رواية في_قبضة_العاصم الفصل العشرون والحادي والعشرون بقلم سيليا البحيري حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية في_قبضة_العاصم الفصل العشرون والحادي والعشرون بقلم سيليا البحيري حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
بعد كام يوم – فيلا خالد القاسمي – بالليل
الفيلا كانت غارقة في صمت يخوّف.
صور خالد القاسمي على الحيطان، وجزمة رائد القديمة قدّام أوضته…
كل تفصيلة بتفكر عاصم إنه رجع لنفس النقطة… بس مش هو نفس الشخص.
رجع وهو شايل فوق روحه حمل تقيل.
قعد على كنبة الصالة الواسعة، منوّر بس أباجورة أرضية نورها خافت.
قدّامه كوباية شاي بارد ما لمسهاش… وجنبه موبايله، ماسكه كل دقيقة… يبص فيه كأن ليل هتكلمه فجأة.
بس هي ما عملتش.
من يوم ما رجعوا من أربع أيام…
مسمعش صوتها.
ما سألتش عليه.
ولا حتى رسالة.
غمّض عينه بمرارة، وسند راسه لورا.
عاصم هامس لنفسه:
"هي حرّة…
وهي المفروض تكون حرّة من أول يوم… مش بعد ما بوّظتلها حياتها."
تنهد.
حاول يقنع نفسه إنه يستاهل الصمت ده.
فلاش باك – صوت ليل من ألمانيا
"إنت وجعتني…
سرقتني من أهلي… من كل حاجة."
"عمري ما كنت أتوقع تعمل كده فيّ يا عاصم."
فتح عينه بسرعة… كإن حد طعنه.
ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع.
عاصم:
"وبعد كل ده… مستنيها تتصل؟
مجروحة مني… وعاوزها تبادر؟"
مد إيده، مسك الموبايل تاني، فتح الكونتاكتس… وصل لاسمها:
(ليــل)
فضل يبصل الاسم فترة… وبعدين قفل الشاشة.
عاصم:
"لأ… مش هكلمها.
مش هجرحها أكتر."
قام من مكانه، وبدأ يتمشى رايح جاي في الصالة…
خطواته سريعة ومتوترة.
كأنه بيهرب من فكرة بتجري وراه.
عاصم لنفسه:
"يا رائد…
سامحني يا أخويا.
جريت ورا انتقامك من الشخص الغلط…
ضيّعت بنت بريئة…
وكسرت قلب زياد…
وخّوفت البنت اللي…"
وقف.
ما قدرش يقول "اللي بحبّها" بصوت عالي.
رجع قعد… حط راسه بين إيديه.
عاصم:
"لو كنت راجل بحق…
كنت رجّعتها من أول يوم.
كنت صدّقت اللي كانوا بيقولوهولي.
بس… لأ.
تماسكت ورا العنادي… ورا نديم… ورا الغلط."
رفع راسه… عينه زجاج.
عاصم:
"وهي دلوقتي… رجعت لحضن أهلها.
المكان اللي يليق بيها…
مش هنا.
مش جنبي."
عدت لحظة طويلة…
سكوت…
وأنفاس محبوسة.
وبعدين قام.
راح لدرج صغير جنب المكتب… فتحه… وطلّع عقد الجواز.
بص للورقة فترة…
عدّى صوابعه على اسمها كإنها واقفة قدّامه.
عاصم بصوت مكسور:
"هطلّقها بكرة.
مش هسيب اسمي عليها يوم زيادة…
لازم ترجع بنت زياد…
مش زوجة واحد خطفها."
ضحك ضحكة قصيرة فيها سخرية من نفسه.
عاصم:
"كنت فاكر الانتقام هيعالج…
طلّع الندم بيوجع ميت مرّة أكتر."
قعد على طرف الكنبة… ميل بجسمه لقدّام.
عاصم:
"ربنا يكون في عونك يا ليل…
لو تقدري… سامحيني.
ولو ما تقدريش… حقّك."
نزلت دمعة على العقد…
مسحها بسرعة، كإنه خايف تسيب أثر.
عاصم:
"ياااه… يا غبائي.
غلط… وغلط أعمى."
مسك الموبايل تاني…
فتح الشات بتاع ليل…
كتب حاجة… ومسحها.
كتب كلمة تانية… ومسحها.
وفي الآخر… حط الموبايل بعيد.
عاصم:
"لأ… مش هكلمها.
كفاية اللي حصل.
فضل خطوة وأصلّح اللي أقدر أصلّحه."
وقف… بص من شباك الفيلا الكبير.
الشارع هادي… والليل سواد.
لكن جوّاه… كان مولّع.
عاصم بصوت ثابت بس موجوع:
"طلاق… وخلاص.
هي هترتاح…
وأنا أعيش بغلطي.
عادي… أستاهل."
غمّض عينه.
وفي الصمت…
كان واضح جدًا:
هو ما يريدش يطلّقها.
بس مقتنع إن ده العذاب اللي يستحقه…
والراحة اللي تستحقها هي.
*********************
في فيلا الزهراوي
كانت الشمس في منتصف الصباح، تتسلّل بخجل من بين ستائر الصالة الواسعة، ترمي خطوطًا ذهبية فوق الأرضية اللامعة. كان البيت ينبض بحركة خفيفة… دفء… وصوت ضحكات صغيرة تتناثر هنا وهناك.
ليل جلست على الأريكة، قدماها مطويتان بجانبها، وجهها أكثر إشراقًا مما بدا منذ أسابيع… ربما لأنه للمرة الأولى منذ زمن، كانت وسط عائلتها حقًا.
إلى يمينها كان مازن، الصغير ذو العشر سنوات، ملتصقًا بها كأن أحدًا قد يخطفها مجددًا لو ترك يدها.
وإلى اليسار جلس أدهم، الأكثر هدوءًا ورزانة رغم صغر سنه، لكنه كان يراقبها بعينين واسعتين تحملان شيئًا من القلق المكبوت.
من الطرف الآخر للصالة، كان زياد مستلقيًا على كرسيه الطبي المريح، يحتسي كوب الأعشاب الذي تصرّ حور أن يتناوله كل صباح. ورغم الآثار الواضحة لإصابته… إلا أن عينيه كانتا تلمعان كلما وقعت على ليل.
أما حور، فكانت تتحرك بخفة في المطبخ المفتوح، ترتّب الأشياء بلا هدف حقيقي… فقط لأنها سعيدة بوجود ليل تحت سقفها من جديد.
مازن (بحماس بريء وهو يهزّ قدمه):
ليل! قوليلي… ألمانيا حلوة؟ يعني… فيها ثلج؟ فيها ناس أشقر كتير صح؟
ليل (تضحك بخفّة، تمرر يدها على شعره):
أيوه يا مزون… فيها كل ده. الثلج، والناس الشقر… وكل حاجة.
مازن:
طب ليه ما صورتيليش فيديو؟ انتِ وعدتيني قبل ما "تسافري" إنك هتبعتيلهالي!
ضحكت ليل بخجل… ثم نظرت إلى والدها الذي خفض عينيه قليلًا.
تفهمت. إذن هما بالفعل أخبراه أنها سافرت.
ليل (بنبرة حنونة):
كان… كان صعب يا مازن. مكنتش قادرة أمسك الموبايل كتير. كان عندي ظروف.
أدهم (يرفع حاجبه بذكاء أكبر من عمره):
ظروف… ولا حد ضايقِك؟
أنا حاسس إن في حاجة. أنتِ… مكنتيش مبسوطة، صح؟
ليل جمدت لثانية.
زياد شدّ نفسًا طويلًا، كأن قلبه ضُرب فجأة، بينما حور استدارت بالكامل تنظر إلى أدهم بدهشة.
حور (بصوت منخفض):
أدهم…!
أدهم (بإصرار طفولي لكنه ناضج):
أنا فاهم كل حاجة يا ماما…
بابا اتعور… ليل اختفت… ورجعت فجأة…
وكل الناس كانت متوترة. يعني في حاجة حصلت، وأنا مش صغير للدرجة دي.
ليل شعرت بدمعة صغيرة تسخن أسفل جفنها، لكنها خبأتها بابتسامة هادئة.
ليل (تمد يدها وتشد أدهم لحضنها):
بس دلوقتي… أنا بخير. صدقني.
ومهما حصل… أنا رجعت، ومش هبعد عنكم تاني.
أدهم انكمش داخل حضنها، وسمحت له يريح رأسه على كتفها… بينما مازن صعد فوق الأريكة وحاصرها من الجهة الأخرى.
---
مازن (ينظر إليها بفضول أكبر):
طب… هو الشاب اللي كان معاكي… اسمه إيه؟ بابا قال عاصم؟
هو لطيف؟ بيضحك؟ بيحب يلعب كرة؟
زياد شهق بصمت…
حور تجمّدت مكانها، تمسك الملعقة بقوة…
ليل شعرت بقلبها ينكمش.
عاصم.
الاسم وحده يحمل طعمًا مرًا وحلوًا في آن واحد.
التفتت إلى الصغار… تحاول أن تبدو عادية.
ليل (بابتسامة صغيرة مرّة):
أيوه… اسمه عاصم.
و… هو طيب. جدًا. حتى لو الظروف بينا كانت معقدة شوية.
مازن (يفتح عينيه بدهشة):
هي كانت بينكم مغامرة؟!
يعني زي الأفلام؟
ليل ضحكت، لكن ضحكتها خافتة… ممزوجة بأشياء لا يفهمها طفلان في هذا العمر.
ليل:
حاجة شبه كده يا مزون…
زياد ترك الكوب من يده، واتكأ قليلاً للأمام.
زياد (بصوت أبوي تحمل فيه بقايا القلق):
ليل…
لو الجو تقيل عليك، نغير الموضوع.
ليل هزّت رأسها بلطف، وعيناها تلمعان بحنان:
ليل:
لا يا بابا… أنا تمام.
أنا معاكم.
ده أهم من أي حاجة في الدنيا.
أدهم رفع رأسه، ينظر إليها بثقة جديدة:
أدهم:
وإحنا كمان معاكي.
وأي حد يضايقك… بس قولي.
مازن رفع يده بحماس:
مازن:
حتى لو كان طويل وعضلات!
أنا هعضه!
انفجر الجميع بالضحك…
حور وضعت يدها على قلبها وهي تضحك حتى اختفت حدة التوتر من وجهها…
وزياد ضحك ضحكة خافتة لكنها صادقة.
ليل مسحت دمعة صغيرة—دمعة فرح خفيفة، أخيرًا… شعرت بالامان.
ليل (تحتضن الاثنين بقوة):
إنتوا أغلى حاجة عندي…
ومهما حصل… مش هبعد تاني.
ولا ثانية.
وهم التصقوا بها، واحد من اليمين وواحد من اليسار…
بينما البيت امتلأ بضحكات خفيفة…
ضحكات تشبه بداية شفاء.
*********************
ركض مازن وأدهم إلى الحديقة الخلفية، أصواتهما تتلاشى مع ضحكاتهما البريئة.
هدأ البيت فجأة… وكأن الصمت صار أثقل من الهواء نفسه.
ليل بقيت جالسة في مكانها، قدماها تسحبان فوق الأرض، يداها معقودتان فوق بعضهما كمن يخشى أن ينهار لو أرخاهما.
زياد أعاد ترتيب جلسته، يزيح الوسادة خلف ظهره ببطء… ملامحه جدية الآن، لكنها خالية من القسوة.
حور جلست بجانب ليل بهدوء، تضع يدها فوق يد ابنتها دون أن تتكلم.
زياد (بصوت منخفض لكنه واضح):
ليل…
إحنا محتاجين نتكلم عن حاجة.
وما ينفعش تفضّلي تهربي منها أكتر من كده.
ليل شدّت نفسًا سريعًا.
تجنّبت عينيه، وكأن نظراته تستطيع الوصول إلى عمق الجرح الذي تحاول إخفاءه.
ليل:
بابا… لو ممكن… نأجّل—
زياد (يقاطعها برفق):
لا.
الموضوع ده يهمّك… ويخصّ حياتك.
وإحنا مش هنا عشان نضغط عليك، بس عشان نساعدك تفهمي نفسك.
حور لم تقل شيئًا… لكنها ضغطت على يد ابنتها ضغطًا خفيفًا، وكأنها تقول احكي… أنا معك.
ليل أغلقت عينيها، وكأنها تحاول الهروب إلى الداخل… لكن الداخل نفسه كان معركة.
زياد:
نيّتك إيه مع عاصم؟
عايزة تكملّي… ولا تنفصلي؟
كأن السؤال صفعها.
