expr:class='data:blog.languageDirection' expr:data-id='data:blog.blogId'>

تربصت بي أعين قاتله بقلم ساره نيل الفصل الاول حتى الفصل الأخير حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات

 تربصت بي أعين قاتله بقلم ساره نيل الفصل الاول حتى الفصل الأخير حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات

تربصت بي أعين قاتله بقلم ساره نيل الفصل الاول حتى الفصل الأخير حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات

الفصل الأول 
- هاا يا غفران هتتولي إنتِ المهمة دي.

قالت بعدم إهتمام وهي تُرتب بعض الأعشاب:-
- زيّ كل مرة هخلص عليهم وانتوا تيجوا تنضفوا يا بابا.

- طب خدي بالك وزودي الجُرعة علشان هما كتير المرة دي مش واحد زي كل مرة.!

- متقلقش دول شوية عيال ضايلين ومش هيلاقوا إللي يدور عليهم.

- امم ما دا إللي مفرحني إنهم شباب صايع والفايدة هتكون كبيرة، أصلًا محدش بيعدي من المنطقة دي ألا العيال إللي مش تمام..

غامت أعينها بصمت وهي تلتفت حولها تتأمل المكان، بالأحرى فُندق منزلي متوسط الحجم بأحد المناطق الخالية المهجورة خلف غابة سحيقة تغمرها الأشجار..
هنا الظلام سيد الأرجاء..
الفندق قديم بعض الشيء إلا أنه يكفي بغرض من يلتجيء إليه وإلا كان فريسة للذئاب، فهنا يستطيع أن يجد غرفة هادئة نظيفة، وطعامٌ أيضًا..

لاحظ شرودها فعلم أن هذا وقت الإبرة، عليه أن يكون حريصًا أكثر من ذلك..!!

- فتحية ... فتحية..

أتت إمرأة يقترب عمرها من الخمسون ذات جسد ممتلئ بعض الشيء .. مدبرة المكان وحافظة أسراره.

[[system-code:ad:autoads]]

- طلباتك يا معلم محروس.

نظر لها پغضب وقال من بين أسنانه:-
- فين حقنة غفران .. مش دا ميعادها إزاي تنسيه دا أهم حاجة!!

- يووه .. هو أنا عمري أنسى حاجة زيّ دي، أنا حالًا كنت جايه، دا كله إلا ست البنات.

اقتربت منها بعدما أخرجت من جيبها زجاجة صغيرة وبدأت تُعبأ أحد الإبر الطبية بهذه المادة المجهولة..
كشفت غفران عن ذراعها بوجهٍ جامد وأعين باردة فقد إعتادت الأمر فتلك الإبرة أصبحت جزء منها لا ينفك عنها.

- بالشفا يا ست البنات.

أماءت لها غفران وقالت:-
- لما تحضري الأكل ناديني علشان أخلص الموضوع ده.

- إنتوا هتنفذوا الليلة.

- أيوا  .. مش زايد بدأ يحفر تحت.

- أيوا بدأ .. وأنا هجهز الأوضة والتلاجة.

- ماشي اخلصي علشان منتأخرش، وأنا هكلم بركات علشان يجي يفضي معانا دول تلاته مش واحد زيّ كل مرة.

- خلاص يا معلم محروس متقلقش.

- وإنتِ يا غفران عايزك تخلصي بسرعة..

جرت الحماسة پدمها وأشعت أعينها شرًا وهتفت بقسۏة:-
- خلاص يا بابا هبهرك بجد..!

- بنت أبوكِ صحيح..!

                   *******************

[[system-code:ad:autoads]]

ارتمت على الفراش وسحبت عقدة شعرها الأصهب ذا اللون الأحمر المُمَيز والمُموج قليلًا بطبيعته...
شردت أعينها الفيروزية الغامضة وهي تفكر بمخططها جيدًا..

ظلت تُحرك الساعة الرملية القديمة كباقي الأشياء من حولها، هي منذ أن فتحت أعينها ووعى عقلها وجدت نفسها هنا برفقة أباها وفتحية.
قامت تتحرك نحو النافذة التي تقع في المنزل من الخلف والتي تطل على غابة سحيقة وفراغ شاسع، المكان مهجور من يأتي هنا يكتب عليه المۏت الحتمي.. 
زفرت بملل فلا يوجد أي وسيلة للتسلية سوى المذياع.. فلا أي من التكلونجيا الحديثة التي تسمع عنها قد دخلت إلى فندقهم القديم.. لا تلفاز ولا كمبيوتر ولا ما يسمى الهاتف والإنترنت،  توجد الهواتف الأرضية التي قد زهد الجميع في هذا العصر عن استخدامها، بالكاد تعلمت القراءة والكتابة في إحدى القُرى الرجعية المُعدمة وعكفت على قراءة الكُتب وخاصةً كتب الړعب والرومانسية..  نعم خليط عجيب لكن لديها سترى كل شيء لا تتوقعه..

أخرجت زجاجة صغيرة بها مادة سوداء اللون ثم وضعتها على المنضدة الصغيرة، اشعلت المذياع على بعض الموسيقى العشوائية وبدأت برقص چنوني جعل خصلاتها الحمراء أكثر جنونًا.. 
زادت سرعة تنفسها فأخذت تتنفس بوتيرة ثابتة ثم انحنت تنزع ملابسها وارتدت فستان خشن فوق ركبتها وعاري الكتفين وتركت خصلاتها ثائرة دون تهذيبها.. 
التقطت الزجاجة وخرجت تسير حافية القدمين.. 
هبطت إلى المطبخ الصغير وبدأت تفتح درج سري تُخرج منه أعشاب مجففة وبدأت تدق فوقها حتى أصبحت ناعمة..

ـ الأكل جاهز يا سنيوريتا غفران.

جذبته ثم حملته بصمت وصعدت للأعلى تسير ببطء وأعين غامضة تحمل خلفها الكثير والكثير، طرقت على الباب بهدوء وبعد قليل فتح أحد الشباب الغرفة، شملها بنظرة غير بريئة تحمل خبث ومكر.
ـ اتفضل يا جميل...  جمال بري ده جديد عليا..

أخذ بقية الشباب يستغرقون في الضحك ولم تخرج "غفران"  من بؤرة صمتها..  وضعت ما بيدها على المنضدة بهدوء تحت نظراتهم المفترسة لها، استقامت ولمحت أركان الغرفة الممتلئة بغبار الدخان الخبيث الرائحة وهنا وهناك منتشر مواد بيضاء يشتمونها بنهم، وزجاجات فارغة محتواها يُذهب العقل والدين.. 
وقفت بهدوء تراقب إلتهامهم للطعام بينما يتهامسون بوصف جسدها بجراءة..

بعد مرور القليل من الوقت، كان ست چثث يقبعون على لوحة معدنية كبيرة وقف أمامهم محروس بانتصار وبجانبه بركات الذي شمر عن ساعديه وغرق فيما يفعل..

                 ********************    

 أمام الغابة كان يقف تميم يجول ببصره الأرجاء وقد تعب من بحثه اللحوح، أخرج هاتفه وضغط على بعض الأزرار لتأتيه الإجابة:-
- تميم حبيبي هترجع إمتى؟ خلصت. 
ـ للأسف يا حبيبتي قدامي مدة كدا، علشان كدا هدور على أي مكان أقعد فيه اليومين دول. 
هتفت بقلق:-
ـ وإنت هتلاقي في مكان مقطوع زي ده مكان تقعد فيه. 
ـ متقلقيش يا سوسو المكان مش مقطوع أووي وأنا خرجت على الأول كدا وهمشي من على الطريق برا الغابة بحيث أكون عند مدخل الغابة ورا الطريق. 
ـ ربنا ييسرها عليك يا حبيبي يارب وابقى طمني عليك أول بأول. 
ـ عيوني يا سوسو في حفظ الرحمن. 
ـ في حفظ الله يا نور عيوني.

ركب سيارته وأخذ يجول في المكان يبحث عن أي مكان للإقامة فقد اقترب الغروب، وبعد بحث مطول لمح منزل كبير بعض الشيء يُشبه الفنادق ...قديم ويحاوطه الأشجار من كل جانب..
وأخيرًا وجد ضالته وقريبًا جدًا من مراده..
اقترب بالسيارة وأوقفها أمامه ثم هبط يقترب من الباب وهو يتلفت بحيرة من هدوء المكان العجيب فصوت الطيور هو المهيمن على المكان..
وجد الباب الخشبي الكبير مفتوح على مصرعيه..
ولج يتأمل المكان..

- السلام عليكم  .. حد هنا..!

المكان قديم لكنه نظيف وأثري جدًا، تقليدي ولا يحمل أي أثر للتطور .. جميع الأثاث خشب بني من أخشاب الأشجار دون طلاء..
لا تلفاز ولا أي شيء .. منضدة كبيرة من حولها سبع مقاعد وصور الحيوانات القديم مُعلقة على الجدران..
الأرض خشبية لامعة..
وفي أحد الأركان مكتب طويل كمكاتب الإستقبال..
وشرفة في نهاية نفق يؤدي إلى أشجار الصنوبر..

- إنت مين.!

الټفت بفزع ليجد فتاة بخصلات حمراء ثائرة تقف على عتبة الباب ويقف على كتفها بومة كبيرة الحجم بيضاء اللون.. وتملك أعين للمرة الأولى يراها بحياته....

ولا يُدرك أنه ولج للچحيم بأقدامه ومن هنا ستُكتب حكاية جديدة يتربص به أعيُن قاټلة..

[تربصت بي أعين قاټلة]
الفصل الثاني -٢-

حمحم بخشونة وقال وهو يُبعد أنظاره عنها:-
- تميم.

- وبعدين؟! أعمل أيه يعني!

تعجب من نبرتها الحادة ونزاقتها في الحديث، استغفر سرًا، وردد بهدوء:-
- بصراحة أنا عندي شغل هنا في المنطقة والغروب هلّ وأنا مخلصتش ومحتاج مكان أقعد فيه فلقيت المكان ده، أقدر أحجز أوضة هنا..

نظرت بعدم إهتمام ثم تحركت خلف المكتب وسحبت ورقة صفراء قديمة وتسائلت بنبرة جافة وهي تضع "البومة" على طرف المكتب:-
- اسمك .. والبطاقة الشخصية.

رغم تعجب "تميم" من تلك الفتاة وطريقتها ووقاحتها إلا أنه قال وهو يمد يده يجذب هويته من محفظته:-
- تميم حسين نُعمان .. اتفضلي يا أبلة البطاقة..

رفعت رأسها وقلبت عينيها وهي تردد بسخرية وبرود:-
- أبلة!!

لم يُعلق "تميم" وهو بقمة تعجبه من هجوم تلك الفتاة عليه .. أهذه طريقتها أم أنها متعمدة أن تفعل هذا!

وضعت مفتاح صغير بحدة بعض الشيء على المكتب وأتبعته بقولها:-
- أوضة تسعة.....

ونادت وهي تتحرك للأعلى:-
- فتحية ... فتحية..

أتت فتحية تتثاءب من الداخل:-
- خير يا ست البنات..

قالت بلامبالاة وهي تُشير نحوه بينما تصعد الدرج الداخلي:-
- في ضيف جديد..

أفاقت فتحية ونظرت نحو "تميم" فغمرتها السعادة وهتفت مرحبة:-
- أهلًا أهلًا يا فندم .. ربنا يزيد ويبارك..

شعر "تميم" أنه لربما قد سقط في بئر مجاذيب، مابالهم غريبيّ الأطوار هكذا!  ... أم أن هذا أثر البرية عليهم..!
أجلى صوته وقال بإحترام:-
- قولت للأبلة إن محتاج مكان أقعد فيه يومين  .. هي أخدت البيانات والبطاقة وأنا أخدت مفتاح الغرفة، ممكن أعرف تكلفتها..

ابتسمت "فتحية" بإتساع وقالت بلباقة:-
- كلها حاجات بسيطة يا فندم تقدر تدفع تكلفة يوم بيوم لو حابب أو أيامك كلها مع بعض مفيش مشكلة، وهنقدم لحضرتك وجبة فطار وغدا ووجبة خفيفية للعشا..

تنهد "تميم" براحة وقال وهو يحمل حقيبته:-
- شكرًا جدًا لحضرتك..

وصعد يبحث عن الغرفة "٩" والتي سيندلع منها جحيمه الأبدي..
ظل يسير في الرواق ذا الإضاءة الخاڤتة والهادىء هدوء مُميت..
- المكان هادي ...دي حاجة كويسة علشان أقدر أجمع أفكاري..

                            ********

خرج "محروس" من القبو وهو يمسح يده لتقابله "فتحية" بفرحة غامرة..
- ضيف جديد يا معلم..

ابتسم ببهجة وهتف:-
- خير وبركة .. على الأقل نقدر نكمل بيه العدد المطلوب.
وتسائل:-
- لواحده.!
- أيوا شاب لواحده..
- غريبة!! إللي بيجي هنا بيبقى معاه صُحبة أو على الأقل بنت..
- ملناش دعوة بقاا يا معلم المهم المصلحة..
- طب مقالش جاي ليه.
- بيقول عنده شغل في المنطقة، وبصراحة الست غفران هي إللي استقبلته وسجلته..
مش عارفة بتقابل الزباين بوش ناشف ليه كدا، دا الراجل خاف منها..

ردد بفخر:-
- دي طبيعة غفران مټخافيش هي عارفة شغلها كويس لازم تسيب بصمة على كل واحد كدا..

- طب هنفذ عالطول ولا أيه..

- لا اصبري شوية على ده .. لغاية ما أحل المشكلة مع جماعة الدّباحين.

                          *********

ظلت تسير ذهابًا وإيابًا في الغرفة دون تهادٍ ثم جلست وهي تتنفس مسرعة أمام حائط أبيض اللون أملس الملمس، أمسكت حجر أسود صغير ثم أغمضت عينيها وأخذت تضع لمساتها عليه بخفة برطوش الحجر الأسود تطبع أشياء عشوائية مستخدمة موهبة لا تعلم من أين أتتها في كسر حاجز الملل الذي يُقيدها في تلك الحياة..
وبعد ما يقرب النصف ساعة فرقت جفنيها على مهل لترى النتيجة..
لكن...!!!
فزعت وارتدت للخلف بوجل حين رأت عينيها ما لم يخطر لها على بال..
أليس هذا الشخص الذي رأته منذ قليل الذي يُدعى "تميم"..
لماذا....؟!!!!
وكيف هذا..!!
ألأنه أخر شيء رأته ...لكن لم يحدث هذا من قبل..
بسرعة أمسكت بكوب الماء وأراقته فوقها ليهبط سائل أسود شوه معالمه..
أخذت تُزيل ما وضعت بقطعة قماش ثم خرجت الشرفة وجذبت فرشاة ووعاء به طلاءٌ أبيض ورجمت كل الأثر كعادتها..

- مجرد صدفة لا أكتر يا غفران..كلها ساعات وهنفذ..

أشعلت موسيقى عشوائية وبدأت تتحرك حركات أكثر عشوائية حتى ثارت خصلاته ونفذت طاقة الملل لديها..
عَلا صوت البومة فابتسمت وخرجت للشرفة لتجدها تقف على الجدار..
حملتها ومسدت على ريشها الأبيض الناعم:-
- بو إنتِ بتنادي عليا ليه..

هَنَدَت البومة بنعومة فهمست لها غفران بشرود:-
- مليت أووي يا بو .. هفضل في الملل ده كتير .. كمان القرية مش حلوة ومش بحب أنزلها..
لولا إنتِ يا بو مسلية وقتي وملار كمان حقيقي إنتوا إللي ليا..
شكلك جعانة .. تعالي ننزل نشوف هناكل أيه..

وكأنها تفهم ما يقول طارت فوق كتفها وهبطت غفران للأسفل..

- عاملة أكل أيه يا فتحية النهاردة؟

قالت فتحية ببعض الحذر:-
- فضلت خيرك أبوك دابح خروف يعجبك وطبخت لحمة طازة ريحتها مفحفة..

كرمش وجه غفران وهتفت بحدة:-
- طب اشبعي بيه .. ووسعي كدا أعمل حاجة أكلها أنا وبو..

- هتفضلي لغاية إمتى متاكليش اللحمة كدا..!

- لغاية ما أموت..

جذبت قطع الدجاح وأعطتها لِـ "بو" وأخذت طبق مليء بالتين الشوكي وبدأت تأكله بهدوء..

- أكل الضيف الجديد جاهز ... تناديه ياكل هنا ولا تطلعي فوق ... زي ما إنتِ عارفة دي مهمتك وأنا مش بقدر أطلع..

جاءت لتفتح أحد الأدراج فأوقفتها "فتحية":-
- مش النهاردة ... المعلم محروس قال شوية كدا..

غمغمت بصمت وجذبت صنية دائرية متوسطة وصعدت للأعلى بهدوء يُحيطها وغموض يُغلفها..
وقفت أمام الغرفة ببرود وكورت كفها تطرق الباب وانتظرت قليلًا .. لكن لا إجابة..!
عادت الكَرّة لكن لا فائدة ...يُقابلها الصمت التام..
زفرت بنزق ووضعت يدها على مقبض الباب دون تردد وأدارته وفُتح الباب..
وقفت على عتبته تنظر بأرجاء الغرفة ذات الإضاءة الخاڤتة .. وزعت أنظارها بأركانها لكن لا وجود له..
وعندما جاءت لتستدير وتخرج تنائ لسمعها كلمة خشبت جسدها وجعلتها ترتد مرةً أخرى..

-الله أكــــــبــــــر....

نظرت للأسفل لترى مالم تراه يومًا ما.. 
رأته في وضعية السجود ويغشاه سکينة غريبة، اهتزّ بدنها وأصبته رعشة سارت بأنحاءه..
ظلت واقفة تحمل ما بيدها لا تُحرك ساكنًا .. فقط تنظر لحركاته..
أعينها الواسعة كالبحر أخذت تتسع أكثر وأكثر حتى لمع بياضها النقي وأضفى لمعة على الزُرقة الغامقة بمحيطها..
انتهى "تميم" من الصلاة ورفع سجادة الصلاة والټفت لها متعجبًا من وضعيتها..
وقف أمامها باستغراب شديد وتسائل بعدم فهم:-
- في حاجة يا أستاذة.!؟

رفعت عينيها إليه بقلب مرتجف للمرة الأولى ليُسرع هو بخفض نظره من شدة فتنة أعينها..
وضعت الصنية بين يديه وهرولت هروبًا إلى سطح المنزل في الظلمة السوداء تحت دهشة "تميم" المتصاعدة..

- مش قادر أفهم في أيه بجد .. هو في حاجة غلط على وشي ولا أيه..لا حول ولا قوة إلا بالله..

صعدت للأعلى وسط الظلمة بصدر ينهج بشدة ... وقفت أسفل السماء المضيئة والتي تنتشر نجومها بغزارة على ثوبها الأسود..
شعرت أن العالم يدور من حولها وتصاعدت أحداث چحيمية لعقلها وأخذت بعض الأحداث تدور أمام عينيها كفِلاشات خاطفة..
سقطت على ركبتيها تضع يدها على أذنها وتضغط بقوة وهي تئن بصوت خفيض وتنظر للسماء بهيبة وخوف لم يمسّ قلبها يومًا..

أخذت تهمهم وتهرتل بشهقات:-
- أنا ... أنا .. مين!! .. هو أنا مين..

وسقطت في ظلام دامس بعدما سحبها فقدان الوعي إليه رأفةً بها..

[تربصت بي أعين قاټلة]
"الفصل الثالث" -٣-

وقف بحيرة لا يعلم كيف يتصرف بعد موقفها العجيب، حالتها لا تبدو بخير، ولا يدري لماذا كل ما تُصدم به تلك الفتاة يطرأ عنها تصرفات غريبة..!
تبدو وكأن بها شيء ما، إنها غريبة جدًا.

حسم أمره وسار في الإتجاة الذي سارت به حتى صعد السلالم التي تؤدي إلى سطح المنزل..
الټفت وسط الظلام الدامس الذي يقطعه ضوء النجوم الخاڤت..
وقف مصدومًا حين رأها هامدت على الأرض فاقدة للوعي، أقترب منها وترك مسافة بينهم وقال بصوتٍ عالٍ مغمور بالقلق:-
- يا آنسة .. إنتِ كويسة .. يا آنسة..

لا رد، وقف بحيرة قليلًا لكن أرشده عقله للحل الصحيح، هبط للأسفل وظل يبحث عن تلك المرأة التي رأها في الصباح..
- يا أخت ... حد هنا..!

خرجت فتحية بتعجب لتتسائل بقلق:-
- خير يا أستاذ في حاجة؟

- بصراحة الأبلة إللي كانت هنا ... كان شكلها غريب وطلعت على السطح وأغمى عليها..

زاد القلق لديها وتسائلت بفزع:-
- قصدك غفران .. مالها وأيه إللي حصل..؟

ردد بنظرات ساهمة:-
- غفران..!!

جاء محروس على ذكر اسم ابنته فتسائل بقلق:-
- في أيه هنا..!!

قالت فتحية مسرعة:-
- الأستاذ بيقول إن غفران مغمى عليها على السطح وكان شكلها غريب..

نظر لها بفزع وأخذ يركض نحو الأعلى والخۏف تلبسه بينما صعد تميم أمام الغرف في الطابق العلوي لا يعلم ما يفعل .. ظل يسير ذهابًا وإيابًا في الرواق ويهمس بغرابة:-
- غفران .. البنت دي شكلها غريب جدًا .. يا ترى أيه حكايتها..

حرك رأسه ينفض تلك الأفكار عن رأسه وقال بزفرة طويلة:-
- أنا مالي .. مليش دعوة بالموضوع ده....

وقطع حديثه والد غفران الذي أتى مسرعًا يحملها وهي فاقدة للوعي وتأتي خلفه فتحية مهرولة، قال وهو يدخل غرفة غفران التي كانت بآخر غرفة في الممر يفصلها عن غرفة تميم ثلاث غرف:-
- الحقنة بسرعة يا فتحية .. يلا..

زاد تعجب تميم وهو يشاهد ما يحدث، لكن لم يملك ما يفعل فدخل غرفته بهدوء..
تنهد بثقل وأخرج هاتفه وانتظر الإجابة التي أتته بلهفة:-
- نور عيني .. تيمو حبيبي، طمني عليك عملت أيه.

ابتسم وقال بهدوء:-
- بخير يا حبيبتي متقلقيش .. لقيت مكان كويس وأخذت أوضة فيه، وهبدأ من بكرا أدور على الحاجة..
قوليلي توتا عاملة أيه..

- أول مرة تبعد عننا وتنام في مكان غير بيتنا، زعلانة ونامت من بدري..

- هانت يا سوسو كلها أيام وهرجع ودعواتك معايا..

- هو أنا ليا مين غيرك أدعيله، إرجع بسرعة ومتغيبش علينا..

- مع السلامة يا سوسو..

- في رعاية الرحمن يا حبيبي..

ألقى الهاتف جانبًا ومدد على الفراش براحة وهو يتلو أذكار النوم ... ذهب عقله تلقائيًا إلى هذه الفتاة العجيبة ولماذا كلما تراه يتغير وجهها بتلك الدرجة..
لماذا اڼهارت هكذا..؟!
وظل عقله يتعمق في التفكير حتى ذهب في ثبات عميق..

