نوفيلا هاله والادهم بقلم الكاتبه هدي زايد حصريه وجديده وكامله جميع الفصول على مدونة النجم المتوهج
نوفيلا هاله والادهم بقلم الكاتبه هدي زايد حصريه وجديده وكامله جميع الفصول
مافيش أي حل يا هالة غير إنك تقبلي بالوضع الجديد يابنتي معلش اتحملي
أردفت والدة حمزة عبارتها المواسية لها رغم عدم قبولها من البداية، نظرت هالة لها و قالت بنبرة متحشرجة و هي تبتلع مرارة حلقها
- و اشمعنى حمزة اللي اتجوزها ليه مخلتيش محمود ؟!
ردت والدة حمزة قائلة بمرارة
- يا بنتي و الله العظيم أنا لا كنت عاوزة حمزة و لا محمود هو سهل عليا اشوف مرات ابني الكبير بتتجوز حد من اخواته !! أنا اللي فيا مش حد و ساكتة و صابرة فكرك سهل عليا او جع قلبك و لا أنا مبسوطة و أنا بجيب لك ضُرة !!
و الله غلاوتك و معزتك في قلبي زيها زي ريهام و رغدة و يمكن أكتر هما اتجوزا و مشيوا لكن أنتِ اللي باقية
إيماءة من رأسها علامة الموافقة و الانصياع لأوامر تلك المرأة المسنة التي تفعل ما بوسعها لتسعد قلبها بعد أن جر حته، وقفت عن مقعدها ما ولج حمزة و خلفه زوجته الجديدة، تجاهل جودها كعادته على الرغم من معاتبة قلبه له إدا إنه قرر أن يعاقبها كما فعلت هي بقرارها هذا
ولجت المطبخ و أعدت الطعام و في أذنيها سماعات الرأس، تستمع لإحدى الاغاني التي تعشقها حالة من الهروب ظنًا منها أنها بهذا الأمر ستتجاهل ما يحدث بالخارج، فصل هاتفها و انقـ طعت الأغنية عند المقطع الذي تعشقه، وصل لمسامعها صوت العروس الجديدة و هي تقول بنبرة صادقة
- هي هالة لسه زعلانة مني ؟ أنا و الله ما كان قصدي اخطف جوزها منها زي ما هي فاهمة الموضوع و ما في إن محمود صغير و...
ردت والدة حمزة قائلة:
- هالة من حقها تزعل يا وداد و أي حد مكانها ها يزعل مهما كانت المشاكل بينها و بين حمزة مكنتش متوقعة إن جوزها يبص لغيرها فـ معلش اتحمليها و اتحملي معاملتها الجافة معاكي
ردت وداد باسمة
- حاضر يا مرات عمي
وقفت عن مقعدها و قالت بإبتسامة واسعة و هي تنظر لزوجها
- عن أذنك هـاروح المطبخ اساعدها عشان الشغل كتير عليها أكيد
رد حمزة بإيماءة من رأسه و قال
-روحي بس بلاش مشاكل أنا مش عاوز وجع دماغ
- حاضر
نظرت والدته له دون أن تتفوه بكلمة واحدة بينما هو هز رأسه و قال بتساؤل:
- خير في إيه ؟!
- مش شايف إنك مهمل في حق هالة ؟
- على فكرة أنا مهمل في حق وداد بردو القصة و مافيها إن مشغول الفترة دي يعني لا فاضي
لدي ولا رايق لدي
- مليش دعوة أنت فيك إيه أنا ليا دعوة إن من يوم كتب كتابك على وداد و أنا ما طيبتش خاطر اليتيمة اللي جوا دي كل يوم تنام و دموعها على خدها
رد حمزة بضيق من حديث والدته تريد عليه ثقل فوق ثقله إن كان عليه سيذهيب على الفور و يعانقها و ينتهي الأمر بيها ليُعيدها لمكانها في شقتها تماما كـ قلبه لكن تصرفاتها تلك تجعلها تزيد الأمر سوءٍ .
شاح ببصره تجاه النافذة بينما غادرت والدته لصلاة العصر، خطواتها السريعة من المطبخ إلى غرفة النوم خاصتها بمنزل والدته جعلت نبضات قلبه تكاد تخرج من قفصه الصدري، لكن ظاهريًا متخشبًا كالتمثال، كاد أن يقف عن مقعده ليستوقفه صوت أخيه و هو يلج بصغاره و خلفه زوجته صافحه ثم جلس محدثًا إياه بجدية
- فينك يا عم بقالي شهر باجي الاقيك نايم بدري يعني
تابع بغمزة من طرف عينه و قال:
- هو الجواز لتاني مرة حلو كدا ؟
ابتسم حمزة إبتسامة باهتة عكس حزنه الذي يعتري قلبه تنحنح و قال بسخرية :
-تقدر تقول كنت ميت و رجعت تاني مش أكتر
كاد أن يكمل حديثه لكن قاطعته والدته قائلة:
- يلا يا ولاد الغدا جاهز
التف الجميع حول المائدة بدأت الأم في توزيع الصحون و الطعام، أما وداد وضعت الطعام أمام حمزة و قالت بخفوت:
- اتفضل يا حبيبي
ابتسم بتوتر و قال:
- تسلم ايدك
فـ تابع و هو يخفي توتره قائلا بمجاملة ظاهرية
- يا حبيبتي ربنا ما يحرمني منك
وصلت الكلمة لمسامع الجميع رغم انخفاض نبرة الصوت لم تعلق وداد و اكتفت بالإبتسامة مراعاةً لشعور هالة، تنهدت الأم و قالت بإبتسامة واسعة
- تسلم ايدك يا لولو الأكل زي العسل
تابعت بمجاملة
- و ايدك يا و داد
ردت وداد باسمة
- أنا معملتش حاجة الأكل الحلو مبيطلعش غير من ايد هالة
هالة اليوم لم تكن هي تلك المتعارف عليها، تُعد امرأة أخرى غير التي يعرفها حمزة، لو يطاوعه عقله و يسألها بلسانه بدلًا من قلبه، توقفت عن الأكل فجأة و قالت:
- الحمد لله شبعت أنا هروح اصلي العصر بقى و ارتاح شوية عن أذنكم
ردت والدته و قالت بإبتسامة واسعة
- ماشي يا حبيبتي روحي وأنا هاصحيكِ بليل عشان نروح لـ ريهام سوى
ردت هالة قائلة:
- معلش مرة تانية أنا تعبانة و مش قادرة اخرج روحوا أنتوا
- هتقعدي لوحدك يعني يا لولو ؟!!
- ماما أنا تعبانة من فضلك سيبيني
- طيب يا حبيبتي على راحتك
في المساء
كفاية يا ريهام مش قادرة بجد أنتِ فظيعة اوي بطني وجعتني من كتر الضحك !
أردفت وداد عبارتها و هي تضع صحن الكيك على سطح المنضدة الزجاجي، بينما حمزة كانت في عالمًا آخر، حاول أن يتظاهر بالانسجام لكنه فشل انتشله من بئر أفكاره رفض والدته على حديث زوجته الجديدة حين قالت:
- لا معلش أنا مش هقدر اسافر سافروا إنتوا
رد حمزة و قال بتساؤل:
- ليه يا ماما احنا هنغير جو
- معلش يا حمزة سافروا إنتوا
ردت وداد قائلة بإصرار
- لا مرات عمي السفرية مش هتبقى حلوة من غيرك
- السفرية حلوة بناسها يا يا بنتي سافروا و اتبسطوا و سابوني
رد محمود قائلًا:
-يعني هتقدعي لوحدك يا ماما ؟!
- لا هقعد مع هالة
ردت وداد قائلة:
- ليه هتخليها تقعد يا ماما ما تخليها تيجي معانا و تغير جو
تنهدت والدة حمزة قائلة بضيق
- بصراحة بقى هالة مش عاوزة تروح السفرية و أنا مردتش اغـ صب عليها هي نفسيتها لسه مش كويسة
كاد أن يتحدث حمزة لكنه اكتفى بالصمت عنادها كل مرة يحاول أن يفعل لها شيئًا يرضيها تفسده.
عاد إلى بيت العائلة من جديد و قبل صعوده إلى شقته استوقفته والدته قائلة:
- حمزة عاوزك في كلمتين
- ماما أنا تعبان و عاوز انام
- لا معلش كلمتين مش أكتر
تابعت حديثها قائلة:
- اطلعي أنتِ يا وداد و هو ها يجي وراكِ
ردت وداد باسمة وقالت بأدبٍ:
- حاضر يا مرات عمي
صعدت وداد إلى الشقة بينما نظر حمزة لوالدته و قال:
- خير يا ماما في إيه ؟
- مراتك بتنز ف
- مراتي مين ؟!!
- مراتك مين !! مراتك هالة يا حمزه بقالها هر بتنز ف و النز يف مش راضي يقف حاولت اخدها و نروح لدكتور بس هي مصممة إن دا بيحصل لها طبيعي خدها وروح لدكتور و حاول تطيب خاطرها بكلمتين و إنتوا برا
كاد أن يتحدث لكن عيناه و قعت عليها و هي تخرج من الغرفة متجهة نحو المرحاض، عاد ببصره لوالدته و قال بهدوء
- بكرا طول النهار ها بقى برا ها حجز لها و اخدها خليها تجهز نفسها و ابقي تعالي معانا
ربتت على كتفه باسمة و هي تقول
- ربنا يرضيك و يهديك ليها كنت عارفة إنها مش هتهون عليك بردو
رد حمزة بعتابٍ
- و هي هالة بردو يا أمي تهون ؟ أنا بس اللي هُنت عليها و خلاص خلصت الحكاية
ختم حديثه قائلا بضيق
- أنا طالع ابقي عرفيها إني هاستنها بكرا الساعة سبعة
في شقة حمزة بالطابق العلوي
كانت وداد خارجة من المرحاض و بيدها اختبار جديد غير الذي ابتاعته منذ يومين، وقفت أمامه و قالت بسعادة
- حمزة أنا عاوزة اقولك على حاجة
رد حمزة و قال بضيق
- بعدين يا وداد أنا هلكان و عاوز انام
- دي حاجة هتهون تعب الدنيا كلها عليك
- حاجة إيه دي ؟!
- أنا حامل يا حمزة!
الفصل الأول
¤¤¤¤¤¤
هدوء شديد عكس الضجيج الذي يحدث داخلها لكل بداية نهاية و لكل نهاية مؤلمة بداية مذهلة
تُرى أين بدايتها هل عندما تزوجته في سن العشرون أم عند أول عناق حدث بينهما ؟!
عشرة سنوات كاملة قضتها هنا في بيت عمها تزوجت من حمزة نصر الدين، كان عاشقًا لها حد النخاع آنذاك أما الآن فـ تبدل تمامًا، تزوج بأخرى متعللًا بتلك الحجج و الأعذار التي تُقال في مثل هذه المواقف، لم تُنجب منه حتى الآن و لم يتذمر أو يخبرها بما يجيش في صدره، عن تلك العاطفة تجاه الأطفال كم يتوق شوقًا لرؤية طفلًا صغيرًا يحمل صفاتهما يخبره عن أمه الحنونة، الجميلة و المجذوبة في بعض الأحيان، اطلقت تنهيدة طويلة
من صدرها كانت ترتشف رشفات سريعة و متتالية من قهوتها المُرة كـ أيامها الأخيرة من وجهة نظرها تنظر بين الفنية و الأ خرى في ساعة معصمها، لم تنتبه لوجود حمزة في شرفة غرفته المجاورة لغرفتها ربما تشعر و تتجاهل الأمر لتمرر أيامها معه
خرجت من الغرفة في اتجاهها للمطبخ بدأت تجلي الصحون و الجلبة التي صنعتها بنفسها ، تاركة ما صنعته زوجته، ما إن انتهت من تلك الفوضى توجهت نحو الحجرة و قبل أن تلج وجدته يقف حذاء العروس الجديد و ضحكاتهما تدوي المكان داخل شقة أخيه، تأكلتها نير ان الغيرة و الغيظ
لم ترَ أمامها سوى الغضب الشديد، ألهذه الدرجة لا يراها ؟! ألهذه الدرجة لا يشعر بها، فجأة و بدون سابق إنذار هدرت بصوتها المرتفع وهي تصفع بن أخيه على وجهه لقد كـسر شاشة التلفاز و د مر المكان بالكرة خاصته، بالطبع لم يقصد مافعله و لكنها اليوم مُصابة بالغيرة، أتى الجميع و خطواتهم تتعثر في بعضهما البعض، وقف حمزة متسائلًا من بين لهاثه
- في إيه ؟! إيه اللي حصل !
رد الصغير الذي تجاوز السبع سنوات بأيام معدودة و قال ببكاءٍ:
- كسر ت الشاشة غصب عني و الله يا عمي و مرات عمي ضربتني
ردت وداد زوجة حمزة الثانية و قالت:
- تعال معايا يا سيف مرات عمك مكنش قصدها يا حبيبي
ردت هالة بنبرة مغتاظة قائلة:
- و أنتِ بتتدخلي ليه في اللي ملكيش في و لا أنتِ فاكرة نفسك طيبة يا خرابة البيوت ؟!
ردت وداد بنبرة هادئة:
- ربنا يسامحك يا هالة مش هرد عليكِ عشان عذراكِ
كادت أن ترد عليها لكن صوت حمزة بتر الحديث بينهما خرجت وداد كما أمرها و ظلت هالة تشاهدهُ بنظراتٍ ساخطة، اقترب منها و قال:
- و أنتِ بقى كل يوم و التاني ليكي موال شكل ؟! في إيه مالك و مال الواد الصغير؟!
- كسر الشاشة
- ما يكسرها و لا تغور في داهية كنتي بتجيبي حاجة من جيبك ؟!!
دفعها لتهوي بجسدها على المقعد، رفعت بصرها له ما إن احتوى فكها السُفلي بقبضته و قال من بين أسنانه
- بصي بقى لما اقولك شغل قلة الأدب اللي حاصل دا أنا ما بحبش عمالة تغلطي في دا و تضربي دا و أنا بقول عدي ياواد ما هي تلاقيها زعلانة لكن هاتمدي ايدك على عيل صغير هزعلك فاهمة و لالا ؟
ردت بعنادٍ و عصبية مفرطة
- لا مش مفهوم و بعدين أنت مالك و مالي ما أنت رحت اتجوزت و رميني بتتدخل فيا ليه أصلا !!
تابعت بغضبٍ جم دون قصد
- فوق لروحك و لا فاكر نفسك إني واقعة في هواك لسه أنا اللي رميتك و مش عاوزك فوق لنفسك يا حمزة بيه الست اللي توافق تعيش مع واحد و هو متجوز غيرها يبقى و لا فارق معاها بالبلدي كدا مش شايفاه و أنت لو عندك ذرة كرامة طلقني
صك على أسنانه وهو يعتصر قبضته نصب عيناه
محاولات جديدة للضغط عليه، هي على علم بأنه لن ينفذ هذا الشرط فهذه المرة ستكون الأخيرة بالفعل بالنسبة لهم، زفر ما برئيته و قال بتحذيرٍ
- لآخر مرة يا هالة بقلك ابعدي عن الشر و غني له
ابتسم بانتصار لإهانته و عدم قدرته على رد الإهانة ضغطت اقصى ما لديها و قالت بسخرية
- إيه يا زومي مش عجبك كلامي تحب اتلون لك زيها عشان اعجبك
تابعت بنبرة صارمة و هي تحدجة بسخطٍ و كره
- كنت فاكرك راجل و ها طلق يا خسـ...
بتر كلماتها بصفعة مدوية، تحسست محل الصفعة
و علامات الدهشة و الذهول يتنابها، نظرت له وجدته يُلقي ما في جعبته قائلًا:
- أنتِ كدا جبتي أخرك معايا لو كنتي بتشوفي حمزة الحنين اللي بيدلع و يطبطب دلوقتي هتشوفي واحد تاني خالص
ردت بنبرة مغتاظة و صوتٍ مرتفع
- ايوة كدا اظهر على حقيقتك ما هي تلاقيها شحنتك عليا بس هقول إيه ما أنتـ ...
كادت أن تكمل حديثها لكن منعها دخول والدته التي سئمت الحياة بسبب ابنها و زوجته، حاولت أن تفض المشاجرة بعقلانية لكن صراخ حمزة و انفجا ره و هو يخبرها بعيوبها أمام الجميع جعلها تتمنى الموت اليوم قبل غدًا، هزها في كتفها و قال:
- اوعي تكون فاكرة نفسك أنتِ بس اللي مستحملاني أنا كمان مستحمل يا ماما كتير مستحمل عفنتك و اهمالك في البيت و نفسك و فيا
ردت والدته قائلة بهدوءٍ
- خلاص يا حمزة صل على النبي كدا و شوف يلا كنت هتروح فين يلا
رد حمزة بصراخ قائلًا:
- لا مش رايح وكفاية بقى طبطبة في واحدة فاكرة نفسها بتتفضل عليا بالعيشة معايا
تابع و هويشير لانحاء الشقة ثم عاد بسبابته و قال:
- شوفوا الشقة بقت عاملة ازاي و قبل ما وداد ما تتدخلها كان شكلها إيه !!
وقفت هالة ذاهلة و هي ترَ بأم أعينها زوجها و حبيبها يقلل من شأنها أمام جميع أفراد العائلة، لم
تتوقع ماحدث منه حتى هذه اللحظة، ظل يردد كلماته و لم يصل لمسامعها إلا القليل، فـ العالم الذي هي بداخله الآن غريبًا عليها، غادر المكان بعد أن أهانها بالكثير من العبارات التي لم تستوعبها حتى الآن ألهذه الدرجة الإهانة و كشف عيوبها أمام الجميع شئ هين عليه.
بعد مرور ساعتين
كانت والدته تضع بين يدها كأسًا من الليمون البارد
ربتت على كتفها و قالت بنبرة حانية
- معلش يا هالة معلش يا حبيبتي أنتِ عارفة حمزة يطلع يطلع و ينزل على مافيش،و قلبه أبيض من اللبن الحليب، هو أنا بردو اللي هاقولك عليه ؟
نظرت هالة لوالدته و قالت بدهشة و ذهول
- حمزة ؟! هو فين حمزة دا ! أنا عاوزة أعرف اللي حبني راح فين ؟ اللي أنا عايشة معاه دا واحد غريب عليا
ربتت والدته عليها و قالت بنبرة حانية و هي تحثها على الوقوف
- متزعليش بكرا يرجع احسن من الاول أنتِ بس بلاش تنكدي عليه كدا كل شوية خليه يرجع يشوف الوش الحلو بتاع زمان
ختمت حديثها قائلة بجدية مصطنعة
- قومي يلا يا حبيبتي من غير مطرود على بيتك شوفي جوزك قومي يلا مش النهاردا يومك؟!
وقفت هالة و هي تسخر من حالها، صعدت الدرج و بداخلها ومضة أمل بأن ما حدث سيمر و يعتذر لها و ينتهي الأمر بالمصالحة، لم تكن تعرف أن زوجته
جالسة بجانبه حد الالتصاق تغنجه حتى ينسَ غضبه الشديد منها، رد حمزة و قال بنبرة مقتبضة
- وداد قلت لك مليون مرة مش كل اللبس اللي ينفع تخرجي بي برا اوضتك
- فيها إيه بس يا زومي مش أنا بلبس كدا في اوضتي إيه الفرق ؟
- الفرق إن هالة معانا في الشقة و أنتِ عارفة إن الدنيا بينا و لعة على الآخر ما تجيش أنتِ بقى تزوديها
ردت وداد باسمة وهي تجذب الرداء من خلفه، كانت تقترب منه بطريقة منفرة بالنسبة لـ هالة كيف لها أن تقترب منه هكذا، و اللعنة عليه لقد سمح لنفسه أن ينظر لها نظراته تلك بل تبادل القبلات المحمومة أيضًا !! فتحت الباب بعنف مما جعلهما ينتفضان من جلستهما المخالفة لمكانًا كهذا، ولجت دون أن تحدث أحدهم، ولجت غرفتها و بدأت تلملم متعلقاتها، ملابسها، و حتى أوراقها الشخصية قررت أن تأخذها معها، اغلقت السحاب الخاص بحقيبة السفر لم تترك شيئًا إلا و أخذته عدا صورتهما التي وضعتها منذ فترة قبل زواجه الثاني
خرجت و الدموع تأبى الانصياع لها،كفكفت الدموع
بطرف أكمامها و خرجت استوقفها قابضًا على ذراعها برفق و قال بتساؤل :
- رايحة فين كدا ؟!
- ملكش دعوة
- ردي عليا عدل بدل و الله العظيم أعرفك إن الله حق رايحة فين كدا ؟!
نظرت لرقبته و شفتاه الغليظتان وجدت ما لم تود رؤيته تملكها الغيظ من جديد و قالت:
- سايبة لك البيت يا عريس
- راحة فين يعني !!! فاكرة نفسك متجوزة مين ؟
بلعت مرارة حلقها و قالت من بين دموعها
-حمزة نصر الدين ابن عمي المحاسب اللي شقي و اتغرب سنين عشان يرجع يتجوز حب عمره و اللي فضلت صابرة عشر سنين و في الآخر كفائها و اتجوز عليها
ختمت حديثها قائلة:
- أنا نازلة عند أمك يا حمزة و مش طالعة هنا تاني
أنا مليش مكان هنا، خدوا راحتكم يا عرسان
ترك حمزة ذراعها و هو يتحاشى النظر بخاصتها
اللتان اغروقت بالدموع لقد بات الوضع يزداد سوءٍ، كلما حاول إصلاح شئ فسد، اندفعت بجسدها تجاه باب الشقة و هي لا تشعر بساقيها، انتهت نصف المهمة و بقى النصف الآخر بشكلٍ أو بآخر ستحصل على الطلاق، شاء من شاء،و أبى من أبى ولجت الشقة الخاصة بوالدته هوت بجسدها على أقرب مقعد خارت كل قواها في البكاء و بعد ساعة تقريبًا من الإنهيار استطاعت أن تسرد ما حدث
مافيش أي حل يا هالة غير إنك تقبلي بالوضع الجديد يابنتي معلش اتحملي
أردفت والدة حمزة عبارتها المواسية لها رغم عدم قبولها من البداية، نظرت هالة لها و قالت بنبرة متحشرجة و هي تبتلع مرارة حلقها
- و اشمعنى حمزة اللي اتجوزها ليه مخلتيش محمود ؟!
ردت والدة حمزة قائلة بمرارة
- يا بنتي و الله العظيم أنا لا كنت عاوزة حمزة و لا محمود هو سهل عليا اشوف مرات ابني الكبير بتتجوز حد من اخواته !! أنا اللي فيا مش حد و ساكتة و صابرة فكرك سهل عليا او جع قلبك و لا أنا مبسوطة و أنا بجيب لك ضُرة !!
و الله و غلاوتك و معزتك في قلبي زيها زي ريهام و رغدة و يمكن أكتر هما اتجوزا و مشيوا لكن أنتِ اللي باقية
إيماءة من رأسها علامة الموافقة و الانصياع لأوامر تلك المرأة المسنة التي تفعل ما بوسعها لتسعد قلبها بعد أن جر حته، وقفت عن مقعدها ما ولج حمزة و خلفه زوجته الجديدة، تجاهل جودها كعادته على الرغم من معاتبة قلبه له إدا إنه قرر أن يعاقبها كما فعلت هي بقرارها هذا
ولجت المطبخ و أعدت الطعام و في أذنيها سماعات الرأس، تستمع لإحدى الاغاني التي تعشقها حالة من الهروب ظنًا منها أنها بهذا الأمر ستتجاهل ما يحدث بالخارج، فصل هاتفها و انقـ طعت الأغنية عند المقطع الذي تعشقه، وصل لمسامعها صوت العروس الجديدة و هي تقول بنبرة صادقة
- هي هالة لسه زعلانة مني ؟ أنا و الله ما كان قصدي اخطف جوزها منها زي ما هي فاهمة الموضوع و ما في إن محمود صغير و...
ردت والدة حمزة قائلة:
- هالة من حقها تزعل يا وداد و أي حد مكانها ها يزعل مهما كانت المشاكل بينها و بين حمزة مكانتش متوقعة إن جوزها يبص لغيرها فـ معلش اتحمليها و اتحملي معاملتها الجافة معاكي
ردت وداد باسمة
- حاضر يا مرات عمي
وقفت عن مقعدها و قالت بإبتسامة واسعة و هي تنظر لزوجها
- عن أذنك هـاروح المطبخ اساعدها عشان الشغل كتير عليها أكيد
رد حمزة بإيماءة من رأسه و قال
-روحي بس بلاش مشاكل أنا مش عاوز وجع دماغ
- حاضر
نظرت والدته له دون أن تتفوه بكلمة واحدة بينما هو هز رأسه و قال بتساؤل:
- خير في إيه ؟!
- مش شايف إنك مهمل في حق هالة ؟
- على فكرة أنا مهمل في حق وداد بردو القصة و مافيها إن مشغول الفترة دي يعني لا فاضي
لدي ولا رايق لدي
- مليش دعوة أنت فيك إيه أنا ليا دعوة إن من يوم كتب كتابك على وداد و أنت ما طيبتش خاطر اليتيمة اللي جوا دي كل يوم تنام و دموعها على خدها
رد حمزة بضيق من حديث والدته تريد عليه ثقل فوق ثقله إن كان عليه سيذهيب على الفور و يعانقها و ينتهي الأمر بيها ليُعيدها لمكانها في شقتها تماما كـ قلبه لكن تصرفاتها تلك تجعلها تزيد الأمر سوءٍ .
شاح ببصره تجاه النافذة بينما غادرت والدته لصلاة العصر، خطواتها السريعة من المطبخ إلى غرفة النوم خاصتها بمنزل والدته جعلت نبضات قلبه تكاد تخرج من قفصه الصدري، لكن ظاهريًا متخشبًا كالتمثال، كاد أن يقف عن مقعده ليستوقفه صوت أخيه و هو يلج بصغاره و خلفه زوجته صافحه ثم جلس محدثًا إياه بجدية
- فينك يا عم بقالي شهر باجي الاقيك نايم بدري يعني
تابع بغمزة من طرف عينه و قال:
- هو الجواز لتاني مرة حلو كدا ؟
ابتسم حمزة إبتسامة باهتة عكس حزنه الذي يعتري قلبه تنحنح و قال بسخرية :
-تقدر تقول كنت ميت و رجعت تاني مش أكتر
كاد أن يكمل حديثه لكن قاطعته والدته قائلة:
- يلا يا ولاد الغدا جاهز
التف الجميع حول المائدة بدأت الأم في توزيع الصحون و الطعام، أما وداد وضعت الطعام أمام حمزة و قالت بخفوت:
- اتفضل يا حبيبي
ابتسم بتوتر و قال:
- تسلم ايدك
فـ تابع و هو يخفي توتره قائلا بمجاملة ظاهرية
- يا حبيبتي ربنا ما يحرمني منك
وصلت الكلمة لمسامع الجميع رغم انخفاض نبرة الصوت لم تعلق وداد و اكتفت بالإبتسامة مراعاةً لشعور هالة، تنهدت الأم و قالت بإبتسامة واسعة
- تسلم ايدك يا لولو الأكل زي العسل
تابعت بمجاملة
- و ايدك يا و داد
ردت وداد باسمة
- أنا معملتش حاجة الأكل الحلو دا مبيطلعش غير من ايد هالة
هالة اليوم لم تكن هي تلك المتعارف عليها، تُعد امرأة أخرى غير التي يعرفها حمزة، لو يطاوعه عقله و يسألها بلسانه بدلًا من قلبه، توقفت عن الأكل فجأة و قالت:
- الحمد لله شبعت أنا هروح اصلي العصر بقى و ارتاح شوية عن أذنكم
ردت والدته و قالت بإبتسامة واسعة
- ماشي يا حبيبتي روحي وأنا هاصحيكِ بليل عشان نروح لـ ريهام سوى
ردت هالة قائلة:
- معلش مرة تانية أنا تعبانة و مش قادرة اخرج روحوا أنتوا
- هتقعدي لوحدك يعني يا لولو ؟!!
- ماما أنا تعبانة من فضلك سيبيني
- طيب يا حبيبتي على راحتك
في المساء
كفاية يا ريهام مش قادرة بجد أنتِ فظيعة اوي بطني وجعتني من كتر الضحك !
أردفت وداد عبارتها و هي تضع صحن الكيك على سطح المنضدة الزجاجي، بينما حمزة كانت في عالمًا آخر، حاول أن يتظاهر بالانسجام لكنه فشل انتشله من بئر أفكاره رفض والدته على حديث زوجته الجديدة حين قالت:
- لا معلش أنا مش هقدر اسافر سافروا إنتوا
رد حمزة و قال بتساؤل:
- ليه يا ماما احنا هنغير جو
- معلش يا حمزة سافروا إنتوا
ردت وداد قائلة بإصرار
- لا مرات عمي السفرية مش هتبقى حلوة من غيرك
- السفرية حلوة بناسها يا بنتي سافروا و اتبسطوا و سابوني
رد محمود قائلًا:
-يعني هتقدعي لوحدك يا ماما ؟!
- لا هقعد مع هالة
ردت وداد قائلة:
- ليه هتخليها تقعد يا ماما ما تخليها تيجي معانا و تغير جو
تنهدت والدة حمزة قائلة بضيق
- بصراحة بقى هالة مش عاوزة تروح السفرية و أنا مردتش اغـ صب عليها هي نفسيتها لسه مش كويسة
كاد أن يتحدث حمزة لكنه اكتفى بالصمت عنادها كل مرة يحاول أن يفعل لها شيئًا يرضيها تفسده.
عاد إلى بيت العائلة من جديد و قبل صعوده إلى شقته استوقفته والدته قائلة:
- حمزة عاوزك في كلمتين
- ماما أنا تعبان و عاوز انام
- لا معلش كلمتين مش أكتر
تابعت حديثها قائلة:
- اطلعي أنتِ يا وداد و هو ها يجي وراكِ
ردت وداد باسمة وقالت بأدبٍ:
- حاضر يا مرات عمي
صعدت وداد إلى الشقة بينما نظر حمزة لوالدته و قال:
- خير يا ماما في إيه ؟
- مراتك بتنز ف
- مراتي مين ؟!!
- مراتك مين !! مراتك هالة يا حمزه بقالها شهر بتنز ف و النز يف مش راضي يقف حاولت اخدها و نروح لدكتور بس هي مصممة إن دا بيحصل لها طبيعي خدها وروح لدكتور و حاول تطيب خاطرها بكلمتين و إنتوا برا
كاد أن يتحدث لكن عيناه و قعت عليها و هي تخرج من الغرفة متجهة نحو المرحاض، عاد ببصره لوالدته و قال بهدوء
- بكرا طول النهار ها بقى برا ها حجز لها و اخدها خليها تجهز نفسها و ابقي تعالي معانا
ربتت على كتفه باسمة و هي تقول
- ربنا يرضيك و يهديك ليها كنت عارفة إنها مش هتهون عليك بردو
رد حمزة بعتابٍ
- و هي هالة بردو يا أمي تهون ؟ أنا بس اللي هُنت عليها و خلاص خلصت الحكاية
ختم حديثه قائلا بضيق
- أنا طالع ابقي عرفيها إني هاستنها بكرا الساعة سبعة
في شقة حمزة بالطابق العلوي
كانت وداد خارجة من المرحاض و بيدها اختبار جديد غير الذي ابتاعته منذ يومين، وقفت أمامه و قالت بسعادة
- حمزة أنا عاوزة اقولك على حاجة
رد حمزة و قال بضيق
- بعدين يا وداد أنا هلكان و عاوز انام
- دي حاجة هتهون تعب الدنيا كلها عليك
- حاجة إيه دي ؟!
- أنا حامل يا حمزة!
الفصل الثاني
¤¤¤¤¤¤¤
لم يُبد أي رد فعل تجاه هذا الخبر الجميل من وجهة نظر وداد، ظلت عيناه معلقتان في خاصته في انتظار المُباركة لكنها وجدته يتسائل بهدوءٍ عجيب
- هو أنتِ متأكدة ؟
تحاملت على نفسها ما نعة الدموع أن تتجمع في ملقها و قالت بجدية
- أنا عملت التحليل مرتين و في مرتين طلع إيجابي يعني حامل
طيب مبروك
قالها حمزة بنبرة مقتضبة محاولًا مجاملتها و إخفاء حزنه الشديد بعد سماع هذا الخبر، استوقفته قابضة على يده برفق و قالت:
- حمزة أنت مش مبسوط إنك ها تبقى أب ؟!
لم ينكر شيئًا اليوم لن يجامل أحد على حساب قلبه و سعادته الحقيقية نظر لها و قال:
- هاكدب عليكي لو قلت إن أنا مش نفسي أبقى أب بس حابب دا و ها موت عليه من هالة يا وداد
نظر لها و قال بجدية ما يجيش في صدره
- مش قادر اخبي أكتر من كدا يا وداد هالة هي حبي الأول و الأخير أنتِ و متزعليش مني مرلتي اه بس في نفس الوقت كنتي مرات اخويا أنا أصلًا لسه مستغرب أنتِ ازاي نسيتي جوزك بالسرعة دي أنتِ حزنتي عليه فترة العدة بس وبعد كدا قالوا لك لازم تتجوزي حد من اخواته قلتِ ماشي
مصارحته بكل هذه الأشياء جعلتها تتمنى أن تختفي داخل سابع أرض، لكنها قررت أن تتحمله لنهاية الحديث ثم أتى الرد بطريقة غاية في البساطة و هي تقول
- طلقني يا حمزة و اعتبر إن مدخلتش حياتك
- لو كان ينفع اطلقك كنت عملت، مكنتش اتجوزتك أصلًا أنا بربي ابن اخويا
تابع بحسرة تملئ نبرة صوته ناظرًا لباطنها و قال:
- و ابني اللي جاي في الطريق
كاد أن يلج غرفته لكنه غير مسار طريقه و اتجه نحو الباب استوقفته متسائلة بمرارة
- على فين يا حمزة ؟
رد دون أن يستدار قائلًا:
- النهاردا يوم هالة و هروح لها منين ما تكون يا وداد
خرج من الشقة و صوت بكاء وداد يصل لمسامعه
لم تجد الحنان الذي بحثت عنه في زوجها السابق ظنت أنها بمجرد الزواج من أخيه الذي ظل يدلل زوجته و يعاملة معاملة الأميرات ستنال من هذا الحنان، لم تكن تعلم أن ما يفعله هو نابعًا من أعماق قلبه و أن زواجه منها كان بضغط من والدته ليس إلا .