فتحت عينيها ببطء… وبدلاً من الإجابة، خرجت ضحكة قصيرة، مرّة… سخرية من نفسها.
ليل:
أنا… أنا مش عارفة.
ولا حتى فاهمة أنا إزاي وصلت للمرحلة دي.
زياد انتظر.
لم يقاطعها.
ليل حركت يديها بعصبية، ثم وضعت كفّها على جبينها… تهرب، ثم تعود لنفس الدوامة.
ليل (تتنفس بثقل):
أنا… بحبه.
دي الحقيقة اللي مش قادرة أخبيها أكتر.
هو… كان قدامي شهور طويلة.
كنت بشوفه… وهو مش شايفني زي ما أنا.
وبعد كل اللي حصل… بعد اللي عمله…
لسه قلبي بيتشدّ ناحيته.
أنا بكره ده… بكره نفسي ساعات.
نزلت دمعة سريعة دون أن تنتبه.
حور (بحنان مؤلم)
ليل…
لكن ليل تابعت، كأن الكلمات تخرج بعد احتباس طويل:
ليل:
بس…
برغم كل ده…
أنا موجوعة.
موجوعة جدًا.
صوتها انكسر للحظة…
أخفضت رأسها كطفلة تُوبّخ بلا رحمة.
ليل:
هو خطفني…
هدّدني…
كسّر ثقتي…
وأذاني نفسيًا بشكل… أنا نفسي لغاية دلوقتي مش مستوعباه.
وازاي…؟
ازاي حد يحب حد… وفي نفس الوقت يبقى منهار منه؟
زياد أغمض عينيه لحظة، كأنه يشاهد كل ما مرّت به أمامه.
زياد:
اسمعيني يا ليل…
أنا مش هقولك تنسي اللي حصل.
ولا هقولك إنك لازم ترجعي له.
بس هقولك الحقيقة اللي أنا شايفها…
عاصم اتربّى هنا.
ومهما اتغير… الخير اللي فيه ما راحش.
هو غلط… غلط جامد…
بس كمان كان أعمى من كتر القهر.
وأنا… سامحته.
ليل رفعت عينيها بسرعة… صدمت.
ليل:
سامحته…؟
بابا، ده… ده اتّهمك…!
زياد (هونًا)
عارف.
وعارف إنه كان بيموت من جواه.
والإنسان لما ينكسر… ساعات بيأذي أكتر ناس بتحبه.
ليل تنفست بارتعاش.
كأن الكلام يضرب منطقة في قلبها كانت تخاف الاقتراب منها.
حور (بصوت هادئ جدًا):
بس يا ليل…
القرار قرارك.
مش قرارنا.
مش قرار عاصم.
لو رجعتي له… لازم تكوني متأكدة إن قلبك قادر يسامح.
ولو مش قادرة… الانفصال مش عيب.
ليل وضعت يدها على قلبها، تضغط عليه بخفّة… كأن الألم جسدي.
ليل:
أنا… تعبانة.
مش قادرة أفكر.
كل ما أقفل عيني… أفتكر لحظات صعبة.
وكل ما أفتكرها… ألاقي قلبي بيقولي إن في لحظات تانية كانت…
كانت حقيقية.
كانت دافية.
كانت… ليّا وأنا حتى ما كنتش فاهمة.
زياد مال للأمام، صوته منخفض لكن ثابت:
زياد:
يبقى خدي وقتك.
ما فيش حد هيجبرك.
ولا في قرار لازم يتاخد النهارده.
بس المهم… ما تهربيش من مشاعرك.
واجهِيها… حتى لو وجعتك.
ليل أغمضت عينيها للحظة طويلة…
ثم فتحتها ببطء.
ليل (بهمس):
أنا… هفكر.
بس مش دلوقتي.
لسه مش مستعدة… أكون أي حاجة غير بنتكم اللي محتاجة ترتاح شوية.
زياد ابتسم بحنان أبوي مؤلم:
زياد:
ده حقك… يا حبيبتي.
حور سحبت ليل لحضنها…
حضن طويل، يشبه حضن أمّ تعيد لابنتها الإحساس بأنها ليست وحدها.
ليل لم تتكلم بعدها…
الدموع انزلقت بهدوء…
وبين كل دمعة وأخرى… كانت تشعر بأن جزءًا صغيرًا من الاختناق يتفكك.
***********************
في سجن القاهرة – أوضة الزيارات
الأوضة كانت خانقة… الهوا واقف، واللمبة البيضا اللي فوق بتنزل نور فاضح… كإنها بتعرّي الروح قبل الوش.
حيطان رمادي وسخة… ترابيزة حديد في النص… وكراسي متصدّية ما تعرفش الرحمة.
الباب الحديد فتح بصرير يخوّف.
دخلت ريما الأول.
خطوتها كانت مترددة… مش من الخوف من الراجل اللي قاعد قدامها، لكن من الانهيار اللي عارفة إنه جاي.
وشها شاحب… عنيها حمر… وبقّها بيرتعش رغم محاولتها تتماسك.
وراها دخل سليم…
راسه لتحت… إيديه مضمومين… وشه باين عليه عشر سنين زيادة من الهمّ.
مراد بصّ عليهم…
نظرة واحدة… وبعدها رسم ابتسامة سخيفة، باردة، خالية من أي روح.
مراد (ساخر):
"هاا… العيلة المحترمة افتكرت إن ليها أب؟
ولا إنتو جايين تودعوني قبل ما أعفن هنا؟"
ريما وقفت ساكنة.
سليم ما رمش حتى.
تقدمت ريما خطوة صغيرة… صوتها مكسور بس ثابت:
ريما:
"إحنا جينا… مش عشانك.
جينا… نقول آخر كلمة.
نقفل الباب اللي سبتّه مفتوح… وجع سنين."
مراد ضحك… من غير ما يبصلها.
حطّ إيديه المتكلبشتين على الترابيزة… وانحنى كإنه مستمتع.
مراد:
"اتكلموا… سلّوني شوية.
الزنزانة أرحم من وشوشكم… بس مش مشكلة."
ريما عضّت شفايفها لحد ما الدم نزل.
بصّت له فترة… تدور على أي أثر للأب اللي رباها.
ما لقيتش.
لقيت غريب… قاسي… ميت من جواه.
ريما:
"كنت أتمنى…
بس كلمة منك تريحني.
كلمة أنا آسف…
أو حتى تقول سمعاكم.
بس أنت…
عمرك ما كنت أب."
مراد رفع حواجبه… كأنها بتحكي نكتة.
مراد:
"آه طبعًا… وأنا المفروض أوقف حياتي عشان بنت فقدت عقلها؟
ولا يمكن… سيبتي جوزِك؟ هـه؟"
ريما اتكسرت.
ريما (وجع):
"أنا ما سبتش بيتي كده…
أنا كنت بنخنق.
عايشة في ظِل جريمة… وإنت السبب.
هربت عشان أعرف الحقيقة…
وهربت عشان ما أظلمش ابني."
سليم لفّ بسرعة… مصدوم:
"ابنك؟!"
بس ريما ما بصّتش عليه…
كانت مركّزة بس على عنيْن مراد… مستنية أي رد فعل.
وهو؟
ولا كإنه سمع حاجة.
مراد (برود قاتل):
"طب… حامل… وبعدين؟
لازم أرقص؟
ولا أوزع شوكولاتة جوّا السجن؟"
الكلمة ورا التانية كانت سكاكين في قلب ريما.
ريما (تبكي):
"كنت أتمنى… لحظة بس… تبقى أب.
لحظة واحدة!"
مراد هز دماغه بزهق.
مراد:
"أنا ماليش دعوة لا بحملك… ولا بعيالك.
إنتو اخترتوا طريقكم… وأنا اخترت طريقي.
وكل واحد يشيل شيلته."
ريما حطت إيديها على بطنها… بتعيط بصمت.
وسليم؟
خلص… فاض بيه.
قرب فجأة… قعد بعنف على الكرسي اللي قدام مراد…
مال لقدّام لدرجة وشوشهم قربت جدًا.
سليم (صوت منخفض بيرتعش):
"عايز تعرف نتيجة اختياراتك؟
تعرف سيبت وراك إيه؟"
مراد بصّله بلا أي مشاعر.
مراد:
"اتكلم يا فيلسوف… وباختصار."
سليم ابتسم… ابتسامة موجوعة.
سليم:
"أنا…
أنا كنت فخور بيك.
كنت أمشي وراسي لفوق… بس عشان ابن مراد.
كنت أقول لروى إنك أعظم راجل…
أقولها: بابا بطل… بابا شريف… بابا قدوتي.
وكنت مصدّق الكذبة دي ٢١ سنة!"
صوته اتكسر…
إيده بترتعش.
سليم:
"يوم ما كل حاجة اتكشفت…
أنا انهرت.
رجولتي… اتكسرت.
ثقتي بنفسي… راحت.
كل حاجة… وقعت."
رفع عينه مباشرة لمراد.
سليم:
"تعرف يعني إيه الناس تبصّلي بخوف؟
تعرف يعني إيه أخرج الشارع… وأحس إن كل الناس شايفين فيّا نسخة مصغرة منك؟
تعرف يعني إيه أحب بنت… وأخاف ألمس إيدها… لأني شايف نفسي ابن مجرم؟"
مراد تنهد بزهق… كأنه بيسمع حكاية سخيفة.
مراد:
"خلصت؟
ولا لسه هتعيط شوية؟"
سليم (يصرخ):
"إنت… عمرك ما كنت أب!!!"
سكتت الدنيا لحظة.
سليم قرب أكتر… وشه كلّه حزن.
سليم:
"١٢ سنة… بقول لرؤى إنك أعظم أب…
إنك قدوتي…
يا ريتني مت قبل ما أعرف حقيقتك."
ابتسامة خبيثة اتوسعت على وش مراد.
مراد:
"آه… رؤى.
بنت أدهم.
بنت الحقير.
ولا تحلم تكون جزء من عيلتنا.
بنت عدوي؟
تبقى مجنون لو فاكر اني موافق عليها."
اتكسر شيء جوّا سليم… للأبد.
سليم (بصوت مبحوح قوي):
"تعرف أصعب لحظة في حياتي إيه؟
إني بقيت أشوفك… ميت.
ميت وانت عايش.
والأسوأ…
إني خايف أبقى زيّك يوم."
مراد ضحك بخبث… ضحكة سامة.
مراد:
"ما تخافش…
الدم ما بيكدبش.
وممكن… تطلع زيي فعلًا.
وأنا؟
أفتخر."
صرخة سليم طلعت من مكان ما حد لمسُه قبل كده:
سليم:
"لااا!!!
أنا مش زيّك!!!
ولا هبقى زيّك!!!
إنت…
إنت لعنة…
وأنا…
هقطعك منّي!
من قلبي!
من حياتي!"
الحراس قربوا.
ريما بتعيط بحرقة:
ريما:
"سليم… لا… خلاص… أرجوك…"
بس سليم كمل:
سليم (يصرخ):
"من اللحظة دي…
ما لكش ابن اسمه سليم.
ولا بنت اسمها ريما.
الدم بينا… انتهى.
إنت بالنسبالنا…
ميت.
ميت وخلاص."
مراد رفع كتافه ببرود:
مراد:
"براحتكم.
الاسم يفضل…
والدم يفضل…
غصب عنكم… إنتو ولادي."
سليم غمض عينه… دموعه نازلة.
ريما مسكت إيده… وسحبته ناحيّة الباب.
وقبل ما يخرجوا، مراد قال:
مراد:
"ما ترجعوش…
مش ناقص وشوش بتلومني على ضعفها."
سليم وقف لحظة…
لفّ، من غير ما يبص في وشه:
سليم:
"إحنا مش ضعاف…
إحنا مكسورين.
ونص الكسر…
كان إنت."
وخرجوا.
الباب اتقفل بصوت زي سقوط عالم كامل.
أما مراد…
قعد مكانه…
يهز رجله…
ويبتسم ببرود.
كإن ولا حاجة حصلت.
***********************
في مكتب عاصم في الشركة
الجو كان هادي بشكل يخوّف. ضوّ الشمس داخل من الزجاج الكبير، بس عاصم ما كان شايف منه ولا حاجة…
قاعد ورا مكتبه، وكإن الوقت واقف.
الأوراق قدّامه مكومّة… وهو مش بيقرا.
عنـيه ثابتة على نقطة مش موجودة… أكتر ما تكون قدّامه.
اسم ليل معدّي في دماغه كل ثانية.
تنفّس بعمق، ومسح وشه بإيده…
النهارده لازم يطلّقها.
ده اللي قاله لنفسه من أسبوع.
وده اللي مش قادر يعمله بقاله أسبوع.
