القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية والتقينا الفصل الاول بقلم ندى ممدوح حصريه وجديده

 رواية والتقينا الفصل الاول بقلم ندى ممدوح حصريه وجديده 



1 _أول لِقاء. 

نسمةُ ريحٌ طيبةً هَلَّتْ، باردةً مُنْعِشة تترعُ فؤادِ المرء بالسرور والانتعاش، تطاير علىٰ إثرِها وريقاتُ الشجر اليابس التي تساقطتْ فوقَ الأرضْ، زقزقةَ العصافيَّر تطربُ الأذان وهي تحوم حول إحدى المساجد، الشمس لم تتكبد عِنان السماء، لكن ضوء الصباح ملأ الأفق بلونٍ جميل مريحٌ للنفس. 

برز شاب علىٰ أسكفة المسجد، يرتدي حذاءه الامع السواد، ولسانه يُردد بخشوع بعضُ الأذكار، وانتصف واقفًا وقد أسبل جفناه ملتقطًا نفسٌ عميق من هواء الصباح ماليئًا به رئتيه، وزفره بتمهل، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله، وعبر باب المسجد بخطوات هادئة رصينة، ثم أوقفه صوت طفلٍ صغير يقبل من داخل المسجد، صائحًا  : 

_ أخي  بلال، هل ستعود باكرًا اليوم؟ 

فأفتر محياه الأسمر عن بسمة رائعة، وهو يؤمأ برأسه قائلًا بوجهه الصبوح  : 

_ إن شاء الله يا عمرو، لا تظل طوال اليوم لاهيًا عن والدتك، حسنًا؟ 

فضحك الصغير، وهو يقول مداعبًا وقد كان خفيف الظل، حلو الدعابة  : 

_ حاضر يا أخي، لا يهمك أمر والدتي ما دمت أنا باقيًا، أذهب أنت ولا تحمل همًا. 

انصرف (بلال) متوجهًا إلىٰ سيارة لقمة عيشه، واستقلها وهو يذكر الله بصوتٍ مسموع، وأدار محركها منطلقًا بها، وهو يدعوا الله بالتوفيق، وفتح باب الرزق؛ من أجل عائلته التي يعولها، لم يكن عمله كـ سائق لإنه فاشل حاشاه.. 

لقد تعب وكد حتى حصل على شهادة الهندسة لكن بدون واسطة في هذا الزمن يجعل المرء مركونًا على رف النسيان والأهمال، فلم ييأس وها هو ذا راضيًا بما كتبه الله له، المهم هو راحة النفس، ورضى القلب، ودون ذلك فلا يهم. 

   

ــــــــــــــــــــــــــــــــ


( أمي أنظري هناك، أليس هذه الممثلة إسراء الشهاوي؟) 

هتف بها طفلًا صغير مهللًا داخل ذلك النادي الشهير في قلب القاهرة، واستقبلت النجمة ( إسراء) الهتاف بفرحة غامرة وهي تبتسم بإشراق له، فسارت نحوه وهي ترفع نظارتها فوق رأسها الأسود الحرير المنسدل بنعومة فوق ظهرها، أنفها دقيق رقيق صغير، وجهها مستدير منير  كالقمر، عيناها واسعتان براقتان تظللهما رموش سوداء طويلة، أمَّا لونهما فهما سر جمالها، فقد كانتا بنيتين لامعتين على الدوام. 

قدها نحيف، وقامتها قصيرة لم ينقصان من جمالها البراق شيء، سلّمت علىٰ الصغير وعانقته بمودة، وصافحتْ والدته وألتقطت معهما بعض الصور، ثم أخذت تعدو خارج النادي لتتابع ركضها بعيدًا عن ضوضائه، وبينما هي تعدو، غافلة عن عينين ترصدانها رصدًا من داخل سيارة مغلقةً النوافذ فلا يظهر من يقودها والتي تحركت رويدًا رويدًا ورائها، توقفت إسراء تلتقط أنفاسها وهي تتجرع بعض الماء من الزجاجة التي كانت في يدها، عندئذ تناهى لها صوت سيارة تندفع نحوها، فألتفتت سريعًا و تقهقرت مبتعدة من أمامها وهي تغمغم  : 

_ ألا تنظر أمامك يا هذا؟ 

لكنَّ السيارة دارت حول نفسها، واتجهت نحوها، فأتسعت عيناها في ذَعر وارتياع، وركضت بكل ما أوتيت من قوة والسيارة تلاحقها، كان الطريق خالٍ في ذاك الوقت، فكانت تصرخ في انهيار مستنجدة بأي مساعدة دون جدوى، وحاولت مناورة السيارة وهي تبتعد يمنى ويسر وتركض في كل اتجاه حتى تيقنت أن سائق السيارة لا يبغي شيء إلا قتلها شر قتلة. 

