رواية في_قبضة_العاصم الفصل الاول حتى الفصل التاسع عشر بقلم سيليا البحيري حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية في_قبضة_العاصم الفصل الاول حتى الفصل التاسع عشر بقلم سيليا البحيري حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
فصل 1
السماء كانت مغيمة، والريح بتعدّي على الحصى كإنها بتوشوش بأسماء اللي راحوا.
وقف عاصم القاسمي قدّام شاهد رُخامي أبيض، مكتوب عليه بخط حلو:
"رائد القاسمي
29/9/1995 - 12/10/2022"
المطر بدأ ينزل خفيف، بس عاصم ما اتحركش.
نقطة ميّه نازلة من السما خلطت بنقطة تانية… ما كانتش ميّه.
فضل يبُص للاسم كتير، وبعدين قال بصوت واطي ومبحوح:
"أخي… كَم مرة وعدتك إني هافضل ضلك وسِترك؟
وها أنا دلوقتي جاي أزورك… بعد ما فشلت أحميك."
ركع على رُكبُه، ومدّ إيده على التراب المبلول، وعينه سِرَحت في البعيد.
كمّل بصوت مخنوق بين الوجع والغِلّ:
"قالوا حادث… قالوا صدفة… بس أنا عارف يا رائد.
عارف إن ده ماكانش قَدَر… كانت خيانة.
خيانة من إيد وسّخت اسم عيلتنا."
طلع من جيبه ملفّ أسود مُهترئ، فتحه، وطلّع منه صورة راجل في نص عمره، شكله وقور وهادي.
بصله كتير… وبعدين صوته انفجر من جواه بغضب مكتوم:
"زياد الزهراوي… الاسم اللي هكتبه على جدران جحيمك زي ما اسمك مكتوب على قبر أخويا."
شد الصورة بإيده لحد ما اتكرمشت بين صوابعه.
سكت لحظة… وبعدين طلع صورة تانية صغيرة، باهتة شوية، لِبِنت عيونها رمادي وشعرها اسود زي الليل.
ملامحه اتغيّرت فجأة — ما بقِتش كلها قسوة، لكن فيها ضحكة صغيرة سودا كده، فيها وجع وسخرية.
رفع الصورة قدام عينه وقال بهدوء خطر:
"بنتك… ليل.
فيها شبهك… بس فيها كمان اللي هيهدّك.
مش هقرّب منك بالسلاح يا زياد… هقرّب من ملاكك المدلل.
هحوّل نورها لنار… نار تاكلكم إنت وهي سوا."
وقف بهدوء، رجّع الصورة جيبه، وبص تاني للقبر وقال:
"سامحني يا رائد…
مش هقدر أكون طيب تاني.
الرحمة بقت خيانة لما القاتل يسكن قلبك.
وأنا… خلاص ما عدتش عارف يعني إيه رحمة."
وبعدين لفّ بخطوات ثابتة ناحية بوابة المقابر، الهوا بيشد معطفه الطويل، والمطر بيغسل صوته كإنه تصفيق بارد على قرار مافيش رجعة منه.
وفي عينه، كان فيه وعد… وعد بالانتقام، مكتوب باسم واحد:"ليل الزهراوي".
******************
كانت أشعة الشمس بتتسلّل بخجل من ورا ستاير أوضتها الوردية، عاملة خطوط دهب على الحيطة اللي قصادها، اللي معلّقة عليها صور صغيرة ليها مع إخواتها.
صحيت ليل على صوت ضحك عالي، وبعده حركة سريعة تحت السرير.
"مازن؟!" قالتها وهي بتضحك، وهي بتميل تبص تحت السرير.
خرج مازن من مخبّاه وهو بيصرّخ:
"بووو! خوّفتك!"
قهقهت ليل وهي ماسكة المخدة ورامياها عليه:
"كام مرة قلتلك ما تستخبّاش تحت سريري يا شقي!"
ضحك الولد اللي عنده عشر سنين، ضحكة صافية زي الميّه، وفضل يجري حوالين الأوضة وهي بتحاول تمسكه بالمخدة.
الأوضة كانت مليانة حياة — ضحك، ألوان، ولعب مرمية في كل حتة.
دخل أدهم فجأة، شايل كتاب في إيده، ووشّه الجديّ ما يديش إحساس إنه طفل عنده 12 سنة.
وقف عند الباب، رافع حواجبه وقال بنبرة هادية:
"إنتو حوّلتوا البيت لملاهي ولا إيه؟ مافيش صباح يعدّي بهدوء كده؟"
ليل وقفت ضحكها، وبصت له بابتسامة ماكرة وهي مايلة راسها:
"تعالى إنت كمان يا رجل الأعمال الصغير، سيب الكتب خمس دقايق بس!"
بس أدهم هزّ راسه بجدّية مضحكة كده وهو بيقول:
"أنا بقرأ عن الفيزياء يا ليل، ماعنديش وقت للكلام الفاضي ده."
مازن انفجر من الضحك وقال:
"الفيزياء! مين مهتم بالفيزياء! تعالى العب معايا وأنا أوريك إزاي أستخبى تحت السرير!"
قرب أدهم من أخوه الصغير، وابتسم أخيرًا رغم محاولته يبقى جاد، وقال بنغزة خفيفة كده:
"ماشي، خمس دقايق بس… بس لو كسبت، هتقرأ معايا بعدين!"
ليل صفّقت بفرح وقالت بصوت مليان حماس:
"اشطا! واللي يقدر يواجه بطلة المخدة، يوريني نفسه!"
ضحكهم عليا الأوضة، ضحك نضيف وصافي كأنه مايعرفش إن في ظل بعيد بيقرّب منهم بهدوء.
ضحكت ليل لحد ما دموعها نزلت من كتر الضحك، وقعدت على السرير تلهث وهي بتبص لإخواتها بحنية كبيرة.
في اللحظة دي، كل حاجة كانت كاملة… دافية… نقية.
بس القدر، في حتّة تانية، كان بيحضّر لتبديل الفصول.
********************
بصّ أدهم على الساعة اللي في الحيطة وتنهد بجدية كده مصطنعة وقال:
"اتأخرت على المذاكرة، وهتأخر أكتر لو فضلت مع المجنون ده!"
وأشّر بإيده على مازن اللي كان خطف مخدة ليل وبيلوّح بيها كأنها علم النصر.
ضحكت ليل وقالت وهي مش قادرة تمسك نفسها من الضحك:
"استسلِم يا عالم يا كبير! شكلك خسرت، ومازن هو اللي كسب المعركة!"
أدهم رد بابتسامة صغيرة نادرًا ما بتظهر على وشه وقال:
"انتصاره مؤقت كالعادة… هرجع مخدتي بكرة."
مسك شنطته الصغيرة من ع الكرسي وخرج بخطوات منظمة كده، كأنه راجل كبير محشور في جسم طفل.
اتبعُه مازن وهو بيجري وبيتنطط وبيقول بصوت عالى:
"استناني! هاقول لماما إنك كسرت قاعدة الفطار قبل المذاكرة!"
خرجوا الاتنين وسابوا وراهم دوشة طفولية لذيذة، وسكون بسيط رجع يملأ الأوضة.
ليل قعدت على طرف السرير، بتمشّط شعرها الطويل اللي نازل على كتافها، وأخدت نفس عميق كده كأنها بترجع هدوء الصبح لنفسها.
"أدهم بعقله الكبير، ومازن بروحه المجنونة… عيلتي الصغيرة العجيبة."
قالتها وهي بتضحك لنفسها، وبصّت في المراية تعدّل الشال الخفيف عشان تجهّز تروح الجامعة.
بس فجأة رنّ الموبايل اللي على المكتب.
مدّت إيدها بسرعة تاخده، وظهر على الشاشة اسم معروف: رؤى 💫
فتحت الخط بابتسامة تلقائية:
"صباح النور يا رؤى."
جالها صوت مليان حياة وضحك من الناحية التانية:
"صباح الورد والجنون! إنتِ لسه في البيت؟ يا نهار أبيض! الساعة تسعة إلا عشرة! دكتورة سامية هتدفنّا لو اتأخرنا ثانية!"
ضحكت ليل بخفة وهي بتدور على الجزمة بتاعتها:
"عارفة، عارفة! بس مازن عمل حرب مخدّات الصبح، وأنا كنت الضحية البريئة!"
رؤى ضحكت وقالت:
"ضحية؟! إنتِ اللي دايمًا بتبدأي المعارك يا ملاك! يلا اتحركي بسرعة، أنا في السكة وهاعدّي آخدك."
ليل ردت وهي مبتسمة بخبث:
"ماتتعبيش نفسك، هوصلك قبل ما توصلي، استني المفاجأة!"
"مفاجأة؟ يا بنتي أرجوكي ما تكونيش اشتريتي القهوة من المكان الغالي تاني، مرتبي في الحضيض!"
قهقهت ليل وقالت:
"المرة اللي فاتت كنتي إنتِ اللي شتريتيها، النهارده دوري أدلع نفسي شوية!"
"تمام، بس أسرعي، عايزة أحجز مكاننا المفضل في أول الصف قبل ما يسبقونا الاتنين الغريبين دول!"
"تمام، عشر دقايق وهاكون عندك."
رؤى ردت بسرعة:
"خمس دقايق، ما تستخدميش نظام التوقيت الزهراوي!"
وقفلت المكالمة وهي لسه بتضحك، سايبة ليل تبتسم بشغف كده ليومها اللي لسه بيبدأ.
وقفت قدام المراية لحظة، تبص على انعكاسها — العيون الرمادي اللي شبه الغيم، والشعر الأسود اللي باين فيه لمعة زرقة خفيفة من ضوء الصبح.
في اللحظة دي، كانت شبه بطلة في لوحة… ما تعرفش إن الملامح الهادية دي قريب هتبقى في قلب عاصفة مش هترحم.
مسكت شنطتها، وبصّت من الشباك على الحديقة، شافت أمّها بتسقي الورد، لوّحتلها بابتسامة خفيفة قبل ما تمشي.
وصوت الباب وهو بيتقفل وراها كان بسيط…
بس الحقيقة؟ كان بداية الحكاية.
*********************
كانت ساحة الجامعة زحمة على الآخر، الطلبة رايحين جايين كأنها خلية نحل فـ بداية يوم جديد.
أصوات وضحك وخطوات سريعة، وشمس الصبح عاملة لمعة على الزجاج الكبير عند مدخل الكلية.
ماشية ليل بخفة، شنطتها على كتفها، وشعرها الأسود بيتحرّك مع الهوا بخفة كده، ورؤى ماشية جمبها مش ساكتة لحظة:
"والنبي يا بنتي، المحاضرات الصبح دي مؤامرة ضد الجمال!
مين عنده طاقة يفكّر الساعة تسعة الصبح؟!"
ضحكت ليل وقالت وهي بتغلس عليها:
"الجميلات يا رؤى مش محتاجين يفكّروا أصلاً!"
رؤى فتحت عينيها بدهشة مصطنعة:
"هاه! بتقولي كده عشان جبتي عشرين في المشروع، وأنا نسيت أضيف المراجع!"
ليل وهي بتضحك:
"ما قلتلك قبل كده، ما تعتمديش على ذاكرتك بعد نص الليل!"
فضلوا يضحكوا سوا وهما بيعدّوا من الساحة، وماخدتش ليل بالها إن في راجل واقف عند البوابة، عينه متعلقة بيها بصمت تقيل.
كان عاصم القاسمي واقف ببدلة رمادي غامق، أنيق أوي، كأنه طالع من إعلان عطور.
عينه السودة بتتابعها — البنت اللي كان يعرفها قبل كده من صور وملفات وتقارير بس.
بس دلوقتي؟
هي حقيقية.
بتتحرك، بتضحك، وبتنادي الحياة ببراءة تِغلي جواه إحساس غريب مش عارف له اسم.
همس لنفسه بصوت واطي كأنه بيكلم شبح قديم:
"أهو انتي أخيرًا… يا بنت زياد الزهراوي."
قرب بخطوات بطيئة، شايل شنطة صغيرة بإيده، ماشي بين الطلبة بعينه اللي متشوفش غير وش واحد.
كل حاجة فيه كانت محسوبة — خطواته، ملامحه اللي شبه الحجر، والبرود الأنيق اللي مخبّي وراه نار.
عند مدخل القاعة، ليل لفت فجأة وخابطت فيه من غير قصد.
"أوه! آسفة جدًا!" قالتها بسرعة وهي بتبص له.
اللحظة دي الزمن وقف.
بصّت في وشه — غريب، بس في حاجة فيه مألوفة… حاجة حَسّتها قبل كده ومش فاكرة فين.
عينه كانت سابتة عليها، لا فيها قسوة ولا لين، بس فيها عمق… كأنه بيبُص جواها مش عليها.
قال بصوت هادي، نبرته تقيلة:
"خلي بالك أكتر، الطرق هنا مش دايمًا آمنة."
ليل اتلخبطت شوية من كلامه الغامض، وبعدين ابتسمت بخجل وقالت:
"عندك حق، مش هتتكرر. شكرًا على التنبيه."
ابتسم ابتسامة خفيفة بالكاد تتشاف، وقال قبل ما يبعد شوية كأنه بيحفر ملامحها في دماغه:
"احرصي على كده… يا آنسة ليل."
اتجمّدت في مكانها، بصّت له بدهشة:
"إنت تعرفني؟!"
بس عاصم ما ردش.
لف وخرج بخطوات بطيئة، وداب بين الزحمة، سايب وراه سؤال بيزنّ في دماغها وارتباك مش لاقيه تفسير.
رؤى كانت واقفة جنبها، بتتفرج عليه وهو ماشي، وقالت بنبرة فيها خبث وضحك:
"مين الوسيم ده اللي يعرف اسمك قبل ما تعرفيه؟ فيه حكاية وأنا مش عارفاها ولا إيه؟"
ليل قالت وهي لسه متوترة شوية:
"ماعرفش… يمكن سمعه من حد."
رؤى ضحكت وقالت:
"يمكن… أو يمكن وقعتِ في أول مصيبة درامية الترم ده!"
ضحكت ليل بخفة، بس وهي داخلة القاعة، ماقدرتش تمسح النظرة دي من دماغها.
كانت نظرة فيها وعد… وعد مش فاهمة معناه لسه.
*******************
صوت الماتور كان مالي السكون جوّه العربية السودة الفخمة اللي راكنة في حتة مظلّلة جنب سور الجامعة.
عاصم قاعد في الكرسي اللي قدّام، عينيه سابتة عالزجاج الأمامي بس في الحقيقة مش شايفة غير وشّ البنت اللي خبّطت فيه من شوية.
ملامحها طرية، بريئة… وغريبة تمامًا عن عالمه اللي كله حسابات وانتقام.
مدّ إيده ورا وسحب ملف تخين، حطّه على رُكبته وفتحه بهدوء.
في أول صفحة… صورة ليل زياد الزهراوي، متصوّرة يوم حفل تخرّجها من الثانوي.
ابتسم ابتسامة فيها مرارة وخبث وقال لنفسه بهمس:
"زياد عمره ما هيعرف إني قرّبت… غير لما تبقى بنته جزء من دمي."
فتح الباب وجِه سليم الكرخي، لابس بالطو رمادي ونظارة سودا.
قعد جنبه وقال وهو بياخد نَفَس طويل:
"كنت عارف إنك هنا، قلت لنفسي مستحيل يبعد قبل ما يتأكد بنفسه."
عاصم ما ردش، قفل الملف ورماه على الكرسي اللي جنبه وقال بهدوء:
"شُفتها."
سليم اتفزّع:
"شُفتها؟! ليه يا عاصم؟! ما أنا قلتلك متقرّبش منها قبل ما نعرف الحقيقة كلها!"
بصّله عاصم بنظرة باردة كالسيف:
"الحقيقة باينة قدامي من تلات سنين يا سليم… زياد الزهراوي هو السبب في موت رائد."
سليم قال بنبرة فيها وجع:
"لأ يا عاصم، السبب مش هو. أنا دورت أكتر… الأوراق اللي اتوقّعت باسمه مش بخط إيده. في حاجة أكبر من زياد نفسه في الموضوع ده."
عاصم ولّع سيجارته بهدوء قاتل وقال:
"كفاية يا سليم… متحاولش تبرّئ اللي وسّخ إيديه بدم أخويا."
ردّ سليم بحرقة:
"يا عاصم، إنت عارف إني كنت بحب رائد أكتر من نفسي، بس هو كان عارف شغله في الشركة دي خطر. متسيبش الوجع يعميك."
عاصم رمقُه بنظرة فيها جرح وتهديد وقال:
"الوجع هو الحاجة الوحيدة اللي مخلّيني عايش… أما الحقيقة، فهصنعها بإيدي."
سليم بص له مصدوم:
"بإيدك؟! وعلى حساب مين؟ بنت مالهاش ذنب؟!"
عاصم سكت شوية وبعدين قال بصوت هادي يخوّف:
"بنت القاتل ما تتولدش بريئة."
سليم خبط بإيده على الكرسي بغضب وقال:
"إنت مجنون يا عاصم! هتدمّر نفسك قبل ما تدمّره! شُفتها، صح؟ بصّيت في عينيها وشُفت إنها مش عارفة حاجة."
ضحك عاصم ضحكة باهتة وقال وهو باصص قدّامه:
"هي دلوقتي مش عارفة حاجة… بس هتعرف قريب أنا مين.
وهخليها تحبّني بجنون… قبل ما تعرف ليه أنا دخلت حياتها."
سليم سأله بمرارة:
"وتسمي ده انتقام؟"
عاصم ردّ بنبرة جامدة:
"ده مش انتقام… دي العدالة."
ضغط برجله على البنزين، والعربية انطلقت زي وحش أسود بيشق الطريق، وساب وراه سليم ساكت وصوت الجملة بيرنّ في ودنه:
"بنت القاتل ما تتولدش بريئة."
*********************
القاعة رقم ٢٠٤ كانت عاملة دوشة رهيبة، الطلبة قاعدين يتكلموا ويضحكوا، في اللي بيتثاوب، واللي ماسك ورقه بيذاكر بخوف كدّاب، واللي متفقين يزوغوا قبل الدكتورة ما تيجي.
في الصف التاني، كانت ليل قاعدة جنب رؤى اللي لابسة نضارة شمس وكأنها داخلة فيلم تحقيقات.
وراهم كان زين متمدد على الكرسي باستهتار، وقدامه سليم الشرقاوي مركز في المذكرة كأنه داخل امتحان مصيري وسط كل الهيصة دي.
رؤى (تهمس):
– الساعة فعلاً تسعة وخمس دقايق؟ إزاي لسه ما جاتش؟ دي مخالفة لقوانين الطبيعة! الدكتورة سامية عمرها ما اتأخرت!
زين (بصوت تمثيلي):
– لأ يا ستّي، ده دليل إن نهاية العالم قربت! أول ما سامية تتأخر… اعرفي إن الكوكب خرب!
ليل (تضحك وهي بتغطي بقها بإيدها):
– زين، لو سمعتك، هتحذفك من سجل الطلبة للأبد!
زين:
– تحذفني عادي، أنا أصلاً عايش في قائمة الانتظار بقالّي سنتين!
سليم (يرفع عينه من الورق):
– يا زين، بدل الهزار ده، ذاكر، دي هتسألك النهارده عن الفصل التالت.
زين (ينطّ):
– أوووه! بلاش الاسم ده! “الفصل التالت” عند سامية كأنه تعويذة ممنوعة!
رؤى (تضحك):
– زين، والله لو كنت في العصور القديمة كانوا حطّوك في السيرك!
زين (ينحني بمبالغة):
– لأ يا هانم، كنت هبقى ملك المسرح وشاعر القاعة ٢٠٤!
ليل (تبتسم):
– والجايزة الكبرى… طرد نهائي من الجامعة!
ضحكوا كلهم، حتى سليم اللي نادرًا ما بيضحك، ما قدرش يمسك نفسه وقال:
– يا عم، لو سامية دخلت وشافتك بتضحك كده، هتخليك إنت اللي تدي المحاضرة!
زين (بنشاط):
– تمام! هبدأها وأقول: “أهلاً بيكم يا طلبة الأعزاء، النهارده هنتكلم عن طرق النجاة من سامية من غير ما تخسروا درجاتكم ولا كرامتكم!”
رؤى (تضحك):
– زين، كفاية، كده هتستدعيها بالأرواح!
وفجأة… الباب اتفتح بعنف!
القاعة سكتت في ثانية.
دخلت الدكتورة سامية بخطوات ثابتة، شايلة ملفاتها، وعنيها بتلفّ على الطلبة كأنها قائدة كتيبة.
سامية:
– صباح الخير… واضح إن المسرحية بدأت من غيري!
زين (يهمس لليل وهو مرعوب):
– الأرواح فعلاً استدعتها!
ليل (تهمس بخبث):
– ما تقلقش، هاحجزلك قبر صغير جنب القاعة… شكلك مش هتطلع منها عايش!
ضحكت بخفة وهي بتبصّ لقدّام، وسامية خبطت على الطاولة وقالت بجدية:
– طيب، نبدأ… واللي هيجاوب على سؤالي الأول هو بطل اليوم!
كلهم بصّوا على زين، اللي قال بصوت متهدّج:
– أنا مش بطل… أنا ضحية!
رؤى انفجرت من الضحك ومقدرتش تمسك نفسها، وليل حطّت إيدها على وشها وهي مستنية الكارثة اللي جاية.
***********************
المكتب الكبير اللي في آخر دور كان غارق في نور الشمس اللي داخل من الشبابيك الزجاج الكبيرة.
زياد الزهراوي كان قاعد ورا مكتبه الضخم، الورق مرمي حواليه، بس عينيه مش على الورق…
كان بيبصّ على صورة صغيرة متعلّقة على الحيطة — صورة قديمة ليه مع صاحبه اللي راح زمان، خالد القاسمي، أبو عاصم ورائد.
دخل أدهم بخطوات هادية شايل شوية ملفات، وراه مراد الشرقاوي، أبو سليم.
التلاتة باين عليهم تعب السنين، والهموم اللي ما خلصتش لحد دلوقتي.
زياد (بصوت واطي):
– تلات سنين يا مراد… تلات سنين وإحنا لسه بندور في نفس الدايرة.
مراد (بتنهيدة):
– رائد كان زي ابني يا زياد… كل ما أفتكر وشّه، قلبي مش بيصدق إن اللي عمل كده لسه حرّ.
أدهم (وهو بيحط الملفات على المكتب):
– البوليس قفل القضية بعد كام شهر، بس إحنا عارفين إن في حد لعب في الأدلة.
زياد (يقوم من مكانه بهدوء):
– خالد كان من أنضف الناس اللي عرفتها… خسر ابنه، وبعدها هو نفسه ما استحملش.
موته بعد الحادث مش صدفة… دي كانت روحه اللي اتكسرت.
يسكتوا شوية، والجو يبقى تقيل، قبل ما زياد يكمل بنبرة حزينة:
– كل اللي عايزه دلوقتي… أعرف الحقيقة.
مين قتل رائد؟ وليه؟
مراد (بهدوء):
– سمعت إن عيلة الصاوي ليهم ابن تاني… اسمه عاصم، صح؟
زياد (يهز راسه):
– أيوه… خالد كلّمني عنه مرة واحدة بس.
قال إنه مختلف شوية… غامض، ومبيحبش الظهور.
أنا شخصيًا ما شفتوش أبدًا.
أدهم:
– ما نحاولش ندور عليه؟ يمكن يعرف حاجة.
زياد:
– حاولت، بس ولا حد من اللي عرفوا خالد شاف ابنه بقاله سنين… كأنه اختفى من الدنيا.
مراد (يهمس بتوتر):
– ساعات بحس إن الغياب الطويل ده وراه حاجة… يمكن عاصم ده شايل حاجة في قلبه.
زياد (يرفع حاجبه ويبص له باهتمام):
– تقصد إنه يعرف الحقيقة؟
مراد:
– أو يمكن… عايشها بطريقته.
يسود صمت تقيل كده، كأن الجملة دي رمت ظِلّ غامض في المكان.
وبعدين أدهم يكسر الصمت:
– المهم دلوقتي نفتح الخيوط تاني.
أنا هراجع كل الأسامي اللي كانت بتتعامل مع رائد قبل ما يموت.
زياد (بحزم):
– اعمل كده.
ومش هرتاح غير لما اسم القاتل الحقيقي يظهر قدامي.
مراد (بحذر):
– بس خُد بالك يا زياد… أوقات الحقيقة ما بتداويش، بتفتح جرح جديد.
يبصّ زياد من الشباك ناحية المدينة البعيدة، ويقول بنبرة فيها إصرار:
– حتى لو فتحت ألف جرح… مش هسمح إن خالد ولا ابنه يتنسوا.
يمشي ناحية الصورة القديمة، يمد إيده ويلمسها بإيده المرتعشة،
ويهمس كأنه بيكلم صاحبه اللي راح:
– وعد مني يا خالد… هاعرف مين اللي دمّر حياتكم،
حتى لو اضطرّيت أواجه الدنيا كلها.
***********************
الجو كان لسه هادي، وبعد شوية صمت تقيل، مراد الشرقاوي تنفّس بعمق كده كأنه بيحاول يكسّر الكآبة اللي غطّت المكان.
مراد (مبتسم بخفة):
– كفاية بقى كلام عن الموت يا رجالة… الحياة كمان تستاهل شوية فرح، مش كده؟
زياد (بيرفع عينه له باستغراب بسيط):
– في إيه يا مراد؟ شكلك مخبّي خبر حلو؟
ابتسامة مراد وسعت، وعينيه لمعت بفخر واضح:
– أكتر من خبر كمان… عايز أقولكم إن بنتي ريما قرّرت تتجوز أخيرًا.
أدهم (يقوم من مكانه مصدوم وفرحان):
– بجد؟! ريما؟ الصغيرة اللي كانت بتجري ورانا بالحلويات أيام الجامعة؟!
مراد (ضاحك):
– أيوه يا راجل، الصغيرة كبرت، وداخلين على جواز دلوقتي.
زياد (مندهش وفرحان):
– يا نهار أبيض! ريما؟ ما شاء الله، ألف مبروك يا مراد… تستاهل كل خير.
مين بقى العريس السعيد الحظ؟
مراد:
– شاب جزايري محترم، اسمه كامل بن يوسف. اتقابلوا في مؤتمر استثماري في دبي، والدنيا جريت بسرعة.
شاب طموح ومؤدب، وناوي ياخدها تعيش معاه في الجزائر العاصمة بعد الجواز.
زياد (بحماس):
– كامل الجزايري! أيوه أعرفه، سمعته طيبة جدًا. ربنا يتمملهم على خير يا رب.
أدهم:
– طب وامتى الفرح؟
مراد:
– الشهر الجاي إن شاء الله.
وعشان كده أنا حبيت أعزمكم رسمي النهارده،
إنت وعيلتك يا زياد، وإنت كمان يا أدهم.
اليوم ده كبير بالنسبالي، ومش هيكمل من غيركم… إنتو إخواتي مش مجرد صحاب.
زياد (يمد إيده يصافحه بحرارة):
– إحنا فعلاً عيلة واحدة يا مراد.
تصدق؟ أنا فرحان بالخبر ده كأنها بنتي.
ريما كبرت قدامي زي بناتي بالظبط.
أدهم (مبتسم):
– وكمان هي أخت رؤى وليل بالروح، أكيد ليل هتغرقها أسئلة عن الجواز من أول دلوقتي!
مراد (ضاحك):
– تسيبها تسأل، يمكن المرة الجاية نبارك لها هي!
زياد (بيضحك):
– العاقبة لبناتنا يا رب… رؤى الأول عشان الكبيرة، وبعدين ليل لما تبطل عناد شوية.
أدهم (ساخر):
– رؤى؟ دي هتخطب شغلها قبل ما تخطب راجل!
مراد (مبتسم):
– أما ليل… دي مختلفة. فيها براءة تكفي تسيّح أقسى قلب.
زياد (بحنان واضح):
– دي فعلاً قلب البيت يا مراد، ضحكتها بتشيل الهم من عليا كل صباح.
مراد:
– احمد ربنا عليها يا صاحبي، مش كل أبّ ربنا بيرزقه ببنت بتنور له الدار كده.
تتقابل نظرات التلاتة في لحظة دافية نادرة،
نسيوا فيها كل اللي فات من ألم وخلافات وجروح.
ضحك بسيط يملأ المكتب، وكوبايات القهوة بتترفع نُخبًا للفرح اللي جاي.
بس وهم بيتكلموا ويتمنّوا الخير،
عدّت قدام الشباك عربية سودا فخمة،
جواها راجل لابس نضارة غامقة، واقف بيراقبهم من بعيد.
ميل شوية لقدّام، والنور كشف عن وشّه —
عاصم القاسمي، عينيه سابتهم من غير ولا كلمة.
همس لنفسه بصوت واطي، وابتسامة خفيفة رسمت على شفايفه:
– الفرح ما بيطوّلش يا زياد…
وهعلّمك يعني إيه تخسر اللي بتحبه.
العربية اتحركت بهدوء بعيد عن المكان،
وسابت وراها بداية خيوط قدر بتلف حوالين الكل… من غير ما حد يحس.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
ليل زياد الزهراوي (19 سنة)-البطلة- : فاتنة بعيون رمادية وشعر أسود كالليل، بيضاء البشرة رشيقة القوام، مزيج من الدلال والبراءة. شخصيتها مرهفة وحساسة، لكنها تملك روحًا جريئة تطلّ على العالم بفضول لم يُروَ بعد.
عاصم خالد القاسمي (31 سنة)- البطل- : رجل طويل عريض الكتفين بملامح قاسية ووسامة قاتلة، عيناه داكنتان تخفيان أسرارًا عميقة. بارد ظاهريًا، كاريزمته تفرض الهيبة، لكن قلبه يحمل مشاعر عنيفة تجاه ليل يخفيها خلف قناعه الغامض.
سليم الشرقاوي (21 سنة): وسيم أنيق بعيون زرقاء وشعر بني فاتح، ابتسامته دافئة دائمًا. عاش في الخارج بروح منفتحة، مرح ومخلص، ينظر لليل كأخته الصغيرة التي يحميها.
زين (25 سنة): معيد وسيم بشعر أسود مموج وعيون كحيلة، جسده رياضي وصوته يحمل خفة الروح. مرح ومحبوب لكنه يخفي في أعماقه جرحًا قديمًا.
رامي (27 سنة): شاب وسيم بوسامة ناعمة، عيناه خضراوان وشعره بني فاتح، ابتسامته ساحرة. مغامر جريء يجيد الغزل، طائش بعض الشيء، إعجابه بليل يتحول لصراع يثير غيرة عاصم.
نيروز (23 سنة): شابة فاتنة بشعر أشقر طويل وعيون زرقاء صافية، حضورها يخطف الأنظار. شخصيتها واثقة لكنها طيبة، تكن إعجابًا بعاصم لكن من دون خبث، بل تقف بجانب ليل وتدعمها في محنتها.
زياد الزهراوي (45 سنة): رجل طويل مهيب، شعره أسود يختلط بالشيب، وملامحه صارمة تعكس خبرته في الحياة. في داخله أب حنون لكنه يضع العائلة دائمًا في إطار الانضباط والمسؤولية.
حور الزهراوي (42 سنة): جميلة راقية بعيون عسلية وابتسامة دافئة، امرأة حنونة لكنها قوية، تعرف كيف توازن بين قلبها وعقلها.
أدهم الزهراوي (12 سنة): نحيل بوجه ذكي وعينين لامعتين، فضولي لا يهدأ، دائم السؤال وكأنه يريد أن يكبر أسرع من عمره.
مازن الزهراوي (10 سنوات): ممتلئ بعض الشيء، ملامحه بريئة وابتسامته مشاكسة، طفل مرح لا يعرف الهدوء.
أدهم الزهراوي (48 سنة): رجل قوي البنية بملامح جادة، يعيش بروح المسؤول الذي لا يتنازل عن واجبه تجاه العائلة.
جميلة أحمد (40 سنة): سيدة أنيقة الملامح رقيقة الحضور، طيبة القلب، حذرة دائمًا وكأنها تخشى على أولادها من العالم.
رؤى الزهراوي (19 سنة): فتاة رقيقة بشعر بني وعيون خضراء، هادئة وخجولة لكنها تحمل قلبًا وفيًا لا يتغير، صديقة ليل الأقرب.
كارم الزهراوي (5 سنوات): طفل صغير ممتلئ بالحيوية، عيناه سوداوان بريئتان، مدلل العائلة وضحكته تذيب القلوب.
مازن الزهراوي (42 سنة): رجل عملي بملامح قوية، يشبه شقيقته حور، عقلاني وهادئ، يزن الأمور بدقة.
ملك الزهراوي (38 سنة): سمراء الملامح الشرقية، روحها حنونة وصوتها مطمئن، عمة محبوبة.
محمد الزهراوي (11 سنة): فتى طويل قليلًا بالنسبة لعمره، وجهه بريء، شخصية هادئة تميل للكتب أكثر من اللعب.
دي بداية رواية جديدة، وأول فصل بينزل بهدوء.
رجوعي مش هيكون بنفس الحماس القديم، بس حابة أكمّل خطوة خطوة.
دعواتكم لأخويا بالرحمة، وربنا يعوّض صبري ويقوّيني على اللي جاي.
وجودكم وتشجيعكم بيفرق معايا جدًا 🤍
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 2
في فيلا الزهراوي
أنوار النجفة كانت منعكسة ع السفره الكبيرة، والعيلة كلها قاعدة حواليها، ريحة الرز والتوابل مالية الجو.
ضحك خفيف بيتخلل الكلام، وصوت الملاعق والشوك متداخل مع جوّ دافي يخلي الواحد يحس إن الدنيا بخير.
حور (وهي بتحط أكل في طبق ليل):
"كُلي يا ليل، انتي من الصبح ما حطّيتيش حاجة في بُقّك."
ليل (بتضحك):
"والله يا ماما كلت! بس اليوم كان طويل أوي، الجامعة مطلعتش فينا رحمة!"
زياد (بيبصلها بابتسامة أبوية):
"واضح إنك مبسوطة رغم التعب… في حاجة حصلت؟"
ليل (بحماس):
"كتير أوي يا بابا! أولًا كنت هنطرد من محاضرة الدكتورة سامية بسبب زين!"
مازن (مندهش):
"زين؟ مين ده؟!"
ليل:
"زميلنا في الجامعة، متقلقش، مفيش منه خطر، بس لسانه طويل أوي!"
أدهم الصغير (بجدية مضحكة):
"اللسان الطويل دي مصيبة يا ليل، خدي بالك منه."
ليل (بتضحك):
"تمام يا سيادة المستشار الصغير، بكرة هاعمله إنذار رسمي!"
حور (بتكتم ضحكتها):
"ومين غير زين؟ ما قولتيش إن رؤى كانت معاكي؟"
ليل:
"أيوه! كانت بتموت من الضحك على كلامه عن الدكتورة سامية. وسليم كالعادة بيحاول يهدينا كأنه وليّ أمرنا!"
زياد (مبتسم):
"سليم الشرقاوي… ابن مراد؟ ما شاء الله، طالع عاقل زي أبوه بالظبط."
ليل:
"أه بس احنا بنحب نغلس عليه شوية، في الآخر بيضحك غصب عنه."
مازن (ضاحك):
"لو أنا مكانه كنت صرخت فيكم!"
ليل:
"علشان كده انت لسه صغير يا مومو، الصراخ دي مهارة الكبار بس!"
مازن:
"أنا مش صغير! عندي عشر سنين!"
أدهم الصغير:
"بس عارف إن فيزياء الكوانتم ما بيدرسهاش غير اللي فوق الستاشر سنة؟"
مازن (متضايق):
"يانهار أبيض! هو انت هتبدأ بالفيزياء تاني؟!"
زياد (بيضحك):
"خلاص يا ولاد، كفاية خناق، خلينا ناكل قبل الأكل يبرد وأمكم تزعل."
حور:
"أنا أصلًا زعلانة لو محدش خلص طبقه!"
الضحك مالي السفرة تاني.
ليل تمسك كباية المية وبصّة لعيلتها بعينين فيها حب وسعادة. لحظة نادرة كده تنسيها تعب اليوم كله.
فجأة زياد يتنحنح، يحط المعلقة، ويقول بنبرة دافية:
"على فكرة… عندي خبر حلو."
الكل سكت وبص له.
حور:
"خير يا رب؟"
زياد:
"مراد صاحبنا دعا العيلة كلها فرح بنته ريما الشهر الجاي. وبعد الجواز هتعيش في الجزائر."
ليل (بفرحة):
"ريمااا! مش مصدقة! كنت عارفة إنها مش هتفضل كتير من غير ما حد يخطفها!"
زياد (ضاحك):
"واللي خطفها شكله راجل محترم جدًا!"
حور:
"أنا مبسوطة قوي ليها، دي كانت بنت مؤدبة ومكتهدة."
ليل (بحماس):
"هاكلمها بعد العشا على طول! لازم أكون أول واحدة تباركلها!"
أدهم الصغير:
"هتسافري الجزائر؟"
ليل:
"مين عارف؟ يمكن أزورها بعد الجواز وأبعتلك صور من هناك!"
مازن:
"ما تنسيش تجيبيلي هدية!"
ليل:
"وعد! هاجيبلك علم الجزائر الأخضر والأبيض تعلقه فوق سريرك!"
زياد:
"مبسوط أوي إن البيت رجع فيه طاقة كده بعد فترة هدوء."
حور:
"الفضل لليل، وجودها بينور المكان."
ليل:
"بلاش كلام حلو كتير وإلا هغني!"
مازن:
"لاااااا!"
أدهم الصغير:
"أرجوكي متعمليش كده!"
حور (ضاحكة):
"خلاص يا جماعة، قبل ما العشا يبقى حفلة، كله يخلص طبقه!"
*******************
في أوضة ليل
الإضاءة كانت دافية وهادية، والستارة بتتحرك بهوا المسّا.
ليل قاعدة على السرير، ماسكة الموبايل وبإيدها ابتسامة عريضة، مستنية الرد.
ما استنتش كتير، فجأة جه صوت ناعم وهادي من الناحية التانية:
ريما:
"أخيرًا افتكرتي تتصلي بيا يا ست التأجيل الدايِم!"
ليل (بتضحك):
"هيي! ما تبتديش بالسخرية قبل ما أباركلك! ألف مبروك يا أجمل عروسة في الدنيا!"
ريما (بضحكة باينة في صوتها):
"الله يبارك فيكي يا لولتي، كنت متأكدة إن الخبر هيبهجك."
ليل:
"هيبهجني؟! ده أنا طايرة من الفرح! إزاي خبّيتي عليا الخبر الضخم ده؟!"
ريما:
"كنت عايزة أقولك بنفسي وشّ لوش، بس باباكي سبقني. بصراحة ما كنتش متخيلة إنك تعرفي بسرعة كده."
ليل (بتتدلّع وزعلانة تمثيل):
"كالعادة! الأخبار تسبقني! طب احكيلي، مين هو؟ إزاي تعرفتوا؟ بتحبيه؟ ها يخطفك مني للأبد؟!"
ريما تضحك بخفة وترد بنغمة هادية:
ريما:
"اسمه كامل بن يوسف. إنسان طيب جدًا، محترم ومتفهم. اتقابلنا في مؤتمر شغل في دبي من سنة، وبعد كده الدنيا مشيت بسرعة… وها إحنا بنجهز للفرح."
ليل (بحماس):
"جزائري؟! يا سلام! كده عندي سبب أسافر! هاجي أزورك بعد الجواز وأبوّظلك البيت!"
ريما:
"وهو ده اللي أنا خايفة منه يا ليل!"
يضحكوا الاتنين بصوت عالي، ضحك ناعم ودافي، بس فجأة الباب يتفتح، ومازن الصغير داخل بشعره منكوش وعنيه مفنجلة:
مازن:
"بتكلمي مين يا ليل؟"
ليل:
"بتكلم ريما العروسة الجميلة!"
مازن:
"عروسة؟ يعني هتلبس فستان أبيض؟!"
ريما (من الموبايل وهي بتضحك):
"أيوه يا بطل، فستان أبيض وتاج صغير كمان!"
مازن:
"واااو! طب ممكن أجي الفرح؟"
ريما:
"أكيد يا حبيبي، هتكون ضيفي المميز!"
ساعتها يدخل أدهم الصغير شايل كتاب وباين عليه الديق:
أدهم:
"ممكن توطّوا الصوت شوية؟ أنا بحاول أقرأ."
ليل (ساخرة):
"فيزياء تاني؟"
أدهم:
"لأ، تاريخ المرة دي… قلت أقرأ حاجة أخف."
ريما:
"آه يا أدهم، ما تغيّرتش خالص! لسه أعقل من أختك الكبيرة!"
ليل:
"خيانة! حتى إنتي يا ريما؟!"
ريما:
"الحق يتقال يا صغيرة."
مازن:
"هي مش صغيرة… دي ضخمة!"
ليل:
"ماااااازن!"
الكل ينفجر ضحك، حتى ريما من السماعة صوتها مليان فرحة.
ليل تاخد نفس عميق وتقول بنغمة هادية بعد الضحك:
ليل:
"مش قادرة أصدق إنك هتمشي… حاسة إن جزء مني هيروح معاكي."
لحظة صمت خفيفة، وبعدين ريما ترد بصوت كله حنية:
ريما:
"مش همشي منك يا ليل. المكان ممكن يتغيّر، بس القلوب ما بينهاش مسافات. وهكلمك كل يوم لحد ما تزهقي مني."
ليل (بهدوء):
"مستحيل أزهق منك."
ريما:
"يبقى وعد؟ تيجي الفرح وتقعدي جنبي، وتكوني أول وش أشوفه وأنا داخلة الممر؟"
ليل:
"وعد."
ليل تبتسم وهي بصّة في الموبايل بعد المكالمة، عنيها فيها خليط بين الفرح والحنين.
تحط الموبايل ع المخدة، وتتمدّد على السرير، وصوت ضحك إخواتها لسه مالي البيت وبيعمل جوّ دافي كده يخلي القلب يبتسم.
********************
الضوء الخافت بيرقص فوق وشوش تعبانة وضحكات مزيفة.
المزيكا العالية ماليه المكان، بس في رُكن ضلمة شوية، قاعد عاصم القاسمي مِتكّي على الكرسي الجلدي، قدّامه كاس بيلفّه بين صوابعه ببطء.
حواليه بنت لابسة فستان لامع، مالت عليه بابتسامة مصطنعة وهمست له بكلمتين محدش سامعهم وسط الدوشة.
ما بصّش لها حتى، عينيه تاهين في الهوا، وبرود غريب على وشّه.
على الترابيزة اللي قصاده، قاعد نديم بيراقب المشهد بابتسامة خفيفة، عينيه فيها لمعة خبث كده، مستمتع باللي بيشوفه.
جنبه سليم الكرخي وبيجاد، والتنين باين عليهم التوتر من حالة عاصم.
نديم (بصوت عالي علشان يسمعه وسط الزحمة):
"خليها تِنسيك يا عاصم… النسيان ساعات محتاج شوية لعب ولهو!"
سليم (بحدّة):
"كفاية يا نديم، مفيش نسيان بالطريقة دي. انت كده بتولّعها أكتر."
نديم (بابتسامة مايلة):
"بالعكس، أنا بحاول أخليه يفضل واقف على رجليه. لو ما نسيش… هينهار. مش كده يا عاصم؟"
يرفع عاصم عينه ببطء، صوته واطي بس مليان نار:
"النسيان؟… أنا مش عايز أنسى.
أنا عايز أفتكر… كل لحظة، كل وشّ… علشان لما أبدأ، ما أرحمش حد!"
يسود سكون تقيل للحظة.
البنت اللي كانت جنبه ابتسمت بخفة، وبعدها قامت تبعد لما شافت النظرة اللي في عينيه — نظرة راجل الماضي بيأكله أكل.
سليم (بيميل عليه بقلق):
"يا عاصم، اسمعني… ما تسيبش الكره ياكلك. إحنا لسه ما عرفناش الحقيقة كلها… زياد الزهراوي مش هو اللي انت فاكره."
يضرب عاصم الترابيزة بقبضته فجأة، وكل اللي حواليه يسكتوا لحظة.
عاصم (بصوت خشن):
"كفاية يا سليم! الحقيقة واضحة… رائد مات بسببهم، ودمه مش هيضيع!"
بيجاد (بهدوء متعصب):
"بس ده مش طريق العدل يا عاصم. طريقك ده مش هيرجع حد… هيخليك تبقى زيّهم بالظبط."
نديم (بيتدخل بابتسامة باردة):
"سيبوه يقرر بنفسه يا بيجاد.
العدالة ساعات مش بتدور على الطيبة… ساعات محتاجة إيد قاسية علشان ترجّع التوازن."
سليم (بغضب مكبوت):
"توازن؟ ولا دمار؟ ما تضحكش عليه بكلامك، انت بتستمتع وهو بيتكسر!"
بصّ له نديم بنظرة جانبية هادية، بس كلها احتقار صامت.
وفي الوقت ده، عاصم ولّع سيجارته ببطء، والدخان طلع قدّامه، كأنه شايف فيه وشوش من ماضيه.
عاصم (بنبرة غليظة، وهمس):
"أنا مش بدوّر على النسيان… أنا بدوّر على النهاية."
قام من مكانه بهدوء، من غير ما يبصّ لحد، ومشي بخطوات ثابتة وغامضة، سايب وراه المزيكا العالية والوشوش المتلخبطة —
سليم القلقان، بيجاد الغاضب، ونديم اللي عينيه فيها لمعة انتصار خفي.
******************
أنوار الفيلا كانت بتنعكس على الواجهه الزجاج الكبيرة، وضحك خفيف طالع من جوه.
في أوضة المعيشة الواسعة، كانت جميلة، مرات آدهم، قاعدة على الكنبة بتقلب في مجلة ديكور، وصوت التلفزيون واطي في الخلفية.
من المطبخ خرجت رؤى شايلة كباية عصير، وقالت بابتسامة شقيّة:
رؤى: "بابا اتأخر تاني… أكيد غرق في شغل الشركة كالعادة."
جميلة (بحنان وهي بتضحك):
"هو ما بيغرقش يا حبيبتي، هو بيستخبى من أكلك اللي ولّع المطبخ المرة اللي فاتت!"
رؤى (بتتظاهر إنها زعلانة):
"مامااا! دي كانت تجربة بريئة! المقلاة هي اللي ولعت، مش أنا!"
قبل ما ترد، نزل أيهم من فوق وهو بيزعق:
أيهم: "مامااا! شوفي عملت إيه! بنيت قلعة ليجو أطول مني!"
جميلة (بتضحك):
"يا نهار أبيض يا أيهم! بس بالله ما تهدّها زي المرة اللي فاتت!"
أيهم (بحماس):
"لأ المرة دي تمام! حتى عامل فيها طيّارة بتهبط فوق البرج!"
رؤى (حطت إيدها على راسها بتعب ساخر):
"آه ما شاء الله، عبقري الهندسة الجديد! بس يا ريت ما تقعش القلعة علينا وإنت بتجربها!"
يدخل آدهم الزهراوي أخيرًا من الباب، بيفك الجاكيت وهو بيبتسم ابتسامة تعب خفيفة:
آدهم: "ما شاء الله… بيتنا بقى مطار وقلعة في نفس الوقت!"
يجري عليه أيهم يحضنه بقوة:
أيهم: "بابا! بابا! شوفت القلعة؟ فيها طيّارة!"
آدهم (منحني عليه وهو بيضحك):
"أكيد شوفت يا بطل، بس أوعى تقلع فوق دماغي المرة دي!"
الكل بيضحك، ورؤى تقعد جنبه وتقول بمرح:
رؤى: "بابا، خالي زياد عزمنا على فرح ريما بنت عم مراد! لِيل قالتلي إن كلهم هييجوا، وأنا كمان رايحة!"
آدهم (بيهز راسه مبتسم):
"سمعت من خالك فعلاً… فرح كبير كده لازم نحضره كلنا. مراد راجل محترم، وريما بنت كويسة… تستاهل كل خير."
جميلة (بتبتسم بخفة):
"ياااه، ما كنتش مصدقة إنها هتتجوز! كنت بشوفها بتلعب مع رؤى وهما صغيرين."
رؤى (بحماس):
"كنت أتمنى أكون وصيفتها، بس كله حصل بسرعة! على الأقل هنلبس فساتين فخمة!"
أيهم (مقاطع بضحك):
"وأنا؟ ألبس بدلة زي المافيا؟"
آدهم (بيضحك وهو بيربّت على كتفه):
"أكيد، بس بشرط ما تحولش الفرح لحلبة سباق!"
أيهم: "ولا يهمك يا بابا، بس لو في كيكة شوكولاتة… اعتبرها راحت!"
جميلة (بتضحك وهي ماسكة وشه):
"يا لهوي يا ابني! هتخلص الكيكة قبل ما العرسان يوصلوا!"
ضحكوا كلهم بصوت عالي، والجو بقى مليان دفء وسعادة.
بس ورا ابتسامة آدهم، عدى طيف قلق خفيف —
حاجة في نظرات زياد لما اتكلموا في الشركة عن خالد القاسمي… والبحث اللي لسه ما خلصش.
آدهم (مخبي أفكاره بابتسامة صغيرة):
"طيب، جهزوا نفسكم بكرة نروح نزور خالك زياد قبل الفرح، نرتب معاه التفاصيل."
رؤى: "تمام يا بابا!"
أيهم: "بس بشرط أركب عربيتك السريعة!"
آدهم (ضاحك):
"اتفقنا! بس تربط الحزام الأول يا كابتن طيّار!"
******************
الليل كان مغطي الفيلا الكبيرة اللي على أطراف القاهرة، وصوت عربية فخمة بيشقّ الهدوء.
العربية وقفت قدام المدخل الحجري الكبير، ونزل منها سليم الكرخي ماسك دراع عاصم اللي بالكاد واقف، مترنّح من أثر الشُرب.
سليم: "يلا يا بطل، كفاية حفلات النهارده، إنت بالعافية واقف!"
عاصم (بيضحك بسخرية، صوته مبحوح): "أنا تمام… بس الدنيا بتلفّ شويه."
نزل بيجاد من الناحية التانية وقفل الباب بقوة.
بيجاد: "اللي حصل ده مش طبيعي! نديم اختفى من نص السهرة، وما ردش على تليفونه بعد كده!"
سليم (وهو بيسنده بخطوات تقيلة ناحية الباب):
"مش مستغرب، تصرفاته بقت غريبة أوي اليومين دول… دايمًا بيكلمنا بنص كلمة كده، كأنه عارف حاجات أكتر منّا."
بيجاد: "أيوه، وأنا كمان حاسس إنه بيولّعها بينك وبين عاصم. النهارده لما فضّل يشجّعه يشرب، حسّيته بيغذّيه سمّ وهو بيضحك!"
سليم (يوطّي صوته وهو بيفتح باب الفيلا الكبير):
"أنا ساعات بحسّ نيّته مش سليمة، بس مش متأكد… كأنه بيحاول يجرّ عاصم لطريق ما يرجعش منه."
عاصم (بيضحك بخفوت وهو بيترنّح):
"سيبكم من نديم… كلكم فاكرين إنكم عارفين الحقيقة… بس محدّش فيكم حاسس بوجع اللي خسر أخوه."
سليم (يبص له بحزن):
"عارفين يا عاصم، بس الانتقام مش هيرجع رائد."
عاصم (بنظرة حادة، عنيه حمرا من الغضب):
"بس هيهدّ اللي هدّاني… وهيدفنهم بنفس التراب اللي غطّاه!"
يسود صمت تقيل.
بيجاد يومي برأسه ناحية السلم:
"تعالى نطلّعه فوق، مش هيقدر يطلع لوحده."
يشيل بيجاد صاحبه بخبرة، وسليم ياخد الزجاجة من إيده ويرميها في الزبالة من غير كلمة.
في الدور اللي فوق، بيجاد يفتح باب أوضته ويحطه بهدوء على السرير الكبير، ويغطيه بالبطانية.
بيجاد (بهمس وهو بيشوفه بيغفو):
"لو يعرف إن مش كل اللي حواليه بيحبوه…"
سليم (يتمتم):
"هو اللي بنا الحيطان دي حواليه بإيده."
يبصّوا لبعض بنظرة تعب، وبعدين سليم يقول:
"روح إنت، أنا هاطلع أشوف رُبى قبل ما أمشي."
بيجاد (بيهزّ راسه بتعب):
"ماشي… بس ما تتأخرش، شكلك ما نمتش بقالك يومين."
بيجاد يخرج بخطوات هادية، وسليم يتّجه للجناح الشرقي من الفيلا.
يفتح الباب برفق، جوه الأوضة في سكون ناعم، ريحة ياسمين مالية المكان، وضوء أباجورة خافت بينعكس على وش رُبى القاسمي — بنت في العشرينات، نايمة على السرير، عنيها الرماديّة بتتابع كل حركة بوعي موجع.
يقعد سليم جنبها، يبتسم بحنان ويقول بهدوء:
"مساء الخير يا ملاك البيت… سامحيني على التأخير، كنت مع أخوكي العنيد كالعادة."
أصابعها ترجف شوية، حركة خفيفة بالكاد تبان.
سليم (يمسك إيدها برفق):
"عارف إنك سامعة وفاهمة كل حاجة… شايفاه وهو بيضيع، وأنا عاجز أوقفه."
دمعة تلمع في عينها.
سليم: "اللي حصل لـ رائد مش سهل… بس أنا حاسس، حاسس إن في حاجة ناقصة، في حد مخبّي حاجة… ويمكن إنتِ الوحيدة اللي تعرفيها."
عنيها اتّسعت شوية، وشفايفها اتحركت ببطء… كأنها بتحاول تتكلم، بس الصوت مش طالع.
سليم (يحط إيده على كتفها بحنان):
"مهما كان السر اللي جواكي… أنا بوعدك، مش هسيبه يضيع."
******************
كانت الأوضة ساكتة خالص، مفيهاش غير صوت جهاز التنفّس اللي بيشتغل بهدوء، وخرير الميه اللي نازل من النافورة الصغيرة جنب الشباك.
سليم كان قاعد جنب رُبى، بيكلّمها بهمس، وفجأة الباب اتفتح بالراحة، ودخل بيجاد.
وقف عند العتبة شوية، عينه بتلفّ في الأوضة، شاف إيد سليم ماسكة بإيدها، والضوء الدهبي منعكس على وشّها الشاحب الجميل، ودمعة لسه ما نشفتش على خدّها.
حسّ بخبطة في صدره كده من غير ما يقصد.
بيجاد (بصوت واطي ومتردد):
"لسّه صاحيَه؟ كنت فاكرها نايمة."
سليم (بابتسامة خفيفة):
"كانت صاحيَه… بس شكلي كده غلبها النوم دلوقتي."
بيجاد قرب منها بخطوات هادية، حطّ إيديه في جيوبه كأنه بيخبّي توتره، ووقف قريب من السرير.
عينيه معلّقة بيها — ملامحها الرقيقة اللي لسه فيها حتّة حياة رغم الشلل.
بيجاد (بصوت واطي):
"كل مرة بشوفها فيها، نفسي أصرّخ… مش قادر أستوعب إن البنت دي من سنتين كانت بتضحك، والنهارده حتى الكلام مش قادر يطلع منها."
سليم (بيتنهّد):
"هي أقوى من اللي شايفينه، بتفهم كل حاجة… وبتحسّ بكل كلمة بنقولها."
بيجاد (بصوت مهزوز):
"عارف… عينيها بتتكلم أكتر من أي لسان.
كل مرة أبصلها، بحسّ إن في جواها حكاية كبيرة مش عارفة تخرج."
بصّ عليها تاني، والحنين مالي عينيه، النظرة اللي محدش بيشوفها… غيرها.
وفجأة، صباعها اتحرّك خفيف — حركة بسيطة، بس كفاية تخلي قلبه يدق بسرعة.
بيجاد (قريب منها، بيهمس):
"رُبى… سامعاني، مش كده؟"
سليم (يحطّ إيده على كتفه بهدوء):
"هي دايمًا سامعة، بس التعب بيغلبها."
بيجاد قعد على الكرسي اللي قدّامها، وسكت شوية قبل ما يقول:
بيجاد:
"عاصم نسي إنها محتاجاله… بيهرب منها كأنها بتفكّره بحاجة وجعاه، بس هي ملهاش ذنب."
سليم (بمرارة خفيفة):
"هو مش قادر يواجهها… ولا نفسه.
كل ما يشوفها، بيشوف الحادث… الدم… ورائد… وكل اللي حصل بعدها."
بيجاد (بصوت واطي، عينه سابتة عليها):
"أنا لو كنت مكانه، ما كنتش سبتها لحظة."
سليم بصّ له بسرعة، لمَح في عينيه حاجة ما اتقالتش، وابتسم بخفة حنونة:
سليم:
"هي محظوظة بيك يا بيجاد… حتى لو ما تعرفش."
بيجاد حرّك وشّه بعيد عنها شوية، يخبي اللي في عينيه من وجع:
بيجاد:
"أنا مش مهم… المهم ترتاح.
حتى لو بعدين نسيت وشي."
صوابع رُبى اتحركت تاني، كأنها بتردّ عليه…
وابتسامة خفيفة طلعت على وشّها، خلت بيجاد يبتسم غصب عنه.
سليم (واقف بهدوء):
"أنا هاطلع أشوف الحارس برا، وارجع كمان شوية.
خليك معاها لحد ما تنام."
بيجاد (بصوت واطي):
"أكيد."
سليم خرج، وفضل بيجاد لوحده في الأوضة.
قعد جنبها، بيراقب نفسها المنتظم، وقال بصوت مكسور:
بيجاد:
"كنتي بتضحكي بصوت عالي… وبتقولي لعاصم إنك هتسافري تتعلمي طب، تتخصّصي في الأعصاب."
(ابتسامة حزينة)
"والقدر قرر يختبرك بنفس اللي كنتي عايزة تعالجيه."
نزل راسه وقال بهمس مبحوح:
بيجاد:
"لو تعرفي بس… أنا قد إيه مشتاق لصوتك."
سكون.
وبعدين تنهيدة طويلة.
رُبى غفلت بالراحة، وهو لسه قاعد جنبها، عينيه مش بتفارقها.
برا الأوضة، سليم كان واقف عند الباب اللي مش مقفول، بيتفرج عليهم في صمت،
وتمتم بينه وبين نفسه:
سليم:
"أوقات… الحب الحقيقي هو اللي ما بيتقالش أبداً."
****************
الفيلا بتاعة عيلة الشرقاوي كانت منوّرة كلها، الأضواء الدهبية مالية المكان، والسجادة الحمرا مفروشة في الصالون الكبير اللي كل العيلة متجمعة فيه.
الجد الشرقاوي قاعد على الكرسي الهزّاز القديم بتاعه، نضارته نازلة نصها على مناخيره، وعينيه بتلفّ على ولاده وأحفاده بحب وهدوء.
مراد الشرقاوي كان قاعد جنبه، ماسك فنجان القهوة وبيقلب فيه، ومراته نرمين قاعدة قصادهم شيك ومتألقة، بتحكي بحماس عن تجهيزات فرح ريما.
وفي نص الصالون كانت ريما الشرقاوي، بنت مراد الكبيرة، ماشية بثقة كده وشياكة، لابسة طقم وردي راقي، ومسكه موبايلها بتوَرّي صور القاعة للعيلة.
ريما (بغرور دلع):
"بُصّوا بقى القاعة دي! دي مش أي قاعة يا جماعة، دي أفخم قاعة في القاهرة! وبابا خطفها قبل أي عروسة تانية!"
نرمين (بابتسامة فخورة):
"طبعًا يا حبيبتي، بنت الشرقاوي لازم تتجوز فرح يشرّف اسم العيلة."
مراد (بيهز راسه وبيبتسم):
"المهم مش القاعة يا ريما، المهم تبقي مبسوطة بجد… مش بس قدام الكاميرات."
ريما (بتضحك وبتعدّل شعرها):
"أكيد هبقى مبسوطة يا بابا! أنا رايحة أعيش في الجزائر في فيلا ع البحر، وجوزي الجديد وعدني نقضي شهر العسل في سويسرا!"
الجد رفع حاجبه وقال بنبرة فيها هزار أبوي خفيف:
الجد:
"يعني ناوية ما ترجعيش؟ هنشوفك في المناسبات بالفيديو كول؟"
ريما (بتقرب منه وتبوس إيده بخفة):
"هارجع يا جدو، بس لما أشتاق… يعني بعد سنة كده تقريبًا!"
في اللحظة دي، سليم الشرقاوي نزل من على السلم بهدوء، لابس قميص أسود بسيط، ووشه جاد زي العادة.
بصّ على العيلة كلها، وبعدين قعد من غير ما يقول كلمة.
ريما (بمرح متصنّع):
"أهو العريس الصغير وصل! يا جماعة، سليم هيعيّط لما أسافر، مش كده يا حبيبي؟"
سليم (ببرود):
"بالعكس… دي أحسن حاجة ممكن تحصل لي، أخيرًا البيت هيتنضف من دوشتك."
ريما (متغيظة):
"إنت مش طبيعي يا أخي! المفروض تفرحلي بدل ما توزّع نكدك علينا!"
سليم (بيشرب ميّه بهدوء):
"أنا فرحان جدًا، وبجهّز حفلة كمان بعد الفرح… أحتفل بالتخلّص منك رسمي!"
نرمين (بتضحك وببصّ لمراد):
"هما الاتنين ما بيتغيروش! من أول يوم في حياتهم وهما بيتخانقوا على أي حاجة!"
مراد (بابتسامة):
"وأنا متأكد إنهم هيعيطوا في المطار لما ييجي وقت الوداع."
ريما (بغرور وهي رافعة حاجبها):
"هو ممكن يعيط فعلاً… بس من الفرحة!"
سليم (ساخر وهادي):
"بالظبط، كأنك قريتي اللي في دماغي."
الجد انفجر ضحك وقال:
الجد:
"أنا مش عارف إزاي الاتنين دول من بطن واحدة… واحدة دوشة زي العاصفة، والتاني هادي قبل العاصفة!"
ريما (وحطّة إيديها على وسطها):
"هاه! بس العاصفة دي هتسيبلكم فراغ كبير بعد أسبوع، ما تنسوش!"
سليم (بصوت واطي وباصص في الأرض):
"بالعكس… يمكن الفراغ يبقى راحة ساعات."
سكت الكل لحظة.
نرمين بصّت له بنظرة الأم اللي فاهمة اللي مش بيتقال، وقالت بهدوء:
نرمين:
"كفاية شدّ بقى… إنتوا الاتنين ما تقدرش تعيشوا من غير بعض."
مراد ابتسم وربّت على إيدها بحنان وقال:
مراد:
"إحنا عيلة واحدة، بس ما تنسوش بكرة المعاد… هنروح نزور آل الزهراوي علشان ننسّق معاهم الحضور للفرح."
ريما (بحماس):
"جميل جدًا! كنت ناوية أكلم ليل النهارده، أكيد هتفرح أوي لما تعرف إننا جايين!"
سليم (وهو بيقوم ويتمتم):
"أيوه، ليل… دي الوحيدة اللي بتستحمل جنانك."
ريما (بابتسامة ساخرة):
"وهي الوحيدة اللي بتستحملك جديتك الزيادة يا بارد!"
الجد ضحك من قلبه وقال:
الجد:
"أهو البيت ده ما يعرفش الملل طول ما إنتوا فيه!"
*******************
الليل كان مالي الدنيا، الضباب مغطي أطراف المدينة، والمطر بيخبط عالنوافذ كأنه نُذير جاي من الجحيم.
في دور عالي في مبنى قديم فـ نص القاهرة،
نديم قاعد على كُرسي جلدي باين عليه القِدم، قدّامه طرابيزة صغيرة فوقها زجاجات فاضية وفتافيت سجاير.
النور الوحيد في الأوضة مصباح متعلّق من السقف، بيتهزّ مع كل نسمة، وبيعمل ظلال ع وشه كأنها أنياب بتتحرك.
كان بيدخّن بهدوء، ينفخ الدخان، وبعدين يبتسم الابتسامة الباردة بتاعته… الابتسامة اللي مافيهاش روح.
قدّامه الموبايل بيتهزّ… مكالمة مشفّرة، مافيهاش اسم.
ضحك بخبث وردّ بهدوء قاتل:
نديم:
"كنت متأكد إنك هتتصل… الخطة ماشية زي ما اتفقنا بالحرف."
صوت راجل خشن طالع من السماعة، صوته متكسر كأنه خارج من صدر مولّع غِلّ وانتقام:
المجهول:
"هو صدّق فعلاً؟"
نديم (بيضحك بخفة وبيهمس):
"مش بس صدّق… ده غرق. غرق لحد ما بقى شايف الدنيا كلها من خلال دمّ أخوه.
بيشرب الانتقام كأنه دواء… وأنا كل اللي بعمله إني بديله الجرعة."
المجهول (بضحكة شريرة واطية):
"ما أنا قلتلك… الغضب أسهل طريقة للسيطرة.
خليه يكره زياد، يكرهه لحد ما يِفقد عقله خالص."
نديم (صوته خافت وبيخبط صوابعه على الطرابيزة):
"وهو فاكر نفسه ذكي… مسكين عاصم، فاكر إنه بيجيب العدالة.
بس هو مجرد دُمية… دُمية في مسرح كبير، إحنا اللي كتبين فصوله."
ضحك المجهول ضحكة باردة، طالعة متقطعة كأنها جاية من بئر عميقة:
المجهول:
"كمّل… كل خطوة بتقرّبنا من النهاية.
زياد الزهراوي لازم يدفع تمن اللي عمله… أو اللي فاكر إنه عمله."
نديم (بيصبّ لنفسه كاس ويسكي):
"بس لازم نكون حذرين…
سليم وبيجاد بدأوا يشكّوا، خصوصًا بيجاد… عينيه مش مريحة."
المجهول (نبرته اتوترت وبعدين رجعت هادية):
"خليهم يشكّوا براحتهم… ماعندهمش دليل.
الأهم ما تسيبش عاصم يوقف، لازم يكمل للآخر.
خليه يلمس النار بنفسه… وبعدها نولعها كلّها."
نديم مال لقدّام، وابتسم وهو بيبصّ في الفراغ:
نديم:
"فاكر لما قلتلي إن الانتقام محتاج صبر؟
أهو الوقت قرّب… كل حاجة بتقع فمكانها، زي حجارة الشطرنج."
المجهول (صوته ساكن بس سامّ):
"كويس… اللعبة دي لسه في أولها.
وأنا وعدت نفسي، مش هرتاح غير لما أشوف زياد الزهراوي بيصرخ من الوجع…
زي ما أنا صرخت زمان."
نديم (بيضحك ضحكة قصيرة مظلمة):
"وهو مش لوحده… بنته الجميلة كمان هتدفع التمن."
سكتوا لحظة، الجو كله تجمّد.
وبعدين طلع صوت المجهول من السماعة، أنفاسه تقيلة ونبرته تقطر نار:
المجهول:
"خلّيها تبدأ… الحرب قامت خلاص."
المكالمة اتقفلت.
نديم قعد ثواني يحدّق في شاشة الموبايل السودة، وبعدين ابتسم ابتسامة مايلة كلها شرّ.
اترجع في الكُرسي، رفع الكاس عالي ناحية الظلال اللي بترقص على الحيطان وقال ببرود:
نديم:
"لعبة حلوة يا عاصم… بس نهايتها هتبقى مأساوية جدًا."
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 3
صباح بدري، الضو بيتسلّل من ورا الستائر التقيلة، وبيعدي في دخان خفيف من ريحة الخمرة اللي فاضلة في المكان. على الترابيزة قنينة مفتوحة ونص كباية... وجنبها صورة لليل، مقلوبة على وشها.
سامع صوت المية في الحمّام، وبعدين دوي قوي وهبط المية على جسم عاصم.
كان واقف هناك، راسه منحني شوية، والمية الباردة بتخبط وشه كأنه بيحاول يمسح أثر الليلة اللي فاتت من دماغه.
رفع إيده بهدوء ومسح وشه، خد نفس طويل، وبصوت واطي وخشن من كتر السهر تمتم:
"زياد الزهراوي... تلات سنين وأنا بجري ورا طيفك... تلات سنين من الجحيم... ودلوقتي جه وقت الحساب."
كشر من ضرسه جامد، والندبة الخفيفة على فكه ارتجّت من الغضب. بس دماغه سرحت، رغم إنه مش عايز، ناحية عينين البنت دول... الرماديتين.
صوتها وهي بتضحك مع صحباتها في الكلية لسه بيرن في ودنه... خفة وبراءة ماعرفهاش من زمان. ابتسامة صغيرة اتخطّت على شفايفه، ما قعدتش كتير قبل ما يهمس بغلظة:
"بطل حماقة يا عاصم. بنت القاتل... ماتستاهلش غير إنها تدفع تمن دمه."
المية ضربت الحيطة بقوة وهو ممد إيده يقفل الحنفية فجأة، وبعدين ساند جسمه على الحيطة الرخامية الباردة، عيناه معصّبتين كأنه بيحاول يطرد صورة وشها من دماغه.
"مش هضعف. مش هرحم. هتدفعي يا ليل الزهراوي... تمن دم مش ذنبك، بس انتي شايلاه في اسمك."
رفع راسه أخيرًا، والمية بتنقط من شعره على كتفه، ابتسامة خفيفة متناقضة — مزيج من وجع وانتقام — ازدحت على وشه وهو همس:
"مش هقتلك يا ليل... هخليكي تتمنّي لو كنت عملت."
صوت المية وقع، وساب السكون... بس الضجة اللي جوه كانت أعلى من أي هدير.
******************
عاصم نزل السُّلَّم بخطوات هادية، شعره لسه مبلول بعد الدش، والصداع بيخبط في دماغه مع كل خطوة.
الفيلا واسعة وساكتة، مفيش صوت غير زقزقة العصافير برا، وريحة القهوة الطازة مالية المكان.
تحت، كانت الدادة فريدة — الست الكبيرة اللي عمرها ما سابتهم — بتحط الفطار بعناية،
شايلة إبريق الشاي وبتتمتم بدعوة واطية زي كل صباح.
رفع عاصم صوته شوية:
عاصم: صباح الخير يا دادة فريدة.
بصّت له بسرعة، ووشها المجعّد نَوَّر بابتسامة دافية وقالت بصوت حنون:
فريدة: صباح النور يا بنيّ، أخيرًا صحيت. افتكرتك هتنام لحد بالليل بعد اللي رجعت بيه امبارح!
تنهد عاصم بخجل خفيف، وقعد على أول كرسي قدامه وقال بصوت مبحوح:
عاصم: عارف... ماكانش المفروض أشرب للدرجة دي،
بس في ليالي كده يا دادة... ما بتتعدّيش.
هزّت راسها بحزن وهي بتحط قدّامه فنجان القهوة:
فريدة: كل ليلة بتتعدّى يا عاصم لو القلب سليم.
أمك — الله يرحمها — كانت دايمًا تقول:
“الخمرة ما بتمسحش الوجع، دي بتغرقه أكتر.”
ابتسم بخفة وبَصّ في عينيها:
عاصم: أمي كانت حكيمة زيك.
فريدة (متنهّدة): لأ يا بني، دي كانت الحكمة نفسها.
ومن حظي إني رَبِّيتك إنت ورائد على إيديا
لسه بشوف ملامحها فيك، حتى وإنت غضبان.
سكت عاصم لحظة، وقال بصوت واطي:
عاصم: ورائد... كنت بشوف فيها قلبها.
سكتوا هما الاتنين شوية، لحد ما فريدة حاولت تغيّر الجو وهي بتعدّل الفوطة على الترابيزة:
فريدة: كُل حاجة قبل ما القهوة تبرد.
على فكرة، ربى صحيت من شوية، راحت أوضتها بعد الفطار، بس شكلها نامت تاني.
قام عاصم بهدوء وهو بيقول:
عاصم: هاطلع أشوفها.
فريدة: سلّم لي عليها يا بني، وقول لها إني هعمل لها شوربتها المفضّلة النهارده.
البنت دي ما بتاكلش غير لما إنت أو أنا نغصبها.
ابتسم عاصم ابتسامة خفيفة:
عاصم: هاقول لها، رغم إنها مبتتكلمش، بس متأكد إنها بتفهم كل كلمة.
فريدة (بحنان): قلبها بيفهم يا عاصم... القلوب مش محتاجة لسان.
ساب المطبخ، وصوتها وراه كان ماشي زيه زي نَسمة دفا ساكنة في زوايا البيت.
طلع السُّلَّم بخطوات أهدى، وعينه رايحة ناحية أوضة ربى في آخر الممر.
وقف قدام الباب لحظة، خبط خبطتين خفيفين ودخل.
شافها هناك، على السرير الأبيض جنب الشباك،
وشها الشاحب زاد جمال تحت نور الصبح، وعينيها بتتبع العصافير اللي على الغصن القريب.
قرب منها بهدوء، قعد جنبها، مدّ إيده بلُطف ومسِك إيدها بين كفّيه.
ابتسمت له بخجل صامت، فابتسم هو كمان وقال بصوت دافئ:
عاصم: صباح الخير يا ربى...
عارفة إنك السبب الوحيد اللي مخلي البيت ده لسه عايش؟
ما ردتش، بس عنيها اللامعتين كانوا كفاية.
انحنى عاصم وقبّل جبينها بخفة، وهمس كأنه بيكلم نفسه:
عاصم: يا ريتك تقدري تتكلمي... كنتي قولتِ لي أوقف،
بس أنا... ماقدرش.
بَصّ ناحية الشباك فترة طويلة،
وفي عينيه كان خليط غريب — حنان أخ، وجع راجل، ونار انتقام مش عايزة تطفي.
*********************
قعد عاصم جمبها ساكت لحظات، بيلمس شعرها الطويل برفق، وعيونه مثبتة على الشباك كأنها فاتحة له باب على الماضي.
عاصم (بصوت واطي):
تلات سنين يا ربى...
تلات سنين وأنا عايش على صورة وشه.
رائد كان النور الوحيد في البيت ده، ودلوقتي ما فضّل غير ظل.
غمض عينيه شوية، والزفير بتاعه كان حاد.
بعدها كمل، وصوته المرة دي فيه حاجة مولعة:
عاصم:
خدوه مننا يا ربى...
وأقسم إني مش هسيب دم أخويا يروح لنَفَس.
زياد الزهراوي... كان صاحبه، أقرب حد له، ومع ده خان ثقته.
كل الدلائل بتدل عليه... هو السبب في كل الخراب ده.
ربى كانت بتبص له بعينيها الواسعتين، صوابعها بترتج خفيف على البطانية بتحاول تقول حاجة،
بس الصوت مش طالع، ودمعة صغيرة نزلت على خدها من غير ما تحس.
عاصم (متنهّد):
ما تبصيليش كده يا ربى... عارف إنك طيبة ومابتحبيش الكراهية.
بس في ناس ما يستحقوش الرحمة.
هانتقمله... هخلي زياد يشوف الدنيا مولعة قدامه،
وهبدأ من أغلى حاجة عنده... بنته.
عين ربى فسحت فجأة، وصوابعها ارتجت جامد.
حاولت ترفع إيدها كأنها عايزة تمنعه، تكتب في الهوا: "لا، مش هو، مش زياد."
بس جسمها خانها، وارتجافها باين لعاصم على إنه حاجة تانية خالص.
ابتسم بخفة حزينة، فاكر إنها فاهماه ومؤيدة.
عاصم (بهدوء مظلم):
أيوه... دايمًا كنتي بتفهميني من غير كلام.
ماتخافيش، مش هأذيها على طول.
هقرب منها الأول، هخليها تثق فيا،
وبعدين... لما تحبني زي ما حبت الحياة، هكسرها زي ما اتكسرنا.
ربى هزّت راسها ببطء، ودموعها نازلة ساكتة،
بس هو قرأ ده كعلامة موافقة، ومد إيده وربّت على كتفها وقال بلطف:
عاصم:
ما تخافيش، هعمل كده عشان رائد... وعشانكم كلكم.
وبعدين... هقدر أعيش بسلام.
لف وشه ناحية الشباك تاني، وربة بتبص له بعنين مليانين رعب وعجز.
جواها كانت بتصرخ بأعلى صوت:
"مش زياد... الخطر مش منه... بس من اللي بيضحكلك دلوقتي يا عاصم!"
لكن صرخاتها فضلت محبوسة جوانا صدرها،
وصوت خطوات عاصم وهو بيخرج من الأوضة كان إعلان عن بداية الكارثة اللي جاية.
*******************
الشمس كانت بتداعب إزاز الشبابيك في ساحة الكلية، والزحمة المعتادة من ضحك الطلبة وكلامهم المتداخل مالية الجو.
قعدت ليل على دكة خشب، راسها محنية على الكشكول، والقلم بيتحرّك في إيدها كأنها بتكتب، بس في الحقيقة مكنش فيه ولا كلمة بتتسطر.
دماغها كانت بعيدة خالص... يمكن في حتة تانية، أو يمكن في وشّ تاني.
قربت رؤى بخطواتها الواثقة، ماسكة كباية القهوة المثلجة، وتضحك ضحكة كده فيها شوية تصنّع، قبل ما تقعد جنب ليل من غير ما تستأذن.
رؤى (بابتسامة متغطرسة):
صباح الورد يا ليلو! أووه... ما تقوليليش إنك ما نمتيش؟ شكلك سارحة كأنك بطلة فيلم حب بايظ كده 😂
رفعت ليل عينيها ببطء، بنظرة مفيهاش أي اهتمام، متعبة شوية، وبعدها رجعت تبص في الكشكول من غير ولا كلمة.
بس رؤى ما فهمتش الرسالة، بالعكس، اتحمّست أكتر.
رؤى:
قولي بقى الحقيقة يا ليل...
في حد في حياتك، صح؟ 😏
يعني مفيش تفسير تاني للشرود والعينين اللي عايمة في دنيا تانية دي.
أكيد في حد خطف قلب الزهراوية الهادية!
ليل تنهدت، وقفلت الكشكول بهدوء، ولفّت وشّها ناحيتها بابتسامة صغيرة بس فيها برود الدنيا كلها:
ليل (بهدوء بارد):
في ناس يا رؤى... الغباء عندهم بقى موهبة.
مفيش حد، ولا قصة حب،
في بس تعب... وناس بتحب تتكلم أكتر ما تفهم.
رؤى اتراجعت شوية ورفعت حَجَبها باستغراب:
رؤى:
واااو، المزاج مكهرب النهارده!
ليه الهجوم ده؟ أنا بس بسأل يعني.
بس على فكرة... واضح إن في سر.
شكلنا هنكتشف قريب مين اللي سرق قلب الزهراوية! 😏
ضحكت بخفة وهي بتمضغ اللبان، بينما ليل كانت ساكتة، بتبص قدامها بشرود.
جواها كان فيه تقل...
كلام رؤى بقى بيرن في ودانها من غير معنى، كأنه صوت بعيد مش ليه علاقة بيها.
ليل (بهمس):
لو تعرفي يا رؤى... إن في ناس بتخبي شرّها ونيتها تحت ضحكة.
الحب آخر حاجة ممكن أفكر فيها دلوقتي.
في اللحظة دي، رفعت راسها كده فجأة من غير سبب واضح،
وعينيها وقعت على راجل واقف عند السور المقابل،
لابس قميص غامق ونظارة سودة، وباصص عليها بثبات غريب.
ما قدرتش تميّز ملامحه، بس حضوره لوحده خلّى قلبها يدق بسرعة.
ولما رمشت... كان اختفى.
اتجمّدت مكانها، وحست ببرودة غريبة ماشية في أطرافها،
بينما رؤى لسه بتكلم من غير توقف عن اللبس الجديد بتاعها...
لكن ليل كانت حاسة جواها إن اليوم ده... مش هيعدّي عادي أبدًا.
*******************
في فيلّا عيلة بيجاد،
الساعة كانت قرّبت على التسعة الصبح، لما نزل بيجاد من فوق بخطوات تقيلة، ونَفَسه المجهد سابقه.
البيت كله ريحة قهوة طازة وتوست سخن، وصوت أبوه بيقرا الجرنال بهدوء، وأمه واقفة بترتّب السفرة بعناية زي العادة.
الأم (بابتسامة مشرقة):
صباح الخير يا حبيبي، تعال افطر، النهارده عاملة الفطار بإيدي مخصوص ليك!
شكلك تعبان يا ابني، ما نمتش كويس امبارح؟
قعد بيجاد قصادهم ساكت، مدّ إيده على فنجان القهوة من غير ما يرد،
وعينيه الزرقا كانوا مليانين حُزن تقيل، كأن في حاجة بتنهش قلبه في صمت.
أبوه لحظ ده، بس اختار يسكت،
أما أمه فكالعادة ما شافتش غير رغبتها في الكلام.
الأم (بحماس):
كنت بفكر امبارح… خالتك لمى كلّمتني،
وقالت إن بنتها تالين خلصت دراستها،
ما شاء الله بقت عروسة كاملة!
والله يا بيجاد لازم نشوفلك عروسة،
وتالين أنسب واحدة، تعرفها من وإنت صغير، وقريبة، وأنيقة جدًا!
رفع بيجاد راسه ببطء، بنظرة زهقانة واضحة، وقال ببرود:
بيجاد:
ماما… بلاش نبدأ في الموضوع ده تاني، أرجوكي.