طقّ خفيف على الباب قطع شروده.
والباب اتفتح من غير ما يستنى إذن…
دخل بيجاد الأول — طويل وضخم، وشه أغلب الوقت هادي بس عنيه بتفضحه.
ورا منه سليم القيصري، بابتسامة هادية لشخص شايف عاصم من أيام المدرسة.
بيجاد (ساخر بخفة):
واضح إنك مش هنا خالص.
قعدنا برّه ربع ساعة نشوف هنكسر الباب ولا لأ.
سليم القيصري:
كنت بقوله نكسره… بس قال ندّيك فرصة أخيرة قبل ما نرتكب جريمة.
عاصم ما ابتسمش… بس رفع راسه بنَظرة تقيلة.
عاصم:
إيه اللي جابكم؟
بيجاد قعد قدّامه من غير إذن.
سليم قعد في الناحية التانية، دايس دراع على دراع:
سليم:
جينا نشوف صاحبنا… اللي واضح إنه بيغرق لوحده.
عاصم ما اتكلمش.
الصراع اللي في عنيه كان واضح… خليط من غضب وخجل وضياع.
بيجاد (بصوت هادي):
هي عن ليل… مش كده؟
نظرة عاصم نزلت فورًا.
ما احتاجش يقول كلمة.
سليم:
عاصم… من يوم ما رجعتوا من ألمانيا وإنت مش طبيعي.
وأول مرة أشوفك بالمنظر ده… حتى وإحنا مراهقين وورطنا نفسنا زمان.
عاصم بلع ريقه، وفجأة وقف، حاطط إيديه على الطرابيزة بقوة:
عاصم:
أنا… مكسوف.
فاهمين يعني إيه؟
مكسوف من نفسي… ومن اللي عملته…
من الطريقة اللي عاملتها بيها هناك… كإني مش عارف قيمتها.
وبعدين أرجع هنا وأقول هطلّقها؟
أنا… مش عايز أظلمها أكتر ما ظلمتها.
بيجاد قرب منه، وحط إيده على كتفه:
بيجاد:
اللي حصل غلط… بس مش نهاية الدنيا يا أخي.
وإنت أكتر واحد عارف إنك كنت سايب غضبك يعميك وقتها…
ودلوقتي إنت غير.
عاصم هزّ راسه بقوة:
عاصم:
بس ليل… تستاهل حد أحسن.
خصوصًا بعد اللي شافته مني في ألمانيا.
أنا لو مكانها… ما كنتش سامحت.
ابتسامة فاهمة ظهرت على وش سليم:
سليم:
عاصم…
إنت بتحبها ولا لأ؟
سكت.
بس العيون فضحت…
والاتنين فاهمين.
عاصم (مكسور):
آه… بحبها.
غصب عني بحبها…
وبخاف عليها مني قبل أي حد.
سليم قرب، وحط إيده على كتفه التاني:
سليم:
تمام…
لو بتحبها، ما تهربش.
اللي حصل في ألمانيا خلص…
المهم اللي جاي.
بيجاد:
وخليني أقولك حاجة…
زياد—
(يبص له بجدية)
كان هيزعق لك لو عرف إنك بتجري بدل ما تواجه.
الراجل ربّاك على الرجولة… مش الهروب.
صدر عاصم ارتفع شهيقًا.
اسم زياد دايمًا نقطة ضعفه.
حس بالخجل أكتر.
عاصم (بصوت منخفض):
أنا خيّبت ظن الكل…
خيّبت ليل…
خيّبت زياد…
وخيّبتكم.
سليم ضحك بخفة:
سليم:
إحنا؟
ولا مرة خيّبتنا.
إحنا إخوات… مش أصحاب بس.
والأخ لو وقع… بنقومه.
بيجاد:
وإنت يا عاصم… مش عايز تطلّقها.
إنت عايز تهرب من إحساس إنك قصّرت.
بس هقولك الحق:
ليل بتحبك.
وإنت بتحبها.
والتنين اتعذّبتوا…
بس المرة دي لازم تواجه.
قعد عاصم تاني… كإن جسمه تقيل.
رفع عينيه لهم… وفيها وجع متدفن.
عاصم:
ولو رفضت تسامحني؟
سليم:
تحاول… مرة واثنين وعشرة.
المهم ما تسيبهاش قبل ما تقول لها اللي في قلبك.
بيجاد:
وهي أصلاً… مش عايزة طلاق.
هي عايزة راجل يكون صريح… مش راجل يهرب.
عاصم تنفّس جامد… خبّى وشه بإديه…
ولما نزلهم، كان فيه حاجة جديدة في عنيه — خوف… بس قرار.
عاصم:
هشوفها.
وهقول لها كل حاجة.
وأصلّح اللي أقدر أصلّحه… مهما حصل.
سليم ربت على كتفه:
سليم:
هو ده.
بيجاد:
وإحنا معاك… على طول.
نظرة امتنان مرقت في عيني عاصم…
ولأول مرة من أيام، ابتسامة صغيرة طلعت على وشه.
عاصم:
ربنا يخليكم…
لو ما كنتوش موجودين… كنت اتخنقت.
سليم:
إحنا لو إنت بتتخنق… بنسحبك غصب.
إخوات عمر يا راجل.
بيجاد (ضاحك):
ولو عايزنا نيجي معاك لليل… نيجي.
نحطّ رُعب ثلاث عائلات في ضهرِك.
عاصم ضحك…
ضحكة حقيقية أخيرًا.
عاصم:
لا…
المرة دي لازم أروح لوحدي.
أخوَف أجيبكم وتبوّظوا الدنيا.
سليم:
إحنا؟ نبوز؟
عيب الكلام ده!
بيجاد:
إنت اللي تخاف على ليل من سليم… مش العكس.
التلاتة ضحكوا…
والصمت رجع… بس صمت مريح المرادي.
وبصوت ثابت، قال:
عاصم:
النهارده…
هروح لليل.
وأقول لها كل حاجة…
ولو عايزة تمشي…
أكون راجل للنهاية.
بيجاد وسليم حطّوا إيديهم على كتفه… وزقّوه زقّة معنوية.
بيجاد:
قوم…
الوقت مش بيستنى حد.
سليم:
وروّح… وهات لنا خبر يفرّح القلب.
********************
فيلا الراوي – مائدة الفطار – الصبح
الفيلا كانت هادية على غير العادة…
شمس الصبح داخلة من الشباك الكبير، منوّرة الترابيزة اللي قاعدة عندها نوال، بتزقّ الأطباق قدّامها رايحة جاية بعصبية، كإنها بتفَرّغ توترها في الصحون.
منذر كان قاعد بهدوءه المعروف، بياكل بالراحة…
عينيه الشاطرة اللي ما يفوتهاش حاجة بتتنقل بين نوال اللي شكلها مضايق… وبين رُبى اللي قاعدة على طرف الترابيزة على كرسيها المتحرّك، بتحاول تخبّي ارتباكها ووجعها.
ربى كانت لابسة فستان بسيط… شعرها مرفوع بنعومة…
ورغم محاولتها تبتسم… عينها الشمال كانت كل شوية تهرب للأرض، وإيديها بتترعش وهي ماسكة الشوكة.
منذر (بهدوء متقن):
"اتفضّلي يا بنتي… كُلي. البيت بيتِك. مافيش حياء ولا كسوف."
ربى رفعت عينيها ببطء… صوتها طلع متقطّع زي حالتها من يوم ما بدأت تتحسن:
ربى:
"شـ… شكرًا… عمّي… منذر."
ابتسم لها برقة:
منذر:
"عمّي إيه؟ ده أنا أبو بيجاد… يعني أبوك. ناديلي عمّي… أو أبو بيجاد… اللي يريّحِك."
ضحكة خفيفة هربت من ربى… لكنها سكتت فورًا.
فجأة نوال رمت الفوطة على الترابيزة بعصبية:
نوال (بالغضب المكبوت):
"دي بنت… بنت مين؟
احنا ما نعرفش عنها حاجة!
اتجوزها فجأة كده؟ ومن غير ما يرجعلي؟
وإحنا عيلة… وعمرنا ما خبّينا حاجة عن بعض!"
ربى تجمّدت مكانها.
رجفة إيديها زادت، وبلعت ريقها بالعافية.
منذر بصّ لمراته ببطء… وبصوت هادي لكن قاطع:
منذر:
"نوال… البنت عملِتلك إيه؟
إيه ذنبها عشان تتكلمي عنها بالشكل ده؟"
نوال سكتت لحظة… وبعدين تنهدت بضيق:
نوال:
"ما عملتش حاجة… بس…
أنا أُم! وكنت عايزة ابني ياخد بنت نعرف أهلها…"
ربى حاولت تبتسم يمكن تهدي الجو… بس شفايفها خانتها وترجفت.
ربى (بصوت واطي ومتقطع):
"أنا… آسفة…
لو… لو كنت سبب ضيق ليكم…"
منذر خبط المعلقة في الترابيزة خبطة بسيطة بس مسموعة:
منذر (بحزم):
"لا.
مافيش حد هنا يعتذر… إلا اللي غلط."
نوال حرّكت راسها بعصبية… الإحراج باين عليها لكن لسه ماسكة في رأيها:
نوال:
"أنا مش ضدّها… بس…
كنت متصوّرة عروسة ابني تبقى بنت خالته…"
الجملة نزلت على الترابيزة زي الحِجر.
ربى اتطعنت…
عينها زاغت… ووشها شاحب فجأة.
منذر أخد نفس طويل… وبنبرة واضحة:
منذر:
"تالين؟ بنت لمى؟
اللي بقت داخلِة البيت عاملة حسابه؟
ولسانها أطول من شعرها؟"
نوال اتصدمت:
نوال:
"منذر! دي بنت أختي!"
منذر (بارد):
"وعارف هي إيه وتربيتها شكلها إيه.
وإنتي لو اتخدعتِ في أختك… أنا ما اتخدعتش."
ربى حاولت تقول أي كلمة… حتى لو كانت مش قادرة…
ربى (بتردد وبطء):
"لو… لو بيجاد… عايز… تالين…
أنا… أقدر… أرجع…"
نوال اتشدّت.
ومنذر لفّ عليها بسرعة:
منذر (لأول مرة بحدّة):
"إيّاك.
إيّاك تفكّري في الكلمة دي تاني يا ربى."
ربى عينها وسعت.
منذر (يلين شوية):
"بيجاد مش من النوع اللي ياخد قرار طايش.
ولو اختارك… يبقى اختارك بقلبه… وبعقله…
وأنا واثق في ابني زي ما بوثق في نفسي."
دموع ربى نزلت… هادية… من غير صوت.
كانت بتهز راسها بتأثر.
نوال حسّت بوخزة ضمير… بس لسه الغيرة من أختها وخوفها من تالين ماسكها.
منذر قرب من ربى، قعد جنبها، ومسَك إيدها اللي بترتعش:
منذر (بابتسامة أبوية):
"وبعدين يا بنتي…
إنتي قوية.
وشجاعة.
ولو ربنا كتبلك بعد إصابتِك ترجعي تتمشي… وترجعي تتكلمي…
يبقى ربنا مش هيكسرك في الباقي."
ربى شهقت بخفة…
ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت…
حسّت بالأمان.
نوال فضلت ساكتة… مكسورة من جوا… بس مخبية.
وفجأة…
موبايل نوال رن.
بصّت في الشاشة…
ووشها شِحِب.
الاسم: لمى.
منذر بصّ لها… نظرة فهم كل حاجة قبل ما تقول.
نوال بلعت ريقها…
وردّت.
**********************
في ساحة كلية الإعلام، صباح مشمس
كان الحرم الجامعي مزدحماً كعادته، طلاب يتحركون في كل اتجاه، وصوت ضحكات متناثرة هنا وهناك.
دخلت ليل من البوابة الرئيسية، تتنفس الهواء بعمق، وكأنها تلتقط قطعة من حياتها القديمة التي سُرقت منها.
شعرها الطويل المنسدل على كتفيها، وحقيبتها السوداء البسيطة، وهدوء خطواتها… جعلوا الجميع يلتفت.
ظهرت رُؤى تركض نحوها فوراً، حقيبتها تتمايل يميناً ويساراً.
رؤى (بانفعال حقيقي):
ليل!! ياااه أخيراً! أخيراً! تعالي هنا!
(تحتضنها بقوة)
أنا مش مصدقة… انتي بجد قدامي!
ليل تبتسم، لكن في عينيها لمحة ارتباك خفيف.
ليل:
وحشتيني يا رؤى… والله وحشتيني.
رؤى تمسك بكتفيها وتفحصها كما لو كانت تتأكد أنها بخير فعلاً.