                        *************
فرقت عن جفونها واستيقظت أخيرًا من تلك الغفوة، عقلها يسبح في فلك بعيد عن واقعها، اشتعلت نظراتها مجددًا بعد هذا الإنطفاء المُؤقت..

- غفران إنتِ كويسة  .. أيه إللي حصل!

اعتدلت ببطء ثم تنحنت قائلة بنبرة باردة:-
- ولا حاجة .. أنا كويسة..

تسائل بحذر:-
- طب مالك .. أغمى عليكِ ليه.

- يمكن علشان قلة الأكل..

تنهد براحة ثم هتف:-
- طب ارتاحي وأنا هبعتلك فتحية بالأكل..

- لا يا بابا مش جعانة .. أنا هنام..

- طب شدي حيلك مش عايز الموضوع ده يتكرر، كان ممكن إللي اسمه تميم ده ياخد باله..

- ليه أيه إللي حصل.!

- هو إللي جه وبلغ إن مغمى عليكِ فوق، أيه عرفه إن إنتِ فوق ووصله للسطح..

حركت كتفيها وقالت بشرود:-
- مش عارفة يمكن لما لقى باب السلم مفتوح فضوله سحبه لفوق..

قال بحزم:-
- طب اعملي حسابك على بكرا آخر النهار تنفذي واخلصي منه..

لا تعلم لماذا لأول مرة طرق قلبها بهذا العڼف، ولماذا هذا الخۏف الذي هاجمها ونفور سيطر عليها..
هناك شيء مجهول يطبق على صدرها، إنها مجهولة الهوية تتلبس ثوب ليس على مقاسها..
حركت رأسها بتيهة ليخرج أباها وهو يؤكد أن هناك شيء خطأ بها..

أبعدت الغطاء ولامست قدميها الأرضية الباردة ثم خرجت للشرفة ووقفت تنظر للظلمة المحيطة بالأشجار والغابة، كان الهواء يداعب خصلاتها للتطاير خلفها ترفرف بجمال، غامت أعينها بذكريات لطيفة فأغمضت أعينها تتوافد تلك الأحداث والكلمات على عقلها..
هيئات الصلاة .. الكلمات التي كان يرددها تشبه التي استمعت إليها ذات مرة أثناء ذهابها للقرية السفلية فكان صوت المسجد يعلو بها..
هناك شيء يحدث بقلبها ..!!
ملامح وجه هذا "تميم" تضوي أمام أعينها دون فرار، صفاء .. ونقاء تحملها ملامح وجهه الندية..
إنه يختلف عن كل من أتى إلى هنا..

التفتت وخرجت من الغرفة بهدوء حافية القدمين ترتدي رداء يصل لبعد الركبتين بقليل وظلت تسير ببطء قاصده غرفته..
وقفت ببعض التردد أمام الغرفة .. تشعر أنها تفقد السيطرة على نفسها ولا تشعر بما تفعل..
إنها طفلة تشعر بحماس لشيء خفي يدثرها .. شيء جديد يغوص بأعماقها..

- أنا أيه إللي حصلي.. وأيه إللي هعمله ده..

جاءت تعود لكنها توقفت ثم حسمت أمرها ووضعت يدها على المقبض وأدارته ثم تسّحبت للداخل ببطء على أطراف أصابعها..
الغرفة غارقة في الظلام إلا من ضوء القمر الذي يتسلل من النافذة..
تحركت بحذر وهي تلمحه غارقًا في نومٍ عميق يدل عليه أنفاسه الهادئة، اقتربت أكثر حتى جلست أمام الفراش تتأمله عن قرب وتتربص به بأعين قاټلة..
ظلت على هذه الحال نصف ساعة تنظر دون أن يرف لها جفت لعلها تجد إجابة عن ما يدور بداخلها..
من هو تميم هذا.؟

تململ تميم بنومته وتقلب للجهة الأخرى فوثبت سريعًا ثم تحركت خارج الغرفة لكن قبل خروجها لمحت كتاب موضوع بإهتمام فوق مكانٍ عالٍ..
جذبته قبل أن تخرج وأغلقت الغرفة بهدوء ثم عادت لغرفتها بحماس لمعرفة ما في الكتاب فهي شغوفة بعض الشيء بالكُتب..
جلست على الفراش ذا الستائر الصفراء المتدلية تتطاير مع الرياح .. فتحته بهدوء وجاءت لتقرأ وهي تتعجب منه فهو مختلف عن كل الكتب التي تعرفها وذا تصميم مختلف..
صُدمت حين جاءت لتقرأ لكنها عجزت عن القراءة بشكل صحيح..
فقالت بتقطع:-
- ‏﴿وَإِذَا ... سَأَلَكَ عِبَادِي ... عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

حملته برفق بين يديها المرتعشة وهمست بنبرة خائڤة:-
- دا القرآن إللي بسمع عنه من القرية .. بس أنا ليه مش عارفة أقرأه ..

نظرت للسماء وهمست بحيرة:-
- أنا ليه مش عارفة حاجة.. أنا ليه متكتفة

وضعته بجانبها ثم مالت وهي تنظر له بقوة حتى ذهبت بثاتٍ عميق..

                           *********  

في صباحٍ باكر بعدما أدى صلاة الفجر وقرأ سورة "يس" عقب الصلاة وردد أذكار الصباح..
خرج للغابة والشمس تستيقظ من مخدعها من خلف الأشجار بنشاط..
ظلّ يسير يبحث عن مقصده بهدوء يرتدي بنطال من اللون الأسود وقميص باللون الأبيض فكان وسيمًا بخصلاته البنية وأعينه التي شاركت لون القهوة..

بالجهة الأخرى كانت تركض بقوة وهي تضحك ضحكة نادرة تكسر عبوسها الدائم..
تركض وهي تنظر له بمرح بين الأشجار..
- ملار هسبقك المرة دي ..

أسرع في العدو وكأنه يفهم ما تقول لتسرع هي الأخرى تقفز من أعلى الجذوع..

وبينما يسير تميم تنائ له صوت يعرفه جيدًا .. هذا خطړ شديد جدًا.. عليه الخروج على الفور..
لكن كانت صدمة شديدة له حين رأى هذا المشهد .. شاهدها تمرح وتركض معه ..

مستحيل...!!!

[تربصت بي أعين قاټلة]
"الفصل الرابع" -٤-

توقفت وصدرها ينهج پعنف وهي تقرأ صډمته الواضحة على وجهه، جلست على ركبتيها بينما أخذ "ملار" يتمسح بها وهي تُمسد على فروه الكثيف..
بينما وقف "تميم" پصدمة يتأكد أن ما يراه هو "ذئــــــب" ليس إلا..
وتلك البومة التي أتت تقف على كتفها بمسالمة غير عادية..
خالجه شعور أن هناك أمر غير طبيعي في تلك الفتاة حتمًا .. يتأمل الموقف الماثل أمامه بدقة، تضحك بقوة وهي تلهو مع ذلك الذئب ذا الفراء الرمادي وهو يلعق خدها ويتمسح بها بعنقه ورأسه بلطف..
- خلاص يا ملار بقاا .. سبقتني زي كل مرة بس مش هيأس إن أسبقك في مرة..

استقامت وسار ملار بجانبها حتى وقفت أمامه فزمجر الذئب بخفة فارتد تميم للخلف خشيةً فمسدت على رأسه وقالت:-
- متقلقش يا ملار مفيش أي خطړ .. إهدى .. إهدى..

نظرت لتميم فلم تشعر إلا بقلبها يطرق بقوة ولا تعلم ما سبب هذا الآن .. فقط تريد أن تظلّ تنظر إليه ... حتى أنها رفعت يدها تضعها على قلبها علنًا..
تعجب تميم إلا أنه دون دراية تأمل عينيها الغريبة جدًا .. ليس لونها بغريب ولكن بها بريق مجهول يجذبك بداخلها حتى ټغرق.. 
بريق من العجب أن يكون براءة صافية لأبعد حد .. كيف براءة لفتاة بمثل هذه الملابس وفي صحبتها ذئب وبومة..!!!
أفاق تميم وأبعد أنظاره وهو يلوم نفسه الأمارة بالسوء ويتمتم بالإستغفار مرارًا..
قالت غفران دون دراية تتسائل:-
- إنت بتقول أيه..

قال في تعجب من طبيعتها ووضوحها:-
- بستغفر..

تسائلت بما خشب جسده:-
- يعني أيه استغفار.؟

مرر صډمته وأجابها ببساطة:-
- يعني بتقولي استغفر الله العظيم وأتوب إليه، بتطلبي من ربنا الغفران عن أي حاجة وحشة أو سيئة عملتيها..
بترجعي لربنا بيه وتذكري اسمه العظيم..

رددت في عجب وهي تزيد النظر بوجهه بحماس لم تشعر به وأذن صاغية:-
- الـــــــغـــفــــــران .. أنا اسمي غفران .. يعني أيه الغفران..

ابتسم بلطف على طريقتها الطفولية وبريق أعينها الحماسي وقال ولم يسألها شيء رغم التعجب الذي يفتك به:-
- اسم غفران اسم جميل ومعناه أجمل..
الغفران هو السماح .. يعني تسامحي أي حد عمل في حقك أي حاجة .. تعفي عنه يعني..

جلست على جزع أحد الأشجار وتسائلت بشرود وهي تنظر للسماء:-
- طب ربنا بقاا بعد ما تطلب منه الغفران بيغفر ويعفو صح .. مش ربنا في السما صح..

كان تميم مصعوق مما يسمع والفضول نحوها زاد .. وحُب أن يعرف سرها تمكن منه، قال بنبرة لطيفة لينة:-
- ربنا هو الرحمن الرحيم.. مش بيرد إيد أي حد فاضية أبدًا .. بيغفر الكبيرة قبل الصغيرة..
طبعًا ربنا في السما ومُطلع وعالم بكل شيء حتى إللي في سرنا وإللي بنفكر فيه..
بس قوليلي إنتِ مسلمة يا غفران..

ردت بتيهة:-
- مش عارفة .. يعني أيه أصلًا مسلمة.!

كان تميم بقمة تعجبه لكن استفهم بترقب:-
- طب إنتِ طول عمرك في المكان ده .. عمرك ما خرجتي من هنا..روحتي جامعة أو اختلطي بالناس..

- لا من ساعة ما وعيت وأنا هنا .. مخرجتش أبدًا من هنا بس بابا علمني القراءة والكتابة وبس..
وفي قرية بعيدة شوية صغيرة مفيهاش يجي عشرين بيت كان هناك مكان بيعلم القراءة والكتابة وروحت هنا .. وفي مخزن في البيت فيه كتب كنت باخد وبقرأ اتسلى وعرفت من الكتب حاجات وعرفت إن في قرآن أهل القرية كانوا بيقرأوه بس مش عارفة يعني أيه مسلمة..!

وأكملت تخبره ببراءة لم يراها تميم من قبل رغم بعدها عن الدين:-
- أنا أخدت كتاب من أوضتك إمبارح وجيت أقرأ فيه بس مع العلم إن بعرف أقرأ لكن معرفتش أقرأه وعرفت إن هو القرآن..

لا يعرف تميم لماذا لم يغضب منها وهي تخبره بتلقائية أنها دخلت لغرفته سرًا .. ابتسم وقال بهدوء:-
- دا من معجزات القرآن إن حتى العلماء وأساتذة الجامعة ميعرفوش يقرأوه إلا إذا سمعوه من حافظ..
قراءة لأن القرآن بالتواتر..

داهم عقل غفران بعض الومضات فارتعش بدنها ووثبت قائمة تهرول وهي تقول بينما يركض ملار خلفها:-
- أنا ماشية..

وقف تميم ينظر لأثرها بغرابة .. من تكون غفران هذه؟ وما الذي تخبئة.؟!

                           *********
جلست على فراشها ومن حولها كُتبٌ كثيرة وروايات منثورة تبحث عن معنى الحُب..!!
تسأل عن الأعراض التي تشكو منها..
لماذا هذا الإنجذاب لهذا تميم .. ألأنه يختلف عن كل من أتى إلى هنا..!!

رقدت على الفراش بتنهيدة وهمست:-
- تميم ... عارف حاجات كتيرة أووي عايزه أعرفها...

تقلبت على معدتها أمام قطعة عريضة من الورق وأمسكت بقطعة حجارة سوداء لينه وبخطواتٍ مهارية كانت تتخبط في الأوراق بأعين شاردة وذهن غائب..
وبعد قليل رفعت ما رسمت لتراه فكانت صډمتها للمرة الثانية وهي ترى ملامح وجه تميم مرةً أخرى، تنهدت وهي تضع الورقة جانبًا وهمست بحيرة:-
- تاني .. مش عارفة أيه الحكاية .. أنا تايهة أوي ومش عارفة أيه الأحساس ده .. يعني عايزة دايمًا أقعد معاه وأسمع كلامه ... دي مش أول مرة أشوف راجل..
بس أنا حاسه إن هو مختلف جدًا..

وظلت تتحدث مع نفسها حتى فزعت عندما سمعت صوت طرق فوق الباب..
خبأت الأوراق أسفل الوسادة واعتدلت قائلة:-
- ادخل..

دخلت فتحية وبيدها الإبرة المعتادة لتنفخ بضيق ومدّت ذراعها بصمت وبرود..
غرزتها فتحية بذراعها لتهتف غفران بتبرُّم:-
- أنا مليت من الحقنة دي بجد بقالي عشرين سنة باخدها..

قالت فتحية:-
- الله يشفيك يا ست غفران يا ست البنات...

وكالعادة بعد كل جرعة تشعر غفران أنها في ثوب أخرى .. تجري الحماسة والشرار بأعينها وتسيطر التيهة على عقلها .. حركت رأسها وهي تحاول تذكر ما جرى منذ قليل ... تميم ... تميم .. هو المسيطر على كيانها رغم الجرعة السامة التي جرت بعروقها..
صوته العذب في هذه الآيات .. ملامحه السمحة الحبيبة التي تحب أن تظل تنظر إليها .. الهالة المُحيطة به ... تميم لا يُنسى رغم أنف آلاف الجُرعات..

تحدثت فتحية قائلة:-
- أنا جهزت الغدا يلا علشان تنفذي .. المعلم محروس قال نخلص عليه النهاردة..

يدًا قوية قبضت على قلبها .. وظلت تنظر من حولها بتشوش وتيهة ثم قامت مسحوبة الإرادة وارتدت فستان بلون عينيها يصل لفوق ركبتيها وأطلقت لخصلاتها الڼارية العنان وهبطت للأسفل..

نظرت للطعام نظرة غريبة مشوشة ثم فتحت درج خشبي وأخرجت بعض المواد ثم خلطتهم فوق بعضهم وأراقتهم في الطعام حتى اختفوا مع محتوياته..

في نفس الأثناء كان تميم يتحدث على الهاتف بمرح..
- دورت يا سوسو كتير وبردوه ملقيتش حاجة..

- طب هتفضل كدا كتير يا تميم..!

- دعواتك وإن شاء الله ألاقيهم..

- هي الأعشاب دي مهمة أووي كدا يا تيمو..

- طبعًا دي بتبقى لها دور كبير في علاج أمراض نفسية كتيرة والحالات إللي أنا بعالجها صعبة جدًا وأنا واخدها تحدي زي ما إنتِ عارفة..

- ربنا يقويك يارب يا حبيبي وينولك كل إللي في بالك، قلبي راضي عنك يا تميم يا ابن بطني ودعواتي مش هتفارقك.. يارب ترجع لنا أنا وأختك سالم يارب وبخير إنت عارف ملناش غيرك بعد ربنا..

- وأنا هحتاج أيه بعد رضاكِ عليا يا أمي ودعواتك، إن شاء الله من أول النهار بكرا هدور كويس وأرجع عالطول..

- متجهدش نفسك يا تيمو وخد بالك يا حبيبي..

- حاضر يا أمي وإنتِ خدي بالك من نفسك ومن توتا..

- قولي اتغديت يا تميم..

- تقريبًا هيبعتوا الأكل دلوقتي لأن دا الميعاد إللي قالوا عليه..

- طيب يا ابني بالهنا على قلبك .. ربنا يحميك يا تيمو..
في حفظ الرحمن يا حبيب أمك..

- مع ألف سلامة يا أمي لا إله إلا الله.

- محمد رسول الله..

كانت الأم "سوسن" تشعر بقبضة على قلبها .. تشعر أن حديثه به نكهة الوداع..
توضأت وفردت سجادتها وبدأت بالصلاة والدعاء لولدها وفلذة كبدها بالحفظ والحماية والتوفيق..

                   ***************

طرق خفيف على غرفته .. قال وهو يضع المصحف على جانب ويرتب الأوراق وبعض الكتب المهمة..
- اتفضل..

دارت مقبض الباب وولجت للغرفة بهدوء يسبق العاصفة..
الټفت تميم يرى من دخل فصُعق من طلتها التي تُغري الزُهاد.. خفض أنظاره سريعًا وهو يتعجب سرًا من طريقة ملابسها .. فهل هي تتعمد ذلك.؟
ملبسها لا يتماشى أبدًا مع البراءة التي تصرخ بها عينيها رغم شدتهم والشرر الذي يتطاير منهم والذي لا يُعرف سببه..!

وضعت أمامه الطعام الذي به ستُسطر النهاية..
ستقتل من تعلق به قلبها ومن أحبته دون أن تعلم..
ستقتله لتحصل على قلبه..!

نظر تميم للطعام وقال بإبتسامة لينة:-
- شكرًا .. جزاكِ الله خيرًا يا آنسة غفران..

- قول غفران وبس..

أماء رأسه بإيجاب فباغتته بسؤال جعله ينظر كالأبله:-
- تميم .. إنت زي باقي الرجاله .. متجوز يعني بتحب بنت..

سعل تميم بشدة وهي مازالت تقف تنظر له ثابته متعجبة من ردة فعله..
هدأ تميم وهو يدرك بحسب خبرته في الطب النفسي أنها ليست متصنعة تلك طبيعتها التي يبدو أنها لا تعرف أيّ شيء عن ما وراء الغابة .. عن العالم الطبيعي..

تنفس بهدوء وأجابها بإبتسامة:- 
- الجواز مش معناه الحب..
ممكن أتجوز علشان دي سنة الحياة وبعد كدا أحب زوجتي .. ودا اسمه جواز..
والحب حاجة مختلفة تمامًا بس جزء من الجواز..
الحب متعلقة بالقلب والروح..

تسائلت بتصميم وهي تتكأ أمامه على المنضدة:-
- يعني إنت متجوز أو بتحب..

ابتسم تميم على طفولتها وقال:-
- لا .. لا متجوز ولا بحب..

ابتسمت غفران بتيهة وقالت سرًا:-
- يعني كدا نقدر نحب بعض..

قال تميم بمرح:-
- أقدر أكل بقاا..

- آآآآه..

وغمس الملعقة في الطعام وشرع يتذوق السم المدسوس في العسل..

<تربصت بي أعين قاټلة>
"الفصل الخامس" -٥-

رفع تميم الملعقة نحو فمه وعندما قاربها منه توقف قليلًا ... ثم نمت بسمة غريبة على فمه ووضعها مرةً أخرى تحت أنظار غفران التي تراقبه بإبتسامة عذبة مُعذبة..
تسائلت بهدوء وكأنها فعلًا لا تعلم محتوى الطعام:-
- مأكلتش ليه..

ابتسم تميم وقال بهدوء أكثر:-
- افتكرت مكالمة لازم أعملها ضروري..

كررت بتعجب:-
- مكالمة!!!

- أيوا مكالمة .. يعني أكلم حد على الموبايل .. تعرفيه.؟

- اسمع عنه .. ممكن تفرجني عليه..

قالتها بحماس طفولي .. فحرك تميم رأسه وهو يُصر على معرفة الأمر برمته..
أخرج الهاتف ووضعه أمامها وأخذ يشرح بهدوء عن محتوياته واستعمالاته تحت حماس غفران واستماعها الجيد..

علقت بإنبهار:-
- دي حاجة عظيمة أووي .. والأنترنت دا حاجة أخر جمال يعني..

- بس يا غفران هو رأس الخړاب والمشاكل ودمار ناس كتير ... احمدي ربنا إنك ماختلطيش بعالم التكلونجيا لأن زي ما هي لها مميزات لها عيوب وعيوبها كتيرة أووي.

- يعني إزاي .. هي وحشة كدا يعني..

- مش بالظبط .. الموضوع طويل يطول شرحه..

وأكمل تميم:-
- بعد إذنك هصلي المغرب..

هتفت بلهفة وترجي:-
- ممكن طلب .. بس وافق عليه ..  هتوافق عليه.!.

ابتسم على براءتها ورقّ قلبه لها فقال:-
- اطلبي وأنا لو أقدر على تنفيذه أكيد هوافق..

قالت بتردد:-
- ممكن أقف بس ومش هتحسّ بيا اتفرج عليك وأشوفك وإنت بتصلي .. هتفرج بس..

في الحقيقية اندهش لكن تسائل ببعض القلق:-
- إنتِ المرة إللي فاتت أغمى عليكِ لما شوفتيني بصلي .. صح!! 
يعني ممكن المرة دي يحصلك حاجة..

- لا لا .. متخافش أنا نفسي أشوفك حقيقي من جوايا..

تبسم وبهدوء وخشوع بسط سجادة الصلاة ووقف بإتجاة القِبلة ورفع كفيّه مُرددًا تكبيرة الإحرام بصوتٍ طويل تلاعب على أوتار قلب غفران وتدفقت أشياء من الفِطرة النقية لديها..
لم يرف جفنها وظلت أعينها الواسعة متفتحة كالزهور وهي تراقب أدق التفاصيل...ترقرق الدمع بعينيها دون أن تدري وداهمتها رجفة سارت بأرجاء جسدها فحاوطته بذراعيها..
ارتعشت شفتيها كالأطفال وظلت تحاول النطق وهي تُردد بنبرة باكية أسقطت دموع تميم الساجد:-
- الله أكبر ... الله وأكبر  .. يعني هو كبير..
الله أكــــــبــــــر..

ثم جلست على ركبتيها خلف تميم وحاولت تقليده ووضعت جبهتها على الأرض وهي تُردد بجهل وصوت مرتفع:-
- الله أكــــــبــــــر..

انتهى تميم من الصلاة ومسح دمعة لا يعلم ما سرّ ذرفها لكن لا يعلم ما الذي كان بنبرتها وهي تردد "الله أكبر" .. شيء غريب .. أهو تيهة .. لا لا ..
إنها إســـــتـــــــغـــــــاثــة .. إستغاثة للملك..!
لكن من ماذا، ومِن مَن؟!!!
الټفت ليجدها على هذه الوضعية وخصلاتها منتشرة حولها .. ابتسم ووثب قائمًا ثم هتف وهو يستدير ينظر من الشرفة وهو يعلم خطأ وجودها هكذا في غرفته..

- من شروط صحة الصلاة ستر العورة .. والمرأة ليها ملابس خاصة بشروط قال عليها الإسلام..

قامت واقفة وتسائلت بحيرة وهي تنظر لملابسها:-
- طب ما أنا لابسه أهو !!