الأم (مصرّة):
ليه بس؟ ناقصها إيه البنت؟
بنت خالتك، وأخلاقها عالية، والناس كلها تتمناها لابنها.
ضحك بيجاد ضحكة قصيرة فيها سخرية:
بيجاد:
أخلاق؟ ماما، دي فاكرة الدنيا كلها بتلف حواليها.
بتتكلم عن نفسها أكتر ما بتتنفس،
وما بتشوفش الناس غير مرايات تمدحها.
آسف... مش قادر أعيش مع واحدة زي دي.
ابتسامة الأم اتجمّدت على وشّها، وبصوت فيه عناد قديم قالت:
الأم:
إنت بس اتجوزها، وبعد كده هتحبها.
كل الرجالة بيقولوا كده في الأول، وبعدها بيتعودوا.
قام بيجاد من مكانه بغضب مكتوم وقال:
بيجاد:
لأ يا ماما... مفيش حب بييجي بعد الجواز لو ما كانش موجود قبله.
ومستحيل أعيش كدبة بس علشان ترضي إنتِ أو ترضي خالتي.
الموضوع انتهى.
مسك مفتاح عربيته وخرج بخطوات سريعة،
ساب وراه صمت تقيل.
بصّت أمه على الباب اللي لسه بيتهز بعد خروجه، وقالت بعناد واطي:
الأم (بهمس):
عنيد زي أبوه... بس أنا مش هسيب الموضوع.
تالين هتبقى مراته، غصب عنه.
أبوه طوى الجرنال بهدوء، حطه على الترابيزة، وبصّ لها بنظرة جدّ:
الأب:
اسمعي يا نوال، بلاش تتدخلي في حياة الولد.
هو ما بيحبهاش، وإجباره ظلم ليه وليها.
بيجاد مش عيل صغير... سيبيه يختار بنفسه.
الأم (بتعالي):
إنت ما بتفهمش، الجواز مسؤولية مش حكاية حب ومشاعر عيال.
لما يعيش معاها، هيحبها.
الأب (بحزم):
ما تراهنّيش على قلب ابنك يا نوال.
الحب ما يتفرضش، ولو حاولتي... هتخسريه.
بس نوال كانت خلاص قررت جواها.
بصّت على الكرسي الفاضي اللي كان بيقعد عليه بيجاد،
وعينيها فيها لمعة إصرار ما تعرفش الرجوع:
الأم (بصوت خافت حاسم):
بيجاد هيتجوز تالين... عاجل ولا آجل.
وبرّه، كان بيجاد واقف جنب عربيته، مغمّض عينيه بياخد نفس عميق...
في إيده الموبايل، وصورتها — ربى —
البنت اللي بتحب الحياة رغم إنها مش قادرة تمشي،
واللي محدّش في الدنيا عارف عنها حاجة.
همس لنفسه بصوت مخنوق:
بيجاد (بمرارة):
مستحيل يا ماما...
القلب ما بيختارش غيرها.
وبعدين ركب عربيته، وساق بعيد...
كأنه بيجري من قَدَر مكتوب له بالعافية.
********************
فيلا الشرقاوي – صباح مشرق قبل أسبوع من الفرح
كانت شمس الصبح بتتسلل من ورا الستاير القطيفة الوردية، مغطّية الصالون الكبير بنور دافي. الورد الأبيض مالي المكان استعدادًا للفرح اللي الناس كلها مستنيّاه، وضحكات خفيفة كانت طالعة من ناحية المطبخ.
في الصالون، قاعد مراد الشرقاوي على كنبة فخمة، ماسك فنجان القهوة وبيراجع شوية ورق قدامه، ولابس نظارته باهتمام. جنبه نرمين، مراته الأنيقة اللي ملامحها دايمًا فيها ثقة، ماسكة نوتة صغيرة وبتكتب ملاحظات وهي بتتكلم مع ريما وسليم.
مراد (بصوته الهادي):
ريما، أنا كلمت شركة التنظيم، قالولي كل حاجة جاهزة، بس لازم نختار نوع الورد النهارده، ماينفعش نأجّل أكتر من كده.
ريما (بابتسامة مترددة):
بابا، أنا قلتلهم عايزة ورد أبيض ومعاه لمسة لافندر، بس سليم قال شكله “بارد” قوي...
سليم (قاعد متكئ ورا، رافع حواجبه):
قلتلك الأبيض مع اللافندر هيخلي المكان كأنه مستشفى، مش فرح!
نرمين (بتتدخل مبتسمة):
سليم، بلاش دراما، أختك عندها ذوق، وبصراحة اللافندر بيدي لمسة شيك جدًا.
سليم (بيتنهّد):
تمام يا جماعة، أنتوا بتحبوا الحاجات الشيك، بس ماتلومونيش لما الضيوف يفتكروا إن في حد عيان وبيتعالج جوه!
ريما (رافعة حاجبها بغرور):
مش هتعرف تبوّظ مزاجي يا سليم، بعد أسبوع هبقى عروسة وهسيبلكوا الثرثرة كلها.
سليم (ساخر):
ونِعم الهدية اللي هتسيبينا بيها... ربنا يعين العريس المسكين.
نرمين (بتكتم ضحكتها):
سليم! كفاية هزار. على فكرة خالتك من الجزائر كلمتني، بيقولوا متحمسين جدًا للفرح.
مراد (مبتسم):
أيوه، العريس شاب محترم ومن عيلة كويسة، وأنا مبسوط إن بنتي هتعيش حياة كريمة هناك.
ريما (بحماس):
بابا، لما نروح الجزائر لازم تيجوا تزورونا، خالتي وعدتني تاخدنا جبل الشريعة وتورينا عاداتهم في الأفراح.
سليم (بلامبالاة):
تمام، وأنا وعدت نفسي أحتفل يوم ما تسافري وأرتاح من خطبك اليومية عن الفستان والمكياج والورد والدعوات!
ريما (بتتعصب وبتلوّح بمنديلها):
سليم! والله لو مش أخويا كنت شطبتك من قائمة المعزّمين!
نرمين (ضاحكة):
خلاص بقى، إنتوا زي العيال الصغيرين.
(تبصّ على مراد)
مراد، الدعوات اتبعتت لعيلة الزهراوي؟
مراد:
أيوه، اتبعتت امبارح. زياد قاللي إنه هييجي هو وعيلته، وقال كمان إن ليل متحمسة جدًا للفرح.
ريما (بابتسامة دافية):
ليل حبيبتي... لازم أقعد معاها في أوضة العرايس قبل الفرح، وحشتني جدًا.
مراد (بحنان):
هي بتعتبرك أختها الكبيرة يا ريما، وجودها هيفرّحنا كلنا.
سليم (بيرفع كوباية العصير وبيقول بصوت واطي):
هيفرّحكم؟ آه، أكيد... بس أنا متأكد إن الشقية دي هتولّع الدنيا كعادتها.
نرمين (ضاحكة):
وجود ليل هيخلي الفرح ليه طعم تاني، محدش بيزهق منها أبدًا.
مراد (واقف بابتسامة):
خلاص، اتفقنا. الورد الأبيض ومعاه اللافندر، والديكورات النهائية نخلّصها بكرة.
(بيبصّ في ساعته)
ريما، ما تتأخريش عن بروفة الفستان النهارده.
ريما:
حاضر يا بابا.
(تبصّ على سليم)
وهعزم ليل ورؤى معايا، محتاجة شوية ضحك قبل الفرح.
سليم (متصنّع التعب):
يا ساتر! تلات مجنونات في محل فساتين؟ دي نهايتنا يا ماما!
نرمين (بابتسامة أم حنونة):
على الأقل هتظهر قدام الناس راجل عاقل مرة في حياتك.
سليم (بتمثّل صدمة):
عاقل؟ أنا؟! لا يا ماما، دي ضد مبادئي!
(الضحك يملأ المكان، والجو كله دفء وونس في فيلا الشرقاوي...)
*******************
صالون تجميل فاخر – بعد الضهر
ريحة العطور الوردية مالية المكان، والمرايات الكبيرة بتلمع تحت إضاءة بيضا ناعمة. الفساتين الملونة متوزعة على الكراسي القطيفة، والعاملات بيتهمسوا مع بعض عن الزبونات اللي بيقلّبوا في القماش بشغف.
ريما الشرقاوي قاعدة على كرسي دهبي قدام المراية، بتحط آخر لمسات على تسريحة شعرها الأنيقة، بينما ليل ورؤى رايحين جايين بين صفوف الفساتين المعلّقة زي العيال في محل لعب.
في الركن، كان سليم وزين قاعدين على أريكتين صغيرين، باين عليهم الزهق القاتل.
سليم مميل جسمه لقدام وبيبصّ في الأرض كأنه فقد الأمل في الحياة، وزين ماسك مجلة فاشون بيقلب فيها بوش ساخر.
سليم (بتعب):
من الساعة كام وإحنا قاعدين هنا؟ حاسس نفسي جزء من الديكور... المرايات خلاص حفظت وشي!
زين (متنهّد):
يا راجل، أنا حفظت كل درجات اللون الوردي... روز، فوشيا، سيمون، و"أوه ماي جاد وردي"!
ليل (طالعة من ورا الرف مبتسمة):
يعني احمدوا ربنا إننا سمحنا لكوا تيجوا معانا! كأنكم عمركم ما شوفتوا عرايس غير في الأفلام.
سليم (بلا حماس):
آه طبعًا... فيلم رعب مش رومانسي.
رؤى (ضاحكة بخفة):
سليم، ابتسم على الأقل علشان أختك... الفرح بعد أسبوع بس.
سليم (حاطط إيده على وشه):
صدقيني يا رؤى، لو أختي الجميلة دي كانت بتتجوز كل أسبوع، كنت هقدّم على هجرة!
ريما (بتلف من قدام المراية بغضب):
سليم! كلمة كمان، وأخلي الكوافير يجرّب فيك الماسك الدهبي اللي بيسخنوه هناك!
زين (منفجر ضحك):
أيوه يا آنسة، خلّيه يجرّبه! لازم يعرف إن الانتقام مش حكر على الرجالة بس.
سليم (بيبصله بتهديد):
ضحكك ده هيكلفك يا زين... بس مش دلوقتي.
ليل (ضاحكة وهي ماسكة فستان أزرق سماوي):
إنتوا الاتنين محتاجين كورس في "إزاي تتعامل مع البنات وهما بيشتروا"! شكلكم بتتعذبوا!
زين (بيبص على الفستان بدهشة مصطنعة):
ده فستان ولا سحابة؟ خفيف كده ليه؟ لو حد عطس عليه هيتطاير!
رؤى (هزّة راسها بيأس):
زين، إنت لازم يكون عندك تعليق على أي حاجة!
سليم (بجدية مصطنعة):
هو مش ذنبه... إحنا ضحايا، ضحايا الموضة والمكياج والعطور اللي خلاص سكنت في رئتنا.
ريما (واقفة بثقة وهي لابسة فستان أبيض عاجي):
خلاص... هو ده! الفستان اللي هلبسه في الفرح. رأيكوا؟
الكل سكت لحظة، وكأن الزمن وقف...
رؤى (بإعجاب):
يا لهوي، ده إنتِ أميرة بجد! الفستان طالع عليكي خرافي يا ريما.
ليل (بتسقف بفرح):
روعة! بس استني... مش غريب إن العريس الجزايري ما يشوفش الفستان قبل الفرح؟
ريما (بابتسامة فخورة):
طبعًا ما يشوفوش! دي العادات والتقاليد يا ليل... العروسة لازم تبهر الكل في يومها الكبير.
زين (بتمتمة خفيفة):
هو العريس بس اللي هيتبهر... إحنا اتعمينا من اللمعة دي.
سليم (هامسله):
اسكت قبل ما يجربوا فيك الماسك الدهبي!
ضحك مكتوم بين الكل، وليل شايلة فستان بنفسجي ناعم رايحة أوضة القياس.
ليل (من ورا الستاير):
رؤى، تعالى ساعديني أظبط الشريط من ورا.
رؤى (رايحة لها):
جاية... يا ليل! اللون ده طالع عليكي خرافي، فيه هدوء غريب كده منك.
ليل (بصوت واطي):
يمكن علشان بدأت أحس إن الأسبوع الجاي فعلاً هيكون مختلف...
ليل خرجت من الأوضة، والضحك سكت لحظة.
زين وقف من غير ما يحس، عينه اتعلقت بيها بإعجاب واضح... لكنه أخفى بسرعة لما شاف سليم بيبصله بمكر.
سليم (بصوت واطي):
واضح إن في حد اتبهر فعلًا يا زين؟
زين (بسرعة):
ابهر إيه يا عم؟ كنت بفحص عيوب التصميم بس!
ريما (بترجع تتكلم):
خلاص، كده خلصنا الفساتين. بكرة نروح نختار الإكسسوارات، والميك أب هجربه بعد يومين.
سليم (بصوت يائس):
يعني العذاب لسه ما خلصش؟
رؤى (ضاحكة):
خليك إيجابي يا بطل، المرة الجاية محل أحذية بقى!
سليم:
تمام... أنا كده رسمي عضو مؤسس في جمعية “ضحايا التسوّق النسائي”، وإنتِ أول واحدة هاشتكيها!
ريما (بضحكة جميلة):
خلاص يا سليم، المرة الجاية الحفلة تبقى ليك، وأنا اللي هتفرج.
سليم (بغمزة):
لو اتجوزت، همنع البنات يدخلوا محل فساتين أساسًا!
الكل انفجر ضحك، والعاملات بصّوا عليهم بإعجاب، والجو كله بقى مليان طاقة حلوة وضحك.
*******************
الضحك لسه مالي المكان، وريما بتتكلم بحماس مع ليل عن تفاصيل الفرح، وسليم وزين خلاص بيجهزوا يمشوا ووشوشهم باين عليهم التعب.
وفجأة...
صوت خفيف جاي من ورا الباب الإزاز، وبعدها الباب بيتفتح على مهل.
يدخل راجل طويل، في أول التلاتينات كده، أنيق بطريقة ملفتة. لابس بدلة رمادي شيك وساعة فخمة بتلمع على إيده.
عينيه لونها عسل غامق، وصوته أول ما اتكلم كان هادي ودافي كده.
كامل (بابتسامة خفيفة):
مساء الخير... باين إني جيت في نص معركة فساتين؟
تلفت ريما بسرعة، وعينيها تلمع بفرحة واضحة.
ريما (بحماس):
كامل! أخيرًا جيت! أنا كنت خلاص هزعل منك، المفروض تبقى هنا من بدري.
كامل (بيضحك وبيقرّب منها):
حقك عليا يا حبيبتي، الاجتماع في الفندق طول أكتر من اللي كنت متوقعه... بس قلت مستحيل اليوم يعدي من غير ما أشوفك.
مدّ إيده يسلم عليها بخفة قدام الكل، ونظراتهم اتقابلت لحظة فيها دفء حقيقي.
ليل ورؤى بصّوا لبعض وابتسموا ابتسامة صغيرة كده.
سليم (واقف وبيضحك):
أهلًا وسهلًا أستاذ كامل، نورت المكان والله.
كامل (بيسلم عليه بود):
الشرف ليا يا سليم... عامل إيه؟ جاهزين للفرح الكبير ولا لسه؟
زين (واقف هو كمان):
أهلاً بيك يا كامل، شكلي أنا وسليم محتاجين نجهز أعصابنا قبل الزفاف مش إنتو.
كامل (ضاحك):
واضح إن البنات مطلعين عينكم النهارده.
ريما (بعتاب لطيف):
ما تقولش كده يا كامل، هما جم بمزاجهم... بس شكلي فعلاً هضطر أعلن هدنة قبل ما يعلنوا هما الإضراب.
زين (رافع إيده):
بلاغ رسمي خلال 24 ساعة لو الجولة الجاية ما خلصتش بسرعة.
كامل (بابتسامة هادية):
لا لا، الجولة الجاية هتبقى أخف... أنا هخليهم يختاروا الإكسسوارات في بوتيك خاص، الجو هناك هادي ومريح أكتر.
ليل (بإعجاب خفيف):
واضح إنك منظم جدًا يا أستاذ كامل، حتى الفوضى عندك ليها خطة.
كامل (بهدوء وذوق):
مساء الخير يا آنسة ليل، وسعيد جدًا إني أخيرًا شوفتك. ريما دايمًا بتحكيلي عنك وعن رؤى.
رؤى (ضاحكة):
يا ريت تكون بتحكي كلام حلو.
ريما (بتمثّل الجد):
أكيد لأ، بحكيله عن كل المصايب اللي بتعملوها.
سليم (ساخر):
هي دي أخلاق أختي العروسة بقى؟
كامل (بحنان وهو بصّص لريما):
ما أظنش حد يقدر يزعل منها حتى لو حاول.
تبتسم ريما بخجل، والجو كله يتحول من هزار لهدوء دافي كده يملأ المكان.
سليم بيبص لهم مبتسم، وزين بيغمز له كأنه بيقول: “واضح الحب من فوق لتحت.”
رؤى (بمرح):
أظن بقى نمشي إحنا، العريس والعروسة محتاجين شوية وقت لوحدهم.
ريما (محرجة):
رؤى! إيه الكلام ده؟
ليل (بتضحك):
لا معاها حق، نسيبهم شوية يعيشوا الجو.
سليم (ماسك المفاتيح):
يلا يا بنات، قبل ما نضطر نشتري فستان جديد عشان نظرات الغرام اللي ماليه الهوا!
زين (بيضحك وهو بيفتح الباب):
أنا قررت أكتب كتاب اسمه: "إزاي نجوت من رحلة فساتين مع 3 بنات في صالون واحد!"
يخرجوا كلهم وسط الضحك والهزار، ويبقى كامل وريما لوحدهم في الصالون بعد ما الأصوات تهدت.
كامل (قاعد قدامها):
كل مرة بشوفك فيها، بحس اليوم بيبقى أخف وأجمل.
ريما (بابتسامة وعينيها مبلولة من الفرح):
وأنا بحس إنك الأمان اللي كنت بدوّر عليه طول عمري.
يمد كامل إيده، يلمس أطراف صباعها برقة، وهو بيقول بهدوء:
كامل:
إن شاء الله الفرح ده مش بس يوم جميل... ده هيكون بداية حياتنا الحقيقية يا ريما.
ريما (بخجل وهي بتخفض راسها):
وأنا جاهزة أبدأها معاك.
******************
خارج البوتيك – شارع راقي في القاهرة، الجو قبل الغروب بشوية
خرجت ليل ورؤى وسليم الشرقاوي وزين من البوتيك أخيرًا بعد يوم طويل جدًا.
الهوى كان لطيف، بس التعب باين على وشوشهم. رؤى كانت أول واحدة نطقت.
رؤى (بتتأفف):
آآه، رجلي خلاص مش حاسة بيها! لو كنت عارفة إن تجهيزات الفرح متعبة كده، ما كنتش جيت من أصله!
زين (ضاحك):
ما هو انتي اللي مصممة تجربي كل فستان مرتين وتتصوري بيه كأنك العروسة مش أختها!
ليل (بمزاح):
هو قالها، بس بصراحة عنده حق. ريما العروسة، بس انتي اللي عايشة الدور أكتر منها.
رؤى (رافعه راسها بغرور):
عادي يعني، الجمال دايمًا محتاج مجهود!
كانت ماسكة الموبايل ومش مركزة في الطريق... وفجأة خبطت في حد جاي من الاتجاه التاني.
رؤى (بحدة):
إيه دا؟! ما تمشي بعينك ولا إيه؟!
سليم (صاحب عاصم، بصوت خشن وهادي):
لو كنتي بتبصي قدامك بدل الموبايل، ما كنتيش خبطتِ فيا أصلاً.
رؤى رفعت عينيها، اتفاجئت لحظة، وبعدين وشها اتغير وبصتله
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 4
بعد كام يوم
فيلا الزهراوي – صباح يوم الزفاف
ضوء الشمس يتسلّل بخيوط خفيفة من بين الستائر البيضاء، يغمر الغرفة بلون ذهبي دافئ، لكنه لا يبدّد البرد الغريب الذي يسكن قلب ليل.
تفتح عينيها فجأة… تتنفس بصعوبة، تتصبب جبينها عرقًا، تنظر حولها بارتباك، ثم ترفع يدها لتلمس عنقها وكأن أحدهم كان يخنقها في الحلم.
ليل (بهمس، متلعثمة):
يا رب… دا كان حلم، مجرد حلم… بس ليه حقيقي كده؟
تجلس على السرير للحظة، تنظر نحو الساعة الموضوعة على الطاولة — الثامنة صباحًا. اليوم الذي انتظرته بحماس… زفاف ريما. لكنها تشعر بخوف غامض لا تعرف سببه.
تنهض متجهة نحو الحمام بخطوات سريعة، تغسل وجهها بالماء البارد، تحدّق في المرآة أمامها… وجهها يبدو شاحبًا، وعيناها الرماديتان تحملان انعكاس خوفٍ لم تعرفه من قبل.
ليل (تحدث نفسها وهي تنظر في المرآة):
إيه اللي بيحصل لي؟ كان مجرد كابوس… بس كان حقيقي أوي…
كنت ماشية لوحدي في طريق مظلم… وصوت حد بيناديني… وبعدين… (تتوقف، تبلع ريقها)
وبعدين حد مسكني من وراي…
تغلق عينيها بقوة وتحاول التنفس بعمق.
ليل (تحاول طمأنة نفسها):
كفاية هبل يا ليل. دا مجرد حلم. النهارده يوم فرح ريما، لازم أكون مبسوطة، مش مرعوبة كده!
تضحك بخفة لتكسر التوتر، لكن ضحكتها تخرج مهزوزة.
تفتح الماء مجددًا وتغسل وجهها مرة ثانية وكأنها تحاول إزالة آثار الخوف عن جلدها.
ليل (بصوت منخفض):
أكيد من التوتر… حفلة النهارده كبيرة، وكل الناس هتبقى هناك…
بس ليه حاسة إن في حاجة هتحصل؟
تتوقف للحظة، تستمع إلى أصوات الطيور خارج النافذة، ثم تتنفس ببطء.
ليل (بابتسامة خفيفة في النهاية):
خلاص. ولا كأن الحلم حصل. يوم جديد… لازم أكون قوية.
تلتقط هاتفها عن الطاولة، تفتح الكاميرا وتشاهد انعكاسها في الشاشة — تحاول رسم ابتسامة صغيرة، لكن ظلّ الخوف لا يغادر عينيها.
خارج غرفتها، نسمع صوت والدتها حور تناديها بلطف:
حور (من الخارج):
ليل! قومي يا حبيبتي، ما تنسيش النهارده الفرح! لازم نتحرك بدري!
ليل (تحاول رفع صوتها بابتسامة):
جاية يا مامااا!
تخرج من الحمام، تلقي نظرة أخيرة نحو المرآة، وكأنها تودّع جزءًا منها لا تعرف أنه لن يعود بعد اليوم… ثم تمسك بفستانها المعلّق على الباب وتبدأ الاستعداد ليومٍ سيغيّر حياتها للأبد.
********************
في فيلا عاصم
ضوء الشمس يتسلّل بخفوت من بين الستائر. عاصم يجلس على مقعد جلدي أمام مكتبه، أمامه أوراق، جوازات، هاتف، وكوب قهوة بارد منذ ساعات. يرفع الهاتف إلى أذنه، وصوته هادئ لكنه مليء بالخبث والرضا.
عاصم (بصوت منخفض):
ألو، رامي…
رامي (من الهاتف، بصوت رجولي هادئ يحمل لكنة شامية خفيفة):
أهو أنا، يا زعيم. كل حاجة تمام هنا.
الشقة اللي حجزتها في برلين جاهزة، والراجل اللي هيستقبلك في المطار أكد الحجز.
الرحلة الساعة وحدة بعد نص الليل، صح؟
عاصم (ينفث دخان سيجارته، نبرة باردة):
تمام.
الليلة دي، هتبقى آخر ليلة لعيلة الزهراوي وهي مرتاحة.
رامي (ضاحك بخفة):
واضح إنك ناوي تقلب الدنيا، يا مجنون.
بس قولّي، أنت متأكد إنك جاهز؟ العملية كبيرة، ومش هتقدر تتراجع بعد كده.
عاصم (بهدوء مرعب):
أنا ما برجعش يا رامي.
رجوع يعني ضعف… وأنا من بعد اللي حصل لرائد، ما بقيتش أعرف الضعف.
يصمت للحظة، يحدّق في ولاعة بين أصابعه، ثم يهمس وكأنه يحدّث نفسه.
عاصم:
زياد الزهراوي عاش سنين على حسابنا… ضحك على أبويا، سرق كل حاجة، خلاني أتفرج على أخويا وهو بيموت، وأنا عاجز…
دلوقتي دوري.
رامي (بصوت حذر):
بس دي بنته، يا عاصم. ليل ما لهاش ذنب.
عاصم (بابتسامة خفيفة، شريرة):
ما قلتش إني هأذيها، يا رامي.
أنا بس هخلي زياد يحس باللي أنا حسّيته…
يحس بالعجز، بالخوف، بالندم.
هي مش الهدف… هي السلاح.
رامي (يتنفس بعمق):
كويس إنك محدد موقفك، لأنك لو لمست البنت بأذى… اللعبة هتقلب عليك بسرعة.
أنا هنا ظبطت كل حاجة — أوراق السفر، السكن، العربية، الحساب البنكي باسم جديد.
بس اسمعني كويس، عاصم: ما تتأخرش عن الطيارة. بعد نص الليل، الأمور هتصعب.
عاصم (بهدوء قاتل):
اطمن. كل حاجة ماشية على الدقيقة.
ربى هتكون معايا قبل المغرب.
الليلة دي هنختفي، ومحدش هيعرف إحنا فين.
رامي (بنبرة إعجاب ممزوجة بالريبة):
أنت فعلاً مجنون يا عاصم…
بس مجنون عبقري.
خلي بالك من نفسك ومن البنت الصغيرة… ألمانيا مش زي مصر، هناك اللعب له قواعد تانية.
عاصم (بضحكة خفيفة):
أنا دايمًا بلعب بالقواعد… بس بطريقتي.
يضع الهاتف ببطء على المكتب، يحدّق أمامه، وصوته الداخلي يهمس كأنه يكلّم نفسه:
عاصم (بصوت خافت):
هتشوف يا زياد…
هتشوف بنتك وهي بتختفي زي ما اختفى رائد…
بس الفرق إنك المرة دي، مش هتعرف ترجعها.
يبتسم بخبث، ينهض، يفتح درج المكتب، يخرج منه مسدسًا صغيرًا أسود اللون، يتأمله للحظة، ثم يعيده في الدرج بهدوء.
**********************
فيلا الشرقاوي – غرفة ريما – صباح يوم الزفاف
أشعة الشمس تتسلل برقة من بين الستائر الحريرية، تنعكس على فستان الزفاف الأبيض المعلّق بجانب السرير كأنه قطعة من الحلم. الغرفة تغمرها رائحة الزهور البيضاء والياسمين، والموسيقى الهادئة تنبعث من هاتفها الموضوع على التسريحة.
ريما تجلس أمام المرآة، بوجهها الهادئ المرهق من السهر. عيناها اللامعتان تحملان مزيجًا من السعادة والقلق. بجانبها والدتها "نرمين" تنشغل بترتيب الحجاب الأبيض وتعديل التفاصيل الأخيرة.
نرمين (بابتسامة حنونة):
يا بنتي، طول عمري كنت عارفة إن اليوم ده هييجي… بس ما كنتش متخيلة إنك هتكوني جميلة كده، يا ريما.
ريما (تتنفس بعمق، بعينين دامعتين):
ماما… مش عارفة ليه حاسة إن قلبي هيوقف.
النهارده يوم كبير أوي… بس في نفس الوقت حاسة إني داخلة حياة جديدة بخطوة كبيرة قوي.
نرمين (تضحك بخفة):
ده طبيعي يا حبيبتي، كل عروسة بتحس كده.
المهم إنك بتحبي كامل وهو بيحبك، والباقي هيبقى سهل إن شاء الله.
ريما تبتسم، ثم تلمس فستانها الأبيض بخفة وكأنها تخاف أن تفسده.
ريما (بصوت خافت):
تخيلي يا ماما… بعد كام ساعة هبقى مراته.
هنسافر تايلاندا، هنقعد هناك أسبوعين، وبعدها الجزائر… بيت جديد، حياة جديدة…
بحلم من وأنا صغيرة باليوم ده.
نرمين (تضحك):
وانتِ لسه صغيرة يا بنتي، بس خلاص بقيتي عروسة.
بس أوعي تبكي وتبوّزي الميكب لما تيجي الكوافير بعد شوية!
ريما (تضحك بخفة، ثم بصوت حالِم):
كامل دايمًا بيقول لي إن وجودي معاه بيخليه هادي، كأنه أخيرًا لقى السلام اللي كان بيدوّر عليه…
بس الحقيقة إن هو اللي بيخليني أحس بالأمان.
هو مش بس زوجي… هو صديقي، وسندي.
تتوقف للحظة، تحدق في انعكاسها في المرآة، وتلمس عقدًا ذهبيًا على رقبتها، هدية من كامل قبل أسبوعين، وتبتسم بخجل.
ريما (بهمس):
يا رب ما يفرقنا شيء أبدًا.
تدخل "رؤى" إلى الغرفة وهي تمسك فنجان قهوة بيدها وفستانها ما زال على كتفها، تضحك بخفة.
رؤى (بمرح):
يا جماعة، العروسة دي شكلها ناوية تبوّز الميكب قبل الحفلة!
ريما، شكلك وأنت متوترة كأنك داخلة امتحان ثانوي مش فرحك!
ريما (تضحك بخجل):
يمكن لأني مش مصدقة يا رؤى… النهارده فعلاً هيبقى بداية كل حاجة.
رؤى (تغمز بخبث):
إن شاء الله بداية الحب الأبدي، والعسل الأبدي، والشوبينج الأبدي في تايلاندا 😏
أنا بس نفسي أشوف وش كامل وهو يشوفك بالفستان ده. هيموت من الفرحة.
في هذه اللحظة تدخل "ليل" بابتسامة دافئة، ترتدي ثوبًا بسيطًا استعدادًا للذهاب إلى صالون التجميل.
ليل (بحنان):
ريما… مش قادرة أصدق إنك خلاص هتمشي وتسيبينا.
هنفتقدك كلنا، بجد.
ريما (تضحك وهي تمسك بيديها):
أنا مش رايحة بعيد يا ليل، هنكلم بعض كل يوم، ووعد إن أول ما أرجع من تايلاندا والجزائر هتكوني أول واحدة أشوفها.
ليل (بابتسامة حزينة):
وعدتني خلاص… ما تنسيش.
تسود لحظة صمت جميلة، تتبادل فيها الفتيات النظرات المليئة بالمحبة. صوت مراد، والد ريما، يأتي من الخارج بصوته الحازم المألوف:
مراد (من الخارج):
يلا يا بنات! الكوافير بيستنى من بدري، وإحنا متأخرين عن الجدول!
نرمين (تضحك):
حتى في فرح بنته، لسه بيحب النظام!
الجميع يضحك، وريما تنهض بخفة، تمسك فستانها الأبيض وتلتفت نحو المرآة للمرة الأخيرة قبل أن تخرج، تهمس لنفسها:
ريما (بصوت مفعم بالأمل):
ابتدت الحكاية…
*******************
تستدير ريما نحو الباب حين يُفتح فجأة، ليظهر سليم الشرقاوي واقفًا عند العتبة، يرتدي قميصًا أبيض أنيقًا وبنطالًا رسميًا. يداه في جيبيه، وملامحه جامدة تمامًا رغم أن عينيه تحملان توترًا خفيفًا.
سليم (بصوت جاف):
ها، العروسة لسه هنا؟ افتكرتكِ خلاص طرتي تايلاندا بدري كده.
نرمين (تبتسم وهي تهز رأسها):
يا سلام… حتى يوم فرح أختك مش ناوي تبطل جفافك ده؟!
ريما (تضحك بخفة):
سيبيه يا ماما، سليم كده دايمًا، ما يعرفش يقول كلام حلو إلا بالعافية.
سليم (ببرود مصطنع وهو يتظاهر بالتفتيش في هاتفه):
كلام حلو إيه؟ بالعكس، أنا مستني اللحظة اللي تتجوزي فيها عشان أرتاح.
أخيرًا هتختفي من البيت والجد مش هيقارن بيننا كل شوية.
رؤى تضحك بخفة، بينما نرمين تضربه بخفة على كتفه:
نرمين:
يا ولد! دي أختك العروسة، مش زميلك في الشغل!
سليم (بابتسامة جانبية صغيرة):
ما أنا بهزر يا ماما… يعني بصراحة، خلاص بقى. ريما مش ناقصها غير تطير جناحات وتسيبنا نهائي.
ريما تقترب منه بخطوات هادئة، ترفع حاجبيها بتحدٍ لطيف:
ريما (بمزاح):
يعني مش هتوحشني ولا حتى شوية؟
سليم (يتنفس بعمق ويحاول الاحتفاظ ببروده):
لا، بالعكس، هتبقيلي مساحة أكتر في البيت.
وأقدر أتعشى بهدوء من غير ما أسمع خططك عن السفر وتايلاندا وكامل والبيت الكبير في الجزائر.
صمت لثوانٍ، ثم تضحك ريما بخفة وهي تهز رأسها، تقترب منه أكثر وتقول بنعومة:
ريما:
كاذب.
انت عارف إنك هتوحشني أكتر من أي حد.
يحاول سليم الرد، لكنه يشيح بوجهه بسرعة، ثم يتمتم بصوت خافت لا يقنع أحدًا:
سليم:
أنا؟ لا طبعًا… يعني عادي.
تبتسم نرمين وهي تضع يدها على صدرها وكأنها تراقب مشهدًا مؤثرًا، بينما رؤى تهمس بخبث:
رؤى (بهمس):
التمثيل باين عليه فشل من أول جملة 😏
ريما تضحك، ثم تحتضن سليم فجأة، فيتجمد مكانه لوهلة ثم يزفر أخيرًا ويضمها بقوة، ويغلق عينيه كأنه يحبس دموعه.
سليم (بصوت مبحوح):
خلي بالك من نفسك، ريما.
ما تسيبيش حد يضايقك هناك… لو كامل زعلك بس، هسافرله بنفسي.
ريما (تضحك وهي تمسح دموعها):
هو مش هيزعلني أبدًا، يا حبيبي.
وأنا كمان هوحشك. قوي.
تتراجع ريما خطوة للخلف، تنظر إليه بابتسامة فخورة، بينما نرمين تنظر إليهما بعينين دامعتين وتهمس:
نرمين (بابتسامة):
ما شاء الله… أهو ده اللي كنت مستنياه. أخ وأخته قبل الفرح بساعتين، ودموع ومشاعر!
رؤى (تضحك):
وأنا كنت فاكرة سليم روبوت، طلع عنده مشاعر والله 😂
سليم يرسل لها نظرة تحذيرية خفيفة بينما ريما تضحك بصوت مرتفع، والجو يمتلئ بدفء العائلة ولحظة حب صافية قبل العاصفة القادمة…
*******************
في شقة فاخرة في وسط القاهرة — المساء
الجو خانق برائحة دخان السجائر والعطر الرخيص. الستائر الثقيلة تحجب الضوء، والموسيقى الخافتة تنبعث من زاوية الغرفة، تختلط مع ضحكٍ باهتٍ يخلو من الدفء.
يجلس نديم على الأريكة، قميصه مفتوح الزرّين العلويين، بيده كأس نصف ممتلئ، وعيناه تقدحان خبثًا. على الطاولة أمامه بقايا طعام فاخر، وأوراق متناثرة، وجهاز حاسوب محمول يلمع بشاشة مفتوحة على مخططٍ غامض.
صوت امرأة خلفه، بضحكة خفيفة:
المرأة: شكلّك مبسوط النهارده يا نديم… في حاجة كبيرة ناوي عليها؟
يبتسم هو، تلك الابتسامة التي لا تشبه الفرح أبدًا:
نديم: "مبسوط؟ آه... تقدرِي تقولي كده. الخطة ماشية زي السهم…
عاصم القاسمي، البطل العظيم، أخيرًا وقع في الفخ اللي صنعناه له بإيده."
تقترب المرأة وتجلس مقابله، نظراتها فضولية:
المرأة: "بس ده راجل مش سهل، وورا فلوس وسُمعة… إزاي قدرت تسيطر عليه كده؟"
يرتشف رشفة بطيئة من كأسه، ثم يضحك بمرارة:
نديم: "من زمان… من أيام الجامعة، وأنا عارف إن جواه عقدة نقص، شايف نفسه دايمًا أقل من أخوه رائد.
كل اللي احتجته إني ألمسه عند النقطة الصح. أقنعته إن زياد الزهراوي السبب في موت أخوه، وصدق… صدق كأنه طفل."
ترفع المرأة حاجبها بدهشة:
المرأة: "بس رائد… ما ماتش بسبب الزهراوي صح؟"
ينفجر نديم ضاحكًا، ضحكة باردة تشبه صفير الموت:
نديم: "لا طبعًا… الزهراوي بريء، بس مش مهم. المهم إن عاصم حيولّع الدنيا انتقام، وأنا أقعد أتفرج."
يخفض صوته وهو يعبث بالكأس بين أصابعه.
"ولما يتعب كفاية… لما يدمّر نفسه تمامًا… هكون أنا اللي ياخد مكانه، في الشركة… وفي الحياة."
تسأله المرأة بفضول متصنّع:
المرأة: "وليه مصرّ تتجوز أخته المشلولة دي؟ ما فيش فايدة منها…"
وجهه يظلم، وصوته يصبح أشبه بالسمّ:
نديم: "ربى؟ هي مفتاحي…
طول ما هي على قيد الحياة، أقدر أتحكم في عاصم زي الخاتم في صباعي.
وهو هيفضل يصدق إنّي صديقه الوحيد اللي بيحميه من الكل."
المرأة تنظر إليه بدهشة ممزوجة بالاشمئزاز:
المرأة: "إنت فعلاً شيطان يا نديم."
يبتسم ببطء، عينيه تلمعان بلون الظلال:
نديم: "الشيطان على الأقل صادق مع نفسه… وأنا؟ أنا بسّ بعرف أستغل الفرص."
يرمي الكأس على الأرض فيتحطم، ثم ينهض ببطء، يمسح على شعره ويتجه نحو النافذة، حيث تظهر أضواء المدينة المتلألئة كأنها نارٌ تشتعل في قلب الليل.
نديم (بصوتٍ منخفض): "قريب جدًا… الكل هيتحرق."
**********************
نديم (بحنق):
"اللي مضايقني مش عاصم لوحده… اللي مضايقني الاتنين اللي دايرين حواليه زي الحُرّاس.
سليم القيصري… وبيجاد."
المرأة (بتردد):
"سليم القيصري؟ ده مش صاحبه القديم؟"
نديم (بسخرية قاتمة):
"قديم قوي… قديم لدرجة إنه بقى يعرف كل حاجة عن ماضيه، وده بالظبط اللي مخوفني.
سليم ده مش سهل، فاهم الدنيا زيادة عن اللزوم، ودماغه كلها خطط واحتياط.
ما بينامش غير لما يطمن إن عاصم بخير."
يتجه ناحية النافذة، يفتحها بقوة، يترك هواء الليل البارد يندفع للداخل كأنه يحاول تهدئة نيرانه.
نديم:
"وبيجاد؟ ده التاني ما بيطيقنيش أصلًا. شايفني متسلق، كذاب، منافق.
مش قادر يخبي نظرته كل ما أقعد معاهم، كأنه شايف جوا دماغي."
المرأة:
"طب ما تحاولش تكسبهم في صفك؟ تبان طيب قدامهم؟"
نديم (بضحكة قصيرة خالية من الفرح):
"جربت يا حبيبتي… جربت ألبس القناع الحلو اللي الكل بيصدّقه.
لكن سليم القيصري عنده حاسة سادسة كده، بيشم الرياء من بعيد.
وبيجاد؟ لو أقدر أخلّص منه النهارده قبل بكرة، هنام مرتاح."
تتردد المرأة، ثم تسأله بخوف واضح:
المرأة: "هتعمل إيه؟"
نديم (ينظر إليها بثبات، صوته هادئ لكنه قاتل):
"هخلّيهم يشكّوا في بعض…
أخلي سليم يفتكر إن بيجاد خان عاصم، وبيجاد يفتكر إن سليم بيخبي عليه حاجة كبيرة.
شوية ضغط، شوية إشاعات، وهما يتكفلوا ببعض."
المرأة: "ولو ما نجحتش خطتك؟"
نديم (يبتسم ابتسامة باردة وهو يطفئ سيجارته في الكأس):
"ما تقلقيش… الحوادث بتحصل كل يوم.
عربية تفقد السيطرة، رصاصة طايشة، مصيبة صغيرة… ومفيش سليم ولا بيجاد."
المرأة تنظر له بخوفٍ صادق: "كل ده علشان عاصم؟"
نديم (ينحني نحوها ببطء، يهمس بنبرة شيطانية):
"مش علشانه… علشان اللي أنا خسرته بسببه.
عاصم فاكر إن اللي حواليه أوفياء، بس قريب جدًا… هيكتشف إن أوفى الناس ليه كان عدوّه من البداية."
********************
في قاعة الزفاف الكبرى، القاهرة — الساعة 17:30
الأضواء تتراقص في كل زاوية، القاعة تلمع بثريات كريستالية ضخمة، تتدلى من السقف كأنها نجوم اصطناعية. الموسيقى الكلاسيكية الهادئة تملأ الجو، وضحكات الحضور تمتزج برائحة العطور الفاخرة والزهور البيضاء التي تزين المكان.
ريما، عروس المساء، تجلس على العرش المذهب، وجهها مشرق بالفرح والرهبة، وإلى جانبها كامل بثوبه الأنيق ونظراته المليئة بالعشق.
المصورون يلتقطون الصور، وأصوات التصفيق تتعالى مع دخول كل ضيف جديد.
لكن بين كل هذا البهاء…
كانت ليل تشعر بشيء غريب.
ليل (بهمس لحور):
"ماما… مش عارفة ليه حاسة قلبي مش مرتاح… في حاجة غلط."
حور (تبتسم بخفة وتحاول أن تبدو مطمئنة):
"قلبي، يمكن توتر بس، ده أول حفل كبير تحضريه من فترة طويلة… الجو، الزحمة، الإضاءة."
ليل (تحدّق نحو الأبواب الواسعة للقاعة):
"مش بس كده… حلمت الصبح بكابوس، كنت حاسة إني محبوسة في مكان مظلم… وكل ما أصرخ محدش يسمعني."
حور (تمد يدها وتربت على كف ابنتها):
"الأحلام مش دايمًا نذير شر، يا ليل. يمكن بس خوفك من التغيير… كل حاجة حواليك بتتبدّل."
تسكت ليل قليلًا، تنظر حولها.
رؤى تضحك بصوتٍ عالٍ مع مجموعة من الفتيات، وسليم الشرقاوي واقف عند طاولة العصائر يتحدث مع زين، بينما العازف يبدّل الموسيقى إلى إيقاع أكثر حيوية.
لكن رغم البهجة، شيء في عيني ليل كان مطفأً… كأنها تشعر أن الليل سيحمل ما لن يُنسى.
حور (بنبرة أمٍّ قلقة لكنها تحاول الثبات):
"ما تركزيش في الإحساس ده، يا ليل… الليلة دي لازم تكون ليلة فرح. ريما تستاهل تشوفيك مبتسمة."
ليل (تجبر نفسها على ابتسامة باهتة):
"أكيد… بس الغريب إن الجو… خانق، كأنه في حد بيبصلي."
حور (تنظر حولها بتوتر بسيط):
"محدش بيبص يا بنتي، دي مجرد أوهام."
لكن حور، دون أن تُظهر، نظرت بسرعة حولها…
وشعرت للحظة بأن هناك عيونًا تراقبهم فعلًا من بعيد، من طرف القاعة المزدحم.
كانت نظرة ثابتة، باردة…
عيون رجلٍ يجلس في الظلّ، لا يبتسم ولا يتحدث مع أحد.
الموسيقى ترتفع، يعلن منسق الحفل بداية فقرة الزفة، وتتعالى صيحات الفرح.
الجميع يصفّق، وليل تحاول المشاركة، لكنها تبقي يدها ممسكة بكف والدتها بقوة، كأنها تستمد منها الأمان.
ليل (بهمس):
"ماما… ممكن نرجع بدري؟ بعد ما نبارك لريما وكامل؟"
حور (تبتسم بخفوت):
"لو تعبتي فعلًا، هنرجع، بس بعد العشا؟"
ليل (تهز رأسها بخوف مكتوم):
" تمام… بس نفسي الإحساس ده يختفي."
في هذه اللحظة، تمرّ ريما بجانبهما مع كامل وهي تضحك،
لكن ليل، للحظة خاطفة، تلتفت نحو الباب الخلفي للقاعة…
وترى ظلّ رجلٍ يختفي بهدوء، كأنه يتجنب الأنظار.
عيناه… مألوفتان بطريقة مزعجة.
لكنها لا تتذكر من أين.
******************
تزداد أنوار القاعة بريقًا مع دخول ضيف جديد، تتوجه إليه الأنظار فورًا — رجل في منتصف الأربعينيات، أنيق الملبس، وسيم الملامح، يحمل في عينيه دفئًا وحنينًا.
هو مازن الزهراوي — التوأم المفقود في زحمة العمل والسفر، وشقيق حور الذي لم تره منذ شهور طويلة.
ما إن لمحها حتى اتسعت ابتسامته، واندفع نحوها بين الحضور بخطوات سريعة.
مازن (بحماس ممزوج بالعاطفة):
"حور! يا الله، وحشتيني قد إيه!"
حور (تبتسم بعينين دامعتين وهي تنهض لتعانقه):
"مازن! إنت فعلاً جيت؟ كنت فاكرة الشغل مش هيسيبك حتى في يوم زي ده!"
مازن (يضحك وهو يحتضنها بقوة):
"أسيب أختي تتفرج على الزفة من غير أخوها؟ دي تبقى مصيبة! لو اجتمع العالم كله ما كنت فوت الليلة دي."
ليل (تبتسم بسعادة وهي تقترب):
"خالو مازن! أخيرًا شُفناك! كنت فاكراك نسيتنا خلاص."
مازن (ينحني ليقبل جبينها):
"أنسى مين يا قمر العيلة؟ ده أنا كل مرة بشوف صورتك بقول دي بقيت شابة وأنا لسه في دوامة الاجتماعات!"
حور (مازحة):
"بس واضح إن الاجتماعات مأثرة عليك، باين إنك سهرت كتير."
مازن (يمثل الجدّية):
"أيوه، كله من العمل. بس والله مش قادر أقول لأ لأختي. لما عرفت إن عندنا فرح في العيلة، قلت لازم أجي، مش بس عشان ريما، عشان أشوفكم وأعوض الغياب."
يجلس الثلاثة إلى طاولة قريبة، والأنوار حولهم تلمع بانعكاس الكريستالات على وجوههم.
ليل تراقب عمه التوأم بدهشة وسعادة، فهي تحبه بشدة وتشعر أنه يخفف دائمًا توتر أمها.
مازن (ينظر إلى ليل بحنان):
"كبرتي بسرعة يا ليل، كنت لسه فاكر آخر مرة شوفتك فيها… كنتي عاملة دوشة في الفيلا عشان الكيك، فاكرة؟"
ليل (تضحك بخجل):
"أكيد فاكرة! كنت بتضحك عليا وأنا واقعة على الأرض."
حور (بنغمة حنونة):
"هي لسه نفس الطفلة، بس عنيدة أكتر."
مازن (ينظر لحور بابتسامة دافئة):
"زي أمها بالظبط. عنيدة بس قلبها أبيض، وأنا اللي أعرفك كويس يا حور."
حور (تضحك):
"لسه فاكر الأيام دي؟"
مازن (بصوت يلين بالعاطفة):
"أنساها إزاي؟ كنا طول الوقت سوا، حتى بعد ما كل واحد اتجوز وانشغل، عمري ما حسيت إن في حد يفهمني زيك."
ليل (بمرح):
"يعني أنا مش موجودة ولا إيه؟! أنا سامعة كل الكلام يا خالو!"
مازن (يضحك ويربت على كتفها):
"انتي دايمًا موجودة يا عسل، بس الحب القديم بيني وبين أمك مفيهوش منافس."
حور (تضحك بحرارة):
"خلاص يا مجنون، الناس هتفهم غلط!"
****************
الأضواء الملونة تلمع، والموسيقى ترتفع تدريجيًا مع صوت الدي جيّ.
تعلو ضحكات المدعوين، والنساء يصفقن بحماس بينما الفتيات يرقصن وسط القاعة.
ورؤى الزهراوي — كالعادة — في المنتصف، تلفّ بفستانها الوردي البراق، شعرها المنسدل يتطاير، وابتسامتها تملأ المكان.
زين (واقف بجانب سليم الشرقاوي وهو يصفق):
"بص بص… أهي نجمة الحفلة كالمعتاد! بنت خالك مولعة القاعة كلها."
سليم (يضيّق عينيه بنظرات غيرة مكتومة):
"دي مش نجمة، دي كارثة متنقلة."
زين (يضحك بخبث):
"كارثة؟ شكلك كده غيران يا دكتور جدي!"
سليم (بعصبية):
"أنا؟ أغير؟ من دي؟! دي عقلها طاير… رقص وغنا وضحك، لا تعرف وقار ولا احترام و لا أدب."
زين (يميل نحوه هامسًا):
"بس عينك مش راضية تسيبها، كل شويّة تبص وتشوف مين بيرقص جمبها."
سليم (مقطب الحاجبين):
"لأن نص الشباب اللي هناك عيونهم مش عليها بس، على كل تفصيلة فيها… وده يضايقني."
زين (بمرح):
"يبقى ده اسمه إيه غير غيرة؟"
سليم لم يردّ، فقط زفر بضيق، ثم تقدّم نحو القاعة بخطوات واثقة، كمن اتخذ قرارًا حاسمًا.
رؤى لاحظته يقترب، ابتسامتها تلاشت للحظة، ظنّت أنه قادم ليوبّخها، لكن المفاجأة كانت حين أمسك بيدها فجأة وسحبها بخفة نحو وسط القاعة.
رؤى (مذهولة وهي تحاول التملص):
"إنت بتعمل إيه يا مجنون؟!"
سليم (ينظر لها بعينين غاضبتين):
"برقص معاكي، بدل الشباب اللي كانوا هيبلعوك بنظراتهم!"
رؤى (تشد يدها):
"مالكش دعوة بيا! أنا حرّة أرقص مع مين ما يعجبني!"
سليم (يقترب منها، صوته منخفض لكن غاضب):
"طول ما أنا هنا… لأ، مش حرة."
رؤى (تتراجع نصف خطوة، غاضبة لكنها متوترة):
"آه فعلاً؟ ومن إمتى بقيت تملكني؟ ولا دي الغيرة اللي بتحاول دايمًا تنكرها؟!"
سليم (يشدها ناحيته بخفة وهو يبتسم ابتسامة جانبية):
"أنا مش بغير، بس بحافظ… وده الفرق، يا شقية."
تتصلب ملامح رؤى في البداية، ثم تلمع عيناها ببريق خفيف من الغضب الممزوج بالارتباك.
الموسيقى تتغير إلى نغمة أكثر هدوءًا، وسليم يلفها بخطوات محسوبة — رغم اعتراضها، وجدا نفسيهما يرقصان بتناغم غريب، بين الجدّ والعناد، بين الغضب والكهرباء المتبادلة.
من بعيد، يقف زين واضعًا يديه في جيبه، يراقبهما بابتسامة واسعة.
زين (بصوت منخفض لنفسه):
"يا عمّ، لو الغيرة دي مش حب، يبقى أنا مش زين."
يلتفت نحوه سليم، وكأنه سمع التعليق، فيرسل له نظرة تحذيرية مليئة بالغيظ.
زين (يرفع حاجبيه مازحًا ويغمز):
"إيه يا غيور؟ ركّز في الرقصة بدل ما تبصلي!"
سليم (يرد من بين أسنانه):
"زين، بعد الحفلة دي هنتحاسب!"
زين (يضحك بخفة):
"تمام، بس سيبني أشهد أول رقصة حب علنية بينكم قبل كده!"
سليم (بصوت خافت):
"المرة الجاية، ما تخلّينيش أشوفك بترقصي لوحدك."
رؤى (ترد بحدة لكنها تبتسم):
"ولو عملت؟"
سليم (ينظر في عينيها بثقة):
"مش هسيبك."
خلف قاعة الحفل، في ممرّ جانبي مهجور يطل على الحديقة الخلفية للفندق.
أصوات الموسيقى والضحك تبهت تدريجيًا كلما ابتعدت ليل، فستانها الفضي يلمع تحت ضوء المصابيح الخافتة، والكعب العالي يطرق الأرض بخفة مضطربة.
ليل (بقلق وهي تمسك هاتفها):
"أدهم! مازن! فينكم يا ولاد؟!"
تتلفت حولها، لا أحد يجيب.
كل ما تسمعه هو هدير المكيّفات وصوت الرياح وهي تعبث بالأوراق المتناثرة على الأرض.
تقترب أكثر من باب خلفي مفتوح نصف فتحة، تنظر من خلاله إلى الساحة الخلفية — مظلمة، شبه مهجورة.
ليل (تتنفس بارتباك):
"أكيد بيهزروا كالعادة… أدهم؟ مازن؟!"
تتقدم ببطء، خطواتها مترددة، وكل إحساس داخلها يصرخ بالرجوع… لكنها لا تستمع.
تتوقف فجأة حين تسمع صوت شيء يقع خلفها.
تستدير بسرعة — لا أحد.
تضحك بخفة عصبية:
ليل (تحاول تهدئة نفسها):
"شكلي اتجننت… ده مجرد حلم سخيف تاني."
ثم تسمع همسة منخفضة خلفها — همسة رجل
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 5
بعد كام ساعة في قاعة فخمة مضاءة بألوان ذهبية وبيضاء، الأضواء تتراقص على السقف البلوري، والموسيقى الشعبية المصرية تملأ المكان.
الساعة تشير إلى الثامنة مساءً.
صوت الـDJ:
(بحماس) يلا نحيّي العرسان! أحلى زغروطة لريما وكامل يا جماعةااااااااا! 🎉🔥
القاعة تهتز بالتصفيق والزغاريد. كامل يمسك بيد ريما، يضحكان بسعادة وهما يبدآن الرقص وسط تصفيق الجميع.
ريما (تضحك وهي تلتفت لكامل):
كامل! الكل بيبص علينا، خف شوية! 😆
كامل (بابتسامة عاشقة):
وليه أخف وأنا شايف أجمل عروسة في الدنيا كلها؟ لو فيّ صوت كنت غنيت كمان!
ريما:
أحسنلك ما تغنيش، كفاية إنك رقصت 😅
الجميع يضحك حولهما. رؤى تمسك يد سليم الشرقاوي وتجرّه نحو ساحة الرقص.
رؤى (بحماس):
يلا يا بارد، يوم فرح ولا جنازة؟ قوم!
سليم (بابتسامة مترددة):
أنا مبرقصش يا رؤى، بس واضح إنك مش هتسيبيني 😂
زين (يصفق بإيقاع الموسيقى):
أيوه كده! يا جماعة الحفلة نورت لما سليم قرر يتحرك!
رؤى (تضحك):
هو بالعافية بيتحرك، بس ماشي، اعتبرها معجزة الزفاف!
حور والدة ليل تجلس بجانب زوجها زياد، يبتسمان وهما يشاهدان الجميع يرقص.
حور (تتنهّد بسعادة):
شوف البنات يا زياد، ولا واحدة قاعدة… حتى رؤى اللي كانت دايمًا بتقول “أنا مابرقصش”!
زياد (ضاحكًا):
الفرح له طاقة غريبة… يخلي الناس تنسى الدنيا كلها.
على الجانب الآخر، مازن خال ليل يرقص مع زوجته ملك بخفة، ويدوران بين المدعوين.
ملك (تضحك):
مازن، بطّل تتمايل كده، الناس بتصور!
مازن:
يصوروا براحتهم، ده يوم فرح بنت أختي الروحية، لازم أفرح كأني العريس نفسه!
نرمين والدة سليم وريما تصفق على الإيقاع وهي تقول لمراد زوجها:
نرمين:
شوف بنتنا يا مراد، طايرة من السعادة. الحمد لله يا رب، حلمي اتحقق.
مراد (بعينين رطبتين):
فعلاً… كأنها كانت مبارح صغيرة بتجري في البيت… والنهارده عروسة.
سليم (شقيق ريما) يقترب منهما مبتسمًا:
بابا، ماما… متفقين إنكم هتسيبولي نص الكعكة على الأقل؟ 😏
نرمين:
إنت بتفكر في الأكل حتى في فرح أختك؟!
سليم:
ده أنا بحاول أستعد نفسيًا للعزوبية اللي جاية بعد ريما. 😅
***********************
الأنوار الساطعة تتراقص فوق رؤوس المدعوين، الموسيقى في ذروتها، الجميع يرقص ويصفق…
وفجأة —
صوت «طقطقة» خافت، ثم ينطفئ كل شيء.
إظلام تام.
صرخات خفيفة… أصوات همهمة وارتباك.
رؤى (بصوت متوتر):
إيه اللي حصل؟! النور قطع ولا دي مفاجأة من الـDJ؟
سليم الشرقاوي:
اهدوا يا جماعة، يمكن عطل بسيط…
زياد (ينادي):
حور! فين ليل؟! ليل كانت هنا من شوية!
حور (تلتفت حولها بقلق):
كانت بتدور على إخواتها… قالتلي هترجع بعد دقايق بس…
ريما (بخوف):
أكيد راحت برة القاعة، يمكن النور رجع حالًا…
فجأة، الشاشة الضخمة خلف منصة الـDJ تومض بضوء أزرق باهت… ثم يظهر وجه “عاصم خالد القاسمي”. ملامحه قاسية، عيناه تشتعلان غضبًا.
صوت همهمة بين الحضور.
مراد (مصدوم):
عاصم؟! مستحيل… ده مش هو؟
زياد (واقف، صوته يرتجف):
عاصم… يا ابني، فين كنت؟ إيه اللي بيحصل؟
عاصم (من الشاشة، بصوت بارد ومتهكم):
مساء الخير… أو بالأصح، مساء الخراب يا شركاء بابا.
صوت صدمة بين الحضور. حور تضع يدها على فمها بخوف.
عاصم (يتابع):
سمعت إن النهارده فرح بنت مراد الشرقاوي… ما شاء الله، القاعة فخمة جدًا.
كنت أتمنى أكون معاكم، لكن للأسف… أنا مش فاضي أرقص، عندي ثأر أحققه.
زياد (بصوت مرتجف):
ثأر؟ عن أي ثأر بتتكلم يا عاصم؟
عاصم (يضحك ضحكة ساخرة):
عن موت “رائد خالد القاسمي” يا زياد… فاكر؟ ولا فقدت الذاكرة مع كثرة حساباتك البنكية؟
همهمة خافتة بين المدعوين، مراد ينظر بذهول إلى زياد، بينما أدهم يقف جامدًا مكانه.
أدهم:
إنت بتقول إيه؟ رائد مات في حادث!
عاصم:
حادث؟! هههههه… أيوه، دي الرواية اللي أنتوا كتبتوها.
بس أنا مش غبي زي ما كنتوا فاكرين.
عرفت الحقيقة… والانتقام بدأ النهارده.
زياد (بصوت مرتفع، غاضب):
انتقام؟! من مين؟!
عاصم (يميل قليلاً للأمام على الشاشة):
منك… ومن كل من داس على اسم “خالد القاسمي”.
وابدأ بـ...
(صمت لثوانٍ طويلة، ثم بابتسامة باردة)
ببنتك يا زياد.
صرخات في القاعة، زياد يصرخ:
زياد:
إنت عملت إيه يا مجنون؟! فين ليل؟!
عاصم (بهدوء قاتل):
ليل؟ … دلوقتي في مكان آمن.
لكن للأسف، مش هتشوفوها تاني.
اعتبروها… أول دم في سلسلتي.
حور (تصرخ بانهيار):
لاااااااااااااااااااا! ليل بنتي! 😭😭
(تحاول التقدم نحو الشاشة وكأنها تراها)
عاصم!! رجّعها! رجعها حالًا!!
ريما (تصرخ):
يا رب!! حد يتصرف! دي ليل!!
كامل (يمسك بذراع زياد):
لازم نبلغ الشرطة فورًا! ده مختل!
زياد (ينهار جالسًا على الأرض، يهمس بصدمة):
مش ممكن… مش ممكن الولد ده يعمل كده… أنا كنت بحبهم زي أولادي…
عاصم (من الشاشة، بنبرة باردة):
أنا ما بحب أكرر كلامي، بس النهارده…
ابتدينا من عندك يا زياد.
استعدوا…
لأن اللي جاي…
أسوأ.
الشاشة تنطفئ فجأة. يعود الظلام الكامل للحظة، ثم تعود الأضواء لتكشف القاعة في فوضى كاملة — صرخات، دموع، هرج، العروس تبكي، والفرحة تتحول إلى كابوس.
مراد (بصوت مرتجف):
اتصل بالشرطة حالًا! مفيش ثانية نضيعها!
نرمين (تحتضن ريما الباكية):
يا رب استرها علينا… يا رب رجعها لأمها بالسلامة…
حور تنهار أرضًا وهي تصرخ:
ليل! بنتي ليل!!! 😭😭😭
*******************
في مكان آخر
عاصم الذي يقود بسرعة كبيرة.
وجهه جامد، لا أثر للرحمة فيه.
في المقعد الخلفي — ليل نائمة تمامًا، رأسها مائل على الكتف، ملامحها هادئة كأنها طفلة.
بجانبها ربى على كرسيها المتحرك، تنظر إليها بعيون حزينة قلقة.
عاصم (بصوت منخفض وهو يضغط على المقود):
انتهى زمن الهدوء يا زياد…
كنت فاكر إني هنسى؟ هنسى رائد؟
(ضحكة قصيرة باردة)
مفيش نسيان… في حساب.
صمت قصير، صوت المحرك يعلو، والريح تضرب النوافذ.
(حديث داخلي لعاصم):
كل خطوة محسوبة…
رامي في ألمانيا جهز كل حاجة.
جوازات السفر، البيت، حتى التذاكر…
بس أهم حاجة إن البنت دي ما تصحاش قبل ما نوصل المطار.
ينظر في المرآة الخلفية، يرى وجه ليل النائم، لمحة صغيرة من التردد تمر بعينيه ثم يشيح بنظره بسرعة.
عاصم (في سره):
وشها بريء أوي… بريء لدرجة بتوجع.
(يتنفس بعمق، يهمس)
بس لا… مفيش رحمة. دي بنت زياد.
الدم بالدم.
يلتفت قليلًا نحو ربى التي تحدق فيه بعينين دامعتين، كأنها تستجديه دون صوت.
عاصم (يلتفت نحوها):
ما تبصيش كده يا ربى.
عارف إنتِ بتفكري في إيه…
بس صدقيني، أنا مش بعمل ده عشان نفسي، أنا بعمله عشان رائد.
ربى تهز رأسها نفيًا خفيفًا، عيناها تلمعان، كأنها تصرخ داخليًا: “أنت غلطان!”
عاصم (يتنهد):
لو كنتِ تقدري تتكلمي، كنتِ يمكن فهمتيني…
أو يمكن كنتِ أول واحدة تكرهيني.
يقطع الصمت صوت هاتفه يرن — يظهر على الشاشة: "رامي ".
عاصم (يرد وهو يقود):
أيوه يا رامي، كله تمام.
(ينظر للمرآة الخلفية)
البضاعة معايا.
رامي (من الهاتف، صوته واثق):
كويس. الطيارة الخاصة جاهزة، والناس بتوعي مستنيينك في المطار.
بمجرد ما توصل، هتدخلوا من البوابة الجانبية.
بس خليك حذر، القاهرة مولعة بعد اللي حصل في الفرح.
عاصم (بابتسامة جانبية):
خليهم يولعوا. خلاص اللعبة بدأت، ومفيش رجعة.
رامي:
ها، والفتاة؟
(نغمة خبث خفيفة في صوته)
جميلة زي ما قلت؟
عاصم (بحدة):
اقفل الموضوع ده يا رامي.
هي مجرد وسيلة. مفهوم؟
رامي (يضحك):
وسيلة… وسيلة بتشبه الملاك، أيوه يا صاحبي، مفهوم.
عاصم (بغضب، يقطع الاتصال):
تفكيرك القذر يا رامي هو اللي مخليني مش مرتاحلك أبدًا.
صمت. ينظر في المرآة الخلفية مرة أخرى إلى وجه ليل، ثم يهمس لنفسه:
عاصم:
أنا مش زيه… مش هلمسها.
هي بس… وسيلة.
(يتنفس بعمق)
بعدها كل حاجة هتنتهي…
*****************
في قاعة الزفاف
ريما ترتجف وهي ممسكة بذراع زوجها كامل، ودموعها تنزل ببطء.
حور تقف مذهولة في مكانها، تنظر في كل الاتجاهات كأنها تنتظر أن تظهر ليل من بين الحضور.
حور (بصوت مبحوح):
فين بنتي؟! حد يقولي فين ليل؟!!
زياد (بصوت غاضب لكنه يحاول السيطرة):
اهدِي يا حور، هنلاقيها… أكيد في سوء تفاهم… يمكن تهكّر الصوت أو في حد بيمزح!
رؤى (تبكي وتقترب من زياد):
عمو، ده مش مزاح! أنا شفت الخوف في صوت الراجل ده!
كان بيتكلم جد، كان بيتكلم وكأنه فعلاً عارفنا كلنا!
نرمين (تضع يدها على كتف حور برفق):
حبيبتي حور، اقعدي شوية، ما ينفعش تفضلي واقفة كده، ممكن نجيب لك مية.
حور (تبعدها بعصبية، تنهار باكية):
ابنتي! كانت هنا من شوية! كانت بتضحك وبتتكلم… إزاي؟! إزاي اختفت كده؟!!
جميلة (بصوت خافت):
يا رب استر… يا رب رجعها سالمة، دي لسه طفلة…
مازن (يتدخل محاولًا التماسك):
كفاية كده، لازم نتصرف بعقل.
(يلتفت نحو زياد)
زياد، الكلام اللي اتقال… الراجل ده اسمه “عاصم”، صح؟
أنت تعرفه؟
زياد (ينظر إلى الأرض لحظة، ثم يرفع رأسه بنظرة حادة):
كنت أعرف أبوه، خالد.
كان صديق عمري.
(يتنفس بعنف)
بس ابنه… ابنه ده اتحول لوحش، بيحملني ذنب مقتل أخوه!
رائد مات، آه، بس أنا ماليش علاقة!
ورغم كده… فضل يطاردني، حتى وهو مش ظاهر!
ادهم (بغضب):
يعني هو ده اللي اتكلم دلوقتي؟!
اللي خطف بنتك؟!
(يضرب بقبضته الطاولة)
والله ما هيسكت إلا لما نجيبه، أنا هبلغ الشرطة فورًا.
مراد الشرقاوي (يحاول تهدئته):
استنى يا ادهم، بلغ أكيد، بس لازم نكون أذكى منه.
اللي خطفها عنده خطة، واضح إنه مش تصرف لحظة غضب.
فيه تنسيق، فيه إعداد.
زين (ينظر حوله بارتباك):
بس هو قال اسم زياد تحديدًا…
يعني مش سرقة أو خطف عشوائي، دي قصة قديمة شكلها!
ريما (تجهش بالبكاء، كامل يحاول تهدئتها):
ده حفل زفافي، ليه الليلة دي تتحول لكابوس؟
يا رب تكون بخير يا ليل… يا رب.
حور (تجلس على الأرض، وجهها باهت):
كنت حاسة النهارده إن قلبي مقبوض… كنت حاسة إن حاجة وحشة هتحصل…
(تغطي وجهها بكفيها وتبكي بحرقة)
رجّعولي بنتي… رجّعولي بنتي بس!
ملك (زوجة مازن، تمسك بها لتواسيها):
حبيبتي حور، البنت هترجع، ثقي في ربنا…
مش ممكن يكون أذاها، دي أكيد خطة ضغط على زياد، مش أكتر.
رؤى (تصرخ بعصبية وهي تمسح دموعها):
بس ليه؟! ليه فيها هي؟!
ليل طيبة، ما ليهاش ذنب فحاجة!
زياد (بصوت خافت لكنه مملوء بالنار):
لأنها بنتي… وده كفاية عشان ينتقم فيا.
بس والله ما هسيبه.
(يقبض يده بقوة)
أنا اللي هنتقم المرة دي، وهخليه يندم إنه فكر يلمس شعرة منها.
مراد (بحزم):
زياد، خليك عاقل. الانتقام مش حل، البنت أولًا، نجيبها بالسلامة وبعدها لكل حادث حديث.
زياد (بصوت منخفض لكن غاضب):
أنا مش هرتاح غير لما أشوفه بيتوسل… زي ما أنا هتوسل النهارده علشان بنتي.
*********************
الجو متوتر، صوت بكاء حور لا يزال يملأ المكان رغم محاولات ملك ونرمين تهدئتها.
ريما تجلس بجوار والدها مراد، عيناها متورمتان من الدموع، وكامل يقف خلفها مرتبكًا، لا يعرف ماذا يفعل.
ريما (بصوت متحشرج):
بابا… مش هقدر أمشي.
إزاي أروح تايلاندا وأنا مش عارفة ليل فين؟!
إزاي أعيش لحظة فرح، وأختي الصغيرة يمكن تكون… (تغطي وجهها وتبكي)
كامل (يجلس بجانبها، يمسك يدها):
معاها حق، عمي.
الوقت ده مش وقت سفر ولا شهر عسل… هنفضل هنا، يمكن نقدر نساعد في أي حاجة.
مراد (يحاول الحفاظ على صوته ثابتًا لكنه متأثر):
أنا فاهمكم كويس، بس اسمعوني…
وجودكم هنا مش هيفيد بحاجة دلوقتي.
الشرطة اتحركت، وزياد مش هيسكت، وأنا كمان مش هسكت.
بس إنتِ يا ريما… وجودك هنا هيخليكي تنهاري أكتر
ريما (تهز رأسها بقوة):
بس دي أختي، يا بابا!
إزاي أسيبها كده؟ إزاي أروح أحتفل وأنا قلبي بيولع؟
مراد (يجلس مقابلها، يضع يديه على كتفيها):
يا بنتي، مش بطلب منك تحتفلي… بطلب منك تهدي.
سفرك مع كامل ضروري دلوقتي.
تايلاندا مش هتكون رحلة سعادة، بس هتكون راحة من الجو ده.
وأنا أوعدك، أول ما نعرف أي خبر، هكون أول واحد يبلغك بنفسي.
كامل (بهدوء لكنه حاسم):
ريما، يمكن عنده حق…
مش لازم تفضلي هنا وتشوفي انهيار الناس اللي بتحبيهم كل دقيقة.
أحيانًا البُعد لحظة أرحم من البقاء وسط النار.
ريما (تنظر إليه بعينين دامعتين):
بس النار في قلبي، كامل…
مش في المكان.
مراد (ينهض، صوته يرتفع قليلًا لأول مرة):
ريما! كفاية عناد!
كل دقيقة بتضيعيها هنا مش هتغيّر حاجة!
لو بتحبي أختك فعلاً، خليك قوية…
وأنا عايز أشوفك ماشية من هنا دلوقتي قبل ما الليل يطوّل!
ريما (تتجمد في مكانها، تنظر له بخوف ودموعها تنساب):
(بصوت منخفض)
حاضر يا بابا…
بس لو حصل أي جديد…
لو لقيتوها… لازم تبلغوني فورًا، فهمت؟
مراد (بصوت خافت بعد أن يلين):
هبلغك يا بنتي…
وهنرجعها، أقسم بالله هنرجعها.
كامل (ينظر حوله بقلق):
طيب هنروح المطار دلوقتي، بس… تحافظوا على نفسكم، أرجوكم.
نرمين (تقترب من ابنتها وتحتضنها):
خدي بالك من نفسك يا بنتي، ما تسيبيش كامل لحاله هناك، وصدقيني…
كل حاجة هتتصلح قريب.
ريما (تتمسك بوالدتها لحظة، ثم تبتعد بصعوبة):
ادعوا لي يا ماما…
ادعوا إن ربنا يرجعها… قبل ما أتجنن.
*********************
في فيلا عائلة بيجاد – المساء
الهدوء يلف المكان، فقط صوت التلفاز الخافت في الصالة الفخمة.
يُفتح الباب الرئيسي، يدخل بيجاد متعبًا بعد يوم طويل من العمل، يخلع سترته، ويضع مفاتيحه على الطاولة الزجاجية بتنهيدة ثقيلة.
لكن ما إن يرفع رأسه حتى يتجمد.
على الأريكة الفاخرة تجلس خالته لمى وبجانبها ابنتها تالين — بملابس غير لائقة تمامًا لوجود الضيوف، شعرها منفوش، مكياجها مبالغ فيه، تضحك بصوت مزعج وهي تمسك هاتفها، بينما والدته نوال تشرب قهوتها بارتياح.
بيجاد (بصوت منخفض لكنه واضح):
(زافر بضيق)
يا ريت كنت عرفت إن عندنا سيرك في البيت النهارده… كنت جيت متأخر أكتر.
نوال (بلهجة غاضبة):
بيجاد! إيه الأسلوب ده؟ دي خالتك وبنتها!
تالين (تبتسم بميوعة وهي تنهض):
ولا يهمك خالتي، هو أكيد متضايق من الشغل…
(تقترب من بيجاد بخطوات متمايلة)
إزيك يا بيجاد؟ وحشتنا والله… بقالنا كتير ما شفناكش.
بيجاد (يرجع خطوة للخلف، يشيح وجهه عنها):
ابعدي، أنا مش ناقص تمثيل النهارده.
تالين (بصوت متصنع، تكاد تبكي):
تمثيل؟! أنا بس بسلم عليك… يعني حتى السلام بقى تهمة دلوقتي؟
لمى (بغضب مصطنع):
إيه الكلام ده يا بيجاد؟! بنتي بس بتسلم عليك، مش عيب كده؟
نوال (تتدخل بنفاد صبر):
بيجاد! خلي عندك ذوق!
مش كل مرة أقولك احترم تالين، دي بنت خالتك، و… (تخفض صوتها قليلًا بحدة) بنت ناس محترمة.
بيجاد (يضرب كفّه بيده الأخرى بتوتر، يرفع حاجبه بتهكم):
آه، جدًا… واضح من لبسها إن الاحترام فاض منها لدرجة مش لاقي مكان في الدولاب.
تالين (تتظاهر بالصدمة، تضع يدها على صدرها):
ياااه! بتهني كمان؟!
أنا آسفة يا خالتي، شكله مش طايقني أصلًا!
نوال (تنفجر غضبًا):
خلاص بقى يا بيجاد! لحد إمتى العناد ده؟!
أنا مش فاهمة ليه كل ما تالين تيجي البيت تتحول كأنها عدوّك!
دي بنت طيبة ومهذبة، وكل الناس بيحبوها!
بيجاد (ببرود قاتل، ينظر لتالين ثم لأمه):
يبقى خديها إنتِ يا ماما، واحتفظي بيها عندك، أنا مش محتاج “طيبة” من النوع ده.
صمت مشحون… لمى تحدق به بغيظ، وتالين تمسح دموعًا مصطنعة، ونوال تطرق الطاولة بعصبية.
نوال:
بيجاد! إيه قلة الذوق دي؟! أنا زهقت منك بجد!
مش كل مرة تفضل تجرّح في البنت بالشكل ده!
بيجاد (يتنفس بعمق، بنبرة باردة جدًا):
لو كل مرة هيجيلي ضيوف بالشكل ده، يبقى بلغيني بدري…
عشان أرجع بعد ما يمشوا.
يتجه نحو السلم دون أن ينظر خلفه، خطواته ثقيلة ومليئة بالغضب المكبوت.
تالين (تهمس بخبث لخالتها بعد أن يغيب):
شايفة يا خالتي؟ هو بيتعمد يجرحني كده عشان… في حد تاني في حياته.
أنا متأكدة.
نوال (تضيق عيناها):
مفيش مشكلة، لو في، هتعرفي تخرجيه من حياته بنفسك.
أنا مش هسيبه يضيع مني بسهولة…
تبتسم تالين بخبث، بينما الكاميرا تصعد مع بيجاد إلى غرفته، حيث يرمي هاتفه على السرير، يجلس على الكرسي وينظر إلى صورة صغيرة على مكتبه — صورة قديمة لربى، وهي تبتسم بخجل.
بيجاد (يهمس بصوت متحشرج):
"لو تعرفي بس إيه اللي بيحصل… لو تعرفي إني لسه مستني اليوم اللي ترجعي تمشي فيه… على رجلك."
يقبض يده، ووجهه يغمره خليط من الغضب والحب والألم.
*********************
في غرفة بيجاد
يجلس بيجاد على كرسيه، رأسه بين يديه، محاولًا تهدئة غضبه من مشادة والدته وتالين.
لكن فجأة...
📱 هاتفه يهتز بقوة على المكتب.
ينظر إلى الشاشة — الاسم يظهر واضحًا: "سليم القيصري".
يتنفس بعمق ثم يجيب، صوته ما زال متعبًا:
بيجاد:
سليم… خير؟ صوتك باين عليه مش طبيعي.
سليم (من الهاتف، صوته حاد، غاضب):
مش طبيعي؟! طبيعي إزاي وأنا لسه سامع إن عاصم خطف بنت زياد الزهراوي من الفرح وسافر بيها الله اعلم فين!
بيجاد (ينهض فزعًا، وجهه يتجمد):
إيه؟!
(يتنفس بسرعة، يمرر يده في شعره)
بتقول إيه يا سليم؟! خطف مين؟ ليل؟!
سليم:
أيوه، ليل الزهراوي!
الحفل اتقلب فوضى، كلهم هناك مش فاهمين حاجة، وزياد حالته صعبة جدًا…
والكلام اللي اتقال إن عاصم ظهر على الشاشة وسخر منهم، وقال إنه بينتقم لموت رائد!
بيجاد (مصدوم):
مستحيل! عاصم مش ممكن يعمل كده…
هو ممكن يكون متهور، بس عمره ما يخطف بنت بريئة بالشكل ده.
سليم (بحدة):
ما تبقاش ساذج يا بيجاد!
الناس كلها شافت الفيديو بنفسها، والكهربا كانت مقطوعة، وده معناه إنه كان مجهز لكل حاجة!
هو صدّق فعلاً إن زياد هو اللي قتل رائد!
بيجاد (يتقدم بخطوات متوترة في الغرفة):
يعني وقع في الفخ تمامًا…
(يضرب بقبضته على المكتب)
أنا عارف إن زياد مش القاتل، عارف إن في حد تاني بيحرك اللعبة دي من ورا الستار!
سليم (من الهاتف):
بالضبط!
وفي احتمال كبير جدًا إن اللي وراه هو نفس الشخص اللي قتل رائد.
بس دلوقتي… الأمور خرجت عن السيطرة.
لازم نتقابل فورًا، نفكر نقدر نعمل إيه قبل ما تحصل مصيبة أكبر.
بيجاد (بحزم):
تمام، فين نتقابل؟
سليم:
في الكافيه القديم بتاعنا… اللي على الطريق السريع. نص ساعة وتكون هناك.
بيجاد:
تمام، جاي حالًا.
يغلق بيجاد الهاتف بقوة، أنفاسه متلاحقة، وجهه متوتر جدًا.
بيجاد (يحدث نفسه وهو يلتقط مفاتيحه):
عاصم… يا مجنون… إنت مش فاهم إنهم بيلعبوا بيك!
إنت بتحارب أشباح، واللي قتل رائد بيضحك دلوقتي علينا كلنا!
يندفع خارج غرفته بسرعة، تمرّ أمه “نوال” في الممر وتحاول سؤاله:
نوال:
رايح فين يا بيجاد؟ الساعة قربت على تسعة!
بيجاد (وهو يمر بجانبها بسرعة دون أن يلتفت):
رايح أنقذ واحد صاحبي… قبل ما يدمّر نفسه تمامًا.
يغلق الباب خلفه بعنف، وصدى خطواته يتلاشى في الممر الطويل، بينما نوال تنظر وراءه بقلق، وتالين تراقب من أعلى الدرج بابتسامة خبيثة.
********************
في ألمانيا – ضاحية هادئة قرب ميونيخ –
تدخل سيارة سوداء فخمة بوابة فيلا واسعة تحيط بها أشجار الصنوبر العالية.
يتوقف السائق، وينزل عاصم بخطوات متعبة لكنه مملوءة بنشوة الانتصار.
يفتح الباب الخلفي، تظهر ربى في مقعدها المتحرك، وجهها هادئ لكن عينيها دامعتان،
وبجانبها، ليل ممددة في المقعد الخلفي، رأسها مائل، ملامحها هادئة تمامًا — ما زالت تحت تأثير المخدر.
عاصم ينحني نحوها بهدوء، يتحقق من تنفسها ثم يتمتم ببرود:
عاصم:
لسه نايمة... تمام. كده أحسن، على الأقل مش هتصرخ دلوقتي.
