دخلت أم العريس هي وجوزها وأهله البيت، وبعد السلامات المعتادة قالت بابتسامة: سمعنا إن عندكم بنت حلوة، وجايين نخطبها لابني.
ردت أم نعيمة بفرحة واضحة: يا أهلا وسهلا. نعيمة بنتي مؤدبة وبنت حلال، وربنا يتمم بخير.
بصت أم العريس لجوزها باستغراب وقالت: لا... مش نعيمة. أنا أقصد البنت التانية.
اختفت الابتسامة من وش أم نعيمة في لحظة، وردت بحدة خفيفة:
- التانية دي مش بنتي... وإحنا معندناش بنات للجواز غير نعيمة.
فهم الضيوف الرسالة، وقاموا ومشيوا بعد وقت قصير.
وأول ما الباب اتقفل...
بان الضيق على وش أم نعيمة.
ما كانتش بتكره دنيا، لكن كانت شايفة إنها السبب في إن كل عريس يدخل البيت يسأل عنها هي.
نعيمة بنتها جمالها عادي، أما دنيا...
فكانت جميلة بشكل يلفت النظر من أول لحظة.
كل مرة ييجي عريس، الضيوف يسألوا عن دنيا.
وكل مرة أم نعيمة تبتسم قدامهم، وبعد ما يمشوا ترجع تكتم غيظها.
أما أبو نعيمة فكان دايمًا يردد نفس الجملة:
- اللي ييجي لنعيمة بنتنا أهلًا وسهلًا... واللي ييجي لدنيا، يتفضل يمشي. إحنا معندناش بنات للجواز.
***
دنيا كانت بتحس بالكلام حتى لو محدش قاله قدامها.
عشان كده كانت تبعد عن الصالة وقت ما ييجي ضيوف.
وتدخل المطبخ تساعد أكتر.
وترتب البيت.
وتنجز أي شغل قدامها.
كأنها بتعتذر عن ذنب هي أصلًا ما عملتوش.
مرة سمعتها بالصدفة وهي بتقول لجارتها:
- مصلحة بنتي أهم.
ساعتها بلعت ريقها بصعوبة.
ودخلت أوضة نعيمة ترتبها.
ظبطت السرير.
ورتبت هدومها.
وحطت الطرحة فوق الدولاب.
وبعدين وقفت عند الشباك سرحانة.
كل يوم كانت تحاول تقنع نفسها إنها فرد من العيلة...
لكن جواها كان فيه إحساس مؤلم إنها مجرد ضيفة تقيلة.
ولما كانت تنام بالليل...
كانت عينيها تقفل على نفس الصورة.
ولد صغير ماسك إيدها.
أخوها حسن.
الولد اللي ضاع منها وهي طفلة.
من غير ما تعرف إن الزمن كبره...
وبقى محامي مشهور بيدور عليها من سنين.
***
في الليلة دي، أم نعيمة قررت تتكلم بصراحة.
دخلت الأوضة على دنيا وهي بتطبق الغسيل.
وقفلت الباب وراها.
وقالت من غير مقدمات:
- اسمعيني يا بنت الناس... كفاية علينا لحد كده.
دنيا رفعت عينيها باستغراب.
كملت أم نعيمة:
- بنتي بقت عانس جنبك، وكل اللي ييجي البيت يسأل عليكي إنتِ. روحي شوفي حالك بعيد عننا.
اتجمدت دنيا مكانها.
ووقع الغسيل من إيديها.
- أروح فين؟! أنا معرفش حد غيركم. من يوم ما لقيتوني وأنا صغيرة وأنا عايشة هنا. مش فاكرة غير حسن أخويا... اللي توهت منه.
لفت أم نعيمة وشها الناحية التانية وقالت ببرود:
- ربنا يسهلك... دوري على أهلك.
***
في أقل من ساعة كانت دنيا لمت حاجتها كلها في كيس بلاستيك صغير.
ونزلت السلم بسرعة قبل ما أبو نعيمة يرجع من القهوة.
مش عايزة تسمع منه كلام يوجعها أكتر.
خرجت للشارع.
نفس الشارع اللي استقبلها زمان وهي طفلة تايهة.
لكن المرة دي...
مافيش حسن يمسك إيدها.
مشت كتير.
لحد ما رجليها وجعوها.
وقعدت على كرسي في محطة قديمة.
ضمت ركبها لصدرها.
وكان صوت واحد بس بيتردد جواها:
"يا ترى إنت فين يا حسن؟ لو لقيتك بس..."