رؤى:
انتي كويسة؟ مفيش حاجة ناقصاك؟ شكلك ضعّف شوية.
(تنظر لليل بقلق صريح)
بابا كان هيطير من عقله لما عرف إنك راجعة الجامعة النهارده.
ليل (تضحك بخفة):
أنا بخير… كله تمام. بس لسه باخد على الجو.
وفجأة…
تجمع حولهما ثلاث فتيات من القسم—مليكات، سارة، وهناء—وهن معروفات بالنشاط الاجتماعي… والتريندات 😅.
مليكات (بحماس طفولي):
يا جماعةااا! معقولة؟! دي ليل الزهراوي؟!
سارة:
إحنا منصدقش! إزيك؟ عاملة إيه؟!
انتي بطلة بجد… كأنك طالعة من فيلم أجنبي!
هناء (تغمز):
سبعة شهور يا بنتي! إحنا كنا في نص انهيار عصبي!
والإعلام قلب مصر فوقاني تحتاني!
ليل تشعر بالإحراج من كمية العيون الموجهة لها، لكنها تحاول أن تبقى هادئة.
ليل (بابتسامة بسيطة):
أنا مبسوطة إني رجعت… وبشكركم إنكم سألتوا.
مليكات (بلهجة فضولية جداً):
طب… يعني… صحيح اللي بيقولوه؟
إنك كنتي مختطفة؟ وإن اللي خطفِك كان…
سارة (تقطعها بخبث):
وسيم! آه آه! كان وسيم صح؟
الإعلام كلّه بيقول إن اللي خطف ليل الزهراوي “شاب خطر… ووسيم”!
رؤى تنفجر ضاحكة، بينما ليل تبتلع ريقها وتخفض عينيها.
ليل (بهدوء، تتفادى الحقيقة بذكاء):
اللي اتقال في الإعلام كتير… ومش كله صح.
الموضوع مش سهل أتكلم فيه دلوقتي.
هناء:
لا لا، براحتك طبعاً!
بس إحنا فرحانين إنك رجعتي بسلام… بس بقولك إيه…
(تقترب منها وتهمس)
بصراحة إحنا كنا متوقعين إنك ترجعي من غير صابعك أو حاجة!
رؤى تضربها على ذراعها.
رؤى:
يا شيخة! اسكتي! انتي بتخوفي البنت!
ليل تضحك رغم نفسها، الجو كان أخف مما توقعت.
تتقدم سارة بحماسة أخرى:
سارة:
طب… سؤال بس ومن الآخر…
إنتي قلتِ إنك مش هتتكلمي عن اللي حصل… تمام.
بس… بجد…
إشاعة إنك كنتي معاه في ألمانيا صحيحة؟
تشد رؤى يد ليل بسرعة وكأنها تحميها.
رؤى:
يا بنات ارحموها شوية… هي لسه راجعة النهاردة!
لو سمحتو خلّوها تاخد نفس.
مليكات:
أوكي أوكي… آسفين 😅
بس يعني… إحنا صحاب ولازم نعرف!
على الأقل… انتي بخير؟
مافيش… آثار نفسية؟
خوف؟ nightmares؟ أي حاجة؟
ترد ليل بهدوء أقرب للنضج مما كانت عليه قبل سبعة أشهر:
ليل:
أكيد… مش كل حاجة بترجع زي الأول…
لكن… أنا بحاول.
وعندي ناس حواليّ بيساعدوني أتخطّى.
رؤى تنظر لها بامتنان لأنها لم تذكر الزواج.
هناء (تلمح الخاتم في يد ليل):
استني… ده إيه؟
خاتم؟!
ليل تخفض يدها بسرعة وبهدوء شديد.
ليل:
ده… هدية.
من حد قرايب.
مليكات (بحدّة الفضول الأنثوي):
قريب؟ ولا “قريب قوي”؟
يا نهار أبيض…
ليل رجعت… متجوزة؟!
ليل تضحك ضحكة ناعمة بلا تفاصيل.
ليل:
مش متجوزة…
مش دلوقتي.
خلّونا نركّز في الدراسة شوية.
سارة (تضحك):
أيوه يا شيخة… بس لو اتجوزتي في السر، احنا عايزين نعرف!
احنا صحباتك برضو!
رؤى:
تعالوا نروح المدرّج… قبل ما تتجمع علينا باقي الدفعة ونلاقي ليل على “تريند رقم واحد”.
يضحكن جميعاً…
وتتحرك المجموعة باتجاه المدرّج، وليل وسطهن، تشعر بهدوء دافئ… شعور لم تذقه منذ أشهر.
وفي داخلها همسة صغيرة:
"لو يعرفوا إني رجعت… متزوجة من اللي خطفني."
لكنها تبقي السر داخل صدرها…
وتكمل طريقها.
**********************
كانت الأجواء صاخبة، ضحكات الطلاب، ورائحة القهوة، وأصوات خطوات متسارعة بين المحاضرات.
وفي وسط الزحمة…
ظهر زين العطّار—طويل، وسيم، شعره المنفوش قليلاً، حقيبته على كتفه—يسير بخطوات متمايلة وهو يغني بصوت منخفض لكنه واضح تماماً:
زين (يغني بصوت مرح):
"يا ولاااااد… يا ولااااد… الدنيا حلوة وياكم…"
ثم بدأ يصفر بانسجام، يهز رأسه على اللحن كأنه في حفلة، لا كلية.
كان ينظر للهاتف في يده وهو يواصل الغناء…
ثم فجأة—
بووووم!
اصطدم بشخص بقوة جعلت حقيبته تقريباً تسقط.
الصوت الآخر (بنبرة غاضبة جداً):
إنت مجنون؟!
مش تبص قدّامك ولا إيه؟!
هو احنا ماشيين في ملاهي؟!
زين يرمش مرتين… يرفع رأسه ببطء…
وأمامَه تقف تالية مراد—فتاة لافتة للنظر: شعر أسود ناعم، عيون واسعة، وملامح غاضبة جداً…
ويمكن هذا ما جعلها أجمل بنظره.
زين (بصوت هادئ جداً بشكل مستفز):
إحم… صباح الخير.
تالية (تنفجر):
صباح الخير؟!!
صباح الضربة اللي كسّرت لي كتفي!
حضرتك، انت ماشي فين؟ في السيرك؟!
ولا فاكر نفسك في فيديو كليب؟!
يبتسم زين بثقة:
زين:
هو على قدّ ما كلامك وجع… بس صوتك حلو أوي وانتي متنرفزة.
تالية:
إيه؟!
انت طبيعي؟!
زين (يرفع يديه باستسلام):
لا والله… طبيعي جداً… بس بصراحة إنتي عندك كارزما لما بتزعلي…
يعني لو في اختبار "أجمل واحدة بتتنرفز" هتفوزي من غير منافسة.
تالية تحدق فيه بصدمة…
ثم تتنفس بقوة.
تالية:
أنا مش مصدقة…
انت داخل عليّ هزار وأنا كنت هقع!
وانت مشيت بالصدفة عليّ؟ ولا كنت قاصد؟!
زين:
بصي، لو كنت قاصد… كنت هاصدمك بلطف أكتر.
يعني كنت أقول "بعد إذنك أعمل حادث بسيط هنا"
بس ده صدفة… صدفة لطيفة.
تالية:
لطفية؟!
انت لسه بتتكلم هزار؟
زين (يمسك حقيبته ويعدل كتفه، بنبرة مسرحية):
طيب ماشي…
أهو أنا…
زين العطّار…
أعتذر رسميًا ووِفقاً للائحة الجامعة عن الصدمة غير المقصودة وغير المرغوبة واللي كانت لطيفة رغم اعتراضك.
تالية:
إنت فاكر نفسك مين بالظبط؟
زين (يبتسم بثقة):
أنا؟
مجرد واحد… كان يومه عادي جداً… لحد ما خبطته بنت شكلها زعلانة من العالم كله.
تالية (تشد نفساً):
أنا زعلانة منك انت… مش من العالم كله!
زين يقترب خطوة… ويخفض صوته بمرح:
زين:
طب… نبدأ صفحة جديدة؟
معلش… كنت بسرح وبغني…
بس مش قصدي أزعلك.
تالية تتردد… ثم ترفع ذقنها:
تالية:
تمام… بس خليك مركز في طريقك بعد كده.
مش كل الناس هتستحملك.
زين:
موافق…
بس…
لو اتخبطت فيّ تاني… هاعتبرها إعجاب مش صدفة.
تالية (تتسع عينيها):
إعجاب؟!
إنت جرئ أوي.
زين:
ممكن…
وممكن انتي كمان اللي لفتّي نظري.
تسكت تالية… للحظة قصيرة، يتغير تعبيرها من الغضب إلى الارتباك.
ثم تهرب من الموقف:
تالية:
أنا… عندي محاضرة.
عن إذنك.
تلتف وتمشي بسرعة، شعرها يتحرك مع خطواتها العصبية.
زين يراقبها وهي تبتعد…
ثم يلمس كتفه ويغمز لنفسه:
زين (بدهشة مبهورة):
هو أنا اتخبطت… ولا اتخبطت في قلبي؟!
يا نهار أبيض…
البنت دي مش سهلة.
ثم يضحك ويرجع يصفر نفس الأغنية…
لكن هذه المرة، بابتسامة غريبة واضحة.
*******************
في فيلا الزهراوي، غرفة المعيشة الواسعة
كانت الشمس تتسلّل بخفوت من الستائر البيضاء، تنعكس على الجدران بلون ذهبي دافئ.
جلس زياد الزهراوي على أريكة كبيرة، ظهره مسنود بوسائد، بدت عليه آثار التعب… وجهه شاحب قليلاً، وكتفه ما زال مربوطاً برباط طبي.
كانت عمّة ليل تقف بجانبه ترتّب له الدواء والماء قبل أن تخرج بهدوء.
وبمجرد أن أغلقت الباب…
وصل صوت خطوات محسوبة في الممر…
ثم طرقة خفيفة على الباب.
زياد (يرفع رأسه ببطء):
ادخل… الباب مفتوح.
تحرّك الباب، ودخل عاصم عزيز… أنيق، مرتّب، لكن ملامحه مشدودة وكأن قلبه محمّل بما لا يقوله.
ما إن رأى زياد… توقّفت قدماه لحظة.
زياد (يبتسم بضعف):
يا أهلاً… أهلاً يا عاصم.
تعال… قرب يا ابني.
يتردّد عاصم لحظة قبل أن يتقدّم، عيناه تمتلئان بشعور مختلط: احترام، وخجل، وشيء عميق يشبه الندم.
عاصم (بصوت منخفض):
كيفك يا عمّي زياد؟…
إن شاء الله أحسن؟
زياد يشير له بالجلوس:
زياد:
أحسن… الحمدلله.
مجرد إرهاق… تعرف يا عاصم، الكسر يتصلّح، لكن التعب الحقيقي جوّا الروح.
بس نشكر ربنا… أحسن من الأول.
يجلس عاصم أمامه، ظهره مستقيم، يداه متشابكتان، وكأنه طفل جاء يعترف بخطأ.
زياد ينظر إليه نظرة أبوية:
زياد:
ايه يا عاصم… واقف على أعصابك كده ليه؟
شايف عيونك مش رايقة.
عاصم (ينزل بصره):
أنا…
كنت لازم أجي أطمن عليك.
ولو مهما عملت… يظل ده أقل من حقك عليّ.
يضحك زياد بخفوت، ثم يتنهد:
زياد:
يا ابني… اللي بينا أكبر من غلط وغفران.
أنا زعلان منك؟
كنت… آه.
وبعدها… فهمت.
انت ما كنتش مؤذي.
كنت تايه… وأنا سامحتك من زمان.
ترتجف نظرة عاصم للحظة… يشعر بثقل كبير يهبط من صدره دون أن يبتعد تماماً.
عاصم:
سامحتي…
هذا الشيء أنا مقدّره أكتر من أي كلام يا عمّي.
زياد (يميل للأمام قليلاً رغم ألمه):
اسمع…
أنا عارف إنك جاي النهاردة مش بس تطمن…
بس مش هسألك.
مش هضغط عليك.
لما تكون جاهز… قلّي.
يهز عاصم رأسه بامتنان عميق، صوته يختنق قليلاً:
عاصم:
والله… أنا عمري ما عرفت أبّ حقيقي…
بس حضرتك…
أقرب شيء شفته للصورة اللي يتمناها أي ولد.
زياد يبتسم بعطف، عينيه تلينان:
زياد:
وأنا يا عاصم…
عمري ما شفت في ليل ولد يليق إنه يبقى جنبها…
غيرك.
ينكمش وجه عاصم بخجل، وتلمع عيناه للحظة.
