخطوات ثابتة، ثم خلع سترته ووضعها برفق على كتفيها، وهمس من خلفها:
مالك: "بردانة؟"
رودينا (بابتسامة خفيفة) لا ياحبيبي انا بخير."
استدارت إليه، فعانقها بعينيه قبل أن تلمسه يداها.
مالك: "رودينا... حبك يبنيني من أول وجديد."
رودينا (بصوت مرتعش): إنا كنت ضعيفة من غيرك. اوي يامالك"
اقترب منها أكثر، أمسك وجهها بين يديه، ومسح المطر عن وجنتيها كأنه يمحو كل ألمٍ مضى.
مالك: "عايزة ننسى؟"
رودينا: "لا... عايزة نفتكر، بس نفتكر وإحنا مع بعض."
ضحك، ثم رفعها بين ذراعيه وسط دهشتها، ودار بها في حلقة دافئة، بينما المطر يبللهما، والبحر يصفّق للحب الذي انتصر أخيرًا.
مالك: "هعيش طول عمري أربّي قلبك جوا قلبي."
رودينا (وهي تبكي وتضحك): "وأنا خلاص... سلّمته ليك."
وتنتهي القصة حيث المطر غسل الألم، والبحر شهد على البداية الجديدة...
نهاية، ولكنها بداية أخرى لقلبين وجدا طريقهما رغم كل العتمة.
كل حاجة
ناقصة حاجة
وانت مش جمبي حبيبي
نفسي اعمل اي حاجة بس ترجعلي حبيبي
مشاااااعر تشااااور ااااه مشاعر تموت وتحيي مشااااعر
مشاعر
تمت بحمد الله
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
روايات كامله وحصريه
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
روايات كامله وحديثه
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺
0 تعليقات