سقط في نفسها، وحَل الرعب قلبها، وهوت دموعها بكل خوف، وبينما هي تلتفت في هلعٍ مترع بالرعبة اصطدمت بها السيارة بكل قوة، فضُرب جسدها في مقدمتها ثم سقطتت جثة هامدة، وتوقفت السيارة ما أن تأكد صاحبها إنه صدمها، وفُتح بابها وكاد يترجل لولا تللك السيارة التي أرتفع محركها. 


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    

                     


عِندما رأىٰ الرجُل الذي صدم المُّمثِلة ( إسراء) بسيارته السيارة المُقبلة، إذ فرَّ هاربًا وقد هاب أن يراه، تاركًا جُثة ( إسراء) وقد تفجَّر من رأسها الدم وفار، توقفت سيارة ( بلال) وهرع منها مُسرِعًا في لهفة وجزع، ومال علىٰ وجهها المُصطبغ بالدماء وهو يُردد في فزع: 

_ لا حول ولا قوة إلا بالله، إنَّ لله وإنَّا إليه راجعون 

وتجمع النَّاس حوله ملتفون حول جسد ( إسراء)، التي تم إسعافها في سُرعة بعد ما تعرف عليها الممرضات والأطباء، وعلموا بشهرتها، وتبرع ( بلال)  لها  بدماءه، وأحضر جم ما تحتاج إليه من علاج، ودفع ثمن عمليتها مما تبقَّ معه، وجلس أخيرًا يلتقط أنفاسه، ثوانٍ وكان شارد الفِكر وهو يتذكر إنه كان عليه إن يجلب دواء الكَبِد لوالدته. 

لكن لم يتبق معه شيء.. 

بل لقد أخذ سلفة من رفقاءه حتى يدفع عملية الفتاة التي لا يدري عنها شيئًا.. 

فأدحر التفكير عنه متوكلًا على الرزاق ( عز وجل) 

وراح يُردد من صميم قلبه الأذكار.. 

وهو علىٰ يقين إن الله سيرزقه من حيثُ لا يشاء  .. 

وعلاج والدته سيحضره في وقته إذا شاء الله ( سبحانه وتعالى) 

وبقى طيلة اليوم في المستشفى، لم يغادرها إلا لُمامًا حين كان يحادث والدته ليطمئنها عليه، ولمَّا استبد بهِ التعب، وغزا النوم أجفانهُ أغلقهُما مستدعيًا النوم الذي جاءهُ مُرحبًا، وفي غبش الليل نهض منتفضًا على صوت أنثوى يطلب منه أن يستيقظ ويفتح عيناه، وابتدرته الممرضة، تقول  : 

_ عفوًا أليس حضرتك الشخص الذي جاء مع الممثلة إسراء الشهاوي؟ هلا أتيت لتراها؟  

فنظر لها ( بلال) لثوانٍ، ثم لم يلبث إن سألها مستدركًا  : 

_ ألم يحادث أحد أهلها؟ 

أجابته الممرضة نافية  : 

_ أتصلنا بوالدها وهو قادم في الحال. 

ضيق ( بلال) عينيه في ضيق، وهو يغمغم  : 

_ وماذا يجب أن أفعل أنا الآن؟ 

هزت الممرضة منكبيها في حيرة، قائلة  : 

_ أنت أدري! ولكن يجب أن تهدأ من روعها فمنذُ أن أفيقت وهي تصرخ! 

مسح ( بلال) وجهه بكفه في غلظة وهو يكظم غيظه، ونهض سائرًا وراء الممرضة التي قاضتهُ إلىٰ إحدىٰ الغُرف الصادر منها صوت بُكاء رقيق، وتركته وانصرفت، فتسمر مكانه ولم يدرك ماذا عليه أن يفعل! 

وخفق قلبه في قلق  .. 

لم يكن من الشباب الذين لهم علاقات مع النساء... 

بل إنه شاب ذا خُلق يخاف إن يُخطإ في الحديث مع إحداهن فيغصب منه الله.. 

فمن خاف الله فعل كل شيء تقربًا إليه.. 

ازدرد لعابه وهو يستعين بالله، ويطرق الباب بظهر سبابته، ثُم دفع الباب وهو منكس الرأس، مُلقيًا السلام  : 

_ سلام الله عليكِ، هل تسمحين ليّ بالدخول؟ 

ولمَّا لم يتلق ردًا، وطال وقوفه، تجرأ علىٰ رفع رأسه لينظر إليها، وتلاقت الأعيُن.. 