رغم المشكلات التي حدثت بين حمزة و هالة إلا أن الحُب و التفاهم قبل زواجه كان يسود علاقتهما
لم يكن عدم إنجابه لاطفال معضلة بالنسبة له، ما دامت هالة بجواره فـلا يريد شيئًا آخر سواها.
******
داخل غرفة هالة بالطابق الأرضي
كانت في سباتٍ عميق حين ولج حمزة الحجرة رفع الدثار ببطءٍ؛ حتى يوقظها جلس بهدوءٍ تام لاول مر منذ زواجه الجديد يتشاركا ذات الفراش
نظر لوجهها الشاحب وجدها مغمضة العينين، مال بوجهه ليُطبع قُبلة ناعمة، شعرت بأنفاسه فتحت جفنيها بثقل وجدته يتوسد الوسادة و هو يقول:
- هو مش المفروض إن النهاردا يومك ؟
ولته ظهرها و قالت بجمود:
- أنا انتهت كل أيامي معاك خلاص يا حمزة
احتقن الدماء بعروقه و هو يستمع لكلماتها الصارمة دون أن تتواجه مع نظراته المغتاظة ضغط على كتفها جابرًا إياها أن تنظر له و قال:
- أيام مين اللي تنهتي أنتِ بتخرفي كتير الايام دي و أنا ساكت و متحمل عشان حالتك النفسية بسـ.....
ردت مقاطعة إياه و هي تعتدل في رقدتها قائلة بهدوء حد الإستفزاز:
- ما بسش يا حمزة أنا حالتي النفسبة مافيش أحسن منها أوعى تكون فاكر إني أنا الست الضعيف اللي هاتمو ت عشان جوزها اتجوز عليها فوق يا بابا و أعرف أنت بتكلم مين أنا هالة أنت جيت عليا كتير من يوم ما فكرت تتجوز وداد أنا كنت بستحمل عصبيتك و نرفزتك بين الوقت و التاني عشان كنت بقول كفاية يا بت إن متحنل يعيش معاكي و أنتِ مبتخلفيش
نظرت له وجدته يجلس على حافة الفراش يستمع لحديثها تابعت بكل ما اوتيت من هدوء و برودة اعصاب
- بس لا أنا مافيش حاجة ناقصاني و إن كان على الخلفة بكرا ربنا هايعوضني أنا واثقة في ربنا خير
- خلاص يا هالة خلصتي كلامك طلعتي اللي في قلبك ؟!
- ايوة و اتفضل روح نام جنب مراتك
ختمت حديثها بمراوة رغم جمود ملامحها
- و مبروك على الحمل يا حمزة
- أنتِ مين قالك ؟
- مراتك من فرحتها بالخبر قالت لامك وامك و من فرحتها قالت لي
كاد أن يقترب منها لكنها استوقفته قائلة:
- اياك تلمسني و لا تقرب لي أنا مش الرف الاحتياطي اللي هتيجي تحط عليه حاجتك و تمشي
- رف إيه و كلام فارغ إيه هالة أنا مش عاوز اضغط عليكي أكتر من كدا بس أنتِ كمان بلاش تضغطي عليا الله يبارك لك
- اضغط عليك !! غريبة أنا من يوم جوازك و أنا ببعد عنك بكل اللي اقدر عليه بس اللي ملاحظاه إنك أنت اللي ماشي ورايا زي ال...
صمتت حتى لا يحدث مشاجرة جديدة بينهما و هي لا تريدها الآن تحديدًا، وقفت عن حافة الفراش و قالت بهدوءٍ تام
- بص يا ابن الناس أنا اتحملتك فوق طاقتي و ربنا أمرني بالصبر البلاء و إن اقول الحمد لله في السراء و الضراء و أنت كنت بالنسبة لي الاتنين فأنا بكل الهدوء اللي في الدنيا بقولك طلقني
هدر حمزة بصوته الجهوري قائلًا:
- هو في إيه ؟ كل شوية طلقني طلقني طلقني مش هاطلقك يا هالة و لو اتقلبتي قرد
ردت هالة بعنادٍ
- مش هتقلب قرد يا حمزة و بردو هاطلقني
نهض عن الفراش بعنف متجهًا نحوها و قال بنبرة مغتاظة
- طب اسمعي بقى طلاق مش مطلق و اعلى ما خيالك اركبيه فاهمة و لالا ؟!
ابتسمت ماء شدقيها و قالت بهدوءٍ تام
- حاضر يا حمزة
في عصر اليوم التالي
ولج حمزة منزل والدته باحثًا عن هالة، رفع الستار الموضوع على باب المطبخ و قال بنبرة متعجبة قائلًا:
- فين هالة يا ماما بكلمها مبتردش ؟
استدارت والدته قائلة بذات النبرة:
- هي مش معاك ؟ دي خرجت و قالت لي إنك اتصلت عليها عشان تروحوا سوا للدكتور !
كور قبضته و قام بضرب الحائط بقوةً شديد و هو يقول بغضبٍ جم
- الهانم مشت زي ما قالت
- هو في إيه أنا مش فاهمة حاجة ؟!
كادت أن تسأله لكنه خرج من المطبخ و هو يتمتم بحنق حاول أن يسأله اخيه لكنه لم يلتفت لأحد اليوم .
داخل منزل والدة هالة
وقف أخيها إبراهيم و قال بجدية مشيرًا تجاه المقعد المجاور
- تعالي هنا يا هالة جنبي
جلست كما أشار له إبراهيم و قالت بحزنٍ دفين
- أنا خايفة من حمزة دا مجنون و ممكن يبهدل الدنيا
ارتشف إبراهيم المشروب الدافئ ثم نظر للكوب بتقييم و قال:
- عليا كوبية سحلب يا روحي عليها تحفة
ردت والدته و قالت بنبرتها المغتاظة قائلة:
- أنت يا واد أنت جايب البرود دا منين بتقولك جوزها حلف يمين طلاق ما تخرج من البيت و خرجت يعني اطلقت و أنت قاعد بتشرب سحلب !!
رد إبراهيم قائلًا بنبرة حائرة
- هو الطلاق له مشروب معين ؟! طب قولوا لي عليه و أنا اعمله طب
سألته هالة قائلة بتساؤل:
- ناوي على إيه يا إبراهيم ؟
أجابها و هو يرتشف المشروب قائلًا:
- ناوي اقوم اعمل كوبية تانية اعملك ؟!
هدرت والدته بصوتها المرتفع ثم أمرته بالمغادرة وقبل أن تُصاب بذبحة صدرية، ولج المطبخ يُعد مشروبًا جديدًا، أتاهُ اتصالًا من صديقه المقرب ضغط على زر الإجابة و قال:
- و عليكم السلام يا عم كل دا نوم ؟ اه كنت ناوي اخرج النهاردا بس مش هاينفع بقى خلاص، لا أبدًا ما فيش اختي هالة اطلقت، أنا هعمل ايه ؟ بعمل سحلب اعمل لك معايا ؟ خلاص نتقابل هناك سلام
*******
اغلق الهاتف و علامات الدهشة و الذهول ترتسمان على وجهه ظل يجوب الغرفة كالمجذوب و هو يقول:
- هالة اطلقت ؟! معقول يكون ليا نصيب من تاني ؟!
يا محمود تعال بقى خليني نخلص
اردفت الجدة تيسير جملتها متأففة من ذاك المحمود الذي لن يهدأ حتى تُصاب بالجنون يومًا ما .
خرج من غرفته و السعادة تنير وجهه اخيرًا، جلس بجوار جدته بجسده و عقله يسبح في أفكار انتظرها طويلًا أكثر من عشرة سنوات كاملة في انتظار هالة تزوجت بابن عمها بعد رفض والدها له معللًا بأنه لن يصون ابنته، و اليوم الرجل الذي رهان عليه هو من تركها مجذوبًا من يترك هالة و ناقمًا على النعمة من لا يصونها .
انتشلته الجدة من بئر ذركرياته بلكزة من عكازها
لا يا ستي مش عاوزها البت دي
أردف محمود عبارته و هو يتحاشى النظر لجدته التي حملت بين يدها مجموع من الصور
لإحداهن لكزته جدته في كتفه و قالت بنبرة غاضبة
- ليه بقى يا إن شاء الله مالها دي كمان طويلة ولا قصيرة ؟
بلع لقيماته بهدوء و هو يخبرها بجدية
- دي بتعامل الطبال على إنه جوزها يعني اتجوزها دي بقى و جيبها من كل فرح شوية
- يا واد دي كانت بترقص في فرح اختك بتجاملها يعني
- تجامل اختي ماشي انما الطبال يطبل و هي ترقص من غير خشا و لا أدب و أنا اتجوز !!
وضعت الجدة الصور فوق سطح المنضدة الزجاجي و قالت بعصبية
- دي عاشر عروسة تطلع فيها البدع أنت إيه حكايتك بالظبط يا واد أنت ؟!
رد محمود بهدوئه المعتاد
-و الله يا ستي ما عارف أنا حكايتي إيه بس مصر كلها عارفة عادي
ختم حديثه قائلًا:
- بصي عشان أنتِ مبتحبيش اللف و الدوارن و أنا نفس الحكاية أنا مش هتجوز غير اللي بحبها و أول حرف من اسمها هالة عجبك و لا لا ؟
لو مش عجبك هادخل اخد هدومي و امشي
ردت الجدة بجمود و هي تشير بيدها قائلة:
- مع الف سلامة و الباب يفوت جمل مش محمود !!
ابتسم محمود و قال:
- كنت واثق يا ستي إنك هترضي
ردت الجدة قائلة بنبرة مغتاظة
- لسه عاوز تتجوزها بعد ما أبوها مسح بكرامتك الارض و قال ابن عمها يصونها و الغريب يبهدلها ؟
رد محمود قائلًا:
- يا ستي الكلام دا من عشر سنين ايام ما ابوها كان اللي يرحمه لسه عايش لكن إبراهيم اخوها صاحبي و عارف إن لسه بحبها و متجوزتش لحد دلوقت عشان
- و كرامتك يا محمود ؟
- مالها يا ستي كرامتي و بعدين هما رفضوا مرة
- الله ينور عليك يعني رفضوا نخلي عندنا د م بقى و نسكت و لا نبقى من باردين و نروح نقولهم جوزونا بنتكم ؟
رد محمود قائلًا:
- نبقى باردين و نروح نقولهم جوزوني بنتكم أنا بس يا ستي اللي هتجوزها محدش معايا
الفصل الثالث
¤¤¤¤¤¤¤
بعد مرور ثلا ثة أشهر من التأجيل لرؤية هالة بناءً على طلب إبراهيم قرر أن يذهب دون اتصال مسبق، ذهب هناك ليعرف بما لا يود أن يسمعه من أخيها أو حتى هي الوضع بات يسوء أكثر من ذي قبل، تريد أن تتركه وحده من أين أتت بهذه الجرأة التي تتحدث بها !
تمردت عليه و على قلبه الذي أصبح يُعاني بسبب عنادها و قسوتها .
كان ينفث دخان لفافة التبغ خاصته و هو يستمع لقرارها بواسطة أخيها إبراهيم، وضعها في المنفضة و قال بغضبٍ مكتوم
- يعني إيه مش عاوزاني ؟ أنا عاوزها يا إبراهيم أنا مش هاسيب مراتي
رد إبراهيم بهدوءٍ حد الاستفزاز مربتًا على فخذيه قائلًا:
- اشرب قهوتك يا حمزة و روق كدا
تابع بجدية قائلًا:
- أنا كمان يا ابن عمي و الله ما عاوزك تسيب مراتك بس هي مش حاية اعمل إيه بس يا حمزة ؟!
هدر حمزة بصوته الجهوري و هو يقف عن مقعده بهرجلة مما أدى لسقوطه، نظر إبراهيم بطرف عينه أرضًا، ثم عاد ببصره و قال :
- كدا وقعت الكرسي ؟! اعدله بقى عشان امي مابتحبش الكركبة
ر د حمزة و قال بنبرة مغتاظة و هو يبحث عن هالة في كل مكان قائلًا:
- هالة يا هالة
خرجت هالة من حجرتها و قالت بهدوء
- أنا اهو يا حمزة في إيه ؟!
رد من بين لهاثه و قال:
- أنا عاوز أعرف إيه اللي أنتِ عملتي دا ؟!
- عملت إيه ؟
- سيبتي البيت ليه و أنتِ عارفة إني حالف عليكي بالطلاق ما تخرجي منه غير بعلمي ؟!
- حمزة أنا تعبت و مش قادرة اكمل بالشكل دا
- يعني إبه ؟!
ردت بمرارة في حلقها قائلة:
- يعني خلاص كفاية بقى نتعب بعض أكتر من كدا أنت اتجوزت و جاي لك عيل في السكه سبني في اللي أنا في الله يرضى عليك
اقترب حمزة منها و هو يحتضن يدها بين كفيها و قال بتوسل
- هالة ابوس ايدك بلاش تبعدي عني أنا بحبك ووالله ما عاوز من الدنيا غيرك لو بعدتي عني أنا ممكن اموت
رد إبراهيم و قال بهدوء
- محدش بيموت ورا حد يا حمزة و بطل بقى شغل الصعبانيات دا مش هيأثر فينا
رد حمزة بنبرة صادقة و هو ينظر لـ هالة و قال:
- و الله العظيم بحبك ووجودك في حياتي كفايتي من الدنيا و اللي فيها ابوس ايدك يا هالة ارجعي لي و لو وداد اعتبريها مش في حياتنا و إن كان على اللي جاي بردو مش عاوزه طالما مش منك
ردت هالة من بين دموعها و قالت:
- مبقاش ينفع يا حمزة أنا مش عاوزة نص راجل أنا كنت ليك كل حاجة و أنت رحت اتجوزتها و ياريتك اتجوزتها كدا على الورق و خلاص أنت اتجوزتها فعلا و دوست على قلبي و حبنا اللي أنت بتتكلم عنه أنا أناني يا حمزة عاوزني وعاوز تخدف و عاوز وداد اللي بتلبي طلباتك من قبل ما تقولها أنت م عاوز تتنازل عن حاجة و عاوزني اقبل بدا عشان أنا مبخلفش مع إن كل الدكاترة اجمعت على إني ينفع اخلف بدل العيل عشرة بس من حد غيرك أنت يا حمزة فاهم إني هقبل عشان بحبك بس اللي بيحب ما بيوجعش حبيبه اللي بيحب ما بيدورش على حد تاني بيكتفي بي هو و بس عشان هو دنيته و كل ما لي، لكن أنت عملت إيه قل لي عملت إيه عشان حبك ليا زي ما بتقول اتجوزت عليا و عاوزني اقبل بدا طب ليه ؟ عشان إيه أقبل بكل الوجع دا و المفروض عليا اضحك في وشك و اقول حاضر رد عليا يا حمزة عشان إيه ؟
رد إبراهيم مقاطعًا إياها ببرودٍ
-عشان هو هارون الرشيد !!
****
داخل منزل جدة محمود
كان جالسًا في غرفته ممددًا على حافة الفراش يتذكر المواقف العابرة التي جمعته بحبيبته لم تكن حتى الآن بما يجيش في صدره طلب يدها من والدها فرفض مبررًا أنه بن أخيه سبق و عرض عليه هذا، رفع بصره لسقف الغرفة و هو يُطلق تنهيدة قوية تعبر عن مدى حزنه، كان يظن أن صداقته مع أخيها إبراهيم ستكون سببًا قويًا لموافقة والدها عليه، علم بعد ذلك أن حمزة يعشقها منذ الصغر و عرض على عمه الزواج منها قبل تغربه لإحدى الدول العربية و وافق العم دون أدنى تفكير، عاد بعد عامين و تزوج بها في عُمر الثامنة عشر، و بعد مرور عشرة سنوات تزوج بأخرى من أين أتى بهذه الوقاحة يتزوج بأخرى و هي معه لو كان هو لمات و لا يفعل فعلته تلك .
وقف عن حافة الفراش متجهًا نحو شرفته وقف يراقب ما يحدث داخل غرفة الضيوف المُطلة على غرفة نومه، يرأهُ يتوسلها يقبل يدها حتى توافق أن تعود له من جديد، ابتسم بجانب ثغره و قال بخفوت
- مقدرتش النعمة اللي في ايدك يا غبي تستاهل
ولجت الجدة و عصبيتها تفوق الحد، استدار بجسده كله و قال:
- مالك يا ستي في إيه ؟
- قل لي يا محمود مين اللي عمل كدا في الطاسة التيفال الجديدة ؟
- أنا يا ستي لقيت المطبخ مبهدل قلت اغسل المواعين و اظبطه و لقيتها سودا قلت لا ستي بتخب النضافة اغسلها يا واد و خليها بتلمع عشان ستك تتدعي لك
ردت الجدة بنبرة مغتاظة و قالت
- دا أنا هادعي عليك من هنا للصبحدي هي بتبقى كدا يا واد
- و أنا اعرف منين بس يا ستي أنا قلت اساعدك
وضع قدح القهوة و قال بهدوء
- سيبك من كل دا و قولي لي عملتي إيه مع أبويا و امي ؟
- عملت إيه في إيه مش فاهمة ؟
- مش قلت لك تقولي لهم إن عاوز اتجوز هالة ؟
شاحت الجدة بوجهها بعيدًا عنه ثم عادت ببصرها و قالت :
- هو أنت مافيش عندك د م و لا كر امة ؟ تتجوز واحدة متجوزة قبل كدا ليه ؟
- يا ستي أنا بحبها و كنت مانع نفسي طول السنين اللي فاتت دي عن الجواز عشانها و هي دلوقتي اطلقت خلاص يبقى ليه متجوزهاش ؟!
ردت الجدة بضيق من حفيدها و قالت :
- يا واد دي مبتخلفش هتعمل بيها إيه دي ؟
رد محمود و قال بحبٍ و رضا
- أنا عارف و راضي و مش عاوز غيرها يا ستي من الدنيا ليه مش عاوزين تعملوا لي اللي أنا نفسي في، يا ستي دا أنا لو طلبتوا مني نور عينا ها حطوا على طبق من دهب و اقولكم اتفضلوا و أنا بطلب منكم تيجوا معايا نطلبها تقولوا لا ؟!
ردت الجدة بعصبية مؤيدة قرار والديه
- أنا مليش دعوة بيك يا خويا أنا لو رحت معاك أبوك هايزعل و أمك هتقول بتقوي على الغلط
سألها محمود بنبرة ذاهلة قائلة:
- غلط ؟ غلط إيه يا ستي اللي بتقولي عليه دا ؟! بقى لما اتجوز اللي بحبها تقولي غلط ؟!
ردت الجدة بعصبية محاولة الهروب من الإجابة قائلة:
- معرفش بقى المهم أنا لا رايحة و لا جاية معاك في حتة و لو عاوز تتجوزها أنت حر بس ابوك و امك مش راضين عن الجوازة دي و أنا كمان و ابقى دور لك ع أي مكان تاني غير هنا تتجوزها في
*****
في منزل حمزة كان الشر و الغضب يتطاير من عينه يتذكر ما فعله معه إبراهيم طيلة هذه المدة و يعض على أنامله من الغيظ، جلست وداد جواره و قالت:
- رجعها يا حمزة و طلقني لو دا هايرضي هالة
رد حمزة بعصبية مفرطة قائلًا:
- أنتِ بتفهمي عربي و لالا. بقلك مش عاوزة أصلًا ترجعي لي و دي كانت الطلقة التالتة و عدينا خلاص شهور العدة
رد بقتراح قائلة:
- طب ما تشوف محلل و ارجـ...
ضرب بيده على صدغه و قال بصوتٍ جهوري
-قومي من جنبي بدل ما اطلع كل جناني عليكي محلل إيه وزفت إيه ؟!
وقفت عن الأريكة و هي تستمع لعتاب و يضرب جبهته بغيظٍ شديد:
- غبي غبي كان لازم افهم الاعيبه إيه اللي أنا عملته في نفسي دا
*****
بعد مرور يومان
كان محمود جالسًا في غرفة الضيوف داخل منزل صديقه المقرب إبراهيم، يستمع لحديثه و هو يقول بهدوء
- طب و لما أهلك مش موافقين يا محمود جاي تعمل إيه في بيتنا لا مؤخذة ؟
- أنا بحب هالة يا هيما و أنت عارف كدا و عارف إن قا طع الجواز عشانها و سبق و طلبتها منكم قبل كدا و النهاردا و بعد عشر سنين جاي لك تاني اطلبها سيبك من أهلي هما أصل‘ا لو جبت لهم مين م هايوافقه عشان أنا و أنت عارفين كويس إنهم عاوزين اتجوز بنت عمي و القلب و ما يريد يا صاحبي بقى
- معلش يا محمود و متزعلش مني أنا اختي مش تعباني في حاجة و لا بتأكل من أكلي عشان اجري اجوزها لتاني مرة جوازة كدا و السلام
- اخس عليك يا هيما و هو أنا بردو جوازة و السلام ؟
- م قصدي بس أنت جاي بطولك و تقولي لي أهلي م حابين اختك و مش عاوزينها و أنا عاوز اتجوزها عاوزني اقلك إيه مبروك ؟! ما هو طبيعي اقلك لا أنا اختي عندها تمانية وعشرين سنة يعني لسه صغيرة و اللي في سنة لا اتجوز و لا حتى اتخطب يبقى ليه استعجل على جوازها ؟!
رد محمود بإصرار قائلًا :
- طب خد رأيها و شوفها كدا هاتقول إيه ؟ يمكن ربنا كاتب لنا حياة مع بعض
رد إبراهيم و قال بهدوء:
خلاص سبني ليوم الخميس و هرد عليك بس إيًا كان الرد أنت اخويا و صاحبي بعيد عن اللي هايحصل يعني متزعلش و تاخد لك جنب
- عيب عليك يا هيما احنا اخوات من غير حاجة يا جدع
بعد عدة ساعات من المناقشات بين إبراهيم و هالة جلست جوار أمها حائرة في ردها، نظرت لامها و قالت :
- مش عارفة يا ماما هو محمود كويس و غلبان بس الصراحة عمري ما فكرت في كزوج
ردت والدتها ساخرة منها قائلة:
- و اللي فكرتي في زوج ياختي عمل إيه ما هو راح و اتجوز عليكي و بعدين محمود دا متربي معانا و عارفينه من زمان و صاحب اخوكي الروح بالروح يعني عمره ما هايفكر يعمل فيكي حاجة كدا و لا كدا
- مش عارفة يا ماما محتارة
-خلاص شوفي واقعدي معاه لو مش مرتاحة له يبقى نرفضه لو ارتاحتي يبقى على بركة الله
نظرت هالة لوالدتها ثم عادت ببصرها لأخيها و قالت
- خلاص يا هيما قل له يجي يوم الخميس
*****
يوم الخميس الساعة السابعة مساءً
جلس داخل غرفة الضيوف يهز ساقه بتوترٍ ملحوظة و لأول مرة ستيحدث معها على إنفراد أتت أخيرًا و بين يدها حامل القهوة الساخنة وضعته برفق ثم صافحته، جلست على المقعد المجاور و قالت بخفوت حين سألها
- عاملة إيه ؟
- الحمد لله بخير
- يارب دايما تبقي بخير و سعادة أنا بصي عاوز اقولك كلام كتير اوي بس م عارف ابدأ منين و لا منين بس خليني أكلمك عن نفسي و اقلك أنا محمود جاركم عارفاني يا هالة ؟
ردت هالة باسمة
- اه طبعًا عارفك أنت صاحب إبراهيم اخويا
- طب ما أنتِ عارفة اهو
رد بجدية قائلًا:
- بصي أنتِ شكلك متعرفي عني كل حاجة بس انا هاختصر كل الطرق و اقول إني استنيتك كتير كتير اوي يا هالة لدرجة فقد الأمل في إنك تكوني ليا بس ربنا قالي اصبر و أنا هكافأك احلى مكافأة يا محمود بعتك تاني ليا بعد ما خلاص كنت مقرر اسيب الدنيا كلها و امشي كنت ناوس ارجع اسافر تاني و اشتغل بس رجوعك تاني ليا خلاني وقفت فكرة السفر تمامًا من دماغي
كادت أن ترد عليه لكنه استوقفها قائلًا:
- أنا عارف إني رغاي و كلت دماغك بس أنتِ مش عارفة أنا جوايا إيه و حاسس بإيه ولا اا....
ولج إبراهيم و قال بإبتسامة واسعة
- كمل كمل قول حاسس بإيه بص اتكلم و خد راحتك على الآخر أصل أنا بحب اسمع الحاجات دي اوي
الفصل الرابع
¤¤¤¤¤¤¤
وقفت هالة عن مقعدها بهدوءٍ معتذرة من الجميع ثم غادرت، الإرتياح كان يسود قلبها، علئما يبدو أنه يعرفها حق المعرفة، كاد أن يخبرها عن شيئًا هام لكن دخول اخيها و مشاكسته لهما منعته من ذلك
تكررت الزيارة مرةً أخرى بعد ثلاثة أيام متواصلة من الصمت وافقت بعد صلاة الاستخارة مرة تلوَ الأخرى قرر أن يتحدث عن غياب أهله في هذه المناسبة السعيدة، هدأ من توتره و قال:
- هما مش راضين و عاوزني اتجوز بنت عمي و أنا بصراحة ربنا قلبي معاكي أنتِ و بس مش عارف أشوف غيرك حبيبة و لا قريبة
ردت هالة بهدوءٍ قائلة:
- محمود أنا عاوزة اقولك على حاجة أنا لما اطلقت من حمزة ابن عمي اطلقت عشان مبـ....
قاطعها قائلًا بنبرة صادقة
- عارف و قابل كفاية عليا إن أنا اتجوزك يا هالة
أنتِ أكتر حد حاجة اتمنتها من ربنا أنا مش عاوز حاجة من الدنيا غيرك أنتِ بنتي و اختي و أمي و كل ما ليا و يشهد ربنا على كدا
ردت هالة بنبرة تملؤها الحزن الدفين
- أنا عارفة إنك بتحبني و عرفت كمان إنك قررت تعيش بعيد عن أهلك بسببي خايفة بعد جوازنا تقول إني السبب فـ...
قاطعها للمرة الثانية قائلًا:
- أنتِ هتكوني السبب في حاجة واحدة بس و هي السعادة يا هالة هتكوني سبب سعادتي و بس غير كدا اوهام شيلها من دماغك
سعادة، أمان، سكينة، و ومضة أمل تسللت لقلبها من جديد وافقت على عقد القران بعد أن أخذت وقتها في التفكير، أثرت والدتها عليها بكلماتها تجاه الأمومة و تجربة جديدة قد يأتي من ورائها الخير
حركت غريزة الأمومة تجاه هالة بدأ الحلم يظهر من جديد هل إن خاضت التجربة مرة أخرى ستنجب أم لا بالطبع ستنجب فالأطباء اجمعت على ذلك، وافقت و سلمت الأمر لله يدبرهُ كما يشاء
بدأت في تحضير ليوم زواجها، كان أخيه معها خطوةً بخطوة في كل شئ، كان يحاول أن يوفر لها كل ما تحتاجه لهذا اليوم على الرغم أنه ليس الزواج الأول إلا أن هذه المرة تشعر بأشياء لم تختبرها من قبل ربما لأنها ناضجة و بدأت تستكشف الأمور من زواية أخرى .
تم عقد القران داخل قاعة مخصصة للزفاف، لم يحضر سوى أهل العروس أما محمود فكان وحيدًا لم يأتي أحدًا من أهله لمُباركة هذه الزيجة، جلست على الأريكة المخصصة للعروسان و الحزن يعتري قلبها حين قالت:
-كنت فاهمة إن مش ممكن يعدوا اليوم كدا من غير ما يشوفك و أنت عريس
نظر لها و قال باسمًا:
- سيبك من أي حاجة تعكر حلاوة اليوم الجميل دا أنا مش عاوز من الدنيا غيرك و مكتفي بوجودك في حياتي
********
داخل شقة حمزة
كان ينفث سحابة دخان كثيفه و هو يعود برأسه للخلف نير ان الغيظ و الغيرة تأكل صدره، ألهذه الدرجة لا ترأف بهِ أيعقل أنها نست حبها له بهذه السرعة حقًا اللعنة عليك يا هالة كيف سمحتِ لقلبك يسكنه غيره !!وضع لفافة التبغ في المنفضة بغيظٍ شديد ثم قام بإشغال لفافة أخرى، قلبه يؤلمه يريد أن يصرخ بكل ما يجيش في صدره و يخبر العالم بأن هي له فقط هل هذا القهر و الحزن الذي يشعر بهما نفس الشعور الذي اجتاح قلبها آنذاك ؟! و اللعنة عليك أيضًا يا حمزة أليس من حقها أن تتمتع بنفس الحق الذي منحته لنفسك
وقف عن حافة الفراش قام بتبديل ملابسه المنزلية بأخرى، ولجت وداد وجدته ينظر لصورته المنعكسة في المرآة يغلق أزرار قميصه الأسود سألته بفضول قائلة:
- على فين كدا يا حمزة ؟
- ملكيش دعوة بيا دلوقت سبيني في حالي
- في إيه يا حمزة مالك متعصب ليه ؟
- قلت لك سبيني دلوقت
ردت وداد قائلة بعصبية مفرطة
- لا مش هاسيبك و لازم افهم رايح فين
- رايح مطرح رايح ملكيش دعوة
- اقولك أنا أنت رايح فين ؟ رايح لهالة رايح عشان مش قادر تصدق إنها سابتك زي ما أنت سبتها
تابعت بنبرة مغتاظة قائلة:
- مالك كدا هتموت و كأنك مظلوم و عايش دور الضحية مع إن لو بصيت على نفسك في المرايا هتلاقي نفسك إنك أنت السبب في دا كله
سألها حمزة بنبرة ساخرة قائلًا:
- اه صح أصل أنا اللي رحت قلت لأمي جوزيني وداد عشان متسافرش و ابن اخويا يفضل وسطنا و لا أنا اللي قلت إنك تختاريني لما امي عرضت عليكي الجواز واخترتيني أنا مش محمود اخويا بحجة إيه اصلك أكبر منه
ابتسمت وداد و قالت بذات النبرة قائلة:
- و لا أنا بردو اللي استغليت غياب مراتك ودخلت اوضتك يا حمزة، أنت اللي جتني و قلت لي أنا جوزك و شرع ربنا بيقول اعدل بينكم و إنك سألت شيخ اوعى تكون فامر إن سكوتي ضعف و لا قلة حيلة يا حمزة سكوتي دا عشان ربنا منزل على قلبي الصبر
- الصبر !!
- ايوة الصبر على واحد أناني مفكرش غير في نفسه و بس نفسك في عيل و بتحب مراتك بس مش قادرة تخلف لك العيل اللي نفسك في، تقوم تعمل إيه تضرب عصفورين بحجر اتجوز مرات اخويا و اخلف منها و كدا كدا هالة بتحبني ضامن إنها موجودة هتروح فين يعني بس ربنا قالك لا الظلم حرام و عمر ربنا ما بيظلم عباده، زي ما أنت نسيت حبك لهالة هي كمان نسيت و داست عليه فيها إيه لما تدور على حلمها زيك ليه الأنانية اللي أنت فيها عاوز كل حاجة عاوز الخلفة و الحب و هالة مش عاوز تخسر حاجة أبدًا بس ما فيش حد يا حمزة بياخد كل حاجة راحة البال في الأخرة مش هنا يا حمزة هنا مش هتلاقي غير شقى و تعب و حد يحبك و أنت مبتحبوش و حد ها تموت عليه و هو ميبقاش ليك عيش و ارضى يا حمزة عشان ربنا يراضيك، سيبها تشوف حياتها زي ما أنت شفت حياتك و لو كان عليا طلقني و هليني اربي ولادي زي أي واحدة بتطلق و لا جوزها بيموت الدنيا مبتقفش على حد الدنيا ماشية و مكملة سوى بيك أو غيرك أنت مجرد محطة في حياة أي شخص تقابله .
*******
في الساعة الثانية عشرًا بعد منتصف الليل
وصل محمود و هالة أخيرًا لمنزل الزوجية، ترجلا من السيارة معانقًا أنامل زوجته بأنامله، وقف أمام
المصعد الكهربائي و الإبتسامة لا تفارق شفتاه ظل يضغط على الزر أكثر من مرة و هو ينظر لها قائلًا:
- معلش هو كدا ساعات بيحب يهزر معانا
ردت هالة بنبرة متوجسة قائلة:
- يعني إيه بقى يعني هاطلع سبعتاشر دور على رجلي !!
- لا و لا تزعلي نفسك أنا هنادي عم فرج يمكن هو اللي عمل كدا يا عم فرج
هرول العم فرج بخطواته الواسعة و السريعة و هو يقول :
- ايوة يا أستاذ محمود ، مبروك يا عريس
رد محمود و قال بإبتسامة واسعة
- الله يبارك فيك يا عم فرج شغل الاسانسير بقى
- دا عطلان و المهندس جاي بكرا الساعة تسعة الصبح
ردت هالة ماسائلة بنبرة مغتاظة
- هو إيه اللي عطلان ؟
- الأسانسير !
كاد يُكمل حديثه لكن منعه محمود و هو يحتوي منكبيه و قال:
- دي أسرار سُكان ازاي تطلعها برا كدا اول ما حد يسألك يا عم فرج ؟
- اللاه مش هي اللي بتسألني ؟! و بعدين مش دي بردو العروسة و ساكنة في العمارة يبقى من حقها تعرف
رد محمود و قال من بين أسنانه قائلًا:
- امشي دلوقت خليني اشوف اقنعها ازاي تطلع على رجليها امشي يا عم فرج
استدار بجسده كله تجاه هالة، فرغ فاه ليتحدث لكنها أشارت بسبابتها قائلة بحزم
- انسى يا محمود إني اطلع سبعتاشر دور على رجلي و الله لو إيه اللي حصل ما هطلع
حملها محمود بين ذراعيه و هو يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة سألته بجدية مصطنعة قائلة:
- بتقول إيه يا أستاذ أنت ؟
- مبقلش بقول ربنا يكملها معايا بالستر
- يارب يا حبيبي و شيل عدل بدل ما اقع منك
بعد مرور خمسة عشر دقيقة كاملة
توقف محمود يلتقط أنفاسه من صعود الطابق الخامس عشر لقد فاض به الكيل لم ترحمه طيلة هذه المدة، كانت تلوح بيدها على وجهها لتاتي بنسمة هواء تبرد حبات العرق المتكونة أعلى جبينها نظر لها و قال بنبرة مغتاظة
- لا و أنتِ تعبتي الصراحة
كاد أن يحملها لكنه دعس على ذيل فستانها الأبيض و سقط كادت أن تلحقه لكن يده فلت فتدحرجا سويًا على سلالم درج البناية، استقر جسد محمود و هالة عند الطابق الثالث عشر، حاولت أن تقف على ساقيها من جديد لكنها فشلت فشل ذريع تاواهت و هي تضربه بيدها على كتفه قائلة:
- منك لله كسر تني حد يسكن هنا بردو !!