يشير زياد للمائدة الصغيرة:
زياد:
تشرب حاجة… فواكه ولا قهوة؟
ماتخلّيش الضيف يدخل كده من غير ما نضيفه.
عاصم (يحاول أن يبتسم):
قهوة…
بس لو حضرتك ما تتعبش نفسك.
زياد:
أنا؟
أنا عاجبني وجودك أكتر من القهوة كلها.
يبتسمان…
ومشاعر كثيرة معلّقة بينهما دون كلام.
ثم ينادي زياد الخادمة لتأتي بالقهوة… بينما يظل الاثنان صامتين للحظة، صمت مليء بتفاهم عميق.
**********************
كانت الأجواء قد هدأت قليلًا بين زياد وعاصم… حتى دخلت الخادمة بخطوات سريعة مرتبكة قليلًا.
الخادمة:
أستاذ زياد… في مكالمة ليك دلوقتي.
بيقولوا إنها “مهمة”…
والمتصل… أصرّ جدًا إن حضرتك ترد.
يرفع زياد حاجبه باستغراب.
زياد:
مين؟
الخادمة:
ماقالش اسمه يا باشا…
بس صوته كان… غريب.
نظر زياد إلى عاصم نظرة سريعة قبل أن يمدّ يده للهاتف.
أخذه، وضعه على أذنه…
زياد:
ألو…
مين معايا؟
صمت.
ثوانٍ… فقط ثوانٍ.
ثم جاء الصوت…
صوت يعرفه جيدًا.
صوت لا يمكن أن ينساه.
صوت خرج كالأفعى من سماعة الهاتف:
مراد:
إزيك يا زياد؟
وحشتني…
مش توقعت إنك هتسمع صوتي… صح؟
افتكرت إنك انتصرت؟
تصلّب جسد زياد.
اتسعت عيناه.
ونبضه ضرب بقوة لا تُخفى.
زياد (بصوت منخفض مصدوم):
…مراد؟
إنت…
إنت إزاي بتكلّمني؟
أنت في السجن!
ضحكة…
ضحكة باردة، ملتوية… جاءت من الطرف الآخر:
مراد:
السجن؟
لا يا صاحبي…
أنا في انتظارك.
ومش هاقولك زي الأفلام “اللعبة ما خلصتش”…
لأ…
لأن اللعبة لسه بتبدأ.
عاصم لاحظ تغيّر ملامح زياد… فاعتدل في جلسته فورًا.
زياد (يرتجف غضبًا وصدمة):
انت…
عايز إيه يا مراد؟
كفاية اللي عملته… كفاية الدم اللي سفكته… كفاية الخراب—
قاطعه مراد بصوت أكثر ظلامًا:
مراد:
لسه ما خرّبتش كفاية…
لسه ما دمرتكمش زي ما أنا عايز.
فاكر نفسك ربّيت أجيال؟
فوق يا “باشا”…
هامسح اسمك…
وهبدأ ببنتك.
هنا…
شهق زياد بصوت خافت و وقع الهاتف من يده على الأرض.
وقف عاصم بسرعة، مدّ يده ليمسك بكتف زياد:
عاصم:
عمّي!
في إيه؟
مين على الخط؟!
زياد لم يقدر أن يتكلم فورًا…
كان وجهه صدمة صافية.
انحنى عاصم بسرعة يلتقط الهاتف من الأرض…
لكنه سمع آخر الكلمات قبل أن يُغلق الخط:
مراد:
…لسه ما خسرتش.
استنّاني يا زياد…
استنّاني “كويس”.
ثم أُغلق الخط.
رفع عاصم رأسه…
وعيناه تتسعان بصدمة لم يستطع إخفاءها.
عاصم:
مراد…
ده صوت مراد…؟
مستحيل!
إزاي خرج؟!
زياد يضع يده على رأسه، يتنفس بصعوبة:
زياد:
كان…
بيهددني…
بيقول…
هيدمّرنا…
وهَيبدأ… بليل.
سقط الصمت على الغرفة كالصاعقة.
عاصم تجمّد مكانه…
عروقه نبضت بعنف…
ويداه انغلقتا بقبضتين.
عاصم (بغضب غامق):
لأ.
مراد ما يقربش من ليل… ولا منكم.
لو خرج… يبقى الحرب رجعت من أول وجديد.
وزياد، رغم خوفه… رفع عينيه نحو عاصم:
زياد (بهمس):
عاصم…
أنا… خايف.
وعاصم رد بنبرة منخفضة، لكنها صلبة:
عاصم:
وأنا…
مش هسيبه يلمس شعرة من بنتك.
أقسم بالله… مش هسيبه
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 21
في فيلا سليم القيصري – الصبح
نيروز صحيت على مهَل… عينيها لسه نص مفتوحة. نور الصبح كان داخل من ورا الستاير البيضا، ملامس المخدة بهدوء. مدّت إيديها ناحية الجنب التاني من السرير… لقت الفراغ بارد.
نيروز (تهمس بتنهيدة خفيفة):
"أكيد نزل الشركة…"
اتقلبت على جنبها… وفجأة عنيها لمعت.
جنبها بالظبط… وردة حمرا، نعمة كإنها متقطوفة حالاً. لونها كان لافت للدرجة اللي خلى كل إحساسها يصحى مرة واحدة.
وبعدين شافت الصينية الصغيرة على الكومودينو:
كوباية شاي دافي… وقطعة كرواسون… وجبنة… وكل حاجة مترتّبة بدقة أكتر من اللي سليم بيعمله عادة!
مسكت الوردة الأول… ضغطت عليها بخجل بين صوابعها، ووشها ابتدى يحمر لوحده.
نيروز (بابتسامة خفيفة، بتكلم نفسها):
"يا نهار أبيض… ده كله ليا أنا؟"
مدّت إيدها للورقة المطوية بطريقة بسيطة بس شيك.
فتحتها وقرت بُصوت واطي:
رسالة سليم:
"صباح الخير يا نيروز…
ماحبتش أصحيكي. شكلك كنتي تعبانة امبارح.
فطارِك جاهز، ولو برد… سيّحيني لما أرجع.
— سليم."
ابتسامتها وسعت… من النوع اللي مايتمدّش.
عضّت شفايفها بخجل، وقلبها بيدق بسرعة وهي مش عارفة تخبيه.
نيروز (تهمس، كأنها بتلومه وهو مش موجود):
"ليه لطيف كده…؟"
رفعت الوردة لأنفها، شمّت ريحتها، وبعدها غطّت وشّها باللحاف لحظة…
كأنها عايزة تهرب من ارتباكها حتى من نفسها.
بعد كام ثانية… طلعت راسها تاني، بصّت للصينية، وقالت وهي مبتسمة جامد:
نيروز:
"ده أنت هتودّيني في داهية يا سليم…"
وبدأت تفطر بالراحة… ولسه مسكة الوردة بإيدها
كأنها مش ناوية تسيبها خالص.
بعد ما حطّت الوردة جنب الفطار، فضِلت تبصّ لها كتير…
كأنها شايلة سؤال عمرها ما كانت جريئة تسأله.
سندت راسها على ظهر السرير، وأخدت نفس طويل وهي تهمس لنفسها:
نيروز:
"معقول…؟ معقول كل ده حصل في شهرين بس؟"
بصّت لجنب سليم على السرير…
الجنب اللي كان دافي قبل ما يمشي.
عدّت صوابعها ببطء على الشرشف…
كأنها بتدور على الأثر اللي سابه.
نيروز (بتتنهّد):
"إزاي…؟ إزاي قدرت أنسى كل اللي حسّيته لعاصم؟
سنين وأنا شايلة الحب ده جوايا…
سنين فاكرة إنه أول وآخر حب في حياتي…
وفي الآخر… يختفي كده؟"
ضحكت ضحكة قصيرة…
ضحكة فيها استغراب أكتر من الفرح.
نيروز:
"يمكن… يمكن ماكانش حب زي ما كنت فاكرة.
يمكن كنت متعلقة… أو موجوعة…
أو يمكن كنت بنت صغيرة وخلاص."
تبصّ للوردة تاني… وابتسامة هادية تطلع على وشّها.
نيروز:
"بس سليم…
الراجل الغريب ده…
ولا مرة طلب مني حاجه…
ولا مرة ضغط عليّ…
كان بيعاملني كأني أخته الصغيرة… مش مراته."
تهز راسها ببطء… وعينيها فيها لمعة خجل دافية.
نيروز:
"ويمكن… يمكن ده اللي ريّحني.
يمكن لطفه… حنيته… صبره…
يمكن هما اللي خلّوني أفتح قلبي تاني… من غير ما آخد بالي."
تمسك الوردة تاني… وتقرّبها من صدرها.
نيروز (بابتسامة خجولة قوي):
"والله يا سليم… لو تعرف قد إيه غيّرتني…
حتى خوفي من الحب… راح.
وبقيت… بقيت مستنياك ترجع البيت… من غير ما أفكّر."
تغمّض عينيها شوية… وتهمس بصوت واطي قوي:
نيروز:
"يمكن… يمكن فعلاً ابتديت أحبّك…"
*********************
في الجامعة – قاعة المحاضرات
القاعة كانت زحمة كالعادة…
الصفوف اللي ورا دوشة وضحك، والصفوف اللي قدّام قاعدين بهدوء وترقّب…
لإن الدكتورة سامية معروفة إن دقيقة تأخير عندها تعتبر جريمة رسمي.
ليل كانت قاعدة جنب رؤى في الصف التاني.
ليل شاردة… بتبص لدفترها المفتوح من غير ما تقرأ كلمة.
إيدها بتلعب في القلم من غير وعي.
رؤى لاحظت الشرود ده للمرة المية، فمالت عليها وقالت بنبرة حنونة:
رؤى:
"ليل… إنتِ مش هنا. صريحة بقى… لسه بتفكّري في موضوع عاصم؟"
رمشت ليل كأنها رجعت للواقع، وبعدين تنهدت:
ليل:
"لو أقدر أبطل أفكّر… كنت عملت كده من زمان."
رؤى شبكت إيديها على الترابيزة وقالت بجدّية:
رؤى:
"طب… وصلتي لإيه؟
هتطلّقي؟ ولا لأ؟"
هزّت ليل راسها بسرعة:
ليل:
"مش عارفة… والله يا رؤى مش عارفة."
رؤى رفعت حواجبها بدهشة لطيفة:
رؤى:
"ده مش جواب… ده صراع."
ليل ابتسمت ابتسامة صغيرة فيها وجع، وسندت ضهرها على الكرسي:
ليل (بصوت واطي):
"قلبي… قلبي مش معايا.
كل ما أفتكر اللي عمله… بخاف.
سبع شهور… سبع شهور بعيد عن أهلي، عن بابا، عن كل حاجة.
خطفني… قيّد حياتي… وشكّك في بابا!"
وقفت شوية… كأن الكلام بيخنقها.
ليل:
"إزاي أسامح؟"
رؤى ما قالتش حاجة… سايبالها المساحة، فليل كملت:
ليل:
"بس من ناحية تانية…
لما اتكشف كل حاجة… ولما عرفت إنه هو كمان ضحية…
وإن مراد كان بيلعب بينا كلنا…
ولما شوفت عاصم ندمان… بيعيّط يا رؤى…
ومش قادر يقابل بابا…
مع إن بابا سامحه…"
شفتها ارتعشت…
ليل:
"ساعتها حسّيت… إنه يمكن… يمكن أنا اللي قلبي ضعيف…
أو يمكن… يمكن أنا بحبّه."
رؤى ابتسمت بأسف خفيف:
رؤى:
"مش يمكن… إنتِ بتحبيه يا ليل."
ليل بصّت للترابيزة… خايفة تعترف:
ليل:
"آه…
بحبّه.
ولو اتطلقت منه… هتوجع.
ولو فضلت معاه… خايفة أتوجع برضه."
رؤى:
"قلبِك بيقول حاجة…
وعقلِك بيقول حاجة تانية.
بس السؤال بجد…
إنتِ عايزة تعاقبيه؟ ولا عايزة ترتاحي؟"
ليل فضلت ساكتة…
وبعدين وطّت راسها:
ليل (بهمس):
"مش عايزة أعاقبه… ولا أعاقب نفسي.
بس… بخاف أثق فيه واتجرح تاني."
رؤى أخذت نفس، وبعدين قالت:
رؤى:
"وخايفة أقولك كلمة تزعلِك… بس لازم تتقال."
ليل بصّت لها:
رؤى:
"كلنا اتجرحنا يا ليل.
كلنا اتخدعنا.
سليم… ريما… إنتِ… وحتى هو.
