رواية زوجي العزيز من أنت الفصل الاول حتى الفصل السادس عشر بقلم الكاتبه رباب حسين حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية زوجي العزيز من أنت الفصل الاول حتى الفصل السادس عشر بقلم الكاتبه رباب حسين حصريه وجديده
في منزل كان محاط بدفء مشاعر، عشق ممزوج بالحنان والاطمئنان، يبعث الراحة لمنزل صغير وكأنه محاط بهالة؛ ليست هالة شمسية تنير عتمة الحياة؛ بل هالة من نور الحب.
تنام سيلا بهدوء في فراشها، تحتضن وسادة زوجها حتى تستنشق عطره... الذي يبعث الراحة بقلبها، فهي لا تنام دون أن تطمئن أنه هنا، لم يغادر، ولكن ظروف الحياة تجبرنا أن نبتعد قليلًا عمن نحب، هو طبيب في بداية حياته العملية، يطلب العلم في كل مكان، وشغفه بعمله جعله من أشهر الأطباء الجراحين، لذا يسافر في كثير من المؤتمرات الطبية، تاركًا زوجته الجميلة وحدها، وسيلا ترفض أن تترك منزلهما في كل مرة، حتى يعود وتنعم بدفء أحضانه مرة أخرى.
نامت تلك الليلة، وهي تشعر بالسعادة، فهي تعلم أن ياسين زوجها عائدًا إلى أرض الوطن، فنامت وهي على ثغرها ابتسامة هادئة، ها قد يعود بعد فراق عشرة أيام.
وفي أثناء نومها العميق، سمعت صوت الباب يُفتح، نهضت سريعًا، ووجدت ياسين يقف أمامها، وابتسمت ابتسامة ناعسة مشرقة، وقالت بسعادة: جيت حبيبي أخيرًا!
نظر لها ياسين بابتسامة مرهقة من تعب السفر وقال: اه حبيبتي، معلش صحيتك.
نظرت إليه سيلا بتعجب، هو لا يتلهف لرؤيتها كعادته، فهو دائمًا ما يضمها إليه عند عودته من السفر، ويغمرها بحنانه المعهود، فعقدت حاجبيها قليلًا وقالت: مالك حبيبي؟ فيه حاجة مضيقاك؟
نظر لها قليلًا ثم قال بتوتر: لأ.. أبدًا، أنا كويس، بس تعبان من السفر يعني ومحتاج أنام.
أومأت له بهدوء، حاولت إن تلتمس له العذر، فهو يبدو عليه الأرهاق حقًا.
اقترب ياسين من الخزانة، وأخذ يبحث عن شيء، فقالت سيلا: بتدور على حاجة؟
ياسين: اه، فين البيجامات؟
سيلا بتعجب: ديه الدلفة بتاعتي أنا، هدومك إنت الناحية التانية.
ياسين: اه... صح صح.
بدل ثيابه، وهي تنظر إليه بتعجب، يبحث عن كل شيء يخصه بالغرفة، والعجيب أن ياسين من وضع تلك الأغراض بمكانها وهي لم تبدل مكانها، ثم اقترب من الفراش وتمدد بجوارها، مواليًا ظهره لها.
ظهر الحزن على وجهها، هو غائب عنها منذ مدة، لماذا هذا الجفاء؟ وتذكرت أنه لم يتصل بها كثيرًا أثناء سفره، بل إذا اتصلت به يتحدث معها بعض الكلمات، وينهي المكالمة متحججًا بالعمل، دب الشك بقلبها، "هل ياسين يخوني؟" سؤال ارتسم بعقلها، ولكنها نفضت الفكرة على الفور، هي تعلم مدى عشقهما لبعض، فهي تعرفه منذ عشر سنوات، وزوجته منذ ثلاث سنوات، وتثق به ثقة عمياء، لذا حاولت أن توقف هذا التفكير، وتصدق ما قاله، هو فقط مجهد بسبب العمل.
نهضت بهدوء من الفراش حتى لا يستيقظ، ثم دخلت إلى المرحاض، أخذت حمام وبدلت ثيابها وخرجت من الغرفة دون أن تصدر أي صوت، ثم غادرت إلى عملها.
ذهبت إلى المجلة، هي تعمل صحفية بمجلة فنية، ومعروفة في الوسط بصدق الأخبار التي تنشرها، فهي لا تروج إلى الإشاعات، بل تتحرى الدقة جيدًا قبل أن تنشر حرف واحد، وهذا ما علمه لها والدها، الكلمة كالسيف، وكل حرف ستحاسب عليه، لذا تراعي ضميرها جيدًا، خاصةً مع انتشار وسائل التواصل الإجتماعي ولجان التعليقات، ومحاولة تصدر عمليات البحث، والتي أصبحت الشغل الشاغل لدى كثيرًا من الناس، تاركين ورائهم كم من الذنوب، ولا يفكرون في اليوم الذي تجتمع فيه الخصوم عند الله.