تُفتح بوابة الفيلا، ويخرج رامي السيوفي، رجل في منتصف الثلاثينات، طويل، وسيم بملامح أوروبية،
يرتدي معطفًا رماديًا، يبتسم وهو يقترب.
رامي (بابتسامة ودودة):
أهلًا برجوعك أخيرًا، يا بطل!
ما شاء الله، جبت معاك نص طيارة.
عاصم (بضحكة متوترة):
بل نص مصيبة يا رامي.
(يشير لليل)
دي بنت اللي دمر حياتنا... بنت زياد الزهراوي.
رامي (ينظر بدهشة خفيفة إلى ليل النائمة):
هي دي؟! شكلها... بريئة أوي بصراحة.
مش باين عليها بنت واحد قاتل.
عاصم (بحدة):
البراءة دي ورثت دمه.
أنا مش ناسي اللي حصل لرائد.
النهارده بس بدأ الحساب.
يتبادل رامي نظرة سريعة مع شقيقته “نيروز” التي كانت تقف على عتبة الفيلا، فتاة في أواخر العشرينات، وجهها مشرق ولطيف، ترتدي ملابس منزلية أنيقة، شعرها مربوط للأعلى بطريقة بسيطة.
نيروز (تتقدم بخطوات مترددة):
أهلًا وسهلًا، أنت أكيد عاصم؟
(تبتسم برفق)
رامي حكى عنك كتير، أنا نيروز.
عاصم (بلطف متكلف):
تشرفنا نيروز، آسف على الإزعاج اللي جاي معايا.
نيروز (تنظر لربى بتعاطف):
ولا يهمك، البيت بيتكم.
(تقترب من ربى وتنحني لمستواها)
أهلًا يا حبيبتي… تعبتي في الطريق؟
ربى تكتفي بتحريك رأسها بهدوء، نظراتها حزينة جدًا. نيروز تبتسم لها بحنان وتلمح الدموع في عينيها.
نيروز (بصوت خافت):
ما تقلقيش، هنا هتكوني بخير، وعد.
عاصم يلتفت ناحية السيارة ويأمر السائق:
عاصم:
خد البنت دي جوه، خُد بالك منها كويس، أوعى حد يقرب منها غيري.
(يضيف ببرود)
وخلِّيها في الجناح اللي فوق، بعيد عن ربى.
يُحمل جسد ليل بلطف إلى داخل الفيلا. كانت لا تزال فاقدة الوعي، شعرها منسدل على وجهها، تتنفس ببطء.
وضعتها الخادمة في غرفة واسعة ذات نوافذ زجاجية تطل على الغابة، السرير ناعم والمكان هادئ جدًا… لكنها تبدو كأنها محبوسة في عالم بين الوعي واللاوعي.
رامي (ينظر لعاصم بقلق):
بصراحة يا صاحبي، أنا مش فاهم أنت ناوي تعمل إيه بالظبط.
أنت بتكلم عن خطف بنت راجل غني ومعروف جدًا في مصر،
ده مش لعب، دي قضية دولية!
عاصم (يجلس على الأريكة، يمرر يده على وجهه):
أنا عارف، رامي.
بس خلاص… كل الجسور اتحرقت.
أنا وعدت نفسي إن دم رائد مش هيضيع.
وإذا زياد فقد بنته زي ما أنا فقدت أخويا، يمكن يحس!
رامي (يقترب منه):
بس إيه ذنب البنت دي؟
شكلها غلبانة أوي، والمشلولة دي — أختك — باين عليها مش طايقة اللي بيحصل.
عاصم (ينظر لربى للحظة، بنبرة متناقضة بين القسوة والذنب):
ربى هتفهمني قريب.
هي عارفة إني بعمل ده علشان رائد.
نيروز كانت تتابع بصمت، بنظراتها خليط من الخوف والشفقة.
نيروز (تتدخل بحذر):
طيب على الأقل، سيب البنت دي ترتاح لما تصحى.
ما فيش داعي تبدأ معاها العداء من أول دقيقة.
أحيانًا الهدوء بيكشف أكتر من العنف.
عاصم (ينظر لها لثوانٍ، ثم يبتسم بخفة):
واضح إنك أذكى من أخوكي يا نيروز.
(يتنهد)
ماشي، هسيبها ترتاح النهارده… بس بكرة؟
هتبدأ اللعبة.
نيروز تنظر له بقلق، بينما رامي يضع يده على كتفه قائلاً بجدية:
رامي:
أنا معاك دايمًا، بس افتكر —
الانتقام ما بيرجعش اللي مات…
بس ممكن يضيع اللي لسه عايش.
******************
في مصر – فيلا عائلة الزهراوي – الحديقة الخلفية عند الغروب.
السماء تيل إلى البرتقالي، الشمس تودّع الأفق، والنسيم الخفيف يحرك أوراق الشجر في صوت حزين يشبه الهمس.
في وسط الحديقة، تجلس رؤى على المقعد الخشبي تحت شجرة الجاكرندا البنفسجية التي كانت ليل تحب الجلوس تحتها دائمًا.
بين يديها وشاح من الحرير، ليل كانت تضعه دائمًا حول عنقها.
عينان دامعتان، وصوت أنفاسها المتقطعة يملأ الصمت.
رؤى (بهمس مكسور):
كنتي بتضحكي هنا، فاكرة؟
كنتي بتقولي إن البنفسج دا لونك المفضل، عشان بيشبه الهدوء اللي جواكي…
(تختنق الكلمات)
وأنا صدقت إنك هتفضلي هنا دايمًا، لحد ما...
تتوقف فجأة، تغطي وجهها بيديها، وتنهمر دموعها بصمت مؤلم.
في الخلفية، يُسمع صوت خطوات على الحصى.
يتوقف الصوت قريبًا منها، ثم يظهر سليم الشرقاوي — يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا رماديًا، وجهه يحمل مزيجًا من القلق والحزن.
يتردد لحظة، ثم يتقدم ببطء حتى يقف خلفها.
سليم (بصوت منخفض):
رؤى…؟
ترفع رأسها ببطء، تمسح دموعها سريعًا، لكنها لا ترد.
ينظر إليها طويلًا، ثم يجلس إلى جوارها دون كلمة، واضعًا كفيه على ركبتيه في صمت.
سليم (بعد لحظة):
كلنا مصدومين.
ما حدش متخيل اللي حصل.
بس ليل… قوية.
أكيد هترجع.
رؤى (تهز رأسها، صوتها يرتجف):
إنت ما تعرفهاش زيي يا سليم…
ليل بتخاف من الأماكن الجديدة، بتتوتر بسرعة.
(تمسح دموعها)
لو هي دلوقتي لوحدها، مرعوبة، أكيد محتاجة حد يطمنها… وأنا مش قادرة أعمل أي حاجة!
سليم (بهدوء):
أحيانًا لما ما نقدرش نكون جنب اللي بنحبهم، نقدر نصلي عشانهم.
ده أصدق من أي كلام.
تضحك ضحكة باكية، قصيرة ومؤلمة.
رؤى:
أنا بصلي من يوم ما اختفت… بس يمكن ربنا مش سامعني.
سليم (ينظر إليها بعمق):
ربنا بيسمعك، رؤى.
بس مش دايمًا بيجاوبنا بالطريقة اللي احنا عايزينها.
تصمت للحظة، تحدق في الأفق، ثم تهمس بصوت واهن:
رؤى:
أنا حاسة إني فقدت نصي التاني، يا سليم.
ليل مش كانت بنت عمتي… دي كانت أنا، بس في شكل تاني.
تميل
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 6
في صباح اليوم اللي بعده
ليل بتتحرك ببطّ في السرير الكبير، راسها تقيلة ودوخة غريبة ماسكاها. تفتح عينيها بالعافية… سقف أبيض، فرش شيك مش بتاعها، وريحت برفانات أجنبية ماليّة المكان.
بتقعد فجأة وهي بتنهج، عينيها بتلف في الأوضة زي حد بيغرق وبدور على حد ينقذه.
إيدها بترتعش وهي بتلمس رقبتها… لمعة سريعة بتفكّرها — إيد قوية مسكاها من ورا… سنّ إبرة… ضلمة.
ليل (بصوت مبحوح):
"أنا… أنا فين؟!… إيه… إيه ده؟!"
بتقوم بسرعة وهي بتهتز، الأرض عاملة زي ما تكون بتتهز تحت رجليها.
بتجري على الباب الخشب الكبير وتفضل تزقه بجنون — مقفول.
ليل (بتصرخ):
"في حد؟!! افتحوا الباب!! حد يسمعني!!"
صوتها بيرجع لها تاني من الصمت… مفيش رد.
بتجري ناحية الشباك، تحاول تفتحه، بس متقفّل كويس من برّا.
تشوف جنينة كبيرة، سور عالي… مفيش روح حواليها.
ليل (بصوت بيترعش من الخوف):
"يا رب… في إيه؟! مين اللي… خطفني؟!"
تمسك راسها وتقعد على الأرض تعيط، دموعها بتنزل وهي بتكلم نفسها:
"كنت في الفرح… كنت مع ماما… أدهم ومازن… وبعدها…!"
(تشهق) "الإبرة!… كان حد ورايا… مستحيل…!"
بتقف تاني وتخبط على الباب بقوة:
ليل (بتصرخ وهي بتعيط):
"افتحوا يا مجانين! عايزين مني إيه؟! ماااماااا!!"
مفيش صوت… بس الهوا برا، وسكون مرعب.
بتبعد عن الباب وتقعد على السرير، تضم رجليها لحضنها وهي بترتعش:
ليل (بصوت مكسور):
"يا رب… يا رب أكون بحلم… بس… كله حقيقي… البرد… قلبي بيجري…"
تبص حواليها بخضة — شنطتها مش موجودة، تليفونها مش موجود، بس شوية لبس جديد محطوطين على الكرسي جنب السرير.
تمسكهم بإيدين مرعوشين، تبصلهم بخوف، وتهمس:
"مين جهّز دول؟ وليه؟!"
تسكت شوية والدموع شغالة، تبص للسقف:
"أنا… أنا اتخطفت بجد…"
وتغرق في عياط صامت، الأوضة كلها ساكتة إلا صوت شهقاتها البسيطة وتكتكة الساعة اللي بتزوّد الرعب.
*******************
صوت خطوات هادية بيقرب من الباب… يتفتح ببطّ.
ليل بتتجمد في مكانها… ويدخل عاصم القاسمي. طويل، شيك، وشه جامد، وابتسامة باردة مالهاش ريحة إنسان.
عينيه فيها لمعة وجع… وانتقام.
عاصم (بهدوء ساخر):
"أهو… فوقتي. كنت فاكر هتفضّلي نايمة للصبح."
ليل تبصله بخوف، تقوم واقفة متلخبطة، تتراجع ورا لحد ما ضهرها يلزق في الحيطة.
صوتها بيرتعش بس بتحاول تقوى:
ليل:
"إنت… إنت مين؟! أنا فين؟ وجبتني هنا ليه؟!"
عاصم يرفع حواجبه بابتسامة بايخة، يحط إيديه في جيبه ويمشي عليها ببطّ.
عاصم:
"سؤال حلو… بس الأحلى إنك تفتكري اسم زياد الزهراوي قبل ما تسألي."
عيونها توسع فجأة، تاخد نفس بخضة:
ليل:
"بابا؟! بابا مالو؟!"
عاصم (يقرب أكتر):
"كل حاجة يا ليل الزهراوي. وجودك هنا… عقاب ليه.
أبوك خَد مني كل حاجة… كل حاجة."
ليل تهز راسها بسرعة وتاخد خطوة لورا:
ليل:
"إنت مجنون! بابا ما بيضرش حد! بابا طيب!"
فجأة عاصم يخبط إيده على المكتب بقوة، ليل ترتعش مكانها.
صوته يعلى لأول مرة، مليان غضب ووجع مكبوت:
عاصم:
"طيب؟! طيب وهو اللي سكت لما عيلتي كلها اتدمرت؟!
لما رائد… أخويا… مات قدّامي؟!"
ليل عينيها تتفتح أكتر، نفسها يتقطع وهي بتحاول تستوعب:
ليل:
"إنت بتقول إيه؟! بابا مالوش دعوة!"
عاصم (يضحك بمرارة):
"مالوش دعوة؟
تحبي الحكايات؟ طب اسمعي مني… مش من أبوكي الكدّاب."
يقرب منها تاني، صوته ينزل كإنه بيحكي لعنة قديمة:
عاصم:
"من سنين… كان في أربع رجالة: خالد القاسمي، زياد الزهراوي، أدهم الزهراوي، ومراد الشرقاوي.
كانوا إخوات. شغل… حياة… كل حاجة.
ولما أبويا خالد تعب وفلوسنا قربت تقع… أبوكي استغل ده وخد كل حاجة ليه."
ليل تصرخ فجأة:
ليل:
"كذاب!! بابا عمره ما يعمل كده!
هو دايمًا بيقول إن عم خالد مات بسلام وماكانش في بينكم مشاكل!"
عاصم (يضحك ضحكة مرّة):
"سلام إيه؟
السلام اتدفن يوم ما أبوكي خان… ويوم ما رائد مات برصاص غدار."
ليل تتجمد ودموعها تنزل:
ليل (بصوت مختنق):
"رائد؟… مات؟ طب… إزاي؟"
عاصم (بصوت واطي مليان حقد):
"اتقتل… واتساب ينزف زي الكلب في الشارع.
وأنا كنت هناك… بشوف دمه… بشوف عينه بتستغيث.
بس كان فات الأوان."
ليل تغطي بوقها بإيديها وتنهار:
ليل (بتصرخ):
"انت كذاب!! بابا مستحيل يعمل كده!! هو بيحبكم!"
عاصم (هادئ قاتل):
"الحب ساعات بيخلي الناس تغلط…
بس غلطته تمنها غالي."
ليل تنفجر غضبًا وتضربه على صدره وهي بتعيط:
ليل:
"إنت مريض! مجنون! المفروض إنت اللي يتحبس، مش بابا!"
هو يسيبها تضرب، وشه مش بيتغيّر، كإنها ولا حاجة.
يمسك إيديها بهدوء غريب ويوقفها.
عاصم (بصوت هادي قوي):
"كفاية… هتتعبي نفسك ليه؟
من النهارده… انسِي مصر، انسِي أبوكي، وانسي اسمك.
إنت هنا… علشان تكوني مفتاح انتقامي."
ليل تحاول تشدّ إيديها، تصرخ بخوف هستيري:
ليل:
"لااا!! سيبني! خلّيني أروح!!"
عاصم يقرب وشّه منها، عينه بتولع انتقام:
عاصم:
"تمشي؟
تمشي لما زياد يحس نفس الوجع اللي أنا حسيته…
لما يعرف إن بنته اتاخدت منه… زي ما أخويا اتاخد مني."
يسيبها ويمشي ناحية الباب، صوته يهزّ المكان:
عاصم:
"اعتبري نفسك ضيفة… في جحيم اسمه عاصم القاسمي."
يقفل الباب بعنف.
ليل تقع على الأرض وتعيط، كتافها بترتعش:
ليل (بتنوح):
"يا رب… ليه أنا؟ ليه أنا؟!"
********************
ليل لسه قاعده على الأرض، عنيها حمراء من كتر العياط، وشها باهت وتعبان.
يخبط حد على الباب خبط خفيف… ويتفتح هادي.
تدخل نيروز السيوفي — بنت في نص العشرينات، شكلها هادي وناعم، شعرها عسلي نازل على كتافها، ووشها فيه طيبة كإنه راحة بعد دوشة العالم.
شايلة صينية عليها كوباية مية وحتة شوكولاتة.
تقف أول ما تشوف ليل بالحالة دي، تتلخبط شوية… وبعدين تقرب بخطوات مترددة.
نيروز (برقة):
"يا نهار… شكلك تعبانة. ممكن أقعد معاكي شوية؟"
ليل ترفع راسها ببطّ، صوتها مبحوح، عينيها تايهة:
ليل:
"إنتِ مين؟! وجبتوني هنا ليه؟! عايزين مني إيه؟!"
نيروز تتنهد وتقعد على طرف السرير، تحط الصينية جنبها:
نيروز:
"أنا نيروز… أخت رامي.
ما تقلقيش، محدش هيأذيكي."
ليل تضحك ضحكة مكسورة، فيها يأس وبكاء:
ليل:
"محدش هيأذيني؟! وأنا اتخطفت واتسحبت من وسط فرح! ده اسمه إيه؟ لعب عيال؟!"
نيروز تبص للأرض بحزن، تحاول تهدى:
نيروز:
"عارفة اللي حصل غلط… بس والله ساعات الناس بتتصرف من الوجع… مش من الشر."
ليل تقوم فجأة، صوتها عالي وأنفاسها بتترجف:
ليل:
"وجع؟! إيه الوجع اللي يخليه يخطفني وأنا مالي؟!
رجعيني بلدي… بالله عليكي!"
نيروز تقوم برضه، تحط إيديها على كتاف ليل بحنية:
نيروز:
"اهدي بس…
وبعدين، ترجعي إزاي؟ إحنا في ألمانيا يا ليل."
ليل عينيها تتسع، صوتها يطلع مخنوق بصدمة:
ليل:
"ألمانيا؟!
إنتي بتهزري؟! قولي إنك بتهزري!"
نيروز تهز راسها بهدوء وحزن:
نيروز:
"ما بهزرش.
اللي جابك هنا عاصم القاسمي… وأنا عرفاه من زمان. مش وحش… بس موجوع… وتايه… وبيعاقب الشبح اللي في دماغه، مش الناس."
ليل تسكت شوية، نفسها بيقطع، وبعدين تهمس كإنها فقدت عقلها:
ليل:
"عايزة أرجع… لماما وبابا…
ما عملناش حاجة… ما لناش ذنب!"
نيروز تمسك إيدها وتضغط عليها بخفة:
نيروز (بحنان):
"هنلاقي حل… بس مش دلوقتي.
استريحي الليلة… وأنا أوعدك أكلم أخويا، يمكن أقدر أساعدك."
ليل تبص لها بعينين مليانين دموع وتتمسك في إيديها كإنها غريقة:
ليل:
"بوعدك؟ بجد؟"
نيروز (تبتسم بسيط):
"بوعدك…
بس بالله عليكي ما تعمليش حاجة متهورة، ولا تخلي حد يشوفك بتعيطي… خصوصًا عاصم."
ليل تهز راسها موافقة، نيروز تمسح دموعها بلطف… وتروح ناحية الباب.
قبل ما تخرج، تبصلها نظرة دافية:
نيروز:
"وبينّي وبينك… فيكي حاجة فكراني بنفسي زمان. قوية… بس موجوعة."
تخرج… الباب يتقفل بهدوء.
ليل تفضل واقفة ثواني… وبعدين تقعد على السرير.
تبص للشباك المقفول بإحكام، والليل برا بيغطي كل حاجة.
تضم نفسها بإيديها وتهمس بصوت مكسور:
ليل:
"ألمانيا… يعني أنا بعيدة عن الكل…
يا رب… أرجع إزاي؟"
********************
ضوّ الصبح البارد بيتسلّل من ورا الستاير في المكتب الكبير، ينوّر الورق المرمّي فوق المكتب الخشب الغامق.
رامي السيوفي قاعد ورا مكتبه، لابس قميص رمادي، عينه تايهة وتعبانة، نفسه متقطع كإنه شايل جبل.
قدّامه واقف عاصم القاسمي بوش ثابت مفيهوش نقطة رحمة، إيديه في جيبه ونظرته مولعة زي جمر.
صوت عاصم يقطع الهدوء:
عاصم (ببرود):
"دلوقتي… الخطوة اللي بعد كده يا رامي. مفيش وقت نضيعُه. عايز التنفيذ يبدأ الأسبوع ده."
رامي (يرفع عينه ببطء):
"تنفيذ إيه بالظبط؟"
عاصم (يقرب من المكتب، صوته تقيل):
"المرحلة الأولى… نكسرها.
البت دي لازم تفهم إن حياتها مبقتش بتاعتها. وإن أبوها هيدفع تمن دم رائد."
رمى رامي نظره عليه… بس مكانش شايفه. كان شايف طفل صغير بيضحك وبيجري في الجنينة… رائد الصغير.
الضحكة تختفي… وترجع صورة عاصم القاسي مكانها.
رامي (بصوت واطي):
"و… وده هيجيب رائد تاني؟"
عاصم (بحدة):
"لأ! بس هيخلي اللي قتله يحس اللي أنا حسّيته يوم أخويا مات غرقان في دمه!"
يسكت رامي لحظات… يخبي رعشة في إيده، ياخد نفس طويل.
رامي:
"تمام… وبعد ما "تكسرها" زي ما بتقول؟"
عاصم (يبُص بعيد):
"ساعتها… هنشوف أبوها هيستحمل لحد إمتى.
زياد الزهراوي راجل فاهم يعني إيه الخسارة… بس شكله نسي طعم الوجع.
أنا بس بفكّره."
رامي يتأمله… قدّامه مش راجل قوي، قدّامه واحد ضايع في سواد الانتقام، بيولّع نفسه قبل ما يولّع غيره.
رامي (بهمس ضعيف):
"عاصم… عمرك فكّرت إنك ممكن تكون غلطان؟"
عاصم (ينط ببصة نار):
"مفيش غلط في الانتقام يا رامي… الغلط الوحيد إنك تتردد."
رامي (يوطّي نظره):
"فهمت… هرتّب كل حاجة."
عاصم يقوم، ياخد الجاكيت الأسود من الكرسي، ويلف ببصة قاطعة:
عاصم:
"عايزها هنا تحت رقابة طول الوقت. محدش يقرب منها غير بإذني."
رامي (بتنهيدة تعبانة):
"زي ما تحب."
عاصم يخرج بخطوات ثابتة.
رامي يقعد لوحده… يبص للباب المقفول ويتمتم بصوت يكاد ميطلعش:
رامي:
"لو تعرف يا صاحبي… إنك بتحارب شبح مش موجود."
يسند راسه على الكرسي، وعنيه تغوص في فراغ مليان ذنب وشَفَقة.
*********************
باب المكتب يتقفل ورا عاصم بعنف خفيف.
صدى رجليه بيطوف في أروقة الفيلا ولحد ما يختفي في السكون.
رامي قاعد لوحده، ساكت ثواني، بيبص للباب المقفول كأنه بيشوف من وراه ظل صاحبه اللي ضاع فظلمة الانتقام.
ياخد نفس عميق… وبعدين يخبط على المكتِب بقبضة مُسكوت عنها غضب.
رامي (بصوت متقطع، كأنه بيكلم عاصم الغايب):
"وبعدين يا عاصم؟ بعد لما الحقيقة تطلع… بعد لما يبان القاتل الحقيقي…
هتقوُل لإزاي لزياد الزهراوي؟ هتبص له في وشه بعد ما خطفت ابنته البريئة؟
هو هيسامحك عشان عشت في وهم الحقد؟"
بيقوم فجأة، ماشي بخطوات مش مستقرة لحد الشباك.
البرّه ضباب، والسما رمادية كأنها بتعكس قلبه المتقلب.
رامي (بغضب ووجع):
"رائد… يا صاحبي…
كان نفسي تكون هنا وتوقفه، وتقوله إن زياد عمره ما كان قاتل ولا خائن!
ضمير عاصم مات يوم موتك… وعقله اتدفن يوم ما دفنّاك!"
يبطل ثواني، ياخد نفس عميق، بيحاول يرجع هدوءه.
يحط ايده على صدره كأنه بيرتب دقات قلبه، وبعدين يهمس بعزيمة واضحة:
رامي (بحزم، صوته بيتقوّى تدريجي):
"لأ… مش هسيب الحقيقة تضيع ورا دموع الانتقام.
أنا اللي هلاقِي القاتل الحقيقي، مهما كان قُريب أو بعيد.
وهورّي الناس مين اللي قتل رائد القاسمي… ومين اللي هدّم حياة الكل بكذبة واحده."
يرجع لمكتبه، ياخد ملف تقيل فيه صور وتقارير مقتل رائد، يفتحه وعينه مولعة نار.
رامي (بصوت واطي لكنه مليان إصرار):
"أقسمتلك يا رائد… مش هاسْكت لحد ما ألاقي اللي عملها.
وهخليه يدفع ثمنها… أضعاف اللي انت دفعته."
ياخد نفس طويل، يطفي سجارة في مطفأة الزجاج، وبنبرة حاسمة يقول:
رامي: "انتهى زمن الحيرة… وبدأ زمن الحساب."
*******************
في مصر – شركة الزهراوي – مكتب زياد
الجو في المكتب تقيل… كأن الهوا نفسه مهموم.
الستائر نصّ مقفولة، نور النهار الشاحب داخل على استحياء على وش زياد الزهراوي وهو قاعد ورا مكتبه الكبير، راسه لتحت، إيديه ماسكا بعض بقوة كأنه ماسك نفسه بالعافية عشان ماينهارش.
على الكنبة اللي قدّامه قاعد مراد الشرقاوي وأدهم الزهراوي… السكون مهيمن على وشوشهم.
صوت الساعة بيعدّ… لحد ما زياد اتكلم أخيرًا بصوت مجروح:
زياد (بصوت مكسور):
"كنت بشوفه عيل يا مراد… كان بييجي مع خالد، يجري ويضحك في الشركة…
كنت اقعده على رُكبتي وأقوله: هتكبر وتبقى زي أبوك.
خالد كان بيثق فيّا كأنه روحي… إزاي؟ إزاي العيل ده يكبر ويخطف بنتي؟"
يرخي راسه أكتر، وصوته يتخنق بالحزن:
زياد:
"ليل كانت دايمًا جنبي… بنتي الوحيدة… نوري الوحيد في البيت ده…
كل ما أبصّ في وشها أفتكر أمها يوم ما اتولدت.
إزاي أستوعب إنها دلوقتي في إيد واحد أنا اللي ربيته؟"
أدهم يقوم يمشي بخطوات هادية ويحط إيده على كتف زياد:
أدهم:
"زياد… ما تلومش نفسك.
إحنا لسه مش عارفين إيه اللي خلاه يعمل كده.
عاصم ما بقاش نفس الطفل اللي عرفناه… حصل له حاجة. حاجة خلّته يصدق المستحيل."
مراد (يتنهد):
"من يوم ما رائد مات، وهو اتغيّر خالص… قطع علاقته بالكل.
حتى بيجاد وسليم مش عارفين يوصلوله.
بس مهما حصل… خطف ليل؟! دي حاجة ما تتبررش."
زياد يرفع راسه ببطء… عيونه حمرا من السهر والبكا:
زياد (صوته بيرتعش):
"لما خالد مات… وعدته أعتني بعاصم كأنه ابني.
ودلوقتي… بأدفع تمن الوعد ده.
دي مكافأة الصدق يا مراد؟ دي نتيجة إن الواحد يبقى أب لحد مش من دمه؟"
يسود الصمت… أنفاس تقيلة في الجو.
زياد يبص لصورة ليل على المكتب… يعدّي صباعه المرتعش على إطارها:
زياد (بهمس موجوع):
"كانت دايمًا تقولي: بابا، اوعدني لو زعلت مني ما تسيبنيش.
وأنا وفيت بكل وعد…
إلا ده… ماعرفتش أحميها."
مراد يتنفس بصعوبة، يخبي تأثره بالعافية:
مراد:
"هنرجعها يا زياد… بوعدك.
هنعمل المستحيل.
والقدر عمره ما يخذل حد بيحب بصدق."
زياد يقف فجأة… صوته خليط من غضب وحزن:
زياد:
"أنا بس عايز أعرف ليه يا مراد!
ليه الكره ده كله؟ أنا عملتله إيه؟
لو كان واجهني… لو سأل قبل ما يخطف بنتي…
كنت هحط عمري كله قدّامه عشان يعرف إني بريء!"
أدهم (يحاول يهدّيه):
"هنعرف الحقيقة… أقسم بالله هنطلعها.
بس لازم تفضل قوي… علشان حور… وعلشان ليل."
دمعة تقيلة تنزل من عين زياد… يهمس:
زياد:
"إزاي أبقى قوي… وبنتي هناك مش عارف حتى هي بخير ولا لأ؟"
الل silêncio يرجع تاني.
مراد يقوم ببطء، يحط إيده على كتف زياد بحزم ودفا:
مراد:
"عشان انت أبو ليل الزهراوي… والآباء ما بيقعوش.
حتى لو قلبهم اتكسر."
زياد يرجّع راسه لتحت تاني… عيناه تغيم بالدموع وصوت أنينه المكبوت يملأ المكان، كأن الأرض نفسها بتتوجع معاه.
*******************
في مقهى هادي في وسط القاهرة – بعد اختطاف ليل بيومين
السماء رمادي، والمطر الخفيف بيخبط على الإزاز بنغمة كئيبة.
في ركن بعيد، قاعد بيجاد الراوي وسليم القيصري، كبايتين قهوة قدّامهم… محدش لمسهم.
عيون بيجاد حمرا من السهر والقهر، وسليم بيحاول على الفاضي يهدي الجو اللي حوالهم.
سليم (بهدوء):
"اهدّى يا بيجاد… الغضب مش هيفيدنا بحاجة دلوقتي."
بيجاد (ينفجر):
"اهدَى؟! بعد اللي عمله؟ بعد ما خطف بنت بريّة وسافر بيها ربنا عالم فين؟!
سليم، ده مش عاصم اللي نعرفه! ده واحد تاني خالص!"
سليم يرفع حواجبه ويتنهد:
سليم:
"أنا مش بدافع عنه… بس أكيد وراه سبب.
يمكن اتجنن من الصدمة… يمكن حد لعب في دماغه."
بيجاد يخبط على الترابيزة بيده… الكوباية تهتز:
بيجاد (بغضب):
"أيوه، حد لعب في دماغه… نديم!
الواد ده من يوم ما رائد مات وهو بينفخ فيه سمّ ويقوله كلام مسموم ومش مفهوم.
بس عاصم؟! كان المفروض يفهمه… كان المفروض يسمعنا بدل ما يصدق الأوهام دي!"
سليم (يحاول):
"يمكن لو كلمناه…"
بيجاد (يقاطعه بعصبية):
"نكلمه؟ إزاي؟!
اختفى! لا تليفون، لا مكان، ولا حتى رسالة!
إحنا بقينا غرب غُرب عنه يا سليم… بعد كل السنين دي!"
ينزل راسه، يمرر إيده على وشه بتعب، وصوته يخفت ويتحشرج:
بيجاد:
"كنت شايفه أخويا… مش مجرد صاحبي.
عشنا كل حاجة مع بعض… وقفنا جنب بعض في أصعب الأيام…
والنهارده يخطف بنت بريئة ويدوس على كل اللي تعلمناه من خالد القاسمي."
سليم (بحزن):
"يمكن ربنا يهديه يا بيجاد."
بيجاد (بمرارة):
"صعب… الحقد لما يعمي القلب ما بيسيبش مكان للنور."
يسكت لحظة، ويتلفت بعيد كأنه بيخبي حاجة جوّاه… عينيه تلمع حزن:
بيجاد (بهمس):
"حتى ربى… دمّرها هو كمان.
هي بتدفع تمن جنانه كل يوم."
سليم (مستغرب):
"ربى؟"
بيجاد (يعدل قعدته بسرعة):
"آه… قصدي إنها اتعذبت زيه.
هي ضاعت… وهو حتى مش شايفها."
ياخد نفس تقيل ويقوم فجأة:
بيجاد (بحسم):
"خلاص يا سليم، قررت.
من النهارده ما لياش علاقة بعاصم ولا بما يفعله.
اللي يختار الانتقام بدل الصداقة… ما يستحقش يكون في حياتي."
سليم يحاول يمسكه:
سليم:
"فكر تاني يا بيجاد… يمكن نقدر نرجّعه بدل ما نسيبه يضيع."
بيجاد (يبصله بثبات وعيونه تلمع):
"لا يا سليم.
اللي ضاع جواه مش بيرجع بسهولة.
بس أنا مش هقف أتفرج…
هكمّل أدور على اللي قتل رائد بنفسي.
ولما يعرف الحقيقة… ساعتها بس هيحس قد إيه خسرنا كلنا."
يحط فلوس على الترابيزة ويمشي تحت المطر، خطواته تقيلة، وصوته الداخلي يهمس:
"ربى… لو تعرفي إني بحبك، كنتي عرفتي قلبي بيتكسر مرتين…
مرة عليكِ، ومرة عليه."
سليم يفضل قاعد، يبص للباب اللي خرج منه بيجاد، ويهمس:
سليم:
"يا عاصم… ضيّعت نفسك، وضّعتنا معاك، وإنت مش حاسس."
*********************
في فيلا الزهراوي – أوضة حور – بالليل
نور خافت طالع من الأباجورة اللي جنب السجادة.
حور الزهراوي ساجدة عالأرض، عنيها مقفولة ودموعها نازلة عالسبحة، وصوتها بيترعش بالدعاء:
حور (بهمس مكسور):
يا رب… يا اللي ما بيردّش حد لجأ له،
احفظها لي يا رب… احفظ ليل، بنتي… نوري…
ما تحرمنيش منها يوم واحد، ما تاخدش حضنها مني، يا رب…
رجّعها لي سالمة… يا أرحم الراحمين…
ترفع إيديها وتبص للدعاء، وتمسح دموعها ببطء وهي بتسلّم.
تقعد على السجادة ساكتة، نفسها مقطوع.
باب الأوضة يتفتح بهدوء، وتدخل ملك الزهراوي شايلة كباية ميّة.
تقف عند الباب لما تشوف وش حور متغرق دموع.
ملك (برقة):
حور… يا حبيبتي، صليتي تاني؟
أنا متأكدة إن مفيش ركعة من ساعة اللي حصلت إلا وانتي بتعيطي فيها.
حور (مبتسمة بوجع):
الصلاة هي اللي فاضلالي يا ملك…
لما بسجد بحسها قريبة مني… بحس إنها سامعاني.
ملك تقرّب وتقعد جنبها، وتمسح دموعها بإيدها:
ملك:
ربنا هيطمن قلبك، والله.
زياد وأدهم ومراد مش هيسيبوا الموضوع يعدي.
بس قوليلي… إيه اللي حصل بين زياد وعاصم؟
إزاي ولد ربيناه بإدينا يعمل كده؟
حور تاخد نفس عميق، وتتكلم بصوت مكسور:
حور:
والله ما عرف يا ملك… لا أنا ولا زياد فاهمين.
عاصم كان كل يوم هنا… بياكل معانا، ويضحك مع ليل وأدهم ومازن.
بعد ما أمه "مريم" ماتت… أنا اللي ربيته.
كنت بخاف عليه زي عيالي…
كنت أحكيله قبل النوم… أمسح دمعته لما يوحشوه أهله.
ملك (بحزن):
فاكرة… كان متعلق بيكي بطريقة تخوّف.
ومريم الله يرحمها كانت دايمًا تقول إنك أختها مش صاحبتها.
حور:
والله كانت أختي… كنت بحبها أكتر من نفسي.
وبعدها بيوم، كنت بوعدها قدّام صورتها إني مش هسيب عاصم ولا رائد ولا ربى.
وفعلًا… كانوا عايشين هنا نص عمرهم… في حضني.
سكتت شوية، ودموعها نزلت تاني، صوتها بيرتعش:
حور:
رائد مات… وربى مسكينة ما بتتكلمش ولا بتتحرك…
وده اللي ربيته زي ابني… يخطف بنتي!
ليه بس؟ ليه؟
مش بس موجوعة… أنا مكسورة يا ملك.
ملك تمسك إيدها بقوة، وعنيها بيلمعوا:
ملك:
يمكن حد لعب في دماغه… حد مرّي عليه وزرع له كره.
بس اللي واثقة منه إنه هييجي يوم ويفهم…
وساعتها هيندم على كل لحظة وجعك فيها.
حور (بصوت ضعيف):
لو الزمن رجع… كنت حضنته أكتر… كنت قلتله كل يوم إنه ابني…
يمكن كان اتغيّر.
تقوم ببطء وتبص من الشباك للسماء السودة:
حور (بهمس):
يا رب… إنت شايف قلبي.
رجّع بنتي لي… واهدِ قلبه…
لإن لو عاصم ضاع كمان… مش هيخسرنا بس…
ده هيخسر نفسه.
ملك تحضنها من غير كلام، دموعهم بتنزل على كتاف بعض، والهوى بيحرّك الستارة كأنه شايل دعاء أم موجوعة طالع للسماء.
*****************
في تايلاند – فيلا عالبحر – بالليل
السما لونها بنفسجي غامق، والموج بيهمس وهو بيلمّس الرمل الأبيض.
ريما الشرقاوي قاعدة في البلكونة، شعرها الأسود الطويل بيتطاير مع الهوا، عينها سرحانة فالبحر…
في إيدها كباية قهوة سايبة بقالها ساعة، ولا شربت منها ولا رشفة.
كامل خرج لابس قميص أبيض واسع وبنطلون قطن، قرب منها بهدوء، وقف وراها وحط إيده على كتفها بحنية.
كامل (بصوت واطي):
لسه بتفكّري فيها، مش كده؟
ريما (بصوت حزين):
ليل كانت هنا من أسبوعين يا كامل… كانت بتضحك، وبتساعدني أجهّز الفستان.
عمري ما كنت أتخيل إن بعدها بكام يوم… تختفي كده.
مش قادرة أصدق إن اللي عمل ده هو عاصم!
تتنهد وتحط الكباية جامد شوية، وعينها تتملي دموع وهي تبصّ للبحر:
ريما:
أنا ربيت عاصم… كنت بلعب معاه، كنت شايفاه زي أخويا الصغير.
كان بيجري ورايا فالجنينة ويضحك… كان يعيّط لما أسيبه وأخرج.
إزاي قلبه يتغيّر كده؟
إزاي طفل كنت أمسح دموعه… يخطف بنت عمو زياد اللي كان بيحبه زي أبوه؟!
كامل يقرب أكتر، يقعد قدامها على الأرض ويمسك إيديها بحنان:
كامل (بنبرة هادية):
يمكن في حاجة إحنا مش فاهمينها…
يمكن هو مش نفس الطفل اللي عرفتيه…
بس أنا اللي مش قادر أشوفك بتعيّطي عشانه.
تبصله باستغراب، وتبتسم بنص دمعة:
ريما:
بتغير من عاصم؟
(تضحك بخفة رغم الدموع) يا كامل… ده كان طفل وأنا مراهقة!
كامل (يتنهد):
ما عرفش… يمكن غيرة، يمكن خوف.
بحس إن كل مرة بتزعلّي فيها… بتبعدي عني شويّة.
نفسي أرجّع ضحكتك اللي كانت أول ما اتجوزنا.
شهر العسل المفروض يبقى فرحة… مش دموع وقلب محروق.
ريما تبتسم وتلمس خده، تمرر صباعها على دقنه الخفيفة:
ريما:
حقك عليّا… والله ما كنت عايزة أضيّع فرحتنا.
بس ليل مش مجرد صاحبة… دي كانت أختي.
ولو كنت مكانها كنت هعمل زيها… بريئة وسهلة وتصدق أي حد.
كامل (يهمس):
وأنا… لو كنتي إنتي اللي اختفيتي…
ما كنتش هسيب الدنيا إلا لما أرجّعك… مهما حصل.
ريما تحضنه فجأة، تمسك راسه على صدرها وتهمس:
ريما:
خلاص… كفاية.
مش عايزة أتكلم في الوجع تاني.
أنا هنا… معاك… وده كفاية دلوقتي.
كامل يرفع راسه ويبص لعينيها المبلولة، يبتسم بخفة:
كامل:
كده أحلى… كنت ناسي صوت ضحكتك عامل إزاي.
ريما تضحك بخجل وتمسح دموعها:
ريما:
لو عارف إن غيرتك اللي هتضحكني… كنت غيرت أكتر!
كامل (يضحك):
اوعي تجرّبيني يا بنت الشرقاوي… الغيرة عندي نار.
ريما (تغمزه):
وأنا عارفة أطفّيها كويس.
يضحكوا سوا، وهو يشدها تقعد في حضنه، يحضنها والموج بيكسر على الشط.
تسكت لحظة، وتحط رأسها على كتفه وتهمس:
ريما:
وعدني… أول ما نرجع مصر، نساعد ندور عليها.
ليل لازم ترجع يا كامل.
كامل (بحزم):
أوعدك يا روحي.
ومش بس كده… اللي لمسها هيتحاسب… مهما كان.
******************
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
تكملة الفصل 6
ألمانيا – فيلا رامي – الأوضة اللي فوق
الهدوء خانق المكان…
القمر نصه باين، نوره داخل من بين الستاير الرمادي، عامل خطوط باهتة عالأرض.
ليل الزهراوي واقفة عند الشباك، إيدها بترتعش وهي بتحاول تفتح القفل الحديد بخنجر صغير كانت واخداه من درج الحمّام.
نفسها متلخبط، وقلبها بيخبط كإنه عايز يطلع من صدرها…
كل اللي في عقلها إنها تهرب… ترجع لأبوها وأمها… تصحى من الكابوس اللي بدأ في اللحظة اللي كان المفروض تكون أسعد لحظة في حياتها.
بس قبل ما تلحق تلف المفتاح— الباب اتفتح فجأة بقوة!
ارتعشت، ووقع الخنجر من إيدها.
لفّت ببطء…
عاصم القاسمي واقف، عينه زي الجمر مولّع، ضهره بيحجب نور الطرقة، صوته طالع غليظ ومخيف:
عاصم (بهدوء مرعب):
كنتي ناوية تروحي فين يا ليل؟
اتراجعت خطوتين، إيديها بترتعش.
ليل (بصوت متقطع):
ك… كنت هشم شوية هوا…
عاصم (بيمشي ناحيتها ببطء):
هوا؟
ولا… حرية؟
ابتلعت ريقها، رجعت لورا لحد ما ضهرها خبط في الحيطة، صدرها طالع نازل بعنف.
ليل (بتبصله بخوف):
أنا ما عملتش حاجة… ليه حابسني؟
عايز مني إيه؟
وقف قصادها، نص متر بينهم، انحنى شويّة، وصوته نزل زي السكينة الباردة:
عاصم:
عايز حقي اللي اتسلب.
عايز تمن الدم اللي اتراق.
وأبوك… هو اللي هيدفع.
شفافها اترتعشت، والدموع لمعت في عنيها:
ليل:
أبويا؟!
أبويا عمره ما أذى حد!
إنت مش عارفه زينا… مش قاتل!
فجأة خبط الحيطة بإيده— الصوت دوّى، وليل صرخت من الخضة، وهو قرب منها أكتر، صوته متكتم بالغضب:
عاصم:
بس بقى كذب!
فاكرة إني ما شفتش؟ فاكرة إني أعمى عن الحقيقة؟!
ليل (بتعيط):
أنا مش فاهمة حاجة!
ليه بتعاقبني على حاجة ما عملتهاش؟!
اتنفس بعصبية، مسك شعره بإيده، ولف وشّه بعيد كإنه بيحارب نفسه.
صمته كان أوجع من صوته.
عاصم (بصوت واطي):
دايمًا نفس الكلام… دايمًا الضحية بريئة…
ليل رغم خوفها، لقت نفسها بتهمس:
ليل:
لو فيك نقطة رحمة… كنت سمعتني قبل ما تحكم.
بصّ لها نظرة طويلة… فيها نار وفيها حاجة تانية مش عايز يعترف بيها.
وبعدين لف وخرج.
عاصم (قبل ما يقفل الباب):
من النهارده… مفيش باب يتفتح من غير إذني.
ولو فكرتي تعيدي اللي عملتيه؟
مش هكون رحيم زي دلوقتي.
قفل الباب جامد— ليل وقعت على الأرض تبكي، حضنة نفسها، صوتها مخنوق من الصدمة.
بره… رامي واقف آخر الطرقة، كان سامع جزء.
عينه متوترة وصوته واطي جدًا:
رامي:
عاصم… الحقد هيوديك فين؟
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 7
بعد كام يوم
الشمس كانت داخلة بخجل من ورا الستاير البيضا، بتنطّ نط خفيف على أطراف الترابيزة الطويلة اللي مليانة فطار أوروبي على المزاج.
ريحة القهوة مالية المكان… ومعاها صمت تقيل قايم بين خمس أشخاص.
عاصم قاعد في راس الترابيزة كالعادة، نظرته ساقعة كإنها تلج.
رامي ماسك الجرنال يقلب فيه وهو مش شايف كلمة.
نيروز بتحط زبدة على العيش وهي عاملة ابتسامة صباح كده تحاول تكسر الجو.
وعلى الطرف، ربى قاعده على الكرسي المتحرك… وشها هادي بس عينيها شايلة دنيا تانية من الذكريات.
وفجأة…
باب المطبخ اتفتح بهدوء، وظهرت ليل.
لابسة فستان بسيط بلون السما، وشعرها نازل على كتافها، بيلمع من ضوء الصبح.
عينيها الزرقا فيهم كبرياء… ومعاه شوية قلق.
الكل وقف للحظة، حتى كباية القهوة اللي كانت في ايد عاصم وقفِت في نص الطريق لبقه.
نيروز (مبتسمة):
صباح الخير يا ليل 😄
أخيرًا نورتي السفرة!
ليل (بتتردد وهي بتقعد):
صباح النور… وشكرًا.
رامي (بذوق):
أهلا وسهلا يا آنسة ليل، أنا رامي.
سمعت عنِك كتير من نيروز.
يارب تكوني مرتاحة هنا… رغم الظروف.
ليل (بهدوء حاسم):
متشكرّة يا أستاذ رامي…
وهبقى مرتاحة أول ما أرجع بلدي.
حاجب عاصم ارتفع سنة صغيرة… وابتسامة خبيثة خفيفة طلعت على وشّه، كإنه انبسط إنها بتتحدّاه.
عاصم (ساخر بهدوء):
جميل… عندِك أمل.
بس خليني أفكّرك…
مفيش طيارة رايحة القاهرة من غير ما أنا أقول.
رفعت ليل راسها له، بصّت في عنيه من غير ما ترمش:
ليل (بحزم):
وأنا مش هستأذن.
اللي اتاخد غصب… بيتاخد بالعقل.
الترابيزة سكتت… الجو اتجمد.
نيروز (بتضحك بسرعة):
يا ساتر يا رب 😅
شكل الفطار النهارده هيولّع!
يلا بينا ناكل قبل ما يبرد.
رامي (بابتسامة باردة):
والله شكلي محتاج قهوة دبل.
بدأوا ياكلوا، وكل واحد سرح في دماغه.
ربى كانت بتبص على ليل بعينين فيها دموع مستخبية…
ابتسمت لها، ابتسامة صغيرة بس مليانة أمل كإنها بتقول:
أنا مصدّقاكي… وإنتي هتقلبي الدنيا.
ليل شافت النظرة… وردّت بابتسامة خفيفة لأول مرة من كام يوم.
اللحظة دي، ربى حسّت إن قلبها اللي اتكسر… اتحرك من جديد.
رامي (بصوت واطي وهو يبص لعاصم):
باين إننا كلنا هنراجع نفسنا… حتى اللي فاكر نفسه شايف كل شيء.
عاصم رمقه بنظرة حادة… بس ما اتكلمش.
عارف إنه قصده… وقرر يتجاهل.
ليل خلصت أكلها بهدوء، قامت وقالت:
ليل:
شكرًا على الفطار…
بس المرة الجاية، مش عايزة أحس إني ضيفة.
أنا أحب أكون حرة.
ومشيت… تاركة وراها صمت طويل ونظرات متلخبطة.
رامي نزل الفنجان بهدوء.
نيروز تنهدت بقلق.
ربى ابتسمت ودمعة نزلت.
أما عاصم… ابتسم من طرف بقه وقال بصوت واطي جدًا:
عاصم:
يا ليل… إنتي مش فاهمة إنك بتلعبي بالنار.
********************
في أوضة ربى
الأوضة كانت ماليها ضوّ دافي دهبي من شمس الغروب.
الستارة الكريمي بتتهز بهوا خفيف، ورائحة الورد مالية المكان.
ربى قاعدة على الكرسي المتحرّك جنب الشباك، ساكتة وباصّة للبرّه.
نيروز دخلت شايلة صينية عليها عصير وبرطمان كعك سخن.
وراها ماشية ليل، خطواتها مترددة، بس ابتسامتها خفيفة.
نيروز (بحماس):
جبتلكم عصير برتقان، وبما إن دي أول قعدة بنات رسمي… عملتلكم كعك شوكولاتة 😋
ليل (تضحك وهي بتقعد جنب ربى):
ريحة الكعك لوحدها تخلي الواحد ينسى البلاوي اللي هو فيها 🤭
ربى (تبتسم وتحرّك صوابعها في الهوا بخفة)
نيروز (تفهمها بسرعة وتشرح):
دي بتسلّم عليكي بطريقتها.. بتقولك "أهلًا بيكي، نورتي".
ليل (بلُطف):
وأنا مبسوطة إني معاها دلوقتي…
كنت حاسة إنك بتحبيها قوي يا نيروز.
نيروز (تتنهد وتقعد):
أكتر من أختي والله…
ربى كانت ملاك، ضحك وبهجة وأمل…
بس بعد اللي حصل لها… الدنيا اقلّبت.
ليل (بتستغرب وحزن في صوتها):
اللي حصل لها؟
نيروز:
من حوالي تلات سنين… عربية خبطتها في شارع فاضي وهي راجعة من المستشفى.
كانت رايحة تزور أخوها رائد في شغله… قبل ما يموت بكام يوم.
ومن ساعتها وهي لا بتتكلم ولا بتتحرك… بس عقلها صاحي وواعية لكل حاجة.
ربى تنزل دمعة، وليل تمسك إيدها بهدوء
ليل (بحنان):
أنا آسفة…
بس أوعدك… الوجع ده مش هيكمل.
اللي حصلك… واللي حصله… وكل اللي بيحصل دلوقتي…
له معنى. وأنا هعرفه.
ربى تبصّ عليها بعيون فيها أمل خفيف ودهشة.
نيروز (تضحك وهي بتمسح دموعها):
عندك شجاعة غريبة يا ليل… ما توقعتش كده بعد اللي مريتي بيه.
ليل (بصوت ثابت ونظرة قوية):
الشجاعة بتطلع لما يكون مافيش غيرها.
يمكن دلوقتي أنا محبوسة… بس ده مش هيطوّل.
هطلع من هنا… وهكشف كل حاجة…
وهخلي عاصم القاسمي يعرف غلطه كويس.
هفكره بنفسه اللي نسيها…
ولو احتاج الأمر… هربيه من أول وجديد.
نيروز (تضحك بخوف خفيف):
يا ساتر… أيام صعبة قوي جاية على أخويا 😅
ربى ترفع إيدها ببطء وتلمس قلبها وبعدين تشير لليل
نيروز (تبتسم):
بتقولك "أنا واثقة فيكي".
ليل تبتسم وتضم إيد ربى، والهدوء يملأ المكان.
العصافير بتزقزق برا، والشمس بتدفي وشوشهم…
كأنها بتبارك بداية رابط جديد… بين تلات قلوب جمعهم القدَر.
********************
في مصر – ساحة الجامعة – الضهر
الساحة زحمة كالعادة، ضحك وزعيق وطلبة رايحين جايين.
رؤى الزهراوي، زين العطار، وسليم الشرقاوي قاعدين على دكة رخام، بيتكلموا عن المحاضرات…
بس الجو النهارده غير.
الكل لسه بيتكلم عن “اختفاء ليل الزهراوي”.
رؤى (بحزن وهي مقلّبة في موبايلها):
محدش قادر يستوعب… ليل كانت بتضحك معايا قبل الفرح بيومين،
وكانت بتقولي “هنحتفل بعد فرح ريما”
وفجأة… تختفي في نفس الليلة!
زين (يحاول يهديها):
هترجع… متخافيش.
زياد الزهراوي مش هيسيبها، دي بنته الوحيدة.
سليم (بنبرة تقيلة):
هي ما اختفتش… اتخطفت.
واللي عمل كده… قسمًا بالله هيدفع غالي.
قبل ما رؤى ترد، قربت شلة بنات، متقدمهم نوران…
شعرها أصفر قصير، وشها مليان غرور… من زمان غيرانة من ليل.
نوران (بصوت عالي ومليان سخرية):
آه بقى، بطلوا تمثيل!
الكل عارف إن ليل الزهراوي هربت مع واحد غني!
بنت زيها؟ تتخطف؟! دي راحت برجليها يا جماعة!
الطلبة اتجمّعوا حواليهم، والهمس انتشر بسرعة.
رؤى وشّها اتقلب، قامت فجأة وعينيها مولّعة.
رؤى (بغضب):
إنتي بتقولي إيه يا نوران؟!
جننتي ولا إيه؟!
نوران (بتتدلّع وتتعجرف):
لأ يا حبيبتي، عاقلة جدًا.
بس الظاهر إنكم مش قادرين تهضموا الحقيقة…
مش كل واحدة غنية تبقى ملاك يا رؤى.
وفي ثانية—
رؤى مسكتها من شعرها بعنف!
الناس صرخت، والدنيا قامت!
رؤى بتجرّها من شعرها، ونوران تعيط وتصرخ!
زين (بيشد رؤى):
رؤى! كفاية! سيبيها!
سليم (يركض ناحيتهم):
رؤى اهدي! الناس كلها بتتفرّج!
بالعافية سليم فكّهم، ورؤى بتصرخ:
رؤى:
محدش يجيب سيرة ليل قدامي!!
دي أطهر من أي حد هنا!
نوران بتظبط شعرها وهي بتزعق:
نوران:
شايفين؟! بتضربني عشان بنت هربانة!
وفجأة صوت سليم يعلو، قوي وواضح:
سليم (بصوت يدوّي في الساحة):
ركزوا معايا كويس!
اللي يفتح بقه على ليل الزهراوي… هيتحاسب.
اللي ما يعرفهاش… ما يتكلمش عنها.
ليل ما هربتش… ولا خانت حد.
ليل مظلومة، وأي حد يشوه سمعتها… أنا اللي هرد عليه.
الساحة سكتت.
الطلبة واقفين مش مصدّقين، منهم مرعوب ومنبهر.
زين (يمسك كتف رؤى):
خلاص يا رؤى… كفاية.
ليل أكيد حاسّة بينا. ما تسيبيش حد يفرح بيها.
رؤى تمسح دموعها بعنف:
رؤى (بصوت مخنوق):
مش قادرة أسمع حد يهينها…
دي أختي… روحي.
سليم يبص لنوران ببرود قاتل:
سليم:
نصيحة يا نوران…
قبل ما تتكلمي على الناس،
بصي كويس في المراية.
نوران نكست راسها، وصحباتها شدّوها وخرجوا بسرعة.
الطلبة ابتدت تتفرّق، الساحة رجعت تهدى.
رؤى قعدت وهي لسه بترتعش،
زين وسليم بصوا لبعض… نظرة مفهومة:
ليل بعيدة… بس لسه ليها رجالة يحموها هنا.
*****************
رجعت الساحة تهدى واحدة واحدة بعد ما أغلب الطلبة مشيوا،
بس الجو لسه مكهرب.
رؤى قاعدة على الدكة، نفسها عالي وعيونها مولّعة غضب،
ونوران واقفة مش بعيد، ماسكة شعرها اللي اتبهدل ووشها محمّر من القهر والفضيحة.
وفجأة صوت راجل جه من وراهم، عالي وحاسم:
المعيد ياسين (بصوت شديد):
إيه اللي بيحصل هنا؟!
الصوت وصل لحد مكتب العميد!
اتلفت الكل في ثانية.
المعيد ياسين داخل بخطوات تقيلة،
شاب في آخر العشرينات، معروف إنه صعب ومابيتهزش بسهولة.
بص لرؤى… بعدين لنوران.
ياسين (بحدة):
إنتو الاتنين… رؤى الزهراوي ونوران فخري، صح؟
تيجوا معايا على مكتبي حالًا.
رؤى (واقفة بتوتر):
بس يا دكتور… هي اللي بدأت!
هي أهانت ليل، وأنا—
ياسين (قاطعه سف):
مين بدأ ومين رد مش مهم.
فيه خناقة حصلت قدام الطلبة، وده ممنوع.
الاتنين غلطانة، والاتنين هيتحاسبوا.
نوران (مبتسمة نفاق وهي تصلّح شعرها):
يا دكتور والله أنا كنت بدافع عن نفسي…
هي هاجمتني قدام الناس فجأة!
رؤى (بحدة):
دافعتِ؟! إنتي شتمتي واحدة مفقودة!
إهانتي بنت بريئة ما تعرفيش عنها حاجة!
ياسين (رافع صوته):
خلص. كفاية.
مافيش نقاش.
على المكتب… وهنتحقق من اللي حصل.
سليم اتقدم خطوة، بيحاول يصلّح الموقف:
سليم:
يا دكتور ياسين بالله عليك… رؤى كانت بس بتحمي سمعة صاحبتها.
خلينا نحلها هنا من غير مكتب ولا حاجة.
ياسين (بصرامة):
يا سليم، أنا فاهمك…
بس القانون قانون.
اللي حصل لازم يتسجل رسمي.
سليم لف وشه بضيق،
زين قرب من رؤى وحط إيده على كتفها:
زين (بهدوء):
هدي نفسك… متخافيش، إحنا معاكي.
لكن رؤى كانت بتبص لنوران بنظرة نار،
ونوران ترد عليها بضحكة خبيثة طالعة من قلب الشماتة.
رؤى (بهمس كله غضب):
افتكري كويس يا نوران… اللي عملتيه النهارده،
هتدّفعي تمنه يوم ليل ما ترجع… وهتعرفي الحقيقة.
نوران (بابتسامة سمّة):
لو رجعت أصلًا.
رؤى كانت هتنفجر تاني،
سليم مسك دراعها بسرعة خوف تطير عليها تاني.
ياسين (بحزم وخلاص):
كفاية كلام.
يلا ع المكتب.
نوران اتحركت الأول بخطوات متكبرة،
ورؤى لحقت وراها… راسها مرفوعة رغم كل حاجة،
وعينيها فيها نار وعزيمة…
وجواها صوت واضح:
"يا ليل… والله ما هسمح لحد يدوس على اسمك."
********************
كان المكتب واسع، والشمس داخلة من شباك على الجنب عاملة خط نور في الهوا وبتبان عليه ذرات التراب وهي بتتحرك.
ياسين كان قاعد ورا مكتبه بوش ناشف، وأشار لرؤى ونوران يقعدوا قدّامه.
الجو مشحون على الآخر، وصوت عقرب الساعة واضح في السكت.
ياسين (بصرامة):
طيب… حد يفهّمني بهدوء كده إيه اللي حصل برّة؟
إزاي وصلتوا تتخانقوا قدّام الناس كلها؟
بصّت رؤى للأرض شوية، وبعدين رفعت عينيها وفيها قوة رغم صوتها اللي كان بيرتعش:
رؤى:
يا دكتور… اللي حصل إن نوران كانت بتتكلم عن ليل الزهراوي…
وقالت إنها هربت مع حبيبها!
الكلام ده كذب وإفترى، وأنا ماقدرتش أسكت.
نوران ميّلت لقدام بسرعة، وقطعتها بنبرة باردة:
نوران (بهدوء مصطنع):
دكتور، أنا ماقلتش حاجة غلط…
ده اللي الناس كلها بتقوله، والإشاعة ماليّة الجامعة!
يعني مش أنا اللي مألفاهـا.
رؤى بصّت لها بانفعال:
رؤى (بحدة):
لأ… إنتي ما كنتيش بتنقلي إشاعة… إنتي كنتي بتشوّهي سمعتها!
كنتي بتتكلمي وإنتي فرحانة وبتضحكي قدّام الناس!
نوران رفعت حواجبها بتريقة:
نوران:
يا رؤى، باين عليكي حساسة أوي…
يمكن علشان ليل دايمًا كانت محطّ إهتمام، وإنتي مش متعودة ع الموضوع ده؟
سكتت رؤى ثواني، نفسها بقى سريع، وعيونها لمعت من الغضب والدموع:
رؤى (بصوت مبحوح):
إنتي حقيرة…
بتتكلمي عن بنت مختفية كأنها لعبة!
ليل كانت ملاك وما أذتش حد…
وبرضه ناس زيك بيشوّهوا صورتها!
ياسين رفع إيده فجأة بقوة ووقف الكلام:
ياسين (بصوت عالي حازم):
كفاية!
أنا مش جاي أسمع مين بيغير من مين!
كلام عن الشرف والسمعة مش هزار…
ومش هاسمح بأي طالبة تتكلم بالشكل ده، إشاعة ولا حقيقة!
نوران سكتت، ورغم كده الشر باين في عنيها.
ياسين (بصوت حاد ونظره ليها):
وإنتي يا نوران…
المرة الجاية اللي أسمع إنك بتنقلي كلام زي ده،
هتتحولي لمجلس تأديب رسمي.
فاهمة؟
نوران (بتوتر):
فاهمة يا دكتور…
بعدين بص لرؤى بنبرة أخف لكنها ثابتة:
ياسين:
ورؤى، أنا عارف إنك كنتي بتدافعي عن صاحبتك…
بس اللي عملتيه غلط.
المرة الجاية تيجي ليا أو للإدارة…
مش تتخانقي.
هزّت رؤى راسها بخضوع، وصوتها واطي:
رؤى:
تمام يا دكتور… أنا آسفة، بس ماقدرتش أستحمل الكلام عليها.
ياسين بصّ لها شوية، وشاف الحزن الحقيقي في عينيها، فصوته رقّ شوية:
ياسين (بنبرة هادية):
خلاص، اعتبروا الموضوع خلص النهارده…
بس لو اتكرر… مفيش تساهل.
نوران وقفت بسرعة تحاول تبين ثقة:
نوران:
شكرًا يا دكتور… مش هيحصل تاني إن شاء الله.
خرجت نوران، ورؤى فضلت لحظة، وهي خارجة ياسين ناداها:
ياسين (بهداوة):
رؤى…
واضح إنك مؤمنة بصاحبتك قوي، وده يتقدر.
بس خلي بالك…
الناس بتصدق الإشاعة أسرع من الحقيقة.
فخليكي قوية علشانها.
رؤى ابتسمت ابتسامة ضعيفة بس ثابتة:
رؤى:
هفضل قوية… لحد ما ليل ترجع وتثبت بنفسها مين هي بجد.
خرجت بخطوات ثابتة،
وياسين فضل يبص على الباب وهو مقفول، وفي عينه لمعة إعجاب خفيفة مش قادر يخبيها.
*******************
رؤى خرجت من مكتب الدكتور بخطوات مترددة، نفسها لسه ملخبط من الموقف.
وأول ما فتحت الباب، اتفاجئت بسليم وزين واقفين في الممر مستنيينها بقلق.
أول ما شافوها، وقفوا في نفس اللحظة كأنهم منتظرين حكم محكمة.
زين (بقلق):
رؤى! أخيرًا!
إيه اللي حصل؟ الدكتور قالك إيه؟
سليم (صوته فيه قلق واضح):
انتي كويسة؟ طولتي قوي… قلقت بجد.
رؤى حاولت تبتسم رغم التوتر اللي لسه جوّاها:
رؤى (بتنهيدة):
الحمد لله… كله تمام.
الدكتور فهم اللي حصل ونبّهنا وخلاص.
مفيش عقاب ولا حاجة.
زين وشه راق، والقلق اختفى من تعابيره،
أما سليم ففضل يبصلها بنظرة فيها خوف عليها وحنية.
شعرها كان مفكوك شوية من الخناقة ووشّها محمّر،
فطلع منديل من جيبه بهدوء ومدهولها.
سليم (بلطف):
خدي… شكلك لسه متوترة.
رؤى (بتاخد المنديل بخجل):
شكرًا يا سليم… أنا كويسة.
بس اتعصبت جدًا لما اتكلمت عن ليل بطريقة وحشة.
سليم (بحزم وغيرة واضحة):
وعندِك حق.
وأي حد هيتكلم عن ليل تاني… أنا اللي مش هاسكتله.
بس تاني مرة فكري في نفسك الأول… إحنا مش مستعدين نخسرك.
عنّيها لمعت وشكلها اتأثر بالكلام،
وزين قرر يفك التشحن بكلمتين هزار:
زين (ضاحك):
يلا بقى يا جماعة كفاية مسلسل تركي!
نلحق المحاضرة قبل ما الدكتور يفتكر إننا كنا في حرب طروادة!
رؤى ضحكت غصب عنها من طريقة كلامه،
وسليم ابتسم ابتسامة صغيرة وهو ماشي جنبها:
سليم:
تمام، بس بعد المحاضرة هنروح الكافيه اللي بتحبيه… على حسابي.
محتاجة حاجة تفوّقك وترجعلك طاقتك.
رؤى (بضحكة خجل):
انت بتحاول تصالحني ولا دي صدفة حلوة؟
سليم (بصوت دافي ونظرة أدفى):
يمكن الاتنين.
بصّت له بسرعة بخجل، وبعدين بصّت للأرض،
ومشيوا التلاتة سوا ناحية المدرّج،
وسليم ماشي جمبها قريب، وزين ماشي قدّامهم بشوية،
بيبص عليهم بنظرة كلها خبث وفُهِلوة…
شايف الشرارة بينهم قبل ما هما نفسهم يعترفوا بيها.
*******************
فيلا نديم / بالليل – بعد كام يوم من خطف ليل
الريح بتعصف برا وبتخبط في الشجر اللي حوالين الفيلا الكبيرة.
جوا، النور خافت والمزيكا هادية، الجو شبه مخيف.
نديم الغازي قاعد على الكنبة الجلد، ماسك أوراق وبيقلّب فيها، وعلى وشه ابتسامة نصر باردة.
وفجــأة…
الباب اتفتح بدبدبة تشقّ السكون، والأوراق طارت في الهوا!
نديم (بيرفع راسه بصدمة):
إيه ده؟!
بيجاد الراوي دخل زي العاصفة…
عنيه مولّعة، نفسه متلخبط، وإيده مقبوضة لدرجة دمّها هيطلع.
بيجاد (صوته مرعب، بيهز الأرض):
فين عاصم يا نديم؟!!
فين البنت اللي خطفها؟!!!
نديم وقف ببطء… هادي وبارد كعادته، وبعدين ابتسم بخبث:
نديم (بهدوء متعالي):
إيه يا بيجاد… دي زيارة ولا غزو؟
مش كده، إمسك أعصابك بقى.
بيجاد قرب منه وأمسك ياقة قميصه بعنف:
بيجاد (عنيه مولّعة):
كفاية لحد هنا!
إنت السبب في اللي حصَل!
إنت اللي لعبت في دماغ عاصم وزوّدته حقد على زياد وهو بريء!
عايز منه إيه؟!!
نديم ضحك ضحكة قصيرة مريضة، وحرّر نفسه من قبضته:
نديم:
أنت زعلان مني؟
ولا عشان عاصم سابك انت وسليم برا اللعب؟
ثــواني…
وبيجاد رزَع بوكس في وش نديم يدوّخ الحجر!
نديم وقع، خبط راسه في الترابيزة، ومسح دم من بقّه وهو بيبتسم!
نديم (ساخر ومختنق من الضربة):
باين عليك مش جاي تتفاهم يا صاحبي!
بيجاد (بيصرخ):
قولي فين عاصم؟!
فين ليل؟!!
إنت سبب الخراب ده!
نديم ضحك ضحكة شريرة:
نديم:
يا عيني عليك…
فاكرني بخبّيهم؟
والله ما أعرف هو فين.
عاصم دلوقتي في عالم تاني…
بعيد عنكم كلكم.
بيجاد صوته اتكسّر من الغضب:
بيجاد:
إنت شيطان…
لو راجل واجهني بوشّك مش تلف وتلفّ بكلامك!
نديم وقف تاني ومسح الدم، ومال عليه بكلمة تسمم الهوا:
نديم (بهدوء حقير):
على فكرة…
سمعت إن عاصم وافق إني أتجوز ربى لما يرجع.
بيجاد اتجمّد… وشه اتصدم حرفيًا:
بيجاد (بصوت ميت):
إيه؟
إنت بتهزّر…
نديم (بيبتسم بثقة):
ولا بهزّر ولا حاجة.
اتفقنا من بدري…
هو شايف إن ربى محتاجة راجل يحميها… خصوصًا بعد ما بقت مشلولة.
إيد بيجاد اترفعت تاني… لكنه وقف،
بص لنديم بنظرة قرف ووجع في نفس الوقت.
بيجاد (بحرقه):
إنت وسخ…
ولو الكلام ده حقيقي؟
يبقى عاصم مات بالنسبة لي من زمان.
لف وخرج بخطوات تقيلة سريعة…
وقلبه بيولع نار.
نديم فضِل واقف مبتسم ابتسامة شيطان، وتمتم ببطء:
نديم (بهمس):
تمام… كده اللعب ابتدى.
بيجاد خرج للليل… الدموع جوّاه والنار في صدره:
"مستحيل… عاصم يعمل كده.
وإن كان عملها؟
والله ما هسيبه."
******************
حديقة فيلا رامي / صباح هادي في ألمانيا
الشمس كانت طالعة بدفا خفيف، راميه نور دهبي على العشب اللي عليه ندى.
ليل قاعدة على دكّة خشب في نص الحديقة، وجنبها ربى على كرسيها المتحرك، ماسكة كباية عصير صغيرة.
نيروز كانت سايباهُم لوحدهم شوية، والهوا البارد بيحرك شعر ليل البني اللي واقع على كتافها.
ليل (بابتسامة رقيقة):
بصراحة يا ربى، المكان هنا يجنن…
بس لو كنتي مكاني، أكيد كنتي هتجربي تهربي كل يوم زيي 😂
ربى ضحكت… ضحكة خفيفة جدًا، بس كانت أول ضحكة تطلع منها بقالها ٣ سنين.
ليل فتحت عينيها بدهشة وبعدين ابتسمت بفرحة حقيقية.
ليل (بحماس زي العيال):
إنتي ضحكتي؟!
بجد ضحكتي يا ربى؟
أنا أول واحدة تسمع ضحكتك بعد كل اللي حصل دا؟ 😭💛
ربى هزّت راسها بهدوء، ودمعة لامعت في عينها.
ليل مسكت إيدها بهدوء وربّتت عليها.
ليل (بصوت حنون):
كان لازم تضحكي من زمان…
عارفة؟ في ناس بيحاولوا يطفيونا،
بس ربنا دايمًا بيبعت نور من مكان ما نتوقعهوش.
وفجأة… باب الحديقة اتفتح بهدوء.
عاصم دخل، ماسك ملف بإيده.
أول ما شاف ربى بتضحك وليل معاها… وقف مكانه مصدوم.
عينيه اتسعت، قلبه اتشدّ، وكأنه الزمن وقف للحظة.
عاصم (بصوت واطي جدًا):
ربى…؟
ربى بصّتلُه بابتسامة خفيفة ورفعت إيدها المرتعشة كأنها بتقوله "أنا بخير".
ليل قامت بهدوء، شكلها متوتر بس كانت بتحاول تفضل ثابتة.
ليل (بهدوء):
صباح الخير… ماكنتش أعرف إنك هنا.
عاصم (بعيون معلّقة بربى):
هي… ضحكت؟
إزاي؟
إنتي عملتي لها إيه؟
ليل (بابتسامة هادية):
ولا حاجة… كنت بس بكلمها.
الكلمة الصح في وقتها بتعمل معجزات، مش كده؟
عاصم سكت.
جواه حرب—فرحة، صدمة، وإنكار إن الفضل لليل.
بصّ لها فترة، نور الشمس في عينيها خلّاها شكلها غير اللي متخيّله عنها.
عاصم (بصوت ملخبط شوية):
واضح… إنك ممثلة شاطرة.
ليل رفعت ذقنها بثقة:
ليل:
ما بامثّلش.
أنا بس بحاول أكون بني آدمه… مش جلاد.
ويمكن دا اللي حضرتك نسيته من زمان.
عاصم اتشنّج، بصلها بنظرة مضطربة،
وبعدين لف وخرج بخطوات سريعة من غير ما يرد.
ليل رجعت قعدت جنب ربى وقالت وهي بصّة لظهره وهو ماشي:
ليل (بصوت واطي):
هتفتكر…
بس لما تفتكر هيكون redan متأخر قوي.
ربى بصتلها بامتنان هادي، وابتسمت تاني—
الابتسامة اللي ما ظهرتش في البيت من يوم ما رائد اختفى.
*******************
ليل كانت قاعدة على مقعد خشب في الجنينة الهادية،
الهوا بيلاعب خصلات شعرها الطويلة، وهي بتحاول ترسم ضحكة صغيرة على وش ربى اللي قاعدة جنبها على الكرسي المتحرّك.
ليل (بابتسامة دافية):
شايفة؟ الجو هنا حلو قوي… كأنه نفس بعد غرق طويل.
ما ينفعش تسيبي الدنيا تكسبك يا ربى، فاهمة؟
ربى ما قالتش حاجة،
بس عينيها الواسعين اتملّوا بدموع خفيفة، وابتسمت بخجل،
وتهز راسها كأنها بتقول: “بحاول”.
ليل (بصوت حنين وهي تلمس إيدها برفق):
أنا واثقة إنك أقوى من كل اللي حصل،
والضحكة اللي طلعت منك النهارده مش بسببي… دي روحك انتي اللي لسه عايشة.
ساعتها اتسمع صوت خطوات جاية على أرض الحجر…
عاصم دخل الجنينة بخطوات واثقة، ماسك تليفونه في إيد وكوباية قهوة في التانيّة.
بس وقف فجأة لما شاف ربى بتضحك… لأول مرة من تلات سنين.
وشه اتشدّ، والغضب اللي فيه اتبدل بدهشة جامدة.
ليل بصّت عليه، وعيونهم اتقابلت.
عاصم (بصوت منخفض مش مصدّق):
ربى…
إنتي… بتضحكي؟
ربى بصّت له وهي لسه مبتسمة،
ورفعت إيدها ترجّها شوية كأنها بتقول: “شايف؟ لسه أقدر”.
عاصم بص على ليل بنبرة ناشفة ومقصودة:
عاصم:
واضح إنك ارتحتي هنا بسرعة يا أنسة الزهراوي…
شكل ربى اتبسطت إنك موجودة.
ليل (بثقة رغم التوتر):
يمكن علشان البقاء و إنك تفضلي عايشة أصعب من إنك تستسلمي.
وده اللي المفروض حضرتك تتعلمه من أختك… مش العكس.
عاصم عضّ على سنانه، وسكت…
وبعدين مشي بخطوات غضبانة، والهوا حواليه تقيل.
بعدها بثواني، رامي ظهر من نفس الممر، شايل كوباية قهوته،
— باين إنه سمع جزء من الكلام.
قرب منهم بابتسامة دافية وهو بيبّص على ليل وربى.
رامي:
ياااه… منظر يشرح القلب بجد.
ماكنتش أتوقع اشوف ربى تضحك تاني.
ليل ابتسمت بهدوء:
ليل:
هي اللي قررت تضحك… مش أنا اللي ضحكتها.
أوقات الناس محتاجة حدّ يفتكرهم إنهم لسه يقدروا يعيشوا.
رامي ركّز بصّه عليها — في عينيها اللي لونهم رمادي، في لمسة إيديها على ربى —
وبعدين قال بصوت هادي كأنه بيكلم نفسه:
رامي:
يمكن وجودك هنا مش صدفة…
يمكن ربنا باعتك علشان تفتحي أبواب اتقفلت من زمان.
ليل ابتسمت بخفة ومفهمتش قصده أوي،
وربى بصّت لهم بنظرة فيها نور،
وأصابعها خبطت بخفة على الكرسي كأنها بتقول: “في أمل”.
رامي بص بعيد وهو حس بخجل بسيط، وقال بنبرة أخف:
رامي:
لو احتجتي أي حاجة… انا موجود.
خلّي ضحكتها دي عادة… مش لحظة وتعدي.
ليل هزّت راسها بشكر، وبصّت لربى:
ليل (مبتسمة بصدق):
سمعتي يا قمر؟ لازم نضحك كل يوم… اتفقنا؟
ربى قفلت عينيها لحظة وابتسمت،
وبعدين حركت صوابِعها على إيد ليل ترسم كلمة صغيرة…
كانت الكلمة: "شكراً".
*******************
– مكتب زياد الزهراوي في شركة الزهراوي القابضة – القاهرة، بالليل
الجو مشحون وقلقان،
الستاير نص مقفولة، نور المكتب خافت،
على المكتب صور ليل مرمية — وهي صغيرة، يوم تخرجها، وصور من مناسبات العيلة.
زياد قاعد ماسك راسه بإيده،
وإدهم واقف جنبه بيحاول يهدّيه،
ومراد الشرقاوي واقف حاطط إيده على المكتبة، نفسه تقيل.
الباب يتفتح
وآدم العطار يدخل بخطوات ثابتة.
آدم (بصوت هادي بس قوي):
مساء الخير يا زياد… يا إدهم… يا مراد.
زياد يقف بسرعة، عنيه مدمّعة من السهر والبكا،
يقرب منه وهو شبه تايه:
زياد:
أخيييير جيت يا آدم…
قولّي بالله عليك إنك عرفت عنها حاجة…
قولّي إن بنتي بخير.
آدم يبص له بحزن ويحط إيده على كتفه:
آدم:
اسمعني يا زياد…
أنا رجعت من إنجلترا أول ما سمعت.
قعدت أنبّش في ملفات خالد القاسمي ورائد… الله يرحمه.
واللي وصلتله… صعب.
الرجالة يبصّوا لبعض بقلق.
آدم يقعد، يطلع ورق ويحطه على المكتب.
آدم (بنبرة تحقيق):
رائد ما ماتش في حادثة… لا.
اتستدرج.
في حد مترصّد له…
والمجرم ده مش أول مرة يلطّخ إيده بالدم.
وعاصم؟
عاصم اتغسل دماغه.
حد لعب بعقله وخلاه يصدق إنك انت اللي قتلت يا زياد.
زياد يصوت فجأة، فيه وجع وخيانة:
زياد:
أنا؟!
أنا اللي ربيته بعد ما أبوه مات؟
اللي كنت شايله من بيته وبديله من خير بيتي؟
يصدق إن أنا اللي قتلته؟! ازاي؟!
إدهم (يحاول يهديه):
اهدى بس يا زياد…
عاصم مش بعقله.
في حد مسيطر عليه… حد حقير.
مراد (ثقيل وصوته واطي):
ومشكلتنا مش إنه صدّق…
مشكلتنا إنه تصرّف وخطف البنت.
والوقت مش في صفّنا.
زياد يقعد تاني، يمرر إيده على وشه المهدود:
زياد (بصوت مكسور):
ليل…
يا رب تكون بخير.
مش قادر أتخيلها بعيدة…
في إيد واحد شايفني عدو.
بنتي ما تستاهلش ده.
آدم عينه تلمع حزن بس وشه ثابت:
آدم (بحزم):
هترجع…
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 8
في القاهرة / مكتب فخم مُعتم — منتصف الليل
الإضاءة خافتة… فقط مصباح أصفر صغير على مكتب ضخم.
ستارة ثقيلة تتحرك ببطء مع نسيم خفيف.
نديم يقف أمام زجاج عاكس، ثيابه مرتبة لكن وجهه يحمل كدمات واضحة.
في الخلفية رجل غامض جالس، لا نرى ملامحه… فقط ظله.
نديم (يبتسم بخبث، يمسح أثر دم عند زاوية فمه):
والله يا باشا… لو شفت بيجاد لما قلتله الخبر.
وشه اتجمد… اتخنق… كأنه الدنيا وقفت عنده.
ضحكة قصيرة… عاشق غلبان.
الشخص المجهول (نبرة باردة ثقيلة):
وإنت متأكد إنه صدّقك؟
نديم (يجلس بثقة، يفرك يديه):
بيجاد؟
دا أكتر واحد قلبه متعلق بالبنت دي.
أول ما قلتله إن عاصم ناوي يجوزني ربى… اتقطع من جوه.
هو بيحبها ومش قادر يعترف…
أنا لعبت على الجرح الصح.
الشخص المجهول
وعاصم نفسه؟
فاكر إن الموضوع ده حقيقي؟
نديم
عاصم؟
عاصم دلوقتي عامل زي حصان هارب في صحراء…
كل اللي يشوفه يفتكره رايح صح، بس هو تايه… وده بفضلي أنا.
هو مشغول بليل، وبالانتقام…
مش فاضي يفكر في حاجة تانية.
وأكتر وقت ممكن نتحكم فيه… هو دلوقتي.
المجهول (بهدوء مخيف):
لكنك بتحرك النار حوالينك.
لو عاصم عرف إنك بتكذِب… مش هيسيبك تعيش.
نديم (ينظر له، نبرة متحدية بنعومة):
عاصم؟
كان ذكي…
دلوّقتي مجرد وقود لخطتنا.
وأصلاً… اللي يتجرأ يقرب مني؟
إنت موجود.
ولو وقع… في ناس تانية نقدر نستعملها.
المهم… الحرب بدأت.
والزهراوي؟
هيقع واحد واحد.
المجهول ينهض ببطء، خطواته ثقيلة، يضع يده على كتف نديم:
بس ما تنساش…
إحنا مش بنلعب عيال.
انتقام… دم… ومصالح كبرى.
أي غلطة… ممكن تخلصك من الوجود كله.
نديم (يبتسم بثقة شيطانية):
وأنا جاهز.
رائد مات… ولسه الدور على غيره.