- و هو أنا كنت اعرف إني هتجوز فيها دا أنا خدتها تخليص حق
- و أنا مالي أنا ما كنت بعتها و اشتريت غيرها آآآه يا رجلي و يا جسمي كله
فتح باب الشقة رجلًا في الخمسين من عمره يحمل قدحًا من الشاي الساخن، نظر أسفل قدماه وجد محمود مازال يجلس أرضًا، سأله بنبرة متعجبة قائلًا:
- أستاذ محمود بتعمل إيه هنا ؟
رد محمود و هو يتحامل على جسده، عدل من رقدته و قال
- بتشمس عشان الشمس مبتطلعش عندي
تابع بنبرة مغتاظة قائلًا:
- هكون بعمل إيه يعني يا أستاذ مدحت وقعت أنا و المدام من على السلم
رد الرجل بفضول قائلًا:
- طب و هتعمل إيه دلوقت ؟
- هعمل جمعية ! هعمل إيه يعني يا أستاذ مدحت هاخد نفسي و ابقى اقوم اكمل ادخل أنت متشغلش بالك
- طيب مش عاوز حاجة ؟
- هات كوبية الشاي دي و اتفضل أنت
اوصد مدحت الباب بعد أن نفذ طلب محمود، كانت هالة تبحث عن الجروح المتفرقة في جسدها و هي تتأواه، عادت ببصرها لهزو قالت من بين أسنانها بنبرة مغتاظة:
- أنت لسه هتشرب الشاي !! قوم مش قادرة اقف على حيلي
شيلني يا محمود أنا تعبت
تعبتي من إيه دا أنا شيلتك اربعتاشر دور ووقعنا دورين يبقى كدا كام ؟
كام إيه يا محمود بقلك مش قادرة اطلع تعبت تعبت
و الله ما هشيلك الدورين اللي وقعنا فيهم بس يا بنت الناس خُدي بعضك براحة كدا و اطلعي الدورين و استنيني في الدور الستاشر اكون خد نفسي شوية و خلصت كوبية الشاي اللي في ايدي دي
ماشي يا محمود ماشي
ازعلي براحتك دلوقتي و أنا فوق هاصلحك براحتي
بعد مرور خمس دقائق
يلا بقى كمل جميلك و شيلني
طب ما تخليكي أنتِ جدعة و سيبي اللي باقي من صحتي اتكلم في معاكي عن أول مرة حبيتك فيها
لا ملي دعوة محدش قالك خد شقة في الدور السابعتاشر و الاسانسير يعطل في نفس يوم فرحنا اتصرف و شيلني بقى بدل نا اتصل باخويا يجي يشوف لك صرفة أنا تعبت
تعالي يا مفترية عليكي ربنا
ابتسمت ملء شدقيها و هي تحاوط عنقه و قالت بنبرة مدللة
- تسلمي لي يا مودي
- ايوة يا ختي ادلعي هو أنتِ تعبانة في حاجة ما هو أنا شايل هم على قلبي
توقف ليلتقط أنفاسه الموسوعة، بينما هي وضعت يدها في خصرها و قالت:
- قصدك إيه يا محمود ؟
رد محمود بنبرة مغتاظة قائلًا
- ما محموداش يلا خلينا نطلع في السلم اللي مش راضي يخلص دا
اصدرت هالة شهقة عالية ما إن حملها على كتفه بدلًا من ذراعيه سألته بنبرة ذاهلة
- أنت بتعمل إيه يامحمود ؟!!
- أنتِ ليكي أكل و لا بحلقة !!
- يعني إيه بقى إن شاء الله ؟
- يعني اشيلك على كتفي اشيلك على دراعي المهم النتيجة واحدة ادعي بس نوصل بالسلامة
ربتت على ظهره بحنانٍ بالغ و هي تقول:
- هنوصل يا حبيبي أنت بس شد حيلك كدا و السلم يخلص بسرعة
بعد عناء شديد وصلا اخيرًا إلى باب الشقة، فتح الباب ثم ترك يدها و سجد شكرًا لله، ابتسمت هالة على هذا المشهد و قالت:
- للدرجة دي يا محمود بتحبني و ماصدقت نبقى مع بعض
وقف محمود مقابلتها و قال بإبتسامة واسعة
- الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
تابع مناديًا إياها بنبرة خافتة قائلًا:
- هالة
ردت بإبتسامة واسعة
- نعم
ابتسم محمود ملء شدقيه و قال بسعادة غامرة وهو يفتح ذراعيه على مصرعيهم و قال:
- أنا وصلت الشقة أخيرًا يا هالة
الفصل الخامس
==========
لكزته هالة في كتفه و قالت بنبرة مغتاطة
-تصدق إنك رخم
رد محمود بنبرة لا تقل عن نبرتها و قال:
- أنا بردو اللي رخم بعد كل اللي عملته دا ؟!!
حملت هالة ذيل ردائها الأبيض و قالت بجدية
-بصراحة أنت تعبت و تعبت جامد كمان بس جيت في الأخر و عكيتها بكلامك دا !
وقف محمود مقابلتها و قال بنبرة حانية و نظراته لا تبرح خاصتها:
- نورتي بيتك يا هالة بيتك اللي حلمت سنين و صبرت سنين عشان يجمعنا سوا
كادت أن ترد على كلماته لكنه قاطعها قائلًا بتوسل:
- ارجوكي خليني اتكلم أنا مش عايز اسمعك قد ما عاوزك تسمعيني أنا فضلت كاتم حبك جوايا عشر سنين بحالهم يا هالة عشر سنين لا بهدأ و لا بيرتاح لي بال و أنتِ مع حد تاني أنا جوايا
نا ر محدش بيحس بيها غيري أنا يا هالة نا ر واحد حاب و مطالش اللي بيحبه
اخفض بصره و هو يحتوي كفيه بين راحتيه و قال:
- أنتِ كنتي حلم بعيد، بعيد اوي يا هالة بعيد لدرجة إني كنت متأكد إنك مستحيل تكوني ليا بس ربنا قالي لأ مافيش مستحيل و إن اللي بيصبر بينول .
رفعت هالة كفيها محتضنة وجهه بين راحتيها و الإبتسامة لا تفارق شفتاها
- أنا حبيبت نفسي من كتر حبك فيا أنا مهما اتخيل إني في حد ممكن يحب حد مش هتخيل حبك ليا
حاوط خصرها و هو يقترب منها و السعادة تُنير وجهه ثم قال:
- و مين يعرفك و ما يحبكيش
عانقها ليطمئن حاله بأنها ماثلة أمامه، ربتات خفيفة
ربتتها على ظهره حدثت نفسها بسعادة على عوض الله لها الزيجة الثانية لها اختارتها بعقلها و ليس قلبها و على ما يبدو أن اختيارات العقل أفضل بكثيرٍ من القلب .
بعد مرور شهرين
لم يحدث شيئًا جديد يذكر سوى تردد هالة لطبيب النساء و التوليد للمرة الثانية على التوالي رغم عدم رغبة محمود في ذلك إلا إنه وافق لأجلها
جلس جوارها على المقعد بعد أن طلب من مساعدة الطبيب أن تتعجل في دخولهما، همس بجانب أذنها و قال:
- الدكتور دا شاطر اوي أنا امي ولدتني عنده بعد ما قطـ ـعت الأمل مكنتش حابب نكشف دلوقت بس إصرارك و عياطك خلوني اسمع كلامك
ربتت على كفه بهدوءٍ عكس القلق الذي يسود قلبه قبل قلبها لحظات ثم أمرتهم المساعدة بالدخول
ولج محمود و خلفه هالة جلست على المقعد تاركة زوجها يصافح الطبيب بحرارة على ما يبدو أنه على علاقة قوية تربطهما ببعصهم البعض، جلس على المقعد المقابل لزوجته بينما ابتسم الطبيب قائلًا:
- مبروك على الجواز مع إنها جت متأخرة لو كنت أعرف كنت جيت الفرح من غير عزومة أنتِ متعرفيش محمود دا غالي عليا ازاي
ابتسمت بتوتر له و قالت:
- الله يبارك في حضرتك يا دكتور
سألها بعملية قائلًا:
- خير بتشتكي من حاجة ؟
تلعثمت من فرط توترها و لم تستطع الإفصاح عن شئ بينما رد محمود بعفوية
- احنا عاوزين نعرف بس الدنيا اخبارها بقالنا شهرين و لسـ....
رد الطبيب و قال:
- شهرين إيه يا راجل اللي جاي بعدهم و تقول تعرف الأخبار إنتوا لسه عرسان
لا ما هو أنا كنت متجوزة قبل كدا يا دكتور أدهم و قعدت عشر سنين من غير حمل
أردفت هالة عبارتها بعد أن استجمعت شجاعتها، بينما استمع لها الطبيب بكل حواسه، حرك رأسه و قال بتفهم :
- طب أنتِ كنتي بتتعالجي من حاجة، عملتي اشاعات وتحاليل قبل كدا ؟
ردت هالة و قالت:
- ايوة عملت كل حاجة تخطر على بال حضرتك بس كل الدكاترة أكدت إني اخلف و جوزي السابق بردو خلف لكن احنا مع بعض ما ينفعش نخلف
- اه فهمتك تمام
ضغط على زر الاستدعاء الممرضة التي أتت على الفور أشار لها و قال بهدوء:
- مع المدام حضريها
حركت هالة رأسها علامة الإيجاب بينما وقف محمود داهشًا مما يحدث لا يعرف مالذي. يقصده الطبيب، ستتعرض من جديد لتلك الكشوفات المحرجة دقائق و ولج الطبيب ليبدأ أولى مراحل الكشف لم يمر أكثر من خمس دقائق و غادر الدكتور أدهم الحجرة، أشار بيده تجاه السرير الآخر و قال:
- خلينا نطمن على الرحم و نشوف إيه الأخبار
رفعت هالة بصرها للأعلى لتنعكس صورة الرحم على شاشة التلفاز تسارعت نبضات قلبها و هي ترَ الطبيب صامتًا يباشر عمله في هدوءٍ تام، لم تتحمل الصمت الذي يحدث فبادرت هي بالسؤال قائلة :
- خير يا دكتور ؟!
رد ادهم و قال:
- لا خير إن شاء الله أنا شايف إن مافيش أي حاجة تمنع
وقف عن مقعده و قال:
- احنا كدا اطمنا على الرحم و الحوض و الحمد لله كويسين
جلس على مقعده من جديد و قال حين سألته :
- هو حضرتك ها تكتب لي على منشطات ؟ و لا تحاليل جديدة ؟!
رد ادهم و قال بهدوء:
- خلينا نصبر شهرين تلاتة كمان إنتوا لسه صغيرين و مافيش حاجة تمنعكم ليه نتجه للعلاج من دلوقت ؟ دا غير التوتر و القلق اللي أنتِ في دا سبب رئيسي في تأخير الحمل و بيأثر على الهرمونات
ترك القلم و قال بجدية و هو ينظر لمحمود
- طب يا محمود أشوفك عن قريب إن شاء الله
خرج محمود و هالة و بداخل كلامنهما قلقًا تجاه شئ لا يود أحدهم الإفصاح عنه في ذلك الوقت .
بعد مرور أسبوعًا كاملًا من زيارة الطبيب، لم يحدث شيئًا جديد يذكر وفاة والدة حمزة و ذهاب هالة إلى بيت عمها لقضاء واجب العزاء
وافق محمود على مضضٍ و رافقها حيث منزل عمها ولجت البيت اسفل أنظار حمزة الذي كان يصافح محمود و هو يحاول أن من رأهُ عند طبيب النساء الدكتور أدهم مع امرأة أخرى ليس هو نفس الذي يأتي مع زوجته السابقة
جلس محمود لدقائق معدودة ثم غادر معتذرًا من إبراهيم لتعب والده الذي أتى فجأة .
كانت والدة هالة جالسة جوار ابنتها تطمئن عليها بنبرة هامسة، حدثتها بهمس قائلة:
- حماكي تعبان و جوزك راح له واجب تروحي تزوري
ردت هالة قائلة بذات النبرة:
- محمود محرج عليا مرحش هناك و قالي اقطـ.عي رجلك من هناك بعد آخر خناقة حصلت هناك ما أنتِ عارفة
ردت والدتها بإصرار قائلة:
- دا حاجة و دا حاجة روحي عيب كدا دا مهما كان حماكي و هايزعلوا لو مرحتيش ابقي خلي إبراهيم يوصلك بعد العزا
- خلاص بقى ابقى اروح أنا و خلاص لوحدي
*******
على الجانب الآخر
كان محمود جالسًا جوار جدته يعارض من يتحدث في حق زوجته، لم يعجبها تصرفات حفيدها اغتاظت من معارضته قائلة:
- البت دي ساحرة لك و هو أنت بردو محمود اللي نعرف
ردت والدة محمود و قالت:
- ايوة هما بتوع اسحار ماهي كانت عاملة كدا في جوزها الأولاني اومال هو اتحملها ازاي من غير خلفة دا حتى لما ربنا شال الغشاوة اللي عينه كرمه بواحدة زي الفل و حملت و هي وقعت في ابني و بتعمل معاه نفس اللي عملته مع اللي قبله
ردت جدته قائلة بتأيد:
- و لما بتغلط مابيشوفش غلطها !! ويقلك مراتي مبتغلطش يعني إيه مراتك مبتغلطش يا محمود ؟ يعني أنا كدابة ؟!
- لا أنتِ مش كدابة يا ستي و مراتي مبتغلطش فعلًا و ااااه يا عيني
ردت الجدة بفزع قائلة:
- مالها عينك يا واد إيه اللي حصل ؟!
رد محمود قائلًا:
- جناح مراتي دخل جوا عيني يا ستي
ضربته الجدة في كتفه و قالت:
- و كمان ليك نفس تهزر !!
تنهد محمود و قال:
- من الآخر كدا يا ستي عاوزة إيه ؟!
ردت الجدة قائلة:
- عاوزة مراتك ياحبيبي تعرف إنك متجوز بنت عمك و إن جاي لك عيل في السكة و لا بنتنا في حاجة غلط لا سمح الله عشان كدا مدراين عليها ؟!!
وقف محمود عن مقعده و قال بعصبية مفرطة
- لا متفقناش على كدا و كان شرط اساسي على ابوي إن هالة متعرفش إيه اللي جد بقى ؟!
ردت زوجة محمود قائلة:
- اللي جد يا حبيبي إن أنا مراتك و زي ما هي ليها أنا ليا
- و أنتِ ناقصك إيه بقى ؟!
- ناقصني إنها تعرف إني مراتك و لا أنا مش حقي امشي معاك و اقول للناس كلها دا جوزي
و بعدين هي تقبل مش كفاية إنك قبلت بيها و هي مبتخلفش !!
عندك حق فضل كبير منه عليا و أنا حقيقي مش عارفة أشكرك ازاي على الجميل دا يا محمود
أردفت هالة عبارتها و هي تتحامل على نفسها
بعد ما وصل إلى مسامعها تلك الحقيقة المُرة
وقف إبراهيم أخيها يشاهد صورة زواج صديقه المقرب المثبتة على الجدار ثم قال:
- أنت اتجوزت بعد جوازك من هالة بأسبوعين بس لا ليك حق تزهق بردو
تابع و هو يمسك بيد هالة و قال:
- احنا هنمشي دلوقت و لما تخلص خناقتك مع اهلك تعال لي عشان نتفاهم على رواقة
كادت أن تغادر المنزل لكنه استوقفها قائلًا:
- هالة اقسم بالله ابويا ضغط عليا أنتِ متعرفيش عمل إيه عشان اتجوزها دا دا عمـ...
قاطعه إبراهيم و قال:
- يا جدع عيب رضا الولدين واجب و رضا إبراهيم و اخته أهم واجب سلام بقى دلوقت
غادر إبراهيم و هو يمسك بيد اخته التي كادت أن تفقد وعيها لكنها تحاملت على نفسها وصلت إلى منزل والدتها التي كادت أن تموت إثر صدمتها الجديدة، وقف إبراهيم عن مقعده بعد أن أخذت مفاتيح شقة أخته و قال:
- أنا ماشي بقى ابقي حضري العشا على ما اجاي
خرج من بيته متجهًا نحو منزل شقيقته الذي يبعد عنه بما يقارب الخمسة عشر دقيقة
وقف على باب الشقة و قال:
-
يلا يا رجالة شيلوا كل العفش اللي هنا متخلوش مسمار في الشقة حتى الصور اللي على الحيطة عاوزكم تشيلوها و يبقى يوريني بقى هايعمل إيه
الفصل السادس
¤¤¤¤¤¤¤¤
بعد مرور يومين
لم يترك محمود هالة خلالهم مازال يركض خلفها
كلما ذهبت لمكانٍ ذهب ورائها، حتى الطبيب لذي تتابع معه حالتها الصحية التي تدهورت بسبب ارتفاع ضغط الد م، اما هي كانت تتعامل معه بجفاءٍ تام رافضة الرد على كلماته حتى، بكى و هو يتوسلها و كأنه طفل يخشى عقاب أمه، تعثرت خطواته في بعضهما البعض كاد أن يسقط لكنه حافظ علي توازن جسده لم ترأف بحالته و لن تفعلها، د عس على قلبها ببرودة اعصاب و الآن يطلب منها العفو !
استقلت سيارة الأجرة مع أخيها لا تعرف إن كان ما يحدث حقيقية أم خيال ؟! ليته خيال و عندما تعود لواقعها تكتشف أن محمود ذاك الشباب الذي كاد أن يُكمل ما تبقى من عمرهُ متحفظًا بحبه لها
صدمة هالة لا تقل عن صدمة إبراهيم بل كان أكثر منها تأثرًا و لكنه ترجم ذلك بشكلٍ آخر، استقل محمود سيارة أجرة أخرى و ذهب خلفهما حتي منزل والدها وصلا أخيرًا و ترجل من سيارته ركض خلفها و هدر بصوته الجهوري علها تسمعه وافق إبراهيم و صعدا ثلاثتهما، جلس في غرفة الضيوف و قال بنبرة صادقة و هو يضع يدهُ اليُمنى على كتاب الله قائلًا:
- و الله العظيم و الله العظيم ما كان في نية اتجوز غيرك أنا مكنتش احلم أصلًا إني اتجوزك أنا اتغـ صب عليا في الجوازة دي
سأله إبراهيم بنبرة ساخرة قائلًا:
-و يا ترى بقى بابا غصـ ـب عليك و أنت وافقت عشان هايحرمك من المصروف و لا ها يحبـ سك لوحدك ؟!
رد محمود و قال بضيقٍ من سخرية صديقه
- لا دا و لا دا أنا ابويا حلف بالطلاق لو متجوزتش بنت عمي و رضيته زي ما رضيت نفسي و اتجوزت اللي بحبها ليرمي أمي و يطلقها و يبهدلنا
نظر إبراهيم لأخته و قال بنبرة ساخرة
- لا طالما فيها بهدلة يبقى محمود لازم يضحي
تابع بذات النبرة و قال:
- كمل يا مُضحي كمل سامعينك
نظر محمود لهالة و قال:
-حطي نفسك مكاني شايفة أمك هاتتبهدل و البيت ها يخرب و ايدك الحل هاتعملي إيه ؟
مازالت هالة ملتزمة الصمت و نظراتها لا تبرح خاصته المتلائلات بالدموع، ردت إبراهيم و قال بنبرة غاضبة :
- هو إيه الحكاية هو كل واحد عامل نفسه راجل و قدام أهله عامل زي العيل ملوش كلمة و يجي يقولها حطي نفسك مكاني ؟! طب ما تحط نفسك أنت يا باشا مكانها واحدة اتجوزت واحد بعد ما قا طع نفسه عن الجواز بسببها و فضل يقلها أنتِ قلبي و عينيا و بعد عشر سنين صبر اتجوزها و بعد عشر ايام بس اتجوز عليها تسمي دا إيه ؟ و لا دا مش جواز و خدمة لله و للوطن !!
رد محمود بعصبية مفرطة قائلة:
- اطلع منها يا إبراهيم سبني معاها أنا عاوز اسمع منها هي عاوزها تتكلم بدل ما هي ساكتة كدا
بعد تردد لم يدوم طويلًا تحدثت بنبرة هادئة قائلة:
- طلقني يا محمود
وقف مقابلتها و قال بجنونٍ:
- لا يا هالة طلاق لا اطلبي أي حاجة في الدنيا إلا إن اسيبك أنا لو سبتك هاموت
نفضت هالة يدها من بين راحتيه و قالت بغضبٍ جم
- و أنا مُت لما عرفت إنك اتجوزت عليا و هاموت لو فضلت معاك
ضيقت حدقتها و قالت من بين أسنانها و دموعها تنساب على خديها:
- أنت ازاي قدرت تعمل فيا كدا ؟ ازاي قدرت تنام جنبي و أنت متجوز غيري ازاي ازاي قدرت تعيش معايا بوشين شهرين بحالهم محستش بيهم قد إيه أنت كداب و لا مُخادع يبقى ازاي عاوزني اصدقك و أنت بتقولي بحبك ازاي !!
اطلقت تنهيدة عميقة تُعبر عن الآلم التي تعتمل صدرها و راحت تقول بكل ما اوتيت من ثبات انفعالي:
- طلقني يا محمود و زي ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف و أنا متنازلة عن كل حقوقي و مش عاوزة حـ....
قاطعها بجنونٍ قائلًا:
-لا لا مش ها طلقك أنتِ ليا و بس أنتِ مستحيل حد ياخدك مني و مش هاسمح لحد غيري ياخدك مني ولو بنت عمي هاطلقها و مشـ....
قاطعته هالة بنبرة ساخرة قائلة:
-و حلفان ابوك ؟ بالسهولة دي هتخلي ابوك يغضب عليك ؟!
- ملكيش دعوة أنا هاحل كل الأمور دي أنتِ بس ارجعي لي و متشغليش بالك بحاجة ابدًا !!
ردت بنبرة مغتاظة من إصرارهُ بها و قالت بحدة
- قلت لك مش عاوزة اكمل معاك افهم بقى مش عاوزك
وقف إبراهيم عن مقعده و قال بهدوءٍ:
- روح يا حوده عشان عندك محكمة بكرا بدري ما القانون نصف المرأة و عملها قانون الخُلع عقبال ما ينصفك زيها كدا إن شاء الله .
ظل إبراهيم يدفع بجسد محمود حتى باب الشقة
خرج من المنزل و الغضب يملى قلبه، ضرب بيده على النافذة الحديدية و قال:
- مش هاطلقك يا هالة و لو عملتي إيه بردو مش هاطلقك و ابقي وريني مين ها يقف لك
******
أنا مش لاقيك في الشارع يا إبراهيم يا ابني دول باين عليهم ناس مش كويسة ووقعنا فيهم سيبك من موضوع المحاكم دا، و بعدين هو قالنا اللي حصل و على رأيه ما هي قدامه من زمانه مفكرش ليه يتجوزها ما هو معذور بردو يا هالة دي أمه !!
أردفت والدة هالة حديثها و هي تربت على كتف ولدها ليهدأ قليلًا من ثورته تلك، تابعت حديثها لابنتها التي لن تهدأ حتى تنفصل عن
زوجها للمرة الثانية على التوالي، نظرت هالة لوالدتها التي ظلت تردد بحسرة قائلة:
- متزعليش مني يا بنتي بس دي الجوازة التانية و مكملتيش فيها شهرين بالعافية، طب الاولانية قلنا للناس اتجوز عليكي و محصلش نصيب انما دي هنقول إيه للناس يا دي
الفضا يح !!
ردت هالة مستنكرة كلمة والدتها قائلة بدهشة و ذهول شديدان :
- فضا يح !! هي فين الفضا يح دي يا ماما
هو أنا مطلوب مني اروح اخبط على كل بيت واحكي لهم كل واحد اتجوزته عمل فيا إيه و أنا مظلومة و لالا ؟ هو ليه كل اللي أمنت له يخون
ردت والدتها قائلة:
- يا بنتي دا شرع ربنا لو جينا للحق بقى
- حق !!! و أنا حقي فين ؟
- حقك محفوظ يا بنتي و بعدين لو جينا للحق محمود مأثرش في مُعاملته معاكي طول الفترة اللي فاتت و شايلك من على الأرض شيل
ردت هالة بنبرة ساخرة قائلة:
- و حمزة كمان كان شايلني في عينه و اتجوز عليا المشكلة مش فيهم المشكلة فيا أنا، أنا اللي اتسرعت و قلت إن اللي حبيته بهدلني فـ اللي بيحبك يمكن يسعدك فبهدلني أكتر كلهم صنف واحد كلهم بيفكروا في نفسهم وبس أما هالة فـ تو لع
رد إبراهيم و قال بنبرة حانية:
- بعد الشر سيبك من كل دا و قولي لي عاوزة إيه و أنا هاعمله و لو عاوزة ترجعي لمحمود نرجع و بشروطنا
وقفت عن مقعدها و قالت بمرارة و هي تنظر لوالدتها بنظراتٍ لم تخلو من خذلان و الحزن
- اسأل ماما يمكن طلاقي يبقى فضيـ ـحة جديدة و تتكسف منه
ولجت غرفته مسرعة متجاهلة نداء أخيها، ما إن اختفت عن أنظاره، اقترب من والدته و قال بعتابٍ و لوم:
- ليه كدا ؟ هي ناقصة ؟! مش كفاية عمايل البيه جوزها !!
- يا ابني أنا خايفة عليكم أنا لو عشت النهاردا مش هعيش لبكرا و نفسي اشوفها في بيتها و اطمن عليها قبل ما اموت أختك مبتخلفش و مش أي حد هايرضى بيها
رد إبراهيم بضيق و قال:
- دا رزق زيه زي أي الصحة والفلوس محدش بياخد الاربعة وعشرين قيرط بتوعه ناقصين في ناس ربنا بيختبرها و بيشوفها قدها ولالا ولو هالة مش قد الاختبار مكن ربنا حطها في
تابع حديثه قائلًا:
- و بعدين مين قالك إنها مبتخلفش ؟ مش يمكن كاتب لها الخلفة مع حد يصونها و يحبها بجد مش جايز لو كانت خلفت من واحد منهم كانت فضلت عايشة في المُر اللي شافته دا عشان خاطر عيالها ؟!
ختم حديثه قائلًا:
- ساعات الأب بيكون نقمة على ولاده مش نعمة و بيتمنوا زوالها تجربتين اسوء من بعض و الاسم بيحبوها ادعي لها ربنا يعينها على التعب اللي هي في بدل ما أنتِ بتحطي عليها بالكلام كل شوية
ردت والدة إبراهيم قائلة بقلق
- أنا خايفة عليك يا ابني احنا مش قد الناس دي و لا قد شرهم
وقف إبراهيم و قال بوعيد:
- طول ما أنا عاي و ربنا مديني عمر هابهدلهم و اخليهم يقولوا حقي برقبتي و إن كان على محمود هو اللي بدأ و البادي اظلم
بعدم مرور أسبوعًا كاملًا من زيارة محمود لهالة ساء الأوضاع و لم تجري الرياح كيفما أراد إبراهيم و هالة، حاول الجميع التدخل لفض النزاع بينهما لكن إصرار هالة و أخيها على الانفصال كان حلًا جذريًا بالنسبة لهما
رفض زوجها الانفصال و باءت جميع محاولات الجلسات العرفية بالفشل الذريع، و تبقى القضاء الحل الامثل في مثل هذه الظروف، هذا ملعب إبراهيم فهو محامٍ معروف و لديه الكثير و الكثير من القضا.يا التي أخذت الصيت الواسع، يتردد اسمه في المحاكم و الجميع يتعاملون معه بحذرٍ شديد
البعض اطلق عليه( المُرعب ) و البعض الآخر اطلق عليه محامِ الضعفاء، لم يتقاضى جنيهًا واحدًا في قضية صاحبها لم يستطع دفع اتعابها لذلك ذاع صيته في كل مكان .
قرر و لأول مرة يُلقي عباءة الشرف و يتعامل مع محمود و عائلته بكل ما هو خبيث و ماكر
مرت ثلاث أشهر كاملة وهو يجوب المحاكم ذهابًا إيابًا، حتى حصل على وثيقة الطلاق بالتراضي بعد أن ضغط والد محمود على ابنه
كما تنازل عن جميع حقوقه مقابل التنازل عن جميع القضايا التي قام برفع إبراهيم، تحولت الصداقة لعداوة و كر هًا، ولج منزله و بيده الوثيقة بعد أن ذهب مع من كان صديقه إلى (المأذون) قبل أسبوعين من اليوم، لم يخبر والدته حينها حتى لا يرتفع ضغطها و يحدث مضاعفاتٍ لها، أتت هالة و بيدها منشفة مخصصة للمطبخ تجفف فيها يدها و قالت:
- إيه يا هيما مالك في إيه ؟!
وضع الوثيقة نصب عينها و قال باسمًا:
- مبروك عليكي الطلاق لا و كل حقوقك محفوظة كمان
ترددت الإبتسامة على شفتاها و الحزن يعتري قلبها للمرة الثانية تقع في الموقف ذاته، خيبات أمل و أحلام حطمتها لها صخرة الواقع
ترقرقت الدموع في عينها و هي تنظر لأخيه الذي سرعان ما اختفت إبتسامته حين قال بندم
- هو أنتِ زعلتي ليه مش دي كانت امنيتك ؟!
حركت رأسها علامة النفي و هي تكفكف دموعها و قالت كاذبة :
- لا لا بالعكس مبسوطة اوي اوي، أنا حاسة إن حِمل و كان على قلبي
احتضنته و قالت بامتنان
-ربنا يخليك ليا يا هيما من غير مكنتش هعرف اعمل أي حاجة أنت و نعمة الاخ و السند ربنا يخليك ليا يا حبيبي و يسعد قلبك يارب
رد إبراهيم بحزنٍ دفين و قال:
- و يخليكي ليا يا لولو
خرجت والدتها من حجرتها متسائلة بنبرة متعجبة قائلة:
- خير إيه الحنية دي كلها ؟
ردت هالة بإبتسامة واسعة و هي تفرد وثيقة الطلاق أمام والدتها وقالت بنبرة متحشرجة:
- محمود طلقني خلاص و هيما رجع لي حقي أنا بقيت حرة خلاص يا ما مـ ....
لم تكمل حديثها ما إن سقطت والدتها أرضًا بعد سماعها خبر الانفصال بشكلٍ رسمي، مازالت على أمل العودة رغم كل هذه المشكلات الوضع تأزم و الحال لم يبقى هو الحال و هي على أمل العودة
تم نقل والدتها إلى المشفى بعد أن أمر الطبيب الذي قام بالكشف المنزلي، ما إن وصلت إلى المشفى تم عمل اللازم لها، و بعد الكشف المبدئي تبين أن يجب عليها الخضوع لعمل عملية قسطرة استكشافية للقلب، لم تتحمل هالة هذا الخبر سقطت أرضًا فاقدة للوعي
انتقلت إلى غرفة الطوارئ و تم نقل بعض المحاليل الطبية لها، جلس إبراهيم على السرير المقابل في انتظار استعادتها للوعي
ولجت الطبيبة و قالت:
- أنت جوزها ؟
وقف إبراهيم عن الفراش و قال:
- لا اخوها
ردت الطبيبة بتفهم قائلة:
- اه أنت اللي مع الحالة اللي في الدور الرابع صح ؟!
- ايوة أنا هي أمي عاملة إيه دلوقت ؟
- متقلقش بيعملوا لها اللازم
- طب و هالة اخبارها إيه ؟ مش راضية تفوق يعني ؟!
لم ترد الطبيبة عليه حتى ظن أنها تتجاهله، انتهت من كتابة بعض الملاحظات و قالت بإبتسامة واسعة:
-متقلقش هتفوق دلوقت و تبقى بخير
كادت أن تغادر لكنه استوقفها قائلًا:
- دكتورة ا...
استدارت و هي تعرفه عن حالها قائلة:
- أنا الدكتورة ليالي الشرقاوي
- معلش بس هو مين متابع حالة ماما ؟ و هل ينفع اسيب اختي عادي هنا على ما اروح اطمن على امي ولالا ؟!
ردت ليالي باسمة و قالت:
- طبعًا تقدر تسيبها عادي لحد ما تحس نفسها كويسة و في الحقيقة مش عارفة مين متابع حالة والدتك بس تقدر تسأل في الدور الرابع
أي حد من فريق التمريض هيجاوبك
ابتسم لها و قال بامتنان
-شكرًا تعبتك معايا
- العفو دا واجبي
غادرت ليالي الغرفة تاركة إبراهيم جالسًا على حافة الفراش المقابل لأخته، صدح رنين هاتفه فـ خرج من الحجرة ليرد ثم يذهب إلى الطابق الرابع ليعرف حالة والدته إلى أين وصل .
بعد مرور خمس دقائق
ولج شاب تجاوز الخامسة و الثلاثون بأشهر قليلة يرتدي معطف أبيض و على يسار صدره لوحة معدنية دون عليها اسمه " ادهم الشروقاي" ولج غرفة الطوارئ باحثًا عن أخته
التي لن تهدأ حتى تفقده ما تبقى من عقل
بحث عنها في كل نكان و هذا آخر مكان علم بوجودها فيه، اختفت كالزئبق على حد وصفه
جلس و هو يدس يده في جيب معطفه ليخرج هاتفه تراقصت أنامله ثم رفعه على أذنه وجده خارج التغطية، وصل إلى مسامعه
صوت أنثوي يئن بخفوتٍ، كلماتٍ غير مفهومة على ما يبدو أن هناك مريضة تحت تأثير المخدر فجأة و بدون سابق إنذار سقط من كان يئن و تحول أنينه لصراخ، هرول لمساعدته وجدها فتاة عشرينية تحاول الوقوف على ساقيها لكنها فشلت، سألها و هو يساعدها قائلًا:
- مكن ينفع تقفي مرة واحدة كدا فين أهلك ؟ أنتِ هنا لوحدك و لا معاكِ حد ؟
ماما ماما عاملة إيه ؟ فين إبراهيم اخويا
أردفت عبارتها بانهيار و هي تحاول نزع المحاليل المثبتة في يدها، مما جعلها تنز ف
حاول تهدأتها لكنها دفعته في صدره بضعف و حاول الوقوف من جديد على ساقيها، و لكن الارض تميد من حولها، اللعنة على المشفى والعاملين عليها لماذا حدث بها كانت في حالة صحية جيدة ما الذي حدث لها ؟!