دخلت سيلا مكتبها، وجلست بجوار صديقتها ليل، ونظرت إليها بابتسامة باهتة وقالت: صباح الخير.
نظرت لها ليل بتعجب وقالت: لأ.... مش هسمح بقى أشوف الوش ده النهاردة كمان، ياسين رجع الصبح وأكيد يعني مش زعلانين زي كل يوم، ولا إيه؟ مرجعش؟!
سيلا: لأ رجع، بس كان تعبان ملحقتش أقعد معاه.
ليل: يا سلام على الحب، عارفة قصة حبكم ديه بتفتح نفسي على الجواز، مع إني متأكدة إني مش هلاقي حد يحبني زي ما ياسين بيحبك.
سيلا: ليه يعني؟! ده إنتي زي القمر، بكرة تلاقي اللي يحبك ويقدرك.
تنهدت ليل وقالت: يعني يارب.
نظر كلًا منهما إلى الحاسوب، وبدئا مباشرة العمل.
مر اليوم، ونظرت سيلا إلى ساعتها، ثم نظرت إلى الهاتف لتتحقق من وجود اتصال أم لا، فياسين دائمًا ما يأتي إلى مقر عملها ويصحبها إلى المنزل بسيارته، إذا كان بالمنزل وليس لديه عمل خارجي أو بالمشفى، وهو اليوم في المنزل، لذا توقعت أن يأتي ليصحبها كعادته.
نظرت إلى الفراغ قليلًا، ثم قالت لنفسها: ممكن لسه نايم، شكله كان تعبان فعلًا، بس معقول نايم كل ده؟! الساعة بقت ٦.
أخذت أغراضها، وطلبت سيارة أجرة، وعادت إلى المنزل، كانت تفتح الباب بهدوء كي لا يستيقظ، ولكن تفاجأت بأنه يجلس أمام التلفاز، يشاهد بعض البرامج، ويتناول الطعام بهدوء، نظرت له بتعجب وقالت: إنت صحيت؟
ياسين: اه، ليه فيه حاجة؟
سيلا: عشان يعني مجتش توصلني زي ما أنت متعود، فا قلت إنك نايم لسه، استغربت إنك صاحي وطالب أكل من برا كمان، لا وبتاكل من غيري.
ياسين: لا ما أنا طلبتلك أكل معايا، ومعلش مقدرتش أجي أوصلك، أكيد يعني هتعرفي ترجعي عادي.
سيلا: اممم، عرفت أرجع اه.
تركته ودخلت الغرفة، ثم أغلقت الباب خلفها وجلست بالفراش، زفرت بضيق، ماذا يحدث؟ ما السر وراء ذلك البرود؟ ولماذا أشعر بأنه شخص غير مألوف؟!
وضعت يدها على صدرها، هناك إنذار داخل صدرها يجعلها تشعر بعدم الراحة، أخذت تستعيذ بالله، وتحاول أو تلتمس العذر له، ولكن لا يزال ذلك الشعور يؤرق صفوها، فنهضت وبدلت ثيابها حتى لا تفكر كثيرًا، وخرجت تجلس بالبهو وتتناول الطعام معه
أخذت علبة الطعام وجلست بجواره، وبمجرد أن جلست بجواره نهض هو على الفور وقال: هغسل إيدي.
أومأت له بالإيجاب، وهي تتعجب من سرعته في النهوض من جوارها، وكأنه يخشى أن تقترب منه، بدأت تفتح علبة الطعام، أما ياسين فالتفت ونظر لها بهدوء، ثم ذهب إلى المرحاض، غسل يديه، ثم وجهه، وظل ينظر بالمرآة إلى معالم وجهه، وكأنه يتعرف على نفسه من جديد، ثم تنهد بقوة، وأغمض عينيه محاولةً منه لبعث الهدوء داخل ثنايا صدره المضطرب، وبعد قليل، جفف وجهه وخرج من المرحاض.
اقترب منها بإضطراب، ثم جلس على الكرسي بعيدًا عنها، نظرت له ثم عادت النظر إلى التلفاز، وبداخلها ألف سؤال، ولكن لا تسمح لعقلها بالتفكير، وتسيطر على تلك الشكوك التي تحيط بها من كل مكان، حتى نظراته الحائرة التي تزيد من شكوكها، وحاولت أن لا تدقق بالأمر.