عاصم خسر أخوه بسبب كدبة.
وإنتي خسرتي سبع شهور من حياتِك.
بس لو الاتنين ما تتشافوش مع بعض…
مين هيشفي مين؟"
ليل ضغطت على القلم بين صوابعها:
ليل:
"أنا محتاجة وقت…
بس هو… هو مستعجل.
عايز يعرف هنكمّل… ولا ننفصل."
رؤى:
"ومن حقه يعرف… ومن حقّك تتأكدي.
بس المهم… القرار يبقى طالع من قلبك.
مش من الخوف… ولا من الماضي… ولا من كلام الناس."
ليل ابتسمت لأول مرة:
ليل:
"تصدقين يا رؤى؟
نفسي حد ييجي يقولّي… اعملي كده وماتعمليش كده.
كان زماني مرتاحة."
رؤى ضحكت بخفة:
رؤى:
"يا بنتي… لو الحياة كده…
كان زمانك متجوزة ممثل كوري وعايشة في قصر!"
ليل ضحكت غصب عنها:
ليل:
"يا ريت…"
رؤى:
"طب خلاص… ناوية على إيه؟"
قبل ما ترد ليل… الدكتورة سامية دخلت فجأة.
والقاعة كلها سكتت في ثانية…
كأن عاصفة دخلت من الباب.
وقفت قدّامهم بنظرتها اللي تخضّ:
الدكتورة سامية:
"صباح الخير…
ويا رب تكونوا مستعدين…
عشان محاضرة النهارده مش سهلة."
رؤى مالت بسرعة على ودن ليل:
رؤى:
"بعد المحاضرة… مش هاسيبِك غير لما نكسر التردد ده."
ليل ابتسمت… ابتسامة صغيرة قوي، بس موجودة:
ليل (تهمس):
"إن شاء الله…"
وتفتحت الدفاتر…
بس قلب ليل لسه مفتوح على سؤال واحد
لسه ماخدتش فيه القرار.
**********************
برا سجن العقرب
خرج سليم الأول… خطواته كانت تقيلة، وملامحه مصدومة. وبعده بخطوتين طلعت ريما… وإيدها رايحة على بطنها من غير ما تحس، كإنها بتحمي سرّ محدش يعرفه.
وقفوا على الرصيف… ولا حد فيهم قال كلمة.
الهوا كان ساقع… وصمتهم أسقع.
ريما
بصوت مكسور شوية:
"إحنا… إحنا فعلاً كنا عايشين مع مين يا سليم؟"
سليم مسح على وشه بعنف… كإنه عايز يمسح صورة أبوه اللي كان قاعد ورا الزجاج وبيتكلم ببرود.
سليم:
"معرفش… معرفش يا ريما.
أنا… أنا طول عمري شايفه بطل… قدوة…
كنا بنقول: بابا أقوى واحد… أعدل واحد… أحنّ واحد."
يضحك ضحكة كلها وجع.
"وطلع… ولا حاجة من اللي نعرفه."
ريما شهقت بخفة، دموعها على طرف عينها بس مش بتنزل:
"سمعته؟ لما قلت له إني حامل؟
ما رفعش حتى راسه…
ولا حس… ولا اهتم.
ولا حتى قال: مبروك."
تغطي بقها بإيدها، وصوتها بيرتعش:
"ده طفل… حفيده…
وبرغم كده… كإنه مالوش علاقة."
سليم قرب منها بسرعة ومسك كتافها:
"ريما… اسمعيني…
انسِيه.
بابا… مات بالنسبة لنا من اللحظة اللي وقف قدامنا بالطريقة دي."
ريما رجفت:
"سليم… أنا خايفة.
خايفة من كامل…
خايفة من الناس…
خايفة على الطفل اللي جاي…
ذنب إيه يشيل اسم جده إنه مجرم؟"
سليم بصّ عليها بحزن تقيل:
"ولا طفل يشيل خطايا أهله…
وإنتِ… مش لازم تفضلي هربانة طول عمرك يا ريما."
ريما:
"طب ليه الكل يبصّ لنا بشفقة؟
ليه الكل يتجنبنا؟
حتى اللي ما يعرفوناش… بقوا يعرفونا.
كإننا إحنا اللي قتلنا… إحنا اللي لعبنا بعقول الناس."
قعدت على دكة صغيرة جنب الباب… منهارة.
ريما:
"بابا دمّر ناس كتير… بس إحنا اللي بندفع."
سليم قعد جنبها، حاطط مرفقيه على ركبته، وباصص في الأرض:
سليم:
"شفتي عمو أدهم؟
ما قاليش ولا كلمة…
بس عينه قالت كل حاجة.
ورؤى…؟
رؤى بتحبني… وأنا بحبها… بس…"
بلع ريقه:
"أبوها مش هيقبل بيا.
ومش هالومه.
أنا ابن مجرم… ابن واحد خان الكل."
ريما لفّت له بسرعة ومَسكت إيده بقوة:
"ما تقولش كده!
إنت أحسن من أبوك ألف مرة.
إنت أعدل واحد شوفته… وأطيب واحد."
سليم ابتسم ابتسامة مخنوقة:
سليم:
"بس اسم العيلة…
اسم الشرقاوي بقى لعنة خلاص.
أنا ورؤى… مستحيل."
ريما:
"وطفلي… هيعيش بلعنة برضه؟"
سكت سليم فترة… وبعدها رفع راسه بصوت حاد لكنه متكسر:
سليم:
"إحنا مش لازم نِتكسر.
بابا اختار طريقه… وإحنا لازم نختار طريقنا.
إنتِ تحمي ابنِك… وأنا… أحارب عشاني وعشان رؤى."
ريما بصّت له بدهشة صغيرة:
"وعمو أدهم؟ هيقبل بيك بعد اللي حصل؟"
سليم ضحك ضحكة حزينة:
سليم:
"معرفش…
بس لو ما حاربتش… هابقى نسخة من أبويا."
وشّ ريما اتغيّر… وبان عليه القوة لأول مرة من شهور:
ريما:
"إحنا الاتنين مش هنكون زيه…
ولا هنسيبه يتحكم في مصيرنا… وهو حتى في السجن لسه بيدمرنا."
سليم مدّ إيده على بطنها… لأول مرة… بلمسة أخ فيها شجاعة ودفا:
سليم:
"الطفل ده… هييجي الدنيا وهو عارف إن عنده خال مجنون… بس بيحبه.
وعنده أم قوية… أقوى من أي حاجة."
ريما ابتسمت بخفة… والدموع نزلت أخيراً:
ريما:
"وأنا عندي أخ… مستحيل يسيبني."
سليم وقف وساعدها تقوم:
سليم:
"نروح؟"
ريما:
"نروح…
بس… سليم؟"
سليم:
"نعم؟"
ريما:
"وعدني…
وعدني إن مهما حصل… نفضل سند لبعض.
أبوي خد كل حاجة منّا… ما ياخدناش من بعض."
سليم حط إيده على كتفها بثبات:
سليم:
"بوعدِك.
وإحنا هنِبني اسم جديد…
عيلة جديدة…
ملهاش أي علاقة بيه."
ومشوا سوا…
بس خطواتهم كانت تقيلة…
تقيلة قوي.
تقل الماضي… تقل الفضيحة… تقل أبوهم…
لكن وسط ده كله…
اتنين بس… بيحاولوا ينجوا.
********************
مقر المخابرات العامة المصرية
في مكتب العميد آدم العطار، مكتب واسع، مرتب بدقة، هادئ بشكل مخيف.
يدخل المقدم رامي … خطاه ثابتة، لكن صدره يعلو وينخفض بسرعة لا يراها إلا من يعرف كيف يقرأ الوجوه.
آدم يقف عند النافذة، ظهره لرامي.
لا يلتفت.
ولا يأمره بالجلوس.
رمز واضح لبدء التحقيق الحقيقي.
آدم
بصوت هادئ… مخيف أكثر من الصراخ:
"اتأخرت يا رامي."
رامي يقف باحترام كامل:
"تمام يا فندم… كنت براجع التقرير بتاع المهمة."
يضحك آدم بسخرية خفيفة، ثم يلتفت… نظرته حادة كالسيف:
آدم:
"مهمة؟
ولا غطاء لسبع شهور كنت متخفي فيهم… بتحمي عاصم القاسمي؟"
رامي لا يتحرك.
ولا يتهرب.
لكنه يرفع عينه بثبات:
رامي:
"يا فندم… أنا عمري ما خنت البلد.
ولا خنت الجهاز.
أنا كنت… أحمي الحقيقة."
يضرب آدم المكتب بقبضته فجأة فيصرخ:
"الحقيقة؟
الحقيقة لله يا رامي، مش لأفراد!
إنت مسحت أدلة…
ضليت جهاز كامل…
خبيت معلومة حساسة عن اختطاف بنت صديق عمري…"
يقترب منه خطوة…
"وفاكرني هعديها؟"
يمسك آدم بملف كبير على المكتب ويرميه أمام رامي:
آدم:
"كل مرة نوصل لطرف خيط… يختفي.
وإنت كنت المسؤول عن الملفات دي.
كل مرة أقرب لمكان ليل… يتغير.
وإنت كنت المسؤول عن الحركة دي."
يخطو رامي خطوة للأمام، صوته ثابت لكنه مكسور:
رامي:
"يا فندم… عاصم ماكنش خطفها عشان يأذيها.
كان ضحية زي الكل.
وأنا… أنا اللي شفته بعيني… إنه بيحاول يعرف مين قتل رائد.
كنت واثق إنه مش هيمس ليل بأذى…
وبرضه كنت واثق… إن الأستاذ زياد بريء."
ينفجر آدم غضباً:
آدم:
"مش شغلك تثق!
إنت ضابط، ولائك للمعلومات… مش للعلاقات!
رامي… إنت لعبت بالنار.
إنت عملت جريمة كاملة الأركان… اسمها إخفاء أدلة وتعطيل تحقيق مخابراتي."
يصمت لحظة…
نظرة آدم تتبدل من غضب إلى ألم خفيف:
آدم:
"زياد… كان بيموت كل يوم وهو بيدور على بنته.
ليل… بنتي أنا قبل ما تكون بنت صديقي…
كانت ممكن تموت بسبب قرارك."
ينزل رأس رامي… هذه الجملة تضربه في الصميم.
رامي:
"أنا غلطت…
وغلطتي كبيرة.
بس…
لو الزمن رجع…
هساعد عاصم تاني.
عشان لو ما ساعدتهوش… ماكنّاش هنكشف إن مراد هو القاتل.
و ليل… كانت هتضيع في النص."
تشتعل عيون آدم:
"وبعدين!
وبعدين يا رامي؟
نقعد نبرر؟
كل واحد يبدأ ياخد قرارات لوحده؟"
يرفع يده:
"إنت فاهم لو كل ضابط قرر يعمل زيك؟
إحنا نبقى جهاز فوضاوي…
مش مخابرات."
يتنفس آدم بعمق… يفتح درج مكتبه ببطء… يخرج ورقة مختومة بختم أحمر.
ينظر لرامي نظرة ثقيلة:
آدم:
"بعد مراجعة قيادتي…
وبناءً على حجم المخالفة…
وقيمة الضابط اللي قدامي…
قررت التالي:"
يتجمد رامي.
آدم يقرأ بصوت واضح:
1. إيقاف عن العمل لمدة ثلاثة أشهر دون راتب.
2. سحب جميع امتيازات العمليات الخارجية لمدة سنة كاملة.
3. نقل مؤقت إلى قسم التحليل المعلوماتي… عمل مكتبي.
4. وضعه تحت مراقبة داخلية لمدة ٦ أشهر.
ثم يرفع عينيه مباشرة نحو رامي:
آدم:
"العقوبة ما كانتش فصل…
ولا كانت محاكمة عسكرية…
لإنك مهما غلطت…
لسه ضابط كويس.
بس لازم تفهم…
إن البلد… مش لعبة."
رامي يرفع يده باحترام عسكري… صوته مبحوح:
رامي:
"تمام يا فندم…
أنا أتحمل العقاب.
وأعتذر… عن كل ألم سبّبته لحضرتك… و لليل… ولزياد بيه."
يلتفت آدم للنافذة… ويقول بجفاء مُتعب:
آدم:
"اطلع يا رامي…
وسامحني لو كنت قاسي.
بس البلد دي… ما بتسامحش الأخطاء."
يخرج رامي…
يغلق الباب خلفه…
ويتوقف للحظة في الممر…
صوته الداخلي:
"على الأقل…
ليل رجعت بخير."