الليل كان بارد.
وطرحتها قديمة.
لكن الأمل اللي جواها كان أقوى من البرد.
كانت بتحلم تلف الدنيا كلها...
لحد ما تلاقي أخوها.
أو تسمع حد بينادي:
"يا حسن"
ويلتفت...
ويطلع هو.
ونامت وهي حاطة الكيس تحت راسها.
وعينيها مقفولة على صورة ولد صغير ماسك إيدها وبيعدي بيها الشارع...
زي زمان.
***
لكن الدنيا كانت مخبية لها اختبار أصعب.
وهي ماشية في شارع ضلمة آخر الليل، لقت راجل سكران واقف قدامها.
سد عليها الطريق.
عيونه حمرا.
وريحة الخمر طالعة منه.
قرب منها بخطوات بطيئة.
دنيا رجعت لورا بخوف.
لكنه قرب أكتر.
إيديها خبطت في قالب طوب جنب الحيطة.
وفي لحظة رعب...
لما حاول يمسكها، رفعت الطوبة وضربته بكل قوتها.
وقع على الأرض وسط دمه.
وهي جريت.
جريت وكأن الشياطين بتجري وراها.
***
الراجل دخل المستشفى بين الحياة والموت.
والشرطة وصلت لدنيا عن طريق كاميرات محل قريب.
في القسم كانت بتحاول تشرح:
- والله ما سرقتش حاجة... كان هيعتدي عليا.
لكن المحضر كان مكتوب بشكل مختلف.
ومعندهاش أي إثباتات.
لا أهل.
لا عنوان.
لا أوراق تعرفها.
فاتحبست احتياطي على ذمة التحقيق.
***
جوا الحجز كانت الليالي طويلة.
السقف عالي.
واللمبة بتزن طول الوقت.
والبرد مالي المكان.
كانت تنام على البلاط وتفتكر حسن.
وتصحى على صوت المفاتيح وهي رايحة التحقيق.
وفي كل مرة تكرر نفس الجملة:
- والله أنا مظلومة...
لكن محدش كان بيسمع.
وفي ليلة هادية رفعت عينيها للسقف وهمست:
- يا رب... ألاقي حسن. أنا محتاجاه أوي دلوقتي.
وما كانتش تعرف إن حسن بالفعل قريب منها جدًا.
وإن اسمه اتردد الأسبوع اللي فات في نيابة جنب المكان اللي هي محبوسة فيه.
لكن الأقدار كانت لسه مأجلة اللقاء.
***
جه يوم الجلسة.
وقفت دنيا جوه القفص.
إيديها متعلقة بالحديد البارد.
وقلبها مليان خوف.
قبل قضيتها كان فيه محامي شاب واقف بيترافع في قضية تانية.
لابس بدلة شيك.
وصوته هادي وواثق:
- التهمة بلا دليل، والشهود ما شافوش الواقعة بشكل مباشر... وعشان كده نلتمس البراءة.
القاعة كلها كانت مركزة معاه.
أما دنيا...
فكانت مركزة فيه هو.
فيه حاجة مألوفة.
حاجة قديمة جدًا.
ملامحه.
طريقة وقفته.
نبرة صوته.
كل حاجة فيه خلت قلبها يدق بسرعة.
افتكرت ولد صغير كان دايمًا يمسك إيدها ويحميها.
همست لنفسها:
- حسن...؟
لكنها رجعت تسكت.
يمكن تكون أوهام.
يمكن يكون الشوق هو اللي بيخدعها.
***
بعد شوية القاضي خرج يراجع الأحكام.
والمحامي الشاب قرب من موكلته يطمنها.
ساعتها تشجعت دنيا ونادته بصوت مبحوح:
- يا أستاذ...
لف ناحيتها.
- نعم؟
بلعت ريقها وقالت:
- ممكن تترافع عني؟ أنا مظلومة... ومليش حد.
بصلها باهتمام.
ولأول مرة ركز في ملامحها كويس.
حس بحاجة غريبة بتشد قلبه.
إحساس قديم ومش مفهوم.
وسألها بهدوء:
- اسمك إيه؟
ردت بصوت واطي:
- دنيا.
سكت لحظة.
وعينه فضلت ثابتة عليها.
وبعدين سأل من جديد:
- دنيا إيه؟
رفعت عينيها ليه... وقلبها بيدق بقوة... لو حابين تعرفوا اللى حصل
وصلوا عالحبيب


تعليقات
إرسال تعليق