وللقاء العيون حديث.. 

حديثٌ لا يعلمه إلا القلوب.. 

فكفت ( إسراء) عن بكائها الخافت، وتأوهت بألم بسبب الألم الحاد في رأسها الذي تُحيطه الضمادات، وتأملته بمقلتين بريئتين مليئتين بالدموع الحبيسة، وفي نفسها هابتهُ مهابة لم تهب مثلها لأي رجلٍ في عمرها الحافل بالرجال. 

قطع الصمت الذي ساد فجأة صوت ( بلال) الرخيم، قائلًا  : 

_ هل أنتِ بخير يا أنسة؟ إن والدك قادم. 

وأتبع يقول والأسىٰ يصبغُ وجهه  : 

_ يؤسفني إنني لم استطع أن أرَ الشخص الذي صدمك بسيارته، ولكن حمدًا لله إنه قد نجاكِ من هذا الحادث. 

بتر عبارته صيحة ( إسراء) المنفعلة  : 

_ ماذا تقول يا رجل عن أي حادث تتحدث؟! لقد كانت محاولة قتل عن تعمد وإصرار. 

رفع ( بلال) نظره إليها، ولم ينبس لدقيقة، تاركًا إياها تُفرغ ما بداخلها من دموع، ثم قال في هدوء  : 

_ إذ كانت حادثة مدبرة كما تقولين فيمكنك إخبار الشرطة بذلك! 

قاطعته ضحكة متهكمة ندت عنها، وهي تكرر في سخرية  : 

_ شرطة؟! وماذا قد تفعل ليّ الشرطة؟ 

تنهد (بلال) وهو يسمع آذان الفجر يعلو في الأرجاء، فأغمض عينيه دون مبالاة بها وراح يُردد وراء المؤذن في خشوع باطن وظاهر، وما إن انتهىٰ، حتى فتح الباب وهو يقول  : 

_ لا يهمني أمرك يا سيدتي فقد فعلت ما يجب فعله وأنتِ أدري، وبما أنك بخير فسأغادر. 

وما هم أن يخطو للخارج، استوقفته صيحتها صارخة: 

_ أنتظر يا هذا، إلى أين تذهب وتتركني؟ 

فرفع حاجبه ذاهلًا وهو يُكرر في تعجب  : 

_ولماذا قد أظل؟ 

والتفت إليها مغمغمًا  : 

_ هل تحتاجين لشيء؟ 

همت أن تجيبه لكنه قال مستدركًا  : 

_ سأذهب لصلاة ثم سأعود لأن الشرطة ستأخذ أقوالي. 

وخرج مغلقًا الباب وراءه وهو في حيرة من أمرها.. 

كمنت ( إسراء) في سريرها تفكر وتخطط لما ستفعله.. 

هي لا تريد أن تعود للمنزل بسبب القاتل الذي لا تدري عنه شيئًا، و لن تشعر بألامان.. 

ومتى شعرت به من الأساس؟! 

هو لم يزورها يومًا.. 

ولم تذق شعوره.. 

ولم تحياه. 

وتفجر في نفسها الأسىٰ كله.. 


ــــــــــــــــــــــــــــــــ


توقف ضابط الشرطة جوار فراش ( إسراء) ليأخذ أقوالها، وشرع يسألها إذا كانت تشك في أحدٍ معين، لكنها نفت ذلك، وأخذ الكاتب يدون وراءهما ما يقولون، حتى سألها الضابط  وهو يشير إلىٰ ( بلال) الواقف في آخر الغرفة مُطرق الرأس، ولسانه لا ينفك عن ذكر الله  : 

_ هل أنتِ متأكدة أن الشخص الذي أسعفك لم يكن هو من صدمك بالسيارة؟ ربما يكون هو لذلك قام بإسعافك سريعًا؟! 

رمقت إسراء بلال الذي لم يلتفت إليها قط في غيظ من لامبالاته، وأسرعت تقول  : 

_ محال يا فندم أن يكون هو. 

فزوى الضابط ما بين حاجبيه، وهو يهتف: 

_لماذا محال يا أنسة إسراء؟ هل أنتِ على سابق معرفة به؟! 

انبعث صوت إسراء وهي تقول في رقة  : 

_ بالطبع علاقتي به قوية لإنه.. 

وتعمدت الصمت ثوانٍ، استرقت خلالها نظرة إلى بلال، وازدردت لعابها وهي تلي قولها بخوفٍ  : 

_ لإنه خطيبي... 

يُتبع …


تعليقات

التنقل السريع
    close