اقترب ادهم و قال بهدوء محاولًا مساعدتها
- اهدي أنا دكتور هنا و ممكن اساعدك قولي لي بس عاوزة و أنا هخلي الممرضة تعمله لك ايدك بتنز ف ما ينفعش كدا !!
ردت بعصبية قائلة:
- يا سيدي مش عاوزة منك حاجة شكرًا عاوزة اخويا إبراهيم
الفصل السابع
¤¤¤¤¤¤¤¤
ولجت ليالي و هي تسأل عن سبب تلك الفوضى التي تعم المكان و قالت:
- إيه دا في إيه ؟!
رد أدهم و قال:
-ليالي شوفيها مالها بتقول عاوزة اخوها و مامتها
حاولت ليالي أن تساعدها في الجلوس من جديد على طرف الفرش ثم نادت للممرضة و قالت لأخيها:
- معلش يا أدهم اخرج أنت دلوقت و أنا هاخلص و اجاي لك مكتبك
- تمام
بعد مرور نصف ساعة
طرقت ليالي الباب قبل أن يأذن لها أدهم بالدخول جلست على المقعد و هي تضع ساق فوق الأخرى و قالت:
- خير يا دومي كنت عاوزني في إيه ؟!
ردت أدهم بجدية و حاجب مرفوع عن الآخر
- احنا في الشغل على فكرة
ردت بمشاكسة مقلدة إياه قائلة:
- بس لوحدينا على فكرة
تابعت بجدية قائلة:
- جيت ليه الطوارئ ؟
ردت أدهم قائلًا:
- كنت عاوز منك إيه موضوع العزومة اللي عملتيها دي و قلتي بقلب قوي كدا لعمك يجي عندنا ؟!
حكت مؤخرة رأسها وهي تقول بجدية مصطنعة:
- بص بقى بصراحة و من غير لف و لا دوارن مش أنا صاحبة فكرة العزومة دي صاحب الفكرة هو عمك نفسه
رد أدهم قائلًا بنبرة ساخرة:
- و هي مراته الست نازلي هانم حرم الدكتور ادهم الشرقاوي دكتور النسا و التوليد هتقبل تيجي عندنا الحارة ؟
- متقلقش ما أنا سألت عمك قالي أنا اللي عازم نفسي هتقبلوا و لالا يا ولاد اخويا قلت له تنور في أي وقت و نعملك أحلى غدا كمان
رد أدهم باسمًا و هو يصحح لها قائلًا:
- تعملي له أنتِ أحلى أكل أنا طول الأسبوع دا يا حبيبتي إجازة من المطبخ و المواعين
- دووومي دا عمنا و احنا عزمنا
سألها بنبرة مغتاظة قائلًا:
- أنا ليه مبسمعش بتتكلمي بصغية الجمع في العزومات و اللبس و الفلوس ليه مبسمع فيها في تنضيف مكانا اطباقنا مكواتنا ليه في دول بيتقالي نضف مكانك اطباقك و اكوي هدومك
وجهت ليالي سبابتها نصب عيناه و قالت بجدية مصطنعة
- لأن المرأة نصف المجمتع و يجب عليها مشاركة الرجل في كل شئ ماعدا الطبخ و الغسيل و المكواة و بالذات المكواة
ابتسم لها و لم يعقب على تلك المحاضرة التي لن تنتهي إلا بفرض سيطرتها الكاملة على ما وضعته من قرارت، ردت بتذكر قائلًا:
- صحيح البنت اللي بتدور على أهلها دي لاقيتهم ؟
- قصدك مين ؟ قصدك هالة؟
- هي اسمها هالة ؟ إيه حكايتها البنت دي ؟
- مش عارفة بس هي جت هي واخوها عان مامتها تعبانة و المفروض تعمل قسطرة استكشافية على القلب فـ هالة متحملتش الخبر و اغمى عليها بس احساسي بيقولي إن البنت دي حكايتها حكاية
عقد ما بين حاجيبه و قال بفضول
- ليه بتقولي كدا ؟
رفعت كتفيها و قالت:
- مش عارفة بس و أنا بحاول اهديها قعدت تقول أنا السبب يارتني ما كنت قلت لها و كلام من النوع
******
بعد مرور يومين
كانت والدة هالة في حالة صحية أفضل من ذي قبل بينما شحب وجه ابنتها و تغيرت حالتها النفسية و الصحية، انتظر إبراهيم و هالة الطبيب المعالج لوالدتهما ليطمئنهما و لكن ما قاله الطبيب زاد من قلقهم حين قال
- للاسف لازم نعمل العملية محتاجين نركب دعامة للقلب و إلا الحالة هتسوء
سألته هالة قائلة:
- طب لما تعملها يا دكتور هتعيش و تبقى كويسة ؟
رد الطبيب بعقلانية وعملية :
- الأعمار بيد الله احنا بنعمل اللي علينا مش أكتر مافيش حاجة مضمونة و لا أكيد غير بإذن الله معاكم يومين ترتبوا فيهم نفسكم للعملية
ختم حديثه قائلًا:
- ياريت تبقى تعدي على الحسابات
حرك إبراهيم رأسه و قال بتفهم
- مفهوم يا دكتور شكرًا
نظرت هالة لأخيها و قالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء
-ها نعمل إيه يا إبراهيم دا الموضوع دا شكله عاوز مصاريف جامدة ؟
رد إبراهيم بإبتسامة باهتة و قال:
- متخافيش ربنا مش هايسبنا إن شاء الله
ربت على يدها و قال:
- أنا هاسيبك دلوقت و هروح اشوف الحسابات و بعدها هعمل كام مشوار متقلقيش لو مجتش تاني أو جيت متأخر
- ماشي بس خليك معايا على التليفون و عرفني هاتعمل إيه ؟
- حاضر
تركها و سار تجاه المصعد الكهربائي، ضغط على زر المصعد وقف لثوانٍ قبل أن يلوح بيده لأخته مغادرًا المشفى، كان أدهم واقفًا في المصعد حين قام إبراهيم بتسجيل رسالة صوتية قائلًا:
- مصطفى أنا هابيع المكتب بتاعي شوف لي أي حد يشتري بأي سعر محتاج لفلوس ضروري حاول تشوف أي مشتري من اللي كانوا عاوزينه
لحظاتٍ ثم أتته رسالة منه استمع لها ثم ضغط على زر التسجيل و قال:
- مش هاينفع و بعدين أنا سايب هالة أختي في المستشفى لوحدها مع ماما و أنت عارفاها بتخاف من المستشفيات و بتتعب منهم هي بتحاول تبين دلوقت إنها كويس عشان أنا سايبها بص هات المشتري و نخلص دلوقت و بكرا نروح الشهر العقاري نخلص كل حاجة المهم تجيب لي فلوس النهاردا اتفقنا يا مصطفى ؟!
خرج إبراهيم من المصعد الكهربائي متجهًا نحو باب المشفى لا يعرف أن ما سيفعله من المحتمل أن يُنهي حياته المهنية، لم يكن أمامه أي خيار آخر سواه فقرر أن يذهب إليه عله يجد عنده ما ينقذ والدته، وقف على اعتاب مكتبه و قال بخفوت
- يارب أنا مضطر اعمل كدا عشان أمي لكن أنا مش في نيتي أبدًا امشي في طريق الحرام إن كنت مش راضي اقفل الباب دا في وشي و افتح لي طريق تاني يرضيك يارب
ولج المكتب و انتظر زميل أيام دراسته الوضع بالنسبة له غاية في الحرج و الحزن لأنه قرر أن يسير في نفس درب بعض المحامين غير الشرفاء لكسب الأموال، طرقات خفيفة على سطح المكتب الزجاجي التوتر يجتاح قلبه كيف سيخبره بأن وافق على قبول تلك القضايا، بينما كان زميله في مكتبه الخاص جالسًا يراقبه عبر شاشة الحاسوب النقال و إبتسامة الشماتة تزين ثغره، مازالت عيناه معلقتان على تلك الشاشة حين قال:
- سيبي ربع ساعة و بعدها دخلي و لما يدخل ابقي قولي إن في معاد مع واحد مهم و كنتي ناسية
ردت المساعدة قائلة :
- مفهوم يا فندم
خرجت المساعدة و إبتسامتها تختفي تدريجيًا من على ثغرها، وصلت إلى مكتب الذي يجلس في إبراهيم ابتسمت له و حاولت أن لا تُظهر عكس كلماتها المُحذرة
- حاول ما تبينش إنك فهمت حاجة ممدوح المفروض يرميك هنا ربع ساعة و بعدها تتدخل و يبدأ يترسم عليك امشي و أنا هابلغ بعدين اللي حصل
سارت تجاه مكتبها جلست خلفه و قالت بإبتسامة واسعة حين وقف هو
- انا هعمل نفسي بكتب لك معاد و هاديك رقمي عشان نعرف نتواصل أنت ربنا بيحبك اخرج من هنا و اياك تتواصل معاه مهما حصل
أومأت له برأسها علامة الإيجاب و قالت:
- العفو يا فندم دا واجبي، نورت يا فندم
*******
دول عشر الف جنيه تقدري تعديهم قبل ما تمشي و بالنسبة لباقي فلوسك كمان ساعتين تقدري تاخديهم لأن السيولة اللي في المحل مش هتكفي
أردف الصائغ عبارته و هو يلملم المصوغات الذهبية من على سطح الطاولة الزجاجية، و أزاح الجزء المتبقي جنبًا، جمعته هالة داخل صندوقها الخشبي و غادرت المكان قائلة بامتنان
- متشكرة هاجي لك بليل إن شاء الله
- تشرفي يا فندم المحل محلك في أي وقت
خرجت هالة من المحل و هي تجر خيبات الأمل خلفها ظنت أن مصوغاتها الذهبية ستجمع لها مبلغًا كبيرًا لكن ماجمعته لا يتجاوز نصف المصروفات داخل المشفى، تقابلت مع حمزة بن عمها في الطريق استوقفها قائلًا:
- هالة عاملة إيه ؟
ردت بإبتسامة متكلفة قائلة:
- الحمد لله بخير
- أنا عرفت إن مرات عمي في المستشفى بس مش عارف انهي مستشفى ياريت تعرفيني عشان عاوز ازورها
- هي في مستشفى الأدهم الاستثماري
- طب هو أنتِ رايحة إمتى عشان نروح سوا و ...
ردت هالة بنبرة مقتضبة قائلة:
- أنا مش فاضية لو عاوز تروح روح أنت يا حمزة انا لسه عندي كام مشوار
نبرتها تلك و حدتها في الحديث جعلته يعلم تمامًا أن ما يحاول فتحه من جديد لن يتم بتلك السهولة
تركته قبل يسألها سؤالًا آخر، جفائها لم يأتي من فراغ بل أتى بعد سنواتٍ من المحاولات في التنازل عن بعض الحقوق، التراكم الذي حدث جعله يخسر الكثير من مكانته لديها .
******
في منزل محمود بمنزل أبيه، كان جالسًا في غرفته مضطرب عن الطعام، طالت لحيته و بكت عيناه حتى كاد أن يفقد بصره حزنًا على فراق حبيبته، ولج والده محاولًا إخراج ولده من حالته تلك، نظر حوله وجد حالة من الفوضى في كل مكان عاد ببصره له و قال:
- و آخرة اللي أنت في دا إيه ؟
بلع محمود لعابه و قال بمرارة
- عاوزين مني إيه تاني ؟!
رد والده و قال:
- عاوزينك تخرج من اللي أنت في دا و كفاية حزن بقى على ناس متستهلش هي لو كانت باقية عليك كانت عملت اللي عملته دا معاك فيها إيه يعني لما جوزها يتجوز عليها هي آخر أول ست و لا آخرهم !! ما هي أمك اهي عايشة مع ضُرتها في نفس البيت و محصلش أي حاجة !!
رد محمود بنبرة مختنقة قائلًا بعصبية:
- عشان هالة مش أمي و لا أمي زيها عشان أنا عشت عشر سنين صابر و ساكت و قافل على قلبي و مش عاوز حاجة من ربنا غير إن هالة تبقى من نصيبي و لما تبقى نصيبي تيجيوا بكل جبروت تقولوا أمك في كفة و مراتك في الكفة التانية ساكتين بقالكم عشر سنين و محدش فيكم قدر يحلف عليا و بتقولوا سيبوا براحته ولما اتجوزت اللي بحبها قلتوا ازاي يعيش مبسوط يلا ننكد عليه و نجبره يتجوز
رد والده بنبرة ساخرة قائلًا:
- لا والله بقالك حس يا محمود و بقيت تعرف تتكلم
تابع بنبرة آمرة قائلًا:
- يلا قوم الحق دقنك دي و تعال معايا نرجع بنت عمك عشان تربي ابنك في وسطكم
رد محمود بعنادٍ قائلًا:
- لا مش هرجعها و دا كان شرطي عليكم لو خسرت هالة هتخسروني أنا كمان
ختم حديثه قائلًا بعدم اكتراث
- و إن على ابني اللي جاي في السكة هيتربى عادي و لو محتاج حاجة مني هاجيبها له
سأله والده بنبرة مغتاظة قائلًا:
- بقى يا محمود هاتمشي كلمتك عليا !!
رد محمود بعصبية قائلًا:
- و على أي حد خلقه ربنا أنا خلاص خسرت و مش باقي على حد
- طب عليا الطلاق لو مـ....
قاطعه محمود قائلًا:
- مبقتش بأكل من الكلام دا خلاص
ختم حديثه قائلًا:
- خد بعضك بقى يابا و امشي عشان يادوب الحق ادور على طريقة ارجع بيها مراتي
*****
بعد مرور يومان
كانت هالة واقفة أمام المشفى في انتظار أخيها الذي تأخر كثيرًا عن الموعد الذي حدده
كانت تنظر في ساعة معصمها بين الفنية و الأخرى و هاتفها لا يهدأ من مكالمات صادرة من نفس الرقم الذي يحاول إزعاجها منذ فترة
وصل أخيرًا إلى المشفى، كانت يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة و هو يعتذر منها قائلًا:
- معلش يا لولو اتأخرت عليكي
- و لا يهمك يا حبيبي قل لي مين شيري دي اللي بترن عليا و مصممة توصلك و مش عارفة
رد بتأفف قائلًا :
- دي واحدة دماغها تعبانة سيبك منها عملت لي خدمة و من يومها و هي لازقة لي فاهمة إني بحاول اخلع منها
غمزت هالة بجانب عيناها قائلة:
- ايوة يا عم شيري و ليالي و ما خفي كان اعظم
رد إبراهيم بنبرة ساخرة و هو يلج المشفى محاولًا تقليد نبرتها:
- هي شيري و ليالي و بس دي ليلة طويل اخاف احكي لك عليها اتحسد و اتحقد منك
ضحكت و لأول مرة منذ فترة طويلة ولجت أسفل ناظريها توقفت فجاة متعمدة محادثتها مع اخيها و هي تقول:
- دكتورة ليالي اذيك عاملة إيه ؟
ابتسمت لها و قالت:
- بخير و الحمد لله أنتِ إيه اخبارك ؟
- الحمد لله فينك سألت عليكي و لقيتك إجازة
- كانت إجازة صغننة و رجعنا للشغل ووجع القلب من تاني
كلمات بسيطة حاولت من خلالها إطالة الوقت
حتى قررت أن تغادر و لكنها عادت تسألها بتذكر قائلة:
- هالة هو المكتب اللي كنتي بتقولي عليه إيه اخباره اتباع و لا لسه موجود؟
نظرت هالة بإبتسامة واسعة و هي تنظر لأخيه
ثم عادت ببصرها لها و قالت بمكر:
- و الله يا دكتورة كنت سمعت إن إبراهيم اخويا بيدور على مشتري جديد لو حابة
ردت ليالي قائلة بجدية:
- طب أنا كنت عاوزة أأجر المكتب فـ لو حضرتك هتـ....
رد إبراهيم مقاطعًا إياها بعتذار قائلًا:
- للأسف كنت محتاج ابيعه مش أأجره لو هتشتري يبقى شوفي معاد يناسبك و نتفق على كل حاجة
لوت ليالي فاها و قالت بإحباط:
- الظاهر إن مافيش نصيب ربنا يوفقك و تبيعه عن أذنكم
غادرت ليالي المكان تاركة هالة تسأل أخيه بنبرة مغتاظة قائلة:
- ليه كدا مش أنت كنت مش عاوز تبيعه ؟ اديني جبت لك اللي يأجره دلوقتي عاوز تأجره ؟!!
رد إبراهيم قائلًا بنبرة حانية:
- المكتب دا غالي عندي لما كنتزبفكر ابيعه فأنا بابيعه عشان محتاج للفلوس لكن لو عليا مش هابيعه أصلًا و الله .
- طب و هتعمل إيه دلوقت ؟!
- هعمل إيه يعني يا هالة بدور على حد يشتري بس السعر مش مناسب خالص المكتب في مكان حلو و الناس استغلا لية بتحاول تحر ق سعره عشان محتاج
ردت متسائلة بفضول:
- أنت عاوز كام في المكتب ؟!
- عاوز 100 الف جنيه
- طب و اللي يجيب لك نص المبلغ دلوقتي ؟
و النص التاني بعدين توافق ؟!
رد إبراهيم قائلًا:
- يا ستي أنا مش محتاج غير الخمسين الف عشان مصاريف المستشفى و الباقي كنت هخلي معايا عشان محتاجهم
ردت هالة بجدية مصطنعة و هي تربت على كتف أخيها و قالت:
- متقلقش وراك رجالة اعتبر الخمسين الف في جيبك و سيب المكتب
رد إبراهيم بذات النبرة و قال:
-لا يا حبيبتي أنا عاوزهم فعلا في جيبي شغل اطمن دا و اخد على قفايا زي كل مرة دا أنا ما بحبوش أنا خلاص قفايا قرب ينور في الضلمة بسببك
الفصل الثامن
¤¤¤¤¤¤¤
الساعة الآن الثانية فجرًا
داخل المشفى
كانت هالة تسير بهدوء في الرواق المؤدي لمكتب الطبيبة ليالي أصبحت صديقتها الوحيدة في هذا المشفى تقضي معها معظم الوقت إن لم يكن كل الوقت طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها كسابق عهدها معها بحثت عنها و لم تجدها و قبل أن تغادر المكتب تفاجأت بـ أدهم يلج مندفعًا مصطدمًا بها
عاد خطوة للوراء و قال:
- أنا آسف كنت فاكرك ليالي
ابتسم بتوتر و قالت:
- و لا يهمك
تابعت بتساؤل قائلة:
- هي مش موجودة ؟ شكلها في الطوارئ؟!
عقد أدهم ما بين حاجبيه و قال بنبرة متعجبة قائلًا:
- أنا لسه جاي من هناك و كنت فاكرها هنا أصلا!!
فرغ فاها لترد لكن صوت محمود قاطعها قائلًا بنبرة حادة :
- بتعملي إيه يا هالة ؟
عقد أدهم ما بين حاجبيه و هو يستدار بكامل جسده ليعرف صاحب الصوت، و قبل أن يتحدث سأله محمود بنبرة حادة قائلًا:
- أنت مين و بتعمل إيه معاها في الوقت دا ؟
ابتسم أدهم و قال بنبرة جادة
- أنت اللي مين ؟ و ازاي تدخل كدا من غير ما الأمن ياخد باله ؟!
رد محمود بجدية قائلًا:
- أنا جوزها أنتـ....
ردت هالة بنبرة قاطعة قائلًا:
- لا مش جوزي و كفاية فضايح لحد كدا و اتفصل برا بقى
اقترب محمود منها قابضًا على رسغها برفق و قال:
- تعالي معايا عاوز اتكلم معاكي في كلمتين
نفضت هالة يدها بقوة و قالت بحدة و صرامة
- لا مش جاية و اتفضل برا بدل ما اطلب لك البوليس و يعرف شغله معاك
- هتيجي معايا بالذوق احسن لك و لا تيجـ...
قاطعه أدهم و قال:
- هي مش قالت لك إنها مش عاوزة تروح معاك هو أنت مبتفهمش ؟!
دفعه محمود في كتفه و قال بعصبية
- ملكش دعوة أنت واحد و مراته
لم تتحمل هالة كلمته تلك هدرت بصوتها قائلة بنبرة محذرة
- قلت لك مش هاجي معاك و الله لو ما بعدت عني لاخلي إبراهيم يمسح بكرامتك المحاكم و يعرفك يعني إيه تقرب لي امشي من هنا و كفاية فصايح لحد كدا
اقترب محمود منها حد الالتصاق في محاولة منه لتأثير عليها حين قال:
- هالة أنا بحبك و لسه شاريكي أنا عاوز ارجعك تاني و نبـ....
دفعته هالة بقوة عنها حتى ارضطدم جسده بالجدار اتسعت عيناه و هو يستمع إليها حين قالت
- و الله لو ما خرجت من هنا و بعدت عني لأعرفك مين هي هالة بجد، أنا لحد دلوقت عاملة حساب العيش و الملح لحظة كمان و هنسى كل دا و احطك تحت رجلي .!
هدر أدهم بصوت المرتفع لأفراد الأمن قائلًا:
- طلعوا الشئ دا برا و إياك اشوف خياله هنا تاني و إلا حسابكم معايا أنا
دفعه أفراد الأمن للخارج عنوة، بينما كان محمود يهدر بكلماتٍ محذرًا إياها وعيده و تهديداته كانت ترعب أي شخصًا يسمعه عدا هي، اختفى عن أنظار هالة و أدهم، نظر لها و قال:
- أنتِ كويسة ؟
اكتفت هالة بإيماءة من رأسها علامة الموافقة عكس ما كانت تشعر حينها، أتى أخيها بخطواته الواسعة و السريعة و بجانبه ليالي، سأدها بلهفة قائلًا:
- عملك إيه محمود ؟! أنتِ كويسة ؟! ردي عليا ؟!
- متقلقش يا حبيبي أنا كويسة و هو ما يقدرش يعمل معايا حاجة
- طب الحمد لله
نظر إبراهيم لـ أدهم و قال بعتذار:
- أنا بعتذر عن اللي حصل بس دا غير مقصود و إن شاء الله مش هايتكرر تاني
رد أدهم باسمًا قائلًا:
- و لا يهمك بس ياريت تخلوا بالكم دا باين عليه بتاع مشاكل
ابتسم إبراهيم و قال:
- محمود دا اطيب خلق الله هو بس اللي بيتصرف بهبل
رد أدهم و قال:
- متخافش غير من اللي بيتقال عليه طيب دا
- ربنا يسترها
ختم حديثه قائلًا:
- عن أذنك هروح اطمن على ماما يلا يا هالة
تناول يد أخته الذي شعر برعشتها نظر لها و قال و هو يسير جنبا إلى جنب
- مال ايدك بتترعش كدا ليه ؟
اومأت له بالإنكار و قالت بنبرة مرتجفة:
- لا أبدًا مفيش أنا كويسة
على الجانب الآخر من نفس المكان و تحديدًا داخل مكتب ليالي بالمشفى جلس أدهم خلف مكتبها بدلًا منها مسندًا بمرفقيه مستمعًا بجميع حواسه ما تقوله عن تلك الهالة حتى استوقفها متسائلًا بنبرة متعجبة قائلًا:
-يعني اتجوزت اتنين في أقل من سنة ؟! و الأتنين حبوها و اتجوزوا عليها بسبب الخلفة !!
ردت ليالي بنبرة محللة كعادتها قائلة:
- بص مقدرش أقول على الجوازة التانية إنها كانت حب زي الأولانية بالنسبة لهالة هالة اتجوزت محمود بدافع غريزة الأمومة اللي جواها كان نفسها تبقى أم زي حمزة ما بقى أب فقالت طالما محمود بيحبني و عاوز يتجوزني يبقى ليه لأ ؟!
ختمت حديثها قائلة بنبرة جادة:
- تقدر تقول اخترت المرة التانية بقلبها عشان كدا كانت صارمة معاه في انفصالها عكس حمزة اللي كانت موجوعة منه وقت انفصالهم
رد أدهم وقال بنبرة هادئة:
- مظنش إن وجعها كان بسبب الإنفصال قد ما كان بسبب إنه داس على حبهم الأسطوري اللي بتقولي عليه و اتجوز غيرها أكتر حاجة توجع أي ست هو إن الشخص اللي بتحبه و المفروض بيحبها يتجوز حد تاني
ردت ليالي بمشاكسة قائلة:
- مين قال كدا ؟ عندك أنا مثلًا بردو لك على عروسة
سألها أدهم باسمًا و قال:
- و هو أنتِ حاسبة نفسك ست !!
وثبت ليالي من مكانها و قالت بغضبٍ مصطنع
- قصدك إيه يا دكتور !!
رد باسمًا و قال بخوف مصطنعة
- مش قصدي أنا بس كنت بقول إنك ست البنات
تابع بجدية متسائلًا بتذكر
- صحيح كنتي فين الوقت دا كله ؟ كنت بدور عليكي و هالة كمان ؟
ردت ليالي بتلعثم قائلة:
-ها ! اه أصل كنت بشوف موضوع المكتب اللي عاوز يبيعه إبراهيم و بعدها
قاطعت نفسها بتذكر مغيرة مجرى الحديث
- اه صحيح هو عمي كان عاوز إيه منك ما فهمتش حاجة من كلامك الصبح
رفع أدهم كتفيه و قال بهدوء:
-مش فاهم أنا كمان بس تقريبًا كدا الكلام على العيادة بتاعته عاوز يسيبها لي لأن محدش من ولاده ها يهتم بيها بعد عمرًا طويل يعني
ردت ليالي قائلة:
- ايوة و أنت ها تعمل إيه ؟ هتاخدها !
- لا
- ليه يا أدهم ؟!
- عشان أنا مبحبش اطلع على اكتاف حد و عمك عاوز يطلعني على اكتافه و دا هايسبب لي مشاكل كتيرة مع مراته وولاده في غنى عنها الحقيقة
ختم حديثه قائلًا:
- دا غير إني خلاص مسافر بعد كم شهر
ردت ليالي بنبرة تملؤها الحزن قائلة:
- طب و أنا يا أدهم مفكرتش فيا ؟!!
ابتسم بحنو و حب و هو يقول:
- هو أنا بفكر في حاجة و لا في حد غيرك يا عبيطة !!
تابع بنبرة مطمئنة قائلًا:
- متخافيش يا لولو أنا مقدم لك معايا و إن شاء الله يقبلوا عروضنا و نسافر سوا
ردت ليالي و قالت:
- سافر أنت بالسلامة أنا مش هاسيب بلدي و لا أهلي و ناسي و اعيش في بلد معرفش حد فيها
سألها بنبرة حزينة قائلًا:
- و هما فين أهلنا و ناسنا دول يا لولو احنا ملناش غير ربنا في البلد دي و كـ....
ردت ليالي قائلة بنبرة جادة:
- مش هسافر يا أدهم و هفضل هنا عاوز تفضل اتفضل نش عاوز و مصمم على السفر يبقى لوحدك من غيري و إن كان عليا متخافش أنا الحمد لله أقدر احافظ على نفسي
رد أدهم بنبرة مغتاظة و قال:
- ليه قالوا لك عليا أناني و مبفكرش غير في نفسي و بس !! على العموم لسه محدش عارف النصيب فين سيبها لوقتها .
******
بعد مرور أسبوع كامل
خرجت والدة إبراهيم من المشفى و وضعها الصحي في تحسن مستمر، كانت هالة تلملم متعلقات والدتها بهدو حتى لا تنسى شيئًا، بينما كان أخيها واقفًا أمام النافذة يناجي ربه بأن تأتي قبل مغادرتهم، وقفت هالة خلفه و قالت بنبرة خافتة:
- مش هتيجي النهاردا ريح نفسك
استدار إبراهيم و قال بلفهة:
- عرفتي منين ؟!
عادت تلملم أشيائها دون أن ترد على سؤاله ذهب خلفها و قال:
- ما تردي عليا عرفتي منين إنها مش جاية النهاردا ؟!
ابتسمت و قالت بتلاعب
- و الله يا هيما دي أسرار بس عشان خاطر اللهفة دي ممكن اقولك عادي و كله بحسابه
و ربنا بقى يقدرني على فعل الخير
اجلسها على المقعد و قال بنبرة مغتاظة:
- قولي و متبقيش بايخة مجتش النهاردا ليه ؟!
ردت هالة بجدية مصطنعة و قالت :
- بقيت دلوقتي أنا بايخة الله يسامحك
- هــالة خلصي بقى !
- طب يا سيدي هي مجتش عشان تعبانة واخدة دور برد شديد بقالها كام يوم و النهاردا الموضوع زاد و اغمى عليها
سألها إبراهيم بلهفة و قال:
- و أنتِ عرفتي كل دا منين ؟!
رفعت كتفيها و قالت بجدية:
- ابدًا مافيش دا أنا كنت بكلمها النهاردا و اخوها أدهم رد عليا و طلبت منه اطمن عليها قالي مش هتقدر ترد و إنها واخدة الدوا و نايمة دلوقت
- و بعدين ؟!
ردت ببلاهة قائلة:
- و بعدين إيه ؟
- هالة هو أنتِ بتيجي لحد عندي و تديني كلامك بالقطارة خلصي بعدين إيه اللي حصل ؟!
رد بهدوء قائلة:
- مافيش حاجة قلت له يقولها إني اتصلت عليها و إني هكلمها تاني تكون حالتها اتحسنت بس كدا !
- هتكلميها إمتى ؟!
- مش عارفة بس ممكن بكرا مثلا بليل
رد إبراهيم برجاء و قال:
- طب ما تخليها النهاردا بليل عشان خاطري
نظرت هالة لاناملها و قالت بجدية مصطنعة:
- كان على عيني يا هيما و الله بس مش معايا رصيد
- هاشحن لك
ردت بذات النبرة و قالت:
- السماعة بايظة !
تنهد بقوة و قال من بين أسنانه
- هاجيب لك غيرها
داعبت ياقة قمصيه و قالت بإبتسامة ماكرة
- حلو قمصيك دا
ابتسم لها و قال بكل ما اوتي من هدوء أعصاب
- بقى قميصنا
كادت أن تتحدث لكنه رفع سبابتها و قالت بنبرة محذرة
- قسمًا بالله العلي العظيم لو فتحتي بوقك دا تاني لاسحب كلامي و اتصرف بطريقتي
ختم حديثه مداعبًا خديها قائلًا:
- و شوفي طريقتي و لا طريقتك يا هالة والخسارة اللي هتتعرض لها يا لولو .
ردت هالة بنبرة مغتاظة قائلًا:
- خلاص يا خويا هو الواحد ميعرفش يطلب منك طلبين .
****
في المساء
كانت تجوب الغرفة ذهابًا إيابًا تسرد ما حدث لأخيها في الفترة الماضية، لم تكن تعلم أن ما تفعله سوف يؤثر بالسلب عليه، ظلت تتحدث عن تلك الفتاة التي نصحته بأن يغادر مكتب زميله كي لا يقع في الفخ المنصوب له، و أن تسوء سُمعته المهنية، تأججة نير ان الغيرة داخل ليالي دون أن تشعر، ظنته بأنه له ماضٍ مع الفتيات أشارت هالة بيدها تجاه اخيها و قالت بإبتسامة واسعة و قالت:
- تعال يا هيما بسرعة
وضعت الهاتف في يدهزو قالت بنبرة هامسة
- خد و اتكلم يكش تسمي بنتك على اسمي في الآخر اديني مهدت لك الموضوع
ختمت حديثها قائلة:
- أنا هروح اعمل لك قهوة و متنساش تدعي لي
ما إن ذهبت هالة رفع إبراهيم الهاتف على اذنه و قال بإبتسامة واسعة
- آلو ازيـ.... طب اهدي طب اصبري هافهمك ربنا أنا مش بتاع بنات أنا بس ليالي
نظر للهاتف و قال بنبرة مغتاظة:
- دي قفلت السكة !! منك لله يا هالة
على الجانب الآخر من نفس المكان
كانت هالة تبتسم بين الفنية و الأخرى على أخيها الذي وقع أخيرًا في العشق، ولج و هو لا يرَ أمامه أي شئ، جلس جوارها، نظرت له و قالت بإبتسامة واسعة
- نقول مبروك ؟!
رد عليها و قال بوعيد
- و الله ما هسيبك و رجعي بقى كل اللي خدتيه مني بدل و الله العظيم شغل المحاميين عليكي لتكوني فاكرني أهبل
سألته ببلاهة قائلة:
- يعني مش هتسمي بنتك على اسمي !!
وثبت من مقعدها قبل أن يحصل على رأسها
احتمت بوالدتها و جلست خلفها، رفعت والدته يدها و قالت بضيق
- إنتوا رجعتوا عيال من تاني و لا إيه ؟
- اسالي بنتك
نظرت والدتها لها و قالت بفضول:
- هو في إيه يا هالة ؟!
قلبت هالة شفتها و قالت ببراءة
- معرفش و الله يا ماما مع إني كنت ماشبة في الخير ! صحيح خيرًا تعمل شرًا تلاقي إبراهيم في وشك
أجبرته والدته على الجلوس و قالت بجدية
- مالك و مالها في إيه ؟
- مافيش يا ماما خير ؟ حضرتك عاوزاني ليه ؟!
ردت هالة و قالت:
جايبة لك صور عشان تختار لك منهم عروسة يا هيما
رد أبراهيم و قال بنبرة مغتاظة:
- خليها تخرس مش طايق صوتها
- بس يا هالة
ردت ببراءة و قال بحزن مصطنع
- حاضر يا ماما خرست اهو
تابعت والدته و هي تضع صورة فتاة عشرينة لأحدى الجيران و قالت بإبتسامة واسعة
- دي دنيا بنت عمك مسعد بنت زي الورد و خريجة حقوق زيك و شاطرة في البيت و شغلها يعني مش ها تتعبك
رد إبراهيم و قال بإبتسامة واسعة:
- دنيا مين يا ماما اللي اتجوزها دنيا دي لحد السنة اللي فاتت كانت بتقولي يا عمو هيما اجاي السنة دي و اتجوزها ؟!