***********************
في فيلا عيلة بيجاد
كانت الساعة قربت عالسبعة بالليل لما عربية بيجاد وقفت قدّام البوابة الحديد بتاعة الفيلا. التعب باين على وشه بعد يوم طويل في شركة العيلة، بس كان لسه مبتسم… ابتسامة راجل عارف إن جواه مستنيه حد بيخفّف عنه كل تقل الدنيا.
دخل من الباب الرئيسي. الردهة كانت واسعة، ضوّها هادي، وريحت العود ماليّة المكان. أول ما عينه وقعت عليها… ربى.
كانت قاعدة على كرسيها المتحرّك جنب شباك كبير، شعرها واقع على كتافها، وإيديها بترتعش وهي بتحاول تحرّك رجلها—علامة صغيرة إن حالتها بتتقدّم.
بيجاد ناداها بلهفة صريحة:
بيجاد (مبسوط):
– ربى! لسه صاحية ومستنياني؟
بصّت له ربى، وابتسامة خجولة ظهرت… فيها حنان، وفيها حتّة حزن هو لسه مش فاهم سببه.
ربى (بهدوء دافئ):
– وحشتني… يومك كان طويل؟
قرب منها، وانحنى وباس جبينها براحة كإنه بيرجع يتنفس… وقال بهمس:
بيجاد:
– طول ما هرجعلك… اليوم يهون مهما كان تقيل.
قبل ما تلحق ترد… ظهرت نوال، أمه، ماشية بخطوات واثقة وابتسامة باينة إنها مش ابتسامة خير.
نوال (ببرود لاذع):
– نوّرت البيت يا ابني… نوّرت… حتى لو النور ناقص شوية.
بيجاد بصّ لها باستغراب.
لكن ربى… وشها شِحِب فورًا، لأنها فهمت المعنى.
بيجاد (بحذر):
– في حاجة يا ماما؟
نوال ضحكت ضحكة قصيرة مستفزة:
نوال:
– لا يا حبيبي… بس الواحد أول ما يدخل بيت أهله… يستغرب لما يشوف "مراته" قاعدة على كرسي كده… بدل ما تكون في المطبخ… أو واقفة تستقبله زي الستات.
شفتين ربى ارتجفوا، رفعت إيدها كإنها هتقول حاجة… وما قدرتش.
الكسرة كانت باينة عليها.
ربى (بصوت مكسور):
– أنا… آسفة لو—
قاطعتها نوال بحدة:
نوال:
– آسفة؟! انتي أصلاً مش ناقصِك اعتذارات!
انتي مش مناسبة للبيت ده… ولا لابني…
تالين كانت أحسن، بنت ناس… واقفة على رجلها! مش…
بصّت للكرسي باحتقار.
مش كده.
الكلمات نزلت على قلب ربى زي السكاكين. دمعة نزلت بدون ما تقدر توقفها.
فجأة صوت جهوري دوّى في المكان… منذر، أبو بيجاد:
منذر (غاضب):
– نوال! بس! كفاية!
عيب اللي بتقوليه… الست دي بنت خالد، ومربّية أحسن تربية!
وبعدين! هي مرات ابنك! ومش محتاجة تسمع كلمة من اللي قولتيه!
نوال استدارت وهي بتدافع عن نفسها:
نوال:
– منذر! أنا بس بفكرّك! ابنك اتجوز واحدة معاقة! مش هتعرف تخدمه ولا—
منذر (قاطعها بغضب):
– ولو!
هو اتجوزها عشان تخدمه؟ ولا اتجوزها عشان بيحبها؟!
سكتت نوال… shocked، كإنها مش مصدّقة إنه زعق بالشكل ده قدامهم.
بيجاد كان واقف… ساكت…
لكن عينه كانت كلها وجع… وعتاب.
قرب خطوتين من أمه وقال بصوت هادي لكن ثابت:
بيجاد:
– ليه يا ماما؟
ليه تقلّي من ربى كده؟
دي إنسانة… وزوجتي… وكرامتها من كرامتي.
نوال فتحت بقّها عشان ترد… بس هو رفع إيده.
بيجاد:
– لأ…
أنا ساكت بقاله فترة احترام ليكي…
بس النهارده… جرّحتي اللي بحبها قدامي.
بصّ على ربى… اللي دموعها مبتقفش.
بيجاد (بلطف موجوع):
– تعالي… نطلع فوق.
مسك شنطته، وحط إيده على دراع الكرسي، وبدأ يزقّه ناحية المصعد الداخلي.
قبل ما يدخل المصعد… بصّ لأمه للمرة الأخيرة.
كانت نظرته مش غضب بس…
كانت خيبة.
بيجاد:
– كنت أتمنى تستقبليها كزوجة ابنِك… مش كعيب في البيت.
نوال حاولت تتكلم، لكن منذر مسك دراعها بقوة وقال:
منذر (بحزم):
– ولا كلمة.
طلع بيجاد مع ربى، والباب اتقفل وراهم…
وربى كانت بتبكي بهدوء موجوع.
في الردهة اللي فضيت… اترددت كلمة واحدة:
منذر (لنوال بغضب):
– لو خسرتي ابنِك من لسانِك… ساعتها ما تلوميش غير نفسك.
وسكت البيت…
بس الصمت كان بيقول كل حاجة.
***********************
في الجزائر – بيت كامل بن عبد الغني
زليخة قاعدة على الكنبة، إيديها متشابكة من القهر، وعنيها مورّمة من كتر البُكا.
عبد الغني قاعد جنبها، راجل هادي بس شكله النهاردة متضايق ومكبوت.
سميرة قاعدة جنب الشباك، رجلها بتتهز من العصبية.
أما ليلى – بنت عم كامل – فكانت عاملة نفسها هادية… وهي في الحقيقة مستنية أي خبر عن كامل وقلبها شغال.
زليخة (بقهر وعصبية):
– يا رب إحنا عملنالها إيه؟! إيه المصيبة اللي خلتها تهرب وتسيب جوزها كده… من غير ولا كلمة!
تقف بتوتر
– شهرين يا عبد الغني… شهرين! وهو كل يوم يتصل بيها وقلبه مولّع… وهي ولا كأنها تسمع! ولا حتى رسالة “أنا بخير”! يا لطيف… ده قلب إيه دا؟!
عبد الغني (يحاول يتمالك نفسه):
– كنت فاكرها بنت أصل… والله كنت شايفها ست بيت
مش اللي تهرب وتسيب جوزها محترق كده.
كامل بيضيع قدّامي يا زليخة… بيذبل!
سميرة (منفجرة غيظ):
– متقولوش ست بيت! دي ست خانتنا… خانتنا كلنا!
تخبط على الترابيزة
– تسيب أخويا كده من غير سبب؟! وتروح ترفع عليه خلع؟! بالله هي حصلها إيه؟
– كنا بنحبها واعتبرناها مننا… وطلعت ألعن مما نتخيّل!
زليخة (تمسح دموعها):
– يا بنتي… عمرى ما توقعت منها كده.
كامل بقى ظل إنسان… يرجع من الشغل ساكت… يوم يتكلم كلمة واتنين بالكثير.
ولا لما يتعصب؟ ولا لما يكتم؟ ولا يوم يضرب إيده في الحيطة؟
– ده كامل الحنين… كامل الطيب… تسيبه كده؟!
ليلى (ببرود بس فيه لمعة شماتة):
– بصراحة… أنا مش مستغربة. من الأول وأنا بقول: كامل يستاهل واحدة تقدّره… مش واحدة تهرب في نص الليل.
ترفع كتفها كأنها بريئة
– واللي ما يعرفش قيمة الراجل… يسيبه ويروح.
سميرة (تبصّ لها بحدة):
– ليلى… اسكتي أحسن. مش وقتك.
كامل عمره ما حب غير مراته… وانسي الموضوع.
ليلى (تظهر لا مبالاة لكن الغيرة فاضحة):
– ما هو مراته رفضاه… وأنا لا.
زليخة (تنفجر لأول مرة):
– ليلى! بلاش تزودي النار!
تتنهد بقهر
– مشكلتي مش معاكي… مشكلتي معاها هي… ريما.
– تتجوز وتقوم تهرب؟ من غير سبب؟ من غير حتى تفسير؟
– ربنا يهديها… يا ياخد حقّنا منها.
عبد الغني ينهض بنبرة قلقة:
عبد الغني:
– قالوا لي في الشغل… كامل النهارده ما فتحش بقه مع حد. اشتغل ساكت… وما تغدّاش.
– لو فضل كده… يمرض نفسه والله.
سميرة (بحزن):
– لما يشوف رقمها… إيده ترجف.
– وبعدها يقفل الموبايل ويقول: “يمكن النهارده ترد”.
– شهرين يا بابا… شهرين! وهي ولا حياة للي ينادي.
ليلى (بخبث ناعم):
– يمكن… ما تستاهلش أصلاً يتعب نفسه عليها؟
تبصّ للكل
– يمكن مش في خطر… يمكن هي مش شايفاه مهم.
زليخة:
– لو كانت في خطر كانت ردّت!
– لكن تروّح وتسيب له ورقة: “عايزة أتطلق”؟!
– يا ساتر…
صوت باب يتفتح فجأة
يدخل كامل.
وجه شاحب، دقن طالعة من الإهمال، عينين حمرا من البكا والسهر.
يرمي المفاتيح عالطربيزة… ما ينطقش ولا كلمة.
ماشي على السلم ببطء… رايح أوضته.
زليخة (تركض له):
– يا ضنايا… كلّيت؟
– كامل… رد بالك على صحتك يا ابني…
كامل (صوت مبحوح مكسور):
– مش عايز أتكلم… ما عنديش كلام.
عبد الغني (يحاول يوقفه):
– استنى يا كامل… لازم نتكلم.
كامل (لأول مرة صوته يرتجف):
– يا بابا…
يبتسم بسمة وجع
– هي ما بتحبّنيش… وما حبتّنيش يوم.
– كنت عايش حلم… وهم… بس أنا اللي متمسك.
سميرة (دموع تتجمع):
– خويا… بالله عليك…
كامل (يبصّ للجميع بعين منكسرة):
– شهرين… شهرين وأنا بابعت مسجات… بتصل… أترجّاها ترد… حتى تقول “أنا عايشة”.
– بس ولا رد… ولا صوت.
ياخد نفس كأنه مخنوق
– يمكن… الغلط مني… يمكن هي مش بتاعتي… يمكن جبتها البيت اللي مش لها…
زليخة (بصراخ موجوع):
– لا تقول كده!
– اللي ما تستاهلكش هي… مش أنت!
كامل (يرفع إيده يوقف الكلام):
– خلّص… ما بقتش قادر.
– هنام… عندي شغل بدري.
يطْلع السُلَّم بصعوبة…
إيده بترتعش… قلبه بيكابر… وروحه بتنزف.
يسود الصمت
زليخة (تبكي بصوت مختنق):
– يا رب… رجّع لنا كامل بتاع زمان…
عبد الغني (بحزن تقيل):
– الموضوع مش مجرد قلب مكسور…
– فيه سر كبير… هي مخبيه.
سميرة:
– أياً كان السر… ما يستاهلش الهروب كده.
ليلى (بهدوء بارد سام):
– يمكن… كان لازم يختار من البداية واحدة تانية.
تبتسم لنفسها بخبث خفيف
وتنتهي المشهد على وجوه العيلة…
كل واحد غارق في وجعه بطريقته:
غضب… قهر… خيبة… وقلق على كامل اللي بيتكسر ببطء.
*****************************
في فيلا الشرقاوي – غرفة ريما
الغرفة ضلمة، مافيهاش غير نور خفيف من الأباجورة اللي جنب السرير.
ريما قاعدة على أطراف السرير، لسا لابسة حجابها والبَلوفر الخفيف… ولا حتى فكّت هدومها من وقت ما رجعت من السجن.
عيونها محمّرة وتعبانة… وشها شاحب من كتر الكتم والدموع اللي ما نزلتش.
تشيل دبلة الجواز من صباعها، تبصّ لها… كإنها ذكرى موجعة.
ريما (بصوت مكسور، بتكلم نفسها):
– ليه كده يا رب؟
– أنا عملت إيه عشان أطلع من بيت جوزي ألاقي أبوي قاتل؟
– أعمل إيه؟ أعيش إزاي بالحقيقة دي؟
تحط وشها بين إيدها
– كامل… يا كامل… والله ما استاهلك… والله ما استاهلك!
تقوم وتتلف في الأوضة بعشوائية.
تفتح الشباك، الهواء البارد يدخل بقوة… وهي ولا حاسة بحاجة.
ريما:
– هربت… هربت عشان مش قادرة أشوف في عينه السؤال ده:
"ريما… بنت مجرم؟"
– مش قادرة أتحمل النظرة دي… مش قادرة أشوفه بيِتوجع بسببي!