- لا .. ثوب المرأة المسلمة بيكون ساتر لجميع الجسد .. يعني مفيش أي جزء منها ظاهر .. ملابسها مش قصيره ولا شفافة ويكون فضفاض .. كمان شعرها يكون متغطي.. ودا إمتثالًا لقول الله  : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ).

تسائلت بإنبهار:-
- يعني ربنا هو إللي قال كدا صح..!!

- أيوا طبعًا..

- يبقى لازم نسمع كلامه..

وأكملت بحيرة وهي تنظر لنفسها:-
- بس هما قالولي البنت بتلبس كدا..
كمان مش عندي اللبس إللي بتقول عليه..!
يعني  طول الفترة دي كلها وأنا بلبس غلط وأكيد ربنا زعلان مني..

كان تميم بقمة تعجبه .. فهو كان يعتقد أن تثور وترفض الثوب الشرعي كبعض أقرانها من النساء..
لكن لديها تصالح غير طبيعي بالرغم من أنها للمرة الأولى تسمع شيء عن الطريق الصحيح والإسلام..
لديها فضول وحب أن تعلم كل أوامر الله عز وجل..

- هما قالولك تلبسي كدا .. وربنا قالك تلبسي كذا..
يبقى تسمعي كلام مين..

أجابت بكل ثقة:-
- أكيد ربنا..

- يبقى تسمعي بقاا كلامه..

                           **********

عادت لغرفتها بعقل شارد وجلست على الفراش وهي تفكر بأشياء كثيرة..
فُزعت عندما وجدت الباب يُفتح بقوة ودخل والدها الغاضب..

- أيه إللي حصل يا غفران .. إنتِ مخلصتيش عليه..

في الحقيقة اندهشت ووقفت قليلًا تتذكر ما الذي عليها فعله .. وعلى ماذا يتحدث..!!؟
اهتز بدنها وقالت بإرتعاش وقد أدركت ما الذي كانت ستفعله:-
- أنا قدمتله الأكل ووقفت فترة قدامه بس هو صلى وبعدين كان عنده مكالمة .. وواضح عليه إنه مش زي الباقي إللي كان بيجوا هنا .. ومقدرتش أقعد عنده في الأوضة أكتر من كدا..

صاح محروس پغضب وهو يقترب منها بهجوم ويقبض على ذراعها بقسۏة:-
- يعني أيه مختلف يا روح أمك .. كنتِ طفحيه بالعافية 
دا شوية بيعملهم علشان يداري على نفسه .. هو في حد بيدخل هنا نضيف ولا أيه..
بقولك أيه يا بت إنتِ هتخلصي عليه بأي طريقة هو قعد أكتر من المدة إللي أنا محددها..

زاد الفزع بداخلها وارتعش جسدها وهي تشعر بأشياء كثيرة تتداخل بعقها وصور الد'ماء تُغرق الأرجاء وجُثث تملىء المكان..
كتير من التداخلات .. الضباب يُحيط بعقلها لكن وسط كل هذا يتداخل صوت تميم الهادىء..

خشى محروس تلك الحالة فوقف على باب الغرفة وصاح يُنادي:-
- فتحية .. إنتِ يا بت جيبي حقنة غفران بسرعة..

وصل الصياح لتميم الذي وقف على باب الغرفة وهو يرى المرأة التي تُدعى فتحية تُهرول نحو غرفة غفران وبيدها إبره تحتوي على مادة مجهولة..

وبالفعل أخذها محروس وغرزها بذراع غفران التي همد جسدها وعمّ الصمت الأرجاء..
عندما تطمئن محروس لهدوءها خرج وهو ينظر نحوها پغضب وأغلق الباب..

أنزوت غفران بزاوية الغرفة تضم ركبتيها لصدرها وأخذت أعينها تذرف أمطارًا من الدمع..

                      ************

بغرفة تميم ليلًا..
كان يضع أمامه بعض الأدوات والمواد ومحتوى الطعام..
انتظر بعض الدقائق وأخيرًا ظهر ما كان ينتظره وما ظن فيه بمجرد الرائحة..
لكن لماااذا .. لماذا يريدون قټله.؟!!!
لماذا تفعل غفران هذا؟!

- كنت متأكد إن هي العُشبة دي .. بس ليه..!!

وفي ظلّ ما كان شاردًا تفاجئ بالغرفة تُفتح..
رفع رأسه ليُصدم بحالة غفران المرزية..
شعرها المشعث وأعينها الحمراء المنتفخة الباكية والتي يسيل دمعها كالشلال على وجنتيها..
وقف بلهفة وتسائل:-
- غفران مالك .. في أيه..

رفعت أعينها تنظر بداخل عينيه تريد نجدته، همست بنبرة مرتعشة خائڤة:-
- تميم..

تمزق قلبه من نبرتها المرتعشة .. يشعر أنها أصبحت مسؤولة منه .. إنها بريئة جدًا .. زهرة مزروعة في كومة من الشوك..
إنها مثل الغارقة..

- نعم يا غفران .. في أيه..

همست برجاء وهي تشعر أن روحها تكاد أن تنفذ:-
- امشي من هنا يا تميم..

كان يعلم أن شيئًا ما يجبرها، استفهم بترقب:-
- ليه يا غفران .. ليه عيزاني أمشي..!

أجابت بما لم يتوقعه تميم:-
- علشان تاخدني معاك .. خليني معاك..
تــــمــيــم.. 
أنــــا بــحبـك ... إنت تقدر تحبني.!

[تربصت بي أعين قاټلة]
<الفصل السادس> -٦-

وقف تميم مصډوم من صراحتها وتلقائيتها، إنها طفلة تائهة أعيونها زائغة في كافة الأرجاء تترجى إنقاذ..
لكن بالنسبة له هي بؤرة من الغموض وعلامات الإستفهام ومجموعة من الأحجيه..

تنحنح تميم وهتفت بتعقل:-
- إنتِ مش فاهمه إللي بتقوليه يا غفران، إنتِ مش مُلمة بكل مصطلحات الحياة وفي كتير أووي غايب عنك .. قوليلي ليه عيزاني أمشي من هنا وأيه إللي إنتِ مخبياه..؟

في هذا الحين شعرت بخيبة أمل شديدة وألم تشعب بروحها ... هي مُجرد بائسة مُجردة من الإحساس ومنبوذة من العالم أجمع .. حتى تميم لم يتقبلها على حسب مفهومها لم يُحبها..!
تراجعت للخلف تزامنًا مع سقوط دمعة حارة، وقالت بلامبالاة تُفتت القلب:-
- لا ولا حاجة .. بس أنا ساعات بقول حاجات مش حاسه بيها ومعرفش أنا بقول أيه .. عندك حق..
أنا آسفه إن تطفلت عليك .. تصبح على خير..

وانسحبت من الغرفة بهدوء مسرعة تحت أنظار تميم الذي شعر بالإنزعاج والۏجع لأجلها..
عيناها الشفافة كأصفى المياه نالت منه وأصبحت لا تفارق عقله بتاتًا ... يا تُرى ما سرّ تلك الأعين..!!
لو بات سهمٌ من الأعداءِ في كَبدي..
ما نالَ مني ما نالته عيناكِ..

جلس تميم بحيره لا يعلم ما يفعل، وثب وسار بحيرة واقفًا في الشرفة وهو يتأمل الظلام الذي انغمست به عيناه..
حقًا الأفراد الذين في هذا المكان جميعًا غريبيّ الأطوار..
والد غفران العابس .. والسيدة التي ليست كما تبدو أبدًا..
لماذا هؤلاء في ظلّ التقدم والتكنولوجيا منزلهم خالي من أيّ معالم المعرفِه، تلك التقاليد والأساليب التي يتخذونها انتهت منذ مائة عام..!!!
والأغرب من هذا لِما يصرّون على العيش بهذا المكان المهجور الذي لا يصله الأحياء ولا الحياة منعزلين بمفردهم..؟!
وأخيرًا محاولة قتــ'له بتلك المادة الفتاكة، لولا أنه خبير بشتى أنواع الأعشاب وخاصةً النادرة لم يستطيع تمييز رائحتها الخفيفة المُبطنة بمحتوى الطعام..!!
وما دخل غفران بكل هذا، ولما التقلبات التي تطرأ عليها وهذا الڠضب الغريب الذي ينبثق من عينيها رغم هدوءها..!
أهي ضحېة أم ماكرة؟!
لا لا هناك شيء خاطئ وحلقة مفقودة..!

ووسط شروده تسرب لأسماعه صوت خطوات حذره وهسهسات غريبة أسفل الشُرفة خلف المبنى..
سارع للداخل وأطفأ الشمعة التي تنير الغرفة وخرج على أطراف أصابعه مرةً آخرى..
زادت حدة الظلام وزاد هو التدقيق وهو يلمح بصعوبة ثلاث رجال على مقربة من المبنى أسفل بعض الأشجار يُحدثون حفرة عميقة وهم يلتفتون بين الفينة والأخرى بحذر..
ألآمته عيناه من التدقيق لكنه صمم معرفة الأمر والمشاهدة حتى النهاية..
تعجب وتملكته الحيرة وهو يراهم يسكبون أشياء لم يتعرف عليها أو لم تتضح له .. أهي عِظام أم أجزاء حيوانات لا يعلم..!
لكن الأمر به شيء هذا ما تأكد منه وذلك بسبب هذه السرّيه والحذر والتوتر المُحيط بهم..
سيعلم المُخبأ هنا حتمًا..
في الحقيقة راودته فكرة لا يعلم صحتها لكن هذا التفسير الأقرب للصواب..
محاول التخلص منه .. مكان معزول .. غريبيّ الأطوار .. أشياء تُدفن..
إنهم قـــتـ'لـــه!!

جلس بتشتت وهو يهمس بحيره:-
- يا ترى غفران تعرف السرّ ده ولا بيستفغلوها .. وليه عزلوها عن العالم كدا ... يمكن متكونش بنت الراجل ده أصلًا..
الحقنة..!!
هي تعبانة، أو بتعاني من حاجة ...ليه الحقنة دي بتاعة أيه..!

جاء بعقله فكرةٍ ما .. وثب سريعًا وجذب الهاتف الخاص به ثم أخذ يبحث في خانة البحث عن حالات الاختفاء التي حدثت مؤخرًا...
خرجت أمامه قائمة من الأسماء التي كان الشائع بينهم أنهم شباب طائش ومنهم أيضًا فتيات..
أخذ يقرأ حالة إختفاء واحدة تلو الأخرى ومع الإنتهاء منهم لم يسعه سوى الصدمة والتأكد أن هذا المكان الملعۏن وراء كل تلك الإختفاءات..
فمن خلال ما كُتب عن طريق سير رحلة هؤلاء الشباب فإنه يمر من هُنا ومن المؤكد أنهم سقطوا في تلك المصيدة كما حدث معه تمامًا..

نظر للسماء متنهدًا وهمس بيقين:-
- أنا متأكد إنك وصلتني لهنا علشان هدف معين وحكمة إنت تعلمها وواثق إنك هاتحميني للنهاية..
وصلتني علشان أكشف الجر'ايم إللي بتحصل هنا وأوقف السلسلة دي..
كن معايا يا الله ومُد لي يد القوة والعون ويسر لي كل عسير يا أرحم الراحمين..

بسط سجادة الصلاة وأخذ يصلي ركعتان قضاء الحاجة بيقين وثقة وإلحاح على الله تعالى...

                      ***************

حين اشتدت ظلمة الليل قُبيل الفجر الصادق، سارت خائرة القوة حافية القدمين وثوبها الأسود يُرفرف من حولها ... هبطت الدرج بهدوء مُخيف مُرتديه ثوب من طبقات الشيفون الأسود يصل لكعبيها بل ويجرّ خلفها..
ملامح وجهها تنافس برودة الثلج وأعينها ثابته في اللاشيء..
وقفت في الردهة الواسعة تنظر حولها بصمت وواصلت السير حتى جاءت تخرج من المنزل لكن جذب انتباهها أصوات منخفضة بعض الشيء لكن استطاعت تميزيها..
إنه والدها وفتحية..
لكن لماذا إلى الآن مستيقظون..!
اقتربت من الغرفة بهدوء لم تكن تعلم أن ما تسمعه سيُغير مجرى الحكاية..
صدمة لم تكن أبدًا بالحُسبان...!!!!

[تربصت بي أعين قاټلة]
<الفصل السابع> -٧-

كان حوارًا قا'سيًا أفقد غفران الشعور بكل من حولها..
- أنا شايفها متراخية وحنينة على الجدع ده، شوية تقول أصله مختلف ومش زي إللي بيجوا هنا، وشوية تقول حِجج فارغة إن هو كان مشغول ومكالش..

رددت فتحية بتسائل:-
- طب وهتعمل أيه معاها ومع الجدع ده..

قال بنبرة حادة حازمة:-
- هي دي محتاجة كلام يا فتحية ... هفضل دايمًا مسيطر على غفران وهتعمل إللي أنا عايزه .. ما هي لو كانت ولد ولا حتى لو كانت زيّ مكونتش أضطريت لكدا.. لكن هي طالعة شبه أمها حنينة زيادة وقلبها رُهيف .. مش هقولك مصيرها هيبقى شبه مصير أمها، لكن هي هتفضل كدا تحت طوعي وهتفضل محپوسة هنا وتتعزل عن العالم وما فيه..

تنهد وأكمل بشرّ وهو يسترجع بعض الذكريات:-
- غفران أخدت كل حاجة من أمها حتى الخيبة إللي بيسموها طيبة..
لما جينا هنا وهي كانت معترضة على كل حاجة وعلى حياتها معايا، وعن طريق الصدفة لما عرفت بشغلي واټصدمت وقال أيه .. صممت إنها تبلغ الشرطة..
بس على مين!!
قولت ارتاح منها ومن ناحية تانية استفاد..
خلصت عليها وخُلصت منها وصفيتها على البطيء..
أمّا غفران لو طبع أمها اتغلب على مفعول الحقن مش هخليها تشوف الشمس ...بس أنا مطمن علشان الجرعات إللي بتاخدها متخرش الميا..

عادت للخلف پصدمة وجسد متخازل وهي تجاهد لتبقى دون انهيا'ر .. كلمات كثيرة تتداخل بعقلها وصور متداخله لجميع الشباب الذين كانوا ضحاېا لهذا المكان..
لقد قـ'تل والدتها التي لم تراها .. حرمها من أن تحيا بكنفها ودفئها .. هي مَن .. ومَنْ هي..!
هي لا تعلم أي شيء..
دار العالم من حولها تشعر أن فوق رأسها جبل..
هرولت للخارج تركض بإضطراب تتعثر فتسقط ثم تنهض وتتعثر وهكذا..
كان "ملار" يركض خلفها حتى وصلت بأقدام د'امية حيث تَلّ بآخر الغابة..
سقطت أسفل شجرة وافرة الظلال تنتحب وهي تضع يديها فوق أذنها وتصر'خ بشدة بينما جسدها ينتفض..
حياة خادعة .. أن تحيا مُسيطر عليك، مجرد ألة لتنفيذ مخططات قذ'رة..
لا شيء .. هي لا شيء..
لا تاريخ .. ولا ذكريات .. ولا نسب .. ولا شخصية .. ولا هوية..
لا لا .. هي قا'تلة..!!!.
قا'تلة!!!
أهي من قتـ'لت كل هؤلاء الأشخاص..!
نعم .. نعم..
كيف فعلت هذا .. هي لا تدري .. لا تشعر بشيء!!
شيء واحد فقط يتلبسها الضياع...

عندما رأها ملار بتلك الحالة كان يتمسح بها بفروه الكثيف ويصدر عنه زمجرات منخفضة في محاولة منه لمؤاساتها...!!
لفت ذراعها حول عنقه تحتضنه بجسد رخو يرتجف كورقة شجر ذابلة مسكينة أسفل قطرات الودق القا'سية تنخر بها بلا رحمة..

هتفت پضياع بلهجة متقطعة بالشهقات:-
- ملار .. أنا وحشه يا ملار .. أنا معرفش أنا مين!!
ماما يا ملار .. أنا ليا أم..
أنا ليه لواحدي كدا، هو أنا عايشه ولا مـ'يته يا ملار..
كلهم مش بيحبوني..
أنا عملت حاجات كتيرة وحشة يا ملار..
تعرف أنا قـ'تلت كام واحد..
أنا قا'تلة يا ملار..!
بس مش عارفة أنا قتـ'لتهم إزاي..

ثم صمتت تنظر للفراغ بفزع وهي تحتضن نفسها .. وفجأة قامت قائلة وهي تنظر لملار الذي يهمهم بانخفاض:-
- أنا كمان لازم أ'مۏت كمان يا ملار زيّ ما قـ'تلت الناس دي كلها .. أنا أصلًا مليش حد في الدنيا دي غيرك إنت وبو .. محدش هيزعل عليا ولا هيفتكر غفران..

وسارت نحو قمة التلّ فأخذ ملار وكأنه يفهم ما تنوي يجذبها من ملابسها المتطايرة بواسطة فكيّه محاولًا إرجاعها..
لكن كانت تواصل سيرها بأعين غائبة وهي تهمس:-
- لازم دا يحصل يا ملار .. أنا وحشه .. إنت ذئب بس عمرك ما قـ'تلت حد .. لكن أنا مُلوثة يا ملار..

وقفت على حافة التلّ، نظرت لأسفل حيث الخر'اب الذي سيبتلعها.. أغمضت أعينها تتنفس بعمق وهي تستحضر صورة تميم الذي رفضها وآثار البُعد عنها..
إنها أحبته كما يقولون ...الأعراض التي تُعانيها هي أعراض الحُب..
سنواتها التي عاشتها والتي لا تعلم عددها لم تتذوق السعادة أو الفرح الذي يتحدث عنه الفلاسفة..
تنهدت بعمق وحزن وجاءت تمد قدمها نحو الهاوية تحت زمجرات ملار اللحوح..

لكن..
د'وى هُتاف قوي عالٍ:-
- غـــــــــفــــــــــــــــران..

هذا الصوت تعلمه عن ظهر قلب..
أنه هو..
تــــــــمــــــــيــــــــم...

عادت خطوتين للخلف والتفتت لتراه على مقربة منها منحني يرتكز على ركبتيه يلهث بشدة ويتنفس مسرعًا..
ابتسمت بأعين مليئة بالدموع ومازالت على حالتها..
اعتدل تميم واقترب منها ثم هتف بلين مُعاتبًا:-
- كدا بردوه يا غفران عايزة تمـ'وتي كا'فرة.

كان جسدها مازال يرتجف فهمست بصوتٍ مُنكسر:-
- وهو أنا مسلمة من الأساس.!

ابتسم تميم ثم قال بتأكيد:-
- طبعًا يا غفران .. مسلمة بالفطرة..

اشاحت بنظراتها بعيدًا ثم أكملت بخزي:-
- إنت متعرفش حاجة .. أنا أستحق كدا .. أنا إنسانة مش كويسة إنت متعرفش أنا عملت أيه..
دا إللي يستحقه أمثالي..

اقترب منها أكثر بقلب مرتجف حتى وقف أمامها ثم أردف بيسمة عذبة:-
- مهما الإنسان عمل مش ليه الحق أبدًا يعمل في نفسه كدا..!

كان يتابعها بدقة ويتأمل كل شبرٍ فيها لحاجةً في نفسه..
أعينها الزائغة التائهة ... جسدها المرتجف پجنون .. وملامح وجهها الذي يتغير ويتربد بشتى التعابير بين الحين والآخر..

قال بحسم:-
- إحنا مكملناش كلامنا يا غفران .. هربتي قبل ما أكمل كلامي..

تعجبت مما يقول فواصل تميم حديثه يتسائل بتركيز:-
- قوليلي يا غفران .. إنتِ عمرك ما خرجتي براا المكان ده ولا عمرك قابلتي حد واتكلمني معاه..

زاد عجبها لكن أجابته بهدوء والحزن يسيطر على نبرتها:-
- لا .. أنا طول عمري إللي معرفش عدده وحيده .. معرفش ألا الغابة والشجر وملار وبو .. هما أصحابي..
حتى لما كنت بروح القرية الصغيرة إللي على أطراف الغابة لا كان حد بيكلمني ولا كنت بكلم حد..

شعر بۏجع يتربص بقلبه، لكن صمد ليُكمل ما بدأ:-
- طب ملكيش أي بطاقة أو هوية ولا حتى شهادة ميلاد.

رفعت كتفيها بلامبالاة وأجابت بمرار:-
- أكيد لأ .. مش دي أوراق بتثبت أنا مين..
أكيد مش موجودة؛ لأن أنا ولا حاجة..

تجاوز حديثها المُلـ'طخ بالألم والحسړة ثم قال بغموض:-
- إحنا لازم نمشي من هنا يا غفران .. جه الوقت إللي تخرجي براا الغابة دي.. لازم تخرجي للعالم..

ابتسمت بسخرية وقالت:-
- دي أحلام مستحيلة الحدوث .. أحسنلك أمشي من هنا من غير ما تبص وراك .. اسمع كلامي وامشي يا تميم..

هتف بإصرار:-
- مش همشي ألا بيكِ يا غفران..

- مش هيحصل .. مش هيسبوك..

- هيحصل..

- إزاي..!

- هنتجوز يا غفران..

[تربصت بي أعين قاټلة]
<الفصل الثامن> -٨-

توسعت أعينها پصدمة مما سمعت ولا تنكر السعادة التي تملكتها وهناك إشراقة أملّ تسطع بروحها المنهكة..
تسائلت بصوت خرج متلعثم:-
- إنت .. قصدك  أيه .. مش فاهمة..! إزاي..!!

ابتسم تميم بهدوء ثم قال يوضح لها:-
- هقولك كل حاجة بعدين يا غفران، بس لازم ننجز مفيش وقت .. مش هعرف أخرجك من هنا ولا أخدك معايا ألا وإنتِ مراتي وليا الحق فيكِ..

تواثبت دقات قلبها تشعر أن تكاد أن تُحلق .. هل هو يُحبها لذلك سيتزوجها كما تعلم..
هتفت ببراءة تُذيب القلوب:-
- يعني إنت كدا بتحب غفران صح..

هدر قلبه بعـ'نف من مُجرد نطقها لتلك الجملة، حدجها بنظرة غامضة ثم تنهد مطولًا وقال:-
- بعد ما نتجوز هقولك وهتعرفي كل حاجة.
ودلوقتي لازم نمشي  .. يلا بينا..

غمغمت بتسائل وهي تسير خلفه:-
- طب هنروح فين!! وإزاي هنتجوز..

اتسعت إبتسامته ثم أردف:-
- هنكتب الكتاب .. في قرية ورا الغابة أكيد فيها مأذون أو شيخ يقدر يكتب الكتاب وبعد كدا نبقى نوثقه بما إن مفيش أي إثبات شخصية لكِ..

ثم أشار لسيارته وقال:-
- يلا اركبي .. لازم نرجع قبل ما حد يلاحظ غيابنا..

فتح لها باب السيارة برفق لتركب  بتعجب بعدما أدخلت ملار معها وهي تقول:-
- مش هينفع أسيب ملار يرجع الفندق لواحدة .. مأمنش عليه..

حرك رأسه بهدوء وهو يستدير للجهة الأخرى ثم انطلق نحو تلك القرية التي مرّ عليها خلال رحلته لهنا..