ردت هالة بجدية مصطعنة ساخرة منه قائلة:
- اتجوزها و خليها تقلك يا هيما من غير عمو
- قلت لك اخرسي
- حاضر
ردت والدته لتفض النزاع و قالت بنبرة مغتاظة :
- بلاش دنيا إيه في أمنية بنت عمك حسن اهي بقى مافيهاش عيب و قريبة منك في السن و دكتورة قلب و شاطرة
ردت هالة مشاكسة قائلة بخبثٍ
- لا يا ماما بلاش دكاترة أصل إبراهيم مابيحبش الدكاترة و بيقول عليهم دمهم تقيل
رد إبراهيم بنبرة محذرة و هو ينظر لوالدته و قال:
- هاضربها لك خليها تسكت عشان مش طايقها الوقتي و قفلي على سيرة الجواز دي دلوقت و بصراحة مافي واحدة فيهم عجباني
رد ت والدته و قالت بنبرة مغتاظة قائلة:
وبعدين يعني يا هيما دي عاشر عروسة اجيبها لك و تقولي لأ تعبتني يا ابني كل ما اجيب لك عروسة تقولي مش حلوة !!
يعني اكدب يا ماما يعني ماهي فعلا مش حلوة أنا عاوز واحدة حلوة كدا تنسيني كل الحالات اللي بتورد عليا في المكتب
اقولك يا ماما أنا هو عاوز مين ؟
قولي يا هالة
لا متقوليش يا هالة عشان كلامك وحش
اقتربت هالة من إبراهيم و قالت بنبرة هامسة
- هاتديني الچاكت الجديد بتاعك و لا ؟!
- اه بس استري عليا الله يستر عليكي
ردت والدته قائلة:
- ماتقولي يا هالة هيما عاوز مين ؟
ردت هالة بكذب
- مش عارفة بس واحدة كدا شوفنها في المستشفى بس مش فاكرها
سألته والدته بفضول
- طب و أنت مش عاوزني اعرف ليه يا حبيبي هو أنا هاكرها لك الخير ؟
ردت هالة قائلة بسر عة
- لا يا ماما أصلا ليالي بهدلته في التليفون و قالته لو شفت وشك تاني ها بلغ عنك يا بتاع شيري
نظرت هالة لأخيها و قالت:
- متقلقش يا هيما سرك في بير أنا حافظة لكل اسرارك
نظرت والدتها و قالت بتساؤل :
- ليالي مين ؟ قصدك الدكتورة اللي كانت بتابع حالتي في المستشفى ؟!
أومأت هالة رأسها علامة الإيجاب، بينما ردت والدته وقالت بإبتسامة واسعة:
- طب و هي دي بردو حاجة تستخبى اخس عليك يا هيما دي بنت زي السكر مبروك يا حبيبي
- مبروك على يا ماما هي بنتك لما بتحط عينها في حاجة بتعمر اهي خربت و اللي كان كان
ردت والدته و قالت بإبتسامة واسعة
- متقلقش يا حبيبي طالما في تفاهم و الدنيا بينكم كويسة يبقى إن شاء الله خير و إن كان على لولو فهي بتحبك و بتسعى للخير دايما مش معقول يعني هتيجي على اخوها و تمنع الخير دا
ردت هالة ببراءة و قالت بنبرة طفولية:
- اه و الله العظيم
*****
بعد مرور اسبوع كامل
في محاولات عديدة من هالة للصلح بين ليالي و إبراهيم نجحت أخيرًا، و عادت المياه لمجرها الطبيعي، كانت تلك التي جمعتهما هي أفضل صدفة عرفها إبراهيم، قرر أن يذهب إلى أخيها و يطلب منه الزواج بشكلٍ رسمي كخطوة جديدة تضاف لحياته الشخصية، جلس و التوتر يسود قلبه، بينما جلس الدكتور أدهم الشرقاوي العم الأكبر لـ ليالي و أدهم أخيها يتناقش معه في بعض الأمور، انتهَ كل شئ على خير، حتى أتت هالة من المطبخ و قالت بهدوء
- كدا نحدد معاد كتب الكتاب و الفرح
رد أدهم و قال:
- مستعجلين ليه ؟! سيبوا الأمور تاخد مجراها الطبيعي أنا مبحبش الاستعجال
رد العم و قال مؤيدًا:
- أنا كمان رأيي من رأي أدهم و بعدين احنا لسه بنتعرف على بعض ليه الاستعجال ؟!
ابتسم إبراهيم و قال بهدوء:
- مش استعجال و لا حاجة بس هالة أختي و كان نفسها تفرح بيا مش أكتر و بعدين أنا جاهز و الحمد لله يعني أنا بس كان عندي طلب يا ريت ليالي و حضراتكم طبعا توافقوا عليه
سأله أخيها و قال:
- طلب إيه ؟!
رد إبراهيم و قال:
- في الحقيقة أنا أمي و أختي ملهمش غيري فكان طلب مني إنهم يعيشوا معايا بعد الجواز و لـ...
رد العم و قال بنبرة معارضة:
- مستحيل طبعًا بنت اخويا تعيش في نفس الشقة أنتزبتتكلم في إيه ؟!
تابع حديثه بغطراس قائلًا:
- متزعلش مني يا إبراهيم بس اختك اطلقت مرتين بسبب مشاكل بيت العيلة و اللي عرفته إن اختك كانت هي اللي بتخلق المشاكل دي و إن أي مكان بتتواجد في هي بتعمل المشاكل دي فـ احنا اللي لينا شرط و هي لو يعني وافقنا عليك أختك متدخلش بيت بنتنا احنا مش حابين نخرب عليها زي ما بنسمع إن اختك بتدخل البيت بيبقى هادي و بعده يقو م
حر يقة أنا آسف دا شرطي عشان الجوازة تمشي
وقف إبراهيم عن مقعده و قال بنبرة لازتقبل النقاش
- لا تتشرط عليا و لا اتشرط عليك بنتك عندك متلزمنيش اللي يمنع أهلي من دخول بيتي ميلزمنيش لا هو و لا بنته
نظر إبراهيم لأدهم أخيه الذي التزم الصمت طوال هذه الجلسة و قال:
- فرصة سعيدة يا دكتور أدهم و ربنا يوفق الدكتورة مع حد تاني
الفصل التاسع
¤¤¤¤¤¤¤
خرج إبراهيم بعد أن امر أخته بالذهاب دون أن تعقب على حديث عم ليالي، بينما نظر أدهم له و قال بهدوءٍ:
- أنا التزمت الصمت احترامًا لحضرتك لكن اللي حضرتك عملته دا انا مش راضي عنه يا عمي
رد العم و قال بنبرة متغطرسة:
-أنت بتغلطني يا أدهم ؟!
خرجت ليالي من حجرتها و قالت بضيق:
- أدهم مش قصده يا عمي بس بردو حضرتك مكنش ينفع تقول كدا لإبراهيم و أخته وبعديـ...
قاطعها بنبرة حادة و صوتٍ مرتفع
- أنتِ بتقولي إيه ؟ يا بنت ؟! و بعدين مين دا اللي أنتِ بتدافعي عنه دا حتة محامي لا راح و لا جه بص لنفسك و لمركزك شوفي أنتِ مين و عمك يبقى مين ؟!
وقف أدهم عن مقعده ليُنهي الجدال و قال بنبرة
هادئة على النقيض لما يحدث داخله:
- هي ليالي أحمد الشرقاوي بنت أحمد الشرقاوي الموظف البسيط اللي كان شغال في مصلحة الضرايب و أمها الست نوارة الخياطة اللي ضهرها اتقــ ـطم لحد ما علمتنا و بقينا دكاترة
نظر له و قال بإبتسامة واسعة
- عمنا بقى الدكتور أدهم الشرقاوي الدكتور العظيم الرجل العصامي اللي بدأها من الصفر و دلوقت بقى عنده أكبر مستشفى في مصر و اسمه من أكبر و أهم دكاترة مصر
ختم حديثه قائلًا:
-أختي لو هي اللي موافقة على العريس فأنا هعمل دا و أنا راضي و لو قابلة تعيش معاه في أوضة تحت السلم و هي راضية أنا كمان راضي
-أنت بتتحداني يا ولد ؟!
- أنا بعمل اللي يريح أختي أنا لو عشت لها النهاردا مش هاعيش لها بكرا
رفع سبابته و قال بنبرة حادة:
- طب اسمع بقى لما اقل لك لو اختك اتجوزت الولد دا لا أنت ابن اخويا و لا أعرفك
رفع أدهم رأسه بشموخ و هو يضع يده داخل جيبه و قال:
- شرفت يا عمي و ياريت تبقى تشرفنا دايما و طبعًا تبلغنا قبلها
غادر العم منزل ابناء أخيه و الشر يتطاير من عيناه
ماذا يفعل ليكـ ـسر أنف أدهم فهو من المتمردين عليه من وجهة نظره يحاول بشتى الطرق كسبه في صقه و لكن الأخير لا يريد ذلك و يعي جيذًا ما يريده العم .
نظرت ليالي لأخيها و قالت بضيقٍ:
- مكنش ينفع تطرد عمك يا أدهم هو مكنش قصده حاجة
رد أدهم و قال بغضبٍ مكتوم
- أنتِ مستوعبة كويس أنتِ بتقولي إيه ؟! و لا بتحاولي تجملي اللي حصل عمك لا هو عاوز يحافظ على جوازتك دي زي ما بيقول و لا هو فعلًا العم الحنون اللي بيخاف على مصلحة ولاد أخوه دا واحد أناني مش عاوزنا نخرج من تحت طوعه و نفضل طول عمره تحت جناحه عشان كدا بيطفش في عريسك بحجة أخته و جوازاتها اللي مبتكملش
ردت ليالي و قالت بنبرة حزينة قائلة:
- طب و هتعمل إيه دلوقت ؟
- في إيه ؟!
- في عمك ؟!
- و لا أي حاجة و اعملي حسابك محدش فينا رايح المستشفى تاني و لا هنشتغل تاني هناك
- عشان كدا كنت مصمم تعمل شغل خاص بيك
- طبعًا
جلست على المقعد و قالت بنبرة مختنقة:
- طب و إبراهيم ؟
نظر لها أدهم و قال بتساؤل:
- بتقولي حاجة يا لولو ؟!
ردت ليالي نافية:
- لا
تابعت بإحباط و هي تقف عن مقعدها و قالت:
- أنا هقوم ارتاح شوية أنا تعبانة
غادرت الردهة قبل أن يسألها سؤالًا آخر، لكن تملك منها اليائس و الإحباط، نظرات الشفقة و العطف كانتا تشعان من أعين أدهم، ود لو يستطع مساعدتها لكنه يريد أن تنعم أخته بالراحة بدلًا من الشقاء بعيدًا عن تلك الهالة.
******
أسبوعًا كامل مر على الجميع لم يحدث فيه شيئًا جديدًا سوى نجاح إبراهيم المستمر و إلحاقه بالنيابة العامة، كان يسعى لهذا المنصب منذ أشهر و لم يخبر أحد ظنًا منه بأنه لن يناله الوحيد التي كانت تعرف هي هالة، قررت أن تقف بجانبه كما فعل معها بالسابق، رفضه المستمر جعلها تخطط في أكثر من طريق حتى يحصل على ليالي .
توقفت أمام العيادة الخاصة بشقيق الأخيرة ترددت في بادئ الأمر خوفًا من هذه الخطوة لكنها قررت أن تُكمل ما بدأته، طرقات خفيفة ثم ولجت بعدها
جلست على المقعد المقابل لمكتبه، كاد أن يتحدث لكنها ردت بهدوءٍ مصطنع
- أنا دفعت حق الكشف و جيت لك النهاردا مخصوص بعد ما فشلت اوصلك عن طريق تليفوناتك و أي حاجة ممكن تخليني أعرف اوصل لحضرتك
التزم الصمت حين تابعت حديثها قائلة بتوتر
- أنا عارفة إن اللي هاحكي مايخصش حد غيري بس أنا بحاول أسعد إبراهيم زي ما هو دايمًا بيعمل معايا فـ ارجوك اسمعني
اتفضلي سمعك
كانت جملته بمثابة الثلج الذي هبط على تلك
النير ان المتأججة داخلها، ناهيك عن إبتسامته الخفيفة التي زادت من توترها و هي تقول:
- طبعًا الكل عارف إني اتجوزت مرتين و لكن اللي محدش يعرفه إني في النرتين مظلومة، سيبك من الكلام اللي اتقال لأن الكدب مافيش أسهل منه ربنا قادر يجيب لي حقي و هو سامع و مطلع على كل أذى اتأذيته من اللي اتجوزتهم
نظرت له و قالت بنبرة مختقة
- ربنا مكتبش إني اخلف منهم و عرفت في المستقبل حكمة ربنا سبحانه و تعالى، و راضية و الحمد لله بس لأن صوابعك مش زي بعضها ربنا وقعني في واحد حبه ليا اتحول لكره معرفش ازاي
بعد ما انفصلت عنه اتكلم عليا بالسوء و بحاجات مليش علاقة بيها من الأساس
تنهدت بعمق و هي تختم حديثها بإبتسامة مريرة
- عم حضرتك كان الدكتور اللي أخدني عنده طليقي محمود و محمود دا حاليًا بيتابع معاه حمل مراته الجديدة و طبعًا مش محتاجة احكي لك إيه هو شغل الضراير
نظرت له و قالت برجاء
- و الله العظيم لا أنا و لا أمي موافين إننا نعيش مع إبراهيم أصلًا و اتفاجئنا زينا زيكم بالظبط وافق عليه و إن كان عليا احلف لك على مصحف ما هدخل بيت اخويا لحد ما اموت كفاية عليا أشوفه مبسوط مع الإنسانة اللي اختارها قلبه
لحظات من الصمت التام كانت تسود المكان، تنفس بعمق و قال بهدوء:
- أنا طبعًا مش حابب دي تكون علاقتكم بـ اخوكي الوحيد و لا أنا ارضها على أختي و لكن أنا آسف بس أخوكي تخلى عن أختي و مفكرش حتى في حل وسط يرضي جميع الأطراف تفتكري دا أنا هأمن على أختي معاه؟!
- اخويا عمل كدا عشان بيحبنا و من كتر حبه فينا مفكرش غير بالشكل دا صحيح تصرفه غلط بس هو بردو معذور هو مش ذنبه إن بيحبه أهله أكتر من نفسه
رد أدهم و قال بهدوء شديد
- و لا ذنب أختي تاخد واحد مبيحاولش يعمل عشانها الممكن !!
ختم حديثه قائلًا بعتذار و هو يقف من خلف مكتبه و قال :
- شرفتيني يا مدام هالة كان نفسي اساعدك بس للأسف طلبك مش عندي !
وقفت عن مقعدها و هي تتابعه بعيناها و هو يتجه نحو باب الحجرة و قالت:
- لو بتحب أختك سيب لها هي القرار دي حياتها هي
هتف أدهم لمساعدته الجالسة بالردهة، أتت على الفور و قالت بأدبٍ
- نعم يا دكتور ؟
- رجعي للمدام تمن الكشف
- حاضر، ثواني
- أرجوك فكر
رد أدهم و قال بعتذار
- أنا آسف بس حقيقي أخوكي مسبليش أي شئ افكر في دا حتى مفكر يجي لي نتفق بعيد عن عمي !!
أتت المساعدة ووضعت النقود بين أدهم ثم غادرت المكان نظر أدهم لها و قال:
- نورتي العيادة و ياريت متعمليش الحركة دي تاني طالما مش في ايدي اساعدك
نظرت هالة له و قالت بيأس
- كنت فاهمة إنك هتسعد أختك اللي بتحبها زي ما بتقول لكن للأسف طلعت أناني و حابب تخليها جنبك
كادت أن تغادر المكان لكنها عادت و قالت:
- اه أختك بتحب إبراهيم و مش هتتجوز غيره و طول ما أنت مش موافق عليه هي هتفضل جنبك
و بالنسبة لتمن الكشف أنا خدت من وقتك و دا تمنه متشكرة مرة تانية .
********
في منزل إبراهيم
كانت هالة ترص الصحون الفارغة على المائدة بينما كانت والدتها تعد وجبة الغداء، ولجت هالة المطبخ و قالت بنبرة مغتاظة:
- و ابنك بقى بايخ اوي كل ما اقوله تعال نتمشى يقولي تعبان يا هالة مخنوق سبيني لوحدي دلوقتي
ردت والدتها بنبرة متعاطفة مع ولدها و قالت
- لي حق يا حبيبي ملحقش يفرح
رفعت رأسها لأعلى و قالت:
- ادعي عليك بإيه يا محمود و أنت فيك كل العبر
- لا تدعي عليه و لا على غيره ربنا يبعدهم عننا و خلاص
- هو لسه بيضايقك بردو ؟!
- وطي صوتك هيما يسمعنا، دا مش راضي يسبني في حالي خصوصًا بعد فركشة خطوبة هيما
- طب روحي نادي اخوكي و قولي يلا الغدا جاهز
- حاضر
داخل غرفة إبراهيم
كانت تراسله و لم يرد على رسائلها، لم تتركه منذ ذاك اليوم، كان يجلس القرفصاء مسند بذقنه على ركبته، ولجت و جلست بجانبه، لم يشعر بها حتى قالت له
- ياااه دا أنت في آخر الدنيا يا هيما ؟!
- في إيه يا هالة ؟
- أبدًا مافيش كنت بقول لو ينفع يعني نتمشى شوية أنا و أنت بعد الغدا أكون شاكرة ليك بجد
- معلش يا هالة تعبانة و مش قادر و كمان عندي شغل بكرا بدري
- كدا يا هيما ماشي شكرًا، من يوم ما بقيت وكيل نيابة و أنت لا بتخرجني و لا بتفسحني و كأنا بتتكسف تمشي جنبي !!
نظر لها و قال بضيق
- إيه الهبل اللي بتقول دا أكيد طبعًا مش كدا بس أنتِ عارفة إني بقى عندي مسؤليات أكبر و شغل أكبر
ردت هالة بإصرار قائلة:
- طب لو زي صحيح ما بتقول تعال نتمشى النهاردا بعد الغدا
- خليها بكرا
- مش هاينفع
- ليه ؟!
- عشان عندي شغل كتير و هبقى مشغولة جامد اوي
كرر جملتها محاولًا تقليدها قائلًا:
- جامد اوي
تابع بجدية و قال:
- حاضر يا ستي بعد الغدا ابقى اخدك و نتمشى
شوية
******
في المساء
كانت تشير بيدها تجاه إحدى اللوحات و قالت برجاء
- أنا نفسي أشوف الفيلم دا تعال نتفرج عليه
- يااه يا هالة فيلم يعني تلت ساعات و أنا هلكان و عاوز أنام بجد
- لو معجبنيش همشي مش مهم نكمل عشان خاطري دا رومانسي و صدقني هايعجبك تعال بس
ما فعلته و ما سوف تفعله من المؤكد لن يمر على عقله كـ محامٍ سابق يعرف ببواطن الأمور و تلك التمهيدات جيدًا، لن ينكر بداخله أنه كان يتوق شوقًا لرؤيتها لا يعرف أن يبقى أم لا و لكن قلبه أمره بالبقاء، جلس و تظاهر بالجمود و هو يشاهد احداث الفيلم، نظرت ليالي له و قالت:
- فعلا الحب موجود بس في الافلام إنما الحقيقة كله كلام في كلام
تجاهل حديثها بينما هي اغتاظت منه فقررت أن تسأله بنبرة مغتاظة
- جيت ليه لما أنت تتقمس دور الكومبارس !!
- و الله أنا لو أعرف الحركات العيالي دي ما كنت جيت
تابع بنبرة ناعمة
- بس اقل لك على حاجة ؟ دي احلى حاجة عملتها هالة كان نفسي اشوفك بجد
ردت ليالي و قالت بنبرة معاتبة
- ما هو واضح بأمارة اللي حصل
- اللي حصل غصب عني أهلك عاوزني ارمي أهلي وهما ملهمش غيري تفتكري رد أي حد عاقل كان هيبقى إيه ؟!
ردت ليالي قائلة:
- كان هايبقى حل وسط يرضي جميع الأطراف و يأكد إنك عاوزني مش من أول ما حطوا شروطهم تقولهم بنتكم مش عاوزها !!
ابتسم و قال بإعتذار
- في دي عندك حقك، حقك عليا
- بعد إيه يا بيه ما خلاص شكلك بقى زي الزفت قصادهم و فاهمين إنك مش شاريني
- دا أنا ابيع الدنيا كلها و اشتريكي
- دا كلام متأسفة مش هصدقه أنا عاوزة فعل
إيه الفيلم بدء من بدري فاتني كتير ؟
أردفت هالة عبارتها المتسائلة، و بين يدها الذرة المقرمشة جلست بينهما ثم نظرت لهما و قالت بفضول:
- إيه مالكم؟ ساكتين ليه ؟! هو أنا جيت في وقت مش مناسب ؟!
رد إبراهيم و قال بنبرة مغتاظة
- تقريبًا !
*******
بعد مرور يومين
كانت ليالي جالسة المقعد تتناول وجبة الغداء مع أخيها و بداخبها تردد شديد في أن تتحدث معه و تُمهد لحبيبها من جديد، لاحظ هذا التردد أدهم لكنه تجاهله تمامًا، تنهدت بعمق قبل أن تتحدث بهدوء:
- إبراهيم عاوز يجي يتقدم يا أدهم
رد أدهم و قال بهدوء
- و بعدين ؟!
- هو إيه اللي و بعدين ؟ و لا قبلين إبراهيم حاسس إنه اتسرع في رده و عاوز يجي يتقدم من تاني
- و يا ترى لسه مصمم على نفس طلبه و لا غيره ؟!
- ادهم اعتقد إنك أنت و إبراهيم نفس الشئ و إن لو حطيت نفسك مكانه هتلاقي تصرفك نفس تصرفه تنكر دا ؟
- طبعًا لأ بس أنا على الأقل مش جبان عشان اسيب الإنسانة اللي بحبها و اقول لأهلها مش عاوزها !!
ردت ليالي و قالت:
- إبراهيم خانه التعبير يا أدهم و أظن هو مش قصده المعنى الحرفي للكلمة فبلاش نعلق الشماعة بتاعت الغد ر و الجُبن و الكلام اللي ملوش لازمة دا
عاد أدهم بجسده للخلف و قال بهدوء
-ليالي أنتِ عاوزة إيه بالظبط؟
ردت ليالي بنبرة مختنقة:
- عاوزك تدي له فرصه تانية و تكون راضي عن جوازي
التزم الصمت بينما هي كانت تناجي ربها بأن يمر الأمر على خير، تنهد بعمق و قال:
- خلي يجي يوم الخميس الساعة خمسة
تابع بجدية مصطنعة قائلًا:
- ولو اتأخر دقيقة واحدة مش هحدد مواعيد تانية أنا حذرتك اهو
وثبت ليالي عن مقعدها و قالت بسعادة غامرة
- ربنا يخليك ليا يا أحلى دومي في الدنيا كلها
كانت تغمره بقبلاتها السريعة و المتتالية، بينما كان هو يحاول التملص من عناقها الشديد له
هرعت نحو حجرتها لتخبر إبراهيم، ظل ينظر لمكانها و الإبتسامة لا تفارق شفتاه، فاق على صوت رنين هاتفه وجده صديقه يخبره بموعد السفر الذي حدده ليتسلم وظيفته الجديدة بالمانيا انهى حديثه معه و على أن يمد له المُهلة أسبوعًا فقط لا غير حتى يستطيع انهاء كل شئ.
********
في مساء يوم الخميس
كانت ليالي تقرأ الفاتحة و هي جالسة بجوار إبراهيم الفرحة التي تجتاح قلبها لا تقدر بثمن
و أخيرًا مر اليوم بسلام و انتهت المراسم على خير وافق أدهم على مضض بأن الخطبة ستة أشهر كحد أدنى، بينما كان إبراهيم يشعر بطول المدة، و بسن هذا و ذاك ربحت كفة أدهم و تمت الموافقة النهائية، أتى موعد السفر و ليالي لا تكف عن البكاء، رغم فرحتها لأخيها بهذا العمل الجديد إلا أن هذه المرة تعتبر الأولى في ابتعادهم عن بعضهما البعض
وعدها بأن عودته قريبة ليتمم زواجها من إبراهيم.
خلال الستة الأشهر لم تشعر بأنها بمفردها كانت هالة شبه مُقيمة معها في المنزل، على الرغم من ترقيتها في عملها الجديد و الذي يتوجب عليها أن تثبت جدارتها إلا إنها لم تتخلى عن أخيه في أدق تفاصيل حياته و مساعدته في كل شئ يخص المفروشات و الأثاث، لم يتركها محمود ان تنعم بحياتها قرر أن تعود له أو لا تبقى على قيد الحياة هددها كثيرًا مرارًا و تكرارًا، لكنها لم تلتفت لمثل هذه التهدايدت، حتى سئمت ليالي من اللامبالاة التي تتعامل بها مع ذاك البغيض، نظرت لها و قالت بنبرة حادة
- هالة أنتِ ليه ساكتة على اللي محمود بيعملوا بلغي عنه كفاية بهدلة فيكي لحد كدا أنتِ خايفة منه ؟
- أنا خايفة على اخويا منه خايفة إبراهيم يخسر كل حاجة بيسعى ليها بقاله شهور بسبب واحد زيه و بعدين هو هيعمل إيه يعني دا بيحبني و مستحيل يأذيني هو بس عشان مش عارف يرجع لي بيقول كلام و خلاص
كلمات طمئنت بها قلبها قبل ليالي، لا تعرف إن كان سيفعل هذا بالفعل أم لا، غادرت عيادة تلك الأخيرة و في طريقها للعودة إلى المنزل
استوقفها محمود محاولًا تخوفيها لكنها كانت صارمة معه حاول جذبها من ذراعها فقامت بصفعه و بدأت تتشاجر معه، حتى أخرج من جيب سترته زجاجة من مادة كميائية تشوه الجلد في ثوانٍ معدودة كاد أن يوجه فوهة الزجاجة في وجهها و بحركة عفوية منها انقلب تجاهُ هو ابتعاد و صرخاتها تدوي المكان بالتزامن مع صرخاته هرع أحد الواقفين تجاه منزلها ليخبر أخيها، طرقات على الباب الخشبي قام بفتحه هتف الشاب بسرعة
- الحق اختك هالة يا هيما محمود رمى عليها مية نا ر و شوه لها وشها عند البيت المهجور
دقائق أم ثوانٍ لا يعرف إبراهيم بالتحديد كم الوقت الذي اتخذه حتى يصل إلى هناك حافي القدمين وقف مقابلتها محاولًا فهم ماحدث نظرت له بأعين دامعة و الخوف يدب في اوصالها بينما قال هو بذعر:
- مالك في إيه؟! ردي عليا ؟!
بعد مرور عدة ساعات
تم نقل محمود إلى المشفى و القبض على هالة بعد اتهامه لها بشكلٍ مباشر، بدأت التحقيقات تأخذ مجراها، انقلب السحر علي الساحر و فقد هو جزءً من وجهه بسبب تلك المادة التي أذبته، بينما هي حتى الآن لم تستوعب أنها كانت ستفقد وجهها أو بصرها
بسبب ذاك المحمود .
علم أدهم ما حدث ثورة من الغضب انتابته و هو يخبر أخته بعصبية شديدة قائلًا:
- مش قلت لك الناس دي بتاعت مشاكل !! اخته ماشية بماية نا ر هتعمل معاكي إيه
افهمك إيه بس يا ليالي يا ليالي أنا قلبي مش مطمن من ناحية الناس دي ارجوكي افسخي الخطوبة يعني إيه مش هاتفسخي ؟! لأول و لآخر مرة بقولك الناس دي ملكيش علاقة بيهم أنا نازل مصر و أنا بنفسي اللي هاقول لأبراهيم مش عاوزينك و مش بس كدا كمان هتيجي معايا المانيا سلام .
بعد مرور أسبوع
كان أدهم جالسًا في غرفة الضيوف الخاصة بمنزل إبراهيم، وضع علبة المصوغات و الهدايا ثم قال بعتذار:
- ربنا يوفقك يا إبراهيم مع حد تاني
- هي ليالي اللي قالت لك كدا ؟
- أنا اخوها الكبير و أنا أدرى بمصلحتها
- معلش يا أدهم بس أيه سبب فسخ الخطوبة؟!
- أنا آسف بس كلامي مش هايعجبك و أنت عارف كدا كويس أختك هالة شكلها بتاعت مشاكل و أنا خايفة على اختي من المشاكل
لقد تعلم إبراهيم الدرس جيدًا فقرر أن يتحلى بالصبر حين قال:
- بس أختي النيابة برئتها و سجنت محمود
- أنا آسف لتاني مرة بس أنهي نيابه دي النيابه اللي أنت واحد منهم فطبيعي يجاملولك
- يجاملوني !! أنت فاهم أنت بتقول أيه؟!
- أستاذ إبراهيم من فضلك كفاية لحد و اسمحي لي امشي
رد إبراهيم قائلًا بعصبية
- لا مش هاسيبك تمشي و هاسيبك تفهم كلام عني و عن أهلي غلط و محصلش خليني إن النيابه جاملتني زي ما بتقول كمان الشهود و الكاميرات اللي في الشارع بتجامل مشكلتك إيه مش فاهم ليه كل حاجة تحصل تقول اختي !! مع إنها اطيب خلق الله و دايما في حالها ليه حكمك المتسرع دا
وقف أدهم و قال بعتذار:
-أنا آسف يا إبراهيم تفهم خوفي و قلقي على أختي
رد إبراهيم و قال بعصبية
- لا مش متفهم عشان اختي كانت شبه مقيمة مع اختك مفكرتش ليه تأذيها ؟! إيه العجرفة اللي في كلامك دي و إيه الاسلوب دا يا اخي دا احنا كلنا عباد الله .
غادر أدهم منزل إبراهيم أسفل ناظريها، لا تعرف مالذي تفعل حتى تحسن صورتها في نظره لأجل أخيها، بينما كان إبراهيم يهشم كل ما طالته يده
بعد مرور أسبوعًا كامل
كانت هالة في حفل زفاف صديقتها المقربة تقف وسط الجمع تصفق كما يفعل المدعوين
تدندن و هي تقترب من صديقتها، راقت للمصور فبدأ يسلط الضوء عليها، حتى لاحظ شقيق العريس فسأله بجانب أذنه
- تقرب لكم دي ؟
-دي صاحبة العروسة و لم نفسك بقى عشان اخوها وكيل نيابة و هي دكتورة في إدارة الأعمال يعني حاجة على مستوى عالي
نظر له المصور و قال و هو يقطم التفاح
- و إيه يعني ما احنا كمان عالين و عندنا رُتب و ناس عالية عالية يعني
تابع بغمزة من عينه قائلًا:
- ما تشوفلنا أخبارها إيه كدا يمكن تفرح بيا قريب
أشار بسبابته و قال:
- مش هتناسبك، دي كانت متجوزة مرتين و اطلقت و تقريبًا مبتخلفش
رد المصور وقال
- يا خسارة الحلو مبيكملش
******
عارف لو خسرت صاحبتي بسبب صاحبك اللي كل يوم و التاني يكسفنا مع العرايس دا هعمل فيك إيه أنت و هو يا خالد ؟
قالت عبارتها شهد و هي تقف أمام الموقد تعد قدحان من القهوة بينما داعب خالد خديها و قال بنبرة خافتة:
- و لا تقلق يا جميل أنا قلت له إن العروسة دي آخر عروسة هاجيبها لك عشان دي تبع مراتي و مراتي هتر ميني قبلك بسبب صاحبتها
- ايوة طبعًا
كاد أن يذهب ليفتح باب الشقة لكنها استوقفته قائلة بهمس
- خلي أدهم هو اللي يفتح لها يا بيبي خليك ناصح
- ايوة صح معلش أصل نسيت وقعتيني في حبك ازاي
- خااالد !!
- أنا آسف كملي المفروض يحصل إيه دلوقت ؟
ردت بحماس قائلة:
- هالة هتدخل هتتفاجئ بأدهم هتسأله إن كانت غلطت في الشقة و لا إيه هو بقى هايقول لأ دي شقة صاحبتك فتدخل يتكلموا
رد خالد و قال بنبرة ساخرة
- حيلك حيلك يا حبيتي دا أدهم صاحبي و أنا عارفه دا لولا كنت صاحبه من أيام الكدية كنت قلت عليه اخرس يعني اللي حصل معانا مستحيل يحصل بـ....
عقدما بين حاجيبه و قال
- هو صوت الخناقة اللي شغالة برا دا في شقتنا و لا الجيران صوتهم عالي لدرجة وصلت لهنا !!!
ردت شهد بعصبية قائلة
- تلاقي قليل الذوق صاحبك هو أنا تايهة عنه !!
خرجا الأثنان لمعرفة ماحدث وجدت شهد هالة واقفة مقابلة أدهم تتشاجر معه و تتحدث بعصبية
- أنا اخويا الف واحدة تتمناه و ابقى روح اتعالج يا معقد يا ضيق الأفق
تابعت بهدوء قائلة
- بس لو وافقت إنهم يرجعوا لبعض أكون شاكرة ليك جدًا و الله
الفصل العاشر
¤¤¤¤¤¤¤
عقد خالد ما بين حاجيبه و قال:
- هو صوت الخناقة اللي شغالة برا دا في شقتنا و لا الجيران صوتهم عالي لدرجة وصلت لهنا !!!
ردت شهد بعصبية قائلة
- تلاقي قليل الذوق صاحبك هو أنا تايهة عنه !!
خرجا الأثنان لمعرفة ماحدث وجدت شهد هالة واقفة مقابلة أدهم تتشاجر معه و تتحدث بعصبية
- أنا اخويا الف واحدة تتمناه و ابقى روح اتعالج يا معقد يا ضيق الأفق
تابعت بهدوء قائلة
- بس لو وافقت إنهم يرجعوا لبعض أكون شاكرة ليك جدًا و الله
وقف خالد وسط الردهة محاولًا فهم ما حدث ابتسم بتوتر ملحوظ و هو يجلس صديقه قائلًا:
- اهدأ يا أدهم إيه اللي حصل لكل الزعيق دا ؟
رد أدهم بنبرة حادة تملؤها الغيظ من تلك الماثلة أمامه بشموخ و كأنها لم تفعل شيئًا، بعد مرور عدة دقائق استطاع العروسان تهدأت الأجواء نوعًا ما
مازال ادهم يهز ساق كنوعًا من العصبية المفرطة
بينما كانت هي تحدجه بنظراتٍ حادة يتطاير منها الغضب و الشر، تنحنح خالد و هو يقول بهدوءٍ
- ما تصلوا على النبي يا جماعة كدا في إيه ؟!