أنهت الطعام، وأخذت العلب الفارغة ووضعتهم بالمطبخ، ثم وقفت تتنهد بقوة، هناك ثقل داخل قلبها، وما يزيد من حيرتها، هو لماذا لا يحاول حتى أن يقترب منها؟ وكأنه يتهرب من مواجهة شيئًا ما.
بعد قليل، عادت وهي تحمل أكواب القهوة، ووضعت الكوب أمامه، فأخذه وارتشف منه على الفور، ثم ظهر على وجهه علامات الاشمئزاز وقال: إيه ده، حاطة سكر كتير ليه؟
تعجبت سيلا وقالت: ما أنت على طول بتشربها كده.
ياسين: لأ، مش كل السكر ده، خليها بعد كده سكر خفيف، ديه مسكرة أوي.
ظلت تنظر إليه دون رد، كيف ذلك؟! ياسين دائمًا ما يشرب القهوة مع كثير من السكر، ظلت تنظر إليه وهي تحمل كوب القهوة بيدها، وعلامات التعجب على وجهها، فهدأ وتحدث بتوتر وهو يضع يده على وجهه وقال: فيه حاجة في وشي ولا إيه؟!
سيلا: لأ، هو فهي حاجة بس مش في وشك، مالك يا ياسين، متوتر كده ليه؟
زاد توتره، ووقف أمامها وقال: ها... لأ مش متوتر، ليه بتقولي كده؟!
سيلا: إنت مش شايف نفسك، لا كلامك هو هو، ولا حتى أكلك، ده حتى المفروض تيجي مشتاق لأكل البيت، زي كل مرة لما بتسافر، إنت طلبت أكل وكمان كلت من غيري.
ياسين: لأ لأ، أنا... بس كنت جعان، مش أكتر يعني. ما.... بقولك إيه، تيجي ننام، أنا بصراحة مرهق وعايز أنام.
تنهدت بقوة، ووضعت كوب القهوة من يدها على الطاولة، أغلقت التلفاز، وذهبت إلى غرفة النوم، ولحق بها ياسين، وقفت أمام المرآة، تصفف شعرها وتضع بعض كريمات الترطيب على وجهها وكف يدها، ولاحظت نظرات ياسين لها بالمرآة، كانت عيناه حائرة، نظراته تدل على أنه يخفي شيءً ما، وأوضاعه مريبة ومثيرة للشك.
نهضت وتوجهت إلى الفراش، ولكن أمسكها ياسين من يدها وقال: إنتي بتبصيلي كده ليه؟
سيلا: أنا اللي عايزة أعرف إنت مالك بجد؟ فيك إيه؟!
ياسين: أنا؟!.... ولا حاجة، أنا كويس جدًا.
وضع يده على وجنتها وقال: على فكرة وحشتيني.
سيلا: لا مش حاسة بكده خالص، حاسة إنك مش طايقني، متغير كده معرفش ليه.
ياسين: لأ لأ، مفيش متغير، ده بيتهيئلك بس، أصل إيه اللي هيغيرني يعني؟! تعالي بس وإحنا نتفاهم يعني.
جذبها نحو الفراش، وبعد وقت، ابتعدت عنه بفزع، ونهضت من الفراش سريعًا ونظرت له بشك، وقالت: إنت مين؟
نظر لها وهو يتنفس بصعوبة وقال: مين إزاي يعني؟!
سيلا بغضب: رد عليا وقول الحقيقة، إنت مين؟! إنت مش ياسين، إنت مش جوزي، إنت مين قول الحقيقة.
وقف ياسين ينظر إليها ولا يتحدث فأردفت: بقولك قولي إنت مين؟! وفين جوزي؟
ياسين: أنا جوزك يا سيلا، فيه إيه مالك؟
ظلت تتحرك بالغرفة بتوتر وتقول: لأ... لأ لأ... أنا مش عبيطة، مش هتعرف تخدعني، أنا شاكة فيك من ساعة ما جيت الصبح، إنت لا يمكن تكون هو، كان ممكن أعدي كل التغيير اللي حصل ده، لكن لحد ما قربت مني، وأنا إتأكدت إنك مش هو.
ياسين بغضب: سيلا بلاش جنان واعقلي، يعني إيه أنا مش هو؟! إنتي اتجننتي، أنا ياسين جوزك.
سيلا بغضب: بطل تكدب عليا بقولك.