أخفضت رأسها وهي تفكر في الأحداث المنصرمة ليرتعش بدنها .. هل تستطيع الخروج من هذه البؤرة!!
هل لأمثالها أن يحيا بسعادة بعد ما فعلته..
بالتأكيد لن يتركها والدها .. كما قـ'تل والدتها سيقـ'تلها..

لاحظ تميم شرودها فتنهد بحزن ... يُقدّر ما تمرّ به، لقد د'مروها .. إنهم شياطين انتز'عت الرحمة من قلوبهم..

همس بحنان:-
- كل حاجة هتبقى تمام .. وهنبدأ من جديد..

رفعت رأسها وتلاحقت الدموع من بين جفونها قائلة:-
- إنت متعرفش حاجة .. هما مش هيسبوني أبدًا..
قتـ'لوا أمي .. وخلوني وحش..

حرك تميم رأسه نافيًا واسترسل يقول وهو يكبح نفسه بقو'ة عن احتوائها وإزالة تلك الدموع الحا'رة..
عندما يُصبح له الحق سيحتويها داخل أحضانه حتى ينتز'ع كل هذا الألم من قلبها..
- ربنا ليه حكمة في كل حاجة يا غفران..
قدرك إنك تبقي هنا وتنعزلي عن العالم علشان تبقي بنقاءك وروحك الطفوليه..
إنتِ قلبك لسه ببراءة قلب الأطفال .. جواكِ نضيف خالي من ا'لغلّ والحـ'قد والسو'اد..
أوعي تفتكري إن العالم إللي اتعزلتي عنه ده حاجة مثالية..
دا الحياة بقت ملـ'طخة بكل أنواع الأ'ثآم ومليانه بحاجات لا تخطر على عقلك البريء..
الغابة إللي عيشتي فيها صدقيني أرحم من العالم إللي اتعزلتي عنه..
وملار وبو .. لو لفيتي العالم كله مش هتلاقي أوفى منهم يا غفران..

كانت تستمع له بعدم فهم وتعجب، لكن جُلّ ما أدركته أن العالم الخارجي لا يختلف عن وحشـ'ية والدها وطاقمه..
هل سيسامحها الله على ما ارتكبته.؟
هناك الكثير أمامها لتتعلمه من تميم..
تميم الذي كان بمثابة قبس أنقذها من الضياع والظلام الأبدي الذي كانت منغمسة به..

قال تميم بهدوء:-
- لما نرجع الفندق هتبقي طبيعية جدًا محدش هيعرف بإللي حصل وخليكِ حذره لأن أي غلطة هتكون بضياعنا..

كادت أن توافقه لكن تراجعت بزعر وهي تُحرك رأسها نافية قائلة با'نهيار وخوف:-
- بس هيعطوني الحقنة .. ولو أخدتها هسمع كلامهم .. ووو .. وو .. وهقـ'تلك..

وتابعت بانهيارٍ أكثر وتشنج باكٍ:-
- أنا مش عايزه أبقى وحشه .. مش عايزه كدا..

أشارح وجهه پألم ثم ما لبث أن الټفت لها ونظر بقو'ة وإصرار يطمئنها:-
- إياكِ تخافي يا غفران .. أنا معاكِ وربنا معانا .. ربنا مش هيسبنا أبدًا وهينقذنا منهم ربنا أقوى ..

كلماتٍ بسيطة استطاع أن يبث بداخلها راحة وطمأنينة عجيبة .. صمتت وهي تنظر للسماء بهدوء تقول بداخلها سرًا:-
- أنا عارفه إن عملت حاجات كتير مش كويسة، وعارفه إن عمري ما عملت حاجة كويسة في حياتي ولا كنت زي ما إنت قولت..
بس أنا مش كدا .. إنت فاهمني يارب..
أنا محدش كلمني عنك ولا حتى كنت أعرفك..
بس نفسي أعرفك وأعرف حاجات كتيرة حلوه..
تميم بيقول إنك قادر على كل شيء..
وإن إنت قوي وأقوى من أي حد..
أنا أول مرة أكلمك .. ممكن أطلب منك طلب..
انقذني منهم ومش تخليهم يأ'ذوا تميم علشان هو إنسان كويس..

                        ************

- لسه مش لقياها..

- إنت قلقان ليه يا معلم .. أكيد زي ما هي متعودة بتطلع الغابة وبتقضي معظم اليوم هناك مع ملار..

- غابت يا فتحيه .. وميعاد الحقنة عدا تعرفي ده معناه أيه..!!

قالت فتحيه ببعض القلق:-
- بس يا معلم المفعول مش بيروح بسرعة كدا .. وهتلاقيها داخله دلوقتي مش هتتأخر عن كدا..

تسائل بحدة:-
- طب وتميم فين..

- شوفته خارج من شويه .. ومشى بعربيته 
قال إن هيروح مشوار يخلص شغل ليه وراجع..
تقريبًا بيروح الناحية التانيه من الغابة في نوع مُعين من الأعشاب بيدور عليه..
يعني شكله مش من العيال إياها..

صا'ح بنبرة تملؤها الشړ:-
- بس لازم نتخـ'لص منه علشان نكمل الطلبية..

                      ***************

خرجا من منزل الشيخ بعدما أصبحوا شرعًا زوج وزوجة وبشهود مجلس الشيخ..
وقف تميم أمامها بجانب السيارة ينظر لها ويتأملها بحرية .. كم أصبحت أكثر براءة وفتنة في الحجاب الذي وضعته بعشوائية حول رأسها..
لا تعلم ما الذي انتابها حتى شعرت باضطربات غريبة بداخلها وثمة حرا'رة تطفو فوق وجنتيها ثم أخفضت رأسها بخجل..
ابتسم تميم ثم اقترب منها أكثر ولثم جبينها برقة وحنان جعلوا غفران يكاد أن يغشى عليها..
ليس لأنها لم تُجرب هذا من قبل أو أن تلك المشاعر جديدة عليها..
لكن هي من الأساس لم تتذوق الحنان ولا تعلم كيف يكون مذاقه..
الحنان الذي يتدفق من أعين تميم..
ها'جت داخلها أعا'صير وصدرها يعلو ويهبط مسرعًا فجعل تميم يُمسك كفها بحنان وهو يقول بحب:-
- إهدي يا غفران .. أنا معاكِ وهنمشي الحياة خطوة خطوة، هعملك كل حاجة وهعوضك كل إللي فاتك وهكون لكِ درع يحميكِ..

ارتعشت شفتيها وهي تنظر ليده المُمسكة يدها ثم رفعت أعينها تنظر داخل عينيه ليغر'ق هو داخل فيروزتها التي تربصت به منذ البداية حتى جر'فته داخلها ليصبح مأسو'رها..
- مبارك علينا يا غفران..

همست بتذبذب:-
- إحنا كدا بقينا متجوزين صح..

ابتسم لها وقال بمرح وهو يفتح باب السيارة فقد أخذ الضوء بالإنسحاب ليفسح المجال لظلام الليل:-
- بقيتي مراتي فهمي نظمي رسمي يا ست البنات غفران..

استقل السيارة بجانبها وهو يستمتع بخجلها غير مصدق أنها نفسها التي أتت تعرض عليه الحب على أنه الزواج..

انطلق في طريق العودة ثم قال يذكرها:-
- زي ما اتفقنا..

                     ****************

وسط الظلام على مقربة من المنزل الذي يتوسط الغابة اقتربت غفران بصحبة ملار بعدما انتز'عت الحجاب الذي وضعه لها تميم پألم..
أما تميم فقد انتظر بعيدًا لتكون هناك مدة متباعدة بين عودتهم..

أقدامها كانت ترتعش فدخولها إلى المكان هذه المرة يختلف .. تلج داخله بعدما علمت بعضًا من الحقائق المُرة..
تشجعت وهي تتذكر وصايا تميم..
لأجله .. حتى لا يمسه ضرر أو أ'ذى..
رسمت البرود المعتادة به وتلبست الجمود وهي تطأ أعتاب المنزل بثبات..

عندما وقعت أنظاره فوقها ركض نحوها هو وفتحية بقلق وذ'عر..
- غفران .. كنتِ فين .. وإزاي تفضلي برا لغاية دلوقتي..

تصنعت التعجب وهتفت بلامبالاة:-
- خير يا بابا .. عادي كنت في الغابة بنتسابق أنا وملار وراحت عليا نومه..
ليه كل القلق ده .. عادي يعني مش أول مرة..

نظرت فتحيه له بأن يهدأ فلازال الأمر تحت السيطرة ثم هتفت بحنانٍ كاذب:-
- حبيبتي قلقنا عليكِ .. شكلك تعبان وفضلتي النهار كله من غير أكل ولا حتى علاجك..

ابتسمت داخلها بسخرية وجارتها في حديثها وهي تدلك عنقها بإرهاق:-
- فعلًا حاسه بجسمي مهد'ود..

هتفت فتحيه:-
- طب تعالي يا سنيورينا تغيري هدومك واجبلك لقمة تكليها وتاخدي حقنتك وترتاحي..

سارت غفران بهدوء وداخلها يبكي .. ولا تعلم ماذا سيحدث بعد أن تأخد تلك الإ'برة اللعېنة..

                   *******************

خرج تميم من سيارته أمام الفندق بعد مرور مدة ساعة وأوشك على الدخول..
وفور أن أصبحت قدماه بداخل المنزل قابله الظلام ليقف متخشبًا بعد سماعه هذا الصوت...

- اثبت مكانك..

[تربصت بي أعين قاټلة]
<الفصل التاسع> -٩-

رفع رأسه بثبات ليجد ما كان يتوقعه..
والد غفران يفو'ر غضبًا..
نعم يعلم السبب!
لعجزه عن قـ'تله حتى الآن.

- خير يا معلم، في حاجة.؟!

قال محروس بأعين تقـد'ح شرًا محاولًا كظم غضبه:-
- حضرتك أيوا قاعد في الفندق، بس مينفعش تبقى داخل طالع كدا، وتتأخر لنص الليل كدا والفندق في حريم يا أستاذ..

تنهد تميم بسخط من قذا'رة هذا الرجل وشره، وهتف:-
- كان عندي حاجة مهمة جدًا يا معلم، ومضطر على التأخير لأن أنا جاي في مهمة وبدور على حاجة مهمة..

قال محروس بمضض:-
- ياريت ميبقاش في تأخير تاني..

- إن شاء الله، تصيح على خير..

وصعد تميم لأعلى دون أن ينتظر رده..

                     ******************

بدأ مفعول هذا السـ..م يسري بعروقها، حاولت بشتى الطرق أن تظلّ ثابته لا تتأثر لكن لا مفرّ..
لا تريد أن يصدر عنها ذنب جديد يُضاف لقائمة آثامها..
بعد قليل ستتحول غفران، سيبث هذا السُـ..م مشاعر غاضبة داخل عروقها لكن هل سيكون أقوى من حبها لتميم.!!
تميم لم يتخلل لقلبها فقط، بل تخلل لثنايا روحها..
وحب الروح لا يضاهيه شيء..
أخذت تلك الجرعة ورضخت لهم كي تحميه وتحافظ على حياته، هو يستطيع السيطرة عليها، لكن هي لا تأمن مكرهم..

أغمضت أعينها وألم فظيع يلف رأسها دون يأس حتى توهجت أعينها بالشرارة المطلوبة..
خرجت من الغرفة تحاول استنشاق الهواء لكن وجدت أقدامها تقودها دون إرادتها حيث غرفة تميم..
كلمات تتردد داخل أذنها دون توقف..
كلمات والدها المسـ..مومة لأجل قـ..تل تميم..

- إنتِ لازم تخلصي عليه الليلة مفهوم.. 
لو ما اتخلصتيش منه أنا هتصرف بطريقتي.. 
بس احذري يا غفران هتكون العواقب وخيمة صدقيني.. 
لازم نكمل الطريق إللي بدأناه يا غفران مفيش مجال للتراجع.. 
أنا عارف إنك تقدري تعمليها، إنتِ بنتي وتربيتي..

جسدها بدأ في الإرتعاش وزاغت أعينها لا تعلم كيف تتصرف، فقد أصبح هناك حاجز يجأر بداخلها.. 
لا تريد أن تكون سيئة، لا تريد أن تفعل أشياء تغضب الرحمن كما يقول تميم..

وقفت أمام الغرفة قليلًا ثم ولجت للداخل بحسم.. 
سارت برأس منخفضة حتى جلست على الفراش وسط الضوء الخاڤت، كانت أعينها تتأمل ركوعه وسجوده بلا ملل حتى انتهى..

استقام تميم بإبتسامة محبة ثم جلس بجانبها بينما هي مخفضة الرأس.. 
سحب يدها بين يديه، وقبل باطن كفها بحنان ثم همس بحب:-
- مخبيه عيونك عني ليه يا غفران...

التزمت الصمت.. فوضع اصبعه تحت ذقنها يرفع عينيها داخل عينيه فيتأملها بحرية وحنان..

- العيون دي بقت حلالي، ملكيش الحق تخبيها عني تاني يا حبّة القلب.

- بس العيون دي دلوقتي قـ..اتلة وجايه علشان تخلص عليك، العيون دي شريرة دلوقتي يا تميم..

- عندك حق فعلًا..

رفعت رأسها بحزن ليُكمل بحنو:-
- تلك العيون نفذت لأعمق وادٍ بقلبي، وامتلكته فـقـ..تلت كل نساء الأرض بقلبي وكُتبت الحياة الأبدية لِغفران بداخله.

- كلامك جميل أوي يا تميم، بتقولي كلام أول مرة أعرفه، أنا معرفش الحياة فيها أيه؛ علشان كدا الحياة في نظري هي تميم..

كوب وجهها بين يديه وهمس لها بحنان:-
- هنقذك من كل ده يا غفران، وهنبدأ سوا من أول وجديد، هنعيش سوا كل حاجة وكل إللي مش عشتيه.. 
مش هسيبك أبدًا... علشان أنا إللي محتاجلك..

ابتسمت من بين دموعها، لا تعلم أتبكي أم تضحك بعد أن تلاعبوا بمشاعرها، وبدلًا من أن تلقي بجسدها داخل أحضانه سحبت سـ..كين حا'دة.. 
ورفعت يدها لأعلى بقوة قاصدة موضع قلبه وهي تنظر له بــــــحُـــــب..!

                    ******************

سحبت صندوق نحاسي عتيق ثم جلست على فراشها وهي تُبعد غطاءه بقلب مُحملّ بالأحزان.. 
أخرجت محتوياته وهي تتحسس صورة قديمة پألم وكمد.. 
سلسال يتوسطه ورقة شجر  .. وورقة صفراء قديمة كُتبت بها أخر كلماتها، ودفتر مذكرات..

- غُلبت تدوير يا عفيفة ومش لقياها، مش عارفة أعمل أيه، ومش في إيدي ألا أدعيلها وبس.. 
سامحيني يا عفيفية.. حقك عليا يا حبيبتي..

وعادت إلى ربوع تلك الذكرى التي لا تبرح عنها..

- خلاص اتجوزتي يا سوسن ونسيتي عفيفية صاحبة عمرك، لا بجد أنا زعلانه..

- يا بت راعي إن في فرق سنتين بيني وبينك، وبعدين أيه الهبل ده، أنسى مين؟ 
هو إنتِ بالنسبة ليا صحبتي بس يا عفيفية..! 
إنتِ أختي وصاحبتي وبنتي.. 
بس اليومين دول الحمل تاعبني شوية وأكتر الوقت نايمة..

- إنتِ لولاك في الدنيا دي أصلًا يا سوسو.. 
اسكتي الواحد متحمس أووي للبيبي ده، قوليلي بقاا قوليلي نويتي تسميه أيه إنتِ وحسين..

قالت سوسن بفرحة:-
- زي ما كان نفسي واتفقنا أنا وإنتِ لو ولد هسميه تميم.

- طب يلا شدي حيلك كدا علشان مستعجلة وعايزه أشوف جوز بنتي المستقبلي إن شاء الله..

ضحكت سوسن وهي تتحسس معدتها:-
- سامع كلام حماتك يا تيمو، إحنا اتفقنا خلاص ومش هتتجوز غير السنيوريتا غفران إللي هتستناها لغاية ما تيجي في المستقبل..

علا صوت الضحك لتتغير ملامح عفيفية بحزن، تسائلت سوسن بترقب:-
- مالك يا عفيفية، حساكِ مخبيه حاجة عليا..

فركت كفيها بقلق وأعين ممتلئة بالدمع:-
- عمي يا سوسن، أنا خاېفة منه أوي.. 
فوق إن مليش حد في الدنيا دي ومحرومة من كل النزه، والعذ'اب إللي بشوفه على إيده وإيد مراته وعياله وذنبي إنه مستحملني علشان أهلي ماتوا.. 
عايز كمان يحرمني من إن أتجوز حد أختاره.. 
تصدقي عايز يجوزني لتاجر يا سوسن أكبر مني اتنين وعشرين سنة يعني أكبر من عمري.. 
ويقولي لتتجوزيه ل الشارع..

تربد وجه سوسن بالڠضب وهد'رت بقوة:-
- مش هيحصل يا عفيفية، ويبقى الشارع أكرملك.. 
إياكِ يا عفيفية..  
أنا قولتلك سيبي البيت وملكيش دعوة.

- والناس هيقولوا عليا أيه يا سوسن.. 
عمي ومراته مش هيسكتوا، ومش هيقولوا إحنا طردناها علشان ميغلطوش نفسهم.. 
هيرموني بالباطل وهيألفوا عليا كلام وحش.. 
واسيب البيت وأروح فين..؟ 
مينفعش طبعاً أجي عندك يا سوسن، الكلام ده ميصحش من قبل ما تقولي..

- يعني أيه يا عفيفية، تستسلمي يعني!! 
يعني علشان خاطر كلام الناس إللي كدا كدا مش بيخلص ترمي نفسك في النا'ر.

ابتسمت عفيفة تطمئنها وقالت:-
- متقلقيش يا سوسن ربنا كبير ومش هيسبني.. 
أنا هكلم الشيخ رفعت بتاع المسجد وأهو بيأثر على عمي شوية.. وهو إللي كل مرة بيحوش عني المواضيع دي، وربنا يستر إن شاء الله..

حركت سوسن أقدامها بعصبية وغير رضى لتقترب منها عفيفية بحب وټحتضنها.. 
- مټخافيش عليا يا سوني، صدقيني ربنا مش هيضيعني..

بادلتها سوسن العناق بقوة ولم تكن تدرك أنه أخر عِناق بل إنها المرة الأخيرة التي سترى بها صديقتها عفيفة..

                 ********************  

القيود تشتد حول قدمها تؤلمها لكن لا مفرّ.. 
ارتمت على الأرض القا'سية الباردة لكنها تظلّ لينة عن قلوب بعض البشر.! 
هل ستشرق شمس حريتها يومًا ما!. 
لم يعد لديها الحق في الحُلم والتمني.. 
يتوجب عليها فقط الرضوخ والرضا... 
لكنها تعلمت ذات مرة قيمة مازالت تتشبث بها رغم انقضاء العمر.. 
أن 
لا تيأسوا من روح الله.. 
هذا وعد الله.. 
لن يُخلفه أبدًا.. 
فقط.. 
قليلٌ من الصبر على المزيد الفائت...

[تربصت بي أعين قاټلة]
<الفصل العاشر> -١٠-
في اللحظة الأخيرة توقفت تزامنًا مع إمساك تميم للسـ.كين حتى أن باطن يده جُرِح.. 
نظرت له بأعين ممتلئة بالدمع وهي تهمس:-
- تميم لا يُنسى رغم أنف آلاف الجُرعات.

ابتسم لها وهمس بصوت مملوء بالحنان:-
- اوعي تفتكري إن خاېف منك، ولا خاېف على روحي بين إيديك.. 
كفاية الطهارة والبراءة إللي بتنبع من عيونك..

قالت باستنكار ساخر:-
- طهارة وبراءة  ...  إنت ملاحظ إنك بتكلم قاتـ.لة من الدرجة الأولى، قتـ.لت أعداد مهوله، وحړقت قلب أمهات وخربت بيوت.. 
أنا مجر'مة يا تميم، ومليش أيّ غفران ولا سماح.. 
صدقني لازم نهايتي العادلة تكون المۏت.. 
اهرب يا تميم اهرب وانجد بنفسك أنت تستحق كل خير.. 
لو أنا ماقـ.تلتكش أبويا هيقـ.تلك، اسمعني وماتورطش نفسك معايا، علشان خاطري..

هتف بتبرم ورفض قاطع وهو يهدر:-
- لو لأخر نفس في عمري يا غفران مش هسيبك.. 
إنتِ أطهر مني شخصيًا، إنتِ متعرفيش البلاوي إللي بقت في العالم، على الأقل إنتِ هنا منعزلة عن كل ملوثات القلب إللي بقت محاوطنا من كل إتجاة.. 
العالم خارج فندقكم والغابة دي مش زي ما إنتِ مفكرة.. 
عارفة إنّ صعب إللي شوفتيه، استغلوكِ في قذا'رتهم بس إنتِ لسه جواكِ الطفلة ومازالت براءتك وطهارتك مالية ملامحك..

أمسك يديها بين كفيّه وواصل حديثه بعطف ورفق:-
- تعرفي يا غفران أي شخص حتى لو مش بيسيب أستار الكعبة لازم يتوب كل يوم لربنا، هو محتاج التوبة والندم، كلنا يا غفران محتاجين نتوب ونندم كل يوم.. 
دا النبي محمد ﷺ كان بيتوب في اليوم سبعين مرة وربنا غفر ليه ما تقدم من ذنبه وما تأخر.. 
إحنا بنحتاج للتوبة في كل وقت وحين يا غفران.. 
متقوليش ملكيش غفران وربنا سمى نفسه الغفور الرحيم.. 
وفي نفس الوقت بيقول في القرآن «وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون» 
وكمان بيقولنا «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين» 
يعني ربنا بيقولنا تعالى توب أنا بحبك، في أعظم من كدا يا غفران..

وابتسم وكأنه يزف لها بشارة:-
- وتعرفي النبي محمد ﷺ قال لنا أيه «رُفع عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 
يعني لو حد أجبرنا نعمل حاجة تحت أي ټهديد ربنا لا يؤاخذنا بيها، كمان بيقولنا إن «التائب من الذنب كمن لا ذنب لها.. 
ربنا كريم جدًا يا غفران، تعرفي من كرم ربنا وحبه لعباده إن بيفضل باسط إيده طول الليل ليتوب مُسيىء الليل، وبيبسط يده بالنهار ليتوب مسيىء النهار.. 
يعني التوبة متوفرة أربعة وعشرين ساعة.. 
في أمل ومغفرة من الله مهما كان وضع العبد يا غفران، قربي منه.. لازم تعافري وتدعيه إن يخرجك من البئر ده وينقذك علشان تعيشي جمبه وتعرفيه، لما تعرفيه هتحبيه أووي يا غفران.. 
ربنا من حبه لنا بيقولنا أيه «يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي..» 
ربنا أكرم الأكرمين يا غفران ولو حكيتلك على قصص التوبة وغفرانه لعبادة إللي ارتكبوا أشنع ما يمكن وكل المحرمات كمان بعلمهم إنها حرام هتتعجبي أوي من لطف ربنا وكرمه.. 
بس لازم نكون صادقين ونعزم إن إحنا منرجعش تاني للذنب ده ونندم عليه..