ردد الجميع في آنٍ واحد بخفوت
- عليه أفضل الصلاة و السلام .
سألتها صديقتها قائلة بتوجس
- مالك يا لولو مضايق ليه هو دكتور أدهم زعلك دا حتى دكتور أدهم راجل ذوق
لكزها زوجها في كتفها لتحسن تعبيراتها، تأواهت بحفوت وهي تنظر لصديقتها التي تبرر سبب عصبيتها قائلة:
- مافيش يا ستي كل دا عشان بقل له إنه متحكم في اخته و كل يوم و التاني يفرق بينها و بين اخويا الغلبان
وجه أدهم سبابته تجاهها و قال بنبرة حادة:
- الشئ دا ما يتكلمش خالص أنا لما بسمع صوتها بتعصب
وقفت هالة عن مقعدها بهرجلة و هي تقف أمامه آمرة إياه بالإعتذار و سحب إهانتها قائلة:
- لو سمحت اسحب إهانتك دي أنا مقبلهاش نهائيًا و لازم تعتذر ثم أنا ليا يا أستاذ
ابتسم أدهم إبتسامة سمجة و هو يقول بهدوء حد الإستفزاز مصححًا:
- دكتور أنا دكتور مش استاذ يا هالة
ردت بنظرات تحدٍ و كبرياء قائلة بنرة لا تقل عن نبرته :
- الدكتورة هالة دكتواره في إدارة الأعمال و الحاصلة على المركز العاشر في أكتر ميت مؤثر على مستوى مصر
رد خالد بعقلانية و قال:
- يا جماعة مش كدا في إيه ؟! المفروض إنكم كبار و عاقلين مالكم بس !!
تابع حديثه و هو يدفعه برفق على المقعد، هوى أدهم بجسده على المقعد، و نظراته لا تبرح تلك الماثلة بشموخ و عناد لا يعرف حتى الآن من أين أتت به، بدأت الاوضاع تهدأ شيئًا فيشئا ما إن سردت هالة ما يحدث لأخيها و كم الحروب الذي خاضها ليفوز بقلب شقيقة أدهم، و من الجهة الأخرى من نفس المكان كان أدهم يعارضها بين الفنية و الأخرى، وصلا العروسان خالد و شهد أخيرًا إلى حلًا يرضى جميع الأطراف ووافق عليه أدهم قائلًا بنبرة صارمة:
- أنا موافق بس بشرط الدكتورة دي متتدخلش في أي تخص أختي و لا تدخل لها بيت و من هنا لحد ما جوازة اخوها تتم يفضل تبعد تمامًا عن أي تفاصيل تخصهم أنا اخاف على اختي و.. ..
وثبت هالة عن مقعدها و قالت بنبرة مختنقة إثر البكاء الذي منعته بأعجوبة حين قالت:
- متقلقش يا دكتور أنا مستحيل ادمر بيت اتنين بيحبوا بعض واحد منهم اخويا و التانية صاحبتي
التقطت حقيبتها بعنف ثم غادرت المكان، نظر خالد لصديقه و قال بعتاب:
- ليه كدا يا أدهم اما ملكش حق بجد ملقتش إلا هالة طب دي أطيب خلق الله و الله
رد أدهم بعصبية و قال بتوتر:
- أنا عارف بقى يا خالد أنا قلقان من كتر الكلام اللي بيتقال عنها
ردت شهد و قالت بجدية قائلة:
- كان اقول معاك حق في كلام و اعذرك لو أنا معرفش هالة بس هالة دي صديقة الطفولة و اتربينا مع بعض، متصدقش يا أدهم أي حاجة تتقال شوف بعينك و احكم بنفسك
رد أدهم و قال بضيق:
- ايوة بس ازاي كل اللي اتجوزتهم مش حلوين فيها و هي اللي ملاك معلش مع احترامي ليكي بس الموضوع في حاجة غلط
ردت شهد قائلة بهدوء:
- لا غلط و لا صح الموضوع و مافي إن هالة اتجوزت اتنين ابن عمها كانت بيحبها و بيحب نفسه اختار نفسه و خسر هالة بس لما طلبت منه يبعد عنه عشان مستحيل ترجع له تقبل كدا جدًا التاني لا التاني قالها ياتكوني ليا يا متكونيش لحد أبدًا و بدأ بقى شغل قلة الادب و رمي البلا و مرضتش تقول لأخوها عشان ما يضرش مركزه
رد خالد و قال بهدوء:
- من الآخر كدا يا أدهم صوابعك مش زي بعضها زي ما جه اللي احترمها جه بردو اللي بهدلها من الآخر هي اللي ظلمت نفسها بنفسها
ختم حديثه قائلًا:
-و متزعلش مني يا أدهم مافيش راجل في الدنيا هايقبل إن راجل غريب يقوله تدخل مين بيتك ومين لا، لا و مين الناس دي أهله اللي هي أمه و أخته طب بالذمة تأمن على أختك معاه ازاي بعد كدا ؟! دا أنت المفروض تقلق يا دكتور يا مُتعلم يا فاهم بس أقول إيه دبش في كل تصرفاتك و كلامك و الله .
وقف أدهم عن مقعده متأففًا من عتاب صديقه و الذي على ما يبدو أنه لن يتركه الليلة حتى يهدر بصوته متأسفًا لتلك الهالة
غادر المكامن بخطواته الواسعة و السريعة قبل أن يفصل رأسه عن جسده، توقف أمام المصعد الكهربائي في انتظاره، حاول خالد أن يعتذر له عن ما بدر منه لكنه رد بهدوء و قال:
- مش زعلان والله يا خالد أنا مضايق بس على العموم ليك زيارة تانية غير دي، دي مش محسوبة سلام
غادر قبل أن يسمع رد صديقه، خرج من المصعد متجهًا نحو سيارته وجدها تستند على عليها و هي تكفكف دموعها بظهر يدها
تردد في بادئ الأمر أن يقترب منها لكنه حسم تردده بخطواته الهادئة تجاهها وقف و قال بجدية و هو يضع يده في جيب سرواله
- اتفضلي اوصلك
عقدت ساعديها أمام صدرها و لم ترد عليه كرر عرضه لكن رأسها تحولت لحجرٍ صوان لا يلين
جلس على حافة السيارة و قال بتساؤل
- طب أنتِ واقفة ليه هنا ؟
ردت هالة بنبرة مغتاظة قائلة:
- و أنت مالك يا بارد إيه التطفل دا !! أنا مش سيبتلك المكان كله و مشيت جاي ليه ورايا بقى يا بارد ؟ !!
رد أدهم و قال بغضبٍ مكتوم و هو يوصد عيناه بقوةً:
- يا صبر أيوب أنتِ ليه لسانك طويل كدا ؟!
تابع بنفس النبرة وقال:
- ثم اللي ركنة عليها دي أصلًا عربيتي
نظرت هالة للسيارة ثم عادت ببصرها له و قالت:
- بقى العربية دي بتاعتك أنت ؟! مع إن شكلك يقول شحاتها
وقف أدهم و هو يشير بسبابته و قال بنبرة مغتاظة:
- تصدقي أنا غلطان إن واقف معاكي بتكلم
مع واحدة زيك
اتجه نحو باب سيارته و استقل و هو يتمتم بكلماتٍ غير مفهومة يسبها، كاد أن يغادر لكنه اطل براسه عبر النافذة و قال :
- ها تيجي اوصلك و لا هتفضلي مستنية التاكسي اللي طلبيتي و مش راضي يعبرك ؟!
رفعت ذقنها بشموخ و قالت بعناد:
- لا
رد أدهم بنبرة مغتاظة:
- احسن وفرتي و الله
سارت بخطواتها الواثقة بعيدًا عنه، نظرت للجرو الذي يقترب منها قام بتحذيره و الرعب يدب في اوصالها قائلة:
- امشي امشي
سارت بخطوات اشبه بالركض محاولة الفرار منه و قبل أن تطأ خطوة أخرى وجدت مجموعة كبيرة تفوق جسد ذاك الجرو الذي تركته عادت للوراء بخطوات متعثرة، نظر لها و جدها تقترب منه طرقت على زجاج السيارة و قالت:
- أستاذ ادهم أنا قبلت عرضك خلاص
رد أدهم و قال بإبتسامة سمجة مصححًا اللقب :
- الدكتور ادهم
- طب يا دكتور أدهم وصلني من فضلك
أشار أدهم بيده تجاه الباب المجاور لبابه و قال:
- اتفضلي
الفصل الحادي عشر
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
استقلت سيارته بعد أن شكرته على معروفه معها
لم تنبث ببنت شفه، و هو كذلك فجأة و بدون سابق إنذار توقفت سيارته و قال:
- العربية شكلها عطلت
نظر لها و قال بإبتسامة سمجة
- بركاتك
لم تعقب على إهانته و التزمت الصمت بينما رد هو معتذرًا و قال:
- أنا آسف مكنتش اقصد
تقبلت اعتذاره و هي تشبح بوجهها تجاه النافذة
بينما هو ترجل محاولًا اصلاح السيارة، مرت دقيقة تلو الأخرى حتى مرت عشر دقائق كاملة
و هو لا يعرف مالذي حدث في هذه السيارة تنهدت بعمق ثم أطلت برأسها عبر النافذة و قالت بتساؤل:
- ها عرفت العطل فين ؟!
حرك أدهم رأسه يمسنًا و يسارًا بأسف ثم قال:
- للأسف لا بحاول اصلحها مش عارف
فتحت باب السيارة و تر جلت منها متجهة نحوه
و قفت بجواره و قالت بيأس :
- طب و العمل ؟!
نظر أدهم حوله محاولًا اكتشاف المكان أو العثور علي أي شخص يساعده، عاد ببصره لساعة معصمه و قال:
- الوقت اتأخر أنا بقول أشوف لك تاكسي و أنا ها تصرف عشان وقفتك هما مش أمان
ردت هالة بنبرة ساخرة و قالت:
- بقى خايف عليا افضل هنا لكن مش خايف اروح لوحدي ؟!
- طب ها تعملي إيه يعني هتفضلي هنا و أهلك يقلقوا عليكي ؟
- لا طبعا، أنا ها كلم هيما اخويا و هو يجي ياخدني
رد أدهم مؤيدًا و قال:
- احسن بردو اعملي كدا
تابع بجدية و قال :
- بس روحي اقعدي في العربية أفضل
عملت هالة بنصيحة أدهم ، جلست في سيارته و هي تهاتف أخيها و تخبره بكل شئ، ما هي إلا دقائق و اغلقت الهاتفه، ترجلت من السيارة و أخبرته بهدوئها المعتاد:
- إبراهيم جاي في السكة متقلقش و ها يجيب معاه مكانيكي يشوف عربيتك
- شكرًا
ردت هالة و قالت بعفوية:
- العفو ما هو احنا ناس بتفهم في الأصول بردو
ابتسم لها و قال:
- طب يا ستي كتر خيركم و الله
دام الصمت للحظات قبل أن يتنحنح و يقول بفضول داخلي :
- هو ليه محمو كان بيحاول يأذيكي ؟!
شردت في اللاشئ و قالت بنبرة ساخرة:
- عشان بيحبني !
- بيحبك !! و هو اللي بيحب بيأذي ؟!
- اه
اعتدل أدهم في وقفته و هو ينظر بعينه المليئة بالفضول في خاصتها قائلًا:
- جديدة دي !
ردت هالة باسمة و قالت:
- لا مش جديدة و لا حاجة هو مش بيقولك و من الحب ما قت.ل
- اه
- طب هو فضل مستني عشر سنين على أمل إني هاكون لي ربنا حقق له امنيته و بعدها بشهرين سبنا بعض فهو بقى حس إن في حاجة غلط ازاي حب سنين يروح في غمضة عين كدا ؟!
رد أدهم و قال باسمًا:
- ما هو فعلًا ازاي حب سنين يروح في غمضة عين ؟!
- مافيش حد بياخد كل حاجة أو بمعنى اصح راحة الباب مش في الدنيا، أنا اتجوزت مرتين و في المرتين كان اختياري غلط، صحيح كل واحد فيهم حبني بس ولا واحد فيهم فكر فيا
- ازاي يعني ؟!
- كل واحد منهم جري حلم الأبوة
تابعت بنبرة مختنقة و قالت:
- هما من حقهم طبعًا بس أنا بإيدي إيه اعمله و معملتوش ؟! أنا كنت بعمل عمايل عشان ابقى أم بس إرادة ربنا فوق كل شئ
رفعت كتفيها و قالت:
- يمكن مش مكتوب لي اخلف اساسًا و يمكن ربنا رفع عني بلاء عظيم لو كنت خلفت، بس الأكيد إن ربنا ما بيعملش حاجة و حشة ولا بيبتلي حد الله عارف إن العبد دا مش قد البلاء، بس السؤال اللي دايما بسأله لنفسي هو ليه محدش فيهم اختارني و اكتفى بيا هل عشان ربنا كان يوضح لي حقيقة كل شخص منهم على حقيقته و لا عشان الإنسان بطبعه ضعيف و بيجري ورا غرايزه ؟!
رد أدهم و قال بهدوء:
- و ليه متقوليش إن ربنا كاتب لك خير و رزق مع حد تاني يقدر صح ؟! ليه شايفة إن الحياة متمثلة في محمود و حمزة ! ليه شايفة إن الزرق زوج و اطفال و بس ؟!
سألته هالة بنبرة مختنقة قائلة:
- و هو الرزق إيه غير إنسان يحبك و يعوضك عن هموم الدنيا و طفل ينور حياتك بضحكته ؟!
أجابها قائلًا بعقلانية:
- الرزق ستر، صحة، حب و تفاهم بين الطرفين مش كل واحد منهم في وادي و الإسم متجوزين الرزق مش بس فلوس الرزق مش بس اطفال الرزق هو إن ربنا ينعم عليكي بشخص يقدرك صح يحتواكي يستغنى بيكي عن الدنيا كلها
ختم حديثه قائلًا:
- طب ما هو ممكن كنتي تخلفي و ولادك يشوفوكي متبهدلة مع ابوهم و خدي عندك بقى ضربة و بهدلة هل ولادك وقتها اطفال سوية ؟!
بالعكس و كنتي هتتحملي عشان ودلاك للأسف يا دكتورة هالة سهل اوي تبقي أم لكن صعب جدًا تخرجي طفل سوي في بيئة مليان حقد و كره
احيانا الآباء و الأمهات هما بيكونوا محتاجين التربية قبل عيالهم
نظرت هالة له و قالت:
- عندك حق مش أي حد ينفع يبقى أب أو أم
دام الصمت لثوانٍ قبل أن تعود هالة إلى السيارة مرت أيامها مع من تزوجتهم و عاشت معهم في شقاء نفسي و جسدي، لم تخبر أحدًا حتى الآن عن ما فعله محمود بها خلال شهرين فقط، كانت تظنه من فرط عشقه بها يريد إشباع حاجته منها، لكنها اكتشفت بعد ذلك أنه يعاني من مرضًا نفسي جعله يمارس ساديته عليها، تحملت و كتمت كل هذا داخلها نظرت بعيناها تجاه أدهم المسند بجسده على حافة مقدمة السيارة، تهاوت دموعها رغمًا عنها كفكفتها بسرعة خوفًا من أن يكتشف ذلك لا تعلم أنه يراها بطرف عينه و يتجاهل ذلك كي لا يسبب لها أي احراج، يود معرفة سبب هذا البكاء لكنه يحترم خصوصيتها، سقطت من يدها أسوارة
تحمل أول حرف من اسمها، مالت بجذعها العلوي لتلتقطها وقع بصرها على ساقها المشوه إثر الندبات التي تسبب فيها محمود من السوط خاصته رفضت كثيرًا طريقته تلك و منعت نفسها عنه لكنه لا يبالي لتصرفاتها تلك، بل كان يعجبه هذا التمرد .
استقامت بجسدها و هي تحرك رأسها علها تنسى تلك الأحداث المؤلمة، عادت تفكر في كلمات الأدهم الذي نظر لها في نفس اللحظه التي كانت تتابع حركته، ابتسم لها فبادلته ذات الإبتسامة لكنها أكثر حزنًا.
*******
بعد مرور يومين
كانت هالة تمر على الجالسين تقدم لهم القهوة بعد تناول وجبة الغداء، ابتسم لها أدهم و شكرها بادلته الإبتسامة و لم ترد على كلماته البسيطة، جلست جوار ليالي تستمع لحديث والدتها الذي فاجأة الجميع حين قالت:
- و أنت بقى يا أدهم ناوي تسافر تاني؟!
رد أدهم و قال بإبتسامة واسعة:
- و هو أنا كنت لحقت أسافر أصلًا يا طنط يا دوب بقول يا هادي
- مش ناوي تتجوز ؟
فرغ فاه ليرد لكن رجاء أخته منعه حين قالت:
- و الله يا طنط بقوله كدا بس هو اللي تاعبني معاه دا أنا حتى كنت بدور له على عروسة من كام يوم و....
ردت والدة إبراهيم بعفوية شديدة قائلة:
- و تدوري ليه ما هي هالة اهي موجودة و بردو تعليم عالي و شاطرة في المطبخ و زي الفـ...
لم تكمل عبارتها بالأحرى عرضها، وثبت هالة عن مقعدها و هي تتحدث بعصبية شديدة لا تتناسب مع الموقف أو والدتها و قالت:
-جواز جواز جواز كل ما تشوفي حد ناوي يخطب تقولي اتجوز بنتي ؟! هو أنا خلاص كدا بقت تقيلة علي قلبك طب خلاص يا ست ماما أنا ها سيب لك البيت كله و اعي لوحدي عشان ما اتقل على حضرتك
لجمت الصدمة لسان الجميع و على رأسهم والدتها التي لم تتوقع هذا الرد من ابنتها علنًا بهذا الشكل
وقف إبراهيم و اعتذر منها و من الجميع
- معلش يا جماعة هالة مش قصدها هو التعبير بس خانها احنا آسفين يا ماما و طبعًا ليك يا أدهم
ردت هالة بكل ما اوتيت من قوة و كبرياء
- أنا مش آسفة لحد طالما محدش يفكر فيا و في مشاعري أنا كمان مش هفكر و كل واحد يتحمل نتيجة تدخله في حياة التاني بدون أي حق
وقف أدهم و ليالي في آنٍ واحد و هو يقول
- أنا مضطر استاذن و بإذن الله لينا مقابلة تاني عشان نحدد معاد الفرح و كل شئ بعد أذنكم
ما إن غادر أدهم المكان و قبل أن يوصد باب الشقة وصل إلى مسامعه صوتها العالِ قائلة بمرارة:
- لأول و لآخر مرة هاسمح لحد مين ما كان يكون يدخل في حياتي أنا مش هتجوز حد، لا أدهم و لا غير أدهم مافيش راجل يستاهل إني اضيع معاه اللي باقي من عمري
كادت أن ترد والدتها لكن منعها إبراهيم قابضًا على مرفقها برفق، مازال صوتها عالِ مازالت تتألم و تخبر الجميع بأنها أقوَ نساء العالم، وصل صوتها إلى الحارة قام أدهم بفتح باب سيارته و هو ينظر للأعلى عيناه معلقتان على شرفة بيتها ما تتحدث عنه يتناقض عن ما يدور بداخلها، ياليت يستطيع أن يحدثها كما فعل قبل يومين .
****
في شقة هالة
بعد أن غادرت الردهة نظر إبراهيم لوالدته و قال بنبرة عطفٍ و شفقة:
- معلش معذورة ما هو أنتِ مسمعتيش مرات محمود قالت لها إيه عن الخلفة ؟!
- أنا كان كل قصدي إن اطمن عليها و أشوفها مع ابن الحلال
- معلش يا ماما بس أنتِ بردو بتضغطي جامد عليها و جت مرات محمود كملت عليها و حمزة قالها إنه خلف و مراته حامل تاني دا مع دا خلاها تنفجـ.ر معلش اعذريها و إن كان على أدهم ليالي هتفهمه و أنا هبقى اكلمه و اعتذر له
في المساء
ولج إبراهيم بعد أن أذنت له شقيقته، جلس على حافة الفراش و قال:
- هو الجميل مش ها يتعشى و لا إيه ؟!
- لا مليش نفس كلوا إنتوا
- طب دي تيجي ازاي دي بس يلا قومي يلا خلينا نتعشى
ردت هالة بضيق من إصراره و قالت:
- مش قادرة بجد يا هيما اتعشى أنت و ماما
- يبقى لسه زعلانة ؟
تابع بكذب قائلًا:
- أنتِ لو تعرفي أنا عملت إيه في ماما و زعقت ازاي عشان متكررش الموضوع مش تصدقي، قومي بقى و بطلي غلاسة أنا جعان
بعد مرور عشر دقائق
هيما عاوزة اقولك على حاجة بس مش عاوزك تقول لا
أردفت هالة عبارتها و هي توزع نظراتها بين أخيها ووالدتها بينما كانت والدتها تلوك لقيماتها بهدوء متجاهلة التحدث معها منعًا للمشدات الكلامية أو أي خلاف
- هيما أنا اخدت شقة عشان نسكن فيها بعد ما تتجـ...
ترك إبراهيم الملعقة و قال بغضبٍ مكتوم
- و أنتِ من إمتى بتاخدي قرارت من نفسك كدا ؟
نظر لوالدته و قال بتساؤل:
- و حضرتك عارفة يا ماما بالموضوع دا ؟!!
ردت والدته بنبرة مختنقة إثر البكاء و قالت:
- حضرتي ملهاش لازمة في البيت و لا عاوزة تتكلم مع حضرتها أنا هقعد معاك يا ابني أنا مش ناقصة بهدلة في آخر أيامي
تركت هالة الملعقة ثم قلبت شفتاها بتأثر من كلمات والدتها، وقفت عن مقعدها متجهة حيث ظهر تلك المسكينة انتهزت الفرصة و بكت، حاوط كتفيها من الخلف ثم مالت تطبع قبلة على خدها و قالت:
- ما عاش و لا كان مامتي يا حلوة اللي يبهدلك
- لا عاش و كان و اهي قعدة بتزعق لي قدام الناس و بليل تصالحني كأن مافيش حاجة حصلت
لم تتحرك هالة قيد أنملة رغم تحرك والدتها بأن تتركها و تبعد عنها، انتهَ الخلاف سريعًا
و عادت المياه لمجراها، بدأت هالة تشرح لأخيها عن آخر قراراتها بهدوء قائلة:
- أنا عرفت إن عم أحمد الحلواني هايسيب الشقة اللي جنبنا من الشهر اللي فات رحت قلت لعم شوقي إني هاخدها مكان عم أحمد كنت ها شتريها بس هو قال لأ لأنه بيأجرها وبيتسفاد بتمنها
ختمت حديثها قائلة:
- يعني بردو مسبناش بيتنا الشقة لازقة في الشقة بس عشان كل واحد يقعد براحته
رد إبراهيم معاتبًا إياها قائلًا:
- و هو أنتِ بردو و لا ماما هتقلي راحتنا في إيه يا هالة؟!
ردت هالة بجدية مصطعنة قائلة:
- إنتوا اللي هتلقوا راحتي ياسيدي أنا واحدة بتحب تسهر و إنتوا ناس زي الفراخ بتنام من المغرب عشان شغلكم تقلقوني ليه بقى ؟!
تابعت حديثها بجدية و قالت:
- و بعدين أنا صحابي بيجيوا و نعيش حياتنا في البيت زي ما أنت عارف و دا نظام اكيد مراتك هتتضايق و حقها على فكرة لأن كل واحد يحب ياخد راحته في بيته و يستقبل اللي على مزاجه وقت ما يحب مش يبقى مجبر على وضع و عليه يقبل !! صدقني يا هيما كدا احسن بكتير وبردو فضلنا مع بعض و مبعدناش ووقت ما تحب تزورنا أنت و ك
مراتك تنورنا في أي وقت يا حبيبي
ختمت حديثها قائلة بمرح:
- بس يا ريت تتصل قبلها و تجيب حاجات حلوة و أنت جاية
نظر إبراهيم لأمه و قال:
- عجبك كلام بنتك دا يا ماما ؟!
ردت والدته و قالت:
- صراحة ربنا اه و موافقة كمان و بعدين هو احنا يعني هنروح فين دا أنا ممكن ادخل شقتك من باب المطبخ
ابتسم ملء شدقيه و قال بتساؤل:
- اه دا إنتوا عاملين عليا حزب يعني ؟!!
ردت هالة قائلة:
- تقدر تقول كدا
******
بعد مرور شهر كامل من التحضيرات التي انتهت و أخيرًا على خير، جاء موعد حفل زفاف إبراهيم، كانت هالة تركض هنا و هناك كانت وصيفة العروسان، فعلت ما بوسعها ليمر اليوم كما يريد أخيها، تنفست الصعداء و هي
ترَ بأم أعينها أخيها جالسًا في المكان المخصص له و زوجته، بدأت تلتقط معهم بعض الصور للذكرى، وقف جوار أخيها و على الجهة الأخرى وقف أدهم، صورة عائلية غاية في اللُطف، نظرت هالة للدرج قبل أن تطأ قدمها كادت أن تسقط لكن يد أدهم لحقت بها
ابتسمت له و شكرته ثم غادرت، بينما جذبت
ليالي ذراع زوجها و قالت بسعادة
- أنا عندي ليك خبر ها يفرحك قوي ها قوله لك لما نروح
هز إبراهيم رأسه و قال ممازحًا:
- لا ما تقوليش إنك حامل !!
اختفت إبتسامة ليالي و قالت بنبرة مغتاظة
- إيه يا إبراهيم الهزار دا ؟! لا حاسب احسن ها موت من كتر الضحك مش قادرة !!
تابعت بجدية قائلة:
- بقى دا كلام تقوله لعروستك يوم فرحها ؟!
- خلاص يا روحي حقك عليا بهزر و الله إيه بقى الخبر المفرح ؟!
- لا يا حبيبي بعد إيه خليك بقى زيك زي الغريب أعرف في الآخر
على الجانب الآخر من نفس القاعة
كانت تهاتف صديقتها التي تأخرت أكثر من اللازم خرجت لاستقبالها أمام الفندق، عقدت ساعديها أمام صدرها و عيناها لا تبرح الطريق
فجأة ظهر حمزة و وداد أمامها، هو يحمل طفله الأولى الذي تجاوز العام بأيام معدودة و هي تضع يدها على باطنها المنتفخة قليلًا إثر الحمل الجديد، ابتسم بتردد و هي تصافحه
بينما رد هو و قال بنبرة تملؤها الشوق و الحنين:
- عاملة إيه يا هالة؟!
- الحمد لله بخير، إنتوا إيه اخباركم ؟!
رد بنبرة حزينة:
- الحمد لله، اهو ماشي حالنا
نظرت للصغير و قالت بإبتسامة
- شبهك يا وداد ربنا يحفظه لك
ردت وداد و قالت:
- لا دا كله حمزة
تابعت بإبتسامة واسعة:
- ادعي بقى اللي جاي يبقى شبهي بقى نبقى اتعادلنا أنا و حمزة
ردت هالة و قالت:
- ربنا يقومك بالسلامة
أشارت بيدها للداخل و قالت:
- ادخلوا جوا الفرح بدأ من بدري
اتجهت وداد للداخل بينما تراجع حمزة ليحدثها قبل أن يغادر مرة أخرى
- لو جت بنت هاسميها هالة
- متعملش كدا و توجع مراتك
- ما هو أنا وجعتك زمان ؟!
-بترد لها يعني الوجع ؟! على العموم دا نصيب ياريت يا حمزة تعيش و تنساني لأن مبقاش قدامك حل غيره
- لسه مش عاوزة تحني يا هالة و تر جعي لي ؟!
قررت أن تتركه و هي تنادي بصوتٍ مرتفع
- مبقاش ينفع يا حمزة صدقني، أدهم أنا هنا اهو
سارت بخطوات الواسعة و السريعة، تجاه أدهم الذي عقد ما بين حاجبيه، توقفت أمامه مباشرة بينما هو كانت عيناه معلقتان على ذاك الرجل الذي ما زال يقف يتابع حديثهما لكنه لا يعرف بالطبع عن أي شئ يتحدثون .
نظر أدهم نحو حمزة و قال:
- هو لسه واقف و بيبص علينا
ردت هالة دون أن تستدار
- ربنا يسترها لأن قلبي مش مطمن
- اهو دخل خلاص
- بجد طب الحمد لله
حركت رأسها و قالت:
- أنا آسفة اني ناديت عليك و آسفة اني عطلتك الوقت دا كله، مكنش قدامي حل غيره عشان ابعد عنه
ابتسم لها و قال:
- و لا يهمك و لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود
- شكرًا ربنا يخليك
بعد مرور ساعة كامل
كانت الأمور تسير بهدوءٍ تام حتى أتى محمود و الذي كانت تنتظره هالة، كان مجيئه شيئًا متوقع كانت بداخلها ترتعد منه لكن ظاهريًا تقف أمامه تستمع لإهانته و تبتلع لعابها بمرارة
أما هو كان يوجه حديثه لأدهم قائلًا:
-أنت بقى الزبون الجديد صح ؟! اشرب يا عم الأدهم الهانم أصلًا شمال كانت ماشية معايا و هي متجوزة و لما جوزها عرف طلقها
كاد أدهم أن يصفعه لكن يد هالة منعته و هي تقول برجاء
- بلاش يا أدهم ارجوك، بلاش تلوث ايدك مع واحد زي دا
ابتسم محمود بتهكم و هو يغمز بطرف عينه قائلًا بوحاقة:
- دلوقت مبقتش اعجب !! الله يرحم زمان ما كنتي بتقولي إن ارجل واحد في حياتك، فاكرة هالة سرير حمزة اللي عشنا عليه أحلـ...
الفصل الثاني عشر
و الأخير
¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤
كاد أدهم أن يصفعه لكن يد هالة منعته و هي تقول برجاء
- بلاش يا أدهم ارجوك، بلاش تلوث ايدك مع واحد زي دا
ابتسم محمود بتهكم و هو يغمز بطرف عينه قائلًا بوحاقة:
- دلوقت مبقتش اعجب !! الله يرحم زمان ما كنتي بتقولي إن ارجل واحد في حياتك، فاكرة هالة سرير حمزة اللي عشنا عليه أحلـ....
بترت باقي حديثه بصفعة مدوية و هي تهدر بصوتها قائلة:
- اخرس با حيو.ان يا قليل الأدب، أنا اشرف منك و من ناسك كلهم، الظاهر إن الذوق و الأدب ما ينفعش مع واحد زيك !
رفع محمود كفه في الهواء و قبل أن يسقط على وجهها توقف أدهم بينهما قابضًا على رسغه بعنفٍ نظر محمود ليده ثم عاد ببصره
تحدث أدهم بكل ما اوتي هدوء أعصاب
- المرة اللي فات أنا طردتك من المستشفى المرة دي أنا هخرجك على ضهرك
توقفت هالة أمام أدهم و قالت من بين دموعها
- لا بالله عليك متلوثش ايدك بد..مه سيبه يمشي يا أدهم
قام أدهم بثني ذراع محمود ثم ضغط عليه بقوة اقترب من أذنه و قال هامسًا:
- سوء حظك بيوقعك فيا دايمًا، المرة دي قرصة ودن المرة الجاية الله اعلم هايحصلك إيه بس طول ما أنا عايش انسى تقرب لها
قام بكـ..سر ذراعه ثم طرحه أرضًا، ظل يتأواه
و صرخاته تملئ المكان، أشار أدهم للحارس و قال:
- دا حرامي يتعمل له محضر سرقة
- سرق إيه يا فندم ؟!
- ا تهجم على مدام هالة و كان عاوز ياخد منها الدهب
كادت أن ترد لكن أدهم حدجها بنظراتٍ نارية التزمت الصمت حتى يمر الوضع العصبية هذا
هدرت بصوت مرتفع ما إن هدأت الأوضاع و بقت معه بمفردها:
- ليه عملت كدا ؟
- هو أنتِ مش شايفة عمل إيه و لا كان ناوي يعمل إيه ؟! و لا أنتِ عجبك اللي عمله ؟!
ردت هالة بعصبية مفرطة
-و هو كل واحد قليل الأدب هنمد ايدنا عليه هتبقى غابة في حاجة اسمها قانون يا دكتور يا متعلم
رد أدهم و قال بنبرة لا تقل عن نبرتها:
- و عمل لك إيه القانون لما البيه حاول يرمي عليكي مية نا ر ؟!
سألته بنبرة ساخرة و قالت:
- و المفر ض إنك كدا دكتور متعلم بتفكر تفرق إيه أنت بقى عن البلطجية اللي ماشين يضر..بوا الناس في الشوارع ؟!
رد على سؤالها بعدم إكتراث:
- ايوة أنا بلطجي عاوزة حاجة ؟!
سارت بخطواتها الواسعة و السريعة و قالت بنبرة مغتاظة:
-و ها عوز منك إيه شكرًا
مادت ينادي بإسمها لكنه حرك رأسه بيأس و تركها تفعل ما يحلو لها، فهو كلما فعل شئ لا يعجبها
عاد إلى قاعة التي يقام فيها حفل الزفاف، جلس على أحد المقاعد وهو يطالعها بنظراتٍ تملؤها الغيظ و الغضب تمامًا كما تفعل هي، جذبتها أخته لتتراقص معه وسط القاعة، كانت تتبختر في مشيتها و قبل أن تهز بجسدها سقطت، ابتسم أدهم بداخله و تمتم بخفوت:
- احسن تستاهلي و الله
تحول المشهد لمشهد كوميدي من الدرجة الأولى
و مر اليوم على خير، وصلا أخيرًا إبراهيم إلى باب شقته و قال بإبتسامة واسعة:
- حمد الله على سلامتك يا عروسة
نظرت ليالي له ثم عادت تنظر أرضًا و هي تقول بإبتسامة خجولة:
- الله يبارك فيك يا هيما
تابعت بجدية و كأنها شخصًا آخر و قالت:
- بقى أنا اللي افضل اتحايل عليك عشان تروح تكلم أدهم اخويا و اقولك طول بالك عليه ؟!
سألها بنبرة داهشًا:
- هو أنتِ ملبوسة و لا مجنونة؟!