ياسين: اه، هو واضح إنك عايزة تتخانقي وخلاص، ديه مقابلتك ليا بعد ١٠ أيام بعيد عنك.
سيلا بتعجب: بجد؟! وإنت قابلتني إزاي لما رجعت من السفر؟! بالأحضان.
ياسين: اااااه قولي كده بقى، عاملة كل الحوار ده عشان يعني مسلمتش عليكي لما جيت.
سيلا: بطل تتكلم بالطريقة ديه معايا، أنا مش هصدق إنك ياسين جوزى أبدًا، واستحالة هصدقك، إنسى، إنت مش ياسين، وأنا مش هقعد في البيت ده مع راجل غريب، وهدور على ياسين وهعرف عملت فيه إيه.
ذهبت سيلا إلى الخزانة، وأحضرت حقيبة كبيرة، ووضعت ثيابها بها، تحت نظرات ياسين المرتابة، ثم قال بغضب: إنتي بتعملي إيه؟!
سيلا: زي ما أنت شايف، همشي من البيت ده.
قذف ياسين الملابس بعيدًا وقال: إعقلي يا سيلا بقى، إيه اللي إنتي بتعمليه ده؟!
نظرت له، لم يكن صوته، حتى غضبه لا يشبهه. ثم صفقت بيدها وقالت: لا هايل، هايل بجد، واضح إنك دارس حركاته كويس أوي، بس اللي إنت بقى مش عارفه هو معاملة ياسين ليا، وديه محدش يعرفها غيري أنا وهو، عشان كده كل محاولة منك إنك تثبت إنك ياسين قدامي مش هتجدي، لأن أنا متأكدة إنك مش جوزي.
ظل ينظر إليها وهي تضع أغراضها داخل الحقيبة، ولا يصدق ما تفعل، ولكن لم تتردد لثانية واحدة، هي على يقين أنه ليس زوجها، لذا لم تتردد للحظة في إتخاذ قرار مغادرة المنزل، وكل ما تفكر به حقًا، هو من هذا الشخص؟! وأين ياسين؟! تُرى.... ماذا حدث له؟
تذكرت آخر حديث دار بينهما قبل السفر، كان يتحدث بكلام لم تفهمه، وكأنه يخشى حدوث خطبًا ما، وشعرت بأن هناك من يهدده، وكان قد أخبرها أنه لا يرغب بالسفر إلى ذلك المؤتمر، ولكن أضطر للسفر بسبب تكليف المشفى له بذلك.
يبدو أن ياسين قد أخفى عليها سر خطير، وهناك سبب قوي لما يحدث، لذا قررت أن تبدأ البحث حول الأمر، وسوف تعيد زوجها وحبيبها ياسين مرة أخرى، ولن يستطيع أحد أن يخدعها بتلك الخدعة الساذجة.
يبدو أن سيلا سوف تخوض حربًا قوية، ستعرف ما السر، وتكشف الحقائق، وتبحث عن زوجها المفقود.
كانت تعلم أن ما ينتظرها ليس بحثًا، بل حربًا.
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الثاني
بقلم الكاتبة / رباب حسين
رحلت.... لم أكن أتخيل يومًا ما؛ أن تتركني سيلا وترحل، تترك المنزل الدافئ الذي بنيناه معًا، قلبان تحت نبض واحد، تعهدا على الوفاء، البقاء، الحب، والإخلاص، حتى ذهب كل ذلك في مهب الريح. لا... لم يكن ريح عابر، بل عاصفة غوغاء، وسهام الغضب التي أطلقتها من عينيها؛ والتي شلت عقلي عن التفكير، فلم أصدق ما تتفوه به، وإن كان يحدث ذلك أمام عيني، فلازلت لا أستطيع إدراكه.... حتى غادرت.
نظرت إلى الباب الذي أغلقته بعنف، وهنا بدأت أرى الحقيقة، سيلا غادرت!
وبالرغم من المشاعر المتخبطة التي أحاطت بياسين في ذلك الوقت، إلا أن سيلا كانت واثقة مما تشعر به، هذا ليس زوجي، من هو؟ لا أعلم... لا يهمني، كل ما يشغل عقلي الآن... أين ياسين؟
نظرت بالطريق في عتمة ذلك الليل، ثم عادت النظر إلى المنزل وفي لحظة شعرت بالألم داخل صدرها، ستترك منزلها التي حلمت أن تعيش به مع ياسين، سبعة أعوام؛ حلما معًا، ونفذا حلمهما، وها هو ينهار بيومٍ واحد، وتبدل كل شيء، من منزل يغمره الدفء.... إلى منزل بارد جاف، لا يحمل أي معنى للحياة، فحياتها بدون ياسين.... موت مؤكد.