كان يتحدث وهي تستمع له بقلبها وليس بأذنيها بينما عينيها فتفيض بدمع تجهل سببه.. 
قالت من بين دموعها:-
- تعرف يا تميم عالرغم إن محدش عمره قالي على ربنا ولا حكالي إللي إنت بتقوله ده، وكمان مكونتش أعرف حاجة عن الصلاه ولا كل الجمال ده.. 
بس أنا بحبه أووي فوق ما تتصور، أيوا محدش علمني بس أنا تلقائي كنت برفع راسي للسماء واتكلم معاه واحكيله كمان وأطلب منه.. 
قلبي كان حاسس بيه حتى وهما مسيطرين على عقلي وإدراكِ وباقي جوارحي..

قال وهو يُخفض رأسه بينما أعينه ممتلئة بالدموع:-
- إنتِ ربنا بيحبك أووي يا غفران لدرجة إن ساقني لبابك علشان أنقذك أو أكون سبب... 
ساقني مهرولًا من ذؤابتي لعقر دارك في قصة عجيبة أعجب من الخيال..

همست پبكاء بنبرة مليئة بالبراءة والإمتنان قبل الحب:-
- أنا بحبك أووي يا تميم، إنت معجزتي..

قبل يدها وقال:-
- يبقى تسمعي كلامي، لازم نهرب من هنا سوا وتنفذي إللي هقولك عليه بالحرف..

هتفت پخوف وتردد:-
- بس أنا خاېفة أووي يا تميم، خاېفة عليك.

ابتسم يقول باطمئنان:-
- مش قولنا ربنا معانا..

- طب أعمل أيه..

- أول حاجة خدي الكبسولة دي علشان تضيع مفعول الحقنة.. 
وهقولك هنعمل أيه..

                    *****************

اشتدت ظلمة السماء قبل طلوع الفجر.. 
بغرفة كانت أشد ظلمة كانت مقيدة بقيود حديدية صلبة بحالة مرزية، قد اشتد نحول جسدها حتى أصبح وكأن جلدها يلتصق على عظامها.. 
خصلاتها الطويلة الحمراء شعثاء مُتربة، بينما ملابسها فقد رثت، ووجها متسخ.. 
رفعت رأسها لتزداد هطول الدموع التي لم ينقطع جريانها.. 
طالعها بكبر وتشفي وهو يقول بغل وهوس مچنون بينما يجذبها من شعرها:-
- إنتِ إللي جبتيه لنفسك يا عفيفة، كان هيحصل أيه لو عيشتي معايا بهدوء ومعملتيش نفسك شريفة وطيبة.. 
كان زمانك عايشة في حضڼي وبينا بنتنا.. 
أه لو تشوفي غفران دلوقتي، أنا متحكم فيها وهي تحت تصرفي، إللي بقولهلها بتنفذه بالحرف الواحد من غير تردد، بقت لعبة في إيدي بحركها زي ما أنا عايز.. 
دمرتك وهحسرك عليها.. 
تعرفي هعمل أيه..؟ 
هخليها تخلص عليكِ، وهي متعرفش إنها هتقتل أمها.. 
أمها إللي فكراها ماټت وشبعت مۏت..

                    ******************

كانت تركض وتميم مُمسك بيدها وسط الغابة بعدما نفذ الوقود من السيارة..

                 **********************

قبل قليل علا صوت صړاخ في الفندق من وسط الظلام الدامس..

- إلحق يا معلم محروس الشاب إللي كان هنا هرب، وغفران معاه..

ركض كالفهد لم يترك مجالًا للصدمة وهو يعلم كيف يمسك بهم فأهل مكة أدرى بشِعابها..

                   ******************

لا يعرف كيف من العدم ظهر هذا المجـ.رم أمامهم.. 
تصنم جسد غفران پخوف واحتمت خلف ظهر تميم..

ابتسم بشرّ وهو يقول بخبث:-
- أيه يا غفران هتهربي من بابا وتمشي معاه.. 
إنتِ نسيتي إنتِ مين..

تسلحت بالشجاعة الواهية وقالت:-
- أيوا هروح مع تميم وهو هيعلمني كل حاجة، وربنا هيسامحني ويغفرلي لأن أنا مكونتش حاسه وأنا بعمل كدا..

قال محروس بذكاء:-
- دا الكلام إللي ضحك عليكِ بيه... 
أمثالك ملوش غفران يا غفران، الغفران مش من حقك أصلًا.. 
إنتِ تعرفي إنتِ قتـ.لتي كام واحد وكام بنت.. 
إنتِ تعرفي يتمتي كام طفل.. 
وخربتي كام بيت.. 
وحړقتي كام قلب.. 
مش من حقك الغفران.. 
إنتِ المفروض تكفري عن ذنبك.. 
وأنسب حاجة تعمليها علشان تاخدي حق كل إللي أخدتي روحهم علشان تبقى النهاية عادلة يا غفران.. 
إنك لازم تريحي ضميرك.. 
الحياة مش لكِ يا غفران.. 
لازم تنتهي.. 
ولو أنا منك ترمي نفسك من فوق التلّ ده علشان ترتاحي وتاخدي حقهم كلهم..

قال الجملة الأخير وهو يُشير نحو أحد التلال المرتفعة..

اړتعبت غفران وارتدت للخلف بجسد مرتجف وهلوسات ومقتطعات سريعة تهاجم عقلها بلا رحمة.. 
وجوه ضحايها بتجمعون أمام عينها وصوت والدها وكلماته تتردد بأذنها..

اُقتلع قلب تميم بړعب وهو يُحرك رأسه پجنون ويصيح:-
- مټخافيش يا غفران أنا معاكِ وافتكري إن ربنا معاكِ.. 
غفران متسمعيش كلامه دا شيطان، مش كل مرة هيتغلب عليكِ ويسيطر عليكِ لازم تبقي أقوى.. 
هو بېخوفك وعايز يخلص منك.. 
يلا يا غفران قربي مني وجيبي إيدك..

قالها برجاء وهو يقترب منها عندما لاحظ ابتعادها..

- غفران هتسيبي تميم.. 
غفران حبيبتي إنتِ مرتكبتيش أي ذنب بس لو نفذتي إللي بيقول عليه هتكوني كدا بتعملي الذنب الأكبر..

التفتت للخلف وهي تنظر للتلّ بأعين مليئة بالدموع والخۏف والألم.. 
تحركت بظهرها عازمة على الخلاص وإن كان نحو الهاوية..

[تربصت بي أعين قاټلة]
<الفصل الحادي عشر> "١١"
تيبست بأرضها وقد تملكها دوار فتاك..
في ظلّ تيهاتها وتربُص محروس، سارع تميم نحوها ثم جذبها بشدة نحو أحد الأنفاق المظللة بالأشجار..
- يلا يا غفران مش هسيبك أبدًا..

وركض تحت صرا'خ محروس الذي بدأ في الركض خلفهم في تلك المتاهة..
- غـــــــــفــــــــران اقفي يا غفران، مش هسيبك مسيرك ترجعيلي يا غفران علشان أنا إللي مسيطر عليكِ 
أنا عندي لكِ مفاجأة من العيار التقيل..
روحي روحي معاه بس هو مش هيستحمل جنانك..

فقد أثرهما وسط الضباب وكثافة الأشجار ليعود للفندق وهو يتوعد لعفيفة بالو'يلات..

بينما تميم لم يكفّ عن الركض بعزيمة وإصرار حتى ابتعد مسافة جيدة ممسكًا بكفّ غفران بشدة..
توقف لاهثًا عكس غفران التي لم تكن مثله وذلك لإعتيادها الركض بمشاركة ملار..
استندت على أحد الأشجار واضعة كفها فوق قلبها، تنهدت والكلمات التي نثرها والدها العزيز تطوف حولها..
تربدت ملامحها بالحزن وغامت عينيها الجميلتان بدموع صافية شفافة زادتها جمالًا وفتنة..
أصبحت بلا أحد .. وهل كانت من قبل تنتمي لأحد..!
بلا أب ولا أم .. لا كُنية ولا هوية..
مجرد قا'تلة مجر'مة .. مچنونة كما ينعتها والدها..

كان تميم منشغل بفحص الموقع بهاتفه ويحسب المسافة التي تفصلهم عن الطريق العام..
رفع رأسه يُحدثها ليجدها بتلك الحالة، تألم قلبه لأجلها، يعلم أن القادم ليس بجيد لكن ما يهمه حاليًا سلامتها.
اقترب منها مبتسمًا بينما رفع كفه بحنان يزيل دموعها طابعًا 
همس لها بحب ممزوج بالغزل كانت الطريقة المثالية ليخرجها من كهف أفكارها السلبية:-
- عيونك يا غفران..

رفعت عينيها نحوه متسائلة برقة فطرية:-
- مالهم.!

- فيهم فتنة غير طبيعية، بحبهم أووي وواقع في غرامهم، على فكرا بيكونوا حلوين أووي وإنتِ پتبكي..
آآه بجد .. بيكونوا صافين وبيكونوا زي الزجاج ولونهم بيبقى بلون السما..
حقيقي عيونك غريبة أووي..
وقعت في حيرة عينيكِ وأضحيتُ أتسائل..
هل هم بلون الموج الثائر..؟
أم بلون السماء الصافية؟
أم بلون حجر فيروزي عتيق.؟
لكن في النهاية لا جدوى!
فقد وقعت في أسرهم وانتهى الأمر..
لقد تربصتْ بي تلك الأعين حتى لقيتُ مصرعي وأصبحت شهيد الحب..

ضاعت وضاع حزنها من تلك الكلمات التي تسمعها لأول مرة وكان لها سلطان على قلب حيا داخل أنفاق القسۏة حتى بات يعلم أن الحب وجه من وجوه القسۏة لا أكثر.
آنست منه الحنان والدفء فراحت تتسائل ببراءة ممزوجة بالألم:-
- بجد يا تميم .. يعني أنا مش وَحش زيّ ما بابا بيقول..
وإن إنت مش هتستحملني وهبقى تقيلة عليك..
يعني أنا مش قا'تلة يا تميم ولا مچنونة ولا شريرة..
يعني ممكن ربنا يغفرلي..
أنا أتحب صح .. مش إنت بتحب غفران .. يعني أنا حلوة كدا..

انشق قلبه مما تعانيه من ألم وضياع..
كانت إجابته ضمة قوية احتوى بها ۏجعها، حيرتها، تشتتها وضياعها وفقدانها للحنان..

- إنتِ أطهر وأنقى بنوتة شافتها عيني، إنتِ حبيبتي ومراتي وبنوتي ونور عيوني..
تستحقي كل الحب بس مني بس..
أنا بس إللي من حقي أحبك وأدوب فيكِ .. ليا وبس..

طوقت عنقه بتعب وهي تتشرب من حنانه وتنعم بدفئه، ابتسمت براحة وبعض آلامها تبرح عنها..

ابتعدت عنه قليلًا وهي تقول بلهفة بينما تتحرك ممسكة يده:-
- يلا بسرعة نمشي من هنا قبل ما يلحقنا..

نظر لقدميها الحافية والتي تنز'ف مليئة بالچروح نتيجة للعطوب التي تملئ المكان..
- غفران استني..

التفتت له قائلة:-
- نعم في أيه..

انحنى وحملها برفق ثم قال:-
- الچروح ماليه رجلك..

قالت باعتراض:-
- تميم .. لا كدا تقيل عليك والطريق كله منحنيات..
أنا كويسة نزلتي متعودة على كدا..

هتف وهو يسير حاملها:-
- مش عايز أسمع إعتراض يا غفران خلص الكلام..

               **********************
كان ېحطم كل ما تطوله يداه، يجأر بصوتٍ مرتفع هزّ الأرجاء، فنكمشت وهي تتيقن أنها ربما تكون النهاية..

- بنتك هربت يا عفيفة، مهما حاولت معاها جيناتك الو'سخة لازقة فيها، نفس الهطل إللي بتسموه طيبة..

انحنى نحوها يجذبها من شعرها وهو يكمل بشرّ:-
- بس تعرفي هجيبها وهخلص عليها، لو مش هتبقى تحت طوعي مش هتعيش يا عفيفة..
إنتِ الورقة الرابحة الأخيرة إللي معايا..
لازم تعرف إنك عايشة .. هرجعها وأخلص عليكم إنتوا الاتنين كفاية عليكم كدا..
تعرفي يا عفيفة أنا غلطان إن مخلصتش عليكِ وإنتِ حامل فيها بس أعمل أيه في قلبي الغبي إللي بيحبك ومهووس بيكِ...

زاد نحيبها رغم سعادتها من تمكن ابنتها من الهرب..
ابنتها التي لا تعلم بوجودها، غفران صغيرتها التي لم تراها منذ أن كان عمرها ثلاث سنوات رغم وجودهما في نفس المكان..
أي عذ'ابٍ هذا.!

- لا يا شهاب .. سيبها في طريقها حرام عليك دي بنتك أنا موجودة أعمل إللي إنت عايزه فيا بس بلاش غفران..

أشرق وجهه واقترب منها ثم جذبها عنوه لأحضانه وهو يهمس بفحيح:-
- شهاب .. ياااااه مسمعتش أسمي من زمان منك أووي يا عفيفة بعد ما عشت عشرين سنة باسم محروس..
حاسس إن مجرد ما تنطقتي بس اسمي إنك جددتي كل حبك إللي مش بينتهي جوايا..
متعرفيش بحبك قد أيه يا عفيفة..

واقترب أكثر منها يُمسد على ذراعها بخبث بينما انكمشت على نفسها بخوفٍ جلي..

- عفيفة حبيبتي أنا مستعد نفتح صفحة جديدة مع بعض ونبدأ من جديد ... أنا وإنتِ وغفران بنتنا..
هنبعد عن هنا خالص نروح مكان بعيد وهعوضك يا روحي..

ابتعدت تزحف للخلف وهي تحرك رأسها بنفي هامسة بضعف:-
- المؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرتين يا شهاب، وأنا مش هكرر غلطة زمان لما قبلت أتجوزك وأسمع كلام عمي ومراته إللي د'مروني بجوازي منك..
مستحيل..
أنا المۏت أهون عليا من إني أعيش معاك تاني..
إنت أسو'ء إنسان شوفته في حياتي، إنت الصفات السيئة إللي في الدنيا كلها اتجمعت فيك يا شهاب..
د'مرت شبابي وحياتي وبسببك اتحرمت من نزه الدنيا كلها وعملت مع بنتي كدا بس ربنا بيحبها واستجاب لدعواتي وبعت إللي ينجدها وهيعوضها عن إللي فات..
أنا كارت ملهوش أي لازمة معاك يا شهاب لأن دي نهاية الطريق خلاص .. دي نهايتك..
تبقى غبي لو فاكرني خاېفة من المۏت أو منك، أنا كنت خاېفة في وجود غفران بس خلاص غفران هربت وأنا واثقة إنك مش هتوصلها أبدًا..

لقد فتحت على نفسها أبواب من الجحـ.يم سيحر'ق الأخضر واليابس..
اندفعت نا'ر السعير بعينيه واقترب منها ثم انحنى نحوها وقد أيقنت أنها النــــهـــــــايــــة.. 
وداعًا صغيرتي غفران..

                  *********************

كتب الله لهم النجاة..
خرج تميم الذي يحمل غفران إلي الطريق العام بعد مكابدة ومشقة شديدة..
وضعها برفق على أحد الأحجار ثم قال بغيرة وهو يقبل رأسها بينما يحكم وثاق الحجاب حول خصلاتها البرتقالية:-
- نتعود كدا الحجاب يفضل ملفوف بإحكام مش هستحمل مخلوق يلمح شعرة واحدة منك..
مستعدة نبدأ حياة جديدة وتواجهي العالم وأنا دليلك..
هنصلح كل حاجة وأنا معاكِ..

نظرت له بتيهة ثم قالت بتوتر:-
- خاېفة أوي يا تميم .. 
أنا تايهة..

- قولتلك أنا دليلك.

جلس على عقبيه أمامها ممسكًا يدها بلطف وهتف وهو ينظر لداخل عينيها:-
- عايز أقولك على حاجة أو بالأصح أوريكِ حاجة..

أخرج من حقيبته الظهرية بعض الأوراق وقال موضحًا:-
- دي شهادة ميلادك يا ست غفران .. ودي كمان بطاقتك الشخصية..

تسائلت پصدمة:-
- وصلتلهم إزاي .. أنا عمري ما شوفتهم..

تنهد قائلًا:-
- أنا مكونتش في الجُحر ده ساكت يا غفران من أول ما عرفت إن في حاجة غلط في الحكاية دي بدأت إن أدور ورا كل واحد موجود..
ولما قررت نهرب..
مشروب المهدأ بتاع المعلم محروس وفتحية إللي بيشربوه قبل النوم حطيت فيه منوم بعد معاناة..
ولما عمل مفعوله دخلت أوضة أبوكِ إللي عامل عليها حصار وبدأت أفتش فيها عن أي حاجة تفيدنا أو توصلنا لحاجة، وأنا بدور لقيت شهادة ميلادك وبطاقتك الشخصية..
والبطاقة دي .. أظن إنها لوالدتك..

أخذتها غفران بلهفة وهي تتأمل صورة والدتها التي تجهل ملامحها بشوق وحب، ترقرق الدمع بأعينها وقالت بحنين:-
- أمي .. ياريتك كنت معايا يا ماما ليه سبتيني لواحدي..
ليه سيبتي غفران للمجر'م ده..
تعرف يا تميم هو قتـ.ل ماما ... أنا سمعته بودني..
حرمني منها..

جذبها لأحضانه ثم همس لها بحنان وهو يمسد على ظهرها:-
- إهدي يا غفران .. إهدي يا عمري .. هيتحاسب على أفعاله صدقيني
أنا معاكِ ومش هسيبك أبدًا..

انكمشت أكثر داخل أحضانه وهي تتشبث به قائلة من بين دموعها:-
- تميم أنا بحبك أوي ماتسبنيش..

ضمھا أكثر يقبل رأسها وهو يهمس:-
- إنتِ حبي الحلال يا غفران، إنتِ إللي ربنا ساقني لكِ.
قدري وعوضي الجميل..
وعلشان كدا أول حاجة هنعملها يا حبيبتي إننا هنتمم جوازنا علشان محدش يقدر ياخدك مني تاني.

رفعت رأسها متسائلة بتعجب:-
- يعني أيه نتمم جوازنا يا تميم..

[تربصت بي أعين قاټلة]
<الفصل الثاني عشر> -١٢-
ابتسم قائلًا:-
- يعني إحنا دلوقتي متجوزين شرعي بس مش زواج قانوني، وبما إنّ وصلت لبطاقتك وشهادة ميلادك فنقدر دلوقتي نوصل لأقرب مأذون يكتب كتابنا من تاني ويوثقه في المحكمة علشان تكوني بكدا مراتي شرعًا وقانونًا..

تنهدت براحة قائلة بإمتنان:-
- شكرًا يا تميم .. شكرًا على كل حاجة عملتها علشاني..

- علشاني أنا .. أنا إنتِ .. وإنتِ أنا، مش عايز أسمع منك الكلام ده تاني..
يلا بينا علشان نرجع على بيتنا..

وبعد قليل أتى صديق لتميم بسيارته وأخذ غفران في الطريق لبداية جديدة..

                  *******************

بأحد البنايات الراقية بداخل شقة دافئة كانت سوسن تعمل على قدمٍ وساق بعد أن أخبرها تميم بعودته..
تقف بجانب تالين التي تكاد أن تُحلق من السعادة بعد علمها بعودة شقيقها تميم..
تطهو ما لذّ وطاب مما يُفضله تميم..

- مبسوطة أووي أخيرًا تيمو هيرجع يا ماما..
البيت كان وحش أوي من غيره، مكونتش عارفة اقعد من غيره...

وتابعة بسعادة:-
- عايزة أعمل البسبوسة بالكريمة إللي بيحبها تميم بسرعة قبل ما يوصل..

ابتسمت سوسن والدة تميم وقالت توافقها القول:-
- تميم عمود بيتنا، ربنا يبارك فيه يارب ويبارك فيكِ يا توتا ويخليكم لبعض العمر كله..
يلا كملي البسبوسة وأنا هبص على المحشي كدا أشوفه طاب ولا لسه..

- طيارة يا سوسو..

                     *****************

بداخل السيارة كانت غفران تشاهد العمران وكل ما يقابلها بلهفة وفضول للمرة الأولى..
عينيها متسعة ممتلئة بالفضول لأشياء جديدة تراها للمرة الأولى، الحدائق والأطفال والمارّة..
إنها حياة هادئة بعيدة عن الـعـ.نف والقتـ.ل الذي تربت عليه، إنهم أُناس أسوياء ليسوا مثلها إمرأة شيطانة..
هي لا شئ، فما الذي سيدفع تميم إلى التمسك بها، هي كاللعڼة سقطت على رأسه..
كان الكثير من الأفكار السوداوية تحتل عقلها نظرًا لما لاقته في حياتها، قلبها لا يُصدق تقبُل تميم بكل الندبات التي تملئها..
تراه كاملًا لا ينقصه شيء، راقي، متدين، جميل من الداخل كجمال خارجه، يمتلك أهلًا جيدين أمًا وأبًا، متعلم ومثقف... وأكثر من هذا..
هذا كله يقابله الضدّ لديها بل وأسوء..
هل هذا المكان مكانها، أم أنه لا يليق بها سوى الغابات والإنعزال..؟!
هل تستطيع التأقلم ومجابهة كل هذا التحديث الذي ستلقاه؟!
تلك الندبات والسقوطات النفسية .. هل تُشفى!!
المخاۏف تحفها ولا تعلم ما عليها فعله..
أمضت حياتها أسيرة، فهل آن الأوان أن تُحلّق نحو الحريّة؟ 
آثمةٌ هي جبرًا وهل لها من غفران؟!

تنهدت تنهيدة ثقيلة، تلك عُقدة نقص ليس من اليسير تخطيها، انتبهت إلى توقف السيارة، التفتت حولها بتعجب لتتفاجئ بتميم يفتح لها الباب ويمدّ كفه لها دعوةً للنزول..
هبطت لتجد أنها أمام أحد المباني الكبيرة التي لم ترى مثلها من قبل..
ابتسم لها تميم بحب ثم قال بلطف:-
- يلا بينا..

حركت رأسها بصمت وهي تشعر ببعض الرهبة لكن درع طمأنينتها كان بجانبها ولن تقلق..
بعد فترة وجيزة كان تميم يصطحبها وهو يهتف بفرحة:-
- إحنا كدا كتبنا كتابنا تاني، وهيقدر المأذون يخرج لنا بعد كام يوم قسيمة الجواز إن شاء الله..

وواصل حديثه وهو يُشير لأحد المتاجر العريقة:-
- تعالي معايا كدا...

تسائلت بصوت مرتعش:-
- هنروح فين تاني؟

- هتعرفي دلوقتي..