تمسك بطنها بخوف…
الخبر اللي قالته لأبوها النهارده… ومع ذلك ولا اهتزّ.
ريما (توشوش، الدموع تنزل من غير ما تقدر توقفها):
– حتى لما قلتله إني حامل…
– ولا اهتم…!
– أب…؟! ده حجر يا رب… حجر!
تقعد على الأرض، تسند ضهرها للحَيطة، متكوّرة زي طفلة تايهة.
خبطة بسيطة على الباب.
صوت راجل كبير، هادي… فيه حنية.
عبد الرحمن (من ورا الباب):
– ريما… يا بنتي؟ أقدر أدخل؟
تمسح دموعها بسرعة… بس صوتها باين عليه البكاء.
ريما:
– اتفضل يا جدي…
يدخل الحاج عبد الرحمن، راجل كبير في السبعينات، طويل شوية، نظرة عينه فيها وجع لكن قلبه طيب.
أول ما يشوفها بالشكل ده… قلبه يتقطع.
يمشي ناحيتها ببطء…
لكن ريما تجري عليه قبل ما يوصل نص الأوضة.
ريما (ترتمي في حضنه وتنهار):
– جدييييي…
– تعبت… تعبت قوي!
يحوطها بإيده ويمسح على راسها بحنان أبوي صادق.
عبد الرحمن:
– يا بنتي… مالك؟
– سليم قالي إنك زورتي أبوكم النهارده… لقيتيه إزاي؟
ريما ترجف أكتر… السؤال جرّحها من جديد.
ريما:
– لقيته… مفيش!
– لا كلام… لا إحساس… لا سؤال!
– حتى لما قلتله "بابا… أنا حامل"
تشّهق
– ماعملش أي رد فعل!
– كإني قلت كلمة عادية!
عبد الرحمن (بحزن):
– يا خسارة يا بنتي… يا خسارة!
– والله لو الزمن يرجع… ماسمحتش له يغلط غلطة واحدة تضركم!
ريما:
– أنا خايفة يا جدي…
– خايفة من اسمي… من دمي…
– خايفة الماضي يلحق كامل.
تتوسل
– أرجعله إزاي وأنا بنت قاتل؟
– أواجهه إزاي وأنا أحس إني عار علي حياته؟
يمسك وشها بحنان، ينظر في عينيها.
عبد الرحمن:
– بصيلي كويس يا ريما…
– إنتي مالِكيش ذنب!
– الذنب ذنبه هو… مراد… ابني اللي ضيّع نفسه.
– إنما إنتي… انتي طاهرة وقلبك أبيض… والله أبيض!
ريما (تنوح):
– كامل طيب… نضيف… مايستاهلش مشاكل…
– وأنا حياتي كلها وجع!
– هجيب له الوجع بس.
عبد الرحمن:
– لا يا بنتي…
– إنتي هربتي مش عشان تحميه…
– إنتي هربتي عشان خايفة!
– وكامل بيحبك… واللي في بطنك محتاج صوت أبوه.
– ولازم ترجعي له.
ريما (تهز راسها بعناد وخوف):
– لااا جدي…
– أول ما يشوفني هيشوف اسم أبويا قبل وشّي…
– هيشوف عار!
يوسع حضنه ويضمها من جديد.
عبد الرحمن:
– يا حسرة قلبي عليكي…
– مراد هَدّ حياتنا… وأنا ندمان والله ندمان.
– بس ربنا عوّضنا فيكم… فيك وفي سليم.
ريما تهدى شوية… صوتها يطلع ضعيف:
ريما:
– أنا تايهة…
– أعمل إيه؟ أرجع؟ أواجه؟ أكمل هرب؟
– أنا حامل… ومن غير جوز… من غير سند… من غير أمان!
عبد الرحمن (يمسح دموعها):
– السند ربنا… وبعده كامل.
– والباب لسه ما اتقفلش…
– لو رجعتي دلوقتي… هتلحقي تصلّحي.
– بس بعدين؟ يمكن يفوت أوانك.
ينظر لها بثبات… نظرة معناها "ارجعي قبل تخسريه"
عبد الرحمن (بحنان):
– ريما… يا بنتي…
– لازم ترجعي لكامل… قبل ما يضيع من إيدك.
ريما تنهار في حضنه تاني، تبكي بصوت مخنوق…
وكأنها لأول مرة تخرج الوجع اللي حبسته شهرين.
الصورة تثبت على حضن الجد وهو يطبطب عليها…
بينهم دعوة صامتة…
وبصيص أمل صغير… بين سواد كبير.
*********************
فيلا الزهراوي / مكتب زياد
كانت غرفة المكتب تغرق في صمت خانق… فقط صوت أنفاس زياد المضطربة يملأ المكان. الهاتف ما يزال فوق الطاولة، شاشته مطفأة، لكن صداه يرنّ في رؤوسهم جميعاً.
زياد وقف قرب النافذة، كتفيه مشدودان، يده ترتجف وهو يضمها بإحكام.
عاصم يقف في المنتصف، فكه معقود، وعيناه تائهتان بين الغضب والخوف.
يدخل أدهم أولاً، ثم خلفه العميد آدم العطار.
زياد (بعصبية مكتومة وهو يمسح على وجهه):
مش قادر أصدق… مراد؟! من السجن يتصل؟! ويهددني أنا؟! ويقول "هارجع… وولا واحد فيكم هيفضل مرتاح"؟!
إزاي؟! إزاي يا آدم؟!
آدم (بجدية عسكرية):
مراد ما كانش يقدر يرفع سماعة في السجن من غير ما حد يساعده.
ده مش تهديد عابر… ده ترتيب.
في حد بيصرفله… بيوصلّه… وبيفتحله أبواب مش المفروض تتفتح.
أدهم (يحرك رأسه بحدة):
كنت متوقع يعمل حاجة، بس مش كده… مش بالجرأة دي.
مراد طول عمره مختبّي وبيتحرك من ورا الضهر… لكن إنه يتصل بيك يا زياد؟
ده معناه إنه مش خايف… ومعناه إنه مجهّز حاجة تقيلة.
زياد يضرب بيده على الطاولة فجأة، فيقفز عاصم من مكانه.
زياد (بصوت مرتفع مخنوق بالغضب):
ليه مش خايف؟! ليه؟!
حور وليل وولادي الصغيرين… أنا مش هاسمح المسخرة دي تتكرر!
أنا عشت مع الراجل ده سنين… وعمري ما تخيلت إنه هيطلع وحش بالشكل ده.
عاصم (يتقدم خطوة، صوته حاد):
وأنا…
أنا مش هاسمحله يقرب من ليل تاني.
ولا منك… ولا من البيت ده.
المرّة دي… لو فكر بس ييجي ناحية حد منكم… مش هرحمه.
زياد ينظر إليه بحدة، ثم بنفس اللحظة بنظرة امتنان مكتوم.
أدهم (موجهاً الكلام لآدم):
هو اتصل من رقم مجهول… قدرت تعرف مصدر المكالمة؟
آدم (يهزّ رأسه):
بيحاول يخفي أثره…
بس نبرة صوته؟
الهدوء؟
ده مش شخص محبوس بقاله شهور… ده شخص واثق إنه هيتحرر قريب… أو إنه حر بالفعل.
يصمت الجميع فجأة.
الكلمات الأخيرة سقطت عليهم مثل صاعقة.
زياد (بصوت منخفض يرتعش بالغضب):
عايز تقول إن في احتمال إنه برا السجن؟
آدم:
أقول إن في احتمال كبير إن حد بيسهّل له خروجه… أو خرّجه فعلاً.
والمصيبة… إن النفوذ اللي وراه مش قليل.
عاصم (يميل للأمام، صوته ينخفض لكنه يغلي):
لو خرج…
هتبقى حرب.
وأنا مش هقعد أتفرج عليه وهو بيدمر ليل تاني… وهي خلاص، لسه بتحاول تفهم حياتها… وأنا…
أنا مش مستعد أخسرها.
زياد ينظر إليه بنظرة طويلة، عميقة، كأنها المرة الأولى التي يرى فيها مشاعر عاصم واضحة بهذا الشكل.
زياد (بهدوء ثقيل):
أنت بتحبها… وأنا عارف.
وعارف إنك مش هتسيبها.
لكن إحنا كلنا دلوقتي في خطر… مراد لما يتوعد، بيتوعدش لأشخاص… بيتوعد لعائلات.
أدهم (يضرب بكفه على الطاولة):
اللي لازم نفهمه دلوقتي مش تهديده…
لكن مين اللي واقف وراه وبيساعده.
آدم:
وأنا هبدأ من دلوقتي أراجع كل التحركات…
مراد مش هيستخبى للدرجة دي لوحده.
زياد يتنفس ببطء، يحاول يستعيد سيطرته.
زياد (بحزم):
من اللحظة دي…
البيت ده في حالة طوارئ.
حور… ليل… الولاد… محدش يخرج لوحده.
وأنا… مش هسمح لأي ظل من ماضي مراد يدخل حياتنا تاني.
عاصم (ينظر للجميع، ثم ببطء):
ولو رجع…
أنا اللي هقف له.
ولو اضطرّيت…
هيكون آخر يوم في حياته.
الجميع يصمت.
المشهد يغلق على وجوه ممتقعة بين الغضب والخوف…
والهواء نفسه مشحون بقدوم شيء كبير…
شيء مظلم…
شيء اسمه عودة مراد.
********************
في سجن مراد الشرقاوي
كان الليل يهبط ببطء فوق مبنى السجن…
الجو خانق، والرطوبة تزحف على الجدران كأنها تراقب أنفاس كل سجين.
داخل غرفة الزيارة المغلقة، جلس مراد الشرقاوي مكبّل اليدين، ظهره مستقيم، وعيناه تلمعان ببرود شرير.
كان واضحاً أنه ينتظر أحداً… لا تبدو عليه أي آثار للندم أو الضعف، بل تعلو شفتيه ابتسامة مستفزة كأن السجن بالنسبة له مجرد استراحة مؤقتة.
فتح الباب الحديدي فجأة…
خطوات بطيئة.
ثابتة.
ثقيلة.
دخل شخص… ملامحه غير واضحة، رأسه منخفض قليلاً، معطف أسود طويل، وصمت يسبق ظله.
رفع مراد حاجبه، ثم مال للأمام، وابتسامة واسعة ومليئة بالتهكم شقت وجهه:
مراد بابتسامة ساخرة:
هاه… شوفوا مين قرر يشرفنا اليوم.
واضح إني ملك فعلاً… الكل بيشتاق لي حتى وأنا في السجن.
لم يرد الزائر.
جلس بهدوء أمامه… وضع يديه على الطاولة… لم يظهر من أصابعه إلا أنها يد لشخص ليس ضعيفاً.
مراد يضحك بخفوت:
إيه يا…
ما كنتش متوقعك تيجي بنفسك.
بس واضح إن الدنيا لسه بتحترمني أكتر من اللازم.
ظل الشخص صامتاً، لكن نظراته—رغم أننا لا نراها—كانت كافية لتسحب ابتسامة مراد لثوانٍ قبل أن يعيد رسمها.
مراد بصوت منخفض لكنه مليء بالشر:
إيه… جاي تتأكد إني لسه عايش؟
ولا جاي عشان ترتّب حاجتك اللي قولتلي عليها؟
لم يتحرك الزائر.
مراد يميل للأمام، نبرة صوته تصبح أغمق:
اسمع…
أنا قلتلك قبل كده…
اللي بدأته لازم نكمّله.
وصدقني…
السجن ده؟
مش هيوقفني.
ولا هيوقفك.
كان الصمت كثيفاً، كأنه جزء من مؤامرة.
مراد يتابع، بابتسامة باردة:
بلغ… إياه.
إنّي جاهز.
ولما أخرج…
مفيش حد هيفضل واقف على رجليه—لا زياد… ولا أدهم… ولا حد من العيلة دي كلها.
أخيراً تحرك الزائر…
نهض ببطء، وكأن حضوره وحده تهديد.
قبل أن يستدير، قال بصوت خافت، مشوّش، لكن يحمل نبرة أمر:
الزائر الغامض:
… الوقت قرّب.
عين مراد اتسعت بنشوة الانتصار:
مراد بخبث:
تمام…
بس خليك فاكر…
اللعبة دي…
أنا اللي ببدأها…
وأنا اللي بنهيها.
غادر الزائر دون أن يلتفت.
وبقي مراد، يضحك ضحكة مكتومة، فيها جنون وثقة قاتلة…
ضحكة تؤكد أن القادم أسوأ بكثير مما توقعه أي أحد.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


0 تعليقات