المهم…
عاصم يفضل أعمى.
وبيجاد يكره عاصم…
وزياد يتحرق قلبه على بنته.
وقلوبهم تتقسم… زي ما احنا عايزين.
المجهول
كويس.
خلّي اللعبة ماشية…
بس فكر دايمًا:
نار الفتنة… لازم تتغذّى.
ما تطفهاش… ما تسرعش…
سيبها تاكلهم ببطء.
يمشي مبتعدًا نحو الظلام
نديم (يهمس بابتسامة عريضة وهو ينظر لآثاره في المرآة):
كله بثمنه…
والكدمات دي؟
وسام شرف للشيطان اللي جوّه.
*********************
ألمانيا / أوضة ليل — صباح هادي
أوضة واسعة وشيك، شباك كبير بيطل على حديقة خضرة. ليل واقفة قدام المراية، ماسكة فرشة شعر وبتحاول تفك التشابك وهي متنرفزة قوي.
بتكلم نفسها ووشها بيكشّ من العصبية…
ليل (بتحاول تفك خصلة)
يا رب… هو شعري قرر يرخم عليا كمان؟!
ما أنا ناقصة! 😤
تشّد خصلة وتتوّجع
آااه!
والنبي لو كنتي فرشة بنت ناس كنتي وقفتِ معايا مش عليا!
تاخد نفس… وتبدأ الرغي:
ليل (بتمشط وبتتنرفز)
أنا قاعدة هنا… مخطوفة… عند واحد مختل رسمي!
عاصم القاسمي؟!
مين يعمل كده؟!
مين يخطف بنت غلبانة ما عملتش فيه حاجة؟!
مريض… متخلف… تعمل إيدين
عنده نقص حنان على الآخر… و92 عقدة من باباه 😒
تمسك الفرشة كأنها سلاح
وكل ما أشوفه نفسي أزقّع بيها في دماغه…
بس إيه يعني؟ يمسكها قبل ما توصلله… أصله رد فعله صاروخ!
ما هو حضرة سيادة المخابراتي العظيم! 😤
تقلد صوت راجل متنشّن:
"أنا عاصم… وأنا جاي أنتقم… ومابفكرش… عندي حقد مركّب"
إيه يا عم مخك فين؟! 🤦🏻♀️
تسكت وتبص لنفسها…
ليل
ولا النملة أذكى منك والله.
وبصوت مصمّم:
ليل
بس ماشي…
أنا ليل الزهراوي…
ومن غير سلاح ولا جيش ولا مخابرات…
هطلع الحقيقة وهرد حقي وحق بابا…
وخليك بقى تغرق في غبائك يا مستر انتقام.
هخليك تندم… وتتقهر… وتعيط… و—
تقف فجأة… ملامحها تسيح
ليل (بكسوف)
طب هو ليه حلو كده؟! 😩
يعني لو ناوي تخطف… خطف قلبي مش قطتي؟!
لا لا… أنا بقول إيه؟ 🤯
ده غبي… ما بطقوش… بس… وسيم؟
وسيم زيادة الصراحة…
ولما بيعصب؟ عينيه… بيلمعوا كده… اه! 🤦🏻♀️
ترجع تفوق:
ليل
لااا! ركزي يا ليل!
وسيم إيه بس؟
تفوو على الوسامة اللي تجيب وجع دماغ 😤
لو الجاذبية جريمة كان ده واخد مؤبد!
يطلع صوت ضحكة مكتومة من الباب
ليل تتجمد… وتلف ببطء… تلاقي عاصم واقف، سايب إيده في جيبه، وابتسامة مستفزّة نص جنب 😏
عاصم (بهدوء وبصوت واطي)
فهمت…
مختل… طفل باباه زعّله… خطّاف مشاعر… ووسيم "زيادة عن اللزوم"؟
ملاحظات مهمة يا آنسة زهراوي.
ليل (بتفقع)
إنت!… من إمتى واقف؟!
عاصم
من أول ما بدأتي تزعقي في الفرشة.
كان مشهد ممتع… صعب أقاطع.
ليل
إنت بتتجسس؟! 👊😡
عاصم (قرب خطوة)
أنا؟ لأ.
إنتي صوتك سامعاه ميونيخ كلها.
ليل تحط شعرها على وشها وتهمس:
ليل
يا رب الأرض تبلعني…
عاصم (ابتسامة هادية بس نبرته خطر)
وبلاش تفكري تهربي…
لا من المكان…
ولا من الحقيقة.
ليل (بتتحداه)
وإنت كمان… قريب قوي هتعرف إنك غلطت.
وغلطتك… أنا اللي هصلحها.
عاصم
نشوف…
بس نصيحة صغيرة:
لو نويّة تعملي خطة…
وطي صوت المسلسل اللي بتقولي لنفسك ده.
يمشي…
ليل تفضل واقفة مصدومة… وبعدين تشيل المخدة وترميها:
ليل
ياه! ليه الدنيا بتعمل فيا كده؟! 😭😂
*******************
ليل لسه واقفة مكانها، ماسكة الفرشة كأنها قنبلة نووية، وكاتمة صرختها بالعافية.
فجأة الباب يفتح تاني ويدخل عاصم… هادي، بس شكله متغيّر. غضبه نزل درجة، وفي حاجة في عينه… خليط غريب بين التحدّي وحاجة مش عايز يعترف بيها.
عاصم (بهدوء مفاجئ)
ليل…
ليل (بتحاول ترجع شخصيتها القوية، متوترة)
نعم؟!
ومحدش يقول سمع حاجة، مفيش أي حاجة!
عاصم (يتجاهل كلامها ويقرب خطوتين)
إنتي… كنتي بتعيّطي امبارح؟
ليل تتصدم، تهرب عينيها لحظة وبعدين ترفع راسها بسرعة.
ليل
أنا؟ أعيّط؟
استغفر الله العظيم! ده تأثير الإضاءة… والأكسجين الألماني ولا حاجة! 🙄
عاصم (بصوت واطي وثابت)
محدش بيعيّط من الأكسجين يا ليل.
صمت تقيل ينزل بينهم.
ليل (صوتها يضعف لحظة وتهرب بسرعة منها)
ولو عيّطت؟
طبيعي يعني… أي بنت تتخطف هتعيّط.
مش كل الناس قلوبها حجر.
عاصم يضيّق عينه، وببطء يقول:
عاصم
أنا ماكنتش…
عايزك تتأذي.
ليل
بس جرحتني…
وجرحت أهلي.
عينه تهرب للحظة — أول مرة يتلخبط من كلامها.
عاصم
كان لازم أعمل كده.
ليل
لأ… كان لازم تفكر.
وتتأكد.
علشان لما الحقيقة تبان… ما تقعش من نظر نفسك.
عينه تلمع بلحظة ارتباك، فيغيّر الموضوع فجأة.
عاصم
على فكرة…
لو هتكمّلي تشتمي فيا بكرة،
غيّري شوية.
"مختل" و"غبي" خلاص حافظتيهم 😏
ليل (ترفع حواجبها وتشد إيديها)
أكتب قايمة؟ ولا تحب الاختراع الحر؟
عاصم (يقرب خطوة زيادة، قرب خطير)
طالما مافيهاش "وسيم زيادة عن اللزوم"…
أنا موافق.
ليل (تبلع ريقها)
دي كانت زلّة لسان.
عاصم (ابتسامة خفيفة وصوت واطي)
زلّة؟
ولا حقيقة معرفتيش تخبيها؟
ليل تتلخبط ثانية وتغير الموضوع بسرعة:
ليل
اطلع برا الأوضة.
عاصم
أوضتك؟
من إمتى بقى؟ 😏
ليل
من أول يوم خطفتني فيه غصب!
اعتبرها تعويض نفسي!
تلف وتشد دقنها وتروح ناحية المكتبة كأنها صاحبة القصر.
عاصم
تمام…
خليها أوضتك.
بس حضري نفسك…
مش هتفضّلي فيها على طول.
ليل تلف بسرعة، مبهورة:
ليل
يعني… أخرج؟!
عاصم
أنا ماحبّسش حد.
ولا أحب أحطك في سجن.
المكان كبير… لفّي براحتك.
بس…
بلاش تفكري تهربي.
ليل (تهمس بتحدي)
مش ههرب…
أنا هفضل لحد ما أثبت إنك غلطان.
هو يبص لها نظرة طويلة…
مش كره… مش حرب…
نظرة واحد بيتخانق مع نفسه.
عاصم (هادئ أوي)
يمكن…
بس أتمنى ما تندميش.
يمشي ويقفل الباب بهدوء.
ليل تهمس:
ليل
اللي هيندم… هو إنت.
مش أنا.
وتبتسم غصب عنها…
ليل (تخبط خدها بخجل)
يا رب ماقعش في حبه…
لا… مستحيل…
ولا… يمكن شوية؟
لأااا! 🤦🏻♀️
*******************
عاصم يقفل باب أوضة ليل بهدوء…
ياخد نفس جامد، كإنه بيحاول يستوعب اللي حصل.
يلف… يلاقي رامي واقف سند على الحيطة، إيديه في جيبه، وابتسامة لمّاضة على بقه.
نبرة واحد فاهم الفيلم كله قبل ما يتعرض.
رامي (بضحكة خفيفة)
حلوة… صح؟ 😌
عاصم (مكشّر وبيحاول يمسك نفسه)
مش وقتك يا رامي.
رامي
بالعكس…
ده أحسن وقت.
يقرب عليه بالراحة، النظرة اللي في عينه مش هزار… فهم حقيقي.
عاصم (يبص بعيد)
هي بس… عنيدة ومزعجة.
تفكيرها… بتاع عيال.
رامي (يرفع حاجبه)
وعشان كده واقف قدام بابها بقالك عشر دقايق؟ 😏
عاصم (ينفجر)
ما وقفتش! كنت…
يسكت… فاهم إنه اتكشف.
رامي
كنت بتتنفس… جامد…
وبتحاول تفهم ليه قلبك بيخبط كإنك في فرح بلدي؟ 😆
عاصم
رامي… 😑
رامي (جدي فجأة، صوته يعمّق)
عاصم…
أنا أعرفك قبل ما الضلمة تاكلك.
قبل ما الغضب يبقى صاحبك الوحيد.
واللي حصل فوق؟
ده أول نور يدخل لك من سنين.
عاصم يبصله… لحظة ضعف سريعة، وبعدين يتماسك.
عاصم
مفيش نور.
في هدف… وانتقام.
رامي
وانتقامك بدأ يدوب…
أول ما سمعتها بتتكلم.
عاصم (بعصبية)
دي بنت زياد!
رامي
وبنت مالهاش ذنب غير إنها اتولدت في بيت مالهش ذنب.
وانت…
مش شايفها غلط.
انت شايفها "خطر"…
مش لأنها بنت زياد…
علشان بتحرك حاجة جواك كنت فاكرها ماتت.
عاصم يقفل إيده… مايبصش لرامي.
عاصم
بطل تلعب في دماغي.
رامي (يحط إيده على كتفه)
أنا مش بلعب…
أنا بستمتع…
وبشوف صاحبي القديم بيرجع حبة بحبة.
وبعدين يبتسم مكرًا:
رامي
وبعدين يعني… مين قالك إني مش بغير؟
أنا كمان مرشح أحبها 😏🔥
بس شكلها مش هتشوف غيرك.
تبقى أهبل لو ضيعت الفرصة.
عاصم يسكت… لمعة عين مكسورة تظهر بس ثانية.
عاصم
دي بنت مخطوفة…
مش… لعبة مشاعر.
رامي (بابتسامة فاهمة)
ولا انت لعبة القدر؟
القلوب ساعات بتسبق العقول…
خصوصًا لما القلب يكون مقفول كتير.
يطبطب على كتفه:
رامي
فكّر…
مش كل حرب بتولد كره.
في حروب… بتولد حب أكبر من الانتقام نفسه.
يمشي وهو بيهزر:
رامي
وبالمناسبة…
لو احتجت مساعدة يوم ما تعترف؟
أنا موجود أضحك عليك من أول لحظة لآخر لحظة 🤭
عاصم (يصرخ وراه متوتر)
مفيش حب! ومفيش اعتراف!
رامي (يرفع إيده من غير ما يلف، بابتسامة عريضة)
آه طبعًا… طبعًا.
قولها لقلبك… مش ليا 😉
**********************
فيلا بيچاد — الفجر.
الدنيا لسه ضلمة، شوية نور بسيط داخل من ورا الستاير. سكون تِقيل مالي المكان كإنه حاسس باللي جوا صدره.
بيچاد قاعد على الكنبة، ماسك كباية قهوة ساقعة ما لمسهاش من ساعات. عنيه حمرا… ما نامش.
يدخل حسام (ابن خال بيچاد وأقرب واحد له):
حسام:
يا نهار إسود… إنت لسه صاحي؟ دماغك ولعت ولا إيه؟
بيچاد (بصوت واطي وتعبان):
أنا مش قادر… كلام نديم امبارح… قاعد يرن في ودني طول الليل.
حسام:
نديم؟ يا عم ده سم ماشي على رجلين، ما تصدقوش.
بيچاد (باصص في الأرض وصوته مكسور):
بس شكله ما كانش بيكدب يا حسام… بيتكلم بثقة وقلة أدب كده كإنه متأكد من كل كلمة.
عاصم!
(يضحك ضحكة موجوعة)
عاصم يا جدعان… مش صاحبي! ده أخويا!
كبرنا سوا، خناقات وضحك وأحلام… وفي الآخر يروح يصدق واحد عرفه من سنتين عليّا؟!
حسام يقعد جنبه:
عاصم مش كده… أكيد في حاجة غلط.
بيچاد يهز راسه:
أنا ماعنديش طاقة أبرّر لحد تاني.
عارف أكتر حاجة وجعتني؟
إنه حسّيته شايف نديم… أحق مني بالثقة!
وعارف إيه أكتر؟
(يغمض عينه وصوته يوطّي)
ربا… لو فعلاً وافق يتجوزها؟
ربا اللي كان شايفها أخته قبل ما تكون أختي!
حسام:
وإنت مصدّق نديم بعد كل اللي عمله؟!
بيچاد بتنفس تقيل:
أنا مش مصدقه… أنا مصدق سكوت عاصم.
ما كلمنيش بعد اللي حصل… ولا سأل عليّا.
ولا حاول حتى يشرح!
وده كفاية بالنسبة لي.
يسكت شوية، وبعدين يبص للنُصِّية بعينين مغرقين:
بيچاد:
خلاص… من النهاردة ما بيني وبين عاصم حاجة.
كنا أخوات؟ تمام.
اعتبرها أخوّة ماتت.
ماتت يوم ما صدّق غيري، ويوم ما فكّر يبيع ربا.
يقف بشويش كإنه شايل الدنيا على ضهره:
بيچاد:
بس حاجة واحدة…
لو آخر نفس فيا… مش هسيب نديم يقرب منها.
مش هسيب ربا تضيع مع واحد زيه.
حتى لو العالم كله ضدي…
هقف.
حسام يحط إيده على كتفه:
وأنا معاك… بس اهدى، ما تخليش وجعك يعميك زي ما نديم عايز.
بيچاد بنبرة هادية بس كسّارة:
أنا مش غضبان… أنا موجوع.
والموجوع… أقوى من الغضبان بكتير.
بيمشّي ناحية الباب، يقف لحظة:
بيچاد (بصوت واطي كإنه بيودّع ذكرى):
يا عاصم… كان لازم تتكلم.
بس اخترت تسكت.
تمام… سكوتك كفاية.
يخرج… ويسيب وراه سكات تقيل من الكلام نفسه.
*******************
الباب يتفتح بسرعة، وسليم القيصري يدخل لابس تياب رياضة، وشكله قلقان:
سليم:
إيه ده؟ ليه وشيك كده من الصبح؟
حسام كلمني وقال إنك مش كويس… حصل إيه؟
حسام يبص لبيجاد كأنه بيقوله: «قول له».
بيجاد (بصوت واطي ومتردد):
سليم… روحت عند نديم امبارح.
سليم (رافع حاجبه مستغرب):
روحت عند نديم؟ ليه؟ عملتوا إيه تاني؟
بيجاد (عنياه مولعة بالغضب والوجع):
اضربته… وهو ضربني.
وفي النص… قال حاجة قلبتني.
قال إن عاصم موافق إن نديم يتجوز ربى… وإنه شايفه أنسب مني.
سليم يحدّق فيه شوية، وبعدين يخبط الطرابيزة بضربة خفيفة:
سليم:
يا نهار أبيض! بجد يا بيجاد؟! إنت مصدّق نديم؟!
نديم ده… هوايته يبوّظ الدنيا وماشي.
بيجاد (بيحاول يمسك صوته لكن صوتها بيرتعش):
سليم… هو ماكنش بيكدب… كان واثق أوي.
و… عاصم ما كلمنيش ولا نفى!
لو فعلاً ماكنش… ليه ساكت؟
سليم يزفر جامد، يمسك كتف بيجاد بحنية:
سليم:
عاصم اتغير؟ آه… بعد اللي حصل لرؤى وبعد اللي شافه، اتقفل على نفسه.
بس يغدر؟ يشوّح سنين صداقة؟ يبيع أخوه؟
ده مش عاصم يا بيجاد!
بيجاد يبص له محتار، وشرارة أمل صغيرة بتطلع جوّه:
بيجاد:
يعني إنت شايف… إن نديم بيلعب علينا؟
سليم (بثقة):
أيوه.
ولو في حاجة حصلت… عاصم اتلخبط من جوّه مش من برّه.
حد لعب عليه… خان ثقته… اتكسر.
بس عمره ما هيكسرنا إحنا.
يصمت شوية، وبعدين يقرب بوقفة حازمة:
سليم (بنبرة قرار):
إحنا مش هنسيبه، ومش هنسيب نديم يخرب علينا.
لو عاصم اتلخبط… بنضبّطه.
لو ضاع… بنرجّعه.
ولو حد لعب عليه… بنولّع عليه الدنيا.
بيجاد ياخد نفس عميق… الألم يخف شوية وبترجع الرجولة في وشه:
بيجاد:
أنا… وحشتني أوي يا سليم.
وحشتني ضحكته، إحساسه إن إحنا ظهر بعض.
بس هو اختفى… واخد البنت ومحدش عارف عنه حاجة.
سليم يبصله بابتسامة فيها عزيمة:
سليم:
يبقى نلاقيه.
نرجّع أخونا من الضلمة اللي وقع فيها.
مش هنسيبه للجنون ده.
بيجاد يبص لسليم وحسام بعزم:
بيجاد (بصوت ثابت):
ندوّر على عاصم.
لو غلط… نوقفه.
لو موجوع… نضمده.
بس مستحيل أسيبه لوحده.
حسام يبتسم بفخر وهو يبص لهم:
حسام:
بالكلام دا… ترجعوا تاني تلاتيّتكم اللي مفيش حد يكسرها.
سليم يمد إيده لبيجاد:
سليم:
إيدك في إيدي؟
بيجاد يحط إيده فوق إيد سليم، وحسام يحط إيده فوقهم:
الجميع:
معاك… ومفيش رجوع.
سليم بابتسامة خفيفة وعينه مليانة حماس:
سليم:
يلا يا أبطال… نرجّع عاصم القاسمي لأصحابه… ولنور الحياة.
********************
تايلاند — فوكيت — فيلا على البحر
الليل هادي، نور أصفر دافي، وصوت الموج عامل موسيقى في الخلفية.
ريما قاعدة في البلكونة بفستان خفيف، شعرها لسه مبلول شوية من السباحة. إيديها بترتعش وهي بتقفل المكالمة مع أبوها، مراد الشرقاوي.
تقفل الموبايل ببطء… وعيونها تلمع، بتحاول تمسك دموعها بالعافية.
كامل (يخرج وراه فوطة على كتافه):
كلمتي عمو مراد؟
ريما (تاخد نفس وتحاول تبتسم):
آه… مفيش جديد.
لسه… ولا أي خبر عن ليل.
كامل يقعد جنبها ويحط إيده على إيديها:
كامل:
ربنا يرجعها بالسلامة.
عارفين قد إنتي بتحبيها… وكلنا قلقانين عليها.
ريما (تقفل عينيها وصوتها مكسور وهادي):
مستوعب إنها مخطوفة؟
وإحنا قاعدين هنا… على البحر… وهي يمكن دلوقتي لوحدها… خايفة…
مش عارفة مين خطفها ولا ليه.
كان المفروض نضحك سوا… مش نقعد ندعي ونبكي عليها.
كامل:
ما تبكيش يا ريما… قلبك ده أنضف من إنه يشيل الوجع وحده.
ليل قوية… البنت دي ما تقعش بسهولة.
دي بتتحدى الدنيا من زمان.
ريما (تضحك غصب عنها):
أيوه… آخرها تكسب كل حاجة.
بس أنا… خايفة عليها أوي.
كامل يسكت ثواني، يقرب كرسيه منها، يمسك إيدها بإيده التانية كأنه بيطمنها من جواه قبل ما يطمنها هي:
كامل:
تعالي… خلي الوجع نصين.
إحنا فريق يا ريما… مش كل واحد لوحده.
ريما (تمسح دمعها وتبتسم بخفوت):
فريق؟
ولا اتجوزتني عشان أطبخلك وأدلّعك؟ 😏
كامل (يضحك ويبُص لها بدفا):
أنتي تتدلعي… وأنا أطبخ.
اتفقنا من أول يوم.
بس ما يمنعش برضه إنك تبقي الزوجة اللطيفة اللي بتحب جوزها.
ريما (ترمش له بضحكة صغيرة):
لطيفة؟
أنا؟
أكيد بتتكلم عن واحدة تانية 😂
كامل (رافع حاجبه بنظرة عاشقة):
لا… عن اللي قدامي.
حتى وهي زعلانة… عينيها بتقول حب.
وأنا… بدوب فيها كل يوم.
يقرب منها، يمسح دمعة على خدها بطرف صباعه، ويحط جبينه على جبينها:
كامل بصوت واطي:
تعرفي؟
لو الدنيا كلها ضدي… ولو ليل اتأخرت أو ما رجعتش النهارده…
أنا هنا.
معاكي.
وبحبك… كل يوم أكتر من اللي قبله.
ريما (تتنفس براحة كأن الألم نزل نصه):
حتى لو بقيت عصبية؟
وبكيت؟
وزعقت؟
وما طبختش؟ 😆
كامل:
أطبخ أنا.
وأزعّق أنا.
وأعيط أنا.
بس إنتي… تفضلي جنبي.
ده كفاية.
ريما تحط راسها شويّة وتنزل عينيها بخجل وحب:
ريما:
أنا محظوظة فيك يا كامل.
كامل (يقف ويسحبها بإيده):
لا… إحنا المحظوظين ببعض.
تعالي… ندي قلبنا شوية هوا.
نتمشى على الشط… نسمع البحر…
ونتخيّل ليل بكرة ترجع وتزعق وتقول
"قفلتوا الــ honeymoon عليّا يا غيورين؟" 😂
ريما تضحك و تقوم معاه:
ريما:
أيوه… ده أسلوب ليل بالظبط.
يمشوا على الرمل… إيديهم في بعض…
والموج بس هو اللي بيحكي معاهم، ومعاه دعوة صامتة إن بكرة يكون أحلى…
وإن ليل ترجع لهم بخير.
**************
مصر — فيلا الزهراوي
الليل تقيل، والبيت كله واقف كإنه ماسك نفسه من ساعة ما ليل اختفت.
الأنوار خافتة، والقلق مالي كل ركن.
غرفة الجلوس
نرمين واقفة جنب الشباك، ضهرها مفروق، ماسكة الموبايل على ودنها وصوتها واخد رعشة توتر.
نرمين (بهمس مضغوط):
…ماكانش المفروض كده يحصل.
أنا قولتلك تهدا.
دلوقتي لازم نتصرف بعقل… فاهم؟
لأ… لأ ما تتصلش بيا تاني دلوقتي. استنى.
(سكون… نفسها متلخبط)
اسمعني كويس… أي خبر عن ليل يجيلي أول ما يحصل، مفهوم؟
أول ما يحصل.
تقفل المكالمة بسرعة، إيدها بترتعش خفيفة.
ترمي الموبايل على الترابيزة وتشد نفسها.
خطوات هادية بتقرب
حور تدخل… وشها منهار، عينيها محمرة، لابسة شال على كتافها كإن الدنيا تلج.
حور (بصوت مبحوح وتعبان):
نرمين… كنتي بتكلمي مين؟
نرمين تتلبك، تشيل إيدها ورا ضهرها كإنها بتخبي حاجة.
نرمين (بابتسامة متforced):
ها؟ لا لا… ولا حد، مكالمة وخِلصت.
حور تبصلها بنظرة كلها شك وانكسار:
حور:
إنتي مخبية حاجة عليا؟
نرمين على طول تمسك كتافها وتقرّبها:
نرمين:
لأ يا حور… والله لأ.
أنا هنا معاكي… ومش هخبّي عليك حاجة تخص ليل.
ولا هعمل كده فيكي يوم.
حور (صوتها بيرتعش ودمعتها واقفة):
أنا تعبانة يا نرمين…
مش عارفة أتنفس.
بنتي… بنتي فين؟ ليه ماعرفش عنها حاجة؟ ليه مش قادرة أطمن؟ ليه مش سامعة صوتها؟
نرمين تحضنها جامد، إيدها بتمسح على ضهرها:
نرمين:
هتسمعي صوتها تاني… وهترجعلِك.
ليل قوية… وده منك.
امسكي نفسك… مش وقتك توقعي.
هي محتاجاكي واقفة. وإحنا كلنا معاكي.
حور (تتخشب وتعيط في حضنها):
أنا… مش قادرة.
كل لحظة بتمُر بحس قلبي بيطلع من مكانه.
ليه؟ ليه حد يعمل كده فيها؟
دي ماعملتش حاجة وحشة لحد!
نرمين (تمسح دمعتها بسرعة وتحاول تخبي نظرتها المضطربة):
الخير ساعات بيتجرّح… بس ربنا ما بيسيبش الحق.
وإحنا هنفضل ندور… لحد ما نوصل.
وكل واحد افتكر إنه هيكسرنا… هنرجع نقوم.
إحنا الزهراويين يا حور… محدش بيوقعنا.
حور تعيط في صمت…
ونرمين تضُمها أكتر.
لكن…
عين نرمين تلمع بلحظة خوف غريب…
أو تأنيب…
أو سر كبير…
مدفونه جوّاها وبتكتمه بالعافية.
****************
في مكتبة الجامعة — قاعة هاديّة للمذاكرة
رواق كتب، همسات خفيفة، طلبة غرقانين في المذاكرة.
الكاميرا الخيالية تركز على ترابيزة في الركن.
رؤى قاعدة ساكتة، زي اللي روحها مش مكانها.
راسها مسنودة على إيدها، وعيونها تايهة.
كشكولها مفتوح… صفحة فاضية.
من يوم ما ليل اتخطفت وهي بقت شبه ضلّ.
سليم الشرقاوي قاعد جنبها، بيكتب ملاحظات،
بس كل شوية يبص عليها بقلق باين.
زين العطّار قدامهم، بيحاول يخفّف الجو كالعادة… بس هو كمان مكتئب.
زين (يحاول يضحّك الجو بهدوء):
يا جماعة… لو دماغي اتحوّلت بطاطس… مين مسؤول؟ الجامعة ولا نظام التعليم العربي؟ 🤔
سليم (نص ضحكة، وعينه على رؤى):
الاتنين… بس البطاطس أحنّ منهم.
رؤى ولا حاسة إن حد بيتكلم، سرحانة قوي.
زين يقرّب منها ويدق خفيف على الترابيزة:
يا آنسة رؤى… معانا ولا بتذاكري مع الجِن؟ 😄
رؤى تهز راسها… بنبرة شبه غايبة:
أنا… هنا… بس مش هنا.
عيونها تمتلّي دموع فجأة.
سليم يرمي القلم بسرعة، صوته واطي ومليان خوف عليها:
رؤى؟
لو تعبانة نامي شوية… بلاش تعملي كده في نفسك.
رؤى (صوتها بيرتعش):
إزّاي أنام وأنا مش عارفة ليل فين؟
لو جعانة؟ لو خايفة؟ بتتألم؟
إحنا قاعدين… وهي…
صوتها يتكسر… نفسها يعلى…
وفجأة دماغها ترجع لورا وتوعع من على الكرسي!
سليم (يصرخ بهمس من الخضّة):
رؤىااا!
ينزل بسرعة عليها، يشيل راسها بحنية مرعوبة.
زين يقوم جري من مكانه.
زين (بقلق فظيع):
يا بنت الزهراوي! رؤى! افتحي عينِك!
سليم يهز كتافها بهدوء وخوف:
رؤى… اسمعيني… أنا هنا… افتحي عينِك بالله عليكي.
إيده ترتعش وهو يبعد شعرها عن وشها.
سليم (يهمس بخوف طالع من القلب):
أرجِوكي… ما تعمليش كده تاني.
زين يجري يصوّت:
ممرّض! حد يلحقنا! بسرعة!
رؤى تفتح عينها ببطء، صوتها مكسور:
سليم…؟
سليم يتنفّس كأنه رجع للحياة:
أنا هنا… ما تخافيش.
(يحاول يخبي اضطرابه)
دوختي بس… محتاجة ترتاحي.
رؤى تحاول تبتسم:
يعني حضرتك… مش قلقان عليا ولا حاجة… صح؟ 😏
سليم يبص بعيد وهو متوتر:
لو تعرفي… أنا كنت خايف قد إيه…
زين يرجع وهو بيضحك بدموع مكبوتة:
أول ما تفوقي تعملي هزار؟
إحنا هنموت من الخوف… وإنتي طالعة تمثّلي مشهد درامي؟ 😭❤️
رؤى تبتسم… دمعة تنزل ببطء:
آسفة…
بس… وحشتني ليل.
سليم يمسك إيدها بحنان جريء:
وإحنا كلنا.
وبوعدك… هنلاقيها.
ومن النهارده؟
مفيش قعدة لوحدِك… اتفقنا؟
رؤى تبص له… أول مرة تشوف الحب ده واضح.
زين يشوفهم ويعمل نفسه عادي وهو بيمسح دموعه بسرعة:
تمام… بما إنكم هتتجوزوا خلاص، حد يقولّي هبقى إشبين ولا إيه؟ 😆
سليم يحدف له كتاب:
اقعد يا أهبل.
رؤى تضحك… ضحكة طالعة من القلب لأول مرة من زمان.
بس في قلوب التلاتة… نفس النداء الصامت:
"يا رب… رجّع ليل."
********************
بعد ساعة — في المستشفى
الضو هادي، جهاز النبض بيطّق ثابت.
رؤى نايمة على السرير، شكلها تعبان وعيونها مورّمة من كتر العياط.
سليم قاعد جمب راسها على كرسي، صوابع إيده متشابكة وتوتره باين.
زين واقف عند الشباك، رايح جاي بقلق… وساكت لأول مرة.
الدكتور يدخل ويقول إن السبب: حزن شديد، تعب، قلة أكل، وسهر ومذاكرة.
بعد ما يمشي…
رؤى (بصوت واطي ومكسور وهي بصه للسقف):
يعني… حتى جسمي مبقاش مستحمّل…
وحشتني… وحشتني أوي يا سليم.
سليم (يقرب منها، صوته مليان إحساس):
إنتي مش لوحدِك. وإحنا هنلاقيها.
ليل هترجع… بوعدك.
زين (يحاول يضحك ويفشل):
ولو حد ما عرفش يرجعها…
إحنا اللي هنخطفها منهم بقى… صح؟
(يرفع حواجبه بخفة)
رؤى (بتبتسم تعبانه وتغمض عينيها لحظة):
يااه… ضحكتها وحشاني.
زين (عينيه في الأرض):
كلّنا وحشانا.
الباب يتفتح فجأة…
أدهم الحديدي داخل بوشه القلق وتعبان،
معاه جميلة زوجته،
والصغير أحمد ماسك إيدها وخايف.
أدهم (بحزم وصوت مخنوق):
رؤى! يا بنتي!
يقرب بسرعة ويمسك إيدها.
جميلة (تلمس شعرها بحنان):
مالك يا حبيبتي؟ ليه عملتي فينا كده؟
رؤى (بتحاول تقوم وسليم يمنعها بلطف):
أنا كويسة يا ماما…
بابا… في أخبار؟ أي حاجة عن ليل؟
أدهم (يسكت لحظة ثم يهز راسه):
لسّه…
بس الشرطة بتدوّر، وأنا مش سايب حد فحاله.
رؤى (دموعها تنزل تاني):
بابا… أنا مش قادرة أتنفس من غيرها.
أدهم (يقعد على طرف السرير وصوته بيتهز):
عارف… وأنا كمان…
دي بنتي برضه.
أحمد (يقرب بخطوات صغيرة ويحط لعبة جمبها):
خدي يا رؤى… لما ليل ترجع نلعب كلنا…
رؤى (تمسح دموعها وتحاول تبتسم):
شكراً يا قلبي…
(تبوسه من راسه)
سليم (يقف ويبص لأدهم بثبات):
إحنا معاكم يا عم أدهم.
رؤى كويسة دلوقتي. محتاجة بس ترتاح… وتكونوا حواليها.
أدهم يبص له نظرة تقدير واضحة.
زين (بجدية لأول مرة):
وإحنا مش هنسيبها.
إحنا كمان عيلتكم يا عم أدهم.
أدهم (صوته هادي لكن قوي):
عارف…
وإن شاء الله ليل هترجع… وهتشوفوها قصادكم تاني.
رؤى (بهمس):
قول يا رب…
أحمد (يرفع إيده بدعاء طفل):
يا رب رجّع ليل… ونفطر
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 9
في بيت لمى… خالة بيجاد
الصالون كبير بس تحسيه بارد ومفيهوش روح.
الديكور كله شايف نفسه وبيحاول يبين فخامة بالعافية.
الضو داخل بالعافية من ورا ستاير تقيلة.
لمى ماسكة فنجان قهوة بشياكة مصطنعة،
تالين بتقلب مجلة غالية بس زهقانة.
تالين (تقفل المجلة وتتنفّس بضيق):
مامااا… بيجاد بقاله أسبوعين ما بيردش عليّ ولا حتى شافلي ستوري! 😤
لمى (تضحك بخبث وهي تحط الفنجان):
عادي يا بنتي. الراجل مقلوب حاله بعد خطف بنت زياد… وقلبه مشغول على صاحبه عاصم.
ودي فرصتنا… الراجل وهو مكسور أسهل تربطيه “بالحنان”.
تالين (تضحك باستخفاف):
حنان؟ أنا هربطه بالدهب وفلوسه واسم الراوي.
وبعدين… الحنان ده آخر حاجة يشوفها مني.
يضحكوا ضحكة خبيثة هادية.
لمى (تقرب منها وتهمس):
اسمعي نصيحتي… نرجّع علاقتك بيه بهداوة.
نوال فاكرة نفسها ذكية وطيّبة… بس لو تحس إننا بنضغط؟ هتوقف قدامنا فورًا.
تالين (بتقلد نوال بسخرية):
"سيبي الأمور تمشي لوحدها يا بنتي… أهم حاجة العيلة تفضل متحابة."
(ترفع حواجبها باحتقار)
العيلة إيه بس؟ أنا هستنى نصيب؟ 🤢
لمى (نبرة غل قديم):
من وإحنا صغيرين وهي “الملاك”… وأنا اللي شايفينها الشيطانة.
اتجوزت منذر الراوي… وأنا اتجوزت واحد خرّب حياتي.
مات؟ سيبلي ديون بدل ما يسيبلي مكانة!
تالين (تمسك إيد أمها بقوة):
وأنا هرجعلك حقك.
أول ما أتجوز بيجاد؟
كل حاجة هتتغير.
وأول قرار؟ نرمي نوال ومِنذر برا الفيلا!
تضحك بخبث
خليها تحس يعني إيه كل حاجة تتسحب منها فجأة!
لمى (تتنفس كأنها بتتذوق الانتقام):
آه… اللي خد كل حاجة زمان… لازم ييجي يوم ويتسحب منه كل حاجة.
تالين (تقف وتتمشى بثقة):
وبالنسبة لبيجاد؟ اطمّني… هيبقى بتاعي.
(تبتسم بغرور)
ومافيش حاجة اسمها “حب” و”عيلة” زي ما خالتي الطيبة بتقول…
في حاجة اسمها قوة… سيطرة… ومصلحة.
لمى:
وأنا وراكي في كل خطوة.
أول خطة؟ نخليه يشوفك كده بالصدفة… قلبه يلين.
الراجل مهما كان قوي… نقطة ضعفه ست تعرف تمسكه.
تالين (تغمز وتضحك بقهرة):
أمسك قلبه؟ لا يا ماما…
أنا بمسك رقبته.
*****************
في فيلا الراوي
حديقة الفيلا هاديّة، نوال قاعدة بتشرب شايها، نسمه خفيفة بتحرّك الشال بتاعها. منذر يدخل ماسك في إيده باقة ياسمين.
منذر (بابتسامة هاديّة):
قلت ماينفعش يوم يعدّي من غير شوية ياسمين ينوروا قعدتك.
نوال (تبتسم بخجل جميل):
اتنين وتلاتين سنة ولسه بتفاجئني كل يوم… مازهقتش؟
منذر (يضحك):
لو كنت بزّهق… كنت زهقت من أول سنة.
يمسك إيدها بلطف
أنا اخترتك يومها… ولسه باختارك كل يوم.
نوال (بعيون مليانة دفء):
ربنا ما يحرمنيش منك… ولا يفرّق بينّا.
تتنهّد
بس نفسي أفرح ببيجاد… وأشوفه مستقر. تالين بنت كويسة… وتليق بينا.
منذر (وشه يتغيّر بس يخبيه بابتسامة):
إنتي بتشوفي الناس بقلبك يا نوال… وده أحلى حاجة فيكي.
بس… مش كل الناس زيّك.
نوال (باستغراب حنون):
تالين بنت أختي، اتربّت قدّامي… وقلبي مرتاح لها. نفسي أشوف العيلتين قريب من بعض… وبيت لمّى يرجعلُه الضحك تاني.
منذر (ياخد نفس هادي وصوته فيه حنية):
أيوه… لمّى مرّت بظروف صعبة. ربنا يعوضها خير.
يفكر لحظة، بنبرة هادية وديبلوماسية
بس أهم حاجة… بيجاد يبقى مرتاح. الجواز اختيار عمر.
نوال (واثقة):
أكيد. وأنا ما بغصبهوش… بس بدعيله ربنا يرزقه بنت تعرف قيمته وتكون من أهله وناسه.
منذر (يمسح على إيدها وعيونه فيها ود):
لو على التمنّي… أتمنّاله واحدة بقلبك وعقلك.
يميل ويبوس راسها بحنان
اللي يبقى شبهك… عمره ما يشوف شر.
نوال (تضحك بخجل رقيق):
يا راجل… الناس لما تكبر بتهدى… إنت كل ما تكبر بتزيد رومانسيّة.
منذر (بمزاح):
ما هو لو الرومانسية جريمة… يبقى أنا مجرم كبير.
يضحكوا سوا، لحظة دافية قوي، إيدها فوق إيده، وعيونهم شايلة عمر كامل من الود والطُمأنينة
****************
في ألمانيا، فيلا رامي — الجنينة ورا البيت
الهوى سايق شوية، شجر السرو واقف زي حرّاس ساكتين، والعشب أخضر ناعم.
ليل قاعدة على أرجوحة متعلّقة، لابسة بلوزة واسعة وشعرها متربط كده على السريع.
رامي ماسك كباية قهوة، بيقرّب بخطوات هادية.
رامي (مبتسم):
كنتي ناوية تهربي ولا تستمتعي بالجنينة؟
ليل (تضحك بهدوء):
كنت بفكر أهرب… بس الأرجوحة عجبتني، خلتني أراجع قراري 😌
رامي (يقعد قصادها):
لو هربتي… نيروز هتزعل. اتعلقت بيكي بسرعة غريبة.
ليل (عينيها تلمع بحنية):
وأنا كمان… أول مرة أحس إن بنت أكبر مني تعاملني كأخت مش كطفلة.
نيروز طيبة أوي.
رامي (يهز راسه بفخر أخوّي):
هي طيبة… رغم إنها بتحب تلبس شخصية القوية دايمًا.
ليل (تهز الأرجوحة شوية، بصوت دافي):
و… ربى كمان.
كنت متخيلّاها مختلفة. ماكنتش متوقعة حد بقلبها ونعومتها.
تتنهد بحزن
هي مظلومة قوي.
رامي (وشه يلين):
ربى ملاك من غير جناح. الدنيا ما رحمتهاش.
ليل (بحماس طفولي):
بس أنا عرفت!
لما أرجع مصر وأكشف الحقيقة كلها… هقف جنبها، وأرجعلها صوتها… وتقوم تاني وتاخد حقها من كل اللي ظلموها!
رامي (ابتسامة حزينة):
كلامك يوحي إنك سوبرمان مش طالبة جامعة.
ليل (بعناد لطيف):
لا سوبرمان ولا حاجة… بس عندي إيمان.
تسكت لحظة، وشها يتعصّب فجأة
عكس حضرة جنابه اللي شايف الدنيا سواد ودم وبس.
رامي (يرفع حاجبه):
حضرة جنابه… تقصدي أنا ولا—
ليل (بحرقة وتشاور بإيدها بعصبية):
لأ! حضرة جنابه عاصم القاسمي!
سيد العالم المظلم… بيحكم بالإعدام قبل ما يسمع!
فاكر نفسه بطل مأساوي وهو محتاج دكتور نفسي مش دكتور انتقام 😤
رامي (يكتم ضحكة):
قاسية أوي.
ليل (تنفجر أكتر):
قاسية؟ وعايزني ألطف؟!
ده خطفني من فرح بنت خالتي!
شوّه سمعتي!
وأصرّ إن أبويا قاتل!!
أبويا اللي يعرفه من زمان وبينهم عِشرة وملح!
رامي (يبص في الأرض، صوته واطي):
أوقات… الوجع يعمي البني آدم.
ليل (تتنهد، صوتها بيرتعش):
بس مش على حسابي… ولا على حساب أمي اللي بتتدمّر…
ولا إخواتي اللي نايمين بخوف كل يوم…
ولا أبويا اللي بيموت بالبطيء كل لحظة.
صمت تقيل… بس صوت العصافير موجود. رامي يبصّ لها بإعجاب وشوية شفقة.
رامي (بهدوء موجوع):
لو في طريقة أسهل… كنت اخترتها.
بس في قضايا… ماينفعش تتحل بالسلام.
ليل (تبص فيه بعناد ودمعة بتلمع):
أنا هثبتلكم إن أبويا بريء…
وهرجّع عاصم لطبيعته غصب عنه…
حتى لو خلت شعره يشيب من جناني قبل ما يفهم الحقيقة.
رامي (يضحك غصب عنه):
بصراحة… أتوقع فعلاً يشيب.
ليل (رافعه راسها بفخر طفولي):
يشيّب… يستاهل.
رامي يبصّ لها في صمت… فيها نور ما شافوش من زمان.
يحس قلبه بيتحرّك خطوة خطيرة…
بس هي شايفاه أخ… أمان… وهو فاهم ده.
رامي (جوا نفسه — صوت راوي):
يا ريت قلبي يفهم زي عقلي…
هي مش ليا.
******************
ليل لسه قاعدة على الأرجوحة، و رامي قصادها مبتسم بهدوء.
فجأة باب الجنينة يتفتح بطريقة هادية بس مهابة.
عاصم يظهر… إيده في جيبه، نظرته ثابتة… بس عنيه مولّعة غيرة.
عاصم (بصوت واطي بس حد):
واضح إني جيت في وقت مهم…
قعدة اعترافات وقلوب وعصافير بتغني ولا إيه؟
ليل تتفزع لحظة، وبعدين ترفع راسها بتحدي كيوت.
ليل (بتبرّد مفتعل):
لأ يا حبيبي، ماكنش قلوب. كنت بتكلم مع حد عاقل لأول مرة من يوم ما خطفتني 😌
رامي يبص لعاصم بنظرة خفيفة، وبعدين يبتسم ابتسامة مستفزة نعمة.
رامي (بهدوء يغيظ):
الحوار كان لطيف… ورايق.
مش زي حوارات الضرب والتهديد اللي بتحبها يعني.
عاصم (يضيق عنيه):
واضح إنكم اتفهمتوا بسرعة قوي.
حلو… الجو مناسب للـ… رومانسية مثلاً؟
ليل تفتح بوقها من الصدمة والغضب.
ليل:
رومانسية؟!
أنا كنت بفضفض يا أستاذ، مش داخلها قصة حب!
وبعدين مش مع أي حد، مع راجل محترم… مش—
تسكت فجأة وتعض شفتها.
عاصم يرفع حاجبه… نظرته مكسورة شوية بس عنيدة.
عاصم:
كمّلي.
"مع راجل محترم مش…" إيه؟
ليل (تنفجر):
مش واحد خطفني من الفرح كإنه ماستر أكشن رخيص!
رامي (داخل بنبرة بريئة جدًا بس فيها نار):
على فكرة يا عاصم… لو كملت كده، هتخليها تكرهك بجد.
وانت آخر واحد يستحمل إنها تكرهك… صح؟
عاصم يبص له نظرة "نقّط سكوت".
عاصم (جامد):
رامي… تدخلاتك زادت قوي اليومين دول.
رامي (يشرب قهوته ببرود):
بحاول أساعد بس… خصوصًا لما أشوف ناس محتاجة تنقذ نفسها من نفسها.
ليل تقوم من على الأرجوحة متنرفزة.
ليل:
أنا طالعة أوضتي.
قبل ما الكلام يقلب حرب عالمية تالتة.
تبص لرامي وتبتسم بلطف.
ليل:
شكرًا يا رامي… على الكلام الحلو.
وبعدين تبص لعاصم بوش مستفز وجميل أوي.
ليل:
وإنت… جرّب تاخد مهدئ أعصاب.
بجد… محتاجه 😂
تمشي بخطوات زعلانة فخورة… الشجر نفسه شايف الكِبرياء طاير.
لحظة صمت…
عاصم يرمق رامي.
عاصم (بحشرجة وغيرة واضحة):
خليك بعيد عنها.
فاهم؟
رامي (يبتسم ببرود وذكاء):
مش محتاج أقرب…
انت اللي محتاج تراجع نفسك وتعرف انت فين.
عاصم يشد فكه، قلبه نار بس ماسك نفسه.
عاصم:
ولا كلمة كمان… مش النهارده.
يمشي ويدخل البيت، باب يقفل بصوت عصبية مكتومة.
رامي يضحك بخفوت وهو يهز دماغه.
رامي (يهمس):
النار ولعت يا صاحبي…
ربنا يعينك عليها.
*****************
في الجنينة ورا البيت…
ليل سابت المكان زعلانة، وعاصم دخل وراها متعصّب ورجع على الفيلا.
الهدوء رجع تاني، ورامي قاعد لوحده مبتسم بضحكة خبيثة وهو فاكر شكل عاصم وهـو مولّع 😂
نيروز تقرب بخُطوات هادية، شعرها سايب ووشها فيه قلق وفضول.
نيروز (بصوت واطي):
كنت برا… شفتكم من بعيد.
واضح إنك كنت مبسوط و إنت مستفزّه.
رامي (يضحك خفيف):
ما انكرتش… كان ممتع جدًا.
(يبصلها بحنية) بس إنتي… كنتِ بتبصي عليه هو، مش عليّا. صح؟
وش نيروز يحمر فجأة وتبص في الأرض بسرعة.
نيروز:
لأ كنت… يعني… كنت ببص على ليل… بس ليل 🙄
رامي (رافع حاجبه):
نيروز… أنا أخوكي. ماينفعش تكدبي عليا.
(يحط إيده على كتفها برفق) انتي معجبة بعاصم، صح؟
هي تسكت شوية، بعدين تهز راسها بخجل وابتسامة حزينة تظهر.
نيروز:
هو… قوي… وطيب من جوّه.
بس عارفة… قلبه مش هنا.
رامي (يمسح على راسها بلطف زي بنت صغيرة):
عاصم مش نصيبك يا بنتي.
وبعدين… قلبه في حتة تانية.
وانتي تستاهلي حد يشوفك أول واحدة في الدنيا… مش اختيار احتياطي.
نيروز (بحزن طفولي وفخر):
عارفة… ومش ضعيفة، بس… بيوجع شوية.
رامي (بصوت دافي أبوي):
وجع النهارده أهون من جرح العمر.
وانتي مش أختي وبس… انتي أمانة بابا وماما.
ومش هاسمح لحد يكسر قلبك.
نيروز تبتسم، عينيها تلمع، ترفعهم للسماء تزق الدموع جواها.
نيروز:
طب وإنت؟
أمانة مين يا حضرة الضابط؟
ولا ليل سرقت قلبك؟ 😏
رامي يضحك ويبص بعيد كإنه اتكشف، ويربت على رأسها.
رامي:
أنا؟
أنا ضابط مخابرات… مابحبش. ماعنديش قلب أصلاً 😌
نيروز (بمكر لطيف):
طب لو ماعندكش… وشّك حمّر ليه؟ 🤭
رامي (يقوم بسرعة يغير الموضوع):
يلّا… العشا جاهز.
نيروز تضحك و تمشي جنبه، تمسك دراعه وهـو يحط إيده على كتفها بحنية.
وهو ماشي يبص نحية الفيلا… ناحية أوضة ليل، بصوت واطي:
رامي (بهمس):
ربنا يستر… قلبي داخل نفسه مصيبة.
******************
جوا أوضة ليل — بالليل
ليل تدخل الأوضة بعصبية وتخبط الباب وراها جامد.
تشيل المخدة وترميها على السرير وتخبطها بقهر.
ليل (بتتمتم متعصبة):
يا ربّ شيل عني المصيبة دي…
شايف نفسه أحسن من الناس!
مغرور… متكبر… متسلّط
تبدأ تروّح وتيجي في الأوضة، شعرها طاير من العصبية، تمسك كباية الميّة وبترزّعها على الترابيزة.
ليل:
هو فاكر نفسه مين يعني؟
علشان طويل وماشي عامل نفسه مالك الدنيا؟
ولا علشان بصّاته اللي كلها "أنا الآمر الناهي"؟ 😤
الله أعلم جايب الثقة الزايدة دي منين… من قَدر الغباء اللي عنده يمكن!
تقف وترفع إيدها باستهزاء كإنها بتهدّد.
ليل:
هييجي يوم…
والوحش دا هيقف قدّامي، ويسمع الحقيقة كاملة…
وساعتها وشُّه وكرامته هينزلوا الأرض 🤏
وأنا؟ هقف كدا بأعلى أناقة وأقول:
"مش قلتلك أبويا بريء يا عبقري زمانك؟"
تقرّب من المراية، تتنفس بغضب، تلمس خدها بقهرة.
ليل (بغيظ ونقطة إحراج):
إيه الناس اللي تفرض نفسها على حياتك كدا؟
طب ما كان احترم نفسه شوية؟
حتى وهو متنرفز… شكله…
(تقف فجأة مصدومة)
بتقولي إيه يا ليل؟! 😱
لأ! مستحيل! دا آخر راجل في الكوكب يعجبني
ترمي نفسها على السرير وتغطي وشها بالمخدة.
ليل (صرخة مكتومة):
آااه بيخلّيني أتنرفز!!! 😤🔥
تشيل موبايلها من جنبها وتبص فيه بحقد لطيف.
ليل:
والله العظيم… الحق جاي.
وهو هيبكي دم قبل ما يقول:
"حقّك عليّا يا ليل" 😌
اتمرمط براحتك يا باشا… أيامك معدودة!
***************
في القاهرة — جوا مكتب بيجاد
الأوضة كبيرة وشيك، بس الجو متوتر جدًا.
الملفات مرمية هنا وهنا، والتليفونات مش بتبطل ترن، وبيجاد يقفلها بعصبية.
بيجاد يزق الكرسي بعنف ويقوم واقف.
بيجاد (مولّع غضب):
مش طبيعي اللي بيعمله ده يا سليم!
اختفى كده! يخطف بنت غلبانة من الفرح ويطير بيها برا البلد؟
ده مش عاصم اللي نعرفه… ده واحد تاني خالص!
سليم القيصري (متوتر بس ماسك نفسه):
عارف… وأنا زيّك مش فاهم.
بس باين إن الموضوع أكبر من اللي إحنا شايفينه.
بيجاد (يضرب المكتب بإيده):
حتى لو! حتى لو شاكّ في أبوها…
كان قدامه ألف طريقة غير إنه يخطفها زي مجرم!
ده مش غلط وبس… ده تصرّف وسخ!
يمسح وشه بإيده وهو بيشتعل.
بيجاد:
أول ما أشوفه… هاقوله ده ف وشه.
أنا طول عمري فاكره أعقل من كده.
سليم يقرب منه، وشه كله قلق.
سليم:
بيجاد… إحنا مش لاقيينه، ولا عارفين نوصل لعيلته في ألمانيا.
ده مش طبيعي خالص.
يسكت شوية وبعدين يكمل بحزم:
سليم:
تعالى نروح لزياد الزهراوي.
الراجل ده بيدوّر على بنته، ومهما كان… ده أبوها، مش بلطجي.
لو وقفنا معاه هنلاقي عاصم أسرع.
بيجاد ياخد نفس عميق، يفكر ثواني، وبعدين يومِّن براسه.
بيجاد:
معاك حق.
ومش هاسمح لليل تدفع تمن حاجة ما عملتهاش…
ولا حد يستغل الموضوع ضد أبوها.
يمسك مفاتيحه بسرعة.
بيجاد:
يلا نمشي دلوقتي.
وأول ما نلاقيه…
هيتحاسب… صاحبي ولا مش صاحبي.
سليم (بحزم وولاء):
ولو ما فهمش… إحنا اللي هنوقفه.
يبصّوا لبعض — نظرة أصحاب واقفين في ضهر بعض.
قرار واحد: ينقذوا ليل… ويوقفوا عاصم لو اضطروا.
*******************
أوضة كبيرة بس ضلمة، نور أصفر خفيف من أباجورة مكتب.
أوراق… صور لعيلة الزهراوي، عاصم، بيجاد… خرائط سفر.
كل حاجة مترتّبة بشكل يخوّف.
الراجل المجهول قاعد بهدوء بيشرب قهوته، راكن ورا،
والست واقفة قدامه بتبصّله بقلق، صوابعها ماسكة طرف فستانها بتوتر.
الست (بصوت واطي):
إنت متأكد إن مفيش حد شاكّ فيك؟
اللي بتعمله ده نار…
ولو حد عرف إنك ورا كل ده… حياتك هتروح.
المجهول (يبتسم بثقة باردة):
يشكّوا فيّا؟
يضحك ضحكة صغيرة سخرية
أنا؟
ده أنا أول واحد هاجري لزياد وأقوله:
"أنا معاك… وأنا اللي هارجّعلك حق بنتك… إحنا إخوات"
وهو؟ هيسدّقني…
ده بيثق فيّا أكتر من أي حد.
لإني لعبتها صح…
وش نضيف… كلام حزين… وعين مظلومة.
الست (بتترعش):
بس اللي حصل كبير…
عاصم خطف بنته!
لو عرفوا إنك اللي ولّعت كل ده من الأول…
وإنت اللي فرّقت بينهم…
المجهول (يميل لقدّام ويحط الفنجان بهدوء):
اسمعي…
أقوى سلاح في الدنيا مش القوة… ولا الرصاص.
أقوى حاجة… الثقة.
لما الناس تصدّق إنك معاهم…
تقدري تدوسي على رقبتهم وهما مبسوطين بيكي.
الست (بتتنفس بسرعة):
بس عاصم مش سهل… والشلة بتاعته أصلًا عاملين حسابهم.
بيجاد… سليم…
لو واحد فيهم لمّح الخيط؟
المجهول (يرفع حواجبه باستهزاء):
الخيط؟
أنا ما بسيبش خيط.
دلوقتي كلهم شايلين من بعض…
كل واحد شاكك في التاني.
أنا زرعت الشك…
وسبتهم يغرقوا فيه.
وكل ما يزيد الشك… النار تعلّى.
الست (بهمس خايف):
وانت مبسوط؟ مبسوط إنك خرّبتهم؟
وخليت عاصم يتهبّل؟
المجهول (ابتسامة باردة قاتلة):
البدايات دايمًا دوشة…
إنما النهاية؟
هتكون هادية قوي…
ومدمّرة قوي.
يقوم يلبس الجاكت، يعدّل الساعة في إيده،
يبصّ لها بثبات يخوّف.
المجهول (بصوت هادي بس حاد):
محدش يقدر يشك فيّا.
أنا اللي بحط إيدي على كتف زياد…
وأقوله: "اصبر… حق بنتك راجع".
بس الحقيقة؟
أنا اللي موتت ابن خالد …
ودلوقتي؟ ببوّظ عقلهم واحد واحد.
الست (مصدومة وبتغطي بوقها):
إنت… شيطان.
المجهول (ابتسامة من غير روح):
الشيطان عمره ما يكسب…
غير لما الناس تفتكره ملاك.
يخرج ويسيب الباب يتهز،
والست واقفة لوحدها، بتنهج بخوف…
عارفة إنها وقعت وسط لعبة أكبر منها بكتير.
********************
في الملاهي
الشمس كانت بتغرب، لونها برتقالي مالي السما، عالق في مرايات الألعاب اللي بتلمع.
ضحك وصريخ أطفال ومزيكا خفيفة في الهوا.
رؤى ماشية بهدوء وسط الزحمة، لابسة فستان أزرق فاتح وشال أبيض خفيف.
ماسكة قبعة صغيرة وبتحطها على راس كارم اللي بيجري وينطط من الفرح.
زين (بابتسامة واسعة):
يا جماعة، أنا متأكد إن الضحكة الوحيدة اللي هنسمعها النهارده من كارم… مش من رؤى 😏
كارم (يجري بحماس):
أنا عايز أركب القطر اللي بيطير فوووق فووووق! 😆
رؤى (بتحاول تبتسم):
ماشي يا بطل… بس مش لوحدك.
سليم هيركب معاك، صح يا سليم؟
سليم (بصوت هادي ودافي):
طبعًا هركب… بس بشرط…
إنك تطلعي معانا.
رؤى (تهز راسها رفض):
لا يا سليم، أنا مش فاضية أضحك النهارده.
زين (يحط إيده على صدره دراما):
يا خبر سواد!
رؤى الزهراوي مش فاضية تضحك؟
دا يوم مش هيتنسى ده 😱
رؤى (تضحك غصب عنها خفيف):
بطّل أفورة يا زين.
سليم (يلقط ضحكتها):
شايفة؟ لسه الضحكة جواكي… بس مستخبية شوية.
رؤى (بصوت واطي وبصّة في الأرض):
يمكن…
بس ليل كانت دايمًا السبب.
هي اللي كانت تضحكني حتى وأنا مخنوقة.
دلوقتي كل حاجة ناقصة… نصّي راح.
زين (يحاول يفرفش الجو):
والنص التاني؟ اهو إحنا بقى 😎
أنا… وسليم… وكارم العظيم.
كارم (يرفع إيده وبيتحرك بغباء طفولي):
وأنا هضحّكك! بصّي بقى عليّا 😂
رؤى (تضحك بجد المرّة دي):
ربنا يحفظك يا كارم… انت صغير بس عاملالي الدنيا كلها سعادة.
سليم (يبصلها بهدوء ويقرب شوية):
خلاص كده اتأكدت… الضحكة دي لازم ترجع وتفضل.
عارفة يا رؤى… الحياة مش هتقف.
ولا ليل كانت هترضى تشوفيك كده.
هي عايزاكي تعيشي… مش تتعذبي.
رؤى (تفكر وتتنهد):
يمكن عندك حق…
بس صعب أتعوّد على غيابها.
سليم (بصوت هادي وعميق):
مفيش حد قال إن الصعب غلط.
أوقات اللي بيوجع… هو اللي بيعلم ويبنّي من جديد.
زين (يقطع اللحظة):
طب إيه يا جماعة؟ هنركب القطر ولا نكتب ديوان شعر؟ 😅
كارم (يشد إيد سليم):
يلا يا سليم! نطير فوق السحاب!
رؤى (تضحك وهما بيجروا):
استنّوا… جاية!
سليم (يبص ورا عليها ويهمس لنفسه مبتسم):
الحمد لله… الضحكة رجعت.
****************
كانت ضحكة كارم لسه راجعة في الهوا بعد ما نزلوا من القطر الدوّار.
وشّه أحمر وعينه بتلمع من الفرح، وزين وراه يلهث وهو بيضحك.
زين (يمسح جبينه):
يا نهار أبيض… إنت شغال بطاريات ولا إيه؟! 😂
خلاص يا بطل، تعالا نجيب آيس كريم ونرجع… دماغي ولّعت!
كارم (يمسك إيده بحماس):
عايز شوكولاتة! 🍦
زين (يغمز وهو ماشي):
حاضر يا عم… شوكولاتة.
وواحدة لستّنا الكئيبة يمكن تضحك شوية 😉
يمشوا زين وكارم، يسيبو رؤى وسليم واقفين عند السور، قدّامهم المدينة منورة والأضواء بترقص بعيد، والهوا يلعب في شعرها.
لحظة صمت… دافية مش تقيلة.
سليم (بهدوء):
كنتي بتضحكي بجد من شوية… بقالك كتير ما ضحكتيش كده.
رؤى (بخجل وتبص لتحت):
يمكن… نسيت أزاي.
سليم (يبصلها بثبات):
الضحك ما بيتنساش يا رؤى…
هو بس بيستخبى… لحد ما حد يفتّكره.
رؤى (ببطء تبص له):
وإنت شايف نفسك هتعرف تفتكرني؟
سليم (ابتسامة خفيفة):
يمكن… مش هفتكّرك.
يمكن أعلّمك من الأول.
رؤى (بتتنهد):
سليم… أنا مش جاهزة أبتدي حاجة جديدة.
الوجع لسه موجود.
سليم (يبص قدّامه):
ولا حد بيبقى جاهز…
الحياة هي اللي بتزقّنا غصب عننا.
بس لو هتمشي… امشي وانا جنبك.
حتى لو مش واخدة بالك مني.
عيونها تتوسع… كأن كلمة كانت مستخبية وفجأة ظهرت.
هوا خفيف يطير خصلة من شعرها… سليم يمد إيده يشيلها برفق.
هي تتجمد… قلبها يخبط.
عيونهم تتقابل — ومفيش كلمة قادرة توصف اللي بينهم.
رؤى (بوش محمر وبهمس):
سليم…
سليم (يبتسم ويسحب إيده بهدوء):
متخافيش… بدري على الكلام.
بس الإحساس؟ جه من بدري.
فجأة صوت زين يعلى من بعيد وهو شايل آيس كريم:
يا جماااعة! الآيس كريم هيسيح! يلا قبل ما يبقى عصير شوكولاتة! 🍦😅
كارم (ينط ويصرخ):
رؤى! جبتلك فراولة! 😆
رؤى تضحك وتمد إيدها تمسح عينيها بسرعة.
ثم تقول:
رؤى:
يلا نروح… قبل ما كارم يخلصهم كلهم.
سليم (بالراحة):
يلا…
بس المرّة دي ضحّكي وانتي ماشية.
الدنيا شكلها أحلى عليكي كده.
يمشوا جنب بعض…
ابتسامتها بتكبر خطوة بعد خطوة…
والغيم اللي على قلبها يخفّ، زي نور بيدخل من شباك مقفول من زمان.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 10
في فيلا رامي – ألمانيا – بعد الغروب
السماء كانت غامقة وبتنزّل مطر خفيف على شبابيك الفيلا، والهوا بيزق الستاير البيضا بهدوء.
ليل قاعدة قدّام الشباك، لابسة جاكيت رمادي وماسكة نوتة صغيرة.
وشّها فيه شحوب بسيط… بس في عنيّها نفس الشرارة اللي كانت في زياد أبوها لما كان بياخد قرار.
ليل (بتهمس وهي تكتب):
"قالوا إن بابا قاتل… بس ولا واحد شاف الحقيقة. ولا حد حاول يدور… كلهم صدّقوا اللي عايزين يصدقوه… حتى هو، عاصم…"
(بتاخد نفس عميق، تقفل النوتة، وتقوم تبص في المراية)
ليل (بحسم):
"خلص… زمن العياط انتهى. أنا اللي هاعرف الحقيقة بنفسي… خطوة بخطوة."
(خبط خفيف على الباب)
نيروز (من برا، صوتها هادي):
"ليل؟ ينفع أدخل؟"
ليل:
"اتفضّلي."
(نيروز تدخل ومعاها كبايتين شاي سخن)
نيروز (بتبتسم):
"جبتلك شاي بالنعناع، شكلك دماغك شغالة قوي."
ليل (بترد بابتسامة صغيرة):
"قاعد أفكّر أبدأ منين يا نيروز… كل حاجة ضلمة. لا دليل… ولا حتى طرف خيط."
نيروز (بتقعد جنبها):
"ممكن البداية تكون من أقرب واحد لعاصم… اللي يثق فيه."
ليل (بتفكر):
"رامي؟"
نيروز:
"هو الوحيد اللي لا بيكرهه ولا بيشجعّه ينتقم. بس مش هيقدر يقول كل حاجة… في أسرار أكبر منه ومنّك."
ليل (بعزيمة):
"هخليه يثق فيّ. لازم أعرف كل تفصيلة… حتى لو اضطرّيت أواجه عاصم نفسه."
نيروز (بقلق):
"عاصم؟ لا يا ليل، بالله عليكي بلاش، ده… مش طبيعي الأيام دي، عينيه كلها نار."
ليل (بهدوء مخيف):
"يمكن النار هي الطريقة الوحيدة تسيّح التلج اللي بينا… واللي بينه وبين أبويا."
(صمت، نيروز تبصلها بخوف وإعجاب)
نيروز (بصوت واطي):
"إنتي قوية يا ليل… بس خايفة قوّتك تبقى سبب وجعك."
ليل (تبص برا الشباك والمطر يزيد):
"كل وجع يهون… لما الهدف يكون براءة أبويا."
(تروح للمكتب، تفتح اللابتوب وتبدأ تدور في أرشيف جرائد ألماني ومصري. صور رائد القاسمي ومقالات عن موته الغامض تظهر.)
ليل (بهمس):
"هبدأ من رائد… هو المفتاح. لو عرفت مات إزاي… هعرف مين المستفيد… ومين الكدّاب الحقيقي."
********************
في مبنى شركة تقنية متطورة في برلين – الدور الخمستاشر
النور أبيض باهت، الجو بارد، وبرّه المطر مغرق المدينة اللي باينة من ورا الزجاج اللي لحد السقف.
عاصم القاسمي قاعد لابس قميص اسود، قدّامه لابتوب وشاشات مليانة جداول ومخططات وبيانات.
صوت الأجهزة واصل واطي… لكن التقيل مش في الصوت. التقيل في سكوته.
وشّه هادي بطريقة تخوّف… هدوء قبل عاصفة مالهاش أمان.
(خطوات حد بيقرب، موظف يدخل)
الموظف:
"أستاذ عاصم، آخر تحليل خلّص… تحب أطبعلك التقرير؟"
عاصم (من غير ما يرفع عينه):
"مش لازم… ابعته على الإيميل."
الموظف:
"زي ما تحب يا فندم."
(يخرج بخطوات خايفة شوية)
عاصم (بصوت واطي وباصص للشاشة):
"كل حاجة ليها بداية… وليها نهاية. واللي يغلط… إنه يفتكر إنّي لسه أعمى."
(ابتسامة خفيفة مرعبة، يقفل اللابتوب ويقوم نحية الشباك. يطلع سيجارة ويولعها بهدوء.)
عاصم (يهمس وهو بينفخ دخان):
"قربت يا رائد… كل اللي مستخبي هيبان."
(موبايله يرن — اسم “بيجاد الراوي” ظاهر. يبص للاسم فترة وبعدين يرد)
📞 المكالمة
عاصم (بهدوء جامد):
"أهلاً يا بيجاد."
بيجاد (عصبي):
"أهلاً؟! بعد ستة وتلاتين يوم من خطفك لبنت بريئة تقولّي أهلاً؟! اتجننت يا عاصم؟! مصر كلها قامت وما قعدتش!"
عاصم (هادئ جدًا):
"كنت عارف إنك هتكلم في يوم."
بيجاد:
"جاوبني الأول! ليه عملت كده؟! زياد بريء يا عاصم، والله بريء! قلتلك مليون مرة! نديم بيلعب في دماغك!"
(صمت تام من ناحية عاصم… أنفاس ثابتة كأنه مش سامع)
بيجاد (مفزوغ):
"سامعني؟! هتضيّع اسم عيلتك علشان كدبة زرعها واحد حقود؟!"
عاصم (بصوت منخفض):
"كدبة… أيوه… شكل الكدبة كانت أكبر مما توقعت."
بيجاد (مندهش):
"إيه؟!"
عاصم (يتنفس بعمق):
"يا بيجاد… أوقات لازم تبص جوا العاصفة علشان تفهم. كنت أعمى… دلوقتي…"
(يقرب من الشباك وصوته يبقى أخطر)
عاصم:
"دلوقتي شايف كل حاجة."
بيجاد (صوته بقى حذر):
"تقصد إيه؟"
عاصم (بهدوء تقيل):
"أقصد إن زياد الزهراوي… ما يئذيش نملة. ده ابن صاحبه خالد القاسمي… ابن البيت."
بيجاد (مصدوم):
"يعني… صدقت؟ عرفت الحقيقة؟!"
عاصم (يبتسم وهو محدش شايف):
"الحقيقة يا صاحبي… ما بتتقالش. الحقيقة بتتعيش."
بيجاد:
"طب قول! مين قالك؟ فهمني!"
عاصم (بارد وخطير):
"متقلقش… أنا بس اللي عارف."
بيجاد:
"إيه؟! عاصم! ما تقفلش!"
عاصم (يهمس قبل ما يقفل):
"لما ييجي وقتها… هتعرفوا كلكم."
(يقفل المكالمة بهدوء، يحط الموبايل ويقعد)
عاصم (بصوت واطي):
"اللعبة بدأت من جديد… بس المرادي القواعد بتاعتي أنا."
(أضواء المدينة بتنعكس على الزجاج، سيجارته بتطفي، والمطر بيعلى. ابتسامة غامضة على وشّه… ومشهد يتقفل على غموض تقيل.)
**********************
مصر – مكتب بيجاد الراوي – بالليل
الإضاءة خافتة… نور الشارع داخل من ورا الستاير التقيلة.
بيجاد قاعد على مكتبه، الموبايل لسه في إيده، باصص فيه كأنه مش مصدّق.
سليم القيصري واقف جمبه، عينيه واسعة من الصدمة.
(صمت… عقارب الساعة بس اللي بتتحرك)
سليم (بصوت واطي):
"هو… هو فعلاً قال اللي أنا سمعته؟"
بيجاد (صوته مبحوح):
"قال إنه عرف الحقيقة… وإن زياد بريء."
سليم (يقوم واقف بسرعة):
"مستحيل! من أسبوع كنت بتتوسّل له يسمعك كلمة، وكان بيقفل الخط فوشّك… فجأة كده يتحوّل ويقول إنه فاهم كل حاجة؟!"
بيجاد (يحط الموبايل على المكتب ببطء):
"فيه حاجة مش طبيعية يا سليم… طريقته، هدوءه… كأنه شخص تاني.
لا غضب… لا كره… بس غموض يخوّف."
سليم (يفكّر):
"أكيد حصل له حاجة هناك. لازم نعرف إيه اللي قلبه فجأة بالشكل ده."
(بيجاد يمشي في المكتب بقلق، إيديه في جيوبه، ويبص للشباك)
بيجاد:
"حاسس إن حد دخل في الموضوع… أو إن عاصم اكتشف حاجة محدش غيره يعرفها.
بس السؤال… إيه هي؟"
سليم (نبرته جد):
"عاصم مش من النوع اللي يرمي كلام فاضي.
لو قال عرف الحقيقة… يبقى شاف أو سمع حاجة قلبت الدنيا عنده."
بيجاد (بعصبية):
"بس ليه ما قالناش؟ ليه يسيبنا نتلخبط وهو هناك بيخطّط لوحده؟!"
سليم:
"لأنه بيلعب بطريقته. يمكن مش عايز يورّط حد… أو يمكن…"
(يسكت فجأة ويبص لبيجاد بحدة)
سليم:
"أو يمكن هو دخل لعبة أكبر من الكل… لعبة محدش غيره فاهمها."
(بيجاد يخبط على المكتب بقبضته)
بيجاد:
"لو دي لعبة… فهي لعبة خطيرة. وأنا مش هقف أتفرّج!"
سليم (هادئ):
"ولا أنا… بس نمشي بعقل.
أول خطوة… نراقب نديم.
كل الخيوط بترجع له."
بيجاد (بيهز راسه):
"أيوه… نديم هو المفتاح.
ولو عاصم فعلاً عرف الحقيقة… يبقى أيام نديم خلصت."
(صمت تقيل… الجو مشحون)
سليم (بصوت غامض):
"أو يمكن… اللعبة لسه ما بدأتش أصلًا."
****************
مصر – فيلا الزهراوي – بالليل
الجو تقيل… النور واطي.
صور قديمة للعيلة على الحيطان، عليها تراب بسيط… كإنها شايلة نفس الوجع اللي مالي البيت.
في الصالون الكبير، زياد الزهراوي قاعد على الكنبة، راسه في إيده، وشه مرهق وتعبان… شعره بقى فيه شيب واضح.
صوته وهو بيتكلم كأن الدنيا كلها واقعة على كتافه.
زياد (بصوت مبحوح):
"ستة وتلاتين يوم يا حور… ستة وتلاتين يوم ومش قادر أوصل لبنتي…
ولا لاقي خيط واحد يوصلني ليها…"
حور (إيدها على إيده، صوتها بيرتعش):
"هي بخير يا زياد… لازم تكون بخير…
ربنا مش هيضيع تعبنا ولا قلبنا."
زياد (يغمض عينه ويضغط على إيدها):
"أنا السبب يا حور… من أول لحظة دخلت فيها عاصم بيتنا…
ده كان بييجي يلعب في الجنينة وأنا أشيله على كتافي… كنت شايفه زي ابني…"
(ينزل نظره وكل التعب في ملامحه، وحور دموعها تنزل أكتر)
على الناحية التانية، أدهم قاعد هادي كعادته، جنبه جميلة مراتُه، ملامحها هادية أوي بشكل غريب.
مازن قاعد قدّامهم ماسك إيد ملك اللي بتحاول تبان قوية رغم قلقها.
مازن (بتنهيدة):
"مش مستوعب… إزاي اختفوا هما الاتنين كده؟!"
ملك (بهدوء):
"اللي خطّط للخطف مش أي حد…
بس ليل بنتنا قوية، هتعرف تقف على رجلها."
رؤى (عينيها حمراء بتحاول تبتسم):
"أنا بحلم بيها كل يوم… بحسها بتناديني…
كإنها بتقولي إنها كويسة."
(حور تسحب رؤى في حضنها ودموعها بتنزل)
حور:
"يا رب يكون إحساسك صح يا رؤى… يا رب."
(صمت تقيل، صوت عقارب الساعة بس)
أدهم (يكسر الصمت، صوته واثق جدًا):
"اسمعوني كويس… ليل بخير."
الكل يبصّله فجأة.
زياد (يرفع رأسه ببطء):
"إنت متأكد يا أدهم؟! عندك خبر؟"
أدهم (ابتسامة صغيرة غامضة):
"مش لازم دليل…
ليل مش بنت عادية.
وده اللي عاصم مش فاهمه… عمره ما هيعرف يكسرها."
جميلة (بهدوء غريب):
"أنا كمان حاسة كده… لسه واقفة، ولسه بتقاوم."
(نظرة بينهم فيها سر مش مفهوم)
مازن (بعصبية):
"بس الكلام مش كفاية!
لازم نتحرك ونلاقي طريقة نوصلها!"
(زياد يقوم بصعوبة، يحط إيده على الترابيزة يحافظ على توازنه)
زياد (صوته بيرجع له شوية قوة):
"أنا مش هقعد مستني…
لو في ذرة أمل إنها عايشة… هروح وراها لآخر الدنيا!"
حور (تلحقه وتمسك إيده):
"بس يا زياد! لازم نعقلها… مش كل حاجة بالعاطفة."
زياد (يبصلها نظرة موجوعة):
"العقل؟
لما بنتي اتخطفت…
هي خدت معاها عقلي وقلبي مع بعض."
(دموع في عيون الكل، رؤى تبص للأرض… جميلة تبص لأدهم بقلق)
أدهم (يهمس لنفسه من غير ما حد يسمع):
"كل حاجة ماشية زي ما خططنا…
بس لسه وقتنا ما جش."
******************
(البيت ساكن، نور خافت، وصوت المطر برا بيدق في الهدوء.)
جميلة قاعدة في أوضة المكتب جنب جوزها أدهم. الموبايل على مكبّر الصوت، صوت عاصم جاي من ألمانيا.)
عاصم (بهدوء بس نبرة جادّة):
ليل كويسة يا أدهم… وده أهم من أي حاجة دلوقتي. ما تقلقوش عليها.
(جميلة تتنفس براحة خفيفة، أدهم لسه ملامحه متوترة.)
أدهم (بصوت منخفض لكن متماسك):
أنا مش قلقان عليها يا عاصم، أنا موجوع…
موجوع على أختي حور اللي ما بقتش تعرف تنام،
وزياد اللي بقى شبه شخص مكسور…
إنت مش شايف بيحصل فيهم إيه.
(لحظة صمت، صوت عاصم بيتغير شوي زي بيكتم حاجة.)
عاصم:
عارف… وكل ليلة بشوفهم في كوابيسي.
بس لو رجّعت ليل دلوقتي… كل اللي بنعمله هيروح في الهوا.
جميلة (بقلق):
بس يا عاصم دي طفلة… مش لازم تكون وسط المصيبة دي.
كل ده خطر عليها!
عاصم (بحزم هادي):
جميلة صدّقيني… وجودها هنا مش خطر.
ده جزء من الخطة.
اللي قتل رائد مش هيتحرك غير لما يفتكر إن ليل في إيدي.
(أدهم يبص لجميلة نظرة فيها كلام كتير من غير ما ينطق.)
أدهم (غامض):
واضح إنك ابتديت تشوف الحقيقة يا عاصم.
عاصم (بصوت ناضج غامض):
أيوه… الصورة وضحت.
زياد الزهراوي بريء… وأنا كنت أعمى.
(جميلة تبصله بذهول.)
جميلة:
عرفت إزاي؟!
عاصم:
مش مهم إزاي… المهم إني شُفت اللي ما كنتش شايفه.
في حد تاني لعب بينا كلنا…
والنهارده ده قرب نهايته.
أدهم (بنبرة باردة):
إنت بتتكلم كإنك عارف مين القاتل.
عاصم (غامض):
نقدر نقول عندي ظن قوي…
بس مش هتحرك غير وأنا متأكد.
(أدهم يسند راسه وبيبص للسقف بحدة.)
أدهم:
أوقات اليقين أخطر من الشك…
خطوة واحدة غلط تضيّع كل حاجة.
جميلة (بهمس قلق):
بس ما تنساش… ليل طفلة بريئة. مش كارت في لعبة.
عاصم (بثبات):
عارف… وعشان كده مش هاسمح لحد يقرب منها.
أدهم:
يعني مش ناوي ترجّعها؟
عاصم (بحسم):
مش دلوقتي.
لو رجعت دلوقتي القاتل هيختفي تاني.
ليل بأمان… دي كلمتي ليكم.
(أدهم يبص للموبايل ويبتسم ابتسامة صغيرة فيها مكر واحترام غريب.)
أدهم:
الولد اللي كنا نعرفه زمان… اختفى.
واللي بكلمه دلوقتي حد تاني خالص.
عاصم (ببرود):
يمكن…
أو يمكن دي النسخة الحقيقية…
اللي اتولدت بعد ما رائد مات.
(جميلة تبص لأدهم بخوف إنها مش فاهمة كل اللعبة.)
جميلة:
بس قولّي… ليل عارفة إنك اكتشفت الحقيقة؟
(عاصم يسكت لحظة، صوته يرجع بنبرة ندم خفيفة.)
عاصم:
لسه… ومش هتعرف دلوقتي.
هي شايفاني العدو… وده اللي يحميها دلوقتي.
(جميلة تنزل راسها، أدهم يهمس بنبرة مرعبة هادية.)
أدهم:
تمام يا عاصم… كمل.
بس خد بالك… الطريق الصح ساعات يوصّل لجهنّم.
(صمت… ثم صوت عاصم.)
عاصم:
وجهنّم أهون من الحقيقة ساعات…
تصبّحوا على خير.
(المكالمة تقفل.)
(جميلة تسند راسها بتعب. أدهم ساكت، نظرته سودا كإنه شايف اللي جاي ومش طيّق يشوفه.)
جميلة (بهمس):
هو عرف… صح؟
أدهم (بهدوء مرعب):
أكتر ما المفروض يعرف…
بس لسه ما عرفش مين بيحرّك الخيوط بجد.
ولما يعرف…
الدنيا هتتقلب.
*****************
ألمانيا – صباح اليوم اللي بعده
حديقة فيلا رامي – ورا البيت
(شمس الصبح بتنسلّ من بين الشجر، بتلمس الورق الندي.