وبعد القليل كان تقف وسط مول كبير مليء بكافة أنواع الملابس وأرقها، قال تميم بإبتسامة نديّة:-
- بصي يا روح تميم، هنا هنلاقي كل الهدوم إللي هتحتاجيها، هنختار هدوم للخروج والبيت والمناسبات كمان، ونجيب كل إللي هنحتاجه وكل إللي نفسك فيه..

تكوّمت الدموع خلف مقلتيها وقد طرق على عُقدة النقص داخلها وهي تترك يده وتقول بحساسية شديدة تتضح لتميم للمرة الأولى:-
- قصدك أيه، هدومي مش حلوة ومش تناسبك ولا تليق بيك ولا مجتمعك..

صُدم تميم من تلك الكلمات واعتقادها الخاطئ ليقول مسرعًا بصدق وهو يضم يدها:-
- غفران حبيبتي والله ما أقصد أيه حاجة من إللي فهمتيها يا روحي، أنا أقصد إن بنبدأ حياة جديدة ويكون عندك كل إللي تحتاجيه..
وبعدين مش دايمًا كنتِ بتقوليلي إنك عايزة تلبسي اللبس إللي ربنا قال عليه، وإحنا جينا هنا علشان كدا يا وردتي، إزاي فهمتي كدا أنا قابلك بكل ما فيكِ يا غفران وحبيت الۏحش قبل الحلو وهنغير إللي مش صح سوا..

كانت تنظر له كالملهوفة تبحث في عينيه بلا هوادة عن الصدق ووجدته صريحًا يصر'خ بأنه صادق..
حركت رأسها بإيجاب وهي تقول وكلمات والدها لا تبرح عنها:-
- أنا بس مش عايزة أكون تقيلة عليك وتضرر مني..

اتضح لتميم شيء كان يجهله، هناك ندوب نفسية داخل غفران لا يجب أن يتخطاها، ما مرت به يجعل من نفسهِ حاجزًا لبدأ حياة جديدة..
لابد لها من تأهيل نفسي وسيكون هو طبيبها..
حاول بشتى الطُرق أن يُخرجها من كبوتها، فأخذ يتركها لتختار ملابسها وبقى يختار معها..
ليبتاع لها الكثير من الملابس المحتشمة التي وقع إختيارها عليها، وأخرى للمنزل وأخرى للمناسبات، والأحذية والحقائب، حتى أنه اصطحبها إلى محلّ الكتب لتحتضن الكُتب بلهفة ليُرشح لها الكتب الجيدة والروايات المفيدة..
ثم اصطحبها إلى آخر مكان وكان مفاجأته..

بقت غفران تنظر بأعين متوسعة مندهشة، فرفعت أنظارها له وتسائلت:-
- أيه ده..

ابتسم تميم وقال بهدوء:-
- أنا عارف إن ربنا عطاكِ موهبة الرسم وشوفت كذا رسم لكِ بالأحجار الجيرية..
هنا كل أدوات الرسم إللي ممكن تحتاجيها..
كل الألوان بالأشكال والأنواع، وكمان اللوح..
إختاري كل إللي نفسك فيه يا أميرة غفران..

ظلت تدور بين الرفوف بلهفة شديدة وتسحب هذا وتنظر إلى هذا وټشتم هذا..
موهبة فطرية لم تكن تعلم حتى ماذا تعني!!
فقط كانت تعتقدها مجرد خربشات لا أكثر لتخرج بها من مللها، لكن لا تعلم أن الله رحيم عادل قد غرز بداخلها ما سيكون طريقها للخروج ويرزقها من خلاله بخير العوض، وأن بعد مجرد حفنة أيام ستُخلق فنانة عظيمة من رحم الأسر..!
وفجأة ركضت نحو تميم وألقت بجسدها تحتضنه وهي تتشبث به أمام البائعة بردة فعل تلقائية..
ابتسمت الفتاة وهي تتنحى جانبًا..
ابتسم تميم وطوق خصرها وهو يهمس:-
- انطلقي يا غفران، وتأكدي إن هكون سندك بعد الله وهنعوض إللي فات سوا يا وردتي..

قالت بنبرة كانت كفيلة أن توصل السعادة التي سببها لها تميم إلى قلبه:-
- أنا بحبك أوي يا تميم..
حتى قلبي وهو كان ميعرفش أيه إحساس الحب وإن أصلًا في حاجة اسمها حب حبك..
إنت عيلتي وكل إللي ليّا يا تميم..
وواثقة إن هتعافى بيك..
تعرف ليه .. لأن كنت كل يوم ببص للسما وقلبي يستغاث بإللي أنا مش عرفاه .. عيوني كانت بتشتكي حتى بإللي أنا مش عارفة أقوله..
وإنت كنت إجابة الإستغاثة..
أنا بحب ربنا أوي علشان هو كان معايا وأنقذني حتى وسط ما كنت بأعمل كل وحش وشړ..

رد تميم بنبرة مليئة بالشغف اختصرت كل مشاعره تجاهها:-
- وردتي؛ كيف لا أُحِبكِ.؟!
وقد ساقني الله من ناصيتي إليكِ..
لقد كان حَبوي إليكِ صړخة إستغاثة اخترقت أبواب السماء.

ابتسمت له بوجنتين متوهجتين وقلبه يطرق عشقًا ببراءتها وفطرتها النقية التي تجتذبه نحوها پجنون..
كل دقيقة تمر يغرق أكثر في بحر هواها، وتصبح النجاة من المُحال..
شبك أصابعه معها بحنان وسار حتى وصلا إللي أحد قصور المجوهرات..
كانت تنظر لكل شيء بانبهار وانشغلت عن تميم وظلت تدور تشاهد وتُشبِع عينيها فقط..
- غفران..

الټفت له ليسحب يدها اليسرى برفق ثم يضع حلقة ذهبية رقيقية بخنصرها جعلتها تتأملها بإنبهار وهي تعلم تمام العلم ماذا تعني..
إنه محبس زواج..

- كدا كل حاجة تمام..

قالها تميم وهو يُخرح خاتم فضي ذا حجر فيروزي كعينيها ومدّ يده اليسرى لها بعدما وضعه في كفها..
ضحكت بلهفة وسعادة وهي تسارع بوضعه في خنصره..

قال تميم بعشق:-
- مبارك عليا إنتِ يا وردتي..

ابتسمت بفرحة وقالت:-
- الله يبارك فيك يا تيمو..

قبل يديها بحنان قائلًا:-
- عيون تيمو إنتِ..

وأكمل:-
- يلا بينا على البيت، سوسو تلاقيها منتظره على نا'ر..

شعرت بالتوتر فعلم ما يدور بداخلها ليقول مطمئنها:-
- متقلقيش يا غفران، لما تشوفي أمي هتحبيها أوي صدقيني، أوعي تقلقي من ناحيتها خالص .. أنا معاكِ.

حركت رأسها ثم رحلوا متجهين نحو المنزل حيث مواجهة ولقاء من نوعٍ خاص..

               ***********************

طرقات رتيبة تعلم صاحبها عن ظهر قلب..
ركضت نحو الباب بلهفة تحلّ وثاقه علّ وثاق الشوق يُحلّ أيضًا..
لم ترى سواه ودون إنتظار كانت تحتضنه بلهفة وحنان وشوق..
- تميم .. نور عيني يا حبيبي يا ابني..

بادلها العناق وهو يُقبل رأسها:-
- وحشتيني أووي يا أمي .. وحشتيني جدًا..

- مش كفاية كدا أحضان يا ست سوسو، سيبهولي شوية..

أتى هذا الصوت من الخلف ولم يكن سوى تالين شقيقته..
ابتسم تميم وقال:-
- تعالي يا لمضة.

احتضنها بحب أخوي بينما كانت غفران تتأملهم وشعور من الغيرة يراودها لمرتها الأولى، فلم تكن تعلم هوية تلك الفتاة الجميلة التي يحتضنها تميم..

- وحشتيني أوي يا تيمو..

قبل رأسها وقال:-
- وإنتِ أكتر يا توتا .. حقيقي الأيام من غيرك كانت وحشة..

نظر خلفه لغفران التي تشاهد بصمت ثم أمسك يدها بلطف وهو يسحبها بجانبه، ابتسم وقال بينما توسعت أعين تالين پصدمة وتعجب من هوية تلك الفتاة التي يُمسك تميم يدها وهي تعلم ما عليه أخلاق شقيقها فيدهُ لا تمسّ امراة لا تحلّ له..
بينما صدمة سوسن والدتهما كانت من نوعٍ آخر وهي لا تُصدق ما تراه حقًا ..  إنها هي..!!

تنحنح تميم وقال بجدية:-
- أنا عارف إنها هتكون صدمة لكم، بس القصة طويلة.. وهتعذريني يا أمي إنتِ وتالين إن أخدت الخطوة دي من غير ما تشاركوني فيها.. 
أحب أعرفكم ... غفران .. مراتي وحبيبة قلبي..

اقتربت سوسن ببطئ وأعين ترقرق بها الدموع حتى وقفت أمام غفران مباشرةً..
تدحرجت دموعها وهي تقول پصدمة بينما ترفع كفها الدافئ تتحسس وجه غفران المتعجبة..

- هي .. هي .. أختي وصاحبة عمري .. عفيفة..

≈استغفروا≈ ♥︎.

[تربصت بي أعين قاټلة] ~ *الخاتمة*

اختبأت خلف تميم بحماية تتمسك يقميصه فلمرتها الأولى تواجه موقفًا مع فرد في مجتمع..
لا تعلم ما نوع شعور تلك السيدة تجاهها..
هل هذا حُب أم سيكون بُغض..

تعجب تميم من ردة فعل والدته ولهفتها تلك، فتسائل باستغراب:-
- في أيه يا أمي، قصدك مين..
أظن إنتِ متلغبطه أو بتشبهي على غفران..

حركت رأسها بنفي بينما اندفعت دموعها من عينيها وهي تقول مُشِيرة نحو غفران:-
- لا لا يا ابني إزاي اتلغبت، إنتوا فاكرين عفيفة صاحبتي إللي حكيتلكم عليها، لما انقطعت أخبارها وكان عندها بنوته..
فاكر الجواب إللي وريتهولك يا تميم، وكانت بتطلب مننا ندور على بنتها لغاية ما نوصلها..
وأبوك الله يرحمه دور كتير  ومكانش ليها أي أثر وإنت كمان دورت كتير عليها..
البنوتة دي نسخة تانية من عفيفية، كمان اسمها غفران ودا الاسم إللي كانت عفيفة متفقة معايا تسميه لما تتجوز وتجيب بنت..
أنا واثقة ومتأكدة إن دي بنت عفيفة .. متيقنة..

اقترب تميم من والدته وهو ممسك بيد غفران الذي طمأنها بنظراته ثم وضع يديه على أكتاف والدته وقال بهدوء:-
- إهدي يا أمي خلينا نتكلم بهدوء ونفهم كل حاجة..
غفران لها ظروفها الخاصة وإللي مرت بيه كان صعب جدًا متتصورهوش .. أنا تقريبًا عارف كل حاجة عنها وأبدًا مش شوفت والدتها جمبها..

سحب غفران من يدها برفق وأمسك والدتها يُجلسها على الأريكة، ونظر لشقيقته تالين وقال بمرح لغفران:-
- أيه يا أميرة غفران مش عايزة تتعرفي على تالين وترغوا سوا .. متأكد إن دماغك هتصدع من رغي البت توتو كمان هي هتحبك جدًا..
وبالمرة تغيري هدومك وتفرجيها على الحاجات إللي جبناها..

ضحكت تالين بمرح وقد فطنت ما يريد تميم، واقتربت من غفران تمسكها من يدها ثم سرعان ما احتضنتها وهي تقول بمزاح:-
- والله البيت نور يا أميرة غفران يا مرات أخويا الغالي..
تعالي بقاا علشان أصدعك وأشوف سي تميم جاب أيه وإللي هيطلع على مقاسي نتقاسم فيه أنا وإنتِ يا حبيبة قلبي، كمان تعالي أفرجك على بيتنا المتواضع يا سمو الأميرة..

ابتسمت غفران من لُطف تلك الفتاة وبدأت تشعر بالإرتياح قليلًا، نظرت لتميم الذي أشار لها بتشجيع لتقف وتذهب بصحبة تالين التي سحبتها بمرح راكضة وهم يحملان الأكياس ليختفوا خلف الأبواب..

تنهد تميم براحة فهو لا يريد ذِكر أيّ تفاصيل أمامها كي لا تزداد حالتها سوءًا..
نظرت له والدته بتسائل قائلة:-
- في أيه يا تميم .. احكيلي..

بدأ تميم يسرد لها كل شيء من بداية الحكاية، من فور ما وطأت أقدامه هذا المكان مرورًا بالأشياء الغريبة التي شعر بها، وتخبط غفران وحالتها، والدواء الغريب الذي كان يسيطر عليها والدها به..
ومخططات هذا الرجل القڈرة في ق'تل كل من يمر بالمكان وتجارته بالأعضاء البشرية..
ثم زواجه بغفران وهروبهم..
لم يترك شيء إلا وسرده..

تصنمت والدته وهي لا تصدق ما سمعته، أهذه الأشياء موجودة في حياتنا، كيف يفرط المرؤ بولده هكذا.
ولدها كان على شفا المۏت ولولا لُطف الله وحمايته..
نعم لقد ساق الله تميم إلى هذه البقعة لأجل غفران..
الفتاة مٌحطمة من كل جانب بسبب والدها..
لقد أصبحت تعاني من رُهاب أي شيء..!

شهقت پبكاء وهو تتخيل حال غفران وسط هذه الذئاب، نعم لقد تيقنت أنها ابنة عفيفة..
وهذا القذر يكون زوجها الملعۏن..
همست پبكاء والدموع ټغرق عينيها:-
- يا حبيبتي يا بنتي ...ليه القسۏة دي كلها يا تميم..
أنا مش مصدقة إن ممكن حاجة زيي تحصل يا ابني، ليه الدنيا اتقل خيرها كدا..
يا ترى عاشت السنين دي كلها إزاي وسط المجر'مين دول .. حسبي الله ونعم الوكيل ربنا ينتقم منهم قادر يا كريم..

حرك تميم رأسه بتأكيد حزين، وقال پألم:-
- غفران شافت كتير أووي يا أمي، كون إن هي متحملة لغاية دلوقتي فهي بطلة، وربنا يعيني إن أقدر أعافيها من كل إللي مرت بيه وأعوضها عن كل حاجة يا أمي..

ابتسمت سوسن وهي تمسح دموعها وقالت:-
- إنت حبيتها يا تميم .. حبيتها بالرغم من كل ده..

قال تميم بلهفة ونبرة مليئة يالشغف والعشق:-
- غفران جواها أبيض أووي يا أمي، جواها لسه طفلة، لسه نضيف مش ملوث .. لا تعرف كره ولا حقد ولا غلّ..
عيونها بتنطق بالبراءة وإللي جواها ملامحها بتنطق بيه..يا أمي أنا قلبي وقع أسير لها وكانت حاجة غريبة بتشدني لها .. حتى مشاعرها نقيّه أووي ومميزة جدًا يا أمي .. حُبها ليا مُمَيز جدًا..
طاهرة والطُهر عنوانها بالرغم من كل إللي مرت بيه والقذارة إللي عاشت جواها بس دا مقدرش يتغلب على طُهر قلبها ..
هفضل جمبها وهعلمها كل حاجة وأدعملها لغاية ما تقف على رجليها وتقدر تواجه العالم كله..
وربنا يعنيِ وأعوضها عن كل إللي فاتها..

ابتسمت سوسن بفرحة ظاهرة وهي تهتف بحنان:-
- لو تعرف كبرت في عيني قد أيه يا تميم..
وإنت يا حبيبي تستاهل قلب غفران النقي، فخورة بيك يا تميم وربنا يهنيك يا حبيبي ويكتبلك كل الخير..

وتابعت بحنين:-
- مش متعجبة إن غفران تكون كدا، عفيفة كانت بتملك نفس القلب الطاهر الطيب ده ونفس الروح الجميلة، كل إللي بيشوفها بيحبها .. علشان كدا عمّك إسماعيل كان بيحبها أووي كان مهووس بيها وانتظر على أحرّ من الجمر إنها تكبر شوية وتخلص جامعتها علشان يتقدملها ويخطبها بس الله لا يسامحها مرات أبوها .. د'مرت حياتها ورموها لواحد ظالم ميعرفش للرحمة طريق واحد مريض طلع كل عُقده فيها باسم الحُب المړيض..
ومع ذلك عمّك إسماعيل لسه وفيّ ليها وعايش على ذكراها لغاية دلوقتي، لو تعرف كسرته كانت إزاي يا تميم..
أنا اتخطبت لأبوك وهو كان طاير من الفرحة وأخد أبوك وراح يتقدملها بس اترفض ومكانش عارف ليه، بس عرفت إن كان بسبب الظالمة مرات أبوها حسبي الله ونعم الوكيل..
وفضل عايش عمّك على ذِكراها...

لقد اتضح لتميم كل شيء، ألهذا بقى عمّه إلى الآن أعزب، شقيق والده الأصغر أربعيني أعزب، يقيم وحيدًا في أحد الشُقق السكنية مُنعزل عن العالم..
كانت يتسائل كثيرًا حول هذا العمّ الذي كان بمثابة صديق له، لقد اتضح أنه ضحېة الحُب والقدر..

قال تميم بشرود وحزن:-
- يعني سبب إللي هو في دلوقتي الموضوع ده..
ياااه دا بيحبها أووي ووفيّ جدًا لحبها .. حقيقي مش موجود حد كدا دلوقتي..
بس للأسف يا أمي إللي عرفت عن موضوع أم غفران مش يبشر أبدًا..
لأن غفران سمعت عن طريق الصدفة بالحقيقة، المجر'م ده ق'تلها وباع أعضاءها لما اعترضت على أفعاله..
وكان مستعد يعمل أي حاجة ويإذي غفران..

شهقت سوسن پبكاء وهي تتذكر صديقتها التي كانت بمثابة شقيقتها وقالت پألم:-
- يا حبيبتي يا عفيفة .. شوفتي كتير يا حبيبتي..
ربنا ينتقم منه وېحرق قلبه يارب....

وظلت تبكي ليجذبها تميم لأحضانها ليهدأها برفق..

أمّا في الداخل نجحت تالين في كسر حاجز الرهبة الذي لدى غفران وهي تتحدث معها في شتى الأمور بينما يرتبون ملابسها الجديدة..
وفي هذه الأثناء جعلتها تالين تأخذ حمام دافئ تزيل به إرهاقها ثم أخذت تجفف خصلاتها النا'رية بحنان ورفق تحت نظرات غفران الممتنة وهي ترى أن شقيقة تميم تحمل بدماءها نفس طيبته ورفقه..
أجلستها أمام المرآة وأخذت تمشط خصلاتها لتقول لها بصدق:-
- إنتِ حقيقي جميلة أووي يا غفران .. جميلة من جوا قبل جمالك الخارجي..

ابتسمت غفران بخجل وقالت وهي تفرك يديها على هذا الإطراء الذي يقابلها للمرة الأولى:-
- شكرًا .. شكرًا يا توتو..

- عيون توتو إنتِ..

وأكملت تالين بمرح أكبر وهي تُمسك فساتين غفران:-
- أيه رأيك تلبسي أيه .. ده ولّاااا ده .. ولّاااا ده..

حركت غفران أكتافها وقالت بحيرة:-
- بصراحة مش عارفة همّا كلهم حلوين..

نظرت لهم تالين نظرة تقيمية ثم قالت:-
- بصراحة عندك حق، من رأي خليكِ في الأبيض إللي في ورد سماوي ده .. مريح أكتر ومناسب للبيت ولا إنتِ أيه رأيك..

تلمسته غفران بحنان وهي تتذكر أنه اختيار تميم، ابتسمت بحب وهي تهمس:-
- عندك حق .. جميل فعلًا..

قبلتها تالين على رأسها وقالت:-
- طب يلا يا جميل إلبسيه علشان بصي عندنا غدوه إنما أيه .. هتكلي النهاردة أكل لما تتنفخي..
هناكل محشي الست سوسو والكُفتة بتاعت الشيف تالين والبسبوسة إللي تميم بيعشقها..
بس بصي عايزه رأيك مٌفصل في كل حاجة .. تمام..

أحبتها غفران لبساطتها ومرحها وحقًا استطاعت أن تخرجها من بؤرة أفكارها السيئة وظنونها..
ابتسمت لها غفران بامتنان وقالت:-
- أكيد حلوين علشان من إيدك يا توتو..

- حبيبتي إنتِ..

وخرجت تالين حتى تتركها تُبدل ملابسها..
أخذت ترتدي الفستان وهي تتلمسه بنعومة، فستان  رقيق أبيض منثور عليه ورود بلون السماء من القطن ذا أكمام تصلّ لمنتصف ساعديها وطويل يصل لكعبيها، ضيق من الخصر وينتهي بإتساع...
تركت لخصلاتها المتموجة العنان خلف ظهرها فكانت في غاية الجمال والرقة والنقاء..
جلست على طرف الفراش بتردد وهي لا تعلم ماذا تفعل سوى الإنتظار، تخجل أن تخرج..

بعد مرور بعض الدقائق سمعت طرقات على الباب، انكمشت على نفسها لتنفرج أساريرها حين وجدته تميم، وقفت وركضت نحو وهي تهمس بلهفة:-
- تميم..

تأملها بإفتنان وعشق، أمسك يدها بلطف ثم أخذ يُقبلهم بحُب وحنان هامسًا:-
- عيون تميم وروحه يا حبيبتي..

تخضب وجهها بخجل فوضع اصبعه أسفل ذقنها وجذبها نحو أحضانه وثم همس عاشقًا:-
- إنتِ جميلة أووي يا غفران، قلبك جميل أوي يا حبيبتي، وروحك أجمل .. إنتِ نعمة ربنا عليا وعوضي الجميل .. بحبك يا غفران ...بحبك خليكِ معايا وخليكِ بخير علشانِ أنا..

لم تُصدق أنا غفران صاحبة اليد الملوثة پالدما'ء من يُقال لها هذه الكلمات، كل هذا الحب لها!
كل هذا الحنان والدفء لها!
تميم وقلب تميم لها!
ماذا فعلت بحياتها خيرًا لتُجازى عليه هكذا!!
رفعت عينيها المليئة بالدموع تنظر إليه وقالت له:-
- وأنا بحبك يا تميم .. روحي فداك يا تميم..
إنت منقذي والجندي إللي ربنا بعته ليا، إنت الإيد إللي اتمدتلي في وسط الضلمة وأنا مستحيل أسيبها بس إنت مش تسبني..
إنت إللي أعرفه من وسط كل العالم ده يا تميم..
إنت عالمي..

طبع قبلة على رأسها ثم أخرى على وجنتها وأخرى على وجنتها الأخرى ... وأخرى على أنفها..
ووضع جبينه على جبينها متنهد وقال:-
- أبدًا يا غفران أبدًا يا أميرة قلبي مفيش حد بيسيب روحه، ويلا تعالي عندنا كلام كتير نقوله كمان تعالي علشان تدوقي أكل البت توتا والبسبوسة بتاعتها..

ابتسمت بهدوء وقالت بصدق:-
- بصراحة أنا حبيتها أوي، لطيفة جدًا وقلبها طيّب شبه قلبك..