عادت النظر إلى الطريق، ثم تنهدت بقوة تمنع تلك الدموع أن تنساب من مقلتيها، ثم رفعت هاتفها وطلبت سيارة أجرة، فكرت إلى أين تذهب... إذا ذهبت إلى منزل أمها، بالتأكيد سوف تلومها هي، وبالطبع لن تصدقها، فهي تراها دائمًا مخطئة، أنانية، دائمًا ما تراه بعيون مختلفة، وأراء بشخصيتها خاصة بها، على عكس ما يقال عنها من كل معارفها، حتى تسبب هذا الأمر في جفاء بينهما، وبالإضافة إلى ذلك هي تحب ياسين جدًا، ومن المؤكد لن تدرك أنه ليس هو، ولن تتفهم ما تشعر به، لذا قررت أن تذهب إلى منزل أختها الصغيرة (هدير).
بعد وقت، كانت سيلا تحمل حقيبتها عنوة، وتمشي بها مستخدمة يديها الاثنين، حتى وصلت ووضعت الحقيبة بالأرض وطرقت الباب، فتح مازن، ونظر إليها ثم إلى الحقيبة، ثم عاد النظر إلى سيلا وقال بتعجب: سيلا! إيه جابك في وقت زي ده؟ وإيه الشنطة ديه؟!
نظرت له بخجل وقالت: معلش يا مازن.... بس... كنت يعني...
هدأ مازن قليلًا وتفهم الأمر، يبدو أنها تشاجرت مع ياسين وتركت المنزل، فقال: مالك اتوترتي ليه كده؟ تعالي إدخلي يا سيلا.
مد يده وحمل الحقيبة، ثم أفسح لها الطريق كي تدخل المنزل، وقال بصوت مرتفع: هدير... تعالي سيلا هنا.
خرجت هدير وهي تشعر بالفزع، فالوقت متأخر جدًا على الزيارة الودية، ومن المؤكد إن هناك خطبًا ما، فخرجت من الغرفة وهي تضع معطف على جسدها في هذا البرد، وعندما رأت الحقيبة بيد مازن، نظرت إلى سيلا بصدمة وقالت: حصل إيه؟! إيه الشنطة ديه؟!
سيلا: أنا.... سيبت البيت.
هدير بتعجب: سيبتي البيت؟! من إمتى؟ معقولة إتخانقتو لدرجة إنك تسيبي البيت؟! وياسين سابك كده عادي؟
سيلا: شفتي! أهوه... لسة محكتش حاجة وقولتي المفيد، تفتكرى ياسين يسيبني أخرج من بيتنا كده عادي؟! لأ وكمان في وقت زي ده؟
هدير: لأ.... ما أنا مستغربة، عشان كده بسأل عن السبب لأن أكيد فيه مصيبة حصلت خلتك تعملي كده وخليته يسيبك تمشي.
سيلا: هي مصيبة فعلًا، بس تعالي أقعدي كده وأنا هحكيلكم كل حاجة.
قصت لهما سيلا ما حدث منذ أن عاد ياسين، فنظرت لها هدير بتعجب وقالت: يعني إنتي شاكة إن الراجل اللي في البيت ده مش ياسين؟!
سيلا: أنا مش شاكة... أنا متأكدة، ده مش ياسين جوزي، ده حد شبهه.
مازن: سيلا ده كلام ميدخلش عقل.
سيلا: عارفة، عشان ده كلام نابع من إحساسي أنا، وأنا حاسة إنه مش جوزي، مش هو، لا طريقة كلامه معايا، ولا طريقة أكله، ولا حتى....
هدير: ماشي ماشي... بس ما ده برده مش منطقي، أصل مش هنقول إنه مش ياسين لمجرد إنه طلب منك تقللي السكر في القهوة، أو عشان طلب أكل من برا.
مازن: لأ يا هدير، سيلا مش قصدها كده، كلنا عارفين قصة حبهم كانت عاملة إزاي، وأكيد إحساسها بيه مش هيخونها، هي أكتر واحدة عارفاه وحفظاه، ومحدش فينا هيقدر يستوعب اللي هي حاسة بيه غيرها.
سيلا: صح يا مازن، ده قصدي بالظبط، يعني إنتي لو عشتي مع حد غير مازن، أكيد هتعرفي إنه مش هو، حتى لو شبهه ١٠٠٪، صح؟
هدير: اه، أكيد.