أجابته بإبتسامة سمجة وقالت:
- لا يا روحي أنا الأتنين مع بعض
ابتسم لها وقال:
- سبحان الله نفس ابتسامة أخوكي هو أنتِ تقربي له ؟!
حملها بين ذراعيه و قال مضيقًا حدقتاه
-الظاهر كدا و الله أعلم إني اتدبست
لكزته في كتفه و قالت:
- إبراهيييم !!
رد بإبتسامة متراجعًا عن كلامه و قال:
- مش فيكي ياروحي اقصد اخوكي إنما أنتِ مرهم يتحط على الجر.ح يقيد نا.ر
******
في الشقة المجاور
كانت هالة تسرد لوالدتها ما حدث منذ صباح اليوم و حتى هذه اللحظة التي تحتسي فيها القهوة الساخنة خاصتها، تنهدت الأم ثم نظرت لها و تسألت بنبرة حائرة قائلة:
- طب و بعدين بقى في اللي اسمه محمود دا، دا مش راضي يهمد ابدًا ؟
- يهمد بقى و لا لا أنا خلاص زهقت منه و من الدنيا كلها أنا بفكر اسيب البلد و اسافر
ردت والدتها قائلة بحدة قائلة:
- تسافري ؟ على في العزم بقى إن شاء الله إلا اخوكي الراجل عملها تعمليها أنتِ؟!
- يا ماما جاي لي عرض حلو اوي في الكويت و خسارة ارفضه
- لا ارفضي يا حبيبتي مافيش خسارة إن شاء الله ، و اعملي حسابك طول ما أنتِ هنا بيت أبوكي مفيش سفر لما تبقي تتجوزي إن شاء الله يعني ابقي سافري إن شاء الله المريخ اسمها مع جوزك
ردت هالة بضيق و قالت:
- إيه يا ماما التحكمات دي ؟!
ردت والدتها بكل ما اوتيت من هدوء و برودة أعصاب
- أنا ولية مفترية و مابيهمهاش حد و قاسية، عندك حاجة تاني تحبي تقولي ؟!
ردت هالة بتذمر قائلة:
- لا
احتست والدتها القهوة و هي تلوح بيدها بلامبالاة
و قالت:
- خلاص رفعت الجلسة على كدا
******
بعد مرور تسعة أشهر
كان يقف إبراهيم أمام غرفة العمليات يجوب الردهة ذهابًا إيابًا و القلق يدب في قلبه، جلس جوار والدته و قال بنبرة متوجسة:
- ليالي اتأخرت قوي يا ماما
ختمت والدته آخر آيات القران الكريم، ربتت على كتفه و هي تقول:
- اهدأ يا حبيبي متقلقش دا طبيعي هي كدا البكرية بتاخد وقت، أنا يوم ما ولدتك قعد اولد فيك يوم بليل و اهو بقيت راجل زي الفل قول يارب
وثب إبراهيم عن مقعده و قال بتوسل :
- يارب خليك معاها يارب
هرولت هالة و هي تحمل حقيبة المولود في يدها
وقفت أمام أخيها و قالت من بين أنفاسها المسموعة قائلة:
- خير يا حبيبي ليالي ولدت ؟
اختنق صوت إبراهيم و عيناه ازدحمت بالدموع التي ابت أن تنسدل حرك رأسه و قال:
- لسه يا هالة لسه
ربتت هالة على كتفه و قالت بإطمئنان :
- متقلقش خير إن شاء الله
تابعت بنبرة بحزنٍ دفين :
- بيقولوا إن الولادة الأولى بتاخد وقت خير إن شاء الله يا حبيبي
صاحت بصوتها قائلة:
- الدكتورة طلعت يا هيما
تسابق الأثنان على الوصول إلى الطبيبة، توقف إبراهيم وخلفه أخته تسأل بتوجس قائلًا:
-خير يا دكتورة ليالي عاملة إيه ؟!
ردت الطبيبة بإبتسامة واسعة:
- مبروك ولد زي القمر
سألها بنبرة لا تقلق عن نبرته الأولى التي لا تخلو من التوتر:
- و هي عاملة إيه ؟! المهم هي ؟!
أجابته بذات الإبتسامة الواسعة:
- اطمن هي زي الفل ساعتين و هتتنقل أوضة عادية مبروك و حمد لله على سلامتها
تركتهم الطبيبة بعد أن باركت لهم، خرجت الممرضة و هي تحمل بين يدها الصغير، وضعته بين ذراعيه و قالت بإبتسامة واسعة:
- مبروك يتربى في عزك يارب
حمله بين ذراعيه نظر له ثم نظر لوالدته التي قالت بسعادة:
- كبر له في ودنه يا هيما و بعدها قول اسمه
سارت هالة تجاه والدتها تبعها إبراهيم، وقف مقابلة والدته وضعه بين ذراع والدته و قال:
- مهمتك دي يا ست الكل
أذنت له بالقرب من أذنه بصوتٍ خفيض، ثم قالت بنبرة حانية:
- ربنا يخليه لك و تفرح بي يا حبيبي
تناوله منها ثم و ضعه في حضن شقيقته و قال بنبرة حانية:
- ابنك يا لولو ربي زي ما تحبي
انسدلت دموع هالة إثر كلمات أخيها، حملت الصغير بيدٍ مرتعشة نظرت لأخيها و قالت بنبرة متحشرجة إثر البكاء:
- و أمه راحت فين يعني يا حبيبي ربنا يخليه لها
وتربي و تشوفه أحسن الناس
ابتسم لها و قال بنبرة حانية:
- ابني محظوظ أكتر مني و من أي حد في الدنيا دي كلها لي أب واحد و بدل الأم اتنين واحدة
لم تتحمل هالة كلماته المؤثرة تلك، وضعته بين يده و قالت بجدية مصطنعة و هي تكفكف دموعها بظهر يدها:
- أنت واد نصا ب و بتضحك عليا بكلامك دا عشان تأكل عليا الحلاوة يا حبيبي بس على مين دا أنا هاخدها منك مرة و مراتك مرة
بتفرقوا الحلاوة من غيري مش كفاية كبرتوني و بقيت خال و أنا لسه صغير ؟!
أردف أدهم عبارته و هو ينضم لحديثهما، نظر لابن أخته الذي يتئثاب و هو يتمطع و كأنه كان مُقيد في بطن والدته، ابتسم له و قال ساخرًا:
- شوف زي ما يكون مقيدنه يا عيني
رد إبراهيم ساخرًا و قال:
- أختك قوية و تعملها دي كان عليها ما تسكت بقى تعبتني كانت بتخليني احط ايدي على بؤقي من كتر الخوف
ضحك أدهم و هو يقول بغطرسة:
- دي سيطرة بنات الشرقاوي يا حبيبي و تمشي على أي حد حتى لو لسه في بطن أمه
تابع بجدية مصطنعة هامسًا:
- بس بيني و بينك كانت عليها واحدة أنا تعبت يا أدهم كانت بتخلي أنا شخصيًا اترعب
ختم حديثه قائلًا بمزاح دون قصد:
- هي كدا الستات تفضل هادية و طيبة في نفسها و أول ما تحمل تلاقيها اتحولت هرمونات مضطر تتحملها ضريبة الأمومة بقى ياهيما
ابتسم إبراهيم بتردد محاولًا لفت نظر أدهم الذي اختفت إبتسامته و هو يعتذر من الجميع، ابتعد قليلًا تبعه زوج أخته الذي وقف خلفه و قال:
- متزعلش يا أدهم مكنش قصدي احرجك بس
استدار أدهم و قال بإبتسامة واسعة:
- متزعلش أنت مني يا هيما مكنش قصدي اجرحها و الله
تنهد أدهم و هو ينظر لها ثم عاد ببصره له و قال:
- هي لسه بردو مش موافقة ؟
- للاسف لسه
- طب هي رافضاني ليه ؟ إيه سبب الرفض إني مسافر يعني ؟
- هالة مش رافضاك أنت بس هالة أي حد بيتقدم لها بترفضه مش حابة تكرر التجربة بتقول كفاية عليا تجربتين
رد أدهم و قال بضيقٍ مكتوم:
- بس أنا غيرهم يا إبراهيم أنا بحبها
رد إبراهيم و قال بسخرية :
- ماهم هما كمان يا أدهم كانوا بيحبوها وكانوا يتمنوا لها الرضا ترضى و في الآخر أخدت منهم إيه ؟!
- يعني إيه يا إبراهيم ؟ يعني بردو مش هتخلي هالة توافق؟
رد إبراهيم و قال بعقلانية:
- بص يا أدهم أنت اخو مراتي و صاحبي كل دا على راسي من فوق، بس دي حياة أختي تتطلق من دا تتجوز دا هي حرة، أنا بنفذ قرار هي بتاخده و بقف جنبها عشان أنا اخوها و ملهاش غيري فـ موضوع الغصـ.ب دا مش هتلاقي عندي عشان كدا شايف إنك تصبر يمكن ربنا يكتب لكم نصيب مع بعض مين عارف .
********
بعد مرور أسبوع
داخل شقة إبراهيم كانت ليالي تصافح المدعوين لعقيقة ابنها، بينما كانت هالة واقفة في المطبخ مع والدتها تنظم الصحون وضعت آخر صحن و قالت بتذكر:
- أنا نسيت اعمل طبق أدهم أنا فاكرة إنه بيحبه بـصلصة كتيرة زي هيما
ردت والدتها و قالت:
- متعمليش حاجة أدهم مش هيأكل دا مسافر خلاص
سألتها هالة قائلة بلهفة:
- إيه مسافر ؟ هو لحق
تابعت بنبرة متلعثمة:
- اقصد يعني مش كان قال هايقعد شهر ؟!
ردت والدتها بخبث قائلة:
- لا قال إنه مش عاوز يتقل على حد و كفاية كدا و إنه زعلان إنه هايفرقنا و هو محققش اللي نفسه في
تابعت والدتها بتذكر:
- فين السلطة ؟ و المخلل قومي هاتيها من عند هيما نسيت و حطتهم هناك وقت د.بح العجل
ردت هالة بإحباط و هي تقف عن مقعدها:
- حاضر
عادت و قالت بتذكر:
- صحيح أدهم هناك و قاعد لوحده روحي أنتِ أو ابعتي ليالي
لو كان للحظ الأسود عنوان لكُتبَ عليه أدهم
مر اليوم أخيرًا بعد ركض هنا و هناك، تجمعت العائلة من جديد في هدوء لتناول القهوة المسائية، ربتت ليالي على كتف إبراهيم قائلة:
- هيما
التقط كفها و طبع عليه قُبلة حانيةقائلًا:
- قلب هيما من جوا
ابتسمت له و قالت:
- هو ربنا يخليك ليا بس مكنش دا قصدي أنا كان قصدي اطلع اشرب السجاير برا عشان ابنك
رد إبراهيم بإحراج و قال:
- ايه الإجراح دا ؟!
تابع بجدية مصطنعة و قال:
- ماشي بس متبقيش تجيبها لي في وشي كدا أنا ليا وضعي بردو في البيت
خرج من حجرة الضيوف و هو يحمل قدح القهوة بيد و الأخرى بها لفافة التبغ خاصته
جلس جوار أدهم الذي أشار له كي يجلس فوق الأريكة و قال:
- تعال يا حبيبي مكنش لازم تتفرد قدامهم و تقول إنك مسيطر دي أختي و أنا عارفها
جلس إبراهيم و قال بجدية مصطنعة:
- لا أنت فاهم غلط دا أنا لاقيتك غبت قلت ادخل اطمنك عليك مش أكتر
مد أدهم علبة لفاف التبغ و قال بإبتسامة واسعة:
- طب خُد يا مسيطر قبل ما تدخل جوا
ابتسم له و قال:
- لو مكنتش تحلف
******
في مساء أحد الأيام
جلس إبراهيم يقرأ جريدته المسائية باهتمام
بينما كان صغيره الذي تجاوز العام بأيام معدودة يجوب حوله، وضع الجريدة على سطح المنضدة الزجاجية و قال:
- أنت بتفرك كتير كدا ليه و بتزن ليه و فين أمك ؟!
حمله عن الأرض وجده يأكل التبغ المحتر.ق الذي وضع في المنفضة، اتسعت عيناه و قال من بين أسنانه :
- كدا يا أنس كدا ؟! دا هالة هتربيني قبل ما تربيك من جديد تعال بسرعة اغسل لك وشك
ركض إبراهيم حاملًا ابنه و هو يتجه نحو المرحاض، بدأ ينظف وجهه بينما الصغير كان يرفرف بساقيه و يده تختر.ق المياه و صوت
ضحكاته يدوي المكان، ظل يبحث عن منشفة
ليجفف قطرات المياه المتناثرة على وجهه
فـ لم يجد تركه علي الارض و اتجه نحو غرفة والدته نظر الصغير للمغطس، فتح فاه بسعادة ثم قام بوضع الصحن البلاستيك وقف عليه ثم قفز داخل المغطس، ظل يحرك جسده داخل المياه، صرخات عالية دوت المكان هرع
إبراهيم نحو المرحاض ليجد أخته تشير بيدها تجاه الصغير و قالت بعصبية:
- من اللي سابك تدخل الحمام؟!!
لوى إبراهيم فاه يمينًا و يسارًا قبل أن يتحدث بغضبٍ مصطنع ليمرر الموقف :
- ازاي سايبين الواد كدا لوحده ؟! لولا إن جيت ادور عليه كان راح فيها
هرع تجاه ابنه و حمله من المغطس، كاد أن يخرج من المرحاض لكن سؤال أخته جعله يبتسم و هو يقول بكذب:
- ماهو أنا كنت بقرأ الجرنال وهو كان بيسحف جنبي على الأرض
اتسعت أعين هالة و قالت بصوت مرتفع قائلة:
- ازاي تسيبه ينزل على الأرض يا مهمل أنت ؟!
تابعت بعصبية مفرطة:
- و طبعًا فضل يمشي و يسند على الحيطة لحد ما دخل الحمام و فتح المياة
رد إبراهيم مدافعًا عن نفسه قائلًا:
- لا لا مش كدا دا هو كان بيأكل الطفية بتاعت السجاير وكـ.....
يا نهارك أبيض و كمان قاعد بتشرب جنبه سجاير و هو بيأكلها ؟!!
أردفت هالة عبارتها و هي تأخذ بن اخيها من بين أحضان والده الذي لا يعرف قيمة ما بين يده ظلت تمتم بكلماتٍ لاذعة عن الإهمال و اللامبالاة التي يغرق فيها إبراهيم، ما إن ولجت غرفتها اجلسته على الفرش الوثير و قالت بجدية مصطنعة و هي تضع سبابتها على ثغرها:
- ششش و لا كلمة يا منكاش أنت
وضع أنس سبابته تمام كما فعلت عمته و قام بتقليدها قائلًا:
- ششش
ضحكت هالة على حركاته تلك، استطاع تغيير حالتها المزاجية، أنس يفعل ما يحلو له و بإبتسامة صغيرة منه يصالحها و ينتهي الأمر
تسقط جميع حصونها و صرامتها عند أعتاب ابتسامته الجميلة، جلست جوار و بدأ في تشغيل الحاسوب النقال له، أتاها اتصال من أدهم ضغطت على زر الإجابة و قالت:
- و عليكم السلام، الحمد لله بخير أنت إيه اخبارك ؟ صوت مين دا صوت أنس اه بقي احسن الحمد لله اه كنت مرعوبة من دور البرد بس الحمد لله عدا على خير يارب ماشي مع السلامة.
********
بعد مرور عدة أيام
كان أمام باب شقة أخته يقف في انتظار أحدهم يفتح له لم يخبر أحد بعودته لمصر قرر أن يصنع مفاجأة لهم، فتحت له هالة كانت متخشبة أمامه نبضات قلبها تتسارع و كأنها طبول الحر.ب تقرع بسرعة فائقة، اتسعت إبتسامتها حتى كشفت عن نواجزها
عامًا و عشرة أيام كاملة لم تراه فيهم، فرغ فاه ليحدثها لكنها اوصدت الباب في وجهه، خطت بخطوات واسعة و سريعة تجاه المطبخ لكنها عادت من جديد و فتحت له اعتذرت له عن مابدر منها بينما رد هو و قال:
- هالة أنا عاوز اتكلم معاكي ارجوكي اسمعيني بقى ولو مرة واحدة
هو إبراهيم رجع و لا إيه يا لولو ؟!
أردفت ليالي سؤالها و هي تخرج من المطبخ
اتسعت عيناها بسعادة و فرح، ركضت نحو أخيها عناقته بقوةً ربتت عليى ظهره و كلماتها لا تتوقف أبدًا:
- حمد لله على سلامتك يا حبيبي ماقلتش ليه إنك جاية كنا رحنا استبقلناك في المطار ؟
رد أدهم باسمًا و قال:
- محبتش ازعاجكم قلت اعملها لكم مفاجأة
ردت بسعادة و هي تحتوي وجهه بين كفيها و قالت:
- أحلى مفاجأة يا حبيبي حمد لله على سلامتك دا هيما هايفرح اوي برجوعك
تنحنحت هالة و هي تتجه نحو باب الشقة و قالت:
- عن أذنكم هاشوف ماما
رد أدهم بسرعة و قال برجاء:
- هالة أنا عاوز اتكلم معاكي من فضلك
ردت ليالي و هي تجلسها عنوة قائلة:
- طنط نايمة و أنس باشا كمان نايم اتفضلي بقى اقعدي و اسمعي الكلمتين اللي عاوز يقولهم على ما أروح اخلص الأكل
غادرت ليالي و بقت هالة جالسة تنظر في اللاشئ تنهد أدهم ثم قال بهدوء:
- مالك يا هالة رافضة ليه نبقى مع بعض رغم إن علاقتنا حلوة جدًا ؟! و تقريبًا مافيش حاجة غلط !
جاهدت نفسها حتى لا تخبره بما يعتمل في صدرها لكن وجدت نفسها تحدثه عن مخاوفها
قائلة:
- خايفة يا أدهم
- من إيه ؟! و ليه ؟!
- خايفة اكرر التجربة للمرة التانية
تابعت مصححة بسخرية قائلة:
- قصدي للمرة التالتة، خايفة كلام عمك يأثر عليك بعد جوازنا
ختمت حديثها قائلة بمرارة:
- خايفة اخوض التجربة و أملي بإني أكون أم يختفي المرة دي بجد، أنا عشت فوق العشر سنين بقول لنفسي إن طالما الحب موجود جوزك مش هيفكر يبص لغيرك، اكتشفت إن الحب لوحده مش كفاية و اكتشفت إني أنانية معاهم
سألها بنبرة متهكمة قائلًا:
- أنانية معاهم ازاي ؟!
أجابته بمرارة و قالت:
- يعني كان المفروض أقبل بجوازهم و اعترف بي هما من حقهم يشوفوا ذرية ليهم بس أنا مقدرتش اتحمل افضل مع حد فيهم مقدرتش ابقى صفر على الشمال و دي بردو أنانية مني
رد أدهم و قال بنبرة صادقة:
- احلف لك بإيه أنا مش هاممني موضوع الخلفة دا و لا في دماغي هالة أنا بحبك
ابتسمت بمرارة و قالت:
- أنا أكتر واحدة سمعت كلمة بحبك أكتر واحدة كان نفسها فعلا تلاقي إنسان يحبها بجد بس و لا واحد حبني
تابعت بحزنٍ دفين قائلة:
- تجربتي مع محمود خلتني أكره الجواز و الحب عشت معاه أسوء شهرين في عمري
ختمت حديثها بتقزز قائلة:
- واحد مقر ف سادي و حقـ ـير عيشني أسوء أيام عمري معاه كرهت فيها اسمي و جسمي كرهت قلبي اللي طيب مع الكل و ملاقش اللي يحبه بجد
كفكفت دموعها و قالت بهدوء عكس الضجيج الذي يسود قلبها:
- عشان كدا صدقني يا أدهم مش هقدر أكرر التجربة للمرة التالتة للأسف قلبي ما بقاش في مكان للفرحة، روح اتجوز بنت صغيرة تكون أنت أول واحد في حياتها، أنا مش هنفعك من كل النواحي
سألها بغضبٍ مكتوم :
- مين قال كدا ؟
أجابته قائلة بذات النبرة:
- عمك و محمود و حمزة و الناس و المجمتع كله المجتمع شايف إن المطلقة دي عار و لازم يندفن تحت التراب، ملهاش الحق تعيش وتشوف نصيبها الحلو في الدنيا، خروجها ودخولها بحساب ولو اتنفست لازم تدي تقرير بدا ولو ضحكت بس دي مش كويس اومال اطلقت ليه ؟! وليه اطلقت عشان مبتخلفش وليه و ليه و ليه الف كلمة ليه و الف سؤال كل واحد نفسه يسأله بس خايفة ليلاقي رد ميعجبوش
كادت أن تقف عن مقعدها لكنه لحق بها و قال بتوسل يفيض من عيناه:
- مش ها قلك بحبك لأنك مبقتيش حاساها زي ما بتقولي بس كفاية عليا اقلك خليكِ جنبي أنا محتاج لك جنبي محتاج وجودك في حياتي هالة أنتِ مش عارفة أنتِ بالنسبة لي
أتت ليالي من المطبخ و قالت و هي تضع الثهوة على سطح المنضدة:
- انا بقول اغير القهوة و اجيب شربات ؟!
وقفت جوار هالة محاوطة كتفيها بذراعها و قالت:
- ما تحن بقى يا جميل الواد بقى شبه وحيد القرن من غيرك
ابتسمت هالة رغم محاولاتها في عدم إظهار ضحكاتها و لكن على ما يبدو أن زوجة أخيه لن تهدأ حتى توافق على هذه الزيجة، ابتسمت ليالي وقالت بعفويتها:
- ما هو بصراحة ربنا بقى مش أنتِ تدبسيني في اخوكي و أنا اسيبك تعدي كدا عادي من تحت ايدي
تابعت بخفوت قائلة:
- دي فرصة عشان هيما يرد كل اللي عمله في زمان بس الصراحة أنا خايفة على هيما من اخويا
ردت هالة بإبتسامة واسعة:
- اخويا يعمل اللي يعجبه و بعدين احنا ما بنتهزش يا ماما احنا جامدين قوي
ولج إبراهيم وجد ثلاثتهما في الردهة و الإبتسامة لا تفارق شفتاهم، ابتسم و قال بجدية مصطنعة:
- ليالي و هالة و الأدهم استر يا اللي بتستر
في مساء نفس اليوم
كان أدهم يختم حديثه بهدوءٍ قائلًا:
- أنا كدا عرفتكم دنيتي فيها إيه و مش محتاجة من هالة حاجة غير شنطة هدومها حتى دي مش عاوزاها كمان
ردإبراهيم و هو يضع ساق فوق الأخرى و قال بغطرسة:
- و الله يا أدهم ياخويا أنا كان بودي أخد وادي معاك في الكلام عادي كدا بس أنا للأسف
واخد عهد على نفسي إن استشير أعضاء العيلة الملكة بتاعتي و لأني راجل قانون أولًا و ديموقراطي مش ديكاتوري زيك قررت إني اخد رأي الست الوالدة و بعدها رأي اختي و في الآخر رأي أختك و بما إن اجتمعت الآرار بالموافقة بالاجماع، و عليه تمت الموافقة المبدئية أما الموافقة النهائية فدي تخصني أنا
رد أدهم و قال بغضبٍ مكتوم:
- ما تخلص يا إبراهيم هو أنت بتُخطب خُطبة مجلس الشعب !! الفرح إمتى ؟!
❤ الخاتـــمة ❤
سحب إبراهيم نفسًا من لفافة التبغ ثم نظر له و قال:
- إن شاء الله من غير مقاطعة زي النهاردا السنة الجاية
إمتى احنا متفقناش على كدا يا هيما !!
قالتها ليالي وهي تضع أطباق الحلوى، جلست حذاء أخيها الذي نظر لها وقال:
-جوزك بيحاول يستفزني ها؟!
- معلش يا حبيبي دلوقتي هايعرف غلطه
بعد مناواشات عديدة أدت أخيرًا لتحديد عقد القران بعد مرور أسبوع من الآن، كانت هذه المدة المحددة لتحضير كل شئ يخص هالة
على الرغم من قصر المدة إلا إنها لم تعترض أمام إبراهيم بناءً على تعليمات أدهم الذي كاد أن يبكي من فرط توسله له .
********
بعد مرور أسبوع
جلست هالة على المقعد المجاور لمقعد أدهم، بينما كان هو يضع كفه في باطن كف اخيها، يردد الكلمات خلف القاضي الشرعي، و الإبتسامة لا تفارق شفتاه، انتهَ أخيرًا و ردد الجميع في آنٍ واحد.
- بارك الله لكما و بارك عليكما و جمعا بينكما في خير .
سقطت دموعها إثر فرحتها و خوفها الشديد في ذلت الوقت، وقف أدهم و معه هالة ضمها في لهفة و حب، نظر إبراهيم لزوجته و قال باستفسار:
-ألا إيه حضن كتب الكتاب دا يا ختي مكنش على أيامنا ؟!
ردت ليالي و قالت بنبرة مغتاظة منه:
- لا كان موجود يا حبيبي بس أنت اللي كنت مستعجل في كل حاجة و ضيعت عليا أحلى أيامي
غمز بطرف عينه و قال بإبتسامة:
-خلاص هنعملوا دلوقت
-لا خلاص بعد إيه ؟! هي الحاجة بتيجي قبل و بعد
-ياستي المهم تيجي
-لا شكرًا مش عاوزاها
-وترجعي تقولي أنا مش نكدية و إن أنا اللي نكدي اهو خليكي فاكرة !!!
وقف أدهم يتراقص مع هالة وسط القاعة، في أضواء خافتة، لكز إبراهيم حبيبته الهائمة في هذا المشهد الرومانسي و قال:
- ما تيجي تتضمني و ننسى الدنيا زيهم
مالت ليالي برأسها على كتفه و الإبتسامة تزين ثغرها لثم جبهتها و هو يمسد على ظهرها بحنانٍ بالغ احتوى حزنها في لحظة هادئة، رغم أن هذه المرة مرتها الثانية في الحمل إلا إنها أكثر عصبية و غضب يحاول قدر المستطاع تفهم هرموناتها تلك
و لكن على ما يبدو أنه لن يفهمها مهما حدث .
******
بعد مرور ستة أشهر كاملة
لم يحدث شيئًا جديدًا يذكر سوى قلق هالة الذي يتزايد داخلها و تحاول إخفائه بسبب تأخر حملها
بينما كان أدهم يرَ أن الأمور تمر بشكلٍ طبيعي و أن لايوجد تأخر كما تتدعي، لا ينتهي الشاجر بينهما على أبسط الأسباب، و لكنها قررت أن تتوقف عن عصبيتها تلك في هذه الفترة تحديدًا، كان أدهم جالسًا جوارها يرتشف القهوة في صمتٍ تام، بينما نظرت هي له و قالت:
- هو عمك بيعمل معاك كدا ليه ؟ مش عاوزك تكبر و لا تبقى ناجح زيه ليه ؟!
- عشان عاوزني أفضل تحت طوعه من الآخر كدا كان رسمني إني جوز بنته
ضحكت بصوتٍ مسموع حتى انهمرت الدموع من عيناها و كأن القدر لا يريد أن يختبر غيرها، نظر لها أدهم ولا يعرف مالداعي لكل هذه السخافات التي تفعل وقت النقاش الذي يدور بينهما، وقفت عن مقعدها و قالت بجمود :
- طلقني يا أدهم
نظر لها نظراتٍ مغتاظة ثم قال بضيق:
- بس يا هالة بس ربنا يهديكي و بطلي جنان
- أدهم أنا مش مجنونة و بقلك طلقني
رد أدهم و قال بعصبية لا تقل عن عصبيتها شيئًا:
- ما هو لما تقولي طلقني و احنا لسه متجوزين مكملناش ست شهور يبقى جنان لما تفضلي تتضحكي زي الهبلة و أنا طالع عيني و مش عارف أحل مشكلتي ازاي يبقى جنان لما تدوسي على كل حاجة بيني و بينك عشان حضرتك عاوزة بس تطلقي يبقى دا عين الجنان يا هالة
غادر أدهم الشقة و هي تركض خلفه كي تلحق به و تجبره على المواجهة لكنه لم يمتثل لأوامرها تلك
و صفع الباب خلفه بقوةً، فتحته و قالت بوعيد
- ماشي يا أدهم و الله العظيم ما هاسيبك
صفعت الباب وجلست خلفه ضامة ساقيها أمام صدرها ظلت تبكي حتى كادت أن تفقد وعيها
مر اليوم و لم يأتي أدهم و لا تعرف أين هو، كانت حائرة لا تعرف ماذا تفعل تخبر أخيها أم لا فإن أخيرته سيقف بجانبه كما يفعل دائمًا
حاولت أن تصل إليه و لكن دون جدوى، ظلت
تجوب الردهة ذهابًا إيابًا و عيناها لا تبرح ساعة الحائطة لتجد أن الساعة تجاوزت الخامسة فجرًا و لم يأتي، و بعد مرور عشر دقائق تقريبًا أتى و هو لا يرَ أمامه مازال لم يتحدث معها تجاهلها متجاوزًا إياها، ولج المرحاض ثم خرج بعد أن اغتسل افترش بجسده على السرير، ارخى جفنيه وقبل أن يغط في نومًا عميق سألته بنبرة حادة قائلة:
- كنت فين يا بيه و راجع لي وش الفجر؟!و لا فاكرها وكالة من غير بواب ؟!
- هالة لمي الدور أنا تعبان و محتاج أنام
سألته بنبرة ساخرة و قالت:
-هو في دكتور محترم يقول لمي الدور ؟!
رد على سؤالها بسؤالًا بنبرة لا تقل عن نبرتها و قال:
- و هو في دكتورة عاقلة تتخانق مع جوزها وش الفجر ؟!
ولها ظهره و قال بهدوء وهو مازال مغمض العينين
-نامي وقول اللهم اغزيك يا شيـ ـطا.ن بدل ما هو راكب راسك كدا
لم تمتثل لأمره و ظلت جالسة حتى صباح اليوم التالي، كانت الساعة التاسعة صباحًا حين كان واقفًا ينظر لصورته المنعكسة في المرآة يصفف خصلات شعره بأنامله، بينما هي كانت تأكل أناملها من فرط الغيظ، نظر لها و قال بنبرة ساخرة:
- طب و بعدين هتفضلي كدا تأكلي في نفسك كتير ؟!
لم تعقب على سؤاله شاحت بوجهها بعيدًا عنه
بينما هو سار تجاهها جلس على جافة الفراش
و قال بنبرته الحانية:
-متزعليش مني امبارح كنت متعصب اوي مستقبلي كله كان على كف عفريت و اللي بنيته في سنين هايروح، و أنتِ بدل ما تطمنيني بتطلبي مني الطلاق بقى وحياتك دا كان وقته امبارح ؟!
داعب خديها و قال بإبتسامة واسعة:
- فين إبتسامة لولو القمر اللي بتنور يومي ؟!
ابتسمت رغمًا عنها لتقنعه بأنها مررت الموقف على خير، اليوم ستثبت لأخيه و للجميع أن أدهم خائن و الدليل الشقة التي يقضي فيها الثلاث ساعات الأخيرة من الليل يومًا.
بعد مرور ساعة تقريبًا
وصل أدهم إلى تلك البناية التي يتردد عليها بشكلٍ يومي، كانت جالسة في سيارة الأجرة
حين لوح بيده لحارس العقار الذي على ما يبدو أنه يعرفه جيدًا، دفعت النقود ثم ترجلت من السيارة متجهة نحو البناية انتظرت المصعد حتى توقف في الطابق السابع، ما هي إلا ثوانٍ و طلبت المصعد ولجته وضغطت على نفس الطابق الذي صعد فيه زوجها، نبضات قلبها تتسارع جميع شكوكها ستُصبح حقيقة الآن، الطابق مكون من شقة واحدة و هذا سهل عليها الأمر كثيرًا، قرعت الناقوس
بعنف حتى فتح لها أدهم و حاول رسم الدهشة و الذهول على وجهه، تمتم بجدية مصطنعة و قال:
- هـ ا هالة ؟! أنتِ عرفتي المكان دا ازاي؟!!
تجاوزته و هي تدفعه بعنف سارت مندفعة تجاه إحدى ادغرف بحثت في كل مكان و لم تجدها خرجت له مرة أخرى و قالت:
- هي فين ؟
سألها بنبرة متعجبة و قال:
- هي مين ؟!
أجابته بعصبية:
- مراتك التانية فين ؟!
رد أدهم بتفهم و قال:
- اه مش تقولي كدا من الاول يا شيخة خضتيني
سار تجاهها عانق أنامله بأناملها و قال:
- تعالي معايا و أنا اخليكم تتعرفوا على بعض
كادت أن تفلت يدها من يده لكنه قبض عليها بقوة حتى توقف عن أحدى الغرف دس يده في جيب بنطاله و قال:
- المفروض كنت عرفتك عليها من بدري وجبتك بس مشكلة وفرتي عليا حق الأجرة
دفعته في كتفه و قالت من بين أسنانها:
- و كمان ليك نفس تهزر ؟!
دفعها من خصرها و قال بنبرة ساخرة:
-اقرئي دا لو بتعرفي يعني يا دكتورة ؟!
نظرت للوحة معدنية كبيرة دون عليها اسم زوجها تمتمت بخفوت قائلة:
-الدكتور أدهم أحمد الشرقاوي أخصائي النسا والتوليد و استشاري المناظير
نظرت له و قالت بإبتسامة واسعة:
- دي عيادتك الجديدة يا حبيبي ؟!
أومأ لها برأسه و قال:
-هي صغيرة بس تكفي الغرض
- مبروك يا حبيـ....
ردت مقاطعة مباركتها قائلة:
- بس و أنا أعرف منين إن دي عيادتك فعلًا مش شقتك الجديدة اللي هتتجوز فيها بنت عمك ؟!!
ردت أدهم بنبرة مغتاظة و قال:
-هو أنتِ مستخسرة فيا كلمة حبيبي هو أنا للدرجة مش واثقة فيا .
لم تعقب على سؤاله بينما هو حاوط ظهرها مسندًا بذقنه على كتفها و قال:
- طب أنا بقالي معاكي ست شهور في الست شهور دي عمرك شوفتيني ببص لواحدة غيرك ؟!
كادت أن ترد لكنه قاطعها قائلًا بسعادة:
- شفتِ اومال إيه بقى دا أنا حتى ملاك بجناحات
نظرت له وقالت بنبرة مغتاظة:
- إيه الثقة اللي أنت فيها دي منين ؟!
- منك يا روحي
- متبقاش تثق فيا تاني
ضحك علي حديثها و راح يقول بتذكر:
- قولي لي صحيح يا روحي هو إيه التخفي العظيم اللي عملتي دا ؟ يعني مش تخلي التاكسي يبعد إن شاء الله متر عشان ما شوفكيش ؟!
- أنت شوفتني ؟!
- دي مصر كلها شافتك ياروحي و الصراحة كنت ميت على روحي من الضحك على التخفي العظيم بتاعك
ضحكا الثنائي الجميل و ذابت الخلافات بينهما كالعادة كما أن عادت الحياة لمجرها الطبيعي
انشغل أدهم على مدار ستة أشهر كاملة في إثبات نفسه أمام امبراطوية عمه الذي كان يريده نسخة منه، ساعدته هالة في بناء مستقبله من جديد، على الرغم من فكرة العودة إلى المانيا مازالت مسيطرة عليه بشكلٍ كبير يا ليتها توافق.
*******
في مساء أحد الأيام
كانت واقفة مع أخيه في ردهة المشفى في انتظار مولده الثاني، كانت تشعر بالغثيان الشديد و ماهي إلا دقائق و بدأ سائل دافئ ينساب على فخذيها، جلست جوار والدتها و أخبرتها بخفوت فردت والدتها قائلة:
- لا متاخديش مسكن اصبري دلوقتس ننزل نشوف دكتورة
ردت هالة و قالت بحزنٍ دفين :
- على إيه يعني ياماما ما هو امبارح كان معادها فاكيد جت أنا هنزل اخد مسكن عشان أقدر اكمل اليوم
لم تستطع السيطرة علي ابنتها ما إن تر كت والدتها انسابت دموعها على خديها، مرت على الطبيبة المتخصصة و قالت بهدوء بعد أن تحكمت في نبرة صوتها المرتعشة:
- هو احم هو أنا المفروض كان معادها امبارح بس مجتش و النهاردا حصلي وجع شديد في بطني و ضهري و بعدها حسيت بيها
نظرت الطبيبة و قالت بهدوء:
-أنتِ متجوزة بقالك قد إيه ؟!
ردت هالة و قالت بيضق لتعرضها لمثل هذه التساؤلات :
- أنا مش جاية اتعالج
تابعت بجدية:
- أنا جوزي دكتور نسا وتوليد، أنا جوزي الدكتور أدهم أحمد الشرقاوي لو حضرتك تعرفي
- طبعًا أعرفه عز المعرفة دا كان زميلي في الكلية
تابعت بهدوء قائلة:
-أنتِ جاية عاوزة تعرفي الحمل اتأخر ليه ؟!
- لا
ردت الطبيبة و قالت بنبرة حائرة:
- مدام هالة أنا حقيقي مش عارفة حضرتك جاية ليه ؟! ياريت تعرفيني
- أنا كنت متجوزة قبل كدا و محصلش حمل و لا مرة حملت و لا مرة اتأخرت عليا دايما بتيجي في معاده بالكتير بتيجي متأخرة يوم واحد بس زي كدا فأنا كنت حابة بس اخد مسكن و أشوف الوجع الشديد دا سببه إيه
أومأت الطبيبة بتفهم و قالت:
-طب اتفضلي اقعدي على السرير عشان نشوف الرحم أخباره إيه ؟!
جلست الطبيبة على المقعد أمام الشاشة وبدأ تحرك الأشعة يمينًا و يسارًا، كانت هالة عيناها معلقتان على الشاشة لا تفهم شيئًا لكنها في انتظار تفسير الطبيب، نظرت الطبيبة لها و قالت:
- هو أنتِ متجوزة بقالك قد إيه ؟!
ردت هالة بنبرة متوجسة:
- سنة و شهرين
حركت الطبيبة رأسها علامة الإيجاب و تابعت كشفها حتى سألتها هالة بتوجس
- خير يا دكتور الرحم في حاجة ؟!
نظرت الطبيبة لها و قالت بجدية:
- هو في حاجة بس مش قادرة أتاكد منها اوي بس خليني دلوقتي اسألك سؤال و بعدها ليكي طبعًا حرية القرار
- خير يا دكتور ؟! قلقتيني
- أنتِ مؤمنة بالله و عارفة إن أي حاجة ربنا بيجيبها خير
- طبعًا و الحمد لله على كل حاجة، خير يادكتورة
ردت الطبيبة و هي تقف عن المقعد ثم أشارت لها بالقيام، جلست خلف مكتبها و بدأت تدون لها بعض العقاقير الطبيبة، جلست هالة امامها لا تعرف مالذي تتدونه لها حتى قالت بإبتسامة واسعة:
- أنتِ متأكدة إن هي غيابة عن معادها يوم واحد بس ؟
ردت هالة بضيق من كثرة تساؤلات ادطبيبة و قالت:
- دكتورة هو في إيه بالظبط ؟ أنا مش فاهمة إيه كل الاسئلة دي ؟!
ردت الطبيبة و قالت:
- مبروك يا هالة أنتِ حامل في تمن أسابيع بالظبط و داخلة على الأسبوع التاسع
تمن أسابيع ازاي ؟! دكتورة حضرتك بتقولي إيه إذا كان الشهر اللي فات كانت عليـ....
أردفت هالة عبارتها المتعجبة و هي تتحدث بعدم استعياب، طرقت ثم ولج بعدها أدهم
وقفت الطبيبة تصافحه بينما حاولت هالة أن لا تخبره بما لكن الطبيبة تسرعت و اخبرته قائلة:
- مبروك يا دكتور و ربنا يقومها لك بالسلامة
عقد أدهم ما بين حاجبيه و قال بإبتسامة واسعة:
-هي مين ؟!
-هو فين إيه يا جماعة كبكم مش مصدقين كدا ليه مبروك دكتور أدهم مدام هالة حامل في أسبوعها التامن و قربت تدخل على التاسع كمان
نظرت هالة لأدهم و قالت من بين دموعها وهي تنظر لزوجها و قالت:
- أدهم هي تقصد هالة مين ؟!هالة دي اللي هي أنا ؟! أنا هابقى أم أدهم هي بتتكلم عليا أنا ؟!
انقلب حاله و تزحامت أفكاره، ظل يهدأ من روعها حتى يعرف ما قالته الطبيبة منذ الدقائقهل حقيقة أم لا، أعطته ورقة من اللون الأبيض و الأسود بها صورة جنين في أسبوعه الثامن تحديدًا، أشارت الطبيبة بالقلم و قالت
-هو أنا لسه مش متأكدة اوي بس الواضح كدا و الله اعلم في جنين تاني الحمل لسه ضعيف عشان مش ظاهر بأمر الله هنتأكد بعد أسبوعين تكون الدنيا أحسن مبروك مرة تانيـ....
قاطعة مباركتها و هي ترَ بأعين ذاهلة سقوط هالة فاقدة للوعي، لم تتحمل هالة هذا الكم من المفاجآت تم نقلها لغرفة عادية بعد أن عمل اللازم لها، علم الجميع بخبر حملها عمت السعادة على العائلة بينما كان أدهم في عالمًا و أخير'ا بعد طول إنتظار تحققت أمنتيه، كفكف دموعه للمرة التي فشل في عدها.
أدهم أدهم
نادته بنبرة خافتة استدار بجسده كله لها، جلس على حافة الفراش تناول كفها بين راختيها و قال:
- قلب أدهم و عيونه و دنيته كلها
ابتسمت تلقائيًا لتذكرها ما حدث تحسست باطنها و قالت:
- أنا حامل يا أدهم أنا طلعت بخلف و هبقى أم قريب أنا مش بحلم مش كدا ؟!
طبع قُبلة حانية على كفها و قال:
- لا يا روحي مش بتحلمي و حقيقة،ربنا كريم و قادر على كل شئ، ربنا خيب ظن ناس كتير قوي كانت كانت
امتنع عن الكلام كي لا يجرح حبيبته بكلمات
رغمًا تفوه بها و لأول مرة منذ سنة و أكثر
عقدت ما بين حاجبيها و قالت بنبرة متسائلة:
- قصدك إيه ؟!
كفكف دموعه و قال باسمًا:
- و لا حاجة يا حبيبي سيبك من الناس و كلامها و الدنيا كلها خلينا فرحتنا الحلوة دي
سألته بإبتسامة باهتة قائلة:
- عمك كان بيقلك إني عمري ما هاخلف و لا أكون أم صح ؟!
أومأ لها برأسه علامة الإيجابثم قال بنبرة متحشرجة إثر البكاء
- آخر مرة شفته فيها كانت يوم ما اتخانقت أنا وأنتِ كان بيحاربني بأي طريقة عشان أرجع له و أبقى تحت جناحه، وقف ضدي و مبقتش عارف اشتغل في مصر سبت له البلد كلها و سافرت أختي كانت فاهمة إن دي رغبة مني
نظر لها أدهم و قال بأعين مليئة بالدموع
-بس الحقيقة هي إن مكنتش عارف اشتغل في مصر شغل خاص بيا كل ما افتح عيادة يقفلها بطُرقه الملتوية، كرهت البلد باللي فيها
قررت أسافر عشان أعرف اجهز أختي بقيت ادعي ربنا يسترها معايا و أعرف اخلص جهازها و متحسش بأي حاجة أول ما ليالي اتجوزت اتشاهدت حسيت إن حِمل و راح من على قلبي، بقيت اقول لنفسي حتى لو مشتغلتش خالص مش مشكلة اهو بقيت بطولي و هعرف اشيل نفسي
تناول كفها بين راحتيه و قال بنبرة حانية و هو يطبع على ظهر يدها قبلة ناعمة:
- بس أنتِ جيتي خطفتيني و بقيت زي المجنون عاوز أأقرب بس ببعد عشان مش عارف حتى تمن أكلتي الإسم دكتور و الفعل عمي ماسكني من روحي و مضيق عليا كل الطرق و السكك و كأنه حوت بالع كل النلس في بطنه
قلت لنفسي ما تسافر تاني يا أدهم و اعملك القرشين و تعال اتجوز و لا خدها و سفروا إيه المشكلة ما كتير بيعمل كدا عادي يعني !!
تنهد بعمق و قال :
- إصرارك على وجودك هنا في مصر خلاني مش عارف ارجع تاني المانيا و لا عارف اعيش هنا كل خطوة يظهر لي عمي و يبوظها لي
يا كدا يا اتجوز و ادير كل اعماله، رفضت
نظر لها و قال بقهرٍ و حسرة:
- عايرني ! تخيلي لما قلته سبني اشوف حياتي و اسافر و ابني مستقبلي زي ما أنت ما عملت قالي إيه ؟
ردت هالة بنبرة متعاطفة قائلة:
- إيه ؟
- قالي هتعمل لمين لما مراتك عقيـ..
لم يُكمل حديثه و قال بنبرة مختقنة:
- سيبك من كل دا خلاص بقى
ابتسم له وقالت:
-مراتك مش هتخلف و لا ليها في الخلفة أصلًا و إنها تحمد ربنا لأنك متجوزها تقبل ترفض مش حقها و إنك مهما عملت عشان تخلف مش ها تخلف مش كدا ؟!
عقد أدهم ما بين حاجبيه و قال:
- و أنتِ عرفتي ازاي ؟!
ردت باسمة قائلة:
- لا أبدًا أصله جالي مخصوص و قالي نفس الكلام و قالي لو بحبك بجد اسيبك تتجوز اللي تجيب لك اللي يشيل اسمك بدل ما أنا مليش لازمة
عمي جه البيت و قالك الكلام دا يا هالة و أنا آخر من يعلم ؟!
أردف أدهم عبارته الغاضبة و هو يتابع عيناها التي لا تبرح خاصته، تحسست خده و قالت بإبتسامة واسعة:
- سيبك جه إمتى و سيبك من كل دا كفاية عليا فرحتك و عوض ربنا لينا
تابعت بسعادة غامرة و هي تضع يدها على باطنها و قالت:
- دا طلع عوض ربنا جميل قوي يا أدهم
- و هو دا اللي كنته بقوله لك يا هالة اصبري و كل حاجه بتتمنيها ها تتحقق
ردت هالة قائلة:
- ايوة بس الأمنية دي اتحققت متأخرة قوي يا أدهم
نظر لها نظراتٍ معاتبة ثم قال بعقلانية:
- مافيش حاجة ملهاش زمان و مكان و ربنا كاتب لك تخلفي بس مني، حكمة ربنا في تأخير حملك هي إن مكنش ولا أب من اللي اتجوزتيهم هو الشخص المناسب
تابع بتساؤل و هو يمرر ظهر يده على خدها و قال :
-طب و حياتي عندك كان ها يبقى حالي إيه لو كنتي خلفتي من حد فيهم و اتحملتي الضرب و الإهانة عشانهم ؟!
مالت بوجهها على كفه طبعة قبلة ناعمة بالكاد يشعر بها ابتسمت و قالت:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي
وقف عن مقعده و جلس جوارها و هو يقول بنرته الحانية:
- و يخليكي ليا يا روحي
لحظاتٍ من الصمت الشديد قبل أن تسأله بفضول قائلة:
- دومي
- اممم
- هو ازاي أنا حامل و بينزل عليا د.م مش كدا يبقى غلط البيبي ؟!
ابتسم على سؤالها و قال بنبرة حانية مطمنئة
- متقلقيش يا حبيبي دا بيحصل في حالات كتير و بيستمر لمدة تلت شهور مثلا و يمكن أقل و دا بيكون زيادة البيبي مش محتاجه
ردت باسمة و هي تقول بنبرة متعجبة
- أنا ازاي مأخدتش بالي إني حامل لو كنت عملت عمايل
سألها بنبرة متعجبة و قال:
- يا ستي احنا فيها قولي لي بقى هتعملي إيه
ابتسمت ملء شدقيها و هي تعد على أصابع اليد قائلة:
- كنت نمت على ضهر و طلبات حاجات كتيرة زي ما الستات ما بتعمل
تابعت و هي تنظر له قائلة بحماس:
- و طلبت منك أكل في وقت غير أوانه و تقعد تقضي معايا أكبر وقت و أنت بتوعد ابننا على إنك هتبقى احلى أب و هاتبطل عصبية عشان مايطلعش زيك عصبي و توصي عليا و تقول لأبننا إنـ...
بترت حديثها ثم نظرت له و هي تقول بإبتسامة واسعة من بين دموعها:
- أنا بقيت بقول ابننا يا أدهم ؟! أنا حامل و هبقى أم
لم يعقب على حديثها الذي لم تمل منه اليوم و الذي على ما يبدو أنها لن تنتهي منه حتى ينتهي الحمل نفسه لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها .
بعد مرور شهرًا كاملًا
كانت واقفة تنظر لصورتها المنعكسة في المرآة
تتحسس باطنها و هي تقول بإحباط:
- هي بطني مش راضية تكبر ليه ؟! مع إن بأكل كتير ؟!!
رد أدهم و قال بنبرة وهو يعقد رابطة عنقه و قال:
- يا روحي أنتِ لسه في بداية التالت و لسه قدام شوية متستعجليش بكرا بطنك تكبر و تبقي شبه الكورة
زفرت ما برائتيها و قالت:
-إمتى بقى بجد إمتى؟!
التقط معطفه و قال بنبرة حانية وهو يقبل رأسها:
- متقلقيش يا روحي قريب إن شاء الله يلا باي بقى عشان اتأخرت
ردت بتذكر قائلة:
- هات أكل معاك عشان مش هعمل أكل
وضعت يدها على باطنها و قالت بإبتسامة واسعة:
- حامل بقى
القى قبلة في الهواء و هو يؤمى برأسه علامة الموافقة فهو ليس لديه أي حلًا آخر، لقد فرغت هالة طاقة العشر سنوات من الحرمان دفعة واحدة، لم يكل و لن يمل و لكن أن تمنتع عن حقوق الشرعية خوفًا على حملها هذا أكثر ما أزعجه حقًا خلال الفترة الماضية، بعد أن قرأت نصف المقالات التي كتبت عن الحمل
و هي قررت أن تسمح له أخيرًا .
******
بعد مرور يومان
كانت في مكتبه تجذبه من يده تجاه سرير الكشف و تقول برجاء
- خليك جدع بقى يا دومي
رد أدهم و قال بتعب و إرهاق
- دومك تعبان و هلكان و أنتِ يا هالة لسه عاملة سونار امبارح و كدا غلط يا ر'حي المفروض كل أسبوعين و في الشهور الأخيرة مرة في الأسبوع أنتِ بقى غير الناس عاوزة كل يوم ؟!
ردت بتوسل و هي تقترب محاوط يدها حول رقبته قائلة بنبرة ناعمة:
- عاوزة أشوف ابننا يا دومي و اسمع النبض تاني
رفعت عويناته الطبية ولكنه قرر أن يعكس دفة الحوار و هو يجبرها على الخروج من غرفة المكتب و قال:
- تعالي بقى لما احكي لك زمان كانوا بيطمنوا على البيبي ازاي قبل ما يخترعوا السونار اللي واكلة دماغي بي .
دفعها برفق للخارج رغم تذمرها لكنه نجح في مغادرة العيادة، منذ أن علمت بأنها تحمل داخل أحشائها طفلين و ليس طفلًا واحدًا
تريد أن تشاهدهما ليلًا نهارًا .
بعد مرور أشهر الحمل كاملة على خير
وضعت هالة توأمها أنثى و ذكر، اسمتهما
كارما و كرم، جلس أدهم على حافة الفراش يطالعهما بأعين مليئة بالفرحة و السعادةثم قال:
-بس كارما صغنونة قوي كدا ليه ؟!
ردت والدة هالة قائلة بإبتسامة واسعة:
- الحمد لله إنها قامت بالسلامة الصغير بكرا يكبر يتربوا في عزك يا حبيبي
جذبت هالة يد أدهم و قالت بنبرة متعبة:
- هما شبه مين يا أدهم؟!
- شبهك يا روحي
رد إبراهيم و هو يحمل صغيره الثاني الذي تجاوز العام بأشهر قليلة
- شبه مين يا عم دا أنا أختي أحلى دول شبهك أنت يا أدهم
ردت ليالي و قالت بإبتسامة واسعة وهي تلكزه كتفه قائلة:
- لا ياحبيبي اخويا أحلى
ردت والدة هالة و قالت بنبرة ساخرة:
- دلوقتي اخوكي بقى أحلى ماهو كان بيقول على ولادك البدع وكان بينك و بينه مصانع الحداد و مستحلفة له تردي حق ولادك يوم هالة ما تولد ؟!
ردت ليالي بجدية مصطنعة:
- لا يا يا طنط ماهو اخويا بردو و مبحبش أبدًا يقول عنه كلمة وحشة
ضحك إبراهيم و قال بسخرية:
- اللي بتقلك أخوها دي اخوها اشترى سكوتها بعربية و قطر لسه نازلين جداد لعيالها ووعدها بفانوس رمضان ليها قبل عيالها فـ تلاقيها في النفاق مش كدا
ضحك الجميع على كلمات إبراهيم بينما عبست ليالي بملامحها و هي تنظر لزوجها الذي حاوط كتفها ضامها إليه و قال بجدية مصطنعة:
- بس يا عيال دي لولو العسل كله ومتعرفش تنافق
رفعت هالة بصرها لزوجها و قالت:
- هما حلوين يا أدهم
رد أدهم وهو يحملهما و قال بإبتسامة واسعة:
- حلوين وحشين كفاية إنهم منك.
اغروقت عيناها بالدموع و هي تنظر إليهم، ابتسم لهما و قالت بنبرة مرتشعة إثر البكاء
- اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و عظيم سلطانك، وعدك حق يارب.
******
بعد مرور عام كامل
كانت هالة جالسة مع أولادها في غرفة الألعاب خاصتهم، تلهو و تشاركهما معظم اوقاتهما في اللعب حتى الآن لم يرأهم أحدًا من الأصدقاء و المعارف تخشى أن تصيبهما العين و تقهر هي فيها لم يمانع أدهم علي تعليماتها الصارمة
بالأحرى لا يقوَ أن يفعلها من الأساس، كان صغيرها يبعد عن شقيقته ليعرف ان يستمتع بالعابه بعيدًا عنها، بينما كانت الصغيرة تتذمر
من أفعاله تلك، بدأت المشاجرة بينهما كالعادة
حتى تتدخلت هالة لفض النزاع قائلة بجدية:
- كارما كدا غلط دا أخوكي حبيبك يلا العبـ....
قاطعها صوت رنين المنزل تعجبت و هي تنظر لساعة الحائط تمتمت و هي تسأل حالها بخفوت
- غريبة دا مش معاد رجوع أدهم ؟!
تابعت بتحذير لأولادها قائلة:
- العبوا هنا و محدش يعمل صوت خالص ماشي
خرجت من غرفتهما متجه نحو باب الشقة
نظرت من العين السحرية وجدت أخيها و زوجته و أولاده، فتحت و الإبتسامة تزين ثغرها قائلة:
- حبايبي الحلوين وحشتوني
اختفت الإبتسامة من على ثغر أخيها و قال:
- طب قولي إني وحشتك معاهم عشان مراتي متقعدش تذل فيا في الرايحة و الجاية
تجاوزها و هو يلج غرفة الالعاب مع أولاده و قال:
- جهزوا الغدا عشان جعان
ما إن فتح باب الغرفة دوى صياح الأطفال ليندمج معهم إبراهيم و كأنه طفلًا، نزع عنه معطف حلته و رفع أكمام قميصه الأبيض ليبدأ معركة جديدة مع العاب الجديدة ابتاعها لهما
على الجانب الآخر من نفس الشقة
كانت ليالي تقطع الخضروات و هي تعاتب هالة قائلة:
- ملكيش حق بردو يا هالة هو يعني أدهم هايحسد عياله دا حتى أبوهم ماينفعش كدا يا روحي مش كل ما يقول حاجة عنهم تكسفي
ردت هالة قائلة:
- مش قصدي و الله يا ليالي بس أنتِ متعرفيش أنا ببقى مرعوبة عليهم ازاي أنا نفسي بخاف عليهم من عيني
- يا حبيبتي سيبك من الكلام دا و سيبها على الله هو الحارس
-و نعم بالله
تابعت بتذكر قائلة:
- صحيح جبتي الهدية اللي قلت لك عليها عشان أدهم ؟!
- اه يا حبيبتي جبتها
تابعت هالة بنبرة حزينة:
- تعرفي يا ياليالي أنا مقصرة في حق أدهم قوي و مع ذلك هو ماشتكاش أنا حاسة بي بس هعمل إيه بس أنا وقتي كله مع الولاد
ردت ليالي و قالت:
- رتبي وقتك عندك أنا مثلا لما لاقيت إن شغلي هايجي على مسؤولية ولادي أخدت إجازة طويلة و لما حصلت مشاكل كبيرة بين عمي و أدهم و طرد اخويا قمت قدمت استقالتي و قلت الشغل اللي يجي علي اخويا وولادي مش عاوزاه جه اخوكي بعدها أجر لي شقة عشان اعملها عيادة من حاولي شهرين
لاقيت نفسي بهمل في إبراهيم وولادي عشان ابني العيادة ولادي بيتعبوا وأنا مش جنبهم
ردت هالة قائلة بعتاب :
- اخس عليكي يا ليالي وهو أنا ولا ماما كنا بنقصر معاهم و لا حتى إبراهيم ؟!
نظرت ليالي لها و قالت بهدوء:
- يا حبيبتي محدش فيكم قصر و أنا مقولتش دا بس عيالي يتعبوا و أنا موجودة يبقى مستحقش أبقى أم يا هالة .
في المساء
بعد أن غادر إبراهيم و عائلته و غفى الأطفال في سباتٍ عميق، جلس أدهم يحتسي قدح القهوة في هدوءٍ تام، كان يتابع التلفاز بإهتنام شديد رغم خفض صوته بناءً على تعليمات هالة، خرجت من غرفتها في كامل زينتها
و لأول مرة منذ قترةً طويلة، حاول تجاهل هذا الجمال لكن بحركاتها و غنجها نجحت و بجدارة في هزمه، جلست جواره و قالت بخفوت
- هو أنت مش المفروض عندك شغل بكرا ؟!
رد يإبتسامة سمجة وقال:
- لا بكرا الجمعة
ابتسمت له و قالت بنغج بالغ:
- طب بما إن النهاردا الخميس و بكرا الجمعة مبيفكرش بحاجة ؟!
رد بنفس الإبتسامة وقال:
- لا مبفكرش
- طب افكر لك أنا
- لا تفكيرك وحش
تنهدت بعصبية مفرطة و هي تقف عن الاريكة و قالت:
- طب على العموم بقى النهاردا عيد ميلادك و أنا كنت ناوية اعملك مفاجأة بس أنت طلعت متستاهلش و كل سنة و أنت طيب و عن أذنك
رد أدهم بجدية مصطنعة:
- و لازمتها إيه كل سنة و أنت طيب خديها يا مدام أنا مبحبش حد يتفضل عليا
وقف عن الأريكة و قال:
- و من غير عن أذنك ها
ولج حجرته و ما هي إلا ثوانٍ معدودة و تبعته
احتضنته من الخلف و جميع عبارات الأسف التي تعرفها قالتها دفعة واحدة، لاحت إبتسامة خفيفة على ثغره، التفت لها محاوطًا خصرها بين ذراعيه بينما أعادت رأسها قليلًا للخلف
همست من بين شفتيها قائلة بحنو و حب:
- كل سنة و أنت حبيبي
مال بوجهه على وجهها ارتوى من رحيق شفتاها الذي لا يرتوي منه أبدًا، نظر لها و قال بإبتسامة واسعة:
- و أنتِ دنيتي الحلوة و نور عيني
********
بعد مرور عدة سنوات من السعادة و الشقاء
تجمعت العائلة في يوم الجمعة من كل أسبوع
ما دام أدهم و عائلته هنا بمصر، في الأوان الأخيرة قرر السفر إلى المانيا و الاستقرار هناك
بدلًا من تحكمات عمه الذي لا يهدأ عنه أبدًا .
ولجت كارما التي تجاوزت عامها العاشر بأيام معدودة هزت جسد خالها إبراهيم الذي للتو ارخى جفنيه، الوحيدة من بين أفراد العائلة
التي لها هذا الحق حتى ليالي نفسها لا تملك هذا الحق، وقفت أمامه و نير ان الغيظ تأكل قلبها من أفعال ابنه، فتح جفنيه بتثاقل متسائلًا بنبرة تملؤها النعاس:
- في إيه يا كوكي ؟!
- قوم شوف ابنك دي
اعتدل إبراهيم في جلسته و الإبتسامة تكشف عن نواجزه تسأل في جدية مصطنعة قائلًا:
- ماله و مالك اللي مابيفهمش اللي اسمه أنس دا ؟!
-عاوزنا نروح شرم و أنا عاوزة أروح أسوان
حك إبراهيم مؤخرة رأسه و قال بجدية
- و طبعًا عاوزة حكم محكمة مش كدا ؟
- اه قوم يلا
بعد مرور دقائق
جلس إبراهيم على المقعدة و انقسمت الأحفاد العشرة إلى مجموعتين، نظر أنس لأبيه الذي تجاوز الثانية عشر من عمره بأشهر قليلة و قال:
- كل واحد فينا هايقول أسبابه والدوافع اللي خلته عاوز يروح المكان بتاعه و بعدها يصدر حكم المحكمة بعد إجماع رأي الأغلبية زي ما متعودين
رد إبراهيم بتفهم و قال بجدية مصطنعة
- مافيش مشكلة و أنا الحمد لله معروف بالنزاهة و الشفافية
رد أنس ساخرًا من جملة أبيه
- طبعًا طبعًا
وقف أنس يترافع و كأنه محام له عدة أعوام
ظلت جدته تمتم بالبسملة عليه و على لسانه الفصيح الذي لم يخطئ في حرفًا واحد.
ابتسمت والدته و قلبها يتراقص طربا على ذاك الصغير الذي يشوبه والده حد التطابق في كل شئ انتهت المرافعة و صفق له الجميع و على رأسهم الجدة و هي تقول
- ياختي اسم الله عليك طالع لأبوك عقبال ما أشوفك وكيل نيابة يارب
رد إبراهيم بجدية قائلًا :
- عندك غلطتين ياريت ناخد بالنا بعد كدا يا أنس
وقف أنس و قال بعتذار:
- عذرًا سيدي القاضي و لكن ربما لأني مازلت أشعر بالتعب
وقفت كارما عن مقعدها متجه نحو خالها، تنحنت ثم قالت بصوتها الرقيق.
- سيدي الكاضي
ضحكت الأطفال عدا إبراهيم الذي نظر لها بعتابٍ بينما رد أنس مصححًا لها قائلًا:
-اسمها سيدي القاضي بالقاف مش الكاف
أخرجت لسانها وقالت بلكنة شبه مصرية لكنها حاولت قدر المستطاع التحدث بها كي لا يسخر منها:
- مسألكيش أنتِ
ضحك أنس و انضم له أخوته، و اخوتها، نظرت لخالها الذي هدر بصوت عال نسبيًا و قال بجدية مصطنعة:
- محكمة
التزم الجميع الصمت و بدأت هي تُكمل مرافعتها قائلة:
- سيدي القاضي حضرات السادة المستشوارين
ضحك أنس بقوة و هو يردد كلماتها الركيكة و متسائلًا:
- مستشوارين ازاي يعني كانوا بيعملوا استشوار ؟!
دبت قدماها أرضًا بينما تابع إبراهيم قائلًا بتغزل :
- متزعلش نفسك يا جميل قول اللي يعجبك كمل و أنا سامعك بقلبي قبل قلب المحكمة
تابعت كارما بإبتسامة واسعة و غنج:
- يرضيك يا قاضي نروح شرم في الشتا بدل ما نروح اسوان ؟! و تخلف بوعدك ليا ؟!
لطم كرم بيده على وجهه و همس بالقرب من أنس قائلًا:
- أختي كسبتي القضية خلاص
رد أنس قائلًا:
- متقلقش أنا بقالي تلت أيام بحضر في المرافعة دي و إن شاء الله ربنا ينصرنا و بعدين القاضي عنده نزاهة متقلقش
- أنت شايف كدا ؟!
- اه
- طب أشرب بقى
رد إبراهيم على سؤالها و هو يراقص حاجبيه
- لا طبعًا مايرضنيش يا جميلة المانيا
تنهدت كارما ثم قالت بنبرة غنجة:
- و أنا التمس من عدالة المحكمة إنها تبص لنا بقلبها و توافق على طلباتنا
رد إبراهيم و قال باسمًا:
- أنتِ تلتمسي قلب المحكمة و قلبي أنا كمان يا جميل
وقف أنس و قال باعتراض:
- أنا اعترض يا سيدي القاضي
رد إبراهيم و قال:
- اعتراض مرفوض و اهمد بقى و اقعد عشان هناخد برأي الأغلبية
تابع بجدية قائلًا:
-اللي موافق يروح شرم يرفع إيده و اللي موافق يروح الاقصر واسوان يرفع
ايده
رفعت العائلة باكملها أيدهم متضامنين مع أنس نظر لهما و قال بإنتصار
- عاش يا رجالة
عبست ملامح كارما لخسارتها القضية، رد إبراهيم و قال بجدية مصطنعة:
- حكمت المحكمة حضوريًا و بإجماع الآراء السفر إلى مدينة الأقصر
صاح الجميع معارضًا بينما ردد إبراهيم و قال:
- اعترضك مرفوض يا أنس باشا أنتوا عددكم تسعة و أنا وكارما حداشر
- ازاي يعني يا بابا ؟!
- هي واحدة و أنا عشرة و لا أنا قليل في البلد ؟!
ردت الجدة بجدية مصطنعة و هي ترفع ذراعيها للأعلى قائلة:
- لو أنت بتحسبها كدا يا قاضي يبقى أنا كمان مش قليلة في البلدة و لا إيه يا هيما ؟!
رد إبراهيم قائلًا بعتذر لابنة أخته:
- معلش بقى يا كوكي الحكومة حكمت
تابع بجدية و هو يطرق على سطح المنضدة الزجاجي و قال:
- حكمت المحكمة حضوريًا بالسفر إلى شرم الشيخ عشرة أيام و محافظة الاقصر واسوان عشرة أيام رفعت الجلسة .
عمت الفرحة في المكان مع صياح الصغار و على رأسهم أنس الذي انتصر في النهاية، ركض الاطفال نحو إبراهيم مرددين كلمات أنس بسعادة غامرة:
- يعيش إبراهيم باشا
التف الأطفال حوله و حاولوا التعبير عن فرحتهم قدر استطاعتهم، رؤية هذا البيت هكذا هذا هو الحلم الذي طال تحقيقه لدى الجدة و ها هو يتحقق بعد سنواتٍ عجاف
كل ما تريده من هذه الحياة الآن هو أن ينعم ابنائها و أحفادها بحياة هادئة خالية من الحزن
و التعب .
بعد مرور عامين
تجمعت الغائلة في منزل هالة و أدهم لحفل عيد الميلاد، انجبت ثلاثة أطفال بعد توأمها الأول آخرهما أحمد تيمننًا بإسم والد زوجها
أتمم عامه الثالث، التف الجميع حول المائدة
يرددون الأغاني الخاصة بهذه المناسبة .
وقف الصغير بين والديه و السعادة ترتسم علي ثغره، اطفى الشمع ثم صفق و كذلك الجميع بدأ الأطفال يوزعون الهدايا عليه
حتى أتى دور كارما طبعت قبلة ناعمة على خده ووضعت هديتها بين يده .
بعد مرور ساعة تقريبًا كان أنس يبحث عن أخيه الصغير كي يغادرون، وحده داخل غرفة
كارما ولج بعفوية و قال بنبرة معاتبة
- كدا يا ميمو تبهدل اوضتها دي كوكي هاتبهدلك دلوقت تعال يالـ....
قاطع حديثه ما إن سقطت عينه على صندوق من البلاستيك بها مجموعة من الخطابات، قاده فضله يقرأ هذه الاوراق الملونة، التقط واحدًا منهم و قام بفتحه قرأ ما دونته يدها بأعين ذاهلة ابتسم حتى كشفت الإبتسامة عن نواجزه تناول ورقة أخرى و قرأ جملة واحدة من ثلاثة كلمات فقط فرغ فاه ليردد كلماتها
بخفوت ....
❤النــــهاية ❤
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺🌹❤️🌺🌹🌹❤️🌺💙


0 تعليقات