ليل قاعدة على مقعد حجري صغير، شعرها مبعتر من الهوا البارد.
عينيها على الميّة قدّامها، ساكتة.
العصافير بتصوصو بهدوء، كإن المكان بينسى كل اللي حصل.)
(عاصم يظهر من وراها ماشي بهدوء، لابس معطف رمادي، ماسك كوباية قهوة.
يقف وراها شوية، بعدين يقرب لحد ما بقى وراها بخطوتين.)
عاصم (بصوت هادي):
ماكنتش أعرف إنك بتصحّي بدري.
(ليل تبصله، عينها تعبانة بس فيها فضول خفيف.)
ليل (بصوت واطي):
ما عرفتش أنام.
(عاصم يقعد قصادها، ماسك الكوباية بإيده وبيبص للبحيرة.)
عاصم:
الليل هنا دايمًا طويل…
خصوصًا لما الواحد عقله يفضل يصارع نفسه.
ليل (جافة):
أنا مش بصارع… أنا بحاول أفهم.
عاصم (يبص عليها ببطء):
تفهمي إيه؟
ليل (بثبات):
إزاي حد ياخد بريء رهينة علشان ينتقم من حد تاني.
إزاي تقدر تبص في وشي دلوقتي كإنك ما عملتشش حاجة.
(عاصم يسكت ثواني… عينه للأرض.)
عاصم (هادئ):
الغضب ساعات يعمي… يخلي الواحد يشوف الكل بنفس عين الخيانة.
ليل (بغصة):
بس أنا ما خنتكش… ولا حتى كنت أعرفك!
(يتنفس بعمق.)
عاصم (بحزن خفيف):
عارف.
(ليل تتجمد شوية.)
ليل:
…عارف؟
(يرفع عينه ليها لأول مرة بصدق.)
عاصم:
أيوه… عارف إنك مالكيش ذنب.
بس تصديق ده بياخد وقت.
(ليل تبعد نظرها، تلمس وردة جنبها.)
ليل:
الوقت مش دايمًا بيصلّح اللي بيتكسر.
(عاصم يبتسم خفيف ويمد لها الكوباية.)
عاصم:
جربي دي… يمكن تفوّقك شوية.
(تبص للكوباية وبعدين تاخدها، تشرب رشفة صغيرة.)
عاصم (هدوء):
مش هبرّر نفسي…
بس في حاجة أقدر أوعدك بيها.
ليل:
وهي؟
عاصم:
إنك هنا بأمان…
ومش هسيب حد يقربلك، حتى لو آخر حاجة أعملها.
(ليل تبصله… صوتُه مختلف. فيه دفء مش متعودة عليه.)
ليل (بهمس):
بس أنا مش حاسة بالأمان.
(عاصم يسكت لحظة.)
عاصم (بحزن هادي):
يمكن علشان لسه شايفاني الماضي اللي وجعِك…
وأنا كمان بحاول أهرب منه.
(ليل تبصله فترة، كأنها بتحاول تقراله.
بعدها تحط الكوباية، وتقوم بهدوء.)
ليل (بصوت ثابت رخيم):
أنا مش محتاجة وعود…
أنا محتاجة أرجع نفسي.
(تمشي بهدوء ناحية البيت.
عاصم يبصلها ساكت، مايروحش وراها.
يبضل قاعد يبص للميّة.)
عاصم (يهمس لنفسه):
وهترجعيها… حتى لو ده آخر حاجة أعملها.
***********************
القاهرة – مقر شركة الزهراوي للاستيراد والتجارة
الساعة 11 الصبح
(شمس القاهرة ضاربة في الإزاز الكبير.
زياد الزهراوي قاعد ورا مكتبه، باصص في الورق بس عقله مش هنا.
مراد الشرقاوي ماسك فنجان القهوة بشياكة مصطنعة.
وأدهم واقف عند الإزاز، عينه على الشارع تحت، ساكت وبيفكّر.)
مراد (بهدوء مصطنع):
يا زياد… بقِالنا أكتر من شهرين وإنت بتجري ورا الهوا.
السفارات اتحركت، ناس فوق وناس تحت… ومفيش. ولا خيط.
(زياد يرفع راسه، ملامحه بايظة من السهر.)
زياد (تعبان):
إزاي أستسلم؟ دي بنتي… لحمي ودمي.
أنام إزاي وأنا مش عارف هي فين؟
(مراد يحط الفنجان ويتنهد كإنه متعاطف.)
مراد:
فكّر بعقل برضه.
عاصم ده مش سهل… وممكن يكون خلّص عليها من بدري، خصوصًا لما شاف إنك مش هتسكت.
(الكلمة توقع على زياد زي رصاصة. يقوم بغضب، وشه يتشدّ.)
زياد (قهر):
إنت بتقول إيه يا مراد؟!
ولو لمسها… لو بس لمسها!
هخليه يندم إنه اتولد!
(أدهم لسه ساكت، بيبص لمراد بنظرة مش مريحة.
مراد يطاطي عينه يخبي ابتسامة خفيفة غصب عنه.)
مراد (نبرة باردة بس عاملة نفسها متعاطفة):
أنا بس بجهّزك… ساعات الحقيقة بتكسر.
(أدهم يلف فجأة، صوته حاد.)
أدهم:
والحقيقة ساعات كمان بتفضح اللي مسبّب الوجع ده.
(مراد يومّي بعينه، متوتر ثواني، يحاول يرجع البرود.)
مراد (بضحكة مزيفة):
مش فاهم قصدك.
أدهم (ثابت وبارد):
هتفهم… قريب جدًا.
(لحظة توتر طويلة.
زياد يمرّر إيده على وشه، صوته بيتهز.)
زياد:
مش قادر أصدق إن عاصم يأذيها…
مراد (ببرود محسوب):
الحب لما يقلب… بيبقى أخطر من الكره.
(زياد يخبط على المكتب، صوته بيتكسر.)
زياد:
كفاية يا مراد!
أنا بس عايز أصدق إنها عايشة… حتى لو ده حلم!
(مراد يرجع لورا، عامل نفسه هادي.
أدهم يبصله باشمئزاز واضح.)
أدهم (بصوت واطي قوي):
الوهم الحقيقي… إن في حد لسه فاكر إنك بريء.
(مراد ينتفض، عينه تلمع بقلق.
أدهم يسيبه ويخرج ببطء من المكتب، سايب وراه كهربا في الجو.)
(مراد واقف، بيبص للباب، وشه فيه توتر وابتسامة ملسوعة في نفس الوقت.)
مراد (لنفسه):
واضح إن اللعبة قلبت…
بس أنا دايمًا اللي بطلع كسبان في الآخر.
*******************
بعد ما مراد خرج من الشركة
(الأوضة ساكتة بعد ما الباب اتقفل.
زياد لسه قاعد مكانه، عينه تاهية في الهوا، وصوت الباب لسه بيرن في ودنه كإنه ساب وراه حمل تقيل.
ياخد نفس عميق ويحط إيده على جبينه، وأدهم يقرب له واحدة واحدة، باين عليه القلق والتعاطف.)
أدهم (بهداوة):
"يا زياد… ما تزعلش من كلام مراد، الراجل بيتكلم من خوفه عليك… مش أكتر."
(زياد يبصله، عنيه تعبانة ومليانة وجع وشك.)
زياد:
"بس كلامه حشر جوا دماغي يا أدهم…
يعني معقول عاصم يعمل كده؟
ده أنا كنت بشوفه بيجري في الجنينة هنا وهو عيل… كنت باخده في حضني زي ابني."
(أدهم يقرب أكتر ويقعد جمبه على طرف المكتب.)
أدهم:
"عارف يا زياد… يمكن مراد ليه نقطة، بس لازم تبقى جاهز لكل الاحتمالات.
اللي بيحب… ساعات الظلم يخنقه، والغضب يعميه."
(زياد يبصله نظرة طويلة، الصراع مالي وشه.)
زياد (بصوت واطي):
"يعني انت شايف إن ممكن فعلًا… يكون أذاها؟"
(أدهم يسكت لحظة، وبعدين يتنهد بهدوء.)
أدهم:
"كل حاجة واردة… بس خلينا ماسكين في الأمل.
إنت طول عمرك أقوى واحد فينا يا زياد… ما ينفعش تقع دلوقتي."
(زياد يبص لتصوير ليل على المكتب، صوته مهموس.)
زياد:
"وحور؟
دي بقالها ليالي ما بتنامش… كل شوية تقوم تصرخ باسمها.
يا ريتني أنا اللي كنت مكانها."
(أدهم يحط إيده على كتفه بحنية.)
أدهم:
"بلاش تعذّب نفسك يا زياد…
ليل بنتنا إحنا الاتنين.
زي ما كنت بفرح بيها وأشوف ضحكتها، كنت حاسس إنها بنتي زي ما هي بنتك.
ووالله لو فيها ذرة خطر… كنت هحسّ قبل أي حد."
(زياد يهز راسه، عينه مليانة دموع.)
زياد:
"أنا تعبت يا أدهم…
كل يوم بحس قلبي بيتكسر أكتر."
أدهم:
"بس ما تسيبش الشك ياكل فيك… فاكر وإحنا صغيرين؟
كنت دايمًا تقولي الشك بيقتل صاحبه قبل ما يقتل الحقيقة."
(زياد يبتسم ابتسامة حزينة خفيفة.)
زياد:
"فاكر… وكنا بنضحك على أي حاجة."
أدهم (بصوت هادي):
"وكنا نقول مش إخوات في الدم… بس إخوات في الروح.
وأنا لسه كده… إيماني بيك وبليل زي ما هو."
(زياد يوطي راسه ويحط إيده فوق إيد أدهم.)
زياد:
"ربنا يخليك ليا يا أدهم… وجودك هو اللي مسندني."
******************
فيلا مراد الشرقاوي – بالليل (الساعة 11:45 تقريبًا)
(الدنيا مكهربة جوا الفيلا.
المطر نازل زي السهام، والبرق ينور الشبابيك لحظة ويرجع الضلمة تخنق المكان.
مراد قاعد لوحده في المكتب الكبير، قدامه كاس ويسكي لسه ما لمسوش.
وشه مكشّر، عروقه نافرة، وعينه تايهة في الحيطة كأنه شايف مصيبته وهي بتتقلب عليه.)
(صوت كعب جزمته بيدبّ على الرخام وهو رايح جاي بعصبية، يعدّل شعره بإيده، ويكلم نفسه بنبرة كلها سم وغِل.)
مراد (مخنوق وهادي بشكل مرعب):
"أدهم… نظراته النهارده ما كانتش عاديه.
كان بيبصلي كإنه شايف كل اللي جوايا!"
(يضرب المكتب بقبضة إيده، الرماد يتنطر من السيجارة في الطفاية.)
مراد (بغِل):
"أكيد شاف ريحة اللي مخبيّه…
الواد ده دايمًا دماغه أكبر من اللي ينفع!"
(يقف قدام المراية الكبيرة، يبص لنفسه بعينين كلها احتقار وغضب.)
مراد (بضحكة سودا على نفسه):
"بس لأ… مش هو اللي يوقعني.
ولا هو اللي هيمشي قبلي بخطوة.
ده أنا اللي علمته يقف…
والوقت جه أعلّمه يعني إيه يقف قدام خصم غلطان!"
(يمسك سماعة التليفون الأرضي بسرعة، يكلم رقم محدش يعرفه، صوته واطي بس مسموم.)
مراد:
"عاملين إيه؟
آه… الخطة الأولى وقعت.
وفي احتمال كبير أدهم يكون شَكّ."
(يسكت لحظة، ثم يبتسم ابتسامة خبيثة بتوجع.)
مراد:
"يبقى نبدأ بالخطة التانية فورًا.
مش هديهم فرصة ياخدوا نفس.
الزهراوي لازم يقع قبل ما يلم خيط واحد."
(يقرب من الشباك يبص على المطر، صوته يطلع مخنوق بالحقد.)
مراد:
"أنا مستني اللحظة دي من سنين…
زياد… أدهم… خالد… كلكم هتدفعوا التمن.
خصوصًا زياد… اللي عامل فيها ملاك قد الدنيا."
(يضرب بإيده على الإزاز، عينه تبقى شر محض.)
مراد (همس مسموم):
"قريب… قريب قوي.
هخليه يتمنى الموت… والموت مش هيجي."
(يقفل المكالمة، يفتح درج سري، يطلع ظرف بني مليان ورق وصور قديمة.
يفردهم على المكتب، يبصلهم بنظرة مرعبة ويهمس بغلّ.)
مراد:
"اللعبة ما خلصتش يا أدهم…
الدور جاي عليكم كلكم… واحد واحد."
*****************
(صوت المطر برا بيخبط على الإزاز بقوة.
مراد قاعد في الضلمة، نور خفيف بس من أباجورة جانبه.
بينفخ دخان سجارته بعصبية، عينه تايهة لكن كلها غِل وكبت.
الباب يتفتح بالراحة، ونرمين تدخل بفستان بيت شيك، وشها باين عليه البكا والتعب)
نرمين (بصوت هادي وخايف):
"لسه صاحي لحد دلوقتي يا مراد؟ الساعة عدّت اتنين… المفروض ترتاح شوية."
(مراد ما يبصّش عليها على طول، وبعد لحظة يبتسم ابتسامة بايخة وينفخ دخان)
مراد (بخبث رايق):
"لما تبقى واقف على خطوة من الفوز… النوم يبقى خيانة."
نرمين (بتقرب منه):
"فوز؟!
هو اللي بتعمله ده اسمه فوز؟
ولا انت نسيت نفسك؟!"
(يتنفس بعمق، يبصلها بثبات بارد، صوته هادي بس في جنان مستخبي)
مراد:
"اللي ما يعرفش القصة… ما يحكمش.
أنا باخد حقي… اللي اتسلب مني زمان.
زياد افتكر إنه أخده مني وخلاص."
(نرمين تضحك ضحكة قصيرة فيها وجع)
نرمين:
"زياد؟
اللي طول عمرك بتقول عليه أخوك؟
اللي كنتوا بتاكلوا لقمة واحدة؟
نسيت إن عيالنا اتربّوا مع بعض؟"
(مراد عينه تتجمد لحظة ويرجع يشيح وشه)
مراد (بغِل ومرارة):
"نسيتي إن العالم كله كان شايفه هو الأحسن؟
وهو ولا حاجة غير قشرة… شكل بس.
اللعبة خلاص قربت تتقفل… وأنا اللي هكسب في الآخر."
(نرمين تقرب منه، عيونها فيها قرف وخيبة)
نرمين:
"كفاية… مش قادرة أسمعك.
كل مرة تقول مظلوم وبتاخد حقك…
بس الحقيقة؟
إنت بتحارب ضميرك اللي مات."
(مراد يطفي السجارة بعنف على الترابيزة)
مراد (ينفجر):
"اسكتي يا نرمين!
إنتي مراتي… ومافيش حد هيقف ضدي في بيتي!"
(نرمين ترفع راسها، صوتها هادي بس بيوجع)
نرمين:
"أنا ما وقفتش ضدك عشاني…
بس كل مرة ببص في عين سليم…
بخاف من اليوم اللي يعرف مين أبوه.
وعشان كده ساكتة."
(صمت تقيل يسود، مراد عينه تلتمع بنظرة خطيرة)
نرمين (تهمس):
"ولما يعرف إن أبوه ورا كل الدم ده…
مش هيغفرلك… زي ما أنا ما غفرتش."
(مراد يضحك ضحكة سخرية، ويقوم يقف ويقرب منها)
مراد:
"سليم؟
الواد شايف اللي أنا عايزه يشوفه بس.
وهيفضل فخور بيا.
أما ريما… فآه، في أمان هناك في الجزائر مع جوزها…
ما لهاش دعوة هنا."
نرمين (بغضب ودموع):
"في أمان؟!
دلوقتي بس…
لكن بكرة لما جوزها يعرف مين أبوها الحقيقي؟
هتعرف إنك لو بعيد… بتبوّظ حياة اللي حواليك!"
(مراد يقف قدامها بهدوء مخيف، صوته واطي وتحت الصفر)
مراد:
"خلاص يا نرمين… كفاية.
أنا مش ناقص كلام.
ادعيلي أوصل للي عايزه…
وبعدها… هترتاحي مني للأبد."
(نرمين تتراجع، صوتها مكسور بس قوي)
نرمين:
"أنا فعلًا بدعيلك يا مراد…
بدعيلك ربنا يخلّصك من نفسك."
(تلف وتخرج. الباب يتقفل بالراحة.
مراد يبص لصور ولاده على المكتب:
ريما بفستان الفرح… وسليم بضحكته الطفولية)
مراد (يهمس بصوت مظلم):
"كل حاجة ليها تمن…
وأنا دفعت كتير.
والباقي… هيكون بدمهم."
(البرق ينور، وشه يبان مشوّه بين الخوف والجنون…
زي واحد فاكر إنه ماسك الدنيا… وهي أصلا بتهد عليه وهو مش واخد باله.)
*********************
بعد ما نرمين تخرج من المكتب، الإضاءة الخفيفة لسه ظلالها باينة على وش مراد اللي باين عليه ال
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 11
في ألمانيا – فيلا رامي / الساعة 2 بعد نص الليل
الفيلا ساكنة جدًا، مفيش صوت غير هبة الهوا وهي بتخبط في الإزاز الكبير.
الأنوار مطفية تقريبًا، إلا لمبة خفيفة قوي طالعة من تحت باب مكتب رامي.
ليل ماشية في الممر بصوت خفيف، قلبها بيدق بسرعة وعنيها بتلف حوالينها.
تمد إيدها على مقبض الباب وتفتحه بالراحة، كأنها خايفة النفس يطلع بصوت.
ليل (تهمس لنفسها):
"لو لقيت أي حاجة تثبت براءة بابا… حتى لو خيط صغير… لازم ألاقي. حتى لو الموضوع دا هيولع الدنيا."
تدخل المكتب، تبص حواليها. المكتب كبير والرفوف مليانة أوراق وملفات وصور.
تروح ناحية درج وتفتحه بهدوء، تلاقي ملفات مكتوب عليها:
"قسم العمليات الخاصة – المخابرات المصرية"
ليل (مندهشة وبتهمس):
"رامي… ضابط مخابرات؟!"
تفتح ملف تاني، صور تقع من جوه على الأرض.
تنزل تجمعهم وتبص عليهم.
أول صورة: رامي وهو صغير في العشرينات لابس بدلة جيش، واقف جنب واحد سنه أكبر شوية…
رائد خالد القاسمي.
ليل (بتهمس بدهشة):
"ده… رائد؟ أخو عاصم!"
تقلب الصورة اللي بعدها:
رامي، رائد، أبوهم خالد القاسمي ومعاهم ناس كتير…
منهم وش تعرفه فورًا: زياد الزهراوي، أبوها، وهو شاب، مبتسم ومهيب.
وجنبه أدهم الزهراوي، مراد الشرقاوي، وآدم العطار.
ليل (بتتنفس بسرعة):
"يعني كلهم كانوا يعرفوا بعض؟!
بابا، وعمي، ومراد، وحتى أبو زين؟!
كل دول في دايرة واحدة؟!"
تقعد على كرسي المكتب، تقلب الصور تاني، تلاقي صورة لرامي وهو طفل شايل أخته الصغيرة نيروز، جنبهم أبوهم وأمهم.
ليل (بابتسامة حزينة):
"يااه… كانوا عيلة حلوة بجد."
بس عينها تقف عند صورة تانية.
راجل شعره اسود وملامحه قريبة قوي من عاصم، واقف جنب زياد الزهراوي.
على الصورة مكتوب:
"خالد القاسمي و زياد الزهراوي – القاهرة 1996"
جسمها يقشعر.
ليل (بصوت مهزوز):
"يعني… بابا كان صاحب أبو عاصم القريب؟!"
تلاقي ملف مكتوب عليه:
"حادثة المقدم رائد خالد القاسمي – سري جدًا"
تفتحه وإيدها بتترعش.
تقرأ:
> "المشتبه به: زياد الزهراوي – بسبب خلافات مهنية وشخصية مع المجني عليه..."
ليل (بغضب ودموع):
"خلافات إيه؟! ده كان بيحبه زي ابنه!
بابا عمره ما أذى حد… عمره ما يعمل كده."
تقفل الملف بعصبية وتمسح دموعها.
ليل:
"مش هصدق الكلام ده… مش قبل ما أعرف الحقيقة بنفسي."
تبص للابتوب، تفتحه، يطلب باسورد.
ليل (بتهمس):
"أكيد له باسورد… نجرب نيروز؟ لأ… يمكن خالد؟ أو رائد؟"
(تضحك بخفة)
"مش معقول يكتب اسم أخوه اللي مات!"
فجأة تسمع صوت خطوات في الممر.
تتجمد في مكانها، تقفل الشاشة بسرعة وتستخبى ورا الستارة التقيلة.
رامي يدخل، شكله تعبان ومعاه كباية قهوة.
يبص حواليه بشك.
رامي (بصوت واطي):
"كنت سامع صوت هنا… ولا أنا بتخيل؟"
يقرب من المكتب ويلفت يشوف الملفات مفتوحة شوية.
ياخد نفس طويل ويرجع يقفلهم.
رامي (بهمس):
"البيت ده بقى بيتهيألي كل يوم."
يشرب شوية قهوة ويمشي.
ليل تطلع تتنفس بصعوبة، تمسك صدرها.
ليل (بهمس):
"يا رب ما يكون شاف حاجة… أنا كنت هبوّظ الدنيا."
ترجع كل حاجة مكانها.
تبص تاني على صورة بابا وخالد القاسمي.
دمعة تنزل منها.
ليل (بحزم ووجع):
"بابا… والله لهعرف كل حاجة.
وهرجع حقك… حتى لو وقفت قدام الدنيا كلها."
تمشي بسرعة وتخرج، سايبة وراها السر اللي ابتدى يتفتح ببطء.
*******************
خرجت ليل من مكتب رامي على أطراف صوابعها، وقفّلت الباب بهدوء شديد.
حطّت إيدها على صدرها وهي بتتنفس بصعوبة:
ليل (بهمس مخضوض):
الحمدلله... ما حسّش بيا… يا رب بس ما يكونش شافني 😩.
لفّت علشان تمشي…
وفجــأة…
صوت هادي، ورايب، وفيه سخرية باردة طالع من الضلمة وراها:
عاصم (بابتسامة باااردة):
بتصطادي أشباح يا ليل؟ ولا اتفرجتي على فيلم جرايم وقلتي تجربي بنفسك؟ 😏
ليل اتشمرت في مكانها… عينها وسعت، تلف ببطء، تلاقيه واقف ماسك الحيطة، إيديه متشابكة، عينه بتلمع ومليانة تهكم.
ليل (متلخبطة):
إ… إنت؟! إيه اللي جابك هنا؟!
عاصم (يميل راسه):
سؤال حلو… بس المفروض أنا اللي أسأله.
إيه اللي خلاكي تتسلي في نص الليل جوه مكتب رامي؟
ولا كنتي فاكرة نفسك نِينجا؟ 😏
ليل (بتتلخبط تحاول تبرر):
لا طبعًا… أنا بس… كنت بدوّر على حاجة—
عاصم (يضحك بشماته):
آه، واضح… بتدوّري على الحقيقة؟ ولا على مصيبة جديدة؟ 🤨
ليل تبلع ريقها، وهو يقرب منها بخطوات ثابتة، عينه مش سايبة وشها لحظة.
عاصم (بصوت واطي):
الفضول ساعات بيقتل صاحبه يا ليل…
خصوصًا لو لعب في ملعب مش بتاعه.
ليل (بعناد يطلع رغم رعشتها):
أنا مش خايفة منك… وبعدين من حقي أعرف.
كفاية بقى أسرار… اتخنقت.
عاصم (ضحكة صغيرة باردة):
الجهل أرحم يا ليل…
على الأقل الجاهل بينام بالليل.
إنما اللي يعرف الحقيقة… ما بينامش أبدًا.
ليل (تتنرفز):
هو إنت لازم تتكلم ألغاز؟ ولا دي طريقة تستعرض بيها الفلسفة؟!
عاصم (يقرب منها أكتر):
لا… ده اسمه ألهيكي عن الرجفة اللي ماسكاكي 😏
بس بصراحة… شكل الشجاعة عليكي لطيف.
عاملة جامدة… بس عينيكي بتعيّط.
ليل (بإصرار):
مش خايفة!
عاصم (بهدوء مرعب):
تمام…
خافي مني بعدين.
لأن بعد يومين… هتبقي مراتي.
الوقت وقف… صوت دقة الساعة بس.
ليل (بتصرخ):
إيه؟!
إنت بتقول إيه؟! 😳
عاصم (بارد جدًا):
قلتلك: بعد يومين هتتجوزيني.
ليل (تصرخ):
أتجوزك إنت؟! على جثتي!
عاصم (بسخرية رقيقة):
طب ماشي… بس نأجل موضوع الجثث شوية.
احنا في ألمانيا مش مسلسل تركي 😌
ليل:
إنت مجنون!
عاصم (ينزل بصوته ويقرب):
احتمال كبير…
بس أحسن من الغباء اللي بتعمليه دلوقتي.
ليل (تحاول تبعد):
ابعد عني! أنا مش لعبة في خططك ولا دمية في انتقامك!
عاصم (يبص جوا عينيها بنظرة خطيرة):
ده الغلط…
إنتي مش جزء من الخطة…
إنتي الخطة كلها.
وفرّق كبير لما أقرر أكسب.
ليل (بتصوت):
ليه؟! ليه أنا؟ عايز تتجوزني ليه؟!
عاصم (يغمض عينه نص غمضة، نبرة هادية وشريرة):
علشان أحميكي.
ليل (بسخرية مصدومة):
تحميني؟ منك؟!
عاصم (ضحكة قصيرة):
ممكن…
بس من ناس أسوأ مني كتير.
يبص لها شوية… كأن كلامها ولا هزّه.
وبعدين يلفّ ويمشي بهدوء ناحية السلالم.
عاصم (قبل ما يختفي):
جهّزي نفسك يا ليل…
مش بس هتجوزك…
ده أنا كمان هخليكي تندمي إنك فكرتي تلعبّي في عالمي.
ليل (بصوت مكسور):
مستحيل…
عاصم (يختفي ورا الضلمة، صوته ساخر):
كل حاجة مستحيلة… لحد ما تحصل 😉
ليل تفضل واقفة، نفسها يتقطع، إيدها على قلبها:
ليل (بهمس مرعوب):
مستحيل… يبقى جاد 😰
********************
في فيلا عائلة الشرقاوي – القاهرة – الساعة التاسعة صباحًا
ضوء الشمس يتسلّل بخفة عبر الستائر الحريرية، ينعكس على أثاث القصر الفخم بلمعة ذهبية هادئة.
على طاولة الإفطار الطويلة، جلس الجد عبد الرحمن الشرقاوي في صدر المائدة، إلى يمينه ابنه مراد، وإلى يساره نرمين، بينما جلس سليم مقابلهما، صامتًا، وجهه جامد، يخفي وراء هدوئه عاصفة من الاشمئزاز.
صوت الملاعق الخفيف يملأ المكان، يتخلله سعال الجد من حينٍ لآخر.
الجد (بصوت هادئ، وهو يضع فنجانه):
مراد يا ابني… في أي جديد عن ليل؟
بقالها أسابيع، والدها بيعيش على أمل نسمع عنها حاجة…
مراد (يتنهد نَفَسًا طويلاً، بنبرة تمثّل الحزن):
للأسف يا بابا… مافيش حاجة جديدة لحد دلوقتي.
المخابرات بتتابع، بس الدنيا معقدة… كأنها اختفت من على وش الأرض.
الجد (بحزن):
يا حبيبتي ليل… البنت دي زي حفيدتي.
فاكر يوم كانت بتيجي البيت تلعب مع سليم وريما وهي صغيرة؟ كانت بتضحكني بنظرتها البريئة.
(ينظر لمراد)
زياد أكتر واحد وقف جنبك يا مراد في حياتك، ما تنساش دا أبدًا.
مراد (بصوت خافت ووجه مصطنع الحزن):
عارف يا بابا… وعلشان كده مش هرتاح لحد ما نرجّع بنته.
(في تلك اللحظة، تلتقي نظرات سليم بنظرات أمه نرمين — نظرة مليئة بالاحتقار المكتوم. نرمين تُخفض رأسها سريعًا، بينما مراد يواصل حديثه وهو يتظاهر بالاتزان).
نرمين (بصوت هادئ):
إن شاء الله ترجع بخير…
(تبتسم بخفة مُجبرة، ثم تغيّر الموضوع بلباقة)
بالمناسبة يا حاج، كلمتنا ريما مبارح، كانت في الجزائر مع كامل، شكلهم مبسوطين أوي.
الجد (بابتسامة حقيقية):
الحمد لله! ربنا يتمملهم على خير.
كامل ولد محترم، واضح إنه بيحبها.
مراد (مبتسم بفخر مصطنع):
أيوه، كامل شاب ناجح وراقي، وبيخليها تعيش حياة تستاهلها.
كان قرار صائب إنها توافق عليه.
سليم (ببرود ساخر خفيف):
أكيد… قراراتك دايمًا "صائبة" يا بابا.
(يسود الصمت للحظة، الجو يثقل فجأة. مراد يرفع عينيه نحو ابنه متفحصًا، في حين الجد ينظر بتعجب).
الجد (بفضول):
مالك يا سليم؟ شكلك مش طبيعي النهارده.
سليم (يرتشف قهوته ببطء):
أنا طبيعي جدًا يا جدي… بس يمكن زهقت من القرارات الصائبة اللي بتتّخذ دايمًا باسم العيلة.
نرمين (بتوتر):
سليم! مش وقته الكلام دا.
سليم (يرد بنبرة لاذعة):
أوه، آسف يا ماما… فعلاً مش وقته، ولا مكانه…
(ينظر مباشرة نحو والده)
ولا يمكن يكون في وقت مناسب للكلام عن حاجات معينة، صح؟
مراد (نظرة صارمة متوترة، يحاول ضبط أعصابه):
واضح إنك صاحي النهارده على نغمة التمرد.
إيه الحكاية؟ حد مضايقك في الكلية؟
سليم (باردًا، بابتسامة خفيفة):
لا يا بابا، محدش مضايقني.
بس ساعات الحقيقة لما الواحد يسمعها… بتكون أوقح من الكذب نفسه.
(نرمين تضع يدها على كوبها لتخفي ارتجافها. مراد يلاحظ نظراتها، يضغط على فكه غيظًا، لكنه يتظاهر بالهدوء أمام والده).
مراد (بصوت حازم):
سليم، خلينا نحافظ على جو العيلة اللطيف الصبح…
مش عايز أسمع تلميحات تانية من غير معنى.
سليم (ينهض من مكانه ببطء):
ماشي يا بابا…
بس صدقني، المعنى واضح جدًا، حتى لو إنت مش عايز تسمعه.
(يتجه نحو الباب بخطوات هادئة لكنه محمّلة بالغضب المكتوم. الجد يتابعه بنظرة قلق).
الجد (بصوت مبحوح):
سليم، في إيه يا ابني؟ كل حاجة تمام؟
سليم (يلتفت بابتسامة مجبرة):
تمام يا جدي… بس محتاج أتنفس شوية. الجو خانق هنا شوية.
(يغادر بخطوات ثابتة، الباب يُغلق خلفه بصوت خافت. الصمت يخيم على المكان.)
نرمين (بصوت خافت، دون أن تنظر لمراد):
إنت السبب في اللي وصل له…
الولد كرهك يا مراد.
مراد (بابتسامة باردة مائلة):
خليه يكرهني يا نرمين…
الكره أهون بكتير من إنه يعرف الحقيقة.
(الجد ينظر إليهما باستغراب دون أن يفهم شيئًا، ثم يهمهم بالدعاء وهو ينهض ببطء من المائدة، تاركًا الزوجين في صمت مشحون.)
*******************
في الساحل الشمالي
سيارة سليم تقف على طرف الطريق الجبلي، وبابها مفتوح.
يجلس سليم على حافة الجرف، رأسه بين كفّيه، وجهه متورم من البكاء.
صوت البحر يمتزج بأنفاسه المرتجفة.
سليم (بصوت متهدج، يحدث نفسه):
بابا… إزاي؟
إزاي قدرت تعمل كده؟
كل العمر كنت شايفك قدوتي، رمز الرجولة والكرامة…
طلعت ماشي فوق جثث الناس… بتقتل وبتضحك؟!
(يرفع رأسه نحو البحر، العيون دامعة)
سليم:
كنت دايمًا بتقول إن الحق لازم يبان، وإن اللي يظلم غيره نهايته سودة…
طب فين الكلام ده؟ فين العدل اللي كنت بتتكلم عنه؟
إزاي قتلت…؟
إزاي حطيت دم على إيدك وسبت غيرك يدفع التمن؟
(يضرب الأرض بحجر صغير، يصرخ من القهر)
سليم:
وليل… يا ليل!
اللي كانت بتضحك دايمًا وبتقوللي: "أنت أخويا اللي ما خلفتوش أمي."
إزاي هبصلها بعد كده؟
إزاي هبص في عيون رؤى؟
(يضرب صدره بكفه)
رؤى… حبيبتي اللي حتى ما قلتلهاش إني بحبها…
أكيد هتكرهني لما تعرف إن أبويا هو السبب في اختطاف بنت خالها…
أكيد الكل هيكرهني…
(ينهض ببطء، يتقدم نحو الحافة، والرياح تعبث بشعره، صوته يرتجف مع الموج)
سليم (يصرخ بأعلى صوته):
ليه ياااااااااا بابااااااااااااااااااا؟!!!!
ليه؟!!
كل اللي عملته… عشان إيه؟ سلطة؟ حقد؟ غيرة؟
دم ناس أبرياء على إيدك!!!
(يضع يده على رأسه، يختنق بالبكاء، ثم يسقط جاثيًا على ركبتيه. صوته خافت الآن، حزين، منكسر.)
سليم (بهمس مبحوح):
يا رب…
أنا مش زيه، صح؟
قولّي إنّي مش زيه…
أنا مش قاتل زيه…
أنا… أنا ضحية زيه وزيهم كلهم.
(الدموع تنهمر من عينيه، يرفع رأسه نحو الأفق البعيد حيث البحر يلتقي بالسماء.)
سليم (بصوت حزين):
يوم الحقيقة… هييجي.
وكلهم هيعرفوا مين هو مراد الشرقاوي الحقيقي…
بس وقتها…
مين هيصدقني؟
مين هيبص في وشي من غير ما يشوف وش أبوي؟
(يقف، يسحب أنفاسًا عميقة، ثم يعود إلى السيارة. قبل أن يدخل، يلتفت إلى البحر مرة أخيرة.)
سليم (بصوت خافت، كأنه وعد):
ليل… رؤى…
أقسم بالله…
لو روحي تمن، هخلي الحقيقة تطلع للنور…
بس مش دلوقتي… مش وأنا ضعيف كده.
لازم أستنى…
وأول ما اللحظة تيجي… هيكون الحساب كبير.
(يدخل السيارة، يغلق الباب بقوة، ويضغط على دواسة البنزين.
السيارة تبتعد بسرعة بين المنحدرات، تاركة خلفها صدى الموج وصوت الريح وكأن البحر نفسه ينوح معه.)
*******************
في – حرم الجامعة – في الساحة أمام مبنى كلية الإعلام
الجو دافئ والطلبة منتشرين هنا وهناك، بعضهم يضحك وبعضهم متجه للمحاضرات.
سليم يترجّل من سيارته بخطوات متثاقلة، نظراته شاردة، ملامحه منهكة وكأنه لم ينم الليل كله.
وبالقرب من إحدى الأشجار، كانت رؤى تنتظره، وإلى جانبها زين العطار الذي كالعادة يمضغ علكة ويعبث بمفاتيح دراجته النارية بملل.
زين (بصوت مرتفع وهو يلوّح):
أهو العريس وصل يا ستّي رؤى! 😏
كنتِ هتمشي وتسيبيه من غير ما تسأليه ليه لابس السواد ده النهارده ولا إيه؟ 😂
رؤى (تضربه على ذراعه بخفة):
زين! بطل هزارك شوية.
هو شكله تعبان بجد.
(سليم يقترب، يحاول رسم ابتسامة باهتة، صوته منخفض)
سليم:
صباح الخير.
رؤى (بقلق حقيقي):
صباح النور يا سليم… مالك؟ وشّك باين عليه التعب… كنت مريض؟
(يحاول التهرب بابتسامة مصطنعة)
سليم:
لا خالص… بس ما نمتش كويس، يمكن عشان ضغط الدراسة شويّة.
زين (يرفع حاجبه بمكر):
ضغط الدراسة؟ 😂
هو الضغط بيخلي عيون الواحد حمرا كده وكأنه كان بيعيط طول الليل؟
قولّي يا رؤى، مش شكله كان بيبكي؟ 😏
(رؤى تلتفت له بسرعة، متوترة)
رؤى:
زين! اتأدب شوية، ده أكيد مرهق بس.
زين (ضاحك):
أهو أنا بسأل! يعني راجل وبيبكي؟ الدنيا اتشقلبت ولا إيه؟ 😂
(فجأة، سليم يخطو نحوه بهدوء غريب… ثم يفاجئه ويحتضنه بقوة.)
سليم (بصوت مبحوح):
تعرف يا زين…
مش عيب الراجل يبكي…
العيب إنه يكتم وجعه لحد ما يموت من جواه.
(زين يتجمّد في مكانه، مندهش تمامًا، بينما رؤى تضع يدها على فمها بدهشة.)
زين (يحاول التخفيف من الموقف وهو لا يزال مصدوم):
هوهّ… هوهّ يا عمّنا، اهدى بس 😂
أنا كنت بهزر! مش قصدي تخشّ في دراما تركية دلوقتي 😅
(سليم يبتسم ابتسامة باهتة ويتركه، ثم يجلس على مقعد قريب، يمرّر يده على وجهه بتعب.)
رؤى (تقترب منه بلطف، نبرة صوتها حنونة):
سليم… أنت مش بخير.
أنا حاسّة… في حاجة مضايقاك، صح؟
(ينظر إليها للحظة، يودّ أن يخبرها بكل شيء… ثم يبتسم بخفوت، كأنّه يخفي حربًا بداخله.)
سليم:
أنا بخير يا رؤى… بجد.
بس يمكن… محتاج أتنفّس شوية.
زين (يضحك، يحاول كسر التوتر):
طب تعالى نتنفس في الكافيتيريا 😂
هواها حلو ومليان قهوة، يمكن تفوق وتضحك شوية بدل الكآبة اللي ماشي بيها دي!
رؤى (بنصف ابتسامة):
فكرة حلوة، يلا بينا.
سليم ينهض ببطء، ينظر إليهما بحب حقيقي، وكأنه يرى فيهما الأمل الوحيد الباقي في حياته.
ثم يمشي بينهما بصمت، بينما زين لا يتوقف عن إطلاق النكات، ورؤى تراقب سليم بخوف وحنان في آنٍ واحد
********************
في
مقرّ المخابرات المصرية – الطابق الرابع – الصباح.
غرفة اجتماعات صغيرة مضاءة بإضاءة بيضاء باهتة. على الطاولة تنتشر ملفات مفتوحة وصور لفتاة صغيرة بعينين رماديتين وابتسامة خجولة… ليل زياد الشرقاوي.
يجلس اللواء آدم العطار، رجل في منتصف الخمسينات، بملامح حادة تعكس تعب السنين، وإلى جانبه الضابط الشاب جواد المصري، يراجع أوراقًا بتركيزٍ جاد.
آدم (يتنهد وهو يقلب في الملفات):
شهرين يا جواد… شهرين والبنت دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.
مشهد زي دا ما حصلش حتى في القضايا الدولية.
جواد (يحاول أن يبدو متفائلًا):
بس يا فندم، عندنا مؤشرات إنها اتنقلت من القاهرة بعد يومين من الاختطاف.
الكاميرات في الطريق الصحراوي الشمالي رصدت عربية سوداء من نفس المواصفات اللي كانت قُدام بيت زياد بيه ليلة الحادث.
آدم (ينظر له بحدة):
وبعدها؟ العربية اختفت من الرادار كالعادة، صح؟
جواد (يهز رأسه):
أيوه يا فندم، الإشارة اتقطعت بعد ما دخلت الطريق الساحلي عند مرسى مطروح.
من وقتها… مافيش أثر.
آدم (يضرب بيده على الطاولة):
مش طبيعي يا جواد، كل مرة نفس السيناريو!
نقرب من الخيط، يتقطع فجأة!
دي مش مصادفة، دي عملية متقنة.
جواد (بتردد):
أنا بدأت أفكر فعلاً يا فندم إن في حد من جوّه بيبلغ أو بيمسح الأدلة.
يعني تسريب داخلي.
آدم (ينظر له ببطء، بصوت منخفض):
بتقول خيانة؟
جواد:
احتمال، للأسف… مش حابب أقول كده، بس مفيش تفسير تاني.
اللي بيحصل منظم أكتر من مجرد صدفة.
آدم (ينظر نحو الحائط حيث صورة جماعية قديمة لضباط المخابرات):
(بحزن)
زمان لما فقدنا رائد القاسمي… كنت فاكر إننا خسرنا واحد من أنضف ولاد الجهاز.
شاب زي الدهب… ماكنش يعرف الغش.
(يتنهد)
كان صديقي قبل ما يكون ضابط تحتي.
جواد (بابتسامة خفيفة):
أنا اشتغلت مع رائد في مهمة قبل ما يموت… كان مثل أعلى لينا كلنا.
الله يرحمه.
آدم (بصوت ثقيل):
من يومها وأنا بوعد نفسي ما أسمحش إن جهازنا يتلوث بخيانة.
بس الظاهر في حد بيحاول يخليّنا نعيش الكابوس من تاني.
جواد (يفتح ملفًا جديدًا):
يا فندم… في حاجة غريبة.
كل مرة بنوصل فيها لمعلومة عن ليل، يكون رامي هو المسؤول عن المتابعة أو التنسيق مع الجهات الخارجية.
بس لما طلبت التقارير الأصلية… ما لقيتش أي توقيع منه على النسخ الأخيرة.
آدم (يرفع حاجبه):
رامي؟
(يصمت لحظة)
رامي ضابط شاطر… اشتغل مع رائد كمان قبل ما يموت.
مش ممكن يكون له علاقة بحاجة زي دي.
جواد (بحذر):
أنا مش باتهم حد، بس… لازم نراجع كل التحركات.
الموضوع بقى أكبر من مجرد خطف بنت.
حد بيلعب بينا، وبذكاء.
آدم (يجلس ببطء ويمسك كوب القهوة أمامه):
(بصوت هادئ لكنه مفعم بالعزم)
تمام، يا جواد.
من دلوقتي الملف دا يبقى بيني وبينك.
ولا رامي، ولا أي حد يعرف إننا بنراجع من جديد.
عايزك تبدأ من الصفر… كل مكالمة، كل بلاغ، كل خطوة.
جواد (بجدية):
اعتبرها بدأت يا فندم.
بس اسمح لي أقول حاجة…
آدم (يرفع نظره نحوه):
قول.
جواد:
أنا مؤمن إن ليل لسه عايشة.
مش بس إحساس… الأدلة اللي اتسربت متعمدة تبين إنها ماتت، وده دليل إنها مش كده.
حد عايزنا نصدق العكس.
آدم (بنظرة فيها أمل مكبوت):
(يبتسم ابتسامة حزينة)
ربنا يسمع منك يا ابني.
زياد بيه حالته بتتدهور كل يوم… الراجل ده شايف ليل زي روحه.
ولو عرف إنها راحت بسبّة إهمال مننا… مش هيغفرلنا.
جواد:
هنلاقيها يا فندم، أنا واثق.
بس لازم نعرف الأول مين اللي بيخفيها… ومين بيخفي الحقيقة.
آدم (ينهض، ينظر إلى الخريطة):
ومين بيستفيد من غيابها…
(يصمت لحظة، ثم يهمس)
يا رب… احمِ البنت دي، وورّينا طريقها قبل ما يفوت الأوان.
*******************
صوت طرق خفيف على الباب.
آدم (دون أن يلتفت):
ادخل.
(تدخل امرأة أنيقة في بدلة رسمية رمادية، شعرها البني مربوط للخلف، نظرتها حادة لكن فيها دفء، خطواتها واثقة، تعلق بطاقة تعريف على كتفها: العميدة نادين شرف – إدارة العمليات الخارجية.)
نادين (بابتسامة خفيفة):
صباح الخير يا آدم.
لسه بتعاقب الخريطة؟ ولا الخريطة هي اللي بتعاقبك المرة دي؟
آدم (يبتسم رغم توتره):
صباح النور يا نادين.
جيتِ في الوقت المناسب… كنت محتاج جرعة سخرية قبل ما أضرب نفسي.
نادين (تجلس بثقة):
واضح إنك ما نمتش من كام ليلة.
عينك فيها نفس الهالات اللي كنت بشوفها زمان قبل أي عملية كبيرة.
إيه الأخبار؟
جواد (واقف احترامًا):
صباح الخير يا فندم. العميدة نادين، تشرفنا.
نادين (تبتسم له بلطف):
أهلاً يا جواد، سمعت عنك كتير من اللواء آدم… بيقول إنك أذكى واحد عنده، وده نادر يحصل.
آدم (يتنحنح بجدية):
أهو ده اللي بيخليني أشك إن في مصيبة جاية، أول ما تمدح حد!
نادين (تضحك):
لسه نفس اللسان الساخر.
قول بقى، وصلتوا لإيه في قضية البنت؟
آدم (يجلس ويشير إلى الكرسي المقابل):
ولا حاجة جديدة.
كل خيط نمسكه بيتقطع فجأة.
البنت اختفت من على وش الأرض، وكأن في قوة بتسحبنا لورا كل مرة.
نادين (بهدوء وهي تفتح الملف):
ليل زياد الشرقاوي… سمعت عن القضية وأنا راجعة من مهمة برلين الأسبوع اللي فات.
بس ماكنتش متوقعة إنك أنت اللي ماسكها شخصيًا.
آدم (بصوت عميق):
زياد صاحبي، ونص روحي.
بنته زي بنتي… ماقدرش أسيب الملف لحد غيري.
نادين (تنظر له بنظرة مليئة بالتعاطف):
لسه زي زمان… بتربط الشغل بالقلب.
ده اللي كنت بخاف منه دايمًا فيك.
آدم (بابتسامة خفيفة):
وأنتِ لسه زي زمان… بتخلطي القسوة بالحكمة.
بس المرة دي مش هينفع أسيب العاطفة، يا نادين.
البنت دي بريئة، وأنا حاسس إنها عايشة.
نادين (تغلق الملف):
إحساسي زيك.
بس في حاجة غريبة في الموضوع… وأنا جاية لقيت في الإدارة إشارة متسربة من برلين بتاريخ الأسبوع اللي فات، ومصدرها جهة تابعة لنا هناك.
الإشارة كانت مشفّرة، بس الكود الداخلي المستخدم قديم… من اللي كان بيستخدمه رامي السيوفي.
آدم (ينتفض قليلًا):
رامي؟
(ينظر إلى جواد بسرعة)
هو مش المفروض في مهمة في ألمانيا من شهور؟
جواد (بدهشة):
هو فعلاً هناك يا فندم… بس المفروض شغله إداري بحت، ما يدخلش في ملفاتنا.
نادين (بعينين ضيقتين):
واضح إن شغله بقى أكتر من إداري.
بس الغريب… إن الإشارة اتقفلت بعد ثلاث دقائق من الإرسال، كأن حد لغى وجودها.
وحرفيًا، مافيش أي سجل رسمي إنها حصلت.
آدم (بصوت ثقيل):
يعني في احتمال كبير إن حد مننا… بيتلاعب في الملف.
نادين (بهدوء):
مش احتمال… ده شبه مؤكد.
بس لسه بدري نوجه اتهامات.
خلينا نلعبها بهدوء… نرصد التحركات، ونشوف هيوصلنا لمين.
آدم (ينظر لها بنظرة امتنان):
شكراً يا نادين.
كنت عارف إنك مش هتقصّري.
نادين (تبتسم بخفة وهي تنهض):
مش علشانك، علشان زين.
الولد بيحب البنت دي وبيحكيلي عنها كتير.
قال إنها طيبة، وشجاعة… شبهه في الاندفاع.
آدم (يضحك بخفة):
أهو طلع كل حاجة حلوة فيه منك.
نادين (تضحك):
ومن العصبية منك.
بس بجد يا آدم… خلي بالك، اللعبة دي أكبر من اللي باين.
لو فعلاً في ضابط من جوّا بيلعب، فده معناه إننا داخلين حرب صامتة من غير ما نعرف مين العدو الحقيقي.
آدم (بهدوء حازم):
وساعتها، نادين، العدو مش هيبقى بس جوّه الجهاز…
هيبقى جوّه حياتنا كمان.
********************
في فيلا الزهراوي– صباح مشمس دافئ رغم الحزن الذي يملأ المكان.
صوت العصافير في الحديقة يتداخل مع ضجيج خفيف من الشارع الخارجي.
في المطبخ، حور تقف أمام المائدة، تجهّز علب الطعام الصغيرة وتغلقها بعناية بينما تحاول أن تُخفي دموعها.
تدخل الخادمة بهدوء لتضع الحليب على الطاولة، ثم تخرج بصمت.
بعد لحظات، يظهر أدهم الصغير (12 عامًا) بزي المدرسة، حقيبته مرتبة بعناية، ملامحه تشبه والدته لكنه أكثر هدوءًا ونضجًا.
وخلفه بخطوات بطيئة يأتي مازن (10 سنوات)، يحمل حقيبته على كتفه بطريقة فوضوية، شعره غير مرتب، وعيناه حمراوان من البكاء.
مازن (بصوت مبحوح وهو يجلس على الكرسي):
ماما… مش رايح المدرسة النهارده.
حور (تنظر له بابتسامة حزينة):
ليه يا حبيبي؟
مازن (يخفض رأسه):
مش رايح قبل ما ليل ترجع.
أنا عايز ليل… عايزها تيجي دلوقتي.
(تتوقف حور عن ترتيب الطعام، وتغلق عينيها لحظة، ثم تقترب منه وتجثو على ركبة بجانبه)
حور:
يا قلبي، أنا كمان عايزاها… كلنا عايزينها.
بس ليل هتزعل لو سمعت إنك ما رحتش المدرسة علشانها، هي بتحب تشوفك شاطر وقوي.
مازن (يرفع رأسه بعناد):
بس هي وعدتني تودّيني الملاهي بعد الامتحانات!
وما رجعتش من ساعتها!
أكيد زعلت مني علشان أنا نسيت أقولها بحبها قبل ما تسافر 😭
حور (تغالب دموعها وتضمّه إلى صدرها):
يا حبيبي، ليل عمرها ما تزعل منك…
وهي ما سافرتش بعيد، هي بس راحت مكان مؤقت…
وهترجع قريب جدًا.
(يدخل أدهم الصغير بهدوء، يحمل كوب الحليب ويجلس بجانب أخيه)
أدهم:
مازن، ماما عندها حق.
لو ليل عرفت إنك بتعيط كل يوم ومش بتذاكر، هتزعل جدًا.
هي أكيد دلوقتي محتاجة دعواتنا مش دموعنا.
مازن (ينظر له بعينين دامعتين):
بس إنت دايمًا بتتكلم كأنك كبير…
ما بتحسش بيها زيي؟
أدهم (ينظر للأرض ثم يهمس):
بحس… كل يوم بالليل قبل ما أنام بدعي ربنا يرجعها…
بس ما بعيطش
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 12
في قصر مراد السري – تحت، في مكتب ضلمة وإضاءة خفيفة
مراد قاعد على الكنبة الجلد، بيلعب بخاتمه الدهب وعينه كلها نار.
نديم واقف جنب الشباك، بصص في السواد برا وكأنه شايف نهايته بتيجي.
مراد (بهدوء فيه سم):
عارف يا نديم… ساعات الخطة الكبيرة ما يبوظهاش العدو…
اللي يبوظها الغبـي اللي حواليك.
نديم (يلفله ببرود مصطنع):
تقصد حد بعينه يا باشا؟
مراد (يضحك خفيف):
أقصد؟ لا يا نديم… أنا بعلن.
أدهم الزهراوي… بقى يلف ويدور كتير.
أسئلته عن العقود القديمة… طريقته فبصتي… شكه واضح.
الولد بقى يشم ريحة حاجة.
نديم (يبلع ريقه):
بس ده مش معناه إنه عرف الحقيقة… يمكن مجرد شكوك…
مراد (يقطعه بعصبية باردة):
والشك ده هو أول شرارة!
وأنا ما بسيبش شرارة تولع فيا بعدين!
(يقوم ويقرب منه ويهمس ببرود قاتل)
وبعدين… مش هو بس.
سليم كمان.
نديم (مستغرب):
ابنك؟
مراد (بضحكة سودا):
ابني؟ متقولش الكلمة دي قدامي.
أنا لا ربيته ولا عمري شوفته ابني.
بس كمان بيلعب في اللي مش ليه.
و… نرمين برضه.
نديم (قلق):
مراتك؟ عرفت حاجة؟
مراد (بضحكة مت冰ة):
أيوه… الست فكرت تفتح موضوع قديم.
بس علمتها الدرس.
السكوت أجمل… خصوصًا وهو محطوط تحته تهديد.
يطفي السيجارة في فنجان قهوة فاضي كأنه بيطفي روح حد
نديم (يحاول يخبي اللي جواه):
طب… هتعمل إيه؟ لو أدهم عرف… ممكن يوصل لزياد… أو الأسوأ… للمخابرات.
مراد (يرجع يقعد ويشرب):
متقلقش يا نديم.
أنا ماسك الدنيا من رقبتها.
واللي يقرب من مراد الشرقاوي…
يتدفن حيّ.
(يشرب تاني)
ودورك لسه مخلصش.
تراقب أدهم من قريب…
يتحرك شعره؟ أنا عايز أعرف قبل الهوا ما يعدي عليه.
نديم (يوطي راسه):
أوامرك يا باشا.
في سره:
إنت فاكرني هفضل كلبك؟
ده أنت الغبي… وقريب قوي هتقع…
وأنا أول واحد أدوس على رقبتك.
مراد (يحس بنبرة في صوته، يبصله طويل):
مالك؟ وشك اتغيّر… خايف؟
نديم (ضحكة متوترة):
لا خالص… تعبان بس.
مراد (بنظرة احتقار):
التعب للضعاف.
وأنا ما بحبش الضعاف حواليّ… افتكر ده.
يمشي ناحية الباب، يقف لحظة قبل ما يفتح:
مراد (بغرور قاتل):
خليك جنبي يا نديم…
لإن اللي يقف ضدي… عمره ما يكمل لآخر الأسبوع.
مراد يخرج.
نديم يفضل واقف لوحده، النفس طالع ناري، يقول بصوت واطي وهو عينه سودا من الغل:
نديم (بحقد):
ماشي يا مراد…
خَلّيها تموت…
بس أول جثة في اللعبة دي…
هتكون إنت.
******************
في
فيلا عائلة كامل بن رامي – الجزائر العاصمة، ضاحية “الدار البيضاء”.
الفيلا فخمة لكنها تحمل طابعًا مغاربيًا أصيلًا: جدران بيضاء، نوافذ زرقاء مزخرفة، فناء واسع تتوسطه نافورة صغيرة وصوت العصافير يملأ الأجواء.
ريما تجلس في الشرفة مع والدة زوجها الحاجة زليخة، وعمّته سميرة، بينما كامل يطلّ من الداخل ببدلته الرمادية وهو يراقبهما بحبّ.
الحاجة زليخة (تسكب القهوة وتبتسم):
"ذُوقي يا بنتي، راهي قهوتنا ما كيف قهوة مصر، ثقيلة شوية." ☕
ريما (تضحك بخفة وهي تأخذ الفنجان):
"بل بالعكس يا حاجة، ريحتها تشهي! أنا صرت مدمنة على القهوة الجزائرية من أول ما جيت."
سميرة (مازحة):
"إييه، باين عليكِ تأقلمتِ بسرعة، حتى لهجتك بدات تتغيّر!" 😂
ريما (تضحك):
"يمكن لأنّي ارتحت معاكم... حسّيت كأني بين أهلي."
كامل (يدخل وهو يضع يده على كتفها):
"وأنا قلتلك من قبل، دار بن رامي ما تكونش دار غريبة، راهي دارك يا ريما."
الحاجة زليخة (تهز رأسها برضا):
"ربي يهنيكم يا وليدي، والله يا ريما من نهار دخلتي علينا والنور دخل الدار. دايمًا متواضعة، مؤدبة، وما ترفعيش راسك على حد."
ريما (بخجل):
"الحمد لله... تربيت أكون بسيطة مهما كان أصلي أو اسم والدي."
(تسكت للحظة، يمر طيف حزن خفيف في عينيها)
"الشهرة أو المال ما تصنعش إنسان، اللي يصنعه قلبه."
كامل (ينظر إليها بعاطفة صادقة):
"وهذا أكثر حاجة خلتني نحبك، طيبتك، صفاء نيتك."
سميرة (تغمز له ممازحة):
"واش بيك يا كامل؟ ما شاء الله عليك، راك شاعر اليوم!" 😂
كامل (ضاحكًا):
"خليوني نفرّح مرتي شوي، تستاهل."
ريما (تبتسم بخجل وتخفض نظرها):
"ربي يخليك ليا يا كامل."
(في تلك اللحظة، يقترب عبد القادر، والد كامل، رجل وقور في أوائل الستينيات)
عبد القادر:
"وش بيكم دايرين جلسة عائلية بلا ما تعيطولي؟"
الحاجة زليخة (بمرح):
"جيت في الوقت المناسب، راهي ريما كانت تمدح في بلادنا."
عبد القادر (يبتسم لريما):
"وأنا متأكد أنها راح تزيد تزينها بحضورها. مرحبا بيك ديما بنتي."
ريما (تنهض باحترام):
"الشكر ليكم، أنتم عائلتي الثانية، ويمكن... الوحيدة اللي حَسّيت معاها بالدفء."
(يسود صمت خفيف، يتبادلون النظرات، الكل يدرك أنها تقصد والدها البعيد الذي لا علاقة لها به الآن.)
كامل (يغيّر الجو بسرعة):
"يلا، واش رايكم نخرجوا شوية للبحر بعد الغداء؟ الجو اليوم شمس، يبرد القلب!"
سميرة:
"فكرة هايلة! ونخلي ريما تذوق “كعك النقاش” اللي وعدتها بيه."
ريما (تضحك بسعادة):
"أنا موافقة على طول! بس بشرط، أنا اللي أجهز الشاي هذه المرة!"
الحاجة زليخة (بابتسامة حنونة):
"اتفقنا يا بنتي، اليوم الدار فيها فرحة."
******************
الجو مغربي هادئ، أذان العشاء يُسمع من بعيد، والسماء بلونٍ أرجواني دافئ.
تجلس ريما الشرقاوي في شرفة الغرفة المطلة على البحر، ترتدي قفطانًا جزائريًّا أنيقًا من اللون الأزرق الغامق، شعرها مربوط بخفة، ووجهها يحمل ملامح راحة وسكينة بعد يومٍ طويل من الزيارات العائلية.
كامل خرج في مكالمة عمل، والعائلة منشغلة في الطابق السفلي.
(تتناول فنجان قهوة وتبتسم بخفة وهي تنظر إلى البحر.)
ريما (بهمس):
"يا ريت الزمن يوقف هنا... أول مرة أحس بالأمان كده."
(يرن هاتفها فجأة على الطاولة. رقم مجهول. تتردد لحظة قبل أن ترد.)
ريما:
"ألو؟"
الصوت (غامض، رجولي، هادئ):
"أنتِ ريما الشرقاوي؟"
ريما (بصوت متحفظ):
"نعم، من معي؟"
الصوت:
"مش مهم تعرفي أنا مين... المهم تسمعي كويس اللي هقوله."
ريما (بقلق):
"اتفضل؟"
الصوت (ببرود خطير):
"أبوكِ مش البريء اللي انتي مصدقاه... أبوك هو اللي قتل المقدم رائد القاسمي... وهو اللي حرّض على خطف بنت زياد الزهراوي."
(تجمدت ملامحها، يتجمد الدم في عروقها، تتسع عيناها بذهول.)
ريما:
"إيه؟! إنت بتقول إيه؟! دي تهمة خطيرة! من أنت؟"
الصوت (هادئ، كأنه يبتسم):
"اسأليه بنفسك... لو عندك الجرأة."
(وتُغلق المكالمة.)
(ريما تبقى ممسكة بالهاتف، أنفاسها تتسارع، ويدها ترتجف. تضع الهاتف ببطء على الطاولة، وتجلس على الكرسي، تحدق في الأفق دون تركيز.)
ريما (بهمسٍ مخنوق):
"بابا؟... مستحيل... مستحيل تعمل كده..."
(تنهض فجأة، تمشي بخطوات مضطربة نحو الشرفة، الهواء يضرب شعرها، تتشبث بسورها المعدني بقوة.)
ريما (بصوتٍ منخفض متقطع):
"لو كان ده حقيقي... يبقى أنا كنت عايشة في كدبة... طول عمري بدافع عنه... بدافع عن قاتل؟!"
(تجلس على الأرض، ظهرها للحائط، تضع يديها على وجهها، والدموع تتساقط بصمت. تصدر أنفاسًا متقطعة وهي تحاول السيطرة على نفسها.)
ريما (بين دموعها):
"ليه دلوقتي؟ ليه وأنا بدأت أعيش حياة جديدة؟"
(تلتقط هاتفها من جديد، تفتح سجل المكالمات، تحدق في الرقم المجهول، ثم تغلقه. تتردد في الاتصال بوالدها… إصبعها يتوقف عند زر الاتصال ثم تتراجع.)
ريما (بهمس):
"لا... مش دلوقتي... لازم أعرف الحقيقة الأول... لازم أتأكد."
(تنهض ببطء، تمسح دموعها بمنديل، تنظر لنفسها في مرآة الزجاج.)
ريما (بحزم):
"أنا مش بنت ضعيفة... مش زي ما
هو فاكر... لو كان بابا فعلاً عامل كده، هكون أول واحدة تواجهه."
تأخذ نفسًا عميقًا، تغلق الهاتف، وتضعه في الدرج، ثم تفتح الستائر لتدع نسيم البحر يدخل الغرفة، كأنها تحاول تهدئة روحها المشتعلة
*******************
فيلا عاصم – ألمانيا
الساعة حوالي أربعة العصر
الدنيا برّه مغيمة، والتلج بينزل خفيف، والدفا مالي المكان رغم التوتر اللي مالي القعدة.
ليل قاعدة على الأريكة، حاطة رجل على رجل، ماسكة فنجان قهوة من غير ما تذوقه، وعنيها ثابتة على نار المدفأة كإنها بتفكر تولّع في الدنيا.
جنبها نيروز بترتب الورد على الترابيزة الإزاز، بتحاول تفك شوية التقل اللي في الجو،
وربـى قاعدة على الكرسي المتحرك عند الشباك، وِشّها هادي، بس عنيها بتأكل كل تفصيلة حوالينها بذكاء مخيف.
رامي واقف عند الباب، ماسك تليفونه، بيكتب بسرعة وبعدين يرفع راسه لهم بابتسامة هادية حذرة.
رامي (مبتسم بخفّه):
شكله عاصم وصل المطار خلاص… سليم وبيجاد على بعد نص ساعة وهيوصلوا.
ليل (ترفع حواجبها وتبص له ببرود):
سليم وبيجاد؟! أسماء جامدة، بس قولّي… دول أصحاب؟ ولا شركا في جرايمه؟
نيروز (تحاول تهزر بهدوء):
يا ليل بالله عليكي كفاية شك بقى 😅
دول صحابه من مصر… ناس محترمين جدًا على كلامه.
ليل (تضحك بسخرية):
محترمين؟ كلمة كبيرة لأصدقاء راجل زيه.
وبعدين جايين ليه؟ يشهدوا على جوازي بالغصب مثلًا؟
رامي (ياخد نفس ويحاول يهدّيها):
ليل… مش كل حاجة حرب. هو معاهم علشان الشغل اللي ناوي يعمله هنا… وكمان يمكن—
ليل (بتقطعه بسرعة وبحدة):
يمكن يصفقولّه وهو بيجبرني على حاجة أنا رافضاها؟!
نيروز (تلطف الجو وتقعد جنبها وتحط إيدها على كتفها):
اسمعي يا ليل… محدش هيقدر يغيّر جواك حاجة غصب. بس إهدي شوية، العصبية بتاكل فيكي.
ليل (تنظر لها بعينين مولّعين):
أنا مش عصبية…
أنا بس فهمت إن العجز مش في ربى… العجز فينا إحنا، سايبينه يعمل اللي هو عايزه من غير ما حد يفتح بقه.
نيروز (بصوت واطي):
يمكن السكوت ساعات بيحمي الناس اللي بنحبّهم.
ليل (ضحكة مكسورة وسخرية):
بيحميهم؟ ولا بيحولّهم عبيد عنده؟
رامي (يحاول يهدّي الجو):
ليل، بلاش كده… سليم وبيجاد مش أعدائك.
وبيجاد… ده محترم قوي على فكرة.
(ربـى أول ما تسمع الاسم عنيها تنور وتبتسم ابتسامة صغيرة مريبة)
رامي (يلتفت لها وهو بيبتسم بخفّه):
شايفة؟ حتى ربى فرحانة لما سمعت اسمه.
ليل (ترفع حاجبها وتسخر):
الله! حتى الصامتة ليها رأي.
وقولي… هو وسيم زي الباقي؟ ولا نسخة تانية من عاصم؟
نيروز (بتضحك):
بيقولوا عليه قلبه طيب قوي… مش زي عاصم خالص.
ليل (بهمس ساخر):
مافيش طيبين هنا… كله بيفوق ويطلع وشّه الحقيقي.
رامي (بهدوء وجدية):
بس ممكن الزيارة دي تبقى أول خطوة لنهاية اللعبة دي كلها.
(صمت… صوت الهوا برّه… صوت عربية توقف قدّام الفيلا)
نيروز (ابتسامة متوترة):
شكلهم وصلوا…
ليل (ببرود):
يلا… يبدأ العرض.
تحط الفنجان وتعدل قعدتها، شكلها متماسك بس جواها عاصفة غضب.
وربـى لسه مبتسمة بهدوء… كإنها عارفة اللي هيحصل ومبسوطة تشوفه.
******************
يدخل عاصم الأول بخطوات واثقة، وراه سليم القيصري ببدلته السودة ونظراته اللي تحسها تخترق الجدران، وبيجاد بوشّه الطيب وابتسامته الهادية.
رامي جري عليهم فرحان بجد:
رامي (بحماس):
يا سلام بقى! أخيرًا نورتوا يا ولاد الكلب 😂
(يحضر سليم بالأحضان وبعدين بيجاد)
بقالنا كتير ما جمعناش تحت سقف واحد يا رجالة!
سليم (بضحكة ودفئ):
وأخيرًا شفناك يا رامي… لسه نفس الوش اللي يضحك وقت البلاوي 😄
بيجاد (بيهزر بهدوء وهو يربت على كتفه):
وإنت دايمًا طيب القلب يا رامي… وحشتنا والله.
رامي (يبص لعاصم ويضحك):
أنا؟ ده هو رئيس الشياطين دلوقتي 😅
عاصم (يضحك بخفوت):
ماشي يا رامي… بس متبعدش عني عشان لما النار تولع متقولش ما لحقتش أجري.
(ضحك خفيف… وبعدين كل الأنظار تروح ناحية البنات:
ليل واقفة، مكمّشة دراعها في بعض وتبص ببرود ناري.
نيروز واقفة مكسوفة ومتوترة،
وربى بتلمع عينيها أول ما شافت بيجاد.)
عاصم (بهدوء رسمي):
خلّيني أعرّفكم…
دي ليل الزهراوي… والست اللي هتبقى مراتي.
(الجو يتجمّد. ليل وشّها يتعصب فجأة، وسليم وبيجاد يبصوا لبعض مستغربين.)
ليل (بحدة):
مراتك؟! إوعى تقولها تاني. مش هكون، ولا عمري هكون!
عاصم (هادئ ومتكبّر وهو يقرب منها):
قولي اللي إنتي عايزاه يا ليل… في الآخر القرار مش بإيدك.
ليل (بعينين مولّعين):
القرار بإيدي أنا! رجّعني أهلي مصر… وأنا هختفي من حياتك للأبد.
عاصم (بسخرية ناعمة):
بتحمي نفسك؟ من إيه بس؟
(يقرب منها ويهدي صوته)
أنا مش ناوي أخسرك.
(ليل تبص بعيد، نار بتغلي جواها. نيروز تتوتر أكتر.)
عاصم (يلتفت للجميع):
ودي… نيروز.
سليم، هي هتبقى مراتك.
نيروز (مصعوقة):
إيه؟! أنا… لا… أنا مش—
(تسكت، وشها يشحب. رامي يفهم فورًا إنها موجوعة… لأنها بتحب عاصم أصلاً.)
سليم (يحاول يهدي الجو):
بصراحة القرار مفاجئ… بس يا رب يكون خير.
عاصم (يرجع يبتسم بثقة):
وآخر قرار…
ربى. أختي الصغيرة…
بيجاد، هي أمانتك.
(يروح لعند ربى، يحنّي راسه عليها ويحط إيده على كتفها بحنية غريبة.)
عاصم (بنبرة شبه أبوية):
إنتِ تستاهلي راحة مش لاقيها في الدنيا… وبيجاد هيعرف يحافظ عليكي.
(ربى عنيها تتملي دموع، وتهز راسها بخجل وفرحة.
بيجاد يحس بقشعريرة وتأثر.)
ليل (بغضب مكبوت):
قرارات! كإننا كروت في إيدك!
(تنفجر)
إحنا بني آدمين يا عاصم مش لعبتك!
عاصم (ببرود):
كل ده علشان أحميكم.
بس واضح إن في ناس لسه مش فاهمة.
(ليل تكتم انفجار، نيروز تاخد خطوة ورا وهي على وشّها كسرة قلب.)
فجأة رامي يقطع الجو:
رامي (يعمل نفسه بيعيط):
آاه يا قلبي! يعني توزّع بنات على الناس وأنا آخر الصف؟! 😭
فين حقي يا عاصم؟ 😂
(الجو يفك، ضحكة خفيفة، حتى سليم وبيجاد يبتسموا.)
عاصم (بنظرة فيها لعب):
دورك جاي يا رامي…
بس شدّ نفسك، الليلة لسه طويلة.
ليل تبص فيهم كلهم كإنها محاصَرة،
ربى لسه مبتسمة بخجل،
نيروز تغرق في صمت
*******************
أوضة ليل – الدور اللي فوق في فيلا رامي، ألمانيا
الليل نازل تقيل، والهوا بيخبط في ستاير البلكونة البيضا.
الأوضة مليانة توتر ساكن… كإن الحيطان نفسها مكتّفة غيظ.
ليل واقفة قدّام المراية، إيديها بترتعش وهي بتمسح دموعها بعصبية.
على الترابيزة العطور والكتب مرميين… وفجأة تمسك إزازة عطر وترميها في الحيطة.
الإزاز اتكسر، والريحة المالية المكان فخمة بس فيها لسعة وجع وحرقة.
ليل (بتصرخ بغضب جامد):
يتجوزني غصب؟! هو فاكر نفسه مين؟! أنا مش ملكه… ولا لعبة في إيده!
(بتتنفس بسرعة، نفسها متقطع، تضرب المخدة بقبضتها الصغيرة، وبعدين تقع على الأرض وهي بتتكلم من بين دماوعها)
ليل (بصوت مكسور بس فيه نار):
والله… والله ما هسيبه… هيدفع التمن غالي!
(الباب بيفتح بهدوء، نيروز تدخل بخطا صغيرة مترددة، وشها شاحب وعنيها حمرا من العياط)
نيروز (بهمس):
ليل… كفاية بالله عليكي. كده هتتعبي نفسك.
ليل (بترفع راسها بسرعة):
إنتي شايفة اللي عمله فينا ده طبيعي يا نيروز؟! بيقرر مصيرنا كإننا عيال… ولا كإنه بيشتري شقة!
(بتقوم واقفة)
إنتي عايزة تسكتي؟ أنا مش هسكت… مش بعد اللي حصل!
(نيروز تقعد على طرف السرير، صوتها واطي وتعبان)
نيروز:
أنا… أنا ما استوعبتش الكلام لما قال إني هتجوز سليم.
(تغمض عنيها ودمعة تنزل)
كنت أتمنى لو قال اسمي… بس معاه هو، مش حد تاني…
(ليل تتجمد ثانية، وبعدين تقرب تقعد جنبها وتاخد كتفها بإيدها)
ليل (بنعومة غريبة):
إنتي بتحبيه، صح؟
(نيروز تهز راسها بخفوت والدمعة تنزل في صمت)
ليل (بحماس خافت):
طب اسمعي… نهرب! ناخد ربى ونمشي من هنا قبل الفجر… نروح أي حتة ونبدأ من جديد!
ألمانيا واسعة… محدش هيعرف يوصلنا!
(نيروز تبص لها بصدمة وتهز راسها بقوة)
نيروز (بحزم نادر):
لأ يا ليل!
الهروب مش حل… ده هيخليهم يجروا ورانا، وربى تتأذي.
أنا مش هخلي ربى تدفع تمن غضبنا!
(ليل تسكت شوية، ملامحها بين القهر والتفكير، وبعدين تقوم تبص من الشباك ع المطر)
ليل (بصوت هادي لكنه مجروح):
يعني هنفضل عايشين أسرى قراراتهم؟
كإننا ولا حاجة؟
(نيروز تقوم وتمد إيدها تمسح دموعها)
نيروز:
لأ… بس ساعات الصبر هو السلاح الوحيد.
(بتبتسم بحزن)
يمكن ربنا يغير المكتوب.
(ليل تبصلها، عنيها فيها ذكاء وشررة مكر، وتبتسم خفيف)
ليل (بهمس متزغلل مكر):
يمكن… بس أنا مش هستنى القدر.
أنا اللي هغيره.
(ترجع تبص للمراية، تبتسم ابتسامة صغيرة كلها تحدي)
ليل:
استعد يا عاصم… اللعب ابتدى.
(صمت… صوت المطر بيخبط ع الزجاج، ونيروز واقفة وراها، قلبها متلخبط بين الخوف والذهول)
**********************
أوضة رامي – الدور التاني في فيلته الهادية بألمانيا.
الدنيا برّه برد، والمطر شغال من المغرب، بس جو الأوضة دافي من المدفأة… دافي كده بطريقة فيها راحة وحزن في نفس الوقت.
رامي قاعد على الكنبة، ماسك فنجان قهوة نصّه فاضي.
نيروز تخبط على الباب بخفّة.
رامي (بهدوء):
ادخلي يا نيروز.
(تدخل ببطء، تبص حواليها وبعدين تقعد جنبه. ملامحها مرهقة، وعنّيها حمرا من العياط اللي بتحاول تخبّيه)
نيروز (بكسوف):
اخدتني من قدّام ليل كإنك زعلان مني يا رامي… في إيه؟
(يبتسم بهدوء ويحط الفنجان، يوجّه نظره ليها باهتمام كامل)
رامي:
مش زعلان يا نيروز… بس كان لازم أكلمك بعيد عن أي حد.
(تنزل بعنيها، كإنها فاهمة هو هيقول إيه. صوته ييجي ناعم بس ثابت)
رامي:
أنا عارف يا نيروز… عارف إنك بتحبي عاصم.
(هي تتجمّد، عنيها توسع بخجل وتوتر، تعض شفايفها)
نيروز (بهمس):
أنا… أنا ما قلتش كده…
رامي (بابتسامة حنون):
مش لازم تقولي. أنا أخوكي. بعرف نظرتك، بعرفك من وانتي صغيرة.
بس لازم تفهمي يا نيروز…
عاصم مش شايفك أكتر من أخته الصغيرة… زي ربى بالظبط.
(دمعة تنزل من غير ما تحس، صوتها متكسر)
نيروز:
عارفة… بس كنت بحلم… يمكن يتغير… يمكن—
رامي (بلطف يقطعها):
مفيش يمكن يا حبيبتي.
هو راجل تاني… دماغه مليانة حرب وانتقام وجروح لسه ما التأمتش.
ما تضيعّيش عمرك مستنيا كلمة منه.
(هي تتنفس بصعوبة، تمسح دموعها بسرعة، بس رامي يمسك إيدها برفق زي الأب)
رامي (بدفا):
أنا مش هسمح لحد يكسرك… لا هو ولا غيره.
وعشان كده… لما قلت إن سليم القيصري هيتقدملك، ما اعترضتش.
عشان عارفه… وعارف قلبه.
شاب كويس، محترم، شجاع… وهيخاف عليكي أكتر من نفسه.
(تبصله بدهشة حزينة)
نيروز:
سليم؟ بس أنا ماعرفوش كويس…
وكمان… أكيد بيحب حد تانية ولا—
رامي (مقاطع بابتسامة تطمّن):
لأ، ما بيحبش حد.
ويمكن مع الوقت يحبك… وإنتِ كمان تلاقي فيه اللي عمرك ما لقيتيه عند حد تاني.
بس لازم تديه فرصة… ما تحكميش قبل ما تشوفي.
(هي تسكت لحظة… وبعدين دموعها تنزل تاني وهي بتدفن وشها في إيديها)
نيروز (بصوت متهدّج):
أنا تعبت يا رامي… بعد بابا وماما، مافضلش غيرك.
كنت بخاف من كل حاجة… وانت كان وجودك بيطمنّي.
ما تتخيلش خوفي لو حصلك حاجة…
(رامي يسحبها بهدوء لحضنه، يمسح على شعرها بحنان)
رامي (بصوت عميق مليان حب):
يا بنتي الصغيرة…
أنا ممكن أروح في أي وقت. ده شغلي وده قدري.
بس عايز أبقى مطمن إنك مش لوحدك… إن حد هيخاف عليكي لما أنا مش أكون.
وسليم هيبقى سند… زيي بالظبط.
(ترفع راسها تحاول تبتسم وسط الدموع)
نيروز (بهمس ضعيف):
طيب… لو ده يريحك… أنا موافقة.
بس مش عشاني… عشانك.
بس لو زعلني… هتقوم من قبرك وتزعقله، صح؟
(يضحك بخفة)
رامي:
طبعًا!
ده لو فكّر يزعلك بس، هتلاقيني نازل له من السما بالعصاية!
(تضحك غصب عنها، تمسح دموعها، وتسنُد راسها على كتفه في هدوء)
رامي (بصوت واطي):
كل اللي بطلبه منك… عيشي يا نيروز.
ما تديش الحزن فرصة يسرق شبابك.
والحب؟ عمره ما بييجي من مكان واحد…
ساعات القدر بيبعته من باب ما نتوقعهوش.
*****************
في مصر العطّار – المساء – نسمة خفيفة تعبق برائحة اللافندر القادمة من الحديقة
صوت دراجة نارية يشقّ سكون الحيّ الراقي، تتوقف أمام بوابة الفيلا الأنيقة. يخلع زين العطّار خوذته، ينفخ خصلة من شعره البني التي التصقت بجبينه بسبب العرق، ثم يدخل بخفة شابٍ لا تفارقه خفة الدم رغم التعب.
زين (ينادي بصوت مرتفع وهو يضع سترته الجلدية على الأريكة):
يااااااااااه… البيت ريحته أكل! مستحيل تكون المدام نادين بنفسها في المطبخ، ولا أنا بحلم؟ 😏
صوت خفيف يخرج من المطبخ، مزيج بين ضحكة أنثوية ووقع أدوات الطهي.
تخرج نادين، في الأربعينات من عمرها، ملامحها قوية وناعمة في الوقت نفسه، ترتدي بنطال جينز وقميص أبيض بسيط، وشعرها مرفوع للأعلى. في يدها ملعقة خشب، وعلى وجهها ابتسامة لم يرها زين منذ أسابيع.
نادين (بابتسامة دافئة):
مش حلم يا بطل، أنا فعلاً رجعت بدري النهارده. حبيت أعمل لكم أكلة على مزاجي قبل ما يبرد البيت من غيري.
زين (يفتح ذراعيه كطفل):
مش مصدق! أمي نادين بنفسها في المطبخ؟ لازم أصور اللحظة دي وأعلقها في التاريخ! 😍
نادين (تضحك وتضع الملعقة على الطاولة):
تعال هنا بدل ما تصورني، تعالى خُد حضن من أمك اللي اشتاقت لك.
يركض نحوها بسرعة، يحتضنها بقوة، يدفن وجهه في عنقها كطفل صغير.
زين (بصوت مبحوح خفيف):
وحشتيني يا ماما… والله وحشتيني جدًا.
نادين (تربّت على شعره):
وأنت أكتر يا قلبي… ما تتصورش قد إيه الشغل قاتل، بس لما شفتك دلوقتي كل التعب راح.
زين (يبتعد عنها قليلًا وينظر إليها بعيون لامعة):
يعني النهارده هنأكل أكل بيتي مش طلب دليفري؟ يا سلام! أنا هعيّط من الفرحة. 😭😂
نادين (بضحكة):
مش للدرجة دي يا ممثل، بس فعلاً النهارده عاملالكوا كوسة محشي وشوربة عدس على الطريقة اللي بتحبها.
زين:
الله! ده أنا لازم أعمل حفلة استقبال ليك. بس فين بابا؟ كالعادة في الشغل؟
نادين (تنهد خفيف):
أيوه، آدم لسه في الميدان، عنده خيوط جديدة في قضية الزهراوي دي. شكله مش هيرجع قبل نص الليل.
يتنهد زين، ثم يجلس على الكرسي أمامها.
زين (بشيء من الجدية):
يا ماما… بابا بيضغط نفسه جامد أوي الأيام دي. وبصراحة… أنا مش مرتاح للقضية دي، كلها غموض.
نادين (تنظر له بحنان):
عارفة يا زين، بس دي شغلتنا… وإنت عارف إن آدم لما يمسك قضية ما بيسيبهاش إلا لما يطهرها من كل خطر.
زين (يحاول المزاح لتغيير الجو):
طيب وأنا بقى؟ مش المفروض تبطلي تتجسسي على المجرمين وتبدئي تتجسسي على ابني المسكين؟ 😜
نادين (تضحك):
أنت آخر واحد أقدر أتجسس عليه، واضح إنك مش بتخبي حاجة أصلًا.
زين (يرفع حاجبه):
أكيد! أنا كتاب مفتوح، مكتوب عليه بخط عريض "زين الجميل، ضحية النظام الغذائي الرديء وأم ضابط مخابرات خطيرة."
نادين (تهز رأسها مبتسمة):
لسانك ده هيودينا في داهية في يوم من الأيام.
زين (بحنان):
بس بجد… لما بدخل وألاقيكِ هنا، الدنيا بتبقى أمان أكتر. بحس إن البيت بيتنفس.
نادين (بصوت ناعم، تمسح على خده):
وأنا لما أشوفك، بحس إن كل اللي عملته في حياتي ليه معنى. أنت وسام على صدري يا زين.
زين (يمسك يدها):
أحبك يا أمي.
نادين:
وأنا أكتر يا حبيبي. يلا قوم غيّر هدومك قبل الأكل، وإياك تدخل المطبخ قبل ما أنده لك.
زين (وهو يمشي نحو الدرج بابتسامة):
أوامرك، سيدة العمليات الخاصة 😎… بس أوعي تنسي تزودي الشطة في العدس زي كل مرة!
نادين (تضحك من المطبخ):
الشطة اتضافت يا سي السيد، روح بقى قبل ما أرجعك للتدريب الميداني!
ينطلق زين إلى غرفته وهو يضحك، بينما نادين تنظر نحوه بنظرة أمٍ مفعمة بالفخر والخوف في الوقت نفسه — فهي تعلم أن الغد قد يحمل لهما مهمة جديدة… أو فراقًا جديدًا.
****************
في فيلا مازن الزهراوي – ضاحية راقية في أطراف القاهرة – الليل يلف المكان بهدوء ناعم
الهواء يمرّ برقة بين أغصان الياسمين التي تتدلّى على شرفة غرفة المعيشة الواسعة.
الأنوار خافتة، والجو مفعم بدفء منزلي ناعم، وصوت فيروز ينساب من مكبر الصوت بصوتٍ منخفض.
يجلس مازن الزهراوي على الأريكة الجلدية، مرتديًا قميصًا رماديًّا مفتوح الأزرار عند العنق، ينظر بشرود إلى صورة موضوعة على الطاولة — صورة تجمعه بشقيقته حور وزوجها زياد وفتاتهما الصغيرة ليل، في إحدى النزهات القديمة.
تدخل ملك، زوجته الجميلة، في الثلاثينات من عمرها، بشعرها الكستنائي المنسدل على كتفيها وابتسامة حزينة، تحمل كوبين من الشاي بالنعناع.
ملك (بصوت رقيق):
مازن… لسه بتبص على الصورة دي كل ليلة؟
مازن (يتنهد بعمق، دون أن يرفع عينيه):
مش قادر يا ملك… كل مرة أشوف ضحكتها الصغيرة كأنها بتندهلي… "خال مازن، شوفني شطور ازاي!"
كانت دايمًا تناديني كده، فاكرة؟
ملك (تجلس بجانبه وتضع الكوب أمامه):
فاكرة، طبعًا فاكرة… ليل كانت روح البيت، مفيش طفل في العيلة ما بيحبهاش.
مازن (بحزن):
عدّى تلات شهور يا ملك… ولا خبر. لا أثر، لا صوت، ولا حتى أمل.
زياد بيحاول يخبي يأسه، بس أنا حاسس بيه… بيعيش ميت كل يوم.
ملك (تمسك يده وتضغط عليها بحنان):
بس أنت عارف إن زياد مش من النوع اللي يست
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 13
في تاني يوم، كانوا كلهم قاعدين حوالين السفره الكبيرة: عاصم، رامي، بيجاد، سليم، ليل، نيروز، وربى على كرسيّها المتحرّك.
الجو كتم، والكل بيحاول يتصرف عادي… لحد ما عاصم قطع الصمت بنبرة تقيلة وهادية بس تخوّف:
عاصم (بيبص عليهم، صوته ثابت بس مرعب): النهارده… اليوم اللي مستنيينه. كتب الكتاب بعد الضهر. كل واحد فيكم عارف دوره. مفيش وقت لا لتفكير ولا كلام.
نيروز (بصوت واطي، متوترة): كتب كتاب؟! يعني بجد… النهارده؟!
رامي (يحاول يهدي الجو بابتسامة باردة): عاصم دايمًا بيحب المفاجآت… بس كان يجّملنا شوية، الناس لسه مصدقتش.
عاصم (بيبصله بنظرة تهديد): مفيش حد لازم يصدّق حاجة، القرار اتاخد. ليل… بيجاد… سليم… انتو عارفين هتكتبو على مين.
ليل (تحط الفنجان بجامد، صوتها مولّع غضب): كفاية بقى تتحكم في الناس كإننا عرايس بتحركها زي ما انت عايز! وقولتها قبل كده يا عاصم، مش هتجوزك! مش عايزاك… لا النهارده ولا بعد مليون سنة!
بيجاد (قلقان): ليل، اهدي شوية…
ليل (بتبصله بعصبية): إنت كمان؟! هو بقى وصي علينا؟! إنت تتجوز ربى، وسليم يتجوز نيروز، وأنا اتجوز عاصم؟! مين نصبك علينا يا عاصم؟! “إله” تمشي علينا أحكامك؟!
(الجميع مذهول… ربى دموعها نازلة من غير صوت)
نيروز (خايفة، بتحاول تهديها): ليل بالله عليكِ… كده كتير، هدي نفسك… هو بس—
ليل (بتقاطعها بحدة): هو إيه؟! هتدافعوا عنه؟! ده راجل خطفني من بلدي، وبيتحكم في كل خطوة في حياتي، وماشي فاكر نفسه منقذي… وهو في الحقيقة سجّان!
(السكينة تقع على الترابيزة بصوت يخوّف. عاصم يرفع راسه ببطء، نظرته نار متجمّدة.)
عاصم (بصوت واطي بس أخطر من الصريخ): خلصتي كلامك يا ليل؟
(صمت قاتل… ليل بتتنفس بسرعة وعينيها مرعوبة)
عاصم (يميل لقدّام، صوته سامّ): شكلك نسيتي أنا مين… ونسيتِ إنك في بيتي وتحت أمري. بس بوعدك… النهارده هتفكري كويس. هتتجوزيني يا ليل… غصب عنك.
(يخبط بإيده على الترابيزة بعنف، الكبايات تهتز وواحد يقع على الأرض. ليل تتراجع بخوف، رامي يقوم بسرعة.)
رامي: عاصم، كفاية، الموضوع مش مستاهل كده—
عاصم (يبصله نظرة تقطع النفس): ماتدخلش يا رامي… أنا مش بلعب. (يبص لليل تاني) جهّزي نفسك… قدامك ساعتين.
(يقوم، ياخد الجاكت العسكري، ويمشي بخطوات تقيلة… الجو يختنق بعده.)
نيروز (مرتعشة تمسك إيد ليل): يا ساتر يا رب… ليه عملتي كده؟! انتي عارفة لما بيغضب…
ليل (تكتم دمعتها، صوتها مكسور بس متحدّي): يعمل اللي يعمله… بس والله… لو لمسني غصب عني… هخليه يندم على اليوم اللي افتكر إنه يسيطر عليّ.
(تقوم بعنف وتمشي… الكل ساكت، ربى بتعيط، وبيجاد بيبص للباب بخوف من اللي جاي.)
********************
في الجزائر في ڨيلا عايلة كامل، كانوا كاملين قاعدين يفطرو:
ريما بجمالها الهادي وأناقتها البسيطة، كامل راجلها، يمّو زليخة، باباه الحاج عبد الغني، وأختو الصغيرة سلمى لي ما تسكتش ضاحكة وتهدر بلا ما توقف.
بصح ريما ما كانتش معاهُم… سرحانة، عينها فالفنجان القهوة لي برد من شحال.
زليخة (بضحكة أم حنينة وهي توزّع الخبز التقليدي):
صباح الخير ولادي، ريما بنتي كولي شوية… الخبز مازال سخون من الفور.
ريما (تبتسم بخفة وبصوت هادئ):
صباح النور خالتي زليخة، صحة… والله ما عندي نفس.
كامل (يشوف فيها بقلق):
وش بيك حبيبتي؟ شكلك مش عادي من الصباح… ما نعستيش مليح البارح؟
ريما (تهز راسها):
غير شوية تعب… يمكن من كثرت التفكير.
سلمى (تضحك وتمازح):
أكيد كانت تحلم براجلها الوسيم! ما شاء الله ما تفرقوش حتى فالمنام هههه!
كامل (يضربها بخفة):
بلا ما تزعفي الناس… خليهم يفطرو.
(ضحكة خفيفة تعم المائدة… بصح ريما باقية ضايعة، تشوف فالفنجان كأنها تشوف وجه باباها “مراد الشرقاوي” لي طاح من عينها بعد ما كان قدوتها.)
الحاج عبد الغني (يقلب الجريدة):
ها كامل، اليوم راك خادم ولا راحة؟
كامل:
عندي اجتماع صغير ونرجع بكري إن شاء الله.
زليخة (بصوت فيه خبر):
على حساب ما سمعت… بنت عمّك راجعة اليوم من فرنسا.
(كامل يرفع راسو ويتنهد بثقل)
كامل (ساخر):
هااا، بشرتينا يا ماما! يعني الهدرة والضجيج رايحين يرجعُو من نهار تدخل “الأميرة الفرنسية” هذي.
سلمى (تضحك):
ههه قصدك ليلى بنت عم توفيق؟ والله توحشت مشاكلها.
كامل (بجديّة وبنبرة ضجر):
إنتي توحشتي، أنا لا.
آخر مرة جات، دارنا ولّات ستوديو تصوير لإنستا!
وكل دقيقة: “كامل صورني، كامل شوفني، علاه ما ضحكتليش؟”
يا ربي… ثقيلة كي الحجر!
زليخة (تبتسم بتوازن):
يا وليدي، بنت عمّك متعودة على حياة برا… شوية دلّوعة برك.
كامل (يرفع حاجبيه):
دلّوعة؟! هذي قنبلة إزعاج تمشي فوق رجلين.
(يلتفت لريما)
وأنتي يا ريما، تقدري تتحمليها معانا ولا تهربي قبلها؟
ريما (تبتسم شوية بصح بنبرة حزينة):
أنا؟ لا… ما نهربش…
(تطيّح نظرها)
هربت بزاف قبل… بصح اليوم مش وقت الهروب.
(الناس تضحك فاكرينها تمزح، بصح عينيها يلمعو بدمعة ما لاحظها حتى واحد)
Zليخة (بحنان):
ما تقلقيش بنتي… نورتي الدار.
واش رايك يا كامل؟
كامل (بصدق):
أكيد… هي ما ولاتش غير من العيلة… هي روحها.
(تبتسملو بحب، تبعد نظرها باش ما يشوفش الوجع…
وفي بالها صوت أبوها:
“درت لي لازم باش نحمي العايلة.”
وهي تهمس فسرها:
“العايلة؟ ولا باش تحمي روحك؟”)
سلمى (تقطع الجو):
ماما، كي تجي ليلى نلبسو القندورة الجديدة، صح؟
زليخة:
أكيد يا بنيتي… بصح كامل هو لي يروح يستقبلها من المطار.
كامل (ينوض بسرعة، يفتح يديه):
أنا؟! لااااا!
تجي وحدها، ركبي طاكسي، طيّارة خاصة، ولا جي طايرة بيديك… بصح أنا؟ مستحيل!
(يضحكو كامل… وحتى ريما تبتسم أخيرًا، رغم قلبها مازال ثقيل.)
******************
في ساحة جامعة القاهرة،في زاوية هادئة قرب المكتبة، وقفت رؤى الزهراوي، تحمل بيدها دفتر ملاحظات، تتحدث مع شاب من زملائها — كريم، شاب هادئ الملامح، يحمل حقيبته على كتفه، ويشرح لها شيئًا في الكتاب.
كانت رؤى تستمع باهتمام، لكن من بعيد... كانت نظرات حادة تراقب المشهد.
سليم الشرقاوي، بوجهٍ متجهّم وملامح متوترة، وقف كأنه اشتعل من الداخل.
عيناه احمرّتا، ليس غيرة فقط، بل خليط من الغضب، التعب النفسي، والانهيار الذي يعيشه منذ علم بحقيقة والده الخائن.
كل شيء في داخله يشتعل.
تقدّم بخطوات سريعة، وصوته يخرج غاضبًا كأنه صفعة على هدوء المكان.
سليم (بحدة، وهو يقترب):
رؤى! ممكن أعرف إيه اللي بيحصل هنا؟!
(تلتفت نحوه بدهشة، ثم عبوس، تنظر إليه مستغربة)
رؤى:
سليم؟! إيه اللي جابك هنا؟ أنا بتكلم مع كريم في حاجة تخص الكلية بس، في إيه؟
سليم (ينظر إلى كريم بازدراء):
حاجة تخص الكلية؟
(ثم يقترب أكثر، صوته منخفض لكنه مليء بالغضب)
إنتِ فاهمة الناس اللي حواليك ممكن يفتكروا إيه؟ تقفي مع واحد لوحدكم، والناس تبص، و...
رؤى (تقاطعه بعصبية):
كفاية بقى، سليم!
إنتَ إيه؟ وصيّ عليّا؟!
(كريم يشعر بالحرج ويتراجع خطوة)
كريم (بهدوء):
أنا أسيبكم تتكلموا، رؤى، نشوف الموضوع بعدين.
(يبتعد بسرعة، تاركًا المكان مشحونًا)
سليم (يشد أنفاسه بعصبية):
إنتِ مش فاهمة حاجة خالص! أنا... أنا بس مش قادر أشوفك واقفة كده مع أي حد!
رؤى (بغضب جارف):
مع أي حد؟! هو زميلي يا سليم! مش لازم كل حاجة تفسّرها غلط!
سليم (صوته ينكسر قليلًا، لكنه يحاول التماسك):
رؤى، أنا... أنا خايف عليكي، فاهمة؟ مش أكتر.
رؤى (ترفع حاجبها بسخرية):
خايف عليّا؟ ولا غيران؟
(تتقدم نحوه خطوة، بعينين لامعتين من الغضب)
إنتَ مالك بيا أصلًا؟! أنا حرة، أكلم اللي عايزاه، وأقف مع اللي عايزاه، ده اسمه احترام متبادل مش أكتر.
سليم (ينظر إليها مذهولًا، كأنها طعنته):
إيه؟ يعني خلاص… مش فارق عندك إني أزعل أو أتضايق؟
رؤى (بجمود):
أيوه، مش فارق.
(بصوتٍ أكثر حدة)
أنا مش محتاجة حد يقولي أعمل إيه. حياتي تخصني أنا، مش إنت.
(كأن شيئًا انكسر بداخله… نظراته انطفأت فجأة، عينيه تلمعان بدموع حاول أن يخفيها بسرعة)
سليم (بصوتٍ مبحوح، منخفض):
تمام يا رؤى... تمام.
مش هتدخل في حياتك تاني.
(يلفّ ظهره ويمشي بخطوات متثاقلة، كتفاه منحنية، كأنه يحمل العالم على ظهره)
رؤى (تتقدم خطوة، تهمّ أن تناديه لكنها تتردد، تتنفس بارتباك، ثم تهمس):
يا رب… ليه كده؟
(لكن سليم لم يلتفت.
ابتعد وسط الزحام، والوجع ينهش صدره، يشعر أن كل شيء يهرب منه — عائلته، احترامه لوالده، وحتى الفتاة الوحيدة التي كانت تمنحه الأمل.)
******************
في الدور اللي فوق في فيلا الزهراوي، مكتب كبير ونضيف، الشباك الواسعة باصّة على الجنينة… وعلى الحيطة ورا المكتب صورة لليل وهي صغيرة بتضحك ف حضن أبوها.
زياد (واقف قدّام الشباك، عينه سرحانة بعيد):
تلات شهور يا مراد… تلات شهور وأنا مقلب الدنيا على بنتي، ولا خيط… ولا حتى ريحة خبر!
(يلف بسرعة بعصبية)
دفعت لناس في المخابرات الخاصة، وفتحت تحقيقات في ألمانيا، فلّست فلوس تكفي تشتري بلد… وبرضه ليل كإنها راحت في الهوا!
مراد (ببرود متقصد):
يمكن يا زياد… علشان بتدور غلط.
مش كل حاجة تتشال بالفلوس والصوت العالي… ساعات القدر يحب يضحك على اللي فاكره نفسه ماسك الدنيا من ديله.
زياد (يخبط بإيده على المكتب بعنف):
أنا ما بسيبش لقدر! بنتي اتخطفت في فرح بنتك، قدّام رجّالتي، وكاميراتكم مغطّية كل ركن… وبرضه مفيش لقطة واحدة تبيّن مين خطفها!
(يقرب ناحيته)
تفسّرها بإيه؟!
مراد (يرفع حواجبه ويبتسم بسخرية):
بتلمّح إني ورا الموضوع؟
واضح إنك يئست خلاص يا صاحبي القديم…
(يميل لقدّامه)
يمكن الأحسن تستسلم… يمكن تكون ليل راحت خلاص، واللّي بتعمله ده ملوش فايدة.
زياد (عيونه نار):
لو كلمة "راحت" طلعت من بقّك تاني يا مراد… هتبقى آخر كلمة ليك.
أدهم (يدخل بهدوء قاتل، يقعد وهو بيرفع رجله فوق التانية):
بس يا زياد…
(يبص له بثبات)
ليل بخير.
زياد (مصدوم، غاضب):
إنت بتقول إيه، يا أدهم؟ سامع نفسك؟!
بنتي ضايعة… وإنت قاعد تقول بخير كأنها في مصيف في الساحل؟!
أدهم (صوته هادي لكن جواه قوة):
قلت لك… بخير.
وعاصم… مش هيضرها.
زياد (يمسح على شعره بعصبية):
عاصم…
(صوته يهدى ويغمق)
ده أنا كنت بحسبه ابني… كان بيلعب مع ليل وهي صغيرة… كنت بشوف فيه خالد الله يرحمه…
ومن يوم ما خالد مات وهو قلب عليا كأني أنا اللي قتّلته!
(يبص لأدهم)
وإنت جاي تقول مش هيضرها؟!
أدهم (نظرة غامقة، وراها سر كبير):
لو كان ناوي يؤذيها، كان عمل كده من أول يوم.
لكن ما عملش… وده معناه كتير.
مراد (بريبة):
معناه إيه يا أدهم؟
(يبتسم بخبث)
واضح إنك واثق زيادة…
ولا يمكن… تعرف فين ليل أصلاً؟
ولا عارف اللي حصل بينها وبين عاصم؟
أدهم (ببطء يبص له، عينه بتلمع بسخرية):
إنت مالك؟
مش المفروض تدعي إنها ترجع بدل ما تسمّم عقل أبوها؟
مراد (يحاول يمسك نفسه):
أنا… بحاول أساعد.
أدهم (مبتسمة باردة فيها احتقار):
تساعد؟
(يضحك بخفوت)
إنت آخر واحد يساعد يا مراد.
وزياد مش هيقع تحت كلامك المسمّ الليلة دي.
مراد (يفقد أعصابه شوي):
واضح إنك شايف نفسك فاهم كل حاجة يا أدهم…
بس اللعبة مش هتدوم… وكل واحد هيدفع تمن اللي عمله.
أدهم (يقوم، يقف قصاده مباشرة، نظرة تحدّي):
اللعبة خلصت فعلًا يا مراد…
بس شكلّك آخر واحد فاهم.
(يقرب منه)
أنا عرفت كل حاجة.
مراد (عينه تتهز، بس يحاول يسترجع هدوءه):
كل حاجة؟
يبقى المفروض تخاف… مش تتحدّى.
أدهم (يهمس بثقة):
أنا بخافش من الخونة.
زياد (يبص بينهم وحياته بتولع غضب وقلق):
حد يفهمني؟!
أدهم؟ إنت مخبي إيه عني؟!
أدهم (بهدوء تام):
هتعرف… قريب قوي.
بس الأول… لازم نقطع راس الحيّة اللي بينا.
مراد (يبتسم غصب عنه، غضبان بس متماسك):
جرب…
بس افتكر… الحيّة ما بتموتش بسهولة.
*******************
(الباب يتقفل ورا مراد اللي خرج بخطوات تقيلة، وسكون خانق مالي المكتب.
زياد واقف ساكت ثواني، وبعدين يلف بغضب على أدهم اللي لسه واقف مكانه وباصص للباب بابتسامة حزينة.)
زياد (بعصبية):
إنت اتجننت يا أدهم؟! كده تكلّم مراد؟!
الراجل اتضايق وخرج منك مكسور! إيه اللي خلاك تهجّم عليه بالشكل ده؟!
أدهم (بهدوء وصوت واطي):
مكسور؟
يبتسم بسخرية مرة
صدقني يا زياد… اللي زي مراد ما يتكسرش بسهولة.
زياد (رافع صوته):
بس دا صاحب عمرنا يا أدهم!
من أيام الجامعة وإحنا التلاتة ما بنتفرقش!
وقف جنبنا في كل حاجة، في الشغل وفي الشدة… إزاي تتكلم عنه كده؟!
أدهم (بياخد نفس وبيقرب منه):
عارف يا زياد…
يمكن مشكلتك من زمان إنك بتشوف الناس بقلبك إنت… مش بوشوشهم الحقيقية.
زياد (بتوتر):
وإنت دايمًا بتتكلم بالألغاز!
أنا مش ناقص حكمتك الفلسفية… أنا عايز أرجّع بنتي!
أدهم (بصوت هادي فيه حزن):
عارف… وعشان كده ساكت كتير.
بس ساعات السكوت مش ضعف يا زياد…
السكوت ساعات بيحمي اللي حوالينا… من الحقيقة.
زياد (بعصبية):
حقيقة إيه؟!
إنت بتلمّح لإيه؟
إنت شاكك في مراد ولا لأ؟!
أدهم (يتنهد ويبص بعيد):
الشك ساعات أرحم من اليقين…
يبص له مباشرة
وإنت مش هتصدقني لو قلت الحقيقة… زي مصدقتنيش زمان وأنا صغير لما قلتلك "مش كل الناس بتحبك بجد."
زياد (يهز راسه):
إنت دايمًا شايف الناس سودا!
مراد عمره ما خانّا! دا حتى كان أول واحد جنبي لما أبويا مات، وكان بيسأل على أمي كل أسبوع!
يضحك بمرارة
حرام عليك تفكره كده…
أدهم (ابتسامة صغيرة حزينة):
يا زياد…
مراد بيعرف يزور الناس كويس…
بس مش دايمًا بيزورهم بحُب.
أدهم يبص لصورة ليل على الحيطة.
أدهم (بصوت هادي):
سيبك من دا دلوقتي…
أنا وعدتك نجيب ليل… وهنجيبها.
بس لما كل حاجة تتكشف… هتفتكر كلامي النهارده.
زياد (بعدم رضا):
مش فاهمك… بس أتمنى تكون غلطان.
يبص للباب بحزن
مراد ما يستاهلش كده منك.
أدهم (بابتسامة حزينة):
ولا إنت تستاهل اللي بيعمله فيك يا زياد…
زياد يقف ساكت مش فاهم، وبعدين يخرج ببطء.
أدهم يتنفس، يقرب من صورة ليل، يلمسها بخفة، يهمس.
أدهم (بألم):
هنرجعِك يا ليل…
حتى لو هواجه الشيطان نفسه.
*******************
فيلا مراد الشرقاوي – بالليل
باب الصالون يتفتح بهدوء. جميلة داخلة لابسة أسود شيك، شعرها مرفوع وملامحها جامدة.
نرمين تقوم بسرعة، بتبتسم توتر وهي بتحاول تبين الهدوء.
نرمين (مرتعشة شوية):
جميلة! أهلاً وسهلاً… ماكنتش متوقعة خالص الزيارة دي.
اتفضلي، اقعدي.
جميلة (تقعد من غير ولا ابتسامة):
الزيارة ماكانتش متوقعة فعلاً…
بس ساعات الحقيقة لازم تتقال من غير مواعيد.
نرمين وشها يتجمد، تحاول تلطف الجو بابتسامة باهتة.
نرمين:
تحبي قهوة؟ شاي؟ عصير؟ الجو ولّع النهارده…
جميلة (نظرة حادة):
مش محتاجة قهوة.
أنا جاية ومجهّزة نفسي للكلام كويس.
نرمين تنزل عينيها للحظة، وبعدين تقعد قدامها وتشبّك إيديها بتوتر.
نرمين:
واضح إن في حاجة في بالك… قولي يا جميلة، مالك؟
جميلة (باردة وواضحة):
اللي في بالي هو جوزِك… مراد الشرقاوي.
وأنا مش جاية أسأل، أنا جاية أواجه.
اللي بيتعلّق بيا… بدافع عنه.
عنيا نرمين توسع، وصوابعها تشد في فستانها.
نرمين:
تواجهي؟!
جميلة، أنا مش فاهمة…
مراد يمكن صعب، بس هو مش—
جميلة (بتقطعها، بحدة):
قذر.
تبص في عينيها مباشرة
آه، قذر.
وانتي… كنتي شايفة وساكته.
إيد نرمين ترجف، صوتها يضعف.
نرمين:
ده مش حقيقي…
أنا… ماليش دعوة بأي حاجة بيعملها مراد.
جميلة (باشمئزاز):
بس ساكته.
والسكوت جريمة يا نرمين…
خصوصًا لما صمتك يجيب خراب.
بسبب سكوتك… بنت زي ليل اتخطفت.
بنت زياد اللي جوزِك بيكرهه بقاله سنين… وانتي عارفة!
نرمين ترفع إيدها على بقها، صوتها يتكسر.
نرمين (مبحوحة):
كفاية… أرجوكِ…
إنتي مش عارفة أنا عايشة إزاي.
أنا مش شريكة، والله ما كنت شريكة.
بس… أنا أم.
لو اتكلمت، ولادي يضيعوا… حياتهم تبوظ.
جميلة (صوتها مليان غضب):
وليل؟
حياتها مش حياة؟
ولا أولاد الناس أرخص من ولادك؟
نرمين تنهار وتعيط بصوت مهزوم.
نرمين:
ما تقوليش كده…
أنا ماكنتش أعرف إنه هيوصل لكده!
كنت شاكة… بس ما تخيلتش إنه يخلي عاصم…
تبكي بحرقة
عاصم الولد الطيب… يتحول لوحش!
سمّه في ودانه من بعد موت خالد!
هو اللي خلاه يشوف زياد عدو!
جميلة تبصلها بجمود، بس عينيها تهتز شوية.
جميلة:
وكل ده كنتي عارفة… وساكته؟
من يوم ما ليل اتخطفت… وانتي بتشوفي زياد وحور بيتكسّروا قدامك وما نطقتيش بكلمة؟!
نرمين (منهارة تمامًا):
كنت خايفة… والله كنت خايفة…
مراد يقدر يدفننا كلنا!
أنا شوفت وشّه الحقيقي… مش اللي أنتوا عارفينه.
تبص لها بتوسل
بس بالله عليكي… ما تقوليش لحور…
هتكرهني… ومش هتصدق إن خوفي… مش خيانة!
جميلة (بتقف، عينها نار):
حور ما بتكرهش، بس ما بترحمش الخاين.
وانتي… ما شاركتيش، بس سكوتك خنق البراءة.
الساكت عن الحق… شيطان أخرس يا نرمين.
نرمين تغطي وشها وتعيط مكتوم، جميلة ماشية للباب.
جميلة (توقف عند الباب، تلتفت بنبرة ثابتة):
قولي لمراد…
النهاية اللي بيجري منها… جاية.
والعقاب؟
هيكون بنفس القسوة اللي زرعها.
نرمين (مكسورة):
سامحيني يا حور…
سامحيني يا ليل…
كنت خايفة…
بس خوفي قتل البراءة فيكم.
*******************
في كافيه هادي في ضواحي المدينة — بالليل
سليم الشرقاوي قاعد في ركن جنب الشباك، راسه واطي، بيلعب في فنجان القهوة البارد من زمان.
يدخل زين العطار وهو حامل كوب شوكولاتة سخن، يقعد جنبه وبابتسامة بتحاول تخبّي قلقه.
زين (قاعد قدامه، بيحاول يطمن):
ست أيام وما سمعتش صوتك، ولا حتى شوفتك! خفت عليك يا سليم، افتكرتك سافرت أو حصل لك حاجة.
(سليم ساكت، عيونه حمرا من السهر والبكاء. بيرفع راسه بصعوبة لبصيص لزين.)
سليم (بصوت مبحوح):
كنت نفسي أروح... بعيد أوي، لمكان محدش يعرفني فيه.
زين (بقلق):
إيه حصل؟ حاسس إنك شايل هم العالم كله على ضهرك… قولّي يا صاحبي، يمكن الكلام يخفف شوية.
(سليم يسكت وقت، بعدين يضحك ضحكة مكسورة مش شبهه.)
سليم:
عارف يا زين؟ طول عمري كنت فخور إن أبوي اسمه مراد الشرقاوي.
كنت شايفه بطل… الكل يحترمه، الناس بتهابه، وزياد الزهراوي نفسه كان دايمًا يقوله "أخويا".
كنت بقول لنفسي: "يا حظي، أنا ابن الراجل اللي الكل بيحبه ويثق فيه".
(صوته بيتقطع، ودموع ببتلمع في عينيه.)
سليم (بصوت مخنوق):
بس طلع... وحش. وحش يا زين.
(زين يتلجم، مصدوم.)
زين:
سليم... إنت بتقول إيه؟ وحش؟! تقصد... أبوك؟
سليم (يهز دماغه ويبتسم بمرارة):
أيوه.
ابويا اللي كنت فاكره ملاك… طلع الشيطان اللي دمر كل حاجة.
(يتنفس بصعوبة، يبص لإيديا اللي بترتعش.)
سليم:
سمعتهم... من كام يوم، بالصدفة. كانوا فاكرين إني نايم...
مامي كانت بتعيط، وهو بيزعق فيها، وقالها "لو فتحتي تمك، أولادك هيدفعوا التمن".
ما قدرتش أستوعب في الأول، لحد ما سمعت الكلمة اللي ذبحتني.
زين (بصوت مرتعش):
إيه الكلمة؟
سليم (بهمس كأنه بيعترف بجريمة):
إنه هو... اللي قتل خالد القاسمي.
(تتجمد ملامح زين، ويرجع في كرسيه، وميقدراش يطلع كلمة. سُكوت طويل تقيل.)
زين (بهمس ما يبانش قوي):
إيه... بتقول إيه؟ أبوك... قتل رائد خالد القاسمي؟
(يتنفس بصعوبة) ده كان ضابط محترم، وصديق أبويا، والكل اتألم عليه!
سليم (بيبكي أخيرًا، بصوت مخنوق):
عارف! عارف يا زين...
وعارف كمان إن اللي اتهموه غلطان كان زياد الزهراوي...
وزياد ما يعرفش إن أبويا هو السبب الحقيقي في كل ده.
(يضرب صدره بإيده) وعاصم... عاصم المسكين صدق الكذبة، وراح ينتقم من زياد بخطف ليل... بنت زياد... صاحبتي، أختي، اللي كنت دايمًا بحلم أشوفها بخير.
(زين يحط إيده على جبينه، مذهول، بيحاول يستوعب الكلام.)
زين:
يا ربّي... يعني كل اللي بيحصل من شهور... كل الألم، الخطف، الدمار ده... كان سببه أبوك؟
(سليم يهز دماغه ببطء، الدمع نازل ساكت.)
سليم:
كل ليلة كنت بقعد أبصله وهو نايم... وأقول يمكن حلم، يمكن غلطة، يمكن فيها تفسير.
بس الحقيقة كانت أبشع من كل التفسيرات.
(يبصله بعينين محمرتين) كرهته يا زين. كرهت الاسم اللي باحمله. كرهت ملامحي اللي شبهه. كرهت نفسي إني ابنه.
(زين بيحاول يهدّيه، يحط إيده فوق إيده.)
زين (بصوت حنون):
اسمعني يا سليم... الغلط مش غلطتك، فاهم؟ إنت مالكش يد في اللي عمله أبوك، وإنت مش هو... إنت طيب، واللي يعرفك يعرف إنك طيب.
سليم (بصوت مكسور):
بس الناس مش هتشوف كده، يا زين! هيتعاملوا معايا كابن القاتل... ابن الخاين اللي دمّر بيوت ناس بريئة!
(يضرب الطاولة) كنت أتمنى أكون يتيم ومكنتش أعرف إن ده والدي!
(يصمتوا. المطر بيزود بره. زين بيبلع ريق، صوته بيرتجف.)
زين:
هتعمل إيه دلوقتي؟
سليم:
مش عارف... بس وعدت نفسي حاجة واحدة... إن الحق هيرجع لصاحبه، حتى لو الثمن اسمي، أو حياتي.
(يبصله بثبات والدموع على خده) لو عاصم عرف الحقيقة قبل ما يدمر نفسه أكتر... يمكن ليل ترجع. يمكن... يمكن الدنيا تصلّح اللي باوّزه أبويا.
(زين يحط إيده على كتف صاحبه، يهمس وهو متأثر):
أنا معاك يا سليم... لحد آخر نفس، أنا معاك.
سليم:
مش هسيب الحق يموت... حتى لو اللي هقتله... دمي.
******************
في ألمانيا – فيلا رامي السيوفي
الليل هادي، والدنيا برّه بتثلّج خفيف.
عاصم القاسمي قاعد قدّام المدفأة، ماسك تليفونه وصوته واطي بس ثابت.
قدّامه خريطة على اللابتوب وعليها أسامي: مراد الشرقاوي – زياد الزهراوي – أدهم الزهراوي.
رامي السيوفي يدخل بسرعة.
رامي (بجدية):
كل حاجة جاهزة. الورق اللي بعتّه لأدهم وصله، وكاميرات الفيلا بتاعة مراد تحت سيطرتنا خلاص.
عاصم (بيهز راسه):
تمام. ناقص آخر خطوة قبل ما نواجهه.
(ياخد نفس ويشغّل مكبّر الصوت)
ـ "اتصل بأدهم الزهراوي."
بعد لحظات، صوت أدهم يطلع من السماعة، عميق وهادي كالمعتاد.
أدهم:
عاصم؟
عاصم (بابتسامة خفيفة):
أيوه، أنا. عامل إيه يا عم أدهم؟
أدهم (بنبرة فيها تعب):
عامل إيه؟! من تلات شهور وأنا مش عارف أنام من القلق.
ليل... فين؟
عاصم (بهدوء):
بخير. والله بخير. ولا حد هيمسّها طول ما أنا عايش.
جميلة (بصوت أم موجوعة من ورا السماعة):
بخير؟! وبنتي بقالها تلات شهور بعيد عنّا؟!
إنت ناوي على إيه يا عاصم؟ لحد إمتى النهايات المعلّقة دي؟
عاصم (بصوت هادي وموجوع):
عارف إن اللي عملته صعب يتسامح.
بس ما خطفتهاش انتقام بعد ما عرفت الحقيقة... خطفتها حماية.
مراد هو اللي قتل رائد... أخويا الصغير، وخلّاني أعيش عمري أكره زياد ظلم!
(صوته يتكسر)
تخيّل تعيش عمرك شايل غل جوّاك، وتكتشف إن اللي كنت شايفه "عمّ وصديق" هو اللي دمرك؟
أدهم (بحدة):
فاهم غضبك. بس ليه مستخبي في ألمانيا؟ ليه ما تواجهوش في القاهرة؟
عاصم (بذكاء):
القاهرة ملعبه… لكن هنا، أنا اللي ماسك الورق.
بعته له طُعم يخليه يفتكرني ضعفت. ساعتها... يقع بيده.
جميلة (بهمس):
ولما يقع...؟
عاصم (ابتسامة سوداوية):
هيفهم إن اللعب بالنار بيحرق صاحبه.
أدهم (يحاول يخفف التوتر):
وطب وليـل؟ كلمتها؟ وافقت على الجواز؟
عاصم (بيتنهّد):
رفضت… وبجفاء كمان.
قالتلي: "مش هتجوز خاطفي حتى لو كنت آخر راجل في الدنيا."
(يضحك بحزن)
نفس عناد أمها بالظبط… يمكن أكتر.
جميلة (تبتسم بدمعة):
دي ليل اللي نعرفها… نار ما بتنطفيش.
بس بالله عليك متكسرهاش أكتر.
عاصم (بحنان نادر):
مش هعمل كده… عمري.
هي مش فاهمة إنّها بقيت… (يقف شوية يتمالك نفسه)
بقت آخر حاجة منورة حياتي.
أدهم:
هتعرف الحقيقة في يوم.
عاصم (بجدية):
وعشان كده بكلمك.
عايزك تيجي ألمانيا… تبقى وكيل ليل في كتب الكتاب.
أدهم (مذهول):
كتب كتاب؟ وهي لسه رافضة؟!
عاصم:
هياخد وقت. بس لازم يكون كل حاجة قانوني قبل حربنا مع مراد.
هنا تبقى بأمان مراتي… محدش يقدر يلمسها.
جميلة (بتردد):
وزياد؟ لو عرف… مش هيسامحنا.
عاصم (بحسم):
ما ينفعش يعرف دلوقتي. هيبوّظ كل حاجة بعصبيته و خوفه على بنته
أرجوكم… صدّقوني المرة دي.
أدهم (يتنفس بعمق):
تمام… هنجي.
بس فاكر كويس… ليل مش ورقة حرب. دي بنت الزهراوي.
عاصم (بصوت ثابت):
عارف. وعشان كده… عايز أحميها باسمي.
جميلة (بخشوع):
يا رب يكون خير ليها… مش خراب عليها.
عاصم:
آمين… هنخلص كل اللي بدأه مراد. بس المرة دي… هو اللي هيدفع التمن.
(يقفل الخط)
رامي يدخل تاني.
رامي:
المكالمة خلصت؟
عاصم (بيبص على التلج برا):
خلصت…
ودلوقتي تبدأ الحرب بجد.
********************
في القاهرة – بيت أدهم وجميلة الزهراوي
جميلة قاعدة على طرف السرير، بترتّب هدومها وتحطّها في الشنطة بهدوء.
أدهم واقف عند الشباك، باصص في ضي القمر على الإزاز.
جميلة (بصوت واطي):
عارف يا أدهم… دي أول مرة نسافر من غير الولاد.
حاسّة كإني بسيب قلبي هنا.
أدهم (يبتسم من غير
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 14
مطار ميونخ – ألمانيا – بعد كام ساعة
الطيارة كانت لسه نازلة من شوية. الهوا التلج الألماني ضرب وش أدهم وجميلة أول ما خرجوا من المطار.
جميلة وقفت تلف بالبالطو عليها، بتبص على صف العربيات اللي مستنية المسافرين.
جميلة (بتوتر وهي بتدور بعينيها):
هو قال إن السواق هيبقى هنا… شايف حد ماسك يفطة باسمنا؟
أدهم (بهدوء رغم التعب):
أهو… هناك جنب العربية السودة.
(بيمشوا ناحية شاب طويل ماسك يفطة مكتوب عليها "Mr. Zahrawi")
السواق (بالإنجليزي بلكنته العربية):
Welcome Mr. Adham, Miss Gamila.
السيد عاصم بعتني عشان أوصلكم لفيلا الأستاذ رامي السيوفي.
أدهم (بالعربي بابتسامة خفيفة):
متشكرين… يلا بينا.
(يركبوا العربية. الطريق هادي في ضواحي ميونخ، التلج بينزل خفيف على الإزاز. جميلة قاعدة جنب أدهم ساكتة، عينيها بتبص برا بشرود.)
جميلة (بصوت واطي):
يا ترى… هتبصلنا ازاي لما تشوفنا؟
ليل… هتسامحنا؟
هتفهم إننا عملنا كده عشان نحميها مش نخدعها؟
أدهم (بيبص قدّامه وهو بيفكر):
معرفش يا جميلة. ليل عمرها ما كانت سهلة.
في عناد أبوها زياد… وفي كبرياء أمها حور.
(يسكت شوية)
بس احنا مجبورين… لو رجعت القاهرة دلوقتي، مراد مش هيسيبها… ومحدش هيطلع سليم بعد ما الحقيقة اتكشفت.
جميلة (بتتنفس بقلق):
بس موضوع جوازها من عاصم…
(تهز راسها بيأس)
إزاي تقنعي بنت اتخطفت إنها تتجوز خطّافها؟
أدهم (يبصلها بجدية):
عاصم ما بقاش خطّاف… ده بقى منقذها.
هي بس لسه مش فاهمة.
هنقولها كل حاجة لما ييجي وقتها.
دلوقتي أهم حاجة نهدّيها… ونخلّيها تثق فينا.
(جميلة تسند راسها على الكرسي وتحاول تهدى)
جميلة (بهمس):
تفتكر زياد بدأ يشك؟
أدهم (بتوتر):
ممكن… بس هو دلوقتي غرقان في يأسه. مش شايف حاجة غير ألمه.
يارب يفضل كده لحد ما الخطة تخلص.
(العربية تمشي في طريق طويل وسط غابات متلجة لحد ما توصل لفيلا كبيرة عليها نور دافي)
السواق:
وصلنا… دي فيلا الأستاذ رامي.
(أدهم ينزل الأول ويتأكد من المكان، وبعدين يساعد جميلة تنزل. باب الفيلا يتفتح ويطلع رامي السيوفي مبتسم)
رامي (مبتسم بهدوء):
أهلاً بيكم في ألمانيا… عاصم مستنيكم من الصبح.
أدهم (بجدية):
وفين ليل؟
رامي (بصوت هادي):
فوق… أوضتها بتبص على الجنينة.
ومش عارفة إنكم جيتوا.
(جميلة تبص لأدهم بقلق، وهو يطمنها بإيده)
دخلوا الفيلا، الدفا يضربهم بعد برد الطريق. صوت نار في المدفأة، وريحة قهوة عربي مالية المكان.
جميلة (بهمس):
المكان جميل… بس مخوّفني.
أدهم (بصوت واطي):
عشان في حاجات هنا ماينفعش تتقال… ولا تتعرف قبل وقتها.
رامي:
استريحوا… هنده لعاصم.
(يمشي ويسيبهم. التوتر يعلى. جميلة تبص حواليها)
جميلة:
تخيل يا أدهم… ليل كانت هنا شهور لوحدها.
يا ترى حسّت بإيه؟
كرهت الدنيا؟ ولا نفسها؟
أدهم (يبص ناحية الباب):
ممكن تكون كرهت كل الناس… وده أصعب حاجة هنواجهها.
جميلة (بصوت مكسور):
قلبي هيتقطع لو بصّت لي زي ما كانت وهي صغيرة…
فاكر لما كانت تستخبى ورايا لما زياد يزعق؟
كانت تقول: "خالي أدهم طيب… عمره ما يزعلني."
(دموع في عنيها)
يا رب… إزاي هخليها تتجوز اللي خطفها؟
أدهم (يحط إيده على كتفها):
مش هنجبرها… بس هنخليها تشوف الحقيقة.
عاصم اتغيّر… مكسور وندمان… وصادق.
قلبها هيحس قبل عقلها.
(صوت خطوات في الممر. جميلة تتوتر)
جميلة (بهمس):
هي؟
أدهم:
أو يمكن… عاصم الأول.
(الباب يفتح ببطء. عاصم يدخل، شكله تعبان، عينه فيها سهر وقلق بس بيحاول يبتسم)
عاصم (بصوت مبحوح):
أهلاً بيكم… كنت عارف إنكم هتيجوا عاجلاً ولا آجلاً.
(أدهم يقوم ويسلم عليه بقوة. جميلة تبصله بحذر)
أدهم:
جينا نخلص الكابوس ده… سوا.
عاصم (يبص للسلم لفوق):
استعدّوا.
المرحلة الصعبة لسه هتبتدي دلوقتي…
لما تشوفوها.
******************
فيلا رامي السيوفي – ألمانيا
الجو في الخارج رمادي، والغيوم الثقيلة تحجب ضوء الشمس عن نوافذ الفيلا الفاخرة التي تتوسط الغابة. النسيم البارد يتسلّل من بين الأشجار، بينما خطوات جميلة وادهم تتردّد في الممر الطويل المؤدي لغرفة ليل.
الهدوء يخيّم على المكان، لا يُسمع سوى أصوات خافتة من الغرف المجاورة، وضحكات باهتة من نيروز وربى تحاولان تهدئة الجو قبل وصول الزوّار القادمين من بعيد.
كانت ليل تجلس على السرير، تضع بين يديها كوباً من الشاي بالكاد شربت منه، وجهها شاحب، عيناها متورمتان من البكاء، وشعرها المنسدل بعشوائية يعكس اضطرابها الداخلي.
كانت نيروز تتحدث بنعومة محاولة التخفيف عنها، بينما ربى تراقبها بعينين حزينتين.
نيروز: (تبتسم بخفة) يا بنتي كفاية زعل بقى، الدنيا مش هتتعدل بالحزن.
ليل: (بحدة مكتومة) مش زعلانة… بس مش قادرة أتنفّس وأنا هنا.
ربى: (بصوت خافت) عاصم ما بيأذيكيش يا ليل، هو بس… بيحاول يحميكي بطريقته.
ليل: (تقاطعهما بعصبية) حمايتي؟! بخطفي؟! بحبسه ليّ هنا؟! هو فاكرني هتقبل ده؟
في تلك اللحظة، سُمعت طرقات خفيفة على الباب.
فتحت نيروز الباب، لتتجمّد الكلمات في حلقها حين رأت أدهم وجميلة واقفين.
الدهشة ارتسمت على ملامح الجميع، لكن أكثر من شعر بالزلزال كانت ليل.
وقفت كمن تلقّى صدمة كهربائية، حدّقت فيهما بثوانٍ ثم شهقت بصوت مبحوح:
ليل: خالي أدهم؟! طنط جميلة؟!
لم يمهلاها لحظة، اندفع أدهم نحوها بخطوات حنونة، وفتح ذراعيه.
ركضت نحوه، وارتمت بين ذراعيه كطفلة ضائعة عثرت أخيراً على الأمان.
انهارت تبكي بعنف، وصوتها المبحوح يخترق السكون:
ليل: خالي… خالي، خُدني معاك! بالله عليك، رجّعني لماما! أنا مش عايزة أفضل هنا!
ضمّها أدهم بقوة، ربت على شعرها بعطفٍ عميق، بينما دموعه كادت تفرّ من عينيه وهو يسمع رجاءها.
أدهم: (بصوت مبحوح) هششش، خلاص يا روحي… أنا هنا دلوقتي، مفيش حاجة هتأذيكي وأنا موجود.
ليل: (ترفع وجهها) هو اللي بعثك؟! عاصم؟ ولا إنت جيت من نفسك؟
أدهم: (يتنفس بعمق، يبتسم بحنان) جينا علشانك يا ليل… علشان نطمن إنك بخير.
اقتربت جميلة بخطوات بطيئة، وعيناها ممتلئتان دموعاً.
جميلة: حبيبتي… يا روحي، وحشتينا قد إيه.
ليل: (تسحب نفسها من حضن أدهم وتندفع إلى جميلة) طنط جميلة… كنتِ تعرفي؟ كنتِ تعرفي إنه هيعمل كده؟!
جميلة: (تهزّ رأسها بسرعة) لا يا حبيبتي، والله ما كنت أعرف… إحنا هنا علشانك، مش ضِدّك.
جلست ليل على طرف السرير، تمسح دموعها بارتباك، وصوتها يرتجف:
ليل: كل يوم بيجي يقولي كلام غريب، بيقول إنه بيحميني، وإنه مش هيأذيني… بس أنا مش فاهمة حاجة!
أدهم: (يجلس بجانبها، يضع يده على كتفها برفق) أنا عارف إنك تعبانه يا ليل… بس عايزك تسمعيني كويس، في حاجات لازم نفهمها سوا.
ليل: (بحذر) حاجات زي إيه؟
أدهم: مش دلوقتي… لما تهدي، نتكلم بهدوء. أنا وعدتك مش هسيبك.
نيروز نظرت إلى ربى، ثم قالت بصوت خافت لتكسر الصمت الثقيل:
نيروز: أعتقد إننا نسيبهم شوية لوحدهم.
غادرتا الغرفة بهدوء، تاركتين خلفهما صمتاً تملؤه أنفاس متقطعة.
ليل: (تحدق في خالها بعينين دامعتين) خالي… هو بيكرهني؟ ليه بيعمل فيّ كده؟
أدهم: (ينظر إليها بعطفٍ شديد) لا يا ليل، لا تظلميه… يمكن الطريقة غلط، بس نيّته مش كده.
ليل: (تغمض عينيها، تتنفس بعمق) نفسي أرجع، أشوف ماما… مشتاقلها قوي.
جميلة: (تجلس قربها وتمسك يديها) وهتشوفيها يا ليل، قريب جدًا. بس لازم تكوني شجاعة دلوقتي، تمام؟
ليل: (بهمسٍ مرتجف) شجاعة… وأنا خلاص اتكسرت.
أدهم ينظر إليها طويلاً، بعينين تشعان بالوجع والفخر في آنٍ واحد، ثم يهمس بصوتٍ أبوي:
أدهم: بنت أختي ما بتتكسرش، دي قوية زي أمها… وده وقتها تثبت كده.
يبتسم لها برقة، في حين تبادله نظرة مرتبكة مفعمة بالأمل والخوف معًا…
تسند رأسها على كتفه، وتغرق الغرفة في صمتٍ ثقيل، لا يُسمع فيه سوى أنفاسهم المتقطعة ونبضات القلوب التي تحمل بين طيّاتها وعدًا بغدٍ مختلف
********************
مكتب مراد الشرقاوي — بالليل
(نديم يدخل وهو متوتر، يرمي شنطته على الكرسي ويقعد. مراد واقف عند الشباك، ماسك سيجارة، باين عليه الهدوء من برّه بس وشّه شايل غضب مكبوت.)
نديم (بهمس ومتوتر):
إنت قلتلي أجيلك ضروري… ماكنتش متوقّع الموضوع كبير بالشكل ده.
مراد (بصوت بارد):
الأخبار بتطير يا نديم.
(يمشي ناحية المكتب ويقعد)
أدهم الزهراوي فتح عينه. عرف الحقيقة عن رائد.
نديم (يقوم متصدم وبعدين يقعد تاني بسرعة):
يعني… بجد؟ أدهم عرف إن ليك علاقة باللي حصل؟
مراد (بنبرة جامدة):
ماتندهش. آه — عرف. واللي يعرف لازم نتصرف معاه فورًا… قبل ما الكل يدفع التمن.
(يسحب نفس من السيجارة)
ومش بس أدهم… لو الكلام ده وصل لزياد أو للمخابرات، كل حاجة هتولّع: اسمك، منصبك، حياتك… و حياتي أنا كمان.
** نديم** (بيحاول يتمالك نفسه):
طب… ماتفكّرش نهدّيه؟ نخليه يسكت… ناس كتير اتعاملنا كده معاهم قبل كده.
مراد (يقطعه بنبرة جامدة و غضبة):
بلاش تقول كلمة نهدّيه كإنها حلّ ساذج.
(يميل عليه ويبص في عينه)
أنا عايز نتيجة يا نديم. نتيجة نهائية… حاجة تخلينا ننام من غير قلق.
نديم (بتلعبك):
تقصد… نخلّي الموضوع يختفي؟
مراد (ابتسامة باردة):
عايز الأدلة تختفي… والدافع يختفي… والموضوع كله يبقى كإنه لمحة عابرة… ولا حد افتكرها.
(يخبط على المكتب بخفة)
أدهم مش بس عرف… أدهم مشكلة. لو اتكلم، زياد هيقوم، وزياد يعني تحقيق، وفضايح… وملفات تفتّح رقاب — بما فيها رقبتي أنا.
نديم (يمسح جبينه):
الراجل قوي… لو ضغطنا عليه، ممكن يصرخ، يعمل دوشة… والناس بتحبّه حوالينه.
مراد (بحِدّة):
وده مش مبرر نتحرّك ببطء.
(يقوم يتمشى)
إنت ولد شاطر يا نديم. مش مطلوب منك تبقى وحش… المطلوب بس تتأكد إن الكلام يموت قبل ما يكبر.
(يبص له بثِقل)
ولو فشلت… تتحمّل اللي ييجي. وده مش رأي… ده تحذير.
نديم (بصوت واطي):
عايز وقت… وخطة… ومكان آمن. مش عايز أبقى اللي يحفر قبره بإيده.
مراد (يتنفس ويرجع هادي):
الوقت مش في صالحنا. أدهم بيتقابل مع ناس… وبيحكي مع أجانب. عندنا نافذة صغيرة قوي.
(صوته يحدّ)
عايز ذكاء… ضغط نفسي… عزل… تشتيت.
خليه يظهر كقدر… كحادث… كغلطة. مش كدب ومؤامرة.
نديم (بيكرر الكلام كإنه فهم):
تمام… هنشتغل على تشويش… ونصرف الناس عن الموضوع.
مراد (فجأة بغضب):
مش عايز كلام محفوظ! ولا خطط عبيطة!
عايز حلول تموت الشك قبل ما يتولد.
(يقرب لنديم لدرجة تهديد)
أدهم ده مشكلة طلعت في وقت غلط.
دلوقتي الحل الوحيد… نطلعه بره الصورة. مادياً ومعنوياً.
بس بكررها:
لا ورق…
ولا تليفونات…
ولا أثر.
(ياخد نفس طويل)
اشتغل بذكاء… أخف من الهوى.
نديم (يحاول يخبي الرعب بصوت مهزوز):
تمام… هجيبلك النتيجة.
مراد (يقفل عينه لحظة ويرجع يفتّحها ببرود قاتل):
خليها مش بس وعد يا نديم.
(صوته يبقى أخطر)
دور على طريقة تخلي الصوت يتكمّش… ويتدفن.
أنا محدش يفكّر يفضحني. مهما كان مين.
(الصمت يتقلّ. نديم يطلع سيجارة وما يولعهاش. دماغه بتلف. مراد واقف تاني عند الشباك، يبص للشارع كإن المستقبل واقف هناك.)
نديم (بصوت مكسور):
هابدأ أرتّب… وأبلّغك لما كل حاجة تبقى جاهزة.
مراد (بهدوء مرعب):
اعمل كده.
وماتفشلش.
(المشهد يقفل على وش مراد المشدود، وعلى يد نديم المرتعشة وهو بيخرج، شايل قرار ممكن يغيّر حياته. الساعة بتدق، والمدينة ماشية… فوق أرض مليانة دسائس.)
*****************
في جهاز المخابرات – مكتب العميد آدم العطّار
جواد (يقلب أوراق وملامحه متوترة):
يا فندم… دي آخر التطورات في قضية التحويلات غير المشروعة. تقارير المينا جاهزة.
آدم (من غير ما يبص له):
سيبها على جنب يا جواد. بعدين.
جواد:
بس يا فندم، معاد التسليم بكرة الصبح—
آدم (يرفع راسه ويقطعه بنظرة تعبانة بس حاسمة):
قلت بعدين يا جواد.
(صوته يهدي فجأة)
في موضوع أهم… موضوع ليل الزهراوي.
(جواد يسكت، الاسم لوحده بيكتم الجو.)
جواد (بتردد):
عدّى تلات شهور يا فندم… ومفيش أي أثر. الداتا الألماني مقفولة علينا خالص. حتى الـIP اللي ظهر اتحرق بعد ثواني. كإن حد من جوّه الجهاز بيساعده.
آدم (بابتسامة حزينة بس فيها سخرية):
مش كإن… أكيد.
(يقوم ويمشي ناحية خريطة كبيرة)
من أول لحظة وانا حاسس إن في حاجة مش راكبة… عاصم ابن خالد؟ ده العيل اللي كنت بشيله وأنا قاعد؟ ماصدّقش إنه يخطف بنت زياد.
جواد:
بس كل الأدلة يا فندم… الصور، الكاميرات، الرسائل… كله بيقول إنها خرجت معاه.
آدم (يبص له بثبات وتقيل):
الأدلة ساعات بتتكلم بلسان اللي حابب يضحك عليك.
(ياخد نفس عميق)
لو في خيانة… فهي من جوّه مش من برّه.
(جواد وشّه يشد، الكلمة تقيلة على ودنه.)
جواد:
يعني حضرتك شايف إن حد من الجهاز بيبلغ عاصم بخطواتنا؟
آدم:
بالظبط. وكل ما نقرب… يختفي.
(يضرب المكتب براحة إيده)
أنا مش خايف على ملف، يا جواد… أنا خايف على البنت.
(صوته يبقى أهدى)
البنت كانت بتيجي هنا وهي صغيرة مع أبوها… كانت تمد إيدها الصغيرة تقولي: "بابا آدم".
(يبتسم بحزن)
بقت بنتي التانية بعد زين.
جواد (بحذر):
بس ممكن فعلًا تكون وقعت في فخ عاصم. هو اختفى بعد اللي حصل بكم يوم، ومفيش أي تواصل منه من ساعتها.
آدم:
أيوة اختفى… بس اسأل نفسك: ليه؟
لو عنده شر… كان ظهر، كان فاوض، كان طلب فدية… لكن الصمت ده؟
الصمت ده تصرّف واحد بيحمي حاجة.
(جواد يرفع حاجبه، الصدمة واضحة.)
جواد:
بيحمي مين يا فندم؟
يعني حضرتك شايف إنه ممكن يكون بيحميها مش مؤذيها؟
آدم (يبص له نظرة تقيلة):
احتمال… مش مُستبعد.
بس عشان أثبت ده… لازم أعرف مين اللي لعب في الحقيقة.
جواد:
يعني في طرف تالت في الموضوع؟
آدم:
فيه طرف دايمًا… واقف في الضلمة وبيشد الخيوط من ورا الستار.
(يبص على ملف مكتوب عليه: رائد القاسمي)
كل حاجة بدأت بموت رائد… وخلصت باختفاء ليل.
اللي جمع الاتنين… يعرف أكتر مننا كلنا.
(جواد يفتح الملف بحذر كأنه ماسك نار.)
جواد:
بس قضية رائد اتقفلت من سنين إنها حادث!
آدم (يضحك ضحكة مُرة):
ولا حاجة بتتقفل عندنا بجد.
الحوادث اللي الصحف بتكتبها… نص الحقيقة.
النص التاني؟ بيتكتب بالدم.
(يسكت شوية، يرجع لمكانه ويمسك راسه بتعب.)
جواد:
تحب أراجع أسماء كل اللي اشتغلوا على قضية ليل؟
آدم:
راجعهم واحد واحد. حتى القدامى.
(صوته يبقى جامد)
عايز أعرف مين باع ضميره.
واللي مدّ إيده لعاصم… أقطعها بنفسي.
(جواد يشد جسمه، يسلّم ويخرج بسرعة
آدم يبص لصورة قديمة فيها هو و زياد ومراد وخالد أبو عاصم أيام الجامعة.
آدم (بصوت واطي للصورة):
يا خالد… كنت دايمًا تقول ابنك هيطلع راجل شريف زيك…
(يتنهد)
يارب تكون لسه صح.
(الإضاءة تضعف، صوت آدم يفضل)
آدم (نبرة قَسَم):
قبل ما اللعبة دي تخلص… هاعرف مين صاحبي… ومين كان عدو من الأول.
*******************
آدم العطار خرج من مكتبه بعد ساعات شغل متواصل، ووشّه باين عليه التعب وتقل السنين اللي قضاها في خدمة البلد… وكمان القلق اللي واكل قلبه على ليل اللي بيعتبرها زي بنته.
ماشي بخطوات هادية ناحية الأسانسير، وفجأة بيقف. عنيه بتتسمّر على المشهد قدامه— نادين، طليقته، عميدة الجهاز، واقفة جنب ماكينة القهوة مع واحد جديد… ظابط أنيق في آخر التلاتينات، باين عليه الذكاء والثقة.
آدم يضيّق عنيه وهو شايفها بتضحك بصوت عالي… الضحكة اللي ما سمعهاش منه من سنين. حاجة جواه ولعت… غيره؟ غضب؟ حنين؟ كله مع بعض.
يقرب بخطوات تقيلة لكن ثابتة، وعينه مش بتفارقها.
آدم (بصوت واطي بس حاد): واضح إن المكتب بقى كافيه دلوقتي، صح؟
نادين تلتفت، تتفاجئ ثواني، وبعدها تاخد نفس وتحاول تثبت نفسها.
نادين: آدم؟! مالك؟ إحنا بس كنا بنتكلم في شغل.
آدم (يبص للراجل): أكيد… موضوع شغل يخلي الناس تضحك بالشكل ده؟
الظابط يحاول يصلّح الموقف بابتسامة محرجة.
الظابط: سيادة العميد، أنا العقيد كريم ناصر، منتقل جديد من العمليات الخاصة وكنت—
آدم (مقاطعه بنبرة جليدية): عارف… أهلاً يا عقيد كريم. بس خد بالك… هنا الضحك مش كتير، الشغل هنا مش هزار.
كريم (محرج): تمام يا فندم… عن إذنكم.
يمشي بسرعة، ونادين تبص لآدم بصدمة وغضب.
نادين (بعصبية): إيه المهزلة دي؟! إحرجت الراجل! أنت فاكر نفسك مين؟!
آدم (بهدوء شكله هادي لكن جواه نار): أنا؟ أنا واحد شايف مراته السابقة بتضحك مع واحد غريب في ممر المخابرات كأننا في كافيه مش في جهاز دولة.
نادين (بحِدّة): سابقة، تمام؟ سابقة يعني مالكش حق تحاسبني ولا ترفع صوتك عليّ!
آدم يسكت ثانية، كإن كلامها خبطه في قلبه. يبص لها بنظرة فيها خيبة ووجع.
آدم (بنبرة مكسورة شوية): عارفة يا نادين… يمكن عندِك حق. بس أنا نسيت للحظة إننا بقينا غُراب… نسيت عشان لسه تحت سقف واحد، وبنقعد ناكل سوا، وبنشوف ابنّا كل يوم… وبنضحك ساعات. نسيت إن اللي بينا خلص… على الورق بس.
نادين (مرتبكة): آدم… أنا ماكنتش أقصد أجرحك، بس—
آدم (يقطعها): بس جرحتيني. وبالمناسبة… أنا ماكنتش جاي أزعق ولا أحاسب. بس لما شوفتِك بتضحكي كده… حسّيت إني ما سمعتش الضحكة دي بقالها عمر.
يسكت لحظة، يبتسم ابتسامة صغيرة مليانة وجع، ويمشي ببطء.
نادين تفضل واقفة مكانها، عينها بتلمع وهي بتبص وراه.
نادين (تهمس لنفسها): آدم… سامحني.
تمسح دمعة نزلت من غير ما تحس… وتفهم فجأة إن النار اللي افتكرت إنها انطفت من ١٥ سنة… لسه مولّعة.
*******************
في فيلا عيلة الزهراوي / بالليل
الهدوء مالي المكان بشكل يخوّف،
المطر بيرشق على الإزاز بهدوء… وصوت عيال بتلعب في الجنينة الداخلية بيتداخل مع صوت التلفزيون الواطي.
البيت الكبير اللي كان زمان مليان ضحك… دلوقتي ساكت كإن روحه راحت مع اختفاء ليل.
في الصالون الواسع، قاعدة حور على الكنبة، لابسة فستان بيتي رمادي وشعرها مرفوع بعشوائية،
عيونها مجهدة من السهر، اللمعة فيها شبه اختفت… قدامها صورة ليل على الترابيزة.
تلمس الصورة بطرف صوابعها وتهمس بصوت مكسور:
حور (بصوت واطي مبحوح):
يا رب… طمّني عليها بس… حتى للحظة.
تلات شهور وأنا بدعي أشوفها في المنام… حتى الحلم بقى بيهرب مني.
تقعد جنبها رؤى، بنت عندها 19 سنة، شبه عمتها ليل في هدوء ملامحها.
تحط إيدها على كتف حور بحنية:
رؤى:
يا خالتي، ليل هترجع… والله هترجع.
بابا قال لماما إنه مش هيرجع من ألمانيا غير وهي معاه.
ليل بخير… ربنا عمره ما يسيب حد زيها.
حور (تبتسم بحزن):
عارفة يا رؤى… بس قلبي مش مستريح.
كل صوت باب يخليني أقوم أجري… كل تليفون يرن أقول خلاص… لقوها.
وبعدين؟
ولا خبر… ولا حتى حلم يرد لي روحها دقيقة.
رؤى (تحاول تشجّعها):
ليل قوية يا خالتي… حدش يعرف يغلبها.
فاكرة كانت دايمًا تقولّي: "أنا ما بخافش من الضلمة… بخاف من الناس اللي مستخبية فيها."
أكيد دلوقتي بتحارب الضلمة بطريقتها.
حور تضحك ضحكة صغيرة، دمعة تلمع في عينها:
حور:
إنتي روحها يا رؤى… كانت بتحكيلّي عنكم كتير.
إنتو كنتو كإنكم توأم.
رؤى (صوتها بيرتعش):
ومن يوم ما راحت وأنا مش قادره أضحك من قلبي.
حتى لما بلعب مع كارم… بحس إن نصّي ناقص.
ليل كانت نصّي التاني يا خالتي.
يدخل أدهم، ابن حور عنده 12 سنة، ماسك كورة ووشه زعلان:
أدهم:
ماما… أنا ومازن مش عايزين نلعب.
كل حاجة بقت مملة من غير ليل.
حتى لما نكسب… مش بنفرح.
حور تسحبه يحط راسه في حضنها:
حور:
حبيبي… ليل هترجع وهتلعب معاكم.
وهتعصب لما تغلبوها… زي كل مرة.
يدخل مازن ووشه خايف:
مازن:
ماما…
ليل زعلت مننا عشان كنا بنتريق عليها قبل الفرح؟
يمكن… يمكن مشيت عشان كده؟
حور عينيها تدمع، تضمهم هما الاتنين:
حور:
لأ يا حبيبي… ليل ما تزعلش منكم أبدا.
هي بتحبكم قد الدنيا…
بس هي دلوقتي محتاجة وقت، وربنا هيرجعها لنا بالسلامة.
فجأة يدخل كارم الصغير عنده 5 سنين، يجري عليها ومعاه عربية لعبة:
كارم (ببراءة):
عموووتي حووور! تعالي لعبي معايا!
بابا مش هنا وماما مشغولة وأنا زهقان 😢
حور تفتح دراعها وتضحك رغم وجعها:
حور:
تعالى يا قلب عمتك…
بس ما تقولش لماما جميلة إني لخبطتلك مواعيد نومك 😂
يقعد في حضنها ويحط راسه على كتفها.
رؤى بصوت مكسور تبص للمشهد:
رؤى (بهمس):
يا رب… لمّنا على خير.
كفاية غياب… كفاية خوف.
حور (تبص للسماء):
يا بنتي… البيت فاضي من غيرك.
الضحكة غريبة… والليل بقى أطول.
الكل يسكت… صوت المطر يعلى شوية.
ريحة قهوة في المكان… رؤى ماسكة إيد حور، أدهم حاطط راسه على رجلها، مازن قاعد ساكت،
وكارم يهمس وهو بيغمض عينه:
كارم:
عمّتي حور…
لما ليل ترجع… قولي لها تلعب معايا أنا الأول… ماشي؟
تنزل دمعة من عين حور وهي تبتسم:
حور:
وعد يا حبيبي… وعد.
******************
في مطار الجزائر العاصمة / مساءً
تسقط أشعة الشمس الأخيرة على زجاج المطار العريض، تعكس لونًا ذهبيًا باهتًا على الوجوه المتعبة للمسافرين.
في زاويةٍ قريبة من بوابة المغادرة، جلست ريما الشرقاوي بهدوء ثقيل.
تضع نظارة سوداء كبيرة تخفي خلفها عيونًا منتفخة من البكاء، وملفًا صغيرًا بين يديها ترتجف أصابعهما.
كانت ترتدي معطفًا بيج طويلًا، وشالًا أسود يخفي جزءًا من وجهها.
الناس تمرّ من حولها بعجلة… أما هي، فالعالم بدا وكأنه تجمّد حولها.
في يدها تذكرة طيران إلى القاهرة، وفي قلبها آلاف الأسئلة التي لا إجابة لها.
ريما (تهمس لنفسها):
إزاي يا بابا؟
إزاي قدرت تعمل كل دا… وتبُصّ في وِشنا بعدين كأنك ملاك؟
رائد…
رائد اللي كنتَ بتقولي إنه خانك، طلع بريء؟
وإنت اللي قتلته؟
يا ريتني ما عرفت الحقيقة دي أبدًا.
تغلق عينيها بشدة، والدموع تهرب من تحت النظارة.
تتذكر صوت الرجل الذي اتصل بها قبل أيام، صوته كان هادئًا لكنه هزّ أعماقها:
> “اللي تربّيته عليه كله كدب يا ريما.
أبوك مراد الشرقاوي قتل الضابط رائد الكيلاني، ولبّس التهمة لناس أبرياء.
عندي الأدلة… بس نصيحتي ليك، لو عندك ضمير، ارجعي بلدك قبل ما الحقيقة تنفجر.”
منذ تلك المكالمة، لم تنم ريما ليلًا.
خوف، خجل، حيرة، وغضب من نفسها قبل أبيها.
تفتح هاتفها، تنظر إلى صورة كامل — زوجها، رجل الأعمال الجزائري الهادئ الطيب.
يبتسم في الصورة وهو يحتضنها أمام البحر.
تضع يدها على الشاشة وتهمس بصوت متهدّج:
ريما:
سامحني يا كامل…
أنا ما استاهلش راجل زيّك.
مش لأنك غلط، لكن لأني بنت الراجل الغلط.
لو بقيت معاك، صورتك هتتشوّه معايا…
ولما الناس تعرف مين أبو مراتي، هيسألوك ليه تزوجتها.
أنا مش عايزة أكون السبب إنك تخسر احترامك.
تتنهد بعمق وتفتح المذكرة الصغيرة بين يديها.
الورقة التي كتبتها بخط يدها ترتجف من الدموع التي سقطت عليها.
تقرأها في صمت قبل أن تطويها مجددًا وتغلقها بحذر.
> “كامل… سامحني على الرحيل الصامت.
مش بهرب منك، بهرب من ظلي.
أنت كنت النور اللي ما استحقّهوش.
لما تعرف الحقيقة، متكرهنيش… بس ادعي لي ألا أنسى إن كنت يوم سبب سعادتي.”
تغلق المذكرة وتضعها في حقيبتها الصغيرة.
تسمع النداء الأخير لرحلتها إلى القاهرة.
تنهض ببطء، تتنفس بعمق كأنها تودّع حياةً كاملة.
تسير نحو البوابة بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها ينهار في كل خطوة.
عيناها الزرقاوان تلمعان تحت الضوء الأبيض للمطار، مزيج من القوة والانكسار.
تتوقف لحظة عند النافذة الزجاجية، تنظر للطائرة المتجهة نحو مصر وتهمس:
ريما:
مش عارفة أروح لمين…
ولا حتى وجهي أقدر أبص فيه في المراية بعد اللي عرفته.
بس لازم أواجهه… لازم يعرف إن بنته مش هتسكت على دمه.
صوت امرأة بجانبها يسأل بلطف:
الموظفة: مدام، حضرتك رايحة القاهرة لوحدِك؟
ريما (بهدوء):
أيوه… رايحة أواجه الحقيقة.
تتجه نحو بوابة العبور، تخرج جوازها بيدٍ مرتجفة.
الشرطي يبتسم لها بابتسامة روتينية، يختم الجواز دون أن يعلم أنه يختم بداية معركة جديدة.
بينما تسير داخل الممر المؤدي للطائرة، تشعر وكأنها تترك وراءها آخر خيط أمان.
تتذكر بيتها في الجزائر، صوت كامل وهو يناديها كل صباح: “ريما، فطورك جاهز!”
تغصّ بعبرتها وتهمس دون وعي:
ريما:
وداعًا يا كامل…
ويا رب سامحني لو جرحتك.
تدخل الطائرة، تجلس قرب النافذة، تخلع نظارتها…
تسقط دمعة على التذكرة الموضوعة في يدها.
ريما (بصوت خافت جداً):
مراد الشرقاوي…
المرة دي، مش بنتك اللي هتحميك.
المرة دي، بنتك هي اللي هتكون نهايتك.
وتغلق عينيها، بينما الطائرة تبدأ بالتحرك نحو مدرج الإقلاع…
صوت محركاتها يعلو كأنما يرافق أنينها المكبوت منذ ثلاثين سنة.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 15
في ألمانيا / فيلا رامي السيوفي – جناح ليل
النهار يشرق بلون رمادي خفيف فوق نوافذ الغرفة الواسعة، المزيّنة بزهور بيضاء وورود بنفسجية.
رائحة العطور تعبق في الجو، والفتيات يتحركن بهدوء حول ليل التي تجلس أمام المرآة، عيناها الزرقاوان لا تبرقان بشيء سوى الغضب المكبوت.
تجلس إلى جوارها جميلة، زوجة خالها أدهم، وهي تحاول تهدئتها بابتسامةٍ خفيفة.
بينما كانت نيروز ترتّب خصلات شعرها الطويل بشيء من الشرود، وربى تجلس على كرسيها المتحرك، نظراتها تشعّ سعادةً خجولة وهي تتابع تفاصيل فستانها الأبيض البسيط.
صمتٌ قصير يقطعه صوت ليل الغاضب وهي تنهض فجأة:
ليل (بعصبية):
أنا مش فاهمة إزاي وصلت للمرحلة دي، يعني خلاص؟ كتب كتاب؟ بعد كل اللي عمله فيّا؟ بعد ما خطفني من بلدي، من أهلي، من أمي؟!
جميلة (بلطف):
ليل حبيبتي، أنا فاهمة وجعك، والله فاهمة، بس خالك اتكلم معاه… وصدقيني عاصم مش هيأذيك. هو بس... اتخبط، اتظلم، وبيحاول يصلح بطريقته.
ليل (تضحك بسخرية):
بطريقته؟! خطفني عشان يحميّني؟!
ده منطق جديد؟
لو كان عايز يحميني ماكانش روعني بالشكل ده.
نيروز (بهمسٍ حزين):
يمكن… يمكن هو نفسه مش عارف يحمي مين بالضبط. يمكن بيحاول يهرب من وجعه بطريق غلط.
تلتفت ليل نحوها بدهشة، تحدّق فيها:
ليل:
إنتِ بتدافعي عنه؟!
نيروز (تخفض نظرها بسرعة):
أنا… مش بدافع، بس… عاصم فقد كتير. ووقت الخسارة، الناس بتتصرف بغباء.
تتدخل جميلة، تضع يدها على كتف نيروز بلطف، ثم تقول بنبرةٍ هادئة حازمة:
جميلة:
خلاص كفاية حزن يا بنات، اليوم ده لازم يعدي بسلام. أدهم خاطر بكل حاجة علشان يجي لهنا، ومينفعش نرجّعه خايب.
ليل (تتنهّد):
بس أنا مش عايزة أتجوزه يا طنط، مش بحبه، وبخاف منه…
كل مرة بيقولي "أنا مش هأذيك"، بس عينيه بتقول العكس.
جميلة (تربت على كتفها):
ليل، أنا شفت كتير في حياتي، واتعلمت حاجة واحدة…
أوقات القدر بيربطنا بالناس الغلط علشان نعرف الصح بعدين.
خالك مش هيجبرك على حاجة، بس لو وافقتي النهارده، اعمليها علشان نفسك، علشان تطلعي من الموقف ده بكرامتك.
تسود لحظة صمت، الجميع يتأملها.
ربى تُصدر صوتًا خفيفًا — نغمة صغيرة حاولت بها التعبير، ودمعة تتلألأ في عينيها.
جميلة تبتسم وتقترب منها:
جميلة:
يا سلام يا ربى، حتى وإنتِ مش بتتكلمي، كلامك بيوصل من غير صوت. باين عليكي مبسوطة أوي النهارده.
ربى (تبتسم بهدوء وتلوّح بيديها نحو بيجاد الذي يظهر اسمه على الهاتف المحمول بجانبها)
تضحك نيروز:
نيروز:
طبعًا مبسوطة… عايشة قصة حب حقيقية، مش زينا إحنا، كلنا بنعيش نصّ حب ونصّ وجع.
ليل (تجلس ببطء على الكرسي وتغالب دموعها):
يا رب… لو فعلاً هو مظلوم زي ما بيقول خالي…
وريني الحقيقة، قبل ما أكرهه أكتر.
تقترب منها جميلة، تعدّل طرحتها البيضاء وتهمس لها:
جميلة:
خاليكي قوية زي دايمًا يا بنتي، وافتكري… مهما كانت البداية صعبة، أوقات النهاية بتفاجئنا.
نيروز (بصوتٍ مكسور):
يا ريت النهاية تفاجئنا بالراحة مش بالحزن.
تلتفت إليها ليل بنظرة دافئة، ثم تمسك يدها ويد ربى،
وتهمس ودموعها تلمع على خدّيها:
ليل:
يا رب… خلّي اليوم ده يعدّي، وما تخلّيش قلبي يندم.
*****************
في مصر فيلا الشرقاوي
الهدوء يسود المكان، لا يُسمع سوى خرير النافورة القديمة في الحديقة الأمامية، وعصافير تتهيأ للمبيت على الأغصان.
تتوقف سيارة الأجرة أمام البوابة الحديدية الكبيرة، تنزل منها ريما بخطوات متثاقلة.
شعرها مرفوع بعناية لكن عينيها الحمراوين تكشفان عن ليالٍ بلا نوم. حقيبتها السوداء في يدها، ووجهها بلا ملامح — برود غريب يكسو كل تعبيرٍ فيها.
الحارس العجوز (بدهشة):
– مدام ريما! يا ألف مرحب! دي مفاجأة والله… حضرتك رجعتي من الجزائر؟
ريما (بابتسامة باردة):
– أيوه يا عم عبدو… افتح الباب، لو سمحت.
الحارس:
– طبعًا يا هانم، نورتِ الفيلا من تاني… ربنا يرجّعك بخير وسلامة.
(تدخل بخطواتٍ هادئة نحو الداخل، وعيناها تتفحّصان المكان وكأنها تراه لأول مرة. كل زاوية تحمل ذكرى طفولتها، وصوت والدها الذي لم تعد تستطيع سماعه دون أن يوجعها قلبها.)
[داخل الصالون الكبير]
الجد عبدالرحمن الشرقاوي جالس في مقعده الوثير، يضع نظارته وهو يقرأ الجريدة، وبجانبه كوب شاي بالنعناع.
حين يسمع وقع خطواتها، يرفع رأسه ببطء، ثم تتسع عيناه فرحًا.
الجد (بدهشة ممزوجة بالفرح):
– ريما! يا بنتي! دي مش ممكن! إزاي كده من غير لا تليفون ولا خبر؟
ريما (تتقدّم نحوه وتقبّل يده):
– وحشتني يا جدي…
الجد (يضحك بسعادة):
– وأنا أكتر يا روح جدك! شوفتوا يا ناس؟ دي ريما، بنت مراد، رجعت أخيرًا!
(ثم يتأملها قليلًا بقلق)
– بس مالك؟ وشّك متغير… التعب باين عليكي.
ريما (تجلس قبالته بهدوء مصطنع):
– يمكن السفر الطويل… أنا تعبانة شوية بس.
الجد:
– طب فين كامل؟ جوزك؟ كنت فاكركم هتيجوا سوا!
ريما (تشيح بنظرها وتبتسم ابتسامة صغيرة باهتة):
– هو… ما قدرش ييجي، عنده شغل مهم. جيت لوحدي المرة دي.
الجد (بحنان):
– آه… طيب، خير إن شاء الله. بس شكلك مش على بعضك يا بنتي. في حاجة مضايقاكي؟
ريما (بصوت منخفض):
– لأ، أبداً يا جدي… يمكن بس وحشتوني. حبيت أرجع أشوفكوا شوية.
الجد (يمد يده نحوها):
– ربنا ما يحرمني منك يا بنتي....
(يصمت قليلاً وهو يراقب عينيها)
– بس في حاجة جواكي، حاسس بيها، نظرتك مش زي زمان.
ريما (تغلق عينيها لحظة، ثم تفتحها بابتسامة حزينة):
– يمكن كبرت يا جدي… لما الواحد يعرف حاجات ما كانش لازم يعرفها، بيتغير غصب عنه.
الجد (مستغرب):
– حاجات؟ تقصدي إيه يا بنتي؟
ريما (تهز رأسها سريعًا):
– ولا حاجة… صدقني، ولا حاجة تستاهل. خلينا نحكي بعدين، لما أروق شوية.
الجد (بابتسامة حنون وهو يربت على يدها):
– زي ما تحبي يا ريما… خدي راحتك. بس أنا قلبي دايمًا معاكي.
(ثم ينادي الخادمة)
– يا فوزية، حضّري أوضة ريما فوق، ونظّفيها كويس، بنتي هتقعد معانا كام يوم.
ريما (بهدوء):
– مش كام يوم يا جدي… يمكن أكتر.
(تتأمل الفراغ بعينيها)
– يمكن أرجع أقعد هنا… للأبد.
الجد (يضحك وهو يظنها تمزح):
– للأبد؟ الله، يا ريت! دي أحلى هدية ليا قبل ما أموت.
ريما (بهمس وهي تنظر في عينيه):
– ما تقولش كده يا جدي… في ناس كتير لسه لازم يعيشوا ويكفّروا عن اللي عملوه… قبل ما تموت.
**********************
صوت خطوات نسائية خافتة على الرخام، تتبعه رائحة عطر مألوفة.
يدخل الجد عبدالرحمن وهو ما يزال يتحدث مع ريما حين يسمع صوتاً ناعماً يناديه من المدخل
نرمين:
– بابا؟ سمعت إن ريما رجعت! فينها؟
الجد عبدالرحمن (يبتسم بخفة):
– أهي قدامك يا نرمين، رجعت فجأة كده من غير لا تليفون ولا سلام!
(تتجه نرمين بخطوات سريعة نحو ريما، ملامحها متوترة لكن تخفيها بابتسامة دافئة.
تفتح ذراعيها وتعانق ابنتها بقوة.)
نرمين (بحنين حقيقي):
– حبيبتي! وحشتيني قوي يا روحي… ليه كده يا بنتي؟ ليه ما كلمتنيش قبل ما تيجي؟
ريما (بصوت منخفض، خالٍ من المشاعر):
– كنت محتاجة أرجع من غير ما حد يعرف.
نرمين (تتراجع قليلاً لتنظر إليها):
– ليه يا ريما؟ حصل إيه؟ وشك شاحب… كامل زعلك؟
ريما (تنظر إلى أمها نظرة طويلة، غريبة، تحمل شيئًا من الاشمئزاز المكتوم):
– لا، محدش زعلني.
الجد عبدالرحمن (يحاول كسر التوتر بابتسامة):
– خلاص يا بنتي، خدي راحتك شوية، وأنا أطلع أوضتي. أكيد تعبانة من السفر الطويل.
ريما (تبتسم له بخفة):
– شكرًا يا جدي، ارتاح إنت.
(الجد يغادر بهدوء، يترك خلفه صمتًا ثقيلاً بين الأم وابنتها.
نرمين تحاول أن تقترب أكثر، لكنها تشعر بأن شيئاً ما انكسر بينهما.)
نرمين (بلطف):
– طب إحكيلي يا حبيبتي… إيه اللي رجعك كده فجأة؟ كنتوا كويسين إنتي وكامل، مش كده؟
ريما (تضحك بسخرية خافتة):
– كنا كويسين… لحد ما الحقيقة وصلتني.
نرمين (تجفل قليلاً):
– حقيقة؟ أي حقيقة؟
ريما (تنظر في عينيها مباشرة):
– إنتِ مش حابة تسمعيها، صدقيني.
نرمين (تضحك بتوتر وهي تحاول السيطرة على نفسها):
– ريما، انتي مرهقة… يمكن فهمتي حاجة غلط.
ريما (بهدوء مخيف):
– لا يا ماما… المجهول ما بيتصلش بالغلط.
نرمين (تتجمد في مكانها، تهمس بصوت مبحوح):
– مجهول؟! أنهي مجهول؟ إنتِ بتتكلمي عن إيه؟
ريما (تشيح بوجهها وتنظر إلى لوحة على الجدار):
– عن الحق… اللي ساكتين عليه بقالكم سنين.
(تتوقف لحظة، ثم تهمس وهي تبتسم بمرارة)
– غريبة، كنت دايمًا فخورة بيك يا ماما، لحد ما عرفت إن الصمت أوقات بيبقى أبشع من الجريمة نفسها.
نرمين (بصوت مرتعش):
– ريما، انتي بتظلِميني… أنا عملت كده علشانك… علشانكوا إنتو الاتنين!
ريما (تلتفت بحدة):
– علشاني؟! ولا علشانه؟ علشان الراجل اللي غرق في الدم وبقى قاتل وبتغطي عليه؟
نرمين (تتراجع خطوة، تحاول التماسك):
– ريما… اسكتي! الحيطان ليها ودان.
ريما (تضحك بخفوت وهي تهز رأسها):
– لا تقلقي، مش ناوية أفضحكم دلوقتي. مش هنا.
(ثم تهمس بنبرة جامدة)
– بس لما أتكلم… مش هيسكت حد بعدها.
نرمين (تدمع عيناها):
– بنتي، إنتي مش فاهمة… هو غلط، أيوه، بس فيه تفاصيل… فيه أسباب.
ريما (تقاطعه):
– أيوه… دايمًا فيه أسباب تخلي الناس تقتل وتكذب وتخون.
(ثم تقترب منها ببطء)
– بس مفيش سبب يخلي أم تفضل ساكتة على الدم.
نرمين (بصوت مكسور):
– كفاية يا ريما… كفاية بقى! أنا… أنا كنت بحميكم.
ريما (بنظرة قاسية):
– لأ، كنتي بتحمي نفسك…
(ثم تلتقط حقيبتها وتهمس وهي تتجه نحو الدرج)
– ما تخافيش، مش هعمل حاجة دلوقتي… بس صدقيني، الساعة دي قريبة قوي.
(تتركها وتصعد للطابق العلوي بخطوات هادئة،
بينما نرمين تقف في مكانها تبكي بصمت، تضع يدها على صدرها كأنها تخشى أن يسمع قلبها ما كانت تكتمه سنين.)
نرمين (تهمس لنفسها وهي تبكي):
> "ربنا يستر… البنت عرفت كل حاجة."
******************
في فيلا “رامي السيوفي” – ألمانيا.
الحديقة الخارجية أُعدّت بعناية لهذا اليوم، مصابيح بيضاء صغيرة تلتف حول الأشجار، وموسيقى هادئة خافتة تنساب من مكبرات الصوت. الهواء بارد، والسماء رمادية كأنها تشارك في المشهد بخجل.
وقفت ليل بثوبٍ أبيض بسيط لكنه أنيق، وجهها شاحب، وعيونها ممتلئة بالغضب أكثر من أي شعور آخر. كانت نظراتها لعاصم باردة، لا تشبه أبداً نظرات عروس لعريسها.
بجانبها جلس خالها أدهم، بوجهٍ جامد يخفي خلفه توترًا لا يوصف.
أما عاصم، فكان يقف بهدوء وثقة، ببدلة سوداء، ملامحه صارمة لكنها تحمل شيئاً من الحزن المكبوت.
نيروز كانت في الجهة الأخرى، ترتدي فستاناً أزرق داكناً، تجاهد أن تخفي ألمها وهي تنظر إلى عاصم من بعيد. بجانبها سليم القيصري، الذي بدا عليه الارتباك، يبتسم بخجل وهو يحاول مواساتها بعينيه.
أما ربى فكانت على كرسي متحرك، فستانها الأبيض ينسدل برقة على ساقيها المشلولتين، ودموع الفرح تغمر عينيها وهي تنظر إلى بيجاد الذي لم يرفع نظره عنها منذ أن دخل المكان.
القاضي (بصوت رسمي):
بسم الله الرحمن الرحيم... نبدأ بعقد القران الأول بين السيد عاصم خالد القاسمي والسيدة ليل زياد الزهراوي.
هل أنتِ موافقة يا ليل؟
ليل (تنظر لأدهم بحنق):
خالـي... (بصوت خافت) أنت متأكد من اللي بتعمله؟
أدهم (بصوت منخفض لكنه حازم):
متأكد يا حبيبتي... صدقيني، هو مش زي ما تتخيلي. وافقي... علشان خاطري.
صمتت ليل للحظات، ثم أغلقت عينيها وكأنها تستسلم لقدرها.
ليل (بصوت مبحوح):
موافقة.
رفع عاصم عينيه نحوها للحظة، امتزجت في نظرته الراحة بالألم.
القاضي:
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.
صوت التصفيق الخافت يعلو، لكنه لا يحمل أي فرح حقيقي سوى في عيني ربى وبيجاد.
جميلة (تقترب من ليل وتهمس لها):
اعرف إنك متضايقة يا ليل، بس ثقي إن كل اللي بيحصل ده لحمايتك مش أكتر.
ليل (بحدة مكتومة):
حمايتي؟! من مين؟ من شخص خطفني من بلدي واتهم بابا بالقتل؟
جميلة (تخفض صوتها):
اصبري... خالك مش ممكن يرضى يزوجك إلا لو كان في حكمة ورا اللي بيعمله.
تتنفس ليل بعمق وتشيح بوجهها.
القاضي:
والآن... السيد بيجاد الراوي والسيدة ربى خالد القاسمي.
ربى تغمض عينيها، وبيجاد يمسك يدها برقة ويقبلها برهبة، والدموع في عينيه.
بيجاد (بصوت مرتجف):
موافقة يا ربى؟
ربى (تحرك رأسها بالإيجاب، ودموعها تنهمر).
القاضي:
بارك الله لكما وجمع بينكما في خير.
جميلة تبتسم بحرارة، ونيروز تمسح دموعها بصمت.
القاضي:
وأخيراً، السيد سليم القيصري والسيدة نيروز السيوفي.
نيروز تحاول الابتسام لكنها تفشل، ترفع رأسها وتنظر نحو عاصم للحظة، كأنها تودّعه بصمت، ثم تقول:
نيروز (بهدوء):
موافقة.
سليم القيصري يبتسم لها باحترام ويحني رأسه قليلاً، في نظراته وعدٌ بالحنان والصدق.
بعد انتهاء العقود الثلاثة، خيّم الصمت على المكان للحظات، كأن الجميع يحاول أن يصدق أن كل هذا حدث فعلاً.
أدهم (يتمتم لعاصم وهو يضع يده على كتفه):
خلصنا من أول خطوة... بس الطريق لسه طويل يا عاصم.
عاصم (ينظر أمامه بعزم):
الطريق بدأ للتو يا أدهم... بدأ الطريق اللي هينتهي بسقوط مراد الشرقاوي.
جميلة تنظر إليهما بقلق، بينما ليل تبتعد بخطوات بطيئة نحو الداخل، فستانها الأبيض يجر خلفه ظلالاً من الحزن والألم.
*********************
في جناح العرسان في فيلا رامي – ألمانيا.
الجو هادئ، ضوء الشموع ينعكس على الجدران، والهواء محمّل برائحة الورد الأبيض والياسمين.
ربى تجلس على كرسيها المتحرك قرب النافذة، ترتدي فستانها الأبيض الناعم، شعرها منسدل، وعيناها تشعّان بلمعان خاص من السعادة والخجل.
بيجاد يقف خلفها، ينظر إليها كما لو كان ينظر إلى الحلم الذي تحقق أخيرًا.
بيجاد (بصوت مفعم بالدفء):
مين كان يصدق يا ربى... بعد كل اللي مرينا بيه، هتيجي ليلة زي دي؟
ليلة نكون فيها لبعض، بعيد عن الوجع والخوف والدموع.
يتنفس بعمق، يقترب منها بخطوات بطيئة حتى يجثو على ركبتيه أمامها.
بيجاد (بابتسامة حزينة):
كنتِ دايمًا تقولّي بعينيك إنك مش ناقصة حاجة...
بس أنا كنت شايف كل حاجة، كنت سامع صمتك بيصرخ.
كنت بشوف الحزن اللي بتحاولي تخفيه عن الكل... عن أخوك، عن نفسك.
يمسك بيدها برفق، يرفعها إلى شفتيه، ويقبّلها بخفة.
بيجاد:
بس خلاص...
من النهارده، الصمت مش هيكون لغتك الوحيدة، هخلي العالم كله يسمعك بطريقتي.
تتساقط دموع ربى بهدوء، شفتيها ترتجفان قليلاً، وابتسامة صغيرة تتشكل، بالكاد تُرى، لكنها صادقة.
بيجاد (يبتسم رغم الدموع في عينيه):
شوفت؟ حتى دموعك بتحكي أكتر من ألف كلمة.
أنا فاهمك يا ربى...
فاهم إنك فرحانة وخايفة، فرحانة بيا... وخايفة عليا.
يقف، ثم يدفع كرسيها برفق نحو السرير المغطى بالورود البيضاء، يجلس أمامها على الأرض، يضع رأسه على ركبتيها، وهي تلمس شعره بأطراف أصابعها المرتجفة.
بيجاد (بصوت مبحوح):
أنا بوعدك...
إن اليوم ده مش هيكون نهاية، ده بداية.
بداية جديدة ليكي، لجسدك اللي هيتحرر، لروحك اللي هتطير تاني.
ينظر إليها بعينين دامعتين، صوته يختنق بالعاطفة.
بيجاد:
هخليكي تمشي يا ربى...
هخليكي تمشي حتى لو اضطرّيت أتعلم الطب بإيدي.
مش هسيب مستشفى في ألمانيا ولا برّاها إلا وهعرف سر حالتك.
وهفضل جنبك كل لحظة، لحد اليوم اللي تقوم فيه رجلك وتجيلي لوحدك.
ربى تغلق عينيها والدموع تفيض على خديها.
تفتحها ببطء وتنظر إليه، بنظرة مليئة بالحب واليقين، كأنها تقول: "أنا مؤمنة بيك".
بيجاد (بابتسامة مؤلمة):
بس في وعد تاني... وعد لنفسي وليكي.
اللي عمل فيك كده... اللي دمّر حياتك...
مش هيعيش في سلام.
أنا مش هسيبه، يا ربى. مش بعد اللي عمله.
تتسع عينا ربى، نظرتها تصير قلقة، تمسك يده بقوة، كأنها ترجوه بالصمت.
بيجاد (ينظر إليها، ثم يتنهد):
ما تخافيش... مش هخلي الانتقام يسرقني منك.
بس هخلي الحق يرجعلك... بطريقتي، بهدوء، من غير دم.
أنا مش عايزك تبقي شاهدة على وجع تاني.
يصمت لحظة، ثم يرفع رأسه، يبتسم بحنان ويمسح دموعها بإبهامه.
بيجاد:
الليلة دي ليكي، يا ربى...
ليلة سلام، وراحة، وبداية حياة جديدة.
يقترب منها ببطء، يضع جبينه على جبينها، يهمس:
بيجاد:
بحبك... أكتر مما كنت أتصور إن القلب ممكن يحب.
ربى تغلق عينيها، وتبتسم بخجل، ودمعة تسيل على خدها.
الضوء الخافت ينعكس على وجهيهما، كأنهما اثنان خلقا ليتكاملا رغم كل شيء.
*******************
في الجناح المخصص لسليم القيصري ونيروز – فيلا رامي / ألمانيا.
الساعة تقترب من منتصف الليل، الأجواء هادئة، لكن ثقل الصمت يملأ الغرفة.
الشموع الموزعة حول المكان تذوب ببطء، ورائحة الخزامى تنتشر في الجو.
نيروز تجلس على حافة السرير، ما تزال بثوبها الأبيض البسيط، تنظر إلى الأرض بعينين زجاجيتين، تغالب دموعها، تحاول أن تبدو متماسكة لكنها تفشل في كل مرة.
وسليم يقف عند النافذة، يداه في جيبيه، ينظر إلى الخارج بصمت، كأنه يعطيها المساحة لتتنفس بعد الليلة الطويلة.
سليم (بصوت منخفض، هادئ):
الليلة كانت طويلة...
يمكن أطول من أي ليلة في حياتك، صح؟
نيروز لا ترد، فقط تومئ برأسها بخفة، والدموع تلمع في عينيها.
سليم (يقترب منها بخطوات بطيئة):
أنا عارف إنك مش سعيدة...
ولا كنتِ عايزة اللي حصل،
بس صدقيني يا نيروز... أنا مش هنا علشان أكون عبء عليك.
يجلس على الكرسي المقابل لها، يترك بينهما مسافة احترام واضحة.
سليم:
أنا يمكن ما أكونش الحب اللي كنتِ بتحلمي بيه،
بس أقدر أكون الأمان اللي محتاجاه دلوقتي.
نيروز ترفع نظرها نحوه لأول مرة، عيناها محمرتان من الدموع.
نيروز (بصوت مبحوح):
الأمان؟
هو فين الأمان يا سليم؟
أنا كنت بحلم بحاجة بسيطة... نظرة، إحساس... بس كل ده راح.
كل حاجة راحت، حتى أنا...
صمت ثقيل يخيّم على المكان، وسليم يزفر بهدوء، ثم يمد يده نحو كوب الماء على الطاولة ويناولها إياه.
سليم (بلطف):
اشربي...
الدموع بتتعب، وأنا مش عايز أشوفك بتتألمي أكتر.
تأخذ الكوب منه بتردد، تشرب رشفة صغيرة، ثم تعيده، ويدها ترتجف قليلاً.
سليم (ينظر إليها بصدق):
بصّي يا نيروز...
أنا مش داخل حياتك علشان أمحي اللي بتحسيه،
ولا علشان أكون بديل لأي حد.
لكن أنا راجل،
ولو ربنا كتب إننا نعيش تحت سقف واحد،
فأنا عليّا واجب...
أصونك، وأحميك، وأخلي الناس كلها تشوف فيكي الاحترام اللي تستحقيه.
نيروز تدمع أكثر، وتخفض رأسها بخجل ووجع في آن واحد.
نيروز:
أنا آسفة...
أنا مش قادرة أديك حاجة،
ولا حتى ابتسامة حقيقية.
سليم (بلطف، بابتسامة خافتة):
ما طلبتش منك حاجة، يا نيروز.
كل اللي عايزه منك... إنك ترتاحي.
خلي الوقت هو اللي يتكلم، مش أنا.
يتنهد، ويقف، ثم يضع بطانية خفيفة على كتفيها.
سليم:
أنا هنام في الغرفة التانية اللي جنب دي،
لو احتجتي أي حاجة، أو حتى لو تعبتي من الصمت... ناديني.
مش لازم تتكلمي،
وجودي لوحده كفاية.
نيروز ترفع رأسها، تنظر إليه بعينين دامعتين، تقول بصوت خافت:
نيروز:
سليم...
إنت طيب أوي.
الطيبة دي بتوجّعني.
سليم (يبتسم نصف ابتسامة):
الطيبة مش ضعف يا نيروز...
دي بس طريقة مختلفة للحرب.
أنا بحارب كل يوم... بس من غير ما أؤذي.
يتجه نحو الباب، يتوقف لحظة، يلتفت إليها بابتسامة هادئة:
سليم:
نامي وانتِ مطمنة...
البيت هنا فيه راجل مش هيأذيك، ولا هيخليكِ تبكي تاني.
ثم يخرج بهدوء، تاركًا خلفه ظلال رجل اختار أن يكون سندًا لا قيدًا.
نيروز تتابعه بعينيها، يختلط في قلبها الامتنان بالحزن، وتهمس لنفسها:
نيروز (بهمس):
لو كان العالم كله زيك... يمكن كنت صدّقت إن فيّ عدل.
تغلق عينيها، والدمعة الأخيرة تنزلق على خدها، في هدوء يليق بانكسارٍ ناعمٍ يشبهها.
**********************
في ألمانيا – فيلا رامي السيوفي – الدور اللي فوق – أوضة عاصم وليل بعد كتب الكتاب
الأوضة فخمة وهادية، بس الهوا فيها متوتر كإنه بيتنفس غضب.
ليل قاعدة على طرف السرير، ضامة دراعيها على صدرها، ونظرتها نار.
أما عاصم، واقف قدام المراية بيظبط زرار قميصه الأبيض بكل برود، كأنه مش شايف العاصفة اللي واقفة قصاده.
ليل (بغضب مكتوم):
مش مصدّقة اللي بيحصل ده بجد… كتب كتاب؟! ده جواز غصب!
عاصم (بهدوء مستفز):
غصب؟ لأ يا آنسة… محدش غصبك على حاجة.
خالك بنفسه وكيلك، يعني الجواز قانوني وشرعي تمام.
ليل (رافعه حواجبها بسخرية):
شرعي؟!
تخطفني من بلدي ومن أهلي، وتتهم بابا بالقتل، وبعد كده تقولّي "زوجتك الشرعية"؟!
إيه المسخرة دي يا سيادة المحترم؟!
عاصم (يتنهد ويبتسم بسخرية خفيفة):
يا بنت الناس… العيال اللي بيعاندوا لازم يتعلّموا الأدب الأول قبل ما يتكلموا عن المسخرة.
ليل (بتقف غاضبة):
عيال؟! أنت بتكلّمني كأني بنت خمس سنين؟!
عاصم (بيقرب منها بخطوات بطيئة، وإيديه في جيبه):
أيوه… عشان بتتصرفي كده.
طفلة مدلّعة، متعودة الكل يدور حواليها.
ليل (بتزعق):
أنا مدلّعة؟!
أنت اللي مغرور ومتكبّر، فاكر نفسك ربّ الناس، والكل لازم يسمعك!
عاصم (بابتسامة جانبية باردة):
لو كنت ربّ الناس، كنت خلتّك تسكتي دلوقتي.
ليل (غاضبة):
جرّب!
عاصم (بيرفع حاجبه بسخرية خبيثة):
ليه؟ خايفة أقدر؟
ليل (بتتراجع خطوة، بس ترفع راسها بعناد):
أنا ما بخافش منك…
ولو فاكر إني هقبل الوضع ده، تبقى غلطان!
أول ما أرجع مصر… هطلّق!
عاصم (يقعد على الكرسي الجانبي، صوته هادي بس فيه قوة):
مش راجعة مصر قبل ما كل حاجة تخلص.
والطلاق؟
(يضحك ضحكة قصيرة)
هيحصل لما أنا أقول.
ليل (بتتقدّم نحوه بحدة):
مش أنت اللي هتقرر حياتي ولا مصيري!
عاصم (بثبات):
وأنا اللي بحمي حياتك دلوقتي.
فاهمة؟
الناس اللي كان ممكن يؤذوكي… أنا اللي بينك وبينهم.
ليل (بتهكم):
آه طبعًا… الخاطف الطيب اللي بيحمي ضحيته!
قصص كده كنت بشوفها في المسلسلات اللي ما تتشافش.
عاصم (يضيق عينيه وبيقرب منها ببطء، لحد ما تحس بأنفاسه):
وكان يعجبك الأبطال فيها… مش كده؟
ليل (ترتبك لحظة، بس تخبيها بعبوس):
أنت مش بطل… أنت كابوس.
عاصم (بابتسامة ناعمة فيها سخرية):
كابوس؟
تمام… بس خلي بالك، ساعات الكوابيس بتبقى الحقيقة الوحيدة اللي بتحميكي من الناس اللي فعلاً بيكرهوكي.
ليل (تشيح بوشها):
مش عايزة حمايتك.
عاصم (بصوت خافت عميق):
مش دايمًا اللي بنختاره هو اللي بينقذنا يا ليل.
يسود الصمت.
اللحظة تقيلة.
ليل تبص للأرض، نفسها متقطع من الغضب المكبوت،
وعاصم بياخد نفس عميق كأنه بيحارب نفسه عشان ما ينفجرش.
ليل (بهمس مبحوح):
أنا بس… عايزة أرجع.
عايزة حضن أمي.
عاصم (صوته يلين فجأة، بنغمة صادقة):
هترجعي…
بس بعد ما أخلّص كل ده.
أقسم لك.
ليل (بدموع في عينيها):
وأقسمت قبل كده لما خطفتني؟
عاصم (بهدوء):
لأ… المرة دي مختلفة.
المرة دي بحلف علشانك… مش عليكِ.
ليل تبصله ساكتة…
مش مصدّقة، بس في حاجة جواها بتتهز… زي خيط دفا خفيف وسط كل البرد.
عاصم (بابتسامة خفيفة):
دلوقتي نامي يا طفلة… الأطفال لازم يناموا بدري.
ليل (ترفع المخدة بتهديد):
لو ما خرجتش من الأوضة حالًا… هضربك بيها!
عاصم (يضحك لأول مرة بصدق وهو ماشي ناحيت الباب):
يا ربّي… فعلاً طفلة عنيدة.
(يهمس وهو بيخرج):
بس شكلها هتربّيني أنا كمان.
ليل تبص للباب اللي خرج منه،
وابتسامة صغيرة غصب عنها تطلع على شفايفها وهي تهمس:
ليل (بهدوء):
مغرور… بس غريب.
******************
الليل يغمر ألمانيا بسكونٍ ناعم، والثلج يتساقط بخفة خلف النوافذ الكبيرة. في الطابق العلوي من الفيلا، جلس رامي على طرف سريره، الغرفة شبه مظلمة، تضيئها فقط شمعة صغيرة على الطاولة بجانب صورة قديمة تجمعه بوالديه الراحلين. كان يرتدي قميصًا أسود مفتوح الأزرار قليلاً، وشعره مبعثر كأنه لم يلامس النوم منذ أيام.
يأخذ الصورة بين يديه... يمرر أصابعه على وجهيهما بابتسامة حزينة.
رامي (بصوتٍ منخفض):
كنتم دايمًا تقولولي “خلي بالك من نيروز يا رامي، هي روحك قبل ما تكون أختك”...
وها أنا، حافظت عليها زي ما وعدتكم.
حتى وهي كانت بتصرخ في وشي وتقولي إنها مش عايزة تتجوز... كنت عارف إنها محتاجة حد يحتويها، يوقف جنبها.
وسليم... سليم مش وحش يا بابا، مش وحش يا ماما.
هو طيب، بس الدنيا علمته القسوة قبل الأوان.
(ينخفض صوته أكثر، كأنه يهمس لروحه)
عارف يا ماما... هي يمكن دلوقتي مش سعيدة، يمكن بتبكي، بس سليم هيحبها...
وهي كمان هتتعلم تحبه، غصب عنها يمكن... بس هتحبه.
(يصمت لحظة، يبتسم وهو يحدّق في الصورة)
بتضحكي كده يا ماما؟ عارف، كنتي دايمًا تقوليني إن الحب مش لازم ييجي ناعم... أوقات بييجي زي المطر في عز العاصفة.
ونيروز... نيروز كانت دايمًا المطر بتاعي.
(يتنهد بعمق، يمرر يده على شعره، صوته يرتجف بخفة)
لو كنتوا هنا
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 16
أحد المارة (بفزع):
يا ساتر يا رب! الحادث لسه حصل قدّامي!
واحد تاني:
يا جماعة بسرعة… حد يتصل بالإسعاف! في واحد جوّه العربية!
الناس بتتجمع حوالين العربية، واحد منهم بيحاول يفتح الباب المتدمّر، والدم نازل من جبين زياد، راسه ميلة على الكرسي، وإيده لسه ماسكة الدركسيون كإنه مش راضي يستسلم
راجل كبير (يحاول يجرّ الباب):
الباب مقفول ومش راضي يفتح! حد يجيب عتلة ولا أي حاجة!
شاب:
استنّى! في شرخ في الإزاز الأمامي… نقدر نسحبه من هنا!
الشاب يطلع فوق مقدمة العربية ويمد إيده جوّا، يلمس كتف زياد برفق
الشاب:
يا عم… سامعني؟ افتح عينك كده… حاول ترد عليا!
زياد يفتح عينه نص فتحة، صوته واطي ومكسور
زياد (بصوت ضعيف):
مـ… مراد… ال… الخاين… ليــل… بنتي…
الشاب (مرعوب):
يا جماعة! بيتكلم! الراجل لسه عايش! الإسعاف فين بقى؟!
واحد:
قالوا جاية… خمس دقايق وتوصل!
يحاولوا يطلعوه بهدوء، الدخان بيزيد، والإزاز بيتفتت تحت رجليهم. واحد يحط جاكيته تحت راس زياد بعدما خرجوه أخيرًا
الشاب (بهمس):
اهدّى يا عم… خلاص… خلاص… ما تتكلمش دلوقتي.
زياد (يحاول يرفع راسه بصعوبة):
قول… لحور… قولّها… ما تخافش…
(دم بينزل من بقه، وكلامه بيقطع)
مـ… مراد… هو… الشيطان…
الراجل الكبير (مزهول):
مراد؟ مراد مين يا ابني؟! يقصد مين؟!
الشاب:
ما نعرفش… يمكن حد كان وراه… المهم يلحقوه قبل ما يروح منّا!
صوت الإسعاف بيعلى، النور الأزرق مالي الشارع. زياد يفقد وعيه تمامًا. المسعف يقرب ويرفع راسه يبص عليه
المسعف:
ضغطه نازل قوي… ونزيف جامد! لازم يتحرّك على المستشفى حالًا!
يحطّوه على النقالة، يقفلوا باب الإسعاف، والسرينة تشق الليل… الناس واقفة مرعوبة
ست واقفة بينهم (بصوت حزين):
يا عيني عليه… شكله كان رايح في مصيبة كبيرة… ربنا يستر عليه.
**********************
فيلا الشرقاوي – مكتب مراد الشرقاوي – القاهرة، نص الليل
الأوضة فخمة، نورها هادي وخافت. ريحة السيجار مالية المكان.
مراد قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة سودا، وعينيه فيها لمعان خطر.
قدّامه كاس نصه متعبي، والموبايل بيهتز.
مراد (بيرفع التليفون ببطء، صوته هادي وواثق كإنه عارف المكالمة هتقول إيه):
أيوه؟
صوت غامض من التليفون:
…تمّ كل حاجة يا باشا.
(ابتسامة باردة ترسم على وشّ مراد. يحط التليفون على المكتب وبيرجع على الكرسي، يضحك ضحكة صغيرة خبيثة.)
مراد (بصوت واطي مبحوح):
وأخيرًا يا زياد… اللعبة خلصت.
(يقوم من مكانه، يمشي ناحية الإزاز اللي بيطلّ على القاهرة. يبصّ للأنوار البعيدة كأنها بقايا حياة قديمة.)
مراد:
كام مرة كنت إنت الـ"مثالي"، المحبوب…
اللي أبويا كان بيتمنّى تكون ابنه… مش أنا.
(يضحك ضحكة قصيرة مرّة)
كان دايمًا يقول: اتعلّم من زياد يا مراد… شوف أخلاقه…
(يخبط على الإزاز بقبضته جامد. الكاس على المكتب يتهزّ.)
مراد (يقولها وهو بيعضّ على سنانه):
نشوف بقى… مين هيفتكر اسمك بعد النهارده يا زياد.
ومين اللي هيقف قدّام مراد الشرقاوي بعد ما أسحق اسمك تحت رجليّ.
(يمسك الكاس ويرفعه كأنه بيعمل نخب انتصار مسموم.)
مراد:
قصتك خلصت… ودلوقتي جه دور أدهم.
الوصي اللي فاكر نفسه فاهم وبيعرف كل حاجة…
(يضحك بخفة فيها جنون)
هتلحق بابن عمّك قريب… يا أدهم.
(نور الأوضة يخفّ حتة بحته… وصوته يفضل بيطنّ في الضلمة.)
مراد (بهمس تقيل مظلم):
الشرق ما يتسعّش لملكَين…
والملك هنا… أنا.
******************
في فيلا مازن الزهراوي – القاهرة، بعد منتصف الليل بقليل
الجو مشحون بالقلق، المطر يهطل بغزارة، والرعد يهزّ النوافذ.
تُفتح الباب فجأة، تدخل حور مسرعة وهي ترتجف، شعرها مبعثر ووجهها شاحب كأنها رأت شبحًا.
تسقط حقيبتها أرضًا وتصرخ باسم شقيقها.
حور (بصوت متقطع، لاهث):
مازن! مازن بسرعة… لازم تروح! لازم تروح ورا زياد!
مازن (ينهض من الأريكة بذهول، يرتدي بيجامته):
إيه اللي حصل يا حور؟! مالك؟ شكلك مرعوب!
حور (تتقدم نحوه، تمسك بذراعه بعنف):
زياد! راح لمراد… ومعاه سلاح! أنا حاولت أوقّفه، حاولت والله! بس كان غاضب… غاضب بطريقة تخوف يا مازن!
ملك (تخرج من المطبخ بخوف، تقترب ببطء):
سلاح؟! زياد؟ مستحيل، دا عمره ما يتهور كده! في إيه يا حور، اتكلمي بالعقل؟
حور (تنتفض وتصرخ):
العقل؟! مفيش عقل دلوقتي! مراد… مراد مش الإنسان اللي كنتوا فاكرينه!
مازن (يحاول تهدئتها، يمسك بكتفيها):
استني… انتِ بتقولي إن مراد عامل حاجة؟ إيه اللي خلا زياد ياخد سلاح؟
حور (تبدأ دموعها تنهمر، صوتها مبحوح):
ماعرفش كل حاجة، بس عرفت إنه السبب… السبب في كل اللي حصل…
(تشهق)
ليل… اختُطفت بسببه… و زياد فهم ده متأخر… و دلوقتي رايح ينتقم.
ملك (تضع يدها على فمها، مذهولة):
يا ربّ السّتر…!
مازن (بغضب):
هو اتجنن؟! رايح له لوحده؟ و بالسلاح كمان؟! دا انتحار يا حور!
حور (تهز رأسها بيأس):
قلت له كده، قلت له… بس كان في عيونه حاجة غريبة، كأنه مش شايفني!
كان بيقول إنه لازم "ينهي المهزلة"، كان بيكسر حاجات في المكتب، وأنا… أنا خفت منه!
ملك (تقترب من حور، تمسك يدها بلطف):
اهدّي يا حور، يمكن لسه ملحقينه، يمكن لسه في الطريق.
مازن (يتجه مسرعًا نحو الباب، يلتقط مفاتيح سيارته):
أنا رايح له فورًا. لو لسه ما وصلش، يمكن أقدر أمنعه قبل ما تحصل مصيبة.
حور (تتبعه، تصرخ برجاء):
مازن! أوعَ تسيبه لوحده! مراد مش طبيعي، مش طبيعي يا مازن!
مازن (يلتفت نحوها قبل أن يخرج، بنبرة حازمة):
ولا زياد برضو، لما غضبه يسيطر عليه…
(يتنفس بعمق)
بس أوعدك، مش هسيب أخويا يضيع بسبب شيطان زي مراد.
ملك (تلحقه بخطوات قلقة):
خد بالك من نفسك يا مازن، الجو ممطر والطريق زلق.
مازن (وهو يفتح الباب):
ادعي بس نلحقه في الوقت المناسب.
(يغادر مسرعًا، وصوت المحرك يتلاشى في العاصفة.)
داخل الفيلا – بعد دقائق
تجلس حور على الأريكة، ترتجف وهي تضم وشاحها إلى صدرها، وملك تجلس بجانبها، تمسح دموعها.
تتبادلان نظرات الخوف، والصمت يخيّم على المكان إلا من صوت المطر وضجيج الرعد.
ملك (بهمس):
تحسي إن في حاجة وحشة جاية، صح؟
حور (تنظر للأرض، بصوت مرتجف):
مش إحساس يا ملك… قلبي بيقولي إن المصيبة بدأت فعلاً.
(تسقط دمعة من عينيها، وتغلق المشهد على وجهها الحزين، ينعكس فيه ضوء البرق البعيد.)
**********************
في ألمانيا – فيلا رامي، منتصف الليل
السماء ملبّدة بالغيوم، والمطر يقرع النوافذ بإصرار كأنه يهمس بحزنٍ غامض.
في الغرفة، الأضواء خافتة، وهدوء ثقيل يخيّم على المكان.
ليل تنام على السرير، وجهها متعب وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.
على الأريكة المقابلة، عاصم يغطّ في نومٍ خفيف، رأسه مائل، والملفّات متناثرة بجانبه.
وفجأة،
ليل (تصرخ فجأة وهي ترفع جسدها من السرير، بصوت مبحوح):
باباااا!! لاااااااا!!
(تجلس تتنفس بسرعة، أنفاسها تتلاحق، ودموعها تنهمر دون توقف، كأنها عادت من حلمٍ غارقٍ في الرعب.)
عاصم (يفيق مذعورًا، يقف بسرعة):
ليل! إيه اللي حصل؟! كابوس؟
(يتقدم منها بخطوات مترددة، يمد يده لكنه يتراجع قليلًا حين يراها تنتفض وتضع يديها على رأسها.)
ليل (تبكي، بصوت مرتجف):
كان… كان بيتألم!
بابا… شُفته… الدم في كل مكان!
كان بيناديني، وأنا مش قادرة أوصله!
(تشهق وتغطي وجهها بيديها، جسدها يرتجف بشدّة.)
عاصم (يجلس بجانب السرير، بصوت هادئ لكنه حازم):
ليل، دي مجرد أحلام… الكوابيس دي طبيعية بعد اللي مريتي بيه، ما تخافيش.
ليل (تهز رأسها نافية):
لا! مش كابوس… أنا حسيته… حسّيته فعلاً، كأنه بينزف في قلبي مش في الحلم…
(تضع يدها على صدرها، تبكي بحرقة)
أنا متأكدة يا عاصم، في حاجة حصلت له…
(عاصم يصمت للحظة، يتنفس بعمق، يحدّق فيها وكأنه يحاول قراءة ما خلف عينيها.)
عاصم (بلطف):
اسمعيني يا ليل… أحيانًا العقل بيعمل فينا ألعاب غريبة لما نتعب،
يمكن خوفك عليه خلاك تشوفيه كده.
ليل (تنظر له بحدة، عيناها تلمعان):
إنت مش فاهم!
أنا عارفة بابا، بحس بيه من وانا صغيرة!
كل مرة يوجعه حاجة، بحسها…
(تشهق وتهمس)
المرة دي… المرة دي غير…
(تبدأ بالبكاء بصمت، رأسها ينخفض، وكتفاها يهتزان من الألم المكبوت.)
عاصم (يتنفس بعمق، ثم يقترب منها ببطء):
خلاص… كفاية دموع، هدي نفسك شوية.
(يجلس على حافة السرير، ثم يمد يده بهدوء، يضعها على كتفها المرتجف.)
عاصم (بصوت منخفض دافئ):
ماحدش هيقدر يؤذي زياد الزهراوي بسهولة… ده راجل قوي، وأنا متأكد إنه بخير.
(تلتفت نحوه ببطء، عيناها دامعتان، وصوتها يخرج كالهمس.)
ليل:
هو الوحيد اللي ما ظلمنيش، والوحيد اللي كنت بحس بالأمان جنبه…
كل حاجة راحت يا عاصم، كل حاجة!
عاصم (ينظر لها للحظة، ثم دون تفكير، يمد ذراعيه برفق ويحتضنها):
شِش… خلاص، أنا هنا…
(بصوت منخفض يشبه الهمس الأبوي)
أنا هنا يا ليل… متخافيش.
(تتجمد لوهلة بين ذراعيه، ثم تنهار تمامًا، تبكي في صدره كطفلة فقدت طريقها.
يتنفس عاصم ببطء، يربت على شعرها بحنان غريب عليه، بعاطفة لا يعرف من أين جاءت.)
عاصم (بصوتٍ خافت):
أنتِ قوية… متنسيش ده. حتى لو الدنيا كلها وجعتك، لسه فيكِ النور اللي جوّاك.
ليل (بهمسٍ مخنوق):
ليه بتقول كده دلوقتي؟ بعد كل اللي عملته فيا؟
(يسكت للحظة، يغمض عينيه كأنه تلقى طعنة، ثم يقول بصوتٍ واهن):**
يمكن لأني أنا كمان محتاج أفتكر إن جوايا لسه في نور…
(تتسع عينا ليل بدهشة، تنظر إليه ببطء، وكأنها تراه لأول مرة، ليس كخاطفها… بل كإنسان مكسور مثلها.)
عاصم (يحاول التماسك):
نامي دلوقتي… حاولت تنامي، وأنا هافضل هنا… مش هتحرك من مكانى.
ليل (بهمس متعب):
وعد؟
عاصم (بابتسامة صغيرة حزينة):
وعد…
(تغلق عينيها ببطء وهي لا تزال قريبة منه، رأسها على كتفه، يظل يربت على شعرها حتى تهدأ أنفاسها.
ينظر إليها طويلًا، ثم يهمس لنفسه بصوتٍ بالكاد يُسمع):**
سامحيني يا ليل… لو كنت سبب في كل ده… سامحيني.
********************
الهدوء يخيّم على المكان.
في غرفة ليل، كانت الفتاة غافية بعد أن هدأت أخيرًا بين ذراعي عاصم، بعد كابوسها المفزع الذي لم تفهمه هي نفسها.
الأنفاس الهادئة تملأ الجو، والمطر بالخارج يطرق النوافذ بإيقاع ثقيل.
في الردهة السفلية، يظهر أدهم يخرج من غرفته بملامح مرهقة وعيون متوترة، وهو يتحدث بالهاتف بصوت خافت.
وراءه تقف جميلة، زوجته، تضع على كتفيه معطفه وتحاول أن تبقي نفسها متماسكة.
جميلة (بصوت مرتجف):
قالولك إيه يا أدهم؟ طمني بالله عليك… وضعه عامل إزاي؟
أدهم (بوجه شاحب):
نزيف حاد… دخل في غيبوبة من ساعة.
الطبيب قال الوضع خطير جدًا يا جميلة.
(تغطي جميلة فمها بيدها، عيناها تدمعان، ثم تهمس بصوت مبحوح)
جميلة:
يا رب… يا رب ألطف بيه، مش وقته ينهار كده.
(يضع أدهم يده على رأسه، يغلق عينيه لحظة كأنه يحاول استيعاب ما سمعه، ثم يتنفس بعمق.)
أدهم:
مش قادر أصدق… من ساعات كنت بكلمه، كان صوته طبيعي،
إزاي في لحظة يحصل كده؟
(جميلة تمسك بذراعه بقوة، ودموعها تنهمر بهدوء.)
جميلة:
لازم نرجع مصر فورًا، ما ينفعش نستنى الصبح، نحجز أول طيارة.
أدهم (يهز رأسه بتعب):
عارفة… بس لازم نبلّغ عاصم الأول، هو كمان لازم يعرف… وليل؟ الله يستر، قلبها مش هيستحمل
(يتجه بخطوات ثقيلة نحو الممر المؤدي لغرفة ليل وعاصم. يطرق الباب بخفة أولًا، ثم بصوت أوضح.)
أدهم:
عاصم؟ افتح يا ابني، ضروري.
(يظهر عاصم بعد لحظات، ملامحه شاحبة، شعره مبعثر من النوم، لكنه سرعان ما يدرك من نظرات أدهم أن هناك شيئًا خطيرًا.)
عاصم (بقلق):
خير يا عم ادهم؟ حصل حاجة؟
(أدهم يدخل الغرفة قليلاً، ينظر إلى ليل النائمة أولاً، ثم يشيح بنظره عنها ويخفض صوته.)
أدهم (بصوت متماسك بالكاد):
زياد…
اتعرض لحادث يا عاصم.
(يتجمد عاصم في مكانه، يفتح فمه دون أن ينطق لثوانٍ، ثم يهمس بصوت متكسر:)
عاصم:
إيه؟ لا… لا متأكد؟
أدهم:
انقلبت عربيته في طريق مصر الجديدة، الناس طلعوه وهو بينزف، دلوقتي في المستشفى، الحالة حرجة جدًا.
(صوت المطر بالخارج يعلو أكثر، كأنه ينوح معهم.
عاصم يمرر يده على وجهه، عيونه تمتلئ بالدموع.)
عاصم (بصوت واهن):
عشان كده… ليل كانت بتصرخ من شوية.
قالتلي إنها شافته بينزف… كانت متأكدة إنه بيصرخ باسمها.
جميلة (بدهشة، تغطي فمها):
يا إلهي… سبحان اللي بيجمع القلوب.
أدهم (يتنهد، ويجلس على حافة الكرسي):
البنت دي مربوطة بيه بروحها…
(يتنفس بعمق)
أنا مش قادر أستنى لحد بكرة، هرجع مصر الليلة، لازم أكون هناك.
عاصم (بحزم):
وأنا راجع معاكم.
جميلة (بتوتر):
بس ليل؟ مش ممكن نسيبها لوحدها كده، هتنهار لو عرفت.
عاصم (ينظر نحوها):
مش هنقولها حاجة. هنسيبها هنا مع رامي ونيروز، وهي هتفتكر إننا رايحين مشوار عمل.
لحد ما نطمن عليه على الأقل.
أدهم (بصوتٍ ثابت رغم الألم):
تمام. أنا هكلم رامي دلوقتي، وأبلغه بكل حاجة. بس ما يقولهاش ولا كلمة.
(يتبادل الرجال نظرات ثقيلة؛ نظرة خوف، عجز، وحب عميق لرجل واحد كان يجمعهم جميعًا كالأب.)
عاصم (بهمس):
زياد كان ليّ كل حاجة يا أدهم…
علّمني يعني إيه الرجولة، يعني إيه تصبر وتسامح.
ما أقدرش أتخيل الدنيا من غيره.
أدهم (بحزن صادق):
ولا أنا… بس لازم نصمد، هو محتاج دعانا، مش دموعنا دلوقتي.
(يتجه نحو الباب ليستعد للسفر، ثم يلتفت لعاصم.)
أدهم:
خلي بالك من ليل، لو صحيت قبل ما نمشي ما تخليهاش تشك في حاجة.
عاصم (بهدوء):
أوعدك.
(يعود إلى الغرفة، يقف قرب السرير، ينظر إلى ليل وهي نائمة بسلام، يلمس شعرها برفق، ثم يهمس بصوت خافت:)
عاصم:
ادعي له يا ليل… يمكن إحساسك يوصل قبلنا.
*********************
فيلا مراد الشرقاوي – القاهرة – بعد نص الليل
الصمت مالي المكان.
أوضة المكتب الفخمة منوّرة بنور أصفر هادي، وعلى المكتب عقود وملفات ملخبطة.
مراد قاعد ورا مكتبه، لابس بدلة غامقة، ماسك سيجار، وعينيه فيها بريق نصر باين.
مراد (يضحك بخفة وهو بينفخ دخان):
وأهو… أخيرًا… اللعبة خلصت يا زياد.
سنين… سنين وأنا مستني اللحظة دي. وجِت.
ودلوقتي… مافيش حد يقف في وشي.
لا أدهم… لا عاصم… ولا أي حد شبههم.
(يتكئ للورا، مغمّض عينه ومبسوط بفكرته)
مراد (بخيال منحرف):
وحور؟ آه يا حور…
هترجعلي زي زمان… بس المرة دي مش كصاحبة.
كزوجة… أرملة… محتاجة أمان.
وأنا… هبقى أمانها.
هاهاهاها!
(ضحكة قصيرة مظلمة… بعدها سكون.)
فجأة، صوت خبطة خفيفة نقّ من ناحية الباب الخلفي.
مراد يبص ناحية الباب بشك.
مراد:
مين؟ نرمين؟
(مفيش رد.
يقوم يمشي ببطء ويفتح الباب…
يلاقي ريما واقفة… وشها شاحب، وعينيها مولّعة غضب وكسرة.)
ريما (صوتها بيرتعش لكن ثابت):
مبروك يا بابا…
على نصرك العظيم.
(مراد يتجمد لحظة… وبعدها يضحك ابتسامة باردة وهو يتقدم لها.)
مراد (بهدوء مصطنع):
ريما؟ يا بنتي؟ إنتِ هنا؟
إزاي؟ ما قولتيش إنك راجعة من الجزائر؟
ريما (مقاطعة، بغضب ودموع في عينيها):
أقولك؟!
أقول للقاتل والخاين إن بنته راجعة؟!
أقول للي كنت بشوفه قدوتي… وطلع وحش ماشي على رجلين؟!
(تبصّله بكره وتتراجع خطوة.)
مراد (عامل نفسه مصدوم):
إنتِ بتقولي إيه؟!
مين لعب في دماغك؟ دي إشاعات! حد عايز يوقع بينا!
ريما (بحزم قاتل):
اسكــت!
أنا سمعتك… بإذني!
سمعتك بتقول إنك خلصت من زياد…
وإنك ناوي تتجوز حور!!
إزاي يا بابا؟
زياد… اللي كنت بتقوله أخوك؟
أمي… اللي عاشت معاك عمرها… عايز ترميها زي حاجة قديمة؟!
(تقرّب له والدموع نازلة على خدّها.)
ريما:
كنت بقول إنك أعظم راجل في حياتي…
لكن الحقيقة… إنك أوحش راجل في الدنيا كلها.
(ملامح مراد تتغير فجأة… القناع يقع… وتظهر ابتسامة رخمة شيطانية.)
مراد (بصوت واطي مظلم):
يبقى عرفتي أكتر من اللازم يا ريما…
بس خليني أقولك حاجة—
أنا… ما بخافش.
ولا بنـدم.
وزياد؟
كان لازم يختفي.
لأنه طول عمره بياخد مني كل حاجة…
حتى احترام الناس… كان بيخطفه مني.
(يقرب منها ببطء… وهي تتراجع بخوف باين عليها.)
ريما:
ده كلامك عن راجل ربّى ابنك سليم لما إنت كنت مشغول بقذارتك؟!
ده كلامك عن أخوك؟!
مراد (صارخ):
كــــفاية!!!
ما تنطقيش اسمه تاني!
أنا فوق الكل…
واللي يقف ضدي… هيموت زيه.
(ريما تبكي… لكن تمسح دموعها بسرعة… وتتكلم بعقل وهدوء.)
ريما (بهدوء قوي):
تمام يا بابا… فهمت قصدك.
ما تخافش… مش هقول لحد.
أنا بنتك… مش كده؟
(تتراجع خطوة… بابتسامة مكسورة لكن قوية.)
ريما:
بس أوعدك…
اليوم اللي هتبص فيه في المراية…
هتشوف وشّك الحقيقي بس.
وشّ… الشيطان.
(تلف وتخرج بسرعة… ومراد يصرخ بجنون وراها.)
مراد (بيصرخ):
ريمااا!!!
لو فتحتي بُقّك… هتندمي…
هتندمي جــــامد!
(تقفل الباب وراها بقوة.
تسند على الحيطة، قلبها بيدق، دموعها نازلة…
لكن في عينيها نار.)
ريما (تهمس لنفسها):
خلاص يا بابا…
اللعبة انتهت.
والدور الجاي… دوري أنا.
*******************
فجأة، صوت ارتطام عنيف يهز أرجاء الفيلا، يتبعه صوت الباب يُفتح بعنف.
مازن (غاضبًا):
مرااااد!!
مراد (يرفع رأسه ببطء، يميل في كرسيه دون انفعال):
ياااه… ضيوف في نص الليل؟
(ينهض بهدوء)
إيه المفاجأة دي يا مازن؟ وإنتِ كمان يا حور؟
حور (تدخل بخطوات سريعة، وجهها شاحب وعيناها دامعتان):
فين زياد يا مراد؟! فينه؟!
مراد (بابتسامة باردة):
زياد؟
(يضحك بخفة)
هو كل شوية لازم نتكلم عنه؟
ما كفاية إن حياته كلها كانت دايمًا حديث الناس!
مازن (يصرخ):
بلّغناك تبعد عنه، وقلنا بوضوح إنك ما تقتربش منه بعد اللي حصل في الشغل!
بس واضح إنك ما بتفهمش إلا بالطريقة الصعبة.
فين زياد؟ كان جاي ليك النهارده… ومن بعدها اختفى!
مراد (يتصنّع الدهشة):
اختفى؟!
يا خبر… طب وأنا مالي؟
يمكن زهق منكم وقرر يختفي شوية.
هو دايمًا بيعمل كده لما يزهق من العالم اللي حواليه.
حور (تمسك ياقته بعنف):
بكفاية كذبك يا مراد!
أنا حسّاه… قلبي بيقولي إنه في خطر!
كنت ناوي تعمل فيه إيه؟! تخلّصت منه زي غيره؟!
مراد (يقترب بخطوات بطيئة، صوته زاحف ومليء بالسم):
خطر؟
اللي بيدخل لعبة معايا لازم يعرف نهايتها.
وزياد… كان فاكر نفسه أذكى من الكل.
لكن المرة دي، يمكن الحظ ما كانش في صفّه.
مازن (يمسكه من ياقة قميصه بعنف):
احلف إنه بخير يا كاذب!!
مراد (ينظر له بثبات، دون أن يرمش):
أنا ما بحلفش لحد.
لكن لو عايز الحقيقة…
(يميل للأمام، بابتسامة باردة)
زياد… اتعرّض لحادث.
حادث صعب جدًا.
والاحتمال الكبير… إنه مات.
حور (تتراجع ببطء، عيناها تتسعان):
مات…؟
(تغطي فمها بيديها، تنهار على الأرض بصوت مكتوم)
لاااااا!!! لا مستحيل!!!
مازن (يصرخ):
كذاب!
انتَ بتفبرك كل حاجة علشان تكسرها وتنتقم!
انتَ حاقد على زياد من الجامعة!
كنت دايمًا غيران منه… من نجاحه… من حب الناس ليه!
لكن هو كان بيعتبرك أخ!
مراد (يضحك بخفة ساخرة):
أخ؟
هو اللي كان شايفني كده، مش أنا.
من أول يوم شُفت فيه غروره… وأنا عارف إنه عدوّي.
بس هو ما فهمش غير متأخر.
نرمين (تهبط من الدرج، وجهها باهت):
مراد… إنت قلت إيه؟
زياد… مات؟
انتَ عملت فيه حاجة؟!
مراد (يلتفت نحوها ببرود):
نرمين، بلاش دراما.
الراجل جاله حادث، وأنا مالي؟
ولا عايزة تصدقي كلام الناس اللي بيقولوا إن جوزك شرير؟
نرمين (بصوت مرتعش):
مش محتاجة أصدق كلام الناس… أنا عشت الشر بعيني.
كنت شايفة اللي بتعمله وساكتة علشان ولادي…
بس خلاص، انتهى وقت السكوت.
مراد (بابتسامة ازدراء):
ولادك؟
(يلتفت إلى الدرج حين يسمع صوت خطوات سريعة)
ريما (تظهر عند باب المكتب، ملامحها غاضبة، وصوتها قوي):
مش ماما لوحدها اللي عرفت.
أنا وسليم عرفنا كل حاجة.
سمعنا مكالماتك، وشُفنا الأوراق اللي أخفيتها…
عارفين إنك وراك اللي حصل لزياد!
سليم (من خلفها، صوته مرتعش لكنه غاضب):
كنت فاكر إنك أب عادي…
بس انتَ قاتل متخفي في بدلة رجل أعمال!
مراد (ينفجر صارخًا):
كفاية!!!
أنا ما قتلتوش! هو اللي جاب نهايته بإيده!
هو دايمًا كان بيحاول يثبت إنه الأفضل… وأنا كنت بس بردّ الدين!
نرمين (تصرخ بغضب):
دين؟!
ده كان صديقك من الجامعة!
أول واحد وقف جنبك لما كنت بتخسر كل حاجة!
وانت رديت الجميل بالغدر!
مراد (بعينين جليديتين):
الغدر؟
ده اسم اللعبة يا نرمين…
بس محدش كان فاهمها قدّي.
عبد الرحمن (الجد، ينزل ببطء من الطابق العلوي، متكئًا على عصاه):
مراد… إيه اللي بسمعه ده؟
انتَ فعلاً عملت كده؟!
ده زياد صاحب عمرك يا ولد!!
مراد (يحاول التماسك):
بابا، أنا—
عبد الرحمن (يصيح بعنف):
اسكت!!
جاي تقولي صاحبي القديم اللي كان بيجي بيتنا، تموّته علشان حقدك؟!
(يمسك صدره فجأة وهو يصرخ)
آآآآآه… قلبي… قلبي!!
ريما (تصرخ):
جدووو!!
سليم (يهُرع نحوه):
جدو استحمل، بالله عليك!
نرمين (تجري نحو الهاتف):
الإسعاف! حد يتصل بالإسعاف بسرعة!!
حور (تسقط على الأرض باكية بجنون):
زياااااااااد!!!
(تصرخ بأعلى صوتها)
يا رب رجّعه لي! مش ممكن يكون مات!!
مازن (يجثو بجانبها، يحتضنها بقوة):
هششش، اهدى يا حور، ما تصدقيهوش!
زياد هيعيش، سامعة؟! هيرجع!
مراد (ينظر إلى الجميع ببرود، ثم يمرر يده على وجهه، ويبتسم ببطء):
خلاص… اللعبة خلصت.
وكل واحد نال اللي يستحقه.
الجد ملقى على الأرض، حور منهارة تصرخ اسم زياد، مازن يحاول تهدئتها،
نرمين تبكي بجانب زوجها الذي تحوّل إلى غريب،
بينما مراد يقف في منتصف القاعة، يبتسم بانتصارٍ مظلم،
وصوت الرعد يغطي كل شيء.
*☆يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع☆☆*
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 17
في المشفى، أمام غرفة العمليات
الممر بارد، الإضاءة بيضاء قاسية، ورائحة المطهّرات تخنق الأعصاب.
باب غرفة العمليات مغلق بإحكام، والضوء الأحمر فوقه يزداد توهجًا… كأنه يحبس أنفاس الجميع.
حور تجلس على الأرض، ظهرها ملتصق بالحائط، وجهها غارق في الدموع، وكتفاها يرتجفان بلا توقف.
تدفن وجهها في صدر شقيقها التوأم مازن الذي يحتضنها بقوة، ويده ترتجف فوق شعرها.
حور (باكية، صوتها مكسور):
مازن… مش قادره… مش قادرة أستحمل تاني…
زياد… زياد جوّه… بيحارب لوحده…
وأنا… بنتي… ليل… سبعة شهور ومش لاقيينها…
سبعة شهور يا مازن…
مازن (بصوت مخنوق وهو يمسح دموعها):
هششش… اهدي يا حور… ربنا معاه…
زياد أقوى من إنه يروح… وليل هنلاقيها…
اسمعيني… إحنا لسه ما خسرناش حد… ولا هنخسر… فاهمة؟
لكن صوته يخون قوته، ويرتجف رغمًا عنه.
ملك – زوجة مازن وشقيقة زياد الصغرى – تقف بجوار الباب، يدها على فمها، ودموعها تسيل بلا توقف.
ملك (بحشرجة):
أخويا… جوّه بينزف…
يا رب… يا رب احفظه…
زياد ما يستاهلش ده… ما يستاهلش!
تسند رأسها على كتف زوجها لحظة، ثم تبتعد لتقترب من حور وتجلس بجوارها على الأرض.
ملك (تضم حور بقوة):
اثبتي… عشانه… زياد بيحبك… مش هيسيبك… ولا هيسيب ليل.
هو بيحارب دلوقتي علشان يرجع لكم.
حور تنهار أكثر وتشهق بقسوة:
حور:
لو مات… لو زياد مات…
أنا اللي هكون قتلته…
أنا اللي ودّيته للجحيم ده…
كل ده حصل عشاني… عشان بنتي… عشان… عشان—
آدم يقترب بخطوات ثابتة رغم الغضب الذي يشتعل في عينيه.
يرتدي بدلته الرسمية، كتفيه مشدودان، وجهه كالسيف.
يجثو أمام حور ويضع يده على كتفها.
آدم (بصوت هادئ لكنه حاد):
ولا كلمة من اللي قلتيه تتقال تاني…
اللي وصل زياد للمرحلة دي… مش ذنبه… ولا ذنبك…
الذنب على شخص واحد بس…
مراد الشرقاوي.
نادين تقف خلفه، تحاول السيطرة على ارتجاف يديها.
نادين (بصوت منخفض لكنه قوي):
زياد هيرجع… هو مش من النوع اللي بيستسلم.
شفناه في أسوأ الحالات… ونجى.
المرة دي كمان هينجو… لازم.
حور (ترفع رأسها بصعوبة، الدموع تبلل خدّيها):
آدم… وعدني…
لو جراله حاجة… لو… لو مات…
هتجيب ليل؟
هتجيبها مهما حصل؟!
آدم ينظر مباشرة في عينيها، ولمعة غاضبة قاتلة تشتعل فيه.
آدم:
بوعدك…
ولو زياد طلع من جوه وهو متأذي…
ولو طلع…
(صوته ينخفض لكنه يتحول لسكين)
مراد مش هيشوف الشمس تاني.
ملك تمسح دموعها وتقول بخوف:
بس… مسكوه خلاص… مش كده؟ قالوا إنه اتحبس؟
نادين:
اتقبض عليه…
لكن مش ده اللي يهم دلوقتي.
القضية دي أكبر من مجرد حادث…
وزياد الوحيد اللي كان قرب يوصل للحقيقة.
مازن (بغضب مكتوم):
لو مراد قال كلمة واحدة زيادة…
لو قال إن زياد مات…
أنا… أقسم بالله… كنت هقتله بإيدي.
باب العمليات يهتز قليلًا… ثم يفتح جزء صغير.
يخرج الطبيب، وجهه متوتر وملامحه مرهقة.
فيقف الجميع دفعة واحدة، أنفاسهم محبوسة.
الطبيب:
إحنا… لسه شغالين.
الحالة… خطيرة جدًا.
الخبطة كانت قريبة من شريان أساسي…
وفي نزيف كبير.
حور (تصرخ، تنهض وتكاد تسقط):
يا رب… لاااا…
سيبوني أشوفه! سيبوني أدخل!
تحاول الجري للداخل، لكن ملك ومازن يمسكان بها.
مازن (يهمس وهو يحضنها):
حور… بالله عليكي… استني…
هو جوّه… بيقاوم علشانك…
ما تنهاريش… مش دلوقتي…
آدم يضغط على قبضته بقوة حتى تحمر أطراف أصابعه.
آدم (بصوت قاتم):
لو خرج… لو خرج حيّ…
أقسم… أن اللي خان… واللي شارك… واللي خبّى…
كلهم هيتحاسبوا.
ومراد…
مراد هيدفع تمن كل نقطة دم سالت منه.
نادين تنظر إليه بخوف من شدة غضبه… لكنها لا تعارضه.
نادين:
بالراحة يا آدم…
خلينا الأول ننقذه…
آدم (لا ينظر إليها):
أنا هادي…
لكن جوّه…
في نار هتحرق البلد لو واحد فيهم فكر يضيّع الدليل تاني.
يسود الصمت للحظة…
صمت ثقيل، خانق، يلتفت فيه الجميع إلى باب العمليات المغلق…
ينتظرون… يرتجفون…
لكن ما يزال الضوء الأحمر مشتعلًا.
حور تنحني رأسها وتهمس بصوت يكاد لا يُسمع:
حور:
زياد…
ما تسيبنيش…
ولا تسيب بنتك…
أرجوك… ارجع…
*******************
المستشفى، أمام غرفة العناية المركّزة
ضوءٌ خافت ينساب من خلف باب العناية المركزة، وصفير الأجهزة يتسلل من الأعماق. ريــما تجلس على الكرسي المعدني، يداها ترتجفان حول كوب ماء بارد لم تشرب منه شيئاً. عيناها حمراوان من البكاء.
سليم يقف أمام الزجاج ينظر إلى سرير الجد عبد الرحمن، ملامحه جامدة… لكن عينيه ممتلئتان بالدمع المكبوت.
ريما (بصوت واهن):
سليــم… شايفه؟… شايفه جدو؟
ما يستاهلش اللي حصل له… ولا يستاهل يعرف الحقيقة بالشكل ده…
سليم لا يرد. يزفر بقوة، يضغط قبضة يده حتى تبيضّ مفاصله.
سليم:
مش قادر أصدق… بابا وصل للدرجة دي.
جدو لو حصله حاجة… لو حصلّه أي حاجة بسبب اللي عمله مراد… عمري ما هسامحه. ولا ثانية.
ترتجف ريما، تحاول كتم شهقة.
ريما:
بس… ده بابانا يا سليم…
يا رب… يا رب إزاي نكره أبوّنا؟
أنا… مش قادرة أفهم… ولا قادرة أصدّق.
يلتفت إليها سليم لأول مرة، بعينين دامعتين لكنه يحاول أن يبدو قويًا.
سليم:
بابا اللي عرفناه… كان صورة بس. صورة مزيّفة.
الحقيقة… الحقيقة ظهرت.
ناس اتأذت… وناس ماتت… وليل اتخطفت بسبب إنسان زيّه ما يعرفش يعني إيه رحمة.
تهبط دموع ريما على وجنتيها.
ريما:
ليل…
ياااه يا سليم…
وحشتني… وحشتني جدًا.
فاكرة لما كانت تيجي البيت وتضحك معانا؟
كانت أختنا… أكتر من أختنا.
يسند سليم ظهره إلى الحائط ويغطي وجهه بكفيه.
سليم:
أنا مش قادر…
أنا اتربّيت في حضن زياد… مش مراد.
زياد اللي ربّاني… واللي كان بيخاف عليّ…
وده… ده اللي بابا حاول يدمّره!
زياد دلوقتي بين الحياة والموت… وجدو جوّا في العناية… وليل مش لاقيين لها أثر.
وكل ده… كل ده بسبب جرائم أبوّنا!
تغطي ريما فمها لتكتم بكاءها.
ريما (بهمس محطّم):
سليم… أنا خايفة…
خايفة جوزي يسمع اللي حصل…
خايفة يطلّقني…
خايفة يقول إنّي بنت مجرم…
أنا حتى ما قلتّلوش إني جيت مصر… هربت… هربت من الصدمة!
يجلس سليم بجوارها، ويضع يده على يدها لأول مرة منذ بداية الكارثة.
سليم:
بصي لي يا ريما.
إنتِ مالكيش ذنب.
لا إنتِ… ولا أنا… ولا جدو.
إحنا ضحايا زيه بالضبط.
تهز رأسها، والدموع تنهمر.
سليم (بحزم):
ولو جوزِك راجل… هيعرف إنّك مش مسؤولة عن اللي بابا عمله.
وحتى لو… لو بعد الشرّ عنك حصل اللي إنتِ خايفاه…
إنتِ مش لوحدِك.
أنا معاكي.
أنا وإنتِ… هنعدّي ده مع بعض.
تشهق ريما وتبكي في كتفه، وهي التي كانت تحاول التماسك منذ وصولها.
بعد لحظات، يرفع سليم رأسه وينظر عبر الزجاج نحو جده، ثم يغمض عينيه بقهر.
سليم (بصوت منخفض لكنه مليء بالنار):
مراد…
بابا…
أقسم بالله…
لو جدو حصله حاجة…
لو زياد جراله حاجة…
هخليه يتعفّن… يتعفّن في السجن لبقية عمره.
ده وعد.
وعد يا ريما… ومش هرجع فيه.
ترفع ريما رأسها وتحدّق في أخيها، والخوف يرتجف في عينيها… لكنه أول مرة تشعر أنّه ليس أخاها الأصغر… بل سندها الوحيد الآن.
ريما:
سليم…
ما تسيبنيش لوحدي.
إحنا… إحنا بقينا لوحدنا.
يمسك بيدها بقوة.
سليم:
ولا ثانية.
أنا معاكي… لحد آخر نفس.
وتعود نظراتهما إلى داخل غرفة العناية… حيث يرقد الجد الطيب، ضحية جديدة لخطيئة الابن.
*********************
باب الممرّ يُفتح فجأة… تدخل نرمين بخطوات مرتبكة، وجهها شاحب، شعرها منفلت، وعيناها متورمتان من البكاء. كانت تركض تقريبًا… تبحث عن أولادها، وعن عبد الرحمن.
ما إن وقعت عينا ريما عليها… حتى وقفت فجأة من على الكرسي كأن نيرانًا اشتعلت فيها.
ريما (بصرخة حادّة تمزّق الممر):
إنتِ!!!
إنتِ جاية تعملِي إيه هنا؟!
ترتعش نرمين، تتجمد في مكانها، وصوتها يتهدج:
نرمين:
ريما… بنتي… اسمعيني… أنا—
ريما (تصرخ وهي تتقدم نحوها):
متقوليش بنتي!!!
أنا مش بنتك… ومش عايزة أكون!
إنتِ… إنتِ كنتي واقفة تتفرجي!
تعرفي كل جرايمه… كل اللي عمله… وساكته؟!
ساكته… وبتبتسمي؟!
كنتِ بتشوفي حور بتتقطع كل يوم على بنتها وتطلعي معها تعيطي… وإنتِ عارفة إن اللي خطف ليل مش عاصم…
ده جــوزِك!!!
إنتي كنتي بتضحكي علينا كلنا؟!
تغطي نرمين وجهها بيديها وتبكي، تنهار.
نرمين (منهارة، ترتجف):
كنت خايفة… كنت بخاف عليكم…
خايفة يخرب حياتكم… يخرب سمعتكم…
كنت بحاول أحميكم، والله العظيم كنت بحميكم!
ريما (صرخت بسخرية موجوعة):
مـــين قالك إن حماية حياتنا تبقى على جثث الناس؟!
مين قال إن السكوت على الجريمة يحمي؟!
ده خراب… ده ظُلم… ده موت!
وإنتي اخترتي تقعدي جنبه…
اخترتي تسكتي…
اخترتي تبقي زيه!
يحاول سليم إمساك بذراع أخته لتخفيف حدتها، لكنها تنفض يدَه.
يتقدم سليم خطوة، وجهه جامد، صوته بارد كالجليد… أقسى من صراخ ريما بكثير.
سليم:
ماما…
لو كنتي فاكرة إن سكوتِك كان تضحية… فهو كان جبن.
وقاحة كمان.
وقاحة إنكِ كنتي بتتعاملي كإنك أمّ صالحة وانتي بتخبّي ظُلم أبويا.
وقاحة إنكِ كنتي تعرفي مين اللي خطف أختي وفضلتي ساكتة.
جسد نرمين يهتز من شدة الصدمة، كأن كلمات ابنها تضربها بقسوة لا تتحملها.
نرمين (بصوت مخنوق):
سليم… ما تقولش كده…
أنا… أنا أمّكم…
سليم (بحقد واضح):
أمّ؟
الأم تحمي… مش تتواطى.
الأم تقاتل… مش تسكت.
إنتي مش أم.
إنتي كنتي جزء من كل اللي حصل.
تنفجر ريما ببكاء غاضب، ثم ترفع رأسها وتصرخ:
ريما:
أنا…
من اللحظة دي…
أنا معنديش أم!
ولا أب!
إنتو الاتنين… ماتوا بالنسبة لي.
سمعاني؟
أنا يتيمة…
يتيمة لأنكم اخترتوا الجُبن… والشرّ… والسكوت!
تطلق نرمين شهقة عالية، كأن قلبها توقف. تضع يدها على صدرها وتترنح للخلف، تبكي بصوت يقطع القلب.
نرمين:
ريما… بالله عليكي…
ما تقطعينيش كده…
أنا… أنا كنت بضيع… كنت بعيش في خوف كل يوم…
أنا غلطت…
بس كنت بحافظ عليكم… صدقيني.
ترفع ريما يدها في وجهها بقرف ورفض كامل.
ريما:
متقربيش…
لو سمحتي…
متقربيش مني.
مبقاش ليا علاقة بيكي…
ولا عايزة أعرفك.
تجثو نرمين على ركبتيها فجأة، تبكي بطريقة مفزعة… الناس في الممر ينظرون بدهشة.
نرمين (تبكي وهي تنظر لهما):
سامحوني…
أرجوكم…
أنا ضيّعت كل حاجة…
بس أنتوا ولادي…
ولادي يا سليم…
ولادي يا ريما…
يتجمد سليم للحظة… لكنه يستعيد قسوته بسرعة.
سليم:
لآخر مرة…
إحنا مش ولادك.
ولادك الحقيقي… هما خوفك… وسكوتك… وجريمة أبويا.
ثم يمسك ريما من ذراعها.
سليم:
يلا يا ريما… تعالي.
ما تستاهلش كلمة زيادة.
تمرّ ريما بجانب أمها دون أن تلتفت… كأنها تمرّ فوق أطلال ماضيها.
أما نرمين… فتظل على الأرض، تبكي بكاء امرأة فقدت كل شيء دفعة واحدة…
زوجها في السجن، أبو أولادها مجرم…
أبو زوجها في العناية…
أولادها تبرأوا منها…
والخوف الذي كانت تهرب منه… انفجر عليها دفعة واحدة.
تضع رأسها على يديها… وتهمس منهارة:
نرمين:
سامحوني…
يا رب… سامحوني…
ويستمر صدى بكائها في الممرّ… بينما يبتعد سليم وريما بلا رجعة.
********************
أمام غرفة العمليات، بعد دقائق من خروج نرمين من عند ريما وسليم
الممرّ مشحون بالألم.
حور تقف في حضن أخيها التوأم مازن، تبكي بصمت مرير… وملك تمسح على ظهرها.
نادين واقفة مثل جبل، ملامحها صلبة.
آدم يقف جانبًا وذراعاه متشابكتان، عيناه زائغتان بين باب العمليات ووجوه من حوله، الغضب والقلق يشتعلان فيه.
وفي منتصف هذا الجو الخانق… تظهر نرمين.
خطواتها ثقيلة. وجهها مبلل بالدموع، وأنفاسها متقطعة بعد المواجهة مع ولديها.
مجرد أن ظهرت… تغيّر الجو بالكامل.
حور رفعت رأسها، ورأت نرمين.
تجمّد جسدها… ثم فجأة، مثل انفجار بركان مدفون منذ سبع سنوات، صرخت:
حور (بأعلى صوتها، صرخة موجوعة تُخرج كل قهرها):
إنتـــــــي؟؟؟؟
إنتي جاية هنا تعملــــي إيه؟؟
ترتجف نرمين، تتوقف مكانها.
نرمين (تحاول الاقتراب):
حــور… أرجوكي… اسمعيني بس لحظة—
تهوي عليها نظرات الجميع مثل سكاكين.
مازن يشدّ حور من كتفها محاولًا تهدئتها… لكنها تزيحه وتقترب خطوة.
حور (بغضب مرعب):
تبعدي!
ماتقربيش مني ولا من المكان ده!
إنتي آخر إنسانة ليكي وش!
آخر واحدة تتكلمي!
تنزل دموع نرمين دون توقف.
نرمين:
أنا غلطت… بعترف… بس—
حور (تقاطـعها بصوت مزلزل):
غلطـــتي؟؟
ده اللي عندك؟
“غلطت”؟
ده اسمه غلط؟ ولا اسمه خيانة؟
خيانة يا نرمين!
خيانة مش بس لزياد…
ولا لليل بس…
خيانة ليا أنا!
أنا!
أنا اللي كنت بحسبك أختي!
تتجمد نرمين من شدّة الكلمات.
حور (بصوت يرتجف من القهر):
كنتِ بتدخلي بيتي…
كنتِ بتحضني بنتي…
وانتي عارفة مين اللي خطفها!
عارفة مين اللي ضيعها!
عارفة إن جوزك ونديم هما اللي لعبوا في دماغ عاصم!!!
وانتي ساكتــــة!
ساكتة وبتبصي في وشي كل يوم!
تصدر شهقة من ملك، التي تضع يدها على فمها… بينما يُخفض مازن عينيه بصدمة، والغضب يحرق وجه آدم.
نرمين تنهار تمامًا، وتخطو خطوة إلى الأمام كأنها تستجدي الرحمة.
نرمين (تبكي بانهيار مفزع):
حور… بالله عليكي…
كنت بخاف… كنت بخاف من مراد…
كان بيهددني…
ماقدرتش… ماقدرتش أتكلم!
ترفع حور يدها في وجهها بقرف شديد.
حور:
أنا كنت بقول عليكي أختي.
أختي اللي عمري ما اتخيّل إنها تجرحني.
لكن طلعتي…
أسوأ من مراد نفسه.
تشهق نرمين، وكلمات حور تكسرها تمامًا.
يحاول مازن التدخل:
مازن:
حور… كفاية…
لكن حور تزيحه مرة أخرى، والدمع ينهمر على خدّيها كالنار.
حور:
إنتي كنتي شايفة زياد بيتدمّر قدامك… شايفة ليل بتتخطف…
وكنتي بتطبطبي عليّ وأنا بعيّط…
وانتي… الـنـيّـة جواكي سودا!
ليه؟
ليه يا نرمين؟
ليه عملتي كده؟
ليه خنتيني؟!
تغطي نرمين وجهها بيديها وتصرخ باكية:
نرمين:
سامحيني… بالله عليكِ سامحيني…
أنا… أنا كنت بضيع…
ماكنتش عارفة أعمل إيه!
آدم (ببرود قاتل):
لا.
إنتي كنتي عارفة… ومختاراه.
المجرم مش بس اللي بيعمل…
المجرم كمان اللي بيسكُت.
تنظر إليه نرمين بانكسار.
نادين تهز رأسها بازدراء واضح:
نادين:
أنا عمري ما هنسى إنكِ كنتي ساكتة على اللي اتعمل في بنت زياد…
وعارفة إننا بندور في الهوا.
سكوتك… قتلها زي اللي خطفها.
يبتعد الجميع خطوة عنها… وكأنها أصبحت شيئًا ملوثًا دون قيمة.
تحاول نرمين الاقتراب من حور، لكن حور تصرخ:
حور:
تبعدي!!!
لو سمحتي… تبعدي.
أنا… مش عايزة أشوفك.
ولا هسامحك.
ولا حتى هترحمي من نظرة واحدة مني.
تتوقف نرمين… ثم تتراجع خطوة للخلف… ثم خطوة أخرى…
عيناها تبحثان عن أي أحد قد يرحمها.
لكن جميعهم ينظرون لها باحتقار.
مازن… ملك… آدم… نادين… حتى الممرضات اللاتي شهدن الكلام يشيحن بوجوههن.
لا أحد يقترب.
لا أحد يواسي.
لا أحد يشفق.
فتسقط نرمين على ركبتيها في وسط الممر، تبكي بصوت يقطع القلب… دون أن يتحرك أحد اتجاهها.
نرمين (بصوت متكسر):
سامحوني…
يا رب سامحوني…
أنا… أنا مش قادرة…
مش قادرة أشيل ده لوحدي…
ولا أحد يرد.
ولا أحد ينظر.
تظل منهارة على الأرض…
بينما يقف الجميع حول باب العمليات… ينتظرون مصير زياد…
ويتركون نرمين خلفهم، كأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياتهم.
********************
الكل واقف… الأنفاس محبوسة… صمت ثقيل يخنق الممر.
باب العمليات يُفتح ببطء.
يظهر الطبيب الجرّاح، ملامحه مرهقة لكن ثابتة.
ما إن رأته حور حتى شهقت ووضعت يدها على قلبها، ومازن شدّ ذراعها بخوف، وملك أمسكت يديه الاثنين، آدم ونادين تقدّما خطوتين إلى الأمام.
الطبيب:
أهل المريض… زياد الزهراوي؟
يجيب مازن بسرعة:
مازن:
إحنا… إحنا هنا يا دكتور.
زياد عامل إيه؟!
الطبيب يزفر ببطء… يزيل الكمامة… ثم ينظر إليهم.
الطبيب (بهدوء مطمئن):
الحمد لله…
زياد تجاوز مرحلة الخطر.
تسقط حور على الكرسي خلفها وهي تبكي بصوت عالٍ، وانحنى مازن فوقها يحتضنها بقوة، أما ملك فانهارت من البكاء ووضعت وجهها بين يديها.
آدم أغمض عينيه لحظة طويلة… ثم قال بصوت مرتجف:
آدم:
الحمد لله… يا رب ألف حمد وشكر ليك.
نادين تمسح دموعها خلسة رغم صلابتها، وتغمغم:
نادين:
كنت عارفة… كنت عارفة إنه هيقاوم.
الطبيب يكمل:
الطبيب:
الحادث كان خطير جدًا… نزيف داخلي، وكدمات في الصدر، وشرخ في الضلوع.
لكن… جسمه استجاب بسرعة بشكل ما شاء الله.
هيفضل في العناية المركزة كام يوم تحت المراقبة… وبعدها نقرر باقي الخطوات.
الدموع صارت تنزل من عيون الجميع بلا توقف.
حور تقف بصعوبة… تتشبث بذراع مازن… ثم تقترب من الطبيب.
حور (بصوت منهار لكنه ممتن):
أنا… أقدر أشوفه؟
أرجوك يا دكتور… لو حتى دقيقة…
لو حتى من ورا الزجاج… بس أشوفه… أتأكد إنه عايش… أرجوك.
ينظر الطبيب إلى حالتها… ثم يلين صوته.
الطبيب:
مسموح لحد واحد بس يشوفه من ورا الزجاج…
هو لسه تحت تأثير المهدئات ومش هيفوق قريب.
بس… أيوه، تقدري تشوفيه.
تنفجر حور ببكاء مرتفع… لكنها هذه المرة دموع حياة… دموع عودة الروح.
مازن (بابتسامة باكية):
روّحي له يا حور…
روّحي… ده مستنيك حتى وهو مش واعي.
تضع ملك يدها على كتف حور وتشجعها:
ملك:
روّحي…
قولي له إننا هنا… وإنه رجع لينا.
يتقدّم آدم خطوة نحو الطبيب:
آدم:
دكتور، زياد هيقدر يسترجع وعيه امتى تقريبًا؟
الطبيب:
ماقدرش أحدد… ممكن ساعات… وممكن يوم أو يومين.
لكن المهم… إنه في أمان دلوقتي.
يهز آدم رأسه بامتنان شديد.
آدم (بصوت خافت لكنه يحمل قسمًا):
الحمد لله…
وحقه… مش هيضيع.
اللي عمل الحادث ده… هيدفع تمنه.
يلتفت إلى نادين، فتومئ برأسها:
نادين:
لحد آخر خيط… هنوصله…
ومش هنسمح لحد يلمس زياد تاني.
… تتقدّم حور وحدها نحو غرفة العناية، خطواتها ترتجف… قلبها يسبقها…
وتضع يدها على الزجاج… وتنظر إلى زياد الراقد وسط الأجهزة.
تنهار مرة أخرى… لكن هذه المرة…
لأن الحياة رجعت لها.
ألمانيا / فيلا رامي السيوفي – الصبح
البرد داخل من الشبابيك، نور خفيف بيعدّي من ورا ستاير غامقة تقيلة.
ليل بتفوق فجأة من نومها، متنفضة، نفسها عالي وعرق على جبينها. عنيها تايهة… بتدور على وشّ واحد بس: عاصم. بتحاول تستوعب هي فين… وساعتها تفتكر الكابوس: عربية مقلوبة، صريخ… ودم على الأسفلت.
صدرها طالع نازل بسرعة. تبص على الكنبة اللي قصاد السرير، اللي دايمًا عاصم بينام عليها… تلاقيها فاضية.
سكون تام. بس قلبها… كان بيخبط.
ليل (بصوت واطي مرتبك): "عاصم…؟"
تبص حواليها كويس. مافيش أي أثر له. تقوم واقفة، تفرك دراعيها كإن برد ضربها فجأة. تقرّب بخطوات مترددة ناحية الكنبة، تلمس المخدة كأنها بتتأكد من حاجة مش فاهمة هي إيه.
ليل (بغضب مكبوت، تكلم نفسها): "خرج… من غير ما يقول كلمة؟! يمكن أصلاً مش في الفيلا…"
تلف وشها بسرعة، كأنها اتفضحت قدام نفسها. تمشي للمرآة، تبص في عنيها اللي منفّخة من أثر كابوس… يمكن ماكانش مجرد كابوس، يمكن خوف بيطاردها.
ليل (تخبط أديها على التسريحة بعصبية): "هو ليه يهمّني راح فين؟! ده خطفني! بوّظ حياتي! كنت هرتاح شوية لو الكوابيس اللي جتلي مش منه أصلاً!"
تروح رايحة جاية في الأوضة، تتذكّر إيده امبارح لما صحيّها وهي مفزوعة… طريقته الهادية وهو بيهديها، رغم دموعها اللي كانت بتكره إنها تبان قدّامه.
يطلع صوتها متردد، مكسور:
ليل: "كان… كان ممكن يسيبني أصحى لوحدي… ليه قعد جنبي؟"
تقف مكانها… كأن كلامها صفعة على وشها. تبص للفراغ… وتضحك ضحكة قصيرة مليانة قهر.
ليل (بتكلم نفسها بصوت أعلى): "إيه يا ليل؟! إيه اللي بتفكّري فيه ده؟! انتي ناسيه إنه السبب؟! لو كنتي عند أهلك… عند بابا… ماكنتيش هتعيشي الكابوس ده!"
تروح للستارة، تفتحها بعصبية، ضوء الشمس يلسع عنيها. تحضن نفسها بإيديها، وصوتها يبقى شبه دعاء:
ليل: "يا رب… بس يكون بابا بخير…"
تغمّض عنيها… وفكرة تانية تزحف لعقلها:
"ويا رب… يرجع عاصم؟"
تفوق لنفسها بسرعة، وترفض الفكرة بقسوة:
ليل (رافضة، تهز راسها): "إيه خصّني بيه؟! الله لا يردّه… يروح وما يرجعش! يا رب يختفي من حياتي للأبد!"
تاخد نفس طويل… وبصوت ضعيف قوي، كلمة خرجت غصب عنها:
ليل (همس مكسور): "…بس لو فعلاً مشي… ليه الأوضة فاضية أوي كده؟"
دقّ خفيف على الباب.
صوت نيروز من برّه، هادي ومراقب: "ليل… صحّيتي؟ لو عايزة انزلي نتفطر تحت… و… ماتقلقيش، رامي موجود."
ليل تتجمّد لحظة… كأن الاسم اللي ما اتقالش، هو الاسم اللي مالي تفكيرها.
قبل ما ترد… تبص للكنبة نظرة أخيرة.
ليل (بغيظ دفاعي، تكلم نفسها): "غاب؟ أحسن! أحسن لي وله… يا رب ما أشوف وشّه النهارده!"
تفتح الباب… لكن قلبها كان واقف مستني صوت خطوات حافظاها. ومش عايز يعترف بده.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
رائحة العيش اللي لسه خارج من الفرن مع ريحة القهوة مالية الصالة الواسعة.
رامي قاعد على الترابيزة الكبيرة، ماسك ملف أمني وبيقلب فيه من غير ما ينطق.
سليم القيصري بيسكب الشاي لـ نيروز من غير ما يرفع عينه عليها، زَيّ طبعه دايمًا: هادي، قليل كلام.
بيجاد قاعد جنب ربى على كرسيّه المتحرّك، بيقطّع لها فاكهة بهدوء، ويحطّها في الطبق قدّامها بابتسامة دافية كأنها نسمة صبح.
ليل تنزل السلم بخطوات حريصة، ملامحها باينة عليها آثار ليلة مش سهلة.
تتوقف لحظة قبل ما تقرّب من السفرة.
سليم ينتبه لها الأول، يرفع راسه:
سليم: صباح الخير… تعالي يا ليل اقعدي.
نيروز تبتسم ابتسامة خفيفة مليانة لطف:
نيروز: عملتلك شوكولاتة سخنة… زي ما بتحبي.
ليل تقعد، تبصّ للجميع بنظرة سريعة… وفي نظرتها سؤال عن حدّ هي مش عايزة تعترف إنها مستنياه.
بيجاد يلّقط الإحساس ده، بس ما يتكلمش.
رامي يقفل الملف بهدوء خبث مخابراتي متعوّد يقرا العيون:
رامي: شكلك ما نيمتيش كويس.
ليل تردّ بسرعة، بنبرة فيها دفاع عن النفس:
ليل: لو مستنين أعرفكم ليه… فأنا نفسي مش فاهمة.
(تبصّ على الترابيزة) هو… عاصم فين؟
تتبدل النظرات بين الموجودين.
مفيش حدّ عنده إجابة واضحة.
سليم يرفع حاجبه:
سليم: ما شفناهوش من الصبح… يمكن خرج يتمشى شوية. إنتِ عارفة طبعه… دايمًا مزاجه عامل زي الغاز.
بيجاد يحط الشوكة على الترابيزة، ويقول بهدوء:
بيجاد: لو كان طلع لمهمة ولا راح لمكان مهم… كان قال. عاصم مش من النوع اللي يختفي كده من غير ما ينطق.
ليل تلفّ وشها بسرعة، وتتكلم بنبرة شبه باردة:
ليل: ولا يهمّني… يمكن خرج يولّع دماغه شوية… يستاهل.
لكن آخر كلمة خرجت بنبرة مهزوزة… ما فاتتش على نيروز اللي اكتفت تبصلها بنظرة تعاطف.
بعد ثواني، فجأة تقول ليل:
ليل: طيب… وخالي أدهم؟ وجميلة؟ ما شفتهمش النهارده؟
رامي يسكت شوية قبل ما يردّ:
رامي: أدهم وجميلة رجّعوا مصر… سافروا قبل الفجر.
ليل تتجمّد… كأن في حاجة وقعت جواها.
تمسح على ركبتها بإيدها، تحاول تثبّت نفسها:
ليل (بصوت واطي مكسور شوية): رجّعوا…؟ من غير ما أشوفهم؟ أنا… كنت محتاجة أشوف خالي.
ربى تمدّ إيدها وتربّت على يد ليل بحنان.
بيجاد يبتسم لها، داعم:
بيجاد: أكيد كان عندهم ظرف مهم. ومين عارف؟ يمكن يرجعوا في أي وقت.
سليم يميل لقدّام، وصوته يبقى جدّي: ولو عايزة أكلمهم أطمنهم عليكي… أكلمهم دلوقتي.
رمش عين ليل يرتعش… وصوتها يطلع ضعيف عن اللي كانت ناوية تقول:
ليل: لا… بلاش.
تشرب من الكوب ببطء، ثم تهمس:
ليل: كل واحد بيروح… وأنا اللي قاعدة هنا.
رامي يراقبها بنظرة قادرة تشوف اللي ما يتقالش، وبهدوء يقول:
رامي: إنتِ مش لوحدك يا ليل. مهما اختلفنا… إحنا هنا علشان نحميكي. كلّنا.
ليل ترفع عينيها ليه، وبعدين تبصّ لوشوش الباقيين…
وفي الآخر تستقر عينها على الكنبة الفاضية اللي ورا السفرة، كأن ظل واحد كان دايمًا قاعد عليها.
تتنفس ببطء:
ليل (تتمتم): … ربنا يستر.
وماحدّش يعلّق.
بس كلهم… فهموا أكتر مما هي قالت.
🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍🤍
في مصر — المستشفى / قدّام جناح العناية المركّزة
الممر طويل… الجدران بيضا لدرجة الوجع، وريحت المطهّر خانقة.
ورا الزجاج، زياد نايم في العناية… الأجهزة حواليه ترسم الخط اللي بين الحياة… والموت.
برا… العيلة كلها مجتمعة:
حور قاعدة وحاطة راسها بين إيديها.
مازن وملك جنبها، وآدم واقف متجهم، عنيه بتلف في كل مكان وما بتهداش.
نادين في الركن، زين اللي واقف زي أسد صغير بيغلي غضب.
سليم الشرقاوي جنبه، عضلات فكه ماسكة وقهره باين.
ريما تمسح دموعها في صمت خنّاق.
رؤى حضنة ادهم و مازن الصغيرين
وفجأة… تتسمع خطوات جاية من آخر الممر.
الكل يلفّ…
عاصم.
واقف… مرهق، شكله شايل سنين مش شهور.
ورا منه أدهم وجميلة.
لحظة صمت… خانقة.
وفجأة يشتعل الغضب.
زين هو أوّل واحد يهجم، صوته بيشق الممر:
زين: ليل فين؟! هااا؟! فينها يا جبان؟!
قبل ما يوصل له، يكون سليم سبق وضرب عاصم في كتفه بقوة:
سليم: سبع شهور! سبع شهور وهي تايهة! إزاي عملت كده؟!
زين يدفعه المرة دي ويضربه
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 18
الزنزانة كانت ضلمة… ريحتها وحشة… والرطوبة ماسكة في الحيطان المشقّقة.
اللمبة الصفرا الخافتة واقعة على وش مراد وهو بيتحرك بجنون… عامل زي حيوان أول مرة يتحبس.
كان بيخبط على الباب الحديد بإيديه… يصرّخ… يضحك… يصفر… ويرجع يزمجر.
الباب اتفتح.
خطوات تقيلة… ساقعة… مولّعة غضب.
دخل عاصم.
وقف عند الباب… ماقربش.
إيديه في جيوبه… كتافه مرخيين… وبصّة شماتة ساقعة على وشه.
مراد (وقف مكانه ثواني، بعدها ضحك ضحكة مكسورة):
– آه… الأسد قرر يزور القفص؟
اتفضل يا عاصم… تعالى اتفرّج على اللي عملته فيّا.
عاصم ما اتحركش.
عنيه ثابتة… ناشفة… مافيهاش نقطة رحمة.
رفع دقنه سنة لفوق.
عاصم (بهدوء يخوّف):
– شكلك لسه ما فهمتش…
إنت مش أسد.
إنت جثة واقفة… بس محدش بلغها.
ملامح مراد تصلّبت…
قرب من القضبان ببطء… عروق رقبته نافرة… عنيه حمرا.
مراد:
– اتكلّم عدل… أنا اللي عملتك… وأنا اللي وقفت جنب أبوك… أنا—
عاصم قطعه، بابتسامة صغيرة… قاتلة:
– أبويا؟
أبويا يا مراد؟
ولا تقصد رائد… اللي قتلته؟
سكت مراد.
حاول يخبي الرجفة اللي في عنيه… بس فشل.
مراد (يحاول يتماسك):
– دا… دا كان لازم. رائد كان أهبل… وكان هيبوّظ كل حاجة—
عاصم (ضحكة قصيرة… سودا):
– آه… كان غبي… وكان طيب… وكان أشرف منك بمليون مرة.
وأهم من ده كله…
كان أخويا.
وإنت قتلته.
قرب خطوة… بس الخطوة دي كانت كفاية تخنق مراد.
عاصم:
– وأنا…
والله… ما هنسى.
مراد صرخ وهو بيخبط القضبان:
– وانت خطفت بنت زياد! انت خربت حياته!
انت السبب في اللي حصل له!
عاصم انحنى شوية… صوته بقى سخرية تقيلة:
– وهنا مربط الفرس.
عارف ليه عملت كده؟
عشان نديم… كلبك الوفي…
كان واقف جنبي سبع شهور…
يوسوس…
يغسل دماغي…
يقولي: "زياد قتل رائد".
رفع راسه… والنظرة اللي في عينيه قتلت آخر ذرة كبرياء عند مراد.
عاصم:
– والحقيقة؟
إن اللي قتل رائد…
هو إنت.
إنت اللي خططت… وإنت اللي نفذت…
وإنت اللي ضحّيت بأقرب الناس ليك…
عشان طمعك وقرفك.
مراد صرخ:
– إنت كذاب!
– إنت جا—
عاصم قطع كلامه ببرود مميت:
– زياد… لسه عايش.
والحادث اللي دبّرته؟ فشل.
ودلوقتي…
بيقوم على رجليه… واحدة واحدة…
وعارف حقيقتك.
مراد اتجمّد.
العرق على صدغه ارتعش.
مراد:
– لا… لا… مستحيل…
زياد مات… لازم يكون مات…
عاصم ابتسم… ابتسامة سفّاح هادي:
– لا… وده اللي محرق دمك مش كده؟
إنه لسه عايش… ولسه هيشوف بنته…
وبنته؟
اللي أنا كنت فاكر إني بخطفها عشان آخد حقي…
ما كنتش فاهم إني بأذي أطهر راجل قابلته في حياتي.
قرب خطوة تانية.
عاصم:
– وعلى فكرة…
ولادك؟
ريما؟
سليم؟
سابوك.
كرهُوك.
و مراتك؟ نرمين؟
هربت.
خافت تقعد جنبك ثانية.
مراد انفجر جنان:
– لأ!
– ريما ما تعملش كده!
– سليم ده ابني!
– نرمين ما—
عاصم رفع إيده وقطعه:
– حتى نديم… الوفي بتاعك…
سافر.
سبّك.
زيّك زي كل الناس.
سكت…
وسكوته كان أقتل من الكلام.
مراد صوته اتكسر لأول مرة:
– عاصم…
إنت مش فاهم…
أنا… أنا كنت بحميكم…
كنت—
عاصم:
– كنت بتحمي مين؟
نفسك؟
ولا سلطتك؟
ولا جنانك اللي خلاك تقتل صاحب عمرك… وخالد… أحسن الناس؟
مراد غمض عينه… كأنه اعترف جوا نفسه.
عاصم كمل… بنبرة هادية… بس تخوّف:
– خلاص يا مراد…
اللعبة خلصت.
وإنت…
هتقعد هنا… تستنى الحكم.
والحكم؟
مش مستبعد يبقى إعدام.
مراد اتخض:
– لأ…
– لأ… مستحيل…
– أنا مراد الشرقاوي!
– محدش يقدر—
عاصم ابتسم ببطء:
– كان.
كنت مراد الشرقاوي.
دلوقتي؟
إنت رقم… في سجن…
ومحدش هيقراه.
استدار…
فتح الباب…
وقف لحظة من غير ما يبص وراه.
عاصم:
– ورائد؟
أنا هريح قلبه.
ووعد…
حقه جاي.
على مهَل… بس جاي.
خرج.
وساب مراد يصرّخ…
يخبط…يعيط…يضحك…ينهار…ومحدش بيرد.
********************
في المركز الطبي – ألمانيا، الساعة 10 صباحاً
ضوء النهار يدخل عبر النوافذ الكبيرة، رائحة معقّمات خفيفة، وأصوات خطوات المرضى والأطباء تمتزج في الممرات.
بيجاد كان يدفع كرسي ربى المتحرك ببطء… بطمأنينة.
عيناه مسمرتان عليها أكثر مما هما على الطريق.
وربى… كانت يداها على حِجرها، أصابعها ترتعش بخجل، وعيونها تتجنب النظر إليه كلما لمحته ينظر إليها بمحبة واضحة.
دخل الاثنان غرفة العلاج الطبيعي.
طبيب شاب ألماني، اسمه الدكتور مارتن، نهض مرحّباً.
مارتن (بالإنجليزية، بنبرة لطيفة):
– صباح الخير ربى… صباح الخير سيد بيجاد.
اليوم نبدأ أول جلسة.
هي مش هتكون سهلة… لكن مع الوقت… رح نقدر نشوف تقدم.
بيجاد ابتسم بثقة:
– إحنا جاهزين…
وهي أقوى من اللي تفكر فيه يا دكتور.
ربى رفعت نظرها لبيجاد للحظة…
ثم خفضته بسرعة، ودفء صغير مرّ في عينيها.
مارتن:
– ممتاز… اليوم نركّز على تحريك العضلات وإعادة استجابة الأعصاب.
لكن أهم عنصر… هو الدعم العاطفي والنفسي.
وهنا… أنت يا سيد بيجاد… لازم تكون كتفها.
بيجاد يضع يده على مقبض الكرسي، صوته منخفض… صادق:
– أنا كتفها… وضهرها… وكل شي تحتاجه.
ربى أغمضت عينيها للحظة… كأن الكلمات لمست شيئاً مكسوراً فيها.
مارتن بدأ تجهيز الحزام والمعدات.
ثم اقترب من ربى:
مارتن:
– ربى… اليوم رح نحاول نوقف لدقيقتين فقط.
لو حسّيتي بألم… إشّري بإيدك.
ربى حرّكت إصبعاً قليلاً كعلامة موافقة.
بيجاد انحنى أمامها، مستواه قريب من مستوى وجهها، نظر مباشرة في عينيها.
بيجاد (بنعومة):
– لو خايفة… قولي.
لو متوترة… قولي.
ولو موجوعة… همس بإصبعي وأنا هوقف الجلسة فوراً.
عينا ربى تمتلئان بالدموع… دموع لا يسمعها أحد… لأنها لا تستطيع الكلام.
لكن بيجاد… لاحظ كل شيء.
لمس خدّها بإصبعه، بخفة:
– إياكِ تفكري إنك لوحدك…
من النهار اللي كتبنا فيه الكتاب… صرتِ مراتي…
ومن قبلها بكتير كنتِ روحي.
ربى ارتجفت.
دمعة انزلقت على خدها بلا صوت.
مارتن:
– حسنًا… نبدأ.
ربط الطبيب حزام الدعم حول خصر ربى، وبمساعدة بيجاد رفعوها ببطء.
كانت ترتجف… ركبتاها لا تثبتان… وبيجاد كان ممسكاً بذراعيها بقوة وثبات.
ربى (تهتز، تتنفس بسرعة)
بيجاد يقرب جبينه من جبينها، يهمس:
– أنفاسي أنفاسك…
خدي وقتك…
أنا هنا… هنا يا ربى… مش رايح مكان.
تدريجياً…
استقرت.
وقفت.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات… وقفت.
عيناها اتسعتا…
صوت أنفاسها تسارع…
والدموع تنزل بغزارة.
مارتن بابتسامة فخر:
– ممتاز!
هذا إنجاز كبير!
ربى… أنتِ قوية جداً.
لكن ربى لم ترَ الطبيب… كانت تنظر فقط إلى… بيجاد.
بيجاد ابتسم لها… ابتسامة رجل رأى معجزة أمام عينيه.
بيجاد (بصوت مبحوح من التأثر):
– فخور فيكِ…
والله العظيم فخور فيكِ.
ربى رفعت يدها المرتجفة…
وبصعوبة… وضعتها على خدّه.
لم تستطع الكلام…
لكن أصابعها قالت كل شيء.
بيجاد أخذ يدها بين يديه…
وقبّلها برهافة، كأنها شيء مقدّس.
بيجاد:
– وعد…
كل يوم… هنمشي خطوة زيادة.
وكل دقيقة… هكون جنبك.
لحد…
ما ترجعي تمشي…
وتتكلمي…
وتضحكي…
وتعيشي حياتك كلها من جديد.
ربى أغمضت عينيها…
وبكت بصمت…
لكن هذه المرة… كانت دموع رجوع الروح.
مارتن (تأثر صوته):
– أعتقد… يكفي اليوم.
لا نريد إنهاكها.
أعادوها للكرسي بلطف.
وما إن جلست…
حتى أمسكت ربى طرف معطف بيجاد بأصابعها…
تشده قليلًا… كأنها تقول:
"لا تروح… ابقى."
ابتسم بيجاد، جلس على ركبته بجانبها:
– مش هاروح.
ولا ثانية.
ربى ابتسمت… ابتسامة صغيرة، باهتة، لكنها أول ابتسامة حقيقية منذ ثلاث سنوات.
جلستا كفّها فوق كفه، وبيجاد لوهلة شعر أنه…
أخيراً…
رجع بيته.
*******************
في ألمانيا – في كافيه صغير بيبصّ عالنهر – بعد الضهر
البرد الخفيف داخل من ورا الإزاز، وبخار القهوة طالع قدّامهم.
الكافيه هادي، موسيقى بيانو واطية، والناس قلّيلة.
سليم القيصري قاعد ضهره مفروض، وإيديه الكبيرتين ماسكين الكوباية كإنه بيدفيها.
نيروز قصاده… متوترة شوية، صوابعها بتلعب في حافة الفنجان، وعنيها مش قادرة تبصّ في عينه… زي كل مرة.
سليم (يبصلها من الجنب، صوته هادي):
– مش لازم تفضلي ساكتة كده… إنتي بتتوّتري مني؟
عينيها توسع سنة، ونظرتها تقع لتحت عالقهوة.
نيروز (بخجل باين):
– لا… مش توتر… بس… مش عارفة أقول إيه.
سليم يرفع حواجبه سنة، ويبتسم ابتسامة صغيرة نادرة.
سليم:
– قولي اللي يخطر على بالك… إحنا اتنين متجوزين، مش أغراب.
نيروز تتجمد لحظة عند كلمة متجوزين… كإنها لسه مش مستوعباها.
تتنحنح.
نيروز:
– سليم… أنا… مش عايزة أظلمك.
يهزّ راسه بهدوء، كإنه كان مستني الكلام ده.
سليم:
– إنتي لحد دلوقتي شايفاني ضحية؟
تهز راسها بسرعة، متوترة.
نيروز:
– لا! بالعكس… إنت طيب… ولطيف… وبتعاملني أحسن من أي حد.
بس… الجوازة اللي حصلت فجأة… أنا ماكنتش جاهزة أبقى… زوجة… لأي حد.
يبصلها مدة… النظرة فيها حنان غريب، عميق… مش محتاج كلام.
سليم:
– ولا أنا كنت جاهز… بس اللي حصل، حصل.
واللي أعرفه… إني مش هضغط عليكي ولا أستعجل.
نيروز… إنتي بنيّة… تستاهلي حد يفهمك… مش حد يكسرِك.
عيونها تترمش بسرعة… كلمة بسيطة هزّت جواها حتّة ما حدش لمسها قبل كده.
نيروز (بهمس):
– شكراً…
سليم ياخد رشفة قهوة ويحط الكوباية تاني بهدوء.
سليم:
– طب خلينا نبدأ خطوة خطوة… نتعرف على بعض.
احكيلي عن الألماني اللي كان بيزعّق في الأوتوبيس النهارده؟
(يبتسم بخفة)
نيروز تضحك غصب عنها، وتغطي بقها بإيدها بخجل.
نيروز:
– والله ما فهمت منه كلمة… بس كنت متأكدة إنه بيشتم!
سليم:
– أكيد كان بيشتم… وشكلك كنتي مبسوطة إنه مش فاهم إنك مش فاهمة.
تضحك أكتر… ولأول مرة ترفع عنيها تبصّ له مباشرة.
هو لاحظ… وبصته اتغيّرت… كإن حاجة اتحركت جواه.
سليم (بصوت أوطى):
– ضحكتِك حلوة.
خدودها تحمّر في ثانية، وتنزل راسها.
نيروز (مرتبكة):
– سليم…
يميل شوية لقدّام.
سليم:
– إنتي خايفة مني؟ ولا خايفة من إحساس جديد؟
تتجمد.
الكلام دخل للحتّة اللي كانت بتهرب منها أصلاً.
نيروز (بصوت واطي):
– أنا… خايفة أظلمك… وخايفة أظلم نفسي.
سليم يرجع على الكرسي… يقفل إيديه على صدره براحة.
سليم:
– طيب… نعمل اتفاق.
لا ظلم… ولا توقعات كبيرة… ولا استعجال.
يوم بيومه.
وإنتي… كل اللي عليكي… ما تجريش مني.
سيبيني أقرب… وحدة وحدة.
تبصله… تتأمل ملامحه الهادية… القوية… الطيبة.
عارفة إنه راجل ما يقولش كلمة في الهوا.
وإن الحنان اللي في صوته… مش فخ… ولا محاولة إنه يوقعها…
ده صدق.
تهز راسها ببطء.
نيروز:
– حاضر… بس خطوة خطوة.
يبتسم… ابتسامة صغيرة، بس أحلى من اللي بيبينها عادة.
سليم:
– خطوة خطوة.
يمد إيده ناحيتها… مايمسكهاش… بس يقرب صوابعه من صوابعه، كدعوة هادية.
هي تتردد…
وبعدين ببطء شديد… تحط صوابعها فوق صوابعه.
ارتجفتها ما هربتش منه…
وهو ما سحبش إيده.
بس ربّت على صوابعها بإبهامه… برقة… رقة أول مرة تعرفها.
لحظة ساكتة…
بس كانت بداية حقيقية.
*********************
تسحب نيروز يدها بخجل فور دخول زبائن جدد… لكن سليم لاحظ الارتباك الجميل في عينيها.
قبل أن يتحدث، سمع صوتًا حادًا، مبالغًا في النعومة:
"سلييييم؟! يا نهار أبيض… هو إنت؟"
يلتفت سليم ببطء.
تتجمد نيروز.
وتقترب فتاة بشعر طويل مصبوغ بلون فاقع، وملابس لا تناسب برودة ألمانيا على الإطلاق… خطواتها كلها ثقة متصنعة.
ترسم ابتسامة واسعة وتفتح ذراعيها:
رانيا:
"يا جدع! إيه دا؟ إنت هنا؟ في ألمانيا؟!"
سليم (ببرود واضح):
"رانيا… إزيّك؟"
تلتصق به تقريبًا، دون أن تلمسه رسميًا… لكن قربها يكفي لجعل دم نيروز يغلي لأول مرة دون فهم.
تحدّق بها الفتاة من رأسها حتى قدميها… ثم تعود لسليم.
رانيا:
"مش معقول! آخر مرة شفتك من… أربع سنين؟ خمس؟"
سليم:
"تقريبًا…"
تضم شفتيها، تقترب أكثر، وكأنها لم تلاحظ وجود نيروز أصلًا.
رانيا:
"وحشتني يا سليم… على فكرة… كنت دايمًا بقول لنفسي إنك هتفضل سنجل… عشان محدش يليق عليك."
هنا… رفعت نيروز حاجبًا بلا قصد.
كانت صامتة… لكن سليم شعر بغيرتها تتصاعد مثل بخار القهوة.
سليم (يشير بهدوء لنيروز):
"دي نيروز."
تلتفت رانيا بكسل شديد… ونظرة احتقار واضحة.
رانيا:
"صاحبتك ولا الموديل اللي معاك النهار دا؟"
قبل أن ترد نيروز، وقبل حتى أن تلتقط نفسها…
قطع سليم الجملة كالسكين:
سليم (بثبات شديد):
"مراتي."
تتسع عينا رانيا… تصمت لثانيتين، ثم تضحك ضحكة غبية:
رانيا:
"مراتك؟!
إنت بتهزر… دي؟"
تنظر إلى نيروز نظرة من الأعلى للأسفل…
كأنها تقول: هذه؟ هي التي أخذتك مني؟
لكن نيروز — رغم خجلها — رفعت ذقنها قليلًا.
ولأول مرة… شعرت برغبة صغيرة في الدفاع عن مكانها.
نيروز (بصوت هادئ، لكن ثابت):
"اه...مراته."
تضغط رانيا شفتيها غيظًا، وتلتفت لسليم:
رانيا:
"إنت إتجننت؟ الجوازة دي حصلت إزاي؟!
دي بنت… يعني… عادية جدًا!"
قبل أن تتكلم نيروز، جاء صوت سليم منخفضًا… لكنه حاد كالحديدة:
سليم:
"رانيا… احترمي كلامِك."
تقهقه رانيا بسخرية، تتقرب منه أكثر:
رانيا:
"طب بلاش.
وحشتني بجد يا سليم.
واحنا لازم نتكلم… لوحدنا. عندي كلام مهم قوي ليك."
سليم:
"مافيش حاجة محتاجة نتكلم فيها."
ترفع حاجبها… عينها تلمع بخبث.
رانيا:
"دا اللي هنشوفه."
ثم تلتفت لنيروز بابتسامة سمّية:
"اتمتعي باللحظة يا قمر… لأن الجوازات اللي زي دي مش بتكمل."
تشعر نيروز بقلبها ينقبض… لكن قبل أن تتفوه بكلمة — وضع سليم يده على يدها تحت الطاولة بلا تردد هذه المرة.
سليم (بصوت منخفض موجّه لرانيا):
"امشي يا رانيا… قبل ما أغلط فيكي."
تتخشّب… ثم تهز شعرها بتكبّر:
رانيا:
"ماشي…
بس خد بالك يا سليم…
أنا راجعة."
وتغادر بخطوات مستفزة، وهي تلتفت مرتين نحو نيروز بنظرة من الواضح أنها إعلان حرب.
ينتشر الصمت حول الطاولة.
نيروز تنظر لكوبها… تدق بأظافرها على حافته.
تحاول أن تبدو عادية… لكنها ليست كذلك.
سليم (يميل نحوها):
"نيروز؟"
تهز رأسها.
نيروز:
"لا… كويسة… عادي."
يرفع سليم حاجبًا.
سليم:
"عادي؟
إنتي وشِك أحمر… وبتعضّي شفايفك من الغيظ."
تتسع عيناها وتخفي فمها بكفها بخجل.
نيروز:
"سليم… أنا… ما غرت. أبدًا. بس هي… طريقة كلامها…"
يبتسم… ابتسامة صافية، راكزة.
سليم:
"كنتِ غيرانة."
تهز رأسها سريعًا، مرتبكة:
نيروز:
"لا! مش… مش كتير… يعني شوي… يمكن…"
يميل أكثر… صوته ينخفض:
سليم:
"عجبني."
ترتجف أصابعها.
تنظر إليه… وتراه يبتسم لها بطريقة لم يرها أحد منه.
نيروز (بهمس):
"سليم… رانيا شكلها… مش ناوية الخير."
سليم:
"وأنا؟
شايف إني ممكن أسيب حد يضايق مراتي؟"
ترمش… قلبها يطرق صدرها.
نيروز:
"مراتك…؟"
سليم:
"أيوه… مراتي."
يمسك يدها بوضوح هذه المرة…
لا يتركها.
كانت تلك اللحظة بداية شيء مختلف تمامًا…
شيء يشبه الحماية، الغيرة… والحب الذي بدأ يستيقظ بهدوء.
**********************
في – ممر هادئ أمام العناية المركزة – مستشفى في القاهرة
الوقت قرب المغرب…
رائحة المعقمات، همسات المرضى والممرضين، والأجواء المتوترة تذوب تدريجياً بعد خبر أنّ زياد تجاوز الخطر.
الجميع مجتمع، وكأنهم عائلة واحدة محاصرة بالقلق والانتظار.
حور كانت واقفة قرب الجدار، يداها متشابكتان، آثار الدموع ما تزال على وجنتيها…
مازن بجانبها،
ملك تجلس على كرسي،
ريما وسليم يقفان بهدوء،
الجد عبد الرحمن على كرسي متحرك يتنفس بعمق،
وزين يتكئ على الحائط يراقب بصمت.
وفجأة…
يظهر عاصم من نهاية الممر، تعابيره متصلبة، آثار الزيارة لمراد ما تزال ثقيلة على ملامحه.
وبجانبه أدهم وجميلة.
لحظة دخولهم… كل الأنظار اتجهت نحوهم.
لكن هذه المرة… النظرات أقل غضباً، أكثر تعباً، أكثر رغبة بالفهم.
حور تنظر إليه أولاً…
نظرة تحمل 7 أشهر من الألم، وخوف الأم، وانكسارها…
لكنها أيضاً نظرة امرأة فقدت الكثير ....وتحاول أن تتمسك بما تبقى.
عاصم يتوقف أمامها… يتنفس بعمق كأنه يجمع شجاعته… ثم يقترب خطوة.
بصوت هادئ، منخفض، صادق:
«خالتــي حــور…
أنا… آسف.
عارف إن مفيش كلمة هتعوّض اللي فات… ولا وجع ليل… ولا اللي حصل لعمّي زياد.
بس…
سامحيني.
انتِ أكتر حدّ كنتِ بالنسبالي أم… من يوم ما ماما ماتت، وإنتِ كنتِ الحضن الوحيد اللي ما خفتش منه.»
صوت حور يرتجف… لكنها تخفيه بسعال خفيف.
مازن ينظر إليها، ينتظر هل ستنفجر… أم ستلين
بهدوء متعب، بنبرة فيها عتب الدنيا:
«ليه يا عاصم؟
ليه صدّقت أي حد غير زياد؟
ليه ما جيتش لينا؟
ليه سبّت ليل… سبّت بنتي… في خوف سبع شهور؟
ليه خليتني أصحى كل يوم وأنا مرعوبة إنها مش بخير؟»
عين عاصم تلمع…
يتقدم خطوة أخرى…
ينحني قليلاً وكأنه طفل يعترف بخطأه.
«عشان كنت أهبل… وغبي… ومكسور.
رائد كان كل حاجة ليا… ومراد لعب على الجرح ده.
غسل دماغي… خدعني… وصدقته.
بس…
بس أنا صلّحت اللي أقدر عليه.
وهصلّح الباقي…
والوحيدة اللي… نفسي ترضى عني…
هي إنتِ.»
الجميع يلاحظ صدقه… حتى زين الذي كان يكرهه قبل دقائق، يلين وجهه قليلاً.
الجد عبد الرحمن يبتسم ابتسامة خفيفة ويهمس: «الولد طيب…»
حور تنظر لعاصم طويلاً.
نظرة أم تعاتب ابنها… لكنها لم تكرهه يوماً.
ثم فجأة…
تمشي نحوه بخطوات بطيئة…
وترفع يدها…
وكأنها ستصفعه…
لكنها بدل ذلك…
تضع يدها على رأسه… ثم تسحبه نحوها في حضنٍ كاملٍ ومفاجئ.
وهي تضمه بقوة، صوتها ينكسر:
«كنت هافقد اتنين… زياد… وإنت.
وربنا رحم قلبي.»
عاصم يغلق عينيه…
ويحضنها كما لو عاد لطفولته التي فقدها.
أدهم ينظر للمشهد وتختفي عنه توتر الأمس،
مازن يتنهد براحة،
ملك تمسح دموعها،
ريما وسليم يبتسمان بحزن جميل،
زين يغمز للحظة وكأنه يقول: "يستاهل."
الجد عبد الرحمن يرفع يده ويربت على كتف عاصم:
«خلاص… العيلة بتكبر… والغلط بيتصلّح… وإحنا كلنا هنا.»
حور تبعد عن عاصم قليلاً… تمسك وجهه بيديها:
«بس تبقى فاهم…
لو ليل جرالها أي حاجة…
أنا اللي هقف قصادك.»
عاصم
بابتسامة صغيرة، منكسرة:
«حقّك.»
ينحني ويقبّل يدها احتراماً…
ولأول مرة منذ سبعة شهور…
الجميع يشعر أن شيئاً ثقيلاً اتكسر…
وأن العائلة بدأت تُشفى.
*******************
الجميع ما زال واقفاً في الممر… لحظة دافئة بعد أيام من الرعب.
لكن فجأة…
يُسمع صوت حركة غير معتادة من داخل غرفة العناية المركزة.
أجهزة تصدر نغمات مختلفة…
تمتمات سريعة…
ثم صوت طبيبة تنادي:
"دكتور… دكتور! المريض فاق!"
الجميع يتجمد.
حور تفتح عينيها بصدمة، يداها ترتعشان:
«زيـــــاد؟!»
تركض نحو الباب، لكن أدهم ومازن يمسكانها برفق كي لا تقتحم الغرفة.
مازن
«اهدي يا حور… لازم يدخلوا الأول.»
حور
بصوت مخنوق:
«عايزة أشوفه… عايزة أشوفه بس…»
تدخل الطاقم الطبي مسرعاً…
أصوات الأجهزة تعلو للحظات…
ثم باب الغرفة يُغلق، تاركاً العائلة كلها في انتظار يشبه خفقات القلب.
الجد عبد الرحمن يضم يديه ويرفع رأسه للسماء،
ريما تسند ظهرها للحائط،
سليم يشد على يدها ليطمئنها،
زين يتنفس بسرعة،
عاصم يقف مشدوداً، كأنه يستعد لمعركة أخرى.
لحظات ثقيلة…
ثم يفتح الباب.
يخرج الطبيب المسؤول بنظارة طبية وابتسامة طمأنينة واضحة.
«الحمد لله…
الأستاذ زياد… صحته الآن مستقرة تماماً.»
حور تبكي فوراً.
مازن يضع يده على كتفها....في حين اردف الطبيب قائلا
«استيقاظه كان لحظة مهمة… تجاوب، وتكلم بكلمات بسيطة، وهذا مؤشر ممتاز.
بس… محتاج راحة تامة كام يوم.
لكن… خطورة الحالة؟ انتهت.»
الجملة الأخيرة تنزل كالماء البارد على قلوب الجميع.
سليم الشرقاوي يبتسم بقوة،
ريما تدمع: «أخيراً…»
أدهم يمرر يده على وجهه، مرتاحاً رغم كل ما يشعر به من ذنب.
حور لا تتحمّل أكثر… تنهار بسعادة على صدر مازن:
«زياد رجع يا مازن ...رجع!»
مازن يمسكها بقوة:
«الحمد لله يا حور… الحمد لله.»
ثم تنتقل بعفوية لعناق أدهم—تردد لحظة قبل أن تلمسه، ما تزال غاضبة قليلاً…
لكنها تعانقه في النهاية.
«حتى لو زعلانة منك… إنت أخويا الكبير… وكنت محتاجة وجودك.»
أدهم
ينحني قليلاً ويحضنها:
«وأنا موجود… دايماً.
سامحيني… بس كنت بعمل الصح.»
ينظر لعينيها ويضيف بنبرة صادقة:
«وكل ده… كان عشان زياد… وعشان ليل… وعشانك.»
حور تمسح دموعها وتبتسم ابتسامة صغيرة:
«خلاص… كفاية دموع النهاردة.»
عاصم يقف بعيداً، لكنه يشعر بالدفء لأول مرة منذ أشهر.
حور تلتفت إليه وتبتسم له ابتسامة أم حقيقية.
«تعال يا عاصم… ما تبقاش واقف كده.»
عاصم يقترب بهدوء، فيقف بجانب العائلة، قريباً من مازن وزين.
مازن يربت على كتفه: «كويس إنك هنا.»
وزين يبتسم له ابتسامة خفيفة: «البيت هيرجع يتلم… قريب.»
الجميع يجلس في الممر، ضحكات خفيفة تظهر للمرة الأولى منذ زمن.
ريما تضحك مع ملك،
سليم يمزح مع زين،
الجد عبد الرحمن لا يكف عن الدعاء.
*********************
في – ألمانيا – فيلا رامي الهادئة –
كانت الرياح تضرب النوافذ بخفّة، والسماء ملبّدة بالغيوم.
داخل الفيلا كان الدفء يُشعل المكان رغم برودة الخارج.
ليل تقف قرب النافذة الكبيرة، ترتدي سترة خفيفة ورأسها ينحني قليلًا وكأنها تحاول أن تسمع شيئًا يأتي من بعيد.
شعورها الغريب بالارتياح لا تفهم سببه… وكأن قلبها وصلته رسالة من مكان بعيد دون أن يخبرها أحد.
رامي يدخل بهدوء وهو يحمل لها كوبًا من الشاي.
رامي (بصوت منخفض):
"ليه واقفة في البرد؟ تعالي… خدي، عملته مضبوط زي ما بتحبيه."
ليل (تبتسم بخجل):
"بدأت تحفظ ذوقي؟"
رامي (بنصف ابتسامة):
"لما الواحد يعيش مع حد في نفس المكان… بيلاحظ كل التفاصيل غصب عنه."
يقدّم لها الكوب ثم يبتعد خطوة حتى لا يربكها… أو يربك نفسه.
ليل تأخذ الشاي وتجلس على الأريكة، بينما رامي يقف مترددًا… ثم يجلس على الكرسي المقابل لها حتى لا يبدو قريبًا أكثر من اللازم.
ليل (تنظر إليه بامتنان):
"رامي… لو ما كنتش هنا… ما كنتش هعرف أتحمل كل دا لوحدي.
شكراً… على كل حاجة."
ينخفض بصره فورًا…
كلماتها سقطت على قلبه بقوة أكبر مما يستطيع احتمالها.
رامي (بهدوء متحكم):
"أنا هنا… عشان عاصم.
هو وصّاني عليك، وقال… مهما حصل، ما تبعديش عن ليل لحظة."
ثم يضحك بخفة مصطنعة:
"وبيني وبينك… لو رجع ولقاني سايبك دقيقة، هيعمل فيّ محضر شخصي."
ليل (تضحك لأول مرة منذ أيام):
"أعرف… عاصم يخاف عليّ بطريقة غريبة."
ضحكتها… كسرت شيئًا داخله.
ينظر إليها سريعًا ثم يشيح بعينيه قبل أن تنكشف مشاعره.
لحظة صمت… لكنها مشبعة بمعاني كثيرة
ليل تمسك الكوب بدفء، ثم تقول بنبرة هادئة:
ليل:
"مش عارفة ليه… قلبي مرتاح النهارده.
كأني سمعت خبر كويس… من غير ما حد يقوله."
رامي يتجمد في مكانه…
يعرف أن في مصر الآن حدث شيء كبير، لكن لم يخبرها أحد.
رامي:
"يمكن إحساس… ويمكن دعواتك بتتقبل."
ليل (تحدّق في الفراغ):
"بابا… ماما… خالو ادهم… حتى عاصم…
حاسّة إنهم بخير. غريب صح؟"
رامي يبتلع غصة صغيرة…
كانت كلماتها أشبه بخنجر رقيق—لأنها ذكرت عاصم بطمأنينة امرأة تثق به… كزوجها.
بينما هو يبذل كل ما يملك ليظل مجرد ظلّ يحميها.
رامي (بابتسامة حزينة خفيفة):
"الإحساس عمره ما كان غلط.
وإنتِ… قلبك دايمًا صادق."
تنظر إليه لحظة… وكأنها تلاحظ شيئًا للمرة الأولى.
شيئًا في عينيه… في صوته… في طريقة جلوسه.
لكنها لا تفهمه.
ليل:
"رامي… إنت متضايق من حاجة؟ شكلك مش طبيعي."
يفزع قليلًا من سؤالها… ثم يعدّل وضع جلوسه سريعًا.
رامي:
"أنا؟ لا… أبداً.
بس… الشغل. تِعرفي… شغل المخابرات بيستهلك الواحد."
تبتسم له بلطف، دون أن تعلم أن معركته الحقيقية ليست مع العمل… بل مع نفسه.
ليل (بصوت دافئ صدق):
"أنا… مبسوطة إنك هنا."
الكلمة كسرت دفاعاته للحظة…
لكنّه يعيد بناء جدرانه فورًا.
رامي (بهمس ثابت):
"وأنا… هفضل هنا.
لحد ما عاصم يرجع… ولحد ما تطمني."
ثم يقف، يتجه إلى الباب قبل أن ينهار داخليًا.
وبصوت خافت لا يسمعه أحد:
"حتى لو عمري كله هيفضل في ضهرك…
ومن بعيد."
ثم يخرج، ويغلق الباب بهدوء.
ليل تبقى وحدها… تبتسم بلا سبب واضح، وقلبها يشعر بالراحة دون أن تعرف أن والدها في تلك اللحظة…
فتح عينيه في مصر
************************
في – مصر – المستشفى – غرفة زياد
الغرفة مضاءة بإضاءة صفراء دافئة، وصوت أجهزة المراقبة ينبض بانتظام…
زياد مستلقٍ على السرير، شاحب قليلًا لكنه واعٍ، عيناه تحملان دهشة ولطفًا في آن واحد.
عند الباب كان الجميع مصطفين، يكادون لا يصدقون أن الرجل الذي أحبوه قد عاد أخيرًا.
حور تقف أولًا… ووجهها مخضب بالدموع.
وراءها مازن وادهم… ثم ملك، الصغيرة التي كبرت لكنها لم تفقد دلالها عنده.
وبجانبهم ريما وسليم، خجلان، رؤوسهما منحنيّة.
والجد عبد الرحمن، يمسح دموعًا فرت رغماً عنه.
وزين… واقف شامخًا لكنه بدا كطفل خجل من والده.
وعاصم… يقف خلف الجميع قليلًا، رأسه منخفض، لا يعرف كيف يرفع عينيه في
#في_قبضة_العاصم
#سيليا_البحيري
فصل 19
في غرفة زياد في المشفى
ساد صمت ثقيل… صمت يجعل حتى أجهزة المونيتور تخجل من صوتها.
عاصم واقف مكانه، متجمد… رأسه منخفض، ويداه ترتجفان بخفة.
حور تفتح فمها بذهول، وزياد يرمش بعينيه وكأنه سمع شيئاً مستحيلاً.
مازن يرفع حاجبه، وملك تضع يدها على فمها، وسليم وريمـا ينظران لبعضهما بعدم تصديق.
والجد عبد الرحمن يضرب عصاه بالأرض بدهشة:
"هاااه؟ ليل… بنت حور… اتجوزت؟"
وقبل أن يحاول عاصم قول أي كلمة…
يتقدم أدهم بسرعة، يرفع يده كمن يحاول السيطرة على الموقف:
أدهم (متوتر لكنه يحاول التماسك):
"ثااااانية بس… قبل ما حد يفهم غلط… قبل ما حد يزعل من الولد دا…
أنا… أنا اللي كنت وكيل ليل في كتب الكتاب.
وأنا اللي وافقت…
يلتفت الجميع لأدهم بدهشة أكبر—خصوصاً حور التي تكوّر عينيها عليه:
حور:
"إنتَ عملت إيه يا أدهم؟؟"
أدهم (يحاول التبرير وهو يشير بعصبية):
"إيه يا بنتي؟ اسمعوني بس!
إحنا كنا في أزمة… مراد كان بيدوّر على أي حد يوجعه…
ولو كان عرف
مكان ليل … كان زمانه خطفها أو أذاها.
عاصم كان الوحيد اللي واقف في وشّه… وكان لازم نأمّن البنت."
زياد يحدّق بعاصم… نظرة طويلة، مشاعرها مختلطة.
عاصم يبتلع ريقه ويمسك طرف السرير وكأنه فقد توازنه.
عاصم (بصوت مبحوح):
"أنا… ماكنتش عايز أخبي… بس… مكنش قدامي حل غير كده."
مازن (مصدوم لكن منبهر):
"يعني… يعني أنت… جوز ليل بنت اختي؟!"
ملك:
"أيوة يا مازن… واضح إنه الموضوع رسمي جداً."
وتضحك بخفة رغم الصدمة.
حور تتقدم خطوة… تنظر لعاصم مباشرة…
لحظة توتر حقيقية.
ثم فجأة… ترتسم ابتسامة لطيفة على شفتيها.
تتنهد براحة وكأن حملاً ثقيلاً زال.
حور (بهدوء وفرح):
"عاصم… أنت كنت دايماً ابننا… قبل ما تبقى جوز بنتنا.
ولو في حد كنت أتمنى يتجوز ليل… فهو أنت."
عاصم يرفع رأسه لأول مرة… عينيه تلمعان.
زياد يبتسم… ابتسامة رجل وجد الطمأنينة:
زياد:
"وأنا… والله يا ابني ما كنت لألاقي حد يصون بنتي زيك.
أنت ابن خالد… … وكبرت في بيتنا.
ربنا يتمم لكم على خير."
وفجأة… زين يقفز بين الجميع، يصفّر بصوت عالٍ:
زين:
"ياااااه! يعني اللي حصل دا رسمي؟
الخاطف اتجوز المخطوفة؟؟… والهيصة دي كلها فاتت عليّا؟
ليه محدش بيقولّي حاجة؟! أنا شاكك إنكم بتعملوا اجتماعات سرّية من ورا ظهري!"
سليم الشرقاوي ينظر له بضيق مبالغ فيه:
سليم:
"زين… من فضلك… اقعد. إحنا في مشفى."
زين:
"طب ماشي، بس لازم أفهم حاجة… يعني دلوقتي أقول لعاصم:
يا جوز بنت عمّي؟ ولا يا ابن خالي؟ ولا يا صهري؟
حد يفهّمني النسَب قبل ما أدوّخ!"
ريمـا تنفجر من الضحك رغم توتر الموقف.
الجد عبد الرحمن يمسح دموعه بتأثر:
الجد:
"ربنا يسعدكم يا ولاد…
ليل تستاهل واحد زيك يا عاصم… وانت تستاهلها.
اللهم ألف بين قلوبكم وبارك فيكم."
مازن يضع يده على كتف عاصم:
مازن:
"مبروك يا عاصم… بجد مبروك.
وبلاش تخاف من زياد… هو بيزعق كتير، بس قلبه أبيض."
زياد يهز رأسه بضيق مصطنع:
زياد:
"أيوة طبعا… قولوا كل حاجة وأنا نايم."
ملك تمسك يد حور وتهمس:
ملك:
"هو دا الفرح اللي كنتِ محتاجاه من أيام… الحمد لله رجعتِ تبتسمي."
حور ترد بابتسامة واسعة:
حور:
"أيوة… رجعت."
زين ينظر للجميع ويقول وهو يصفّر من جديد:
زين:
"طب بما إن في فرح فجأة…
عاوز أعمل لايف أونلاين: أهلاً بكم في حفلة قلبت من مشفى لقاعة أفراح!"
سليم يضربه بكوعه:
سليم:
"اقلع البطارية يا زين… الحفل لسه قدام."
ريمـا تضحك أكثر:
ريمـا:
"زين لو عنده زر إغلاق… حياتنا كانت أهدى."
الجميع يضحك…
والمشهد ينتهي بابتسامات واضحة، وراحة كبيرة في قلب زياد وحور…
والجميع يلتف حول عاصم يبارك له—
بينما هو لا يزال مذهولاً من أنهم تقبّلوا الأمر بسهولة أكبر مما تخيّل.
*********************
الجميع ما زال يضحك ويتبادل التهاني…
لكن فجأة…
يصمت عاصم، وتظهر على وجهه نظرة “كارثة” واضحة.
مازن (ينتبه):
"إيه يا عم؟ وشّك قلب ليه؟"
عاصم (يرمش بسرعة):
"بس… لحظة… لحظة واحدة."
ينظر حوله في الغرفة، يعدّ الوجوه واحدًا واحدًا.
"أدهم… حور… زياد… ملك… مازن… ريمـا… الجد… زين… سليم…"
ثم يرفع حاجبيه فجأة:
عاصم:
"إحنا… نسينا حد مهم جداً."
ريما:
"مين؟"
عاصم:
"العروسة."
الغرفة كلها تتجمد.
زياد:
"ن… نساينا بنتي؟!"
حور تضع يدها على رأسها:
"يا نهار أبيض… دا احنا بنبارك لجواز بنتي وهي مش موجودة أصلًا؟!"
ملك تنهار من الضحك:
"يا ربّي! ليل مش هنا أصلاً! دي في ألمانيا!"
مازن يصفق بيده على جبينه:
"إحنا حرفياً عملنا ‘حفلة من غير العروسة’!"
زين يقفز كعادته، يرفع إصبعه كمن يعلن اكتشافًا عالميًا:
زين:
"أنا عارف! عارف!
نعمل فيديو كول ونقول لها:
مبسوطين إنك اتجوزتي… تعالي بكرة ناخد صور الفرح!"
سليم الشرقاوي ببرود:
"زين… اسكت. بلاش أفكارك دي في يوم الناس فيه فرحانة."
زياد يلتفت لعاصم وهو يحاول أن يستوعب:
زياد:
"طيب… فين ليل دلوقتي؟ مع مين؟"
عاصم (يحك مؤخرة رأسه بخجل):
"هي… اه… في فيلا رامي."
حور اتصدمت:
"رامي؟ رامي المخابراتي؟!"
عاصم:
"أيوة. ومعاها ربى أختي… ونيروز أخت رامي.
كانوا واقفين معاها من ساعة ما بدأت المشاكل…
وسايبينها ارتاح شوية في ألمانيا."
أدهم يرفع حاجبه:
"طيب… وإحنا واقفين هنا بنعمل مسرحية…
مين هيرجع البنت مصر؟"
عاصم (ينفخ ضحكاً وتوتراً):
"أنا… هبعت رسالة دلوقتي."
يخرج هاتفه ويفتح مجموعة الواتساب الأسطورية:
“الفرسان الاربعة + البنات 😎🔥”
صورة المجموعة: لقطة قديمة لهم وهم طلاب، نصفهم نائم والنصف الثاني يضحك.
يكتب عاصم بصوت مسموع:
عاصم (وهو يكتب):
"يا بيجاد… يا سليم … يا رامي… يا بنات…
استعدّوا…
العيلة عرفت بكل حاجة…
وزياد وافق… وحور وافقت… والمصيبة الأكبر… كلهم عايزين ليل هنا فوراً."
زياد يصرخ عليه بلطف:
زياد:
"قولهم: فوراً يعني ‘فوراً’. مش بعد أسبوع!"
حور:
"وقل لرامي يخلي باله منها… دي بنتي."
عاصم يكتب بسرعة:
"عاوزكم تجيبوا ليل دلوقت وترجعوا مصر… و… آه…
العم زياد بيقول بسرعة."
يظهر إشعار على الفور:
بيجاد:
"يعني إيه بسرعة؟ الجو مطري عندنا!"
سليم القيصري:
"يا رب يكون هزار… أنا لسه نايم أصلاً."
رامي:
"إحنا جاهزين نمشي من نص ساعة…
بس… ليل مشغلة موسيقى وبتطبخ.
حد يفهّمها إن في حاجة مهمة؟"
حور تضع يدها على قلبها:
حور:
"بس… ليل هتتجنن لما تعرف.
أكيد دلوقتي قاعدة فاكرة إن الكل غضبان منها… أو إن الوضع لسه خطر."
زياد (بثقة):
"أهم حاجة… إنها ترجع وتشوفنا بخير.
وتعرف إن محدش هيقرب منها ولا من عاصم تاني."
مازن يقف بجانب عاصم ويضرب كتفه:
مازن:
"روح حضّر نفسك… شكلها جاية… وشكلها هتزعل بعد ما تلاقيك متعور."
عاصم ينفخ:
"أهي فرصة حلوة أراضيها."
زين يهمس لمازن بصوت عالي:
زين:
"إراضيها؟
دا هتضربه الأول… وبعدين تسامحه."
مازن يهز رأسه ضاحكًا:
مازن:
"أيوة… دي ليل."
الجميع يضحك…
والجو يتحول مرة أخرى لسعادة ودفء،
وكلهم ينتظرون اللحظة التي ستدخل فيها ليل الغرفة…
والتي يبدو أنها ستكون أقوى لحظة من كل ما فات.
*******************
في فيلا عيلة بيجاد
الفيلا هادية… ريحة القهوة مالية المكان.
منذر قاعد بيقلب في الجرنال، نظرته هادية وذكية… بس فيها تعب من كتر التمثيل قدّام الحيّة لمى.
نوال بتلف في المطبخ، تحضّر عصير وطبق كحك كرمًا لضيفتها.
وفجأة…
تطلع لمى بكل كبرياءها المصنوع: هدوم فاقعة، شعر منفوخ، برفان يخنّق…
وتدخل وراها تالين بخطوات مصطنعة وثقة أعلى من اللازم.
لمى تدخل كإن الفيلا ملك أبوها.
لمى (بابتسامة لزجة):
"وعليكم السلام… البيت منوّر بينا يا نونووو، مش كدا؟"
نوال (بابتسامة طيبة):
"إزيّك يا لمى؟ منوّرينا… إنتي وتالين."
تالين ترفع شعرها وترد ببرود:
"أهلا يا خالتي. إزيّك يا عمي منذر؟"
منذر يرفع عينه من الجرنال بنص ابتسامة:
منذر:
"تمام يا تالين… تمام. شكلِك طالعة لأمّك نسخة… ربنا يستر."
لمى تبتسم ابتسامة فيها سم:
لمى:
"يعني إيه يا منذر؟"
منذر (ببرود احترافي):
"قصدي ربنا يحفظكم… الواحد لازم يدعي للناس."
تالين تقعد زي الطاووس… وتبص حوالين الفيلا من فوق لتحت.
تالين:
"بس… فين بيجاااد؟
ليه مختفي بقاله فترة؟
وأنا… يعني… حابة أطمن."
نوال (برقة):
"والله ما نعرف يا حبيبتي… ما قالّناش حاجة. بس أكيد راجع قريب."
لمى تخبط رجلها في بعض وتعمل حركة كتف:
لمى:
"يعني ابنِك يسافر وما يقولّكيش؟
ولا يمكن… مسافر مع حد؟
ولا يمكن… في حدّ؟"
نظرة خبيثة واضحة…
بتلعب على الشك… وعاوزة تغيظ نوال.
لكن قبل ما نوال ترد…
منذر يقفل الجرنال بهدوء… ويرفع حاجب واحد بس.
منذر:
"هو مسافر شغل مهم.
وما حبّش يقلّق أمّه…
وبعدين لو قالّكم… كان زمانكم واقفين في المطار ماسكين الشنطة."
لمى تتلبّك:
لمى:
"يعني… إحنا إيه بنزعجه؟! إحنا أهله."
منذر (ببرود):
"أهله؟
ولا… طموحين تبقوا أهل البيت كله؟"
تالين تكتم نفسها!
لمى تتفاجئ وتحاول تدارى:
لمى:
"إنت… إنت قصدك إيه؟"
منذر:
"قصدي واضح.
بتسألي عن بيجاد كتير…
وبتحاولي تعرفي رايح فين وجاي منين…
وكإنه خطيب بنتك مثلًا؟"
تالين ترفع راسها:
تالين:
"ولو حصل… ما فيهاش حاجة.
أنا بنت خالته… ونَسَب محترم."
منذر يميل لقدّام… ويبتسم ابتسامة صغيرة مرعبة:
منذر:
"بيجاااد؟
عاوزة تتجوزي بيجاد؟
ده اللي مش راضي يرجع البيت أصلاً… من كتر ما بيهرب من النظرات اللي بترميها عليه!"
تالين تتوتر:
تالين:
"أنا؟! همشي وراه؟!"
منذر:
"أيوه… بتتزنبقي وراه.
والحقيقة؟
هو ما بيدّكيش ربع اهتمام."
نوال تتصدم:
نوال:
"منذر! ليه تقول كدا؟! تالين لسه صغيرة!"
لمى تمثل دور الضحية فورًا:
لمى:
"شايفاه يا نونو؟
شايفاه إزاي بيجرح بنتي؟
وانتي ساكتة؟!
مش هتدافعي عن بنت أختك؟!"
قبل ما نوال ترد…
منذر بنبرة ناعمة قويّة:
منذر:
"لو إنتي جاية زيارة… تشربي قهوتِك وترجعي.
بس لو جاية تدوري على مشاكل…
ولو جاية تطمعي في بيتي… وفي ابني…
فأنا موجود.
ومش هاسكت."
تالين تعض شفايفها من القهر.
لمى تقرّب منه خطوة… وبصوت فيه غِواية خبيثة:
لمى:
"إنت دايمًا قوي… وفاهم.
وأختي للأسف… ما تعرفش تدير بيتها زيّك…"
نوال تضحك بسذاجة:
نوال:
"أهااا لمى… تقصدي إنك معجبة بطريقة منذر؟"
منذر يبصلها بنظرة تحذير:
منذر:
"لمى… رجّعي مكانك.
عيب."
لمى تعصب، تسحب تالين من إيدها:
لمى:
"تمام… تمام.
يا نوال… لو جوزِك محترم معاكي… كنتي فهمتيني.
يلا… نمشي يا تالين."
وهي خارجة…
تبصّ على منذر بنظرة: استنى… هرجع لك.
منذر يرد بنظرة: جربي… وهتبقي ندمانة.
تخرج لمى وتالين معصّبين.
نوال تقعد جنب جوزها:
نوال:
"منذر… ليه تتعامل معاهم كدا؟ دول أهلنا!"
منذر بهدوء شديد:
منذر:
"أهلنا؟
ولا… سوسة في البيت؟
اسمعي يا نوال…
أختِك وتالين لو فتحّتلهم باب… هاياكلوا البيت كله."
نوال تتنهد، مش مقتنعة:
نوال:
"مستحيل… تالين طيبة… ولمى أختي…"
منذر يبتسم لها بحنان:
منذر:
"وإنتي أنضف من إنك تشوفي خبث حد.
علشان كدا… سيبّي الموضوع عليّ.
أنا هتعامل معاهم."
********************
في ألمانيا، عند ليل
كان المساء ثقيلاً كالعادة…
ثلج خفيف يلامس زجاج الشرفة، وضوء أصفر دافئ ينعكس على وجه ليل وهي جالسة على طرف السرير، تحدّق في فنجان الشاي الذي برد منذ نصف ساعة.
لم تكن تفكّر في شيء محدد… أو ربما كانت تفكر فيه فقط.
عاصم.
لم تعد تستطيع خداع نفسها… هي وقعت تمامًا، رسميًا، وبلا عودة.
كانت تتنفس ببطء، وكأن مشاعرها صارت ثقيلة لا تعرف أين تضعها:
كيف تحب رجلًا خطفها؟ كيف تعلّقت به بهذه السرعة؟ كيف تحوّل خوفها منه لطمأنينة؟ وكيف صار حضوره الدواء الوحيد الذي يسكّن روحها؟
قاطع شرودها صوت ارتطام خفيف ثم:
نيروز (بحماس عالي وهي تقفز داخلة الغرفة):
«ليييل!! يا بنت قومي! عندي خبر هيطير مخّك!!»
رفعت ليل رأسها بكسل، لكنها ما إن رأت ابتسامة نيروز الواسعة حتى شعرت بأن شيئًا كبيرًا يحدث.
ليل:
«في إيه؟ مالك؟ ليه مبسوطة كده؟»
نيروز (تجلس أمامها تمسك يديها بقوة):
«أنا راجعة مصر!»
اتّسعت عينا ليل:
«إيه؟! بجد؟ إزاي؟ إمتى؟»
نيروز (بحماس طفلة):
«لسه حالًا! عاصم اتصل برامي وبيجاد وسليم… وقالهم يجهزوا. هنرجع كلنا مصر… قريب جدًا!»
كانت الكلمات تهبط على قلب ليل كأمطار دافئة بعد شتاء طويل. شعرت بالروح تعود لصدرها لأول مرة منذ سبعة أشهر.
ليل (بصوت منخفض يكاد يرتجف):
«هــ… هرجع؟ أنا كمان؟»
نيروز:
«طبعًا! هو قال أنك هترجعي لأهلك… لأمك وأبوك وعيلتك. خلاص يا ليل… الكابوس ده انتهى.»
لم تستطع ليل منع دموعها—دموع فرح صافي.
عادت للوراء قليلًا وكتمت وجهها بين كفيها وهي تضحك وتبكي في نفس الوقت.
ليل:
«أنا… مش مصدّقة… هرجع لماما و بابا و ادهم و مازن..... كلهم وحشوني
نيروز (تداعب كتفها):
«يا مجنونة طبعًا!»
سكتت ليل لحظة…
وهناك، خلف الفرحة العارمة، انغرزَت شوكة صغيرة في قلبها.
لم يكن أحد يلاحظها… إلا هي.
لو رجعت… معناها الطلاق.
معناها خلاص… انتهت علاقتها بعاصم.
معناها مش هتشوفه كل يوم.
مش هتسمع صوته وهو يناديها "ليل".
مش هتشوف نظراته اللي تحفظها أكتر من اسمها.
رفعت وجهها بسرعة تمسح دموعها حتى لا تلاحظ نيروز.
نيروز (ببراءة):
«هو قال رامي يرتّب الطيارة الخاصة… وممكن نسافر خلال 48 ساعة. ياااه يا ليل… وحشتوني كلّكم. نفسي أشوف طنط حور وعمو زياد…»
ابتسمت ليل من القلب، لكن تعبًا خفيفًا مرّ على ملامحها.
ليل:
«أنا فرحانة علشانك يا نيروز… بجد. وهفرح أكتر لما أشوفهم…»
نيروز (تحدق بها):
«بس؟! مش باين عليك الفرحة اللي كنت متخيلاها.»
ضحكت ليل بخفوت:
«لا… فرحانة… جدًا. بس… استوعب الموضوع بس.»
نيروز اقتربت منها وعانقتها بقوة، كما لو كانت تعرف أن ليل تخبئ شيئًا ثقيلًا.
نيروز:
«كله هيتصلّح… كله هيتعدل. ربنا كبير.»
ليل أغلقت عينيها فوق كتف نيروز…
لكنها لم تتخيل أن اللحظة التي حلمت بها لسبعة أشهر… ستكون هذه المرة مؤلمة بهذا الشكل.
كيف يعود القلب لوطنه… وهو عالق في رجل؟
**********************
في مصر في زنزانة مراد الشرقاوي
كان الليل ثقيلاً داخل أروقة المبنى الأمني…
هدوء خانق لا يقطعه سوى صوت خطوات الحراس من بعيد.
في أعمق الزنازين، جلس مراد الشرقاوي على طرف السرير الحديدي، يداه مكبلتان، ووجهه مظلم أكثر من جدران الزنزانة نفسها.
عيناه تقدحان شررًا…
ليس ندمًا، بل حقدًا.
الحقد ذاته الذي أوقعه هنا.
كان يحدّق في الأرض بعنف، وكأنه يطحن الأسماء داخله:
زياد… حور… عائلة يونس… عاصم…
الكل سيدفع… الكل…
همس لنفسه بصوت مبحوح:
«لسّه اللعب ما خلصش… ولسّه عندي ورق كتير…»
وفجأة، تلاشت الظلال حين انفتح باب الممر.
خطوات ثابتة، بطيئة… لكنها تحمل ثقل سلطة يعرفها جيدًا.
رفع مراد رأسه، فوجد آدم يقف أمام باب الزنزانة، يده خلف ظهره، وابتسامة باردة من النوع الذي يغيظ أكثر من ألف إهانة.
آدم (بنبرة هادئة، كأنها صفعة):
«إزيّك يا مراد؟ مستريح؟ ولا السرير ناشف عليك؟»
لم يرد مراد…
لكنه شدّ فكه بعنف، والنار تشتعل في عينيه.
آدم (يميل قليلًا للأمام):
«كنت فاكر نفسك أذكى مننا كلنا، صح؟
بس شوف… في الآخر، وقعت بإيدك إنت.»
مراد بصوت خافت لكنه يقطر سمًا:
«لسّه… ولسّه هتشوفوا مني اللي عمركم ما شفتوه.»
ضحك آدم بخفوت، ضحكة انتصار واحتقار:
«إنت؟
إنت خلاص ورقتك اتحرقت.
دلوقتي… مش أكتر من مجرم مستني الحكم.»
اقترب آدم خطوة من القضبان، نظرته قاطعة، صارمة، لكن تحمل برودة رجل يعرف أنه انتصر.
آدم:
«استمتع بوقتك هنا…
لأن اللي جاي… مش هيعجبك أبدًا.»
ثم استدار وغادر بخطوات ثابتة، تاركًا الباب يُغلق بصوت معدني ثقيل…
بينما بقي مراد، وحده، يشتعل غضبًا أكثر، يحدّق في مكان آدم الذي اختفى، وكأن النار التي بداخله تكاد تحرق الجدران نفسها.
*********************
بعد عدة ساعات– مطار القاهرة – الليل
كانت الساعة تقترب من منتصف الليل حين هبطت الطائرة القادمة من ألمانيا.
ضوء الطائرة قطع عتمة المدرج، والبرد الخفيف كان يلف المكان بينما صفّ من الوجوه المتعبة والقلقة يقف خلف الحاجز ينتظر.
زياد الزهراوي كان يتكئ على كتف مازن، وجهه شاحب من أثر الحادث، لكن عينيه… مشتعلة بالشوق.
حور واقفة بجانبه، يداها ترتجفان، تحاول أن تبدو صامدة… لكنها كانت على وشك الانهيار.
رؤى تكاد تقفز كل ثانية من مكانها، وزين يلوّح بيده بلا معنى حتى يفرغ توتره.
ريما وسليم الشرقاوي كانا يقفان في الخلف بصمت مشتعل… كل واحد يحبس دموعه.
الجد عبد الرحمن يضغط مسبحته بين أصابعه، ينتظر حفيدته الروحية التي كان يراها كابنته.
وفجأة… انفتح باب الطائرة.
وظهرت ليل.
كانت عيناها تتسعان باندهاش وانكسار وحنين دفعة واحدة… وشفتاها ترتجفان، قبل أن ترتسم ابتسامة صغيرة تحولت في لحظة إلى شهقة مكتومة.
ليل:
«ماما… بابا…!»
واندفعت راكضة على السلم قبل أن يكمل الطاقم إجراءات النزول. حقيبتها الصغيرة ارتطمت بدرج الطائرة وهي تهبط بسرعة، ضحكة صغيرة خرجت منها وسط دموع متلاحقة.
حور لم تحتمل… صرخت:
«يا روحيي!!»
وانطلقت نحوها، لكن زياد أمسك يدها، يبتسم رغم ألمه:
«سيبيها… سيبيها تجيلي.»
ليل هبطت آخر درجة… ورأت والدها.
رأت جبينه الملفوف بضمادة خفيفة، والآثار الزرقاء على ذراعه.
تفاجأت. توقفت لحظة.
ليل بصوت مبحوح:
«بابا… إيه اللي حصلك؟!»
فتح زياد ذراعيه رغم أن كتفه كان يؤلمه بشدة.
زياد بابتسامة مرتجفة:
«ولا حاجة… أهم حاجة إنك رجعتي. تعالي هنا يا بنتي.»
ركضت نحوه، وارتمت في حضنه بقوة.
زياد أغلق عينيه، كأن روحًا كانت ضائعة ورجعت إلى مكانها.
زياد بصوت خافت عند أذنها:
«وحشتيني… يا ليل.»
ليل تبكي:
«أنت أكثر… يا بابا، سامحني، أنا آسفة… خفت عليك قوي… قوي.»
زياد يهز رأسه:
«ولا كلمة. إنتي بخير… وخلاص.»
حور لحقت بها، وأمسكتها من كتفيها، تنظر لملامحها وكأنها لا تصدق أنها أمامها.
حور بصوت منكسر:
«كبرتي… وشك ضعف… بس انتي ليل… انتي ليل بتاعتي!»
ليل تضحك وتبكي:
«مامااا… وحشتيني!»
وحضنتهما الثلاثة تداخلت، زياد يضمها وهو متكئ بصعوبة، وحور تمسح على شعرها، وليل تبكي بلا توقف.
رؤى لم تعد تتحمل، صرخت:
«بطلوا تبكوا وخلوها تيجيلي بقى!»
ليل ضحكت وسط دموعها، ومدّت يدها لرؤى التي قفزت عليها قفزة واحدة كأنهما طفلتان.
رؤى:
«يا مجنونة!!! سبع شهور وقلبي بيتقطع!»
ليل:
«وأنا أكتر… وحشتيني يا روح قلبي.»
زين اقترب، فاتحًا ذراعيه بطريقة كوميدية:
«أنا فين؟ محدّش هياخد حضن للراجل ده؟!»
ليل ضحكت بصوت حقيقي لأول مرة منذ شهور.
رمت رأسها على كتفه بخفة:
«وحشتني نكتك السخيفة.»
زين:
«ده شرف ليا والله.»
ريما تقدمت ودموعها تنزل رغم محاولتها التماسك.
ريما:
«يا ليل… كنت خايفة نموت من غير ما نشوفك.»
ليل ضمّتها وهي تبتسم بحنان:
«ولا عمري هبعد عنكم تاني.»
ثم التفتت لسليم الشرقاوي. كان واقفًا ساكنًا، لكن عينيه بتحرق.
ليل ابتسمت له:
«ازيك يا سليم…؟»
سليم بخفوت لكنه صادق:
«الحمدلله دلوقتي.»
قبّل رأسها بخفة كأخ أكبر ثم تراجع.
الجد عبد الرحمن تقدم بخطوات بطيئة.
وضع يده على رأسها:
«رجعتي… نورتي البلد يا بنتي.»
ليل أمسكت يده وقبّلتها:
«وحشتني قوي يا جدو.»
وفي الخلف، كان يقف عاصم.
لم يقترب.
لم يتكلم.
يداه في جيبيه، وملامحه صلبة… لكن عينيه تقول كل شيء.
ليل شعرت به. التفتت.
للحظة… كل الأصوات اختفت.
عاصم نظر لها بنظرة اعتذار… حب… ندم… وشيء آخر لم يعترف به حتى لنفسه.
هو الذي سرقها من حضن هؤلاء البشر…
والآن يرى كيف كانوا ينتظرونها.
كل شيء داخله انكسر.
ليل لم تتقدم نحوه.
لكنها نظرت في عينيه نظرة طويلة…
فيها عتب… شوق… وامتنان غريب لأنه أعادها.
كانت ترى عالَمَين تصادما: عالمها القديم…
وعالم الشهور السبعة التي غيّرتها.
ثم همست:
«وحشتوني… كلكم… كل حاجة هنا وحشتني…»
زياد وضع يده على كتفها:
«ومن النهارده…
مفيش حاجة ولا حد هيبعدك عننا تاني.»
وبعيدًا قليلاً، وقف عاصم…
ينظر إليها بصمت،
وفي قلبه جملة واحدة ظل يكررها:
ليتني ما صدقت أحدًا… ليتني ما آذيتك.
***********************
بينما كانت ليل ما تزال في حضن والديها، التفتَت حور فجأة نحو الأصوات القادمة من باب الطائرة، وكأن قلبها اجتذب شيئًا مألوفًا. كانت ربى تجلس على الكرسي المتحرك، ويد بيجاد فوق مقبضه يدفعها ببطء كي لا تتعب. نيروز بجانبها تبتسم بخجل، بينما رامي يجر حقيبة صغيرة، وسليم القيصري يراقب الجميع بعين هادئة.
تجمّدت حور، وكأن الزمن عاد بها سبعة عشر عامًا للوراء…
مريم.
نفس الملامح. نفس الهدوء. نفس البراءة.
حتى نظرة العينين… كأنها نسخة روحية منها.
حور بصوت مخنوق:
"مريم…؟"
تقدّم زياد خطوة صغيرة، وضع يده على كتف زوجته يثبّتها، فقد شعر بالارتجاف في جسدها.
ربى بخجل وصعوبة في الكلام:
"خالة حور…؟ أنا… ربى."
لم تحتمل حور المسافة بينهما، تقدّمت بسرعة وانحنت لتحتضن ربى بقوة رغم الكرسي، وكأنها تعانق جزءًا لم يندثر من صديقتها الراحلة.
حور وهي تبكي:
"كبرتي… يا ربى… يا الله… أنتِ نفس ملامحها… نفس الطيبة…"
ارتبكت ربى، رفعت يدها ببطء حتى لا ترتعش.
ربى بخفوت:
"ماما كانت دائمًا تقول إنّكِ كنتِ أقرب الناس لها…"
انزلق دم من عين زياد، مسحه بسرعة كي لا تراه ابنته.
بينما ليل وقفت بجوارهم تمسح دموعها وتبتسم، فقد شاهدت كيف أنّ هذا اللقاء أعاد لأمها شيئًا ثمينًا.
نيروز بفرح:
"خالتي حور… أنا نيروز، تتذكريني؟ كنت صغيرة لما شفتكم آخر مرة."
حور تمسح دموعها وتبتسم:
"أكيد أتذكرك يا روحي… كبرتي وصرتي أحلى بنوتة… الحمد لله على سلامتكن كلكم."
مازن (خال ليل) ضاحكًا:
"والله رجعتوا لينا البيت كله نور يا بنات القيصري."
ملك (زوجة مازن) بابتسامة دافئة:
"الحمد لله إنكم رجعتوا سالمين. البيت اشتاقكن."
اقترب سليم القيصري وانحنى قليلًا تقديرًا.
سليم:
"شكراً لكم على استقبالكم. نحن ضيوف عندكم لحد ما تطمئن ليل وتاخذ راحتها."
زياد ابتسم رغم الألم.
زياد:
"أنتو مو ضيوف يا ابني… أنتو أهل."
عندها تقدّم بيجاد ووضع يده على كتف ربى بحنان.
بيجاد:
"خالتي حور… ربى بخير الحمد لله. العلاج ماشي، والأطباء متفائلين. وأنا معها خطوة بخطوة."
ابتسمت حور له بامتنان.
حور:
"الله يخليك إلها يا ابني… واضح إنها مستريحة معك…"
احمرّت خدود ربى فورًا، وتدفقت ضحكات خفيفة من الجميع.
---
التفتت ليل فجأة تبحث بعينيها عن أحد.
ليل:
"ماما… وين أدهم الصغير ومازن؟ ليش ما جابوهم؟ اشتقت لهم كثير..."
أجاب زياد بابتسامة هادئة رغم التعب:
زياد:
"نايمين بفيلا العيلة مع المربية… ما حبيت نصحيهم بهالوقت. بس لما يشوفوكي الصبح راح يطيروا من الفرح."
ليل بخيبة لطيفة:
"كنت بدي أحضنهم أول ما أوصل… بس ما مشكلة، بكرة."
رؤى قفزت نحو ليل وتعلقت برقبتها.
رؤى:
"بس أنا هون! توأمِك الروحية ما راح تفارقك هالمرة."
ضحكت ليل بقلبها.
ليل:
"اشتقتلك يا مجنونة."
زين بصوت مرح وهو يلوّح بيديه:
"وأنا؟ ما حد اشتاقلي؟ ألو! أفضل صديق رجع!"
ليل تضحك:
"زين! والله اشتقتلك أكثر من الجميع يمكن."
زين بتمثيل الدموع:
"هااا! سجلوها… ليل اعترفت أخيرًا!"
ضحك الجميع، وكان الجو دافئًا بشكل لم يشعروا به منذ أشهر طويلة.
---
من بعيد، كان عاصم واقفًا بجانب الطائرة، يراقب المشهد بصمت.
عينيه لا تفارق ليل.
انفراج ضحكتها… ارتعاش صوتها… دموع والدتها…
كلها أشياء كان قد سرقها منها دون أن يدرك.
اقترب منه أدهم (خال ليل) يربت على كتفه.
أدهم:
"تعال… أنت اللي رجّعتها إلنا. لازم تكون معنا."
عاصم بصوت منخفض:
"وجودي ممكن يسبب توتر… خلّي لحظتهم نظيفة."
أدهم بجدية هادئة:
"أنت غلطت… صح. بس رجعتها. هذا الشي لحاله… يكفي تخليك واقف بيننا."
رفع عاصم عينيه نحو ليل مرة أخرى.
كانت تضحك وهي ممسكة بيد والدها وأمها، وكل من حولها يحتفل بها وكأنها نجمة تعود من غياب طويل.
ابتسم… ابتسامة صغيرة، صادقة… وامتلأت عيناه بندم خفي.
عاصم (همسًا):
"الحمد لله رجعتي لبيتك… يا ليل."
*********************
بعد الضحك والأحضان والدموع…
بدأت ليل تبص حواليها، تدوّر على وشّين كانت دايمًا تشوفهم في عيلتها الكبيرة.
ليل:
"ماما… بابا… فين عمّي مراد؟ وفين نرمين؟ ليه مش شايفاهم؟"
الجملة كانت بسيطة…
بس وقعها كان زي الصفعة.
كل حاجة وقفت.
حتى الهوا حسّيته توقّف من التوتر اللي نزل فجأة.
ابتسامة زياد اختفت فورًا…
فكّه شدّ، كإنه بيكتم غضب مالوش آخر.
حور بصّت للأرض، وإيدها مسكت ذراع ليل من غير ما تحس.
حتى ريما وسليم—ولاد مراد—وشوشهم
يتبع
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


0 تعليقات