سيلا: وكمان إنتي أول ما شفتيني قولتي إيه؟! ياسين لا يمكن كان يسبني أخرج من البيت.
مازن: خلاص يا سيلا، إهدي شوية، أول مرة أشوفك منفعلة كده.
سيلا: عشان هتجنن وأعرف، فين ياسين، ومين اللي هناك ده؟
مازن: هو كان في لبنان صح؟
سيلا: أيوة، السفرية ديه من الأول كانت غريبة، ياسين نفسه مكنش عايز يسافر، وقبل السفر كان متوتر جدًا، وحسيت إنه مخبي عليا حاجة، ده غير إنه متصلش بيا وهو هناك غير كام مرة بس طول ال١٠ أيام، وده مش طبعه أبدًا.
مازن: إنتي عارفة يا سيلا لو كلامك ده صح يبقى معناه إيه؟! ده معناه إن ياسين كده واقع في مصيبة، الأسوء إنه لسه برا لحد دلوقتي ومرجعش.
سيلا: أيوة يا مازن، أنا هتجنن، بس معنديش حل، مش عارفة أعمل إيه، أسافر أشوف إيه حصل هناك طيب ولا أعمل إيه؟
مازن: لو كان فيه دليل كنت مشيت في السكة القانوني، وكنت بعت إخطار للسفارة هناك تدور عليه وتشوف هو فين، لكن مقدرش أقبل حتى بلاغ منك على إنه مش ياسين بدون دليل.
سيلا: عارفة، عشان كده معنديش حل غير إني أسافر، هخلي المجلة تعملي زيارة عمل للبنان، تغطية أو لقاء صحفي مع أي ممثل لبناني، وهروح الفندق اللي كان فيه المؤتمر الطبي، هو كان قالي إنه قاعد في نفس الفندق، هراجع كاميرات، هعمل أي حاجة لحد ما أعرف حصل إيه.
هدير: إنتي خلاص، بتتعاملي على إنه مش ياسين رسمي، ما يمكن مرهق من السفر، تعبان من الشغل، عشان كده متغير ومش في المود، أنا من رأيي استني شوية بس، ولما نتأكد سافري.
مازن: طيب خلينا نقابله، أكيد لو مش هو مش هيعرف يمثل علينا كلنا، إرتاحي بس النهاردة وبكرة نشوف هنعمل إيه.
سيلا بخجل: أنا أسفة إني أزعجتكم في وقت زي ده.
قاطعها مازن: بس يا سيلا، ده بيتك أكيد.
سيلا: لو كانت ماما هتفهمني كنت رحت عندها، بس إنتو عارفين يعني، أنا وماما نقاشنا دايمًا لازم يخلص بخناق، وبصراحة مش قادرة أتخانق مع حد تاني.
هدير: لأ... سيبي ماما دلوقتي، وقومي كده إدخلي الأوضة التانية ونامي يا حبيبتي، وبكرة نقعد أنا وإنتي كده نشوف حل.
أومأت لها بحزن، ودخلت الغرفة ولحق بها مازن وهو يحمل الحقيبة، ثم وضعها وقال: خدي راحتك يا سيلا، تصبحي على خير.
سيلا: شكرًا يا مازن، وإنت من أهله.
مضت الليلة وهي تنظر بالفراغ، تشتاق إليه، تفكر بما حدث له، والقلق يسيطر على قلبها يعتصره بالداخل، حتى التنفس أصبح مستحيل بدونه.
أما ياسين، جلس على الأريكة، ينظر حوله بذهول، لا يعرف ماذا حدث، حتى قرر أن يتصل بوالدتها بالصباح ليحل الأمر معها.
حل الصباح، وذهب ياسين مبكرًا إلى المشفى، فهو لم ينم طوال الليل، وبعد أن حضر إجتماع مع مدير المشفى، ذهب إلى غرفته، واتصل بوالدة سيلا (مشيرة) التي تلقت المكالمة على الفور وقالت بسعادة: ياسين حبيبي، رجعت بالسلامة؟!
ابتسم ياسين وقال: اه يا ماما، رجعت إمبارح.
مشيرة: وحشتني يا واد، بقولك إيه تيجي تتغدى عندي، أنا عارفة تموت في الأكل البيتي، هعملك أكلة سمك بقى، لسه مشترياه طازة علشانك.
ياسين: تسلم إيدك، بس... كان فيه حاجة كده عايز أقولك عليها.
مشيرة: قول يا حبيبي سمعاك.
ياسين: الصراحة يعني، أنا إتخانقت مع سيلا وهي سابت البيت بليل ومشيت.