ضحك بشعف ثم قرص وجنتها بمرح قائلًا:-
- اممم دا إعتراف منك يعني إن قلبي طيّب بس أنا ساعات بكون شرير ... واصبري الأيام قدامنا وهتعرفي تميم بيكون إمتى شرير..

ثم أمسك يدها برفق وخرجا من الغرفة بينما هي متمسكة به بقوة فهو سبيلها لكل شيء في هذه الحياة الجديدة، ظلت منكسة الرأس تشعر بالتذبذب والخجل..

كانت سوسن تتأمل غفران بعيون حانية تكابد عدم البكاء كي لا تتسب في هلعها..
وقفت بجانب تميم بالكاد تختفي خلفه، ابتسمت سوسن بهدوء وهتفت برفق:-
- غفران ... حبيبتي ممكن أسلم عليكِ، مش عايزة تتعرفي عليا ولا أيه..

رفعت عينيها الصافيتان لتميم فحرك رأسه بإيجاب يشجعها في التحرك، وبالفعل سارت بإتجاه سوسن التي تناظرها بلهفة ووقفت أمامها لتتأملها بعدم تصديق وهي لا تُصدق هذا الشبه المُماثل، تكاد ترى أمامها رفيقتها عفيفة..
رفعت كفيها تكوب وجهها بحنان وهمست بحنو:-
- إنتِ جميلة أوي يا غفران شبهها.. لو تعرفي دورت عليكِ قد أيه يا حبيبتي..

ثم جذبتها برفق ټحتضنها بحنان أمّ لم تتذوقه غفران يومًا ما .. حُرمت من عناق الأمّ، ليس فقط الأمّ بل وكل عناق يُعبر عن أيّ تَحْنان..
في الحقيقية لم تستطع غفران مقاومة هذا الدفء وبادلتها عِناقها منغمسة به باستمتاع تُجرب هذا الشعور لمرتها الأولى، وفاضت عينيها بعَبرات الحرمان..
طوقتها سوسن بقوة وأخذت تربت على ظهرها بترفق..

تأثرت تالين بهذا المشهد بينما قبض تميم على يديه بشدة وهو يُدرك حجم الحرمان الذي عانته غفران، لقد حُرمت كل شيء .. حتى حُركت حقها في الحريّة والعيش..!!
لكنه أقسم بأشد الأيمان الواجبة البِرّ أن يعوضها كل ما فاتها..

تنحنحت تالين وهي تقول بمرحها المعتاد محاولة إخراجهم من هذه الحالة:-
- أيه يا جماعة الخير مش هناكل ولا أيه .. الأكل برد وأنا جعاااااانة يا ناااس..

ضحكوا جميعًا والتفوا حول المائدة لتلزم غفران جانب تميم فيبتسم لها بحب وتبتسم والدته بسعادة..
قالت تالين بحماس:-
- يلا يا غفران دوقي كدا اللحمة دي أنا عملاها بطريقة مختلفة جدًا تختلف عن أي حاجة دوقتيها صدقيني..

نظرت غفران لقطعة اللحم بنفور شديد وذكريات أليمة تداهم عقلها، فهي نظرًا لما كانت تراه من ټمزيق الجُثث لم تتذوق اللحم بحياتها يومًا ما، لديها رُهاب منه وتشمئز منه نفسها..
تطلعت بها غفران بحرج ولا تعلم كيف ترفض أو كيف تُفسر لهم!!
أدرك تميم الموقف ليقول بهدوء لشقيقته دون أن يتطرق لأي شيء:-
- غفران معدتها تعبانة شوية يا توتا والدكتور مانعها من أكل اللحوم لمدة معينة..

شعرت تالين بالخيبة وتنهدت غفران براحة لتقول لتالين بتقدير:-
- أنا متأكدة إنها جميلة زيك يا تالين..
ولما أخف لازم توعديني إنك هتعمليهالي علشان أدوقها..
وبعدين النهاردة عندي أكلات كتير أدوقها وفي بسبوسة ولا أيه..

حركت تالين رأسها بإيجاب وهي تقول برضا:-
- طبعًا طبعًا أكيد..

وفي جو أسري هادئ دافئ لم تحظى به غفران يومًا ما أخذت تتناول طعامها بشهية..

حلّ الظلام وظلوا يتسامرون بشتى الطُرق المرحة مُخرجين غفران من كبوتها..
قالت سوسن بفرحة:-
- إن شاء الله نعملك أحسن حفلة زفاف يا غفران والدنيا كلها تعرف إنِك خلاص بقيت زوجة تميم حسين نُعمان..

ابتسم تميم وقال بتأكيد:-
- إن شاء الله يا أمي..

تأخر الوقت وداهم النوم أعين غفران إرهاقًا..
قالت سوسن بابتسامة بشوش:-
- يلا علشان نسيب غفران ترتاح..
غفران هتنام مع تالين لغاية ما يبقى في إشهار  وإنت تنام في أوضتك يا تميم..

وعندما سمعت غفران هذا وقبل أن يُجيبها تميم تمسكت به بلهفة وخوف تحت تعجب تالين، ربت تميم على يدها وهو ينظر لعينيها المذعورة بطمأنينة وهمس لها:-
- مټخافيش أنا معاكِ يا غفران مش هسيبك..

تشبثت به أكثر وهي تقول برجاء وأعين دامعة:-
- تميم مش تسبني .. مش إنت وعدتني..

قبل رأسها برفق وقال بحنان:-
- حبيبتي إهدي أنا معاكِ يا نور عيني..

نظر لوالدته وقال لها وهو ينظر نظرة ذات مغزى:-
- مفيش داعي يا أمي .. غفران هتنام معايا في أوضتنا..

تفهمت والدته على الفور مقصده وحركت رأسها بإيجاب قائلة وهي تتوقف:-
- خلاص مفيش مشكلة يا تميم .. يلا تصبحي على خير يا غفران..

وأشارت لتالين قائلة:-
- يلا يا تالين متتأخريش في السهرة..

وثبت تالين وهي تتمطأ وقالت:-
- أيوا أنا تعبت النهاردة ... يلا تصبحي على خير يا غفران ... تصبح على خير يا تميم..

اكتفت غفران بتحريك رأسها مبتسمة بينما هتف تميم بحنان:-
- وإنتِ بخير يا توتا..

الټفت لغفران وابتسم لها بحب وهو ينتصب وهتف بصوتٍ دافئ:-
- يلا إحنا ننام يا غفران..

أردفت بصوت مهتز وهي تلتفت حولها فتلك الليلة الأولى لها في هذا المكان الغريب، لكن كل البِقاع بتميم تُصبح أوطان:-
- يلا .. أنا عايزة أنام..

دلف لغرفته وهو يصطحبها لتقف في منتصف الغرفة تتأملها، غرفة شبابية بالون الأبيض وأثاثها بالون العسلي..
فركت يدها بتوتر لاحظه تميم فاقترب منها وهمس وهو يرفع خصلة شاردة عن عينيها:-
- غفران حبيبتي عايزك تطمني .. هنا المكان آمن ومحدش يقدر يإذيكِ عايزك تاخدي راحتك لإن بيتي هو بيتك يا قطتي .. اتفقنا..

حركت رأسها، فقرص وجنتها وقال بمرح:-
- لا أنا عايز أسمع صوتك الجميل يا قطة..

ابتسمت وقالت:-
- مش خاېفة أبدًا وأنا معاك يا تميم، متحمسة لحياتي معاك..

قبل رأسها وتركها ليُبدل ملابسه بينما جلست على الفراش تتأمل الغرفة وهناك قلقٌ خفي تشعر به لا تعلم سببه..
بسط تميم سجادة الصلاة وأخذ يُصلي ركعتين قبل خلوده للنوم لتظل تتأمله بشوق وفضول داخلها أن تتعلم ما يعلمه..
انتهى من صلاته ليجدها تنظر له بشدة وتقول بلهفة:-
- تميم أنا عايزة أصلي زيك .. علمني ممكن..

انتصب واقفًا وسار نحوها لتطرق برأسها خجلًا فمَن بمثل عمرها يعلم كل هذه الأشياء وهي إلى الآن تجهل كل شيء عن دينها..
جلس بجانبها وأمسك يدها بحنان وقال:-
- دا شيء أكيد يا غفران .. هعلمك كل حاجة..
بصي يا أميرتي قبل الصلاة وشرط علشان تكون صلاتك صحيحة لازم الوضوء والطهارة فهماني..
يلا تعالي معايا علشان نتوضى..

قفزت بحماس وهي تسحب يده وتقول:-
- يلا يلا بينا يا تميم .. علمني..

ابتسم على حماسها وسار حتى وقف أمام حوض غسيل الوجه، أوقفها أمامه ووقف خلفها وهو يفتح الصنبور ثم أمسك يدها يضعها تحت الماء وهو يقول بخفة كل لا تخجل من جهلها:-
- أول حاجة نغسل الإيدين الحلوين دول كدا ونخلل الصوابع الجميلة دي..
وبعدين المضمضة كدا وبعدين نستنشق ونغسل الوجه الجميل ده..

وفعل كل شيء أمامها لتفعل مثله، ثم أكمل يقول:-
- وبعدين نغسل الدراع لغاية الكوع، ونمسح الشعر الجميل ده كمان الوِدن إللي عايزة الأكل دي..

كانت تضحك بسعادة من مرحه وهي تشعر براحة عجيبة، بينما قبل تميم رأسها وهو يُكمل:-
- وأخيرًا نغسل الرجلين الصغيورة دي، وكدا نبقى اتوضينا .. أيه رأيك سهل ولا صعب وحفظتي الترتيب..

رددت بأعين مليئة بالحماس:-
- لا سهل جدًا، وحفظت كمان، أغسل إيدي وبعدين المضمضة وبعدين الإستنشاق وبعدين أغسل وشي وأمسح شعري وودني .. وأغسل إيدي للكوع ورجليا..
شوفت أنا شطورة إزاي وهسمع الكلام..

حملها يدور بها وقال:-
- بارك الله فيكِ يا قطتي .. متأكد إنك هتبقي طالبة شطورة جدًا ولكِ عندي هدية هتعجبك أوي..

قفزت بمرح وهي تشعر بالسعادة هذه للمرة الأولى، تشعر أنها تُحلق في السماء، هتفت بفضول وهي تتعلق بذراعه:-
- قولي أيه .. وريني..

ضحك على فضولها ثم قال وهو يبسط سجادة الصلاة:-
- الأول نصلي وهديهالك..
علشان نصلي لازم تحفظي الفاتحة وفي البداية سورة من قِصار الصور...
مستعدة تحفظي أول أيات القرآن..

رفرفت بأهدابها وصاحت بحماس:-
- جدًا جدًا يلا يلا بسرعة..

بدأ تميم يردد آيات الفاتحة وغفران تُردد خلفه بتركيز ثم تبعها بترديد سورة الإخلاص والمعوذتين لتُدهشه غفران بسرعة حفظها وقبل أن يُعيد للمرة الثالثة أخذت تتلوها هي عليه..
يبدو أنه يوجد طفلة تمتلك من النباهة والذكاء ما سيجعلها مُميزة..
طبع تميم قُبلة على رأسها وقال بتحفيز:-
- ربنا يبارك فيكِ يا غفران ما شاء الله تبارك الرحمن، متأكد إن ربنا هيمدك بعون كبير..
الأول إحنا عندنا خمس فروض في اليوم والليلة، اليوم بيبدأ بصلاة الفجر وبتكون ركعتين، وبعدين الظهر وبيكون أربع ركعات، والعصر أربعة بردوه، وبعدين المغرب تلاته، والعشا أربعة..
دي الفروض طبعًا كل فرض بيبقى ليه سُنة، والسُنة دي الرسول صلاها وإحنا بنصليها تقرُبًا منه وإقتداءً به..
وواحدة وواحدة هقولك عليها..

قالت بتصميم وهي تسحب يده:-
- لا لا قولي عليهم يلا .. عايزة أعرفهم من الأول كدا..

ابتسم لها وأخبرها:-
- الفجر ليه ركعتين سنة قبله، الظهر ليه أربعة قبله واتنين بعد الفرض، والعصر مش ليه سُنة مؤكدة، المغرب ليه اتنين بعده، والعشا ليها اتنين بعدها..
وبكدا يبقوا ١٢ ركعة، والرسول بيقول إللي بيصلي ١٢ ركعة في اليوم والليلة ربنا بيبني ليه بيت في الجنة..
وخطوة بخطوة هتبدأي تلتزمي بيهم إن شاء الله، وأنا معاكِ هعلمك كل حاجة..

كانت تستمع له بإنصات وفضول شديدان وقالت:-
- طب يلا علمني أصلي إزاي..

بدأ يُصلي أمامها بصوت مرتفع ويتأني لتحفظ كل شيء ويعلو صوته بدعاء السجود والركوع والتحيات التي أخذ يكررها لها إلى أن حفظتها..

نظر لها وقال:-
- كدا عرفتيها ولا أكرر..

- لا لا فهمت جدًا وأعرف أصلي لواحدي خلاص..

ابتسم لها وأخبرها بهدوء:-
- تعرفي وإنتِ بتصلي بتكوني في أي وضعية أقرب إلى الله.

تسائلت بإهتمام:-
- إمتى؟

- وإنتِ ساجدة، علشان كدا الرسول بيقولنا أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء..
تقدري وإنتِ ساجدة تطلبي من ربنا أي حاجة وتدعيه بكل إللي بتتمنيه، كمان عودي نفسك قبل ما تسلمي من الصلاة وبعد التحيات يكون لكِ دعوة، لأن لكِ دعوة مُجابة قبل الفراغ من الصلاة..

حركت رأسها بلهفة ليسحب الرداء الخاص بالصلاة الذي ابتاعه لها وقال:-
- طبعًا المرأة وهي بتصلي لازم تكون مُستترة وساترة لكل العورة .. وجسد المرأة عورة كله معادا الوجه والكفين، تقدري تلبسيه وتصلي وكدا تمام..

حركت رأسها وأخذت ترتديه فوق ملابسها، ثم جمعت شعرها ووضعت غطاء الرأس، ليقترب تميم ويقوم بلفُه لها وإحكامه، نظر لها بحُب وقد زَانها وزاد جمالها..
لثم جبهتها وهمس لها:-
- جميلة يا غفران والحجاب بيزيدك جمال..

وقفت أمام المرآة مندهشة غير مصدقة ما تراه، تشعر أنها ترى أخرى غيرها..
دارت حول نفسها بسعادة وأمسكت يد تميم قائلة بإمتنان:-
- شكرًا يا تميم .. بجد شكرًا على كل حاجة..

قبل يدها وقال بأعين مليئة بالحُب:-
- مش أنا إللي لازم تشكريه يا غفران..

وأشار نحو سجادة الصلاة وقال:-
- يلا اشكريه هو صاحب الفضل..

حركت رأسها وهي تسير حتى وقفت على سجادة الصلاة برهبة وشعور غريب لكنه جميل ينتابها وهي تستدرك أنها الآن بين يدي الرحمن..
رفعت يدها للأعلى مثل ما علّمها تميم وقالت بقلب ينتفض وهي تستشعر معانِ هذه الكلمتان:-
- الله وأكبر..

وبمجرد ما شرعت في الصلاة ودون أن تشعر فاضت عيناها بالدموع وهي تستدرك رحمات وحنانٌ لم تشعر به من قبل .. عِناية فائقة .. كانت ترتعش مثل الورقة أسفل شتاء فبراير وهي تُردد أيات الله..
وعندما انحنت تسجد اڼفجرت في بكاء عڼيف يصحبه شهقات مكتومة..
احترم تميم لحظاتها فخرج للشرفة ليتركها براحة أكثر..
أخذت تبث له كل ما مرت به وتروي له ما حدث وتسأله إن كانت تستحق الغفران، وتخبره أنها تريد أن تصبح إنسانة جيدة وتُكثر من الدعاء..
همست في سجودها پبكاء:-
- أنا مكونتش عايزة أعمل حاجات غلط، مكونتش عايزة أبقى وحشة وأزعلك مني، أنا مكونتش عايزة أأذيهم وأعمل حاجات إنت قولت عليها لا..

وظلت غفران بقلبها المتلعثم تبث لله كل ما يعبقه، وأصبحت متيقنة أن لها ملجأ دافئ تهرول نحوه وقوي لن يتركها وسيظل مددًا لها .. إنه الله ..

انتهت ليبتسم لها تميم ويُشير نحو فراشه ويُجلسها فوقه وهو يرتبه لها وقال:-
- نامي يا غفران .. إنتِ تعبتي النهاردة كتير..

وسحب وسادة وهو يقول:-
- أنا هنام جمبك على الكنبة هنا .. نامي براحتك..

قالت بإعتراض:-
- طب سيبني أنام على الكنبة وتعالَ نام هنا..

قضم وجنتها وهو يدثرها وقال لائمًا:-
- عيب كدا يا قطتي .. ويلا تصبحي على خير..

                         ❁❁❁❁❁

صڤعة تليها الأخرى وقد تناثر الد'م من فمها وأنفها وأصبحت حالتها مرزية..
صر'خ پغضب أعمى:-
- بنتك هربت يا عفيفة ... هربت مع الواد إللي كان هنا، كنت عارف إن الواد ده مش ساهل..

طوى شعرها حول يده وجذبها پعنف بينما أطبق على فمها بقوة وهو يقول بفحيح أفعى:-
- بس أنا عارف هاجيبها إزاي يا عفيفة..
عارف هتيجي جري إزاي..
إنتِ الكارت الأخير معايا يا عفيفة، لازم تعرف إن أمها إللي متعرفهاش عايشة..

هبطت دموعها وأمسكت ذراعه تتراجاه:-
- لا لا يا شهاب .. سيبها في حالها حرام عليك، كفاية عليها سيبها تعيش حياتها دي بنتك يا شهاب..
أنا هنا اقت.لني خلص عليا وبيع أعضائي زي ما كنت عايز تعمل زمان بس سيب غفران بالله عليك ما تأذيها..

ألقاها پعنف لتصتدم بالأرض بقوة وضربها بقدمه وهو يصيح:-
- ھدفنك إنتِ وبنتك في قبر واحد يا عفيفة..

وخرج وهو ينادي:-
- فتحية ... زايد ... بركااااات .. إنتِ يا فتحية..

ظل ينادي لكن لا أحد ولا مُجيب..
هرول يبحث في جميع الأركان ثم هرول نحو غرفته، وقف مصدومًا وقد علم لماذا لا يُجيب الجميع وأين ذهبوا..
وجد الخزنة تم كسرها وقد سُرقت كل محتوايتها..
لقد تمت خيانته..
اتقدت أعينه بالنا'ر وهو يتوعدهم بالكثير..

- والله لأصفيكم يا خونة وهدفعك تمن الخېانة دي غالي أووي..

                         ❁❁❁❁❁

ظلت تتلوى في الفراش وتعرّق وجهها وهي تتحرك پعنف...
بين الظلام .. وجُثث من تم التخلص منهم يلفونها  .. ثم والدها الذي يقف لها بسكـ.ين طويل ويبتسم لها بخبثم بينما يُشير لها..
الدما.ء تُغرق المكان .. الجُثث فارغة من أعضاءها تسير نحوها للفتك بها بينما هي تعود للخلف پخوف، لتسقط في شيءٍ دافىء، نظرت على جسدها لترى ملابسها البيضاء تصبغت بلون الدما'ء، رفعت يديها أمام وجهها پصدمة لتشهق وهي تراها ممتلئة پالدما'ء...
جاءت تنهض لتركض لكن لم تستطع كأن جسدها التصق بالأرض .. ظلت تحاول وتحاول وهي ترى اقتراب الجُثث منها پذعر..
وضعت يدها على وجهها محتمية بها بينما ينهالون فوقها لتصر'خ بصوتها كله وهي تبكي پعنف..

كان هناك صوت يأتي من بعيد كان بمثابة الضوء وسط دُجى الظلام.. 
- غفران .. فوقي يا حبيبتي  .. دا كابوس .. فوقي يا غفران .. إهدي .. إهدي..

شهقت بقوة وهي تقفز مستيقظة لتلتقفها أحضان تميم الذي طوقها بحنان يربت على ظهرها يبثها الطمأنينة وهو يهمس:-
- دا كابوس .. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..
إهدي يا غفران دا كابوس يا حبيبتي..

كانت ترتعش بينما وجهها متعرق وقالت دون وعي من بين شهقاتها والړعب يتملكها:-
- مش هيسبوني ... ھيموتوني .. د'م .. هما كتير .. با با.

مسح العرق البارد المُتجمع فوق جبينها وربت على خصلاتها يُعيدها للخلف ومال بها وهي بأحضانه على الفراش ويده تسير على جسدها محاولًا بث الطمأنينة إليها .. سحب الغطاء فوقهم للتتشبث به بلهفة وتقول برجاء من بين بكاءها:-
- لا .. متسبنيش يا تميم ... خليك معايا..

زاد من إحتضانها إليه وقبل رأسها قائلًا:-
- أنا هنا يا عيون تميم .. خلاص إنتهى إنتِ في آمان..

وظلّ يتلو أيات القرآن وهو يُمسد على جسدها بحنان حتى غفت وذهبت في ثباتٍ عميق بين أحضانه..
هذا ما كان متيقن منه تميم، أمامه طريقٌ طويل حتى تتعافى غفران لذلك لم يُرد أن يجعلها تنام في غرفة شقيقتها..

                          ❁❁❁❁❁

تُشرق الشمس في كل العالم بإستثناء تلك الغرفة التي سكنها الظلام عشرون عامًا..
جسدها إزداد نحولًا من سوء التغذية وشحب وجهها شحوب الأموات، والچروح تملأ جسدها ووجها..
أثار القيود على قدميها ويديها دا'مية..
استندت على الأرض وهي تُشجع نفسها، فهي لن تترك ابنتها لهذا المړيض ... ستُعافر لحمايتها حتى وإن كانت روحها الثمن..
وقفت خلف الباب ثم همست برجاء وهي تنظر لأعلى:-
- عشرين سنة مقصرة في حقك يارب .. بس كنت معاك بقلبي وإنت عالم بإللي أنا فيه، أنا مش معترضة على قضاءك يارب ولا زعلانة وأكيد دا لحكمة إنت تعلمها..
بس بترجاك يارب ساعدني .. وأحمي بنتي .. أحمي غفران يارب إنت أحن عليها مني..
يارب ساعدني أخرج من هنا علشان ألحقها يارب..

وشرعت وقد تلاشى ضعفها رغم هزلها تسحب الباب القديم بمثابرة وعزم تحاول فتحه..
جلست في الأسفل وملابسها البالية تتكوم حولها ثم أخذت تسحب الباب من عقبه بقوة رغم چروح يديها..

- يارب .. يارب ..  بسم الله..

وقفت مصډومة ولم تُصدق ما رأته حين انخلع مقبض الباب وانفتح على مصرعيه..
خرجت بهدوء وهي تسير بقدميها الحافية ببطء بينما تنظر حولها بحذر..
كان الهدوء يعم الأرجاء ولا يبدو وجود أحد..
هرولت للخارج وحين صډمتها نور الشمس وضعت يديها على عينها مټألمة..
لكن لا وقت للألم .. هرولت بتعثر وتعرج نتيحة چروح قدميها وأيضًا كانت حافية..

ولجت الغابة تركض بكل عزمها متجاهلة ألامها تحاول أن تبتعد أكبر قدر ممكن قبل أن يكتشف هروبها..
استندت على ركبتيها تلهث بشدة محاولة التقاط أنفاسها لمواصلة الركض..
لكنها جزعت مصډومة حين سمعت صوت سير على أوراق الأشجار مصحوبة بصوت غريب متقطع..
وثبت واقفة وهي تنظر خلفها بړعب لكن سرعان ما انفرجت أساريرها وهي تقول بحنين:-
- ملار..

أشارت له مبتسمة ليتوقف الذئب برهة ينظر إليها فتقول:-
- ملار إنت نسيتني .. أنا عفيفة أم غفران..

وكأنه فهم ما تقول فركض نحوها لتسقط محتضنة عنقه وهي تُمسّد على فروه بينما هو يشتم في رائحتها ليطمئن أنها هي..
- ملار كبرت أوي زي ما غفران كبرت ... وحشتيني أوي يا ملار..

مسدت على رأسه بينما يُصدر صوتًا متألمًا لتنظر داخل عينيه وتقول:-
- متعرفش مكان غفران يا ملار، ممكن توديني ليها..
ملار عيزاك تفضل معاها وتحميها..

لوى رأسه كأنه يفهم ما تقول..
وسار مسرعًا لتركض خلفه وهي تقول له:-
- هتعرف تخرجني من هنا يا ملار قبل ما غفران تيجي علشان الفيديو إللي الحقېر بعته..!!

                         ❁❁❁❁❁

باعدت جفنيها عن فيروزتيها الصافية لتجد نفسها تنام فوق صدر تميم براحة وهو يُحيطها بحنان..
تنهدت بعمق وهي تتذكر أحداث كابوسها المعتاد، هذه ليست المرة الأولى وبالتأكيد ليست الأخيرة لكن المختلف هذه المرة وجود تميم بجانبها..
رفعت رأسها تتأمله بحب . . . الكلمات غير جديرة بوصفه..
لقد أصبحت روحها مُعلقة به، ولم يكن تعلُقها بِه تعلُق حبيبةٌ بحبيبها، إنما تعلُق مُقيم بوطنه..
كان تُعاني العَمَى . . . وهو مَن كان دليلُها..

جذب إنتباهها صوت تنبيهات متتالية من هاتف تميم الموضوع بجانب الفراش، مدت يدها تلتقطه محاولة إصماته كي لا يُزعج تميم في نومته، لكن لا فائدة بطلت محاولتها..
تململ تميم في نومته ليستيقظ .. قبل رأسها الموضوع على صدره بحنان وهو يهمس:-
- صباح الورد على قطتي..

رفعت رأسها مبتسمة بهدوء وقالت:-
- صباح الخير يا تميمي..

مدّ يده يدغدغها كالاطفال لتنطلق ضحكاتها وقال:-
- أيه الصباح الرايق ده يا عيون تميم..

قالت من بين ضحكاتها:-
- تميم .. خلاص معدتش قادرة يا تيمو..

ضحك بصخب وجذبها لأحضانه مقبلًا جبينها..
مدت يدها له بهاتفه وقالت:-
- موبايلك من ساعتها بيعمل صوت كتير، شوف في أيه..

أخذه ليفتحه وهو يقول:-
- أما نشوف يا ستي الموبايل..

استندت على كتفه تنظر بفضول لكن تجمد كلًا منهم وهم يرون مقطع فيديو مُرسل لتميم به إمرأة مُعذبة ليظهر والدها وهو يقول..
- غفران بنوتي حبيبتي  .. كنت عايز أعرفك على حد مهم يا حبيبة بابا..
تعرفي مين دي .. هتتفاجئي .. دي أمك يا غفران..
حبيبتي عفيفة .. 
هي كدا كدا محسوبة إنها ماټت، قدامك ساعة زمن تكوني قدامي ... أو هخلص عليكِ..
زي ما الكلب إللي اسمه تميم خرجك من هنا .. يجيبك تاني .. ولازم يجي معاكِ..
وإياكم تلعبوا بديلكم وإلا هتكون أمك الغالية مع الأموات..
سلاااام يا حلوين...

وعفيفة المكمكمة الفم تحرك رأسها بلا پجنون لكنه سارع بإغلاق الفيديو..

قفزت غفران من فوق الفراش واڼفجرت في بكاء عڼيف وهي تسير ذهابًا وإيابًا في الغرفة..
- ماما .. ماما .. ماما عايشة أيوا أيوا هي أمي..
ماما عايشة يا تميم .. لا هو هيقتـ.لها لازم ألحقها .. لازم أروح..

قفز تميم نحوها وهو يلتقفها بين ذراعيه يحاول السيطرة عليها لتضربه پجنون وهي تصرخ پبكاء:-
- مااااااماااا ..  سيبني أروح عند ماااامااا يا تميم..

- إهدي يا غفران ..  إهدي يا حبيبتي .. هيأذيكِ يا غفران هيأذيكِ .. هنشوف حلّ وأنا مش هسيبها هنقذها بس بلاش إنتِ..

صر' خت پبكاء وهي تتمسك به باڼهيار وهو يجاهد في ضمھا إليه..

بينما في الخارج كانت سوسن وتالين سعيدة بسماع ضحكاتهم ليتفاجئوا بصړاخ وبكاء غفران..
هرعت سوسن إلى الغرفة خلفها تالين ليصدموا بهذا المشهد..
ركضت نحوهم وتسائلت پصدمة:-
- في أيه يا تميم مالها غفران .. أوعى تكون أذيتها يا تميم..

حرك رأسه بنفي ومد يده بالهاتف بينما يطوق غفران بذراعه الأخرى..

ارتعش جسد سوسن وهي ترى أمامها رفيقتها عفيفة التي بهتت ملامحها وأصبحت في حالة يُرثى لها، لو لم تكن تحفظها عن ظهر قلب ما تعرفت عليها..
اڼهارت ساقطة على الفراش واضعة كفيها على وجهها پصدمة..
اقتربت تالين تنظر للهاتف بعد أن سردت لها والدتها كل شيء يتعلق بغفران ووالدتها لتصعق من هذا المنظر هي الأخرى.. 
جلست بجانب والدتها تدعمها، لترفع سوسن رأسها بقوة وقالت بحسم:-
- تميم إنت لازم تبلغ الشرطة ... لازم تنقذ عفيفة، لازم القذر ده ياخد جزاءه..
بلغ الشرطة يا تميم..

صر'خ تميم بعذاب:-
- مينفعش يا أمي .. غفران هتتأذى لما يحققوا في مۏت الضحايا ولما يعرفوا كان أيه إللي بيحصل في المكان، محدش هيصدق إنه كان بيرغمها وبيعطيها عقار يخليها تفقد السيطرة على نفسها..
هتتأذى يا أمي..

صاحت به غفران وهي تتمسك بملابسه برجاء:-
- مش ليك دعوة بيا يا تميم.. بلغ ومش مهم أنا، المهم أنقذ ماما ... أنا لازم أروح علشان أضيع وقت وإنت بلغ الشرطة ... وخليك إنت علشان هو عايز يأذيك .. عايز يخلص عليك..

هتف پجنون:-
- لا .. لا يا غفران مش تبقي أنانية، إنتِ وعدتني إنك هتكوني بخير .. مقدرش يا غفران..
هنروح سوا وكل حاجة هتبقى تمام، متنسيش إن ربنا موجود وهو الحافظ .. وأنا واثق إن هينقذها ويحميكِ.

عادت للخلف وهي تقول بإنهزامية بينما وجهها غارق بالدموع:-
- الظاهر إن لازم أدفع التمن يا تميم..
إللي زيّ ملهوش إن يعيش سعيد، في الحكاية دي لازم إللي ينتهي أنا..
أمي لازم تعيش علشان ربنا يعوضها لأنها اتعذبت كتير..

مسحت دموعها وقالت بإصرار:-
- أنا همشي .. لازم أروح لأمي..

قال هو بقوة:-
- وأنا معاكِ يا غفران ومن غير ولا كلمة..

قالت سوسن بهلع:-
- كدا غلط .. مش لازم تروحوا للمچرم ده لوحدكم..
لازم تبلغ الشرطة يا تميم..

سحب تميم مفاتيح سيارته الإضافية ثم خرج وهو يجذب غفران وقال بيقين صادق:-
- أنا واثق إن ربنا هينصر الحق يا أمي، وواثق إن هيقف معايا النهاردة، وإن شاء الله نرجع ومعانا أمي عفيفة كلنا سالمين..
بس دعواتك يا أمي..

وخرج لتسقط وهي تبتهل إلى الله وترجوه پبكاء عڼيف أن يحفظهم ويعودوا سالمين..
أضاءت بعقلها فكرةٌ ما لتنتصب وهي تُمسك هاتفها وتسأل المولى أن يُيسر لهم العسير..

                          ❁❁❁❁❁

اخترق الغابة يقود السيارة بأعصاب مشدودة لم يتوقف لسانه عن الدعاء ليحفظها الله ويمرّ هذا الموقف على خير، مجرد فكرة أنها سيُصبها مكروه تفقده صوابه..
بينما غفران فكانت جالسة تقبض على فستانها وهي جامد، ترسم بعقلها ألف سيناريو لما سيحدث..
تتخيل لقاءها بوالدتها .. وكيف سيكون عناقها!!
تخاف أن يحدث لها شيء أو أن يُصيب تميم مكروه بسببها..
تنهدت بثقل وقالت بثبات:-
- تقدر توقفني هنا وأنا هعرف أوصل يا تميم وترجع إنت..

صا'ح پغضب منفلت بسبب إصرارها:-
- كفاية يا غفران أنا مستحيل أرجع ومستحيل أسيبك ريحي نفسك..

هتفت بإعتراض:-
- بس أنا خاېفة يإذيك..

- لن يُصيبنا إلا ما كتب الله لنا..

كان ينظر لها وحين جاء يستدير ينظر للأمام ضغط على المكابح بقوة حين رأى ركض الذئب أمام سيارته..
صر'خت غفران بفرحة وهي تهبط من السيارة:-
- ملار . . . ملار إنت كويس..

مسدت عنقه ليصدر أصوات غريبة وهو يسحبها من ملابسها ويسير بها بين الأشجار، تعجبت من حالته تلك وبكونها تعلم كل سلوكه تُؤكد وجود أمر ما مهم جدًا..
ركض تميم خلفهم بتعجب لتجحظ أعينه پصدمة حين رأى تلك السيدة الهزيلة تستند على أحد الأشجار تتنفس بصعوبة وللوهلة الأولى تأكد بأنها . . عفيفة.

أسرعت نحوها غفران لتقف أمامها بجسد يرتعش وقد أيقنت بأنها والدتها، لا كلمات تصف هذا الموقف..
همست بصوت مرتعش بكلمة تمنت نطقها وكانت تبحث عن صاحبتها كالمچنونة:-
- ماما..

فتحت عفيفة أعينها پصدمة وهي لا تُصدق ما سمعت، رفعت أعينها التي حاوطها هالاتها السوداء فكانت كالقمر الفيروزي وسط دُجنة السماء..
ارتعشت أقدامها وسقطت بأقدام هلامية بينما فاضت أعينها بدموع حارة، ارتعشت شفتيها وأخذت تتمتم پجنون وعدم تصديق:-
- غفران . . . غفران . . . بنتي .. صح غفران . . . لا لا جيتي ليه هيأذيكِ..

ألقت غفران جسدها بأحضان والدتها تنعم بعناق دافئ للمرة الأولى وهي تشهق باكية:-
- ماما ..  أمي .. ماما أنا مش مصدقة، أنا عندي أم أنا عندي أم. .. ماما عايشة، أنا كنت..

وسقطت الكلمات منها لتشدد عفيفة من عناقها وهي تُمسد على رأسها وجسدها بينما تُقبلها بلهفة..
- نور عيوني يا بنتي .. أنا هنا .. أفديكِ بعمري يا غفران أفديكِ بروحي يا بنتي..

وظلوا على هذا الحال أكثر من العشر دقائق بينما يشاهدهم تميم بقلب موجوع لكنه شعر بالخطړ لوجودهم في هذا المكان أكثر من هذا..
وحمد الله بداخله على هذا التيسير..

اقترب منهم وقال بهدوء:-
- أمي عفيفة .. غفران لازم نمشي من هنا في أسرع وقت..

رفعت عفيفة رأسها له لتُضيّق عينيها بُرهة بينما قالت:-
- الشكل ده حاسه إن شوفته قبل كدا .. مش غريب عليا..

ابتسم بهدوء بينما جلس على أعقابه أمامه وقال:-
- أنا تميم .. ابن أختك وصابحة عمرك سوسن..

ونظر لغفران وقال بحب:-
- وزوج بنتك غفران..

شهقت بفرحة وجذبته لأحضانها وهي تقول بسعادة تعانق السماء وإمتنان:-
- تميم .. حبيب أمك يا تميم .. إنت نجدتي أنا وبنتي من السماء يا حبيبي، شكرًا يا ابني على كل حاجة عملتها .. كنت واثقة إن علاقتي بسوسن عمرها ما يكون لها آخر..
شكرًا يارب اللهم لك الحمد على فضلك وسترك ده..

قبل رأسها وقال:-
- دا من حب ربنا ليا يا أمي عفيفة، أنا إللي بحمد ربنا على نعمة وجودك إنتِ وغفران في حياتنا..

التفتت حولها تقول بقلق وخوف وأمسكت بيد غفران:-
- أنا هربت يا ولاد وهتلاقي شاهين عرف بهروبي، لازم نمشي من هنا بسرعة قبل ما يجي ويإذي حد.

أيدها تميم وهو يقف بينما يساندها:-
- كلامك صح يلا بسرعة من هنا..

لكنهم تجمدوا عندما سمعوا هذا الصوت الذي تردد صداه بالأرجاء:-
- عفيفة ... إنتِ مفكراني مش هعرف أوصلك وتقدري تهربي مني .. قدرك معايا إنتِ وبنتك يا عفيفة..
غفران حبيبة بابا .. تعالي لحضن بابا يا روحي..

انكمشت غفران واختبأت خلف تميم الذي وقف أمامهم بحماية ليظهر شهاب (محروس) أمامهم وهو يبتسم بخبث بينما يُمسك بيده سكي'ن طويلة وهتف:-
- تفتكروا العيل ده يقدر يحميكم مني ولا يمنعني عنكم، دا أنا هخلص عليه قبلكم..

وأكمل بقذارة:-
- يلا يا عفيفة يلا يا حُبي إيدك في إيد بنتنا وتعالِ هنا..

حركت رأسها پجنون نافية بينما تُخبئ غفران خلفها وجأرت بقوة:-
- لا يا شهاب مش هيحصل كفاية كدا، كفاية ذلّ وقهره، ډمرت بنتي ودمرتني .. دفنتنا بالحيا..
وجه الوقت إللي تاخد جزاتك فيه ..
ربنا ينتقم منك يا شهاب هو الأقوي وأقوى منك..

اقترب منهم خطوتين بينما ېصرخ:-
- ومين هيمنعني عنك يا عفيفة .. خلاص وقعتي بين إيدي وكل مرة بتقعي بين إيديا..

وجاء يهجم عليهم لكنه تجمد وأصوات سيارات الشرطة تُهاجم المكان والكثير من أفراد الشرطة تنتشر في الأرجاء...
انفرجت أسارير عفيفة، بينما شعر تميم بالخۏف من أن يُصيب غفران مكروه..

وقف شهاب يدور حول نفسه پصدمة وجنون وأفراد الشرطة تُطالبه بالإستسلام، صا'ح پجنون وهو يضحك كالمجذوب:-
- دي حكايتي وزي ما بدأتها هنهيها..
أنا شهاب عطوان محدش يقدر يوقفني ولا يعاقبني إنتوا فاهمين ..  أنا أكبر من الشرطة والحكومة..

وركض مُسرعًا حتى وصل لحافة التَلة المرتفعة وألقى بنفسه من فوقها لتشهق غفران بړعب وسقطت فاقدة ثباتها وهي ترى والدها بأُم عينيها يلقي بحدفه، دعمها تميم من جانب ووالدتها من جانب..

انتشر أفراد الشرطة وهم يرون چثة شهاب التي تمزقت إربًا إربا .. ليكفيه عقاپ أن يحيا عاصيًا وېموت كافرًا ليقتص المولى منه..

جاء الضابط لتميم وقال بثبات:-
- الحمد لله على سلامة المدام عفيفة، إحنا وصلنا بلاغ من المدام سوسن والدة حضرتك بحالة الخطڤ..
وكان لازم حضرتك تبلغ علشان حمايتكم، لأن لو ماجيناش في الوقت المناسب كانت العواقب هتبقى وخيمة يا دكتور تميم..

شكره تميم بإمتنان:-
- شكرًا جدًا لحضرتك يا حضرة الضابط، أنا خۏفت لو بلغت يإذيها .. والحمد لله عدت على خير..

- الحمد لله على سلامتها اتفضلوا معانا علشان نسأل مدام عفيفة شوية أسئلة..

                        ❁❁❁❁❁

وقفت عفيفة أمام سوسن التي هرعت نحوها بلهفة تُعانقها پبكاء عڼيف..
- عفيفة..حبيتي الحمد لله على سلامتك نورتي بيتك يا حبيبتي، دورت عليكِ كتير أووي يا عفيفة..

ابتسمت عفيفة بإطمئنان وقد شعرت أخيرًا أنها وصلت لبر الأمان..
- كنت عارفة وواثقة إن لُطف ربنا هيطولني يا سوسن، كنت واثقة إن هيجمع شملنا من تاني..

أخذت سوسن تتأملها بأعين حانية، تتأمل شحوب وجهها والكدمات التي تملأه والچروح المُتفرقة بأنحاء جسدها الهزيل..
همست بحُر'قة تملأ قلبها:-
- ربنا ينتقم منه .. وياخد جزاءه على كل إللي عمله فيكِ وفي غفران..

ثم سحبتها لغرفتها بصمت واحترم الجميع لحظة لقاءهم..
بدأت سوسن تملأ حوض الإستحمام بالماء الدفئ وتُضيف لهم الرائحة الزكية وأخرجت ملابس نظيفة من ملابسها ثم سحبت عفيفة كأنها والدتها وقالت:-
- يلا يا عفيفة..

ساعدتها في إزالة ملابسها الرثة، وجلست خلفها تغسل شعرها بحنان في حالة من الصمت البالغ..
ساعدتها في إرتداء الملابس النظيفة ثم بدأت تمشط لها شعرها بحنان وتجففه لها..
وأخذت تضمد چروحها..

كانت غفران تقف على باب الغرفة تتأمل والدتها بأعين مليئة بالدموع بينما يجلس تميم على المقعد يبتسم لها بحنان..
إلتفتت عفيفة فوجدها بهذه الحالة فابتسمت ومدت ذراعها لها وهي تشير لها بالقدوم، سارت غفران حتى وضعت يدها بيد والدتها واقتربت حتى غرزت نفسها بأحضانها لتطبق ذراعيها حولها بدفئ وقبلت رأسها بحنان، لتغمض غفران عينيها براحة لتبتسم سوسن وهي تحمد الله على نِعمه الكثيرة..

خرج تميم ووقف أمام الشقة المقابلة لهم وطرق بخفة فوق بابها وانتظر الإجابة ليزف إليه الخبر الذي سيُعيد قلبه للحياة..
ظهر من خلف الباب رجل أربعيني، رأسه مزيج من الشيب والشعر الأسود، أنيق ووسيم رغم هذه التجاعيد التي جاورت عينيه لكن ملامحه ينطلي عليها الحزن وأعينه خالية من الحياة بعد أن انطفأت برحيل حبيبته..

قال تميم بمرح وهو يتخطاه ليلج للداخل حيث عزلته:-
- سُمعه ... فينك يا راجل هو أنا لو مسألتش عليك متسألش عليا مكونتش زي ابن أخوك..

زفر الأخر وهو يرمي بجسده على الأريكة وهتف بلامبالاة:-
- خير يا تميم عايز أيه..

جلس تميم واضعًا قدمًا فوق الأخرى بينما وضع ذراعيه خلف عنقه قائلًا:-
- يا باي عليك يا راجل مالك جامد ليه كدا، جاي أدردش معاك شوية هتطردني يا سُمعة..

فتح إسماعيل حاسوبه النقال بينما يهتف:-
- مش فاضي . . . مشغول.

- اممم .. مشغول بالتفكير، مش عرفت أخيرًا يا عم قصة الحب القديمة .. أيه الوفاء دا كله يا سُمعة واللاه وطلعت دنجوان كبير يا كبير..

رفع أعينه ورمقه شذرًا ثم تمتم ببرود:-
- شكلك فاضي يا تميم ... روح اتساهر مع سوسن أنا مش فاضي .. يلا على بيتك..

- لا يا عم أصل عندنا ضيفة غايبة بقالها سنين وأنا قولت أسيبهم على راحتهم، ضيفة غالية عليك أووي..
ألا صحيح مش تباركلي .. أنا اتجوزت ومش هتصدق مين!!

اندهش إسماعيل قليلًا وقد نجح تميم في جذب إنتباهه ليقول بضجر:-
- لا تقول عالطول إللي عندك لتتكل على الله يا تميم..
أيه موضوع جوازك ده .. وإزاي اتجوزت فجأة كدا!!

أراح تميم ظهره بينما يقول:-
- دي حكاية طويلة أووي يا سُمعة..
هختصرها لما أقولك مين هي ضيفتنا .. حد هيرجع الحياة لقلبك..

ضيق إسماعيل عينيه بتسائل بينما أخذ قلبه يدق پعنف، ليسقط خبر تميم عليه كالإعصار شتت كل كيانه..
- خالتي عفيفة ... أو بالأحرى أمي عفيفة..

                          ❁❁❁❁❁

≈ بعد مرور عام ≈

ترتدي فستان رقيق أبيض من قماش السيتان الناعم يصل لكاحلها، وقفت غفران التي أشرقت ملامحها أمامها تعقد حجابها بإبتسامة متسعة وأعين لامعة..
قالت أخيرًا وهي تُقيّمها بنظرة شمولية:-
- عروسة زي القمر  .. عفيفة وهي فعلًا عفيفة..
أنا محظوظة أوي يا فيفو علشان أنا البنت الوحيدة إللي قدرت تحضر فرح أمها..

احتضنتها عفيفة بحنان وأعين سعيدة وقالت:-
- أنا إللي محظوظة إنك بنتي يا غفران، إنتِ عوضي عن كل حاجة شوفتها..

ابتسمت غفران بينما هتفت بخبث:-
- طب وسُمعة..

ركضت خلفها بشغب كفتاة عشرينية بينما فرت من أمامها غفران راكضة بمرح طفولي لتعلو ضحكاتهم بأرجاء المنزل..
التقط تميم غفران بأحضانه بينما يحملها بعيدًا عن مرمي يدي عفيفة..
 

تمت 



الصفحه الرئيسيه لجميع روايات المدونه من هنا



روايات كامله وحصريه من هنا


تعليقات



CLOSE ADS
CLOSE ADS
close