مشيرة بصدمة: سابت البيت؟! عملتلك إيه البت ديه؟ ما أنا عرفاها، دماغها فاضية طول عمرها، أنا قولتلك إنت خسارة فيها.
ياسين: ليه بس يا ماما، ديه سيلا أطيب واحدة شفتها في حياتي.
مشيرة: هو أنت شفت غيرها، ده أنت ١٠ سنين مش شايف ستات في الدنيا غير سيلا، يلا قدرك بقى، المهم، هي أكيد عند هدير، أنا هروحلها.
ياسين: طيب أنا عندي بس شوية حاجات بخلصها كده، ساعة كده وأعدي على حضرتك ونروح سوا نصالحها يعني وأرجعها البيت.
مشيرة: ماشي يا حبيبي، مع إني كنت هروح أنا أديها كلمتين كده يفوقوها، وترجع من شغلك تلاقيها قاعدة مستنياك.
ياسين: لأ.... مفيش داعي نزعلها أكتر.
تنهدت مشيرة وقالت: أنا قلت خسارة فيها، يلا... خلاص يا حبيبي هستناك.
أنهت المكالمة وهي تنظر على السمك أمامها وقالت: ملناش نصيب ناكله بقى النهاردة.
بعد قليل، كان ياسين يقرأ بعض التقارير، ثم فتح أحدهم الباب، دون أن يطرقه، نظر ياسين نحو الباب، وعندما رأى من يقف أمامه، تحرك سريعًا ونهض بفزع ووقف أمامها وقال: مرام؟! إنتي بتعملي إيه هنا؟
ابتسمت مرام بهدوء وقالت: مالك أتوترت ليه؟ عادي يعني، دكتورة جاية تشوف شغلها في المستشفى اللي اتعينت فيها.
نظر لها بصدمة وأغلق الباب على الفور وقال: إنتي سيبني لبنان وجيتي تشتغلي هنا؟
مرام ببرود: طبعًا، هو الاتفاق اللي بينا هيخلص بسهولة كده، لا متزعلنيش منك.
ياسين: لأ لأ، مفيش زعل ولا حاجة، بس أنا لسه داخل المستشفى من كام ساعة، ملحقتش أعمل حاجة.
مرام: أوكيه، وأنا هنا عشان أشوف هتنفذ كل حاجة زي ما اتفقنا ولا لأ يا..... ياسين.
زفر ياسين بقوة وقال: فاهم فاهم، على العموم كل حاجة ماشية تمام، متقلقيش.
مرام: بس أنا بلغني إن سيلا سابت البيت وراحت عند أختها، إوعى تكون شكت في حاجة.
ياسين بتوتر: ها.... لأ لأ، هظبط أنا الموضوع ده وهرجعها يعني، متقلقيش، بس يعني مش هينفع نتقابل هنا كتير، مش عايز كلام ملوش لازمة ويفتح علينا العين.
مرام: أيوة أيوة، فاهمة أكيد، دكتور ياسين طول عمره سمعته نضيفة، والمفروض نحافظ على ده لحد ما نخلص اللي عايزينه كله.
ياسين: حاضر، هخلص كل حاجة، بس اطلعي بقى.
نهضت مرام وهي تنظر إليه بهدوء، عكس ذلك القلب الذي يشتعل بالكره والحقد، الشر سيطر عليها، حتى أصبح قلبها مجرد من المشاعر، من يراها يحسبها ملاك، تتصرف عكس ما تشعر تمامًا، وهي بالحقيقة شيطان في هيئة بشرية.
خرجت من الغرفة، تاركة ياسين يبتلع خوفه وقلقه، ينظر حوله بتوجس، حتى جلس على مكتبه وشرب زجاجة مياه كاملة، وأغلق عينيه ليهدأ من روعه.
كل ما يفكر به الآن؛ أن وجود مرام هنا بالمشفى قد يكشف المخطط، ويضعه تحت ضغط أكبر، وربما تكشف الحقيقة.
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الثالث
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أحيانًا لا يكون الفقد في الرحيل... بل في البقاء بجوار من نحب؛ بينما نشعر أنه لم يعد هو.
أن تنظر في عينيه فلا تجد الأمان الذي اعتدت عليه، أن تسمع صوته وكأنه صدى بعيد لشخصٍ كنت تعرفه يومًا.
سيلا لم تهرب تلك الليلة من بيتٍ فقط ،بل هربت من سؤالٍ مخيف بدأ يطاردها بلا رحمة:
هل ما زال الحب كافيًا؛ حين يتغير من نحب؟
أم أن القلب حين يشك... يبدأ في الانكسار بصمت؟
بين الشك والحنين، بين امرأة لا تزال تحب،
ورجل يقف أمامها بجسد مألوف وروح غريبة،
تبدأ الحقيقة في التسلل ببطء... وتبدأ القلوب في دفع ثمن الصمت.
من سيصدقها؟ لن يتفهم أحد ما تشعر به، خاصةً مع هذا الإتقان البارع من ذلك المنتحل الغادر، ولكن هي تصدق حدسها، ولن تترك الحقيقة مدفونة، ستضعها أمام الجميع، وتبحث عن زوجها وحبيبها، حتى وأن قالو مجنونة... فلن ترضخ وتستسلم.
كان ياسين يجلس بمكتبه، بعد أن ذهبت مرام وتركته في حيرته، انتبه بفزع إلى هاتفه، ورفعه على الفور ليرى اسم مشيرة، فتلقى المكالمة وسمعها تقول: قدامك أد إيه يا ياسين؟!
تنفس ياسين محاولةً منه أن يهدأ، ويخرج صوته المعروف بالهدوء وقال: ربع ساعة وهبقى عند حضرتك على طول.
مشيرة: طيب يا حبيبي مستنياك.
أنهى المكالمة وذهب إلى منزلها على الفور. أما سيلا فخرجت من الغرفة في الصباح الباكر، هي لم تتذوق طعم النوم طوال الليل، فقامت بإعداد كوب من القهوة، ووقفت في الشرفة تنظر إلى الطريق، وعقلها سارح بمكان آخر.
كانت هدير نائمة، ولكن إستيقظ مازن مبكرًا ليذهب إلى قسم الشرطة ويياشر عمله، كاد يفتح الباب ولكن لمح سيلا تقف وتنظر أمامها بشرود، نظر إليها بحزن، ودخل الشرفة وتحمحم قليلًا حتى لا يفزعها، نظرت له وقالت بابتسامة باهتة: صباح الخير يا مازن.
تنهد مازن وقال: صعبان عليا أشوفك كده، متشليش هم يا سيلا، كله هيتحل.
سيلا: أنا كويسة متقلقش، إنت رايح الشغل؟
مازن: اه، بس مش هتأخر أوي يعني، ده لو مفيش مأمورية طلعت في وشي، المهم؛ لو حصل أي حاجة أو احتاجتي أي حاجة كلميني فورًا.
ابتسمت سيلا وقالت: شكرًا يا مازن.
تركها وذهب إلى عمله، ثم دخلت سيلا إلى المطبخ وأعدت الفطار لها ولهدير، ووضعت الطعام على الطاولة ونظرت بالساعة، وعندما لاحظت أن هدير لا تزال نائمة قررت أن تدخل الغرفة وتوقظها، ربتت على كتفها وقالت: إنتي لسة خم نوم زي ما إنتي؟!
قالت هدير متذمرة بنعاس: يا سيلا مبحبش حد يصحيني بقى.
سيلا: يا بت قومي، مش تعملي فطار لجوزك قبل ما يمشي، ولا يروح هناك يدور على فطار.
جلست بالفراش وقالت: متقلقيش، معندوش سكرتيرة فا مش قلقانة، أكيد هيجيب أكل وهو رايح القسم.... إنتي كويسة؟
سيلا: اه.... يعني، قومي بقى أنا حضرتلك الفطار.
تناولا الطعام معًا، وبعد وقت، سمعت هدير طرقات على الباب، وعندما فتحت، وجدت ياسين ومشيرة يقفان أمامها، فقالت بقلق: ماما! أهلًا يا حبيبتي إتفضلي، إتفضل يا ياسين... حمد الله على السلامة.
دخل ياسين، وهو يبدو عليه التوتر بشدة، ووقفت سيلا أمامهما بهدوء، اقتربت منها مشيرة وقالت: جاية غضبانة عند أختك الصغيرة، بدل ما تعلميها إنها متسبش بيت جوزها مهما حصل، طول عمري بقول عليكي قدوة!
حاولت سيلا أن تسيطر على غضبها، فهي تكره فكرة النقاش مع مشيرة؛ الذي ينتهي دائمًا بفرض رأي مشيرة دون رد، وبذات الوقت تكره شعور الحزن الذي يخيم عليها بعد أن تهدأ وتسترجع ما حدث بهدوء، لذا قررت أن تتخطى ما قالته، وأجابت بهدوء: أنا كويسة يا ماما، شكرًا على سؤالك.
مشيرة: أيوة أيوة، ما إنتي عاملة زي أبوكي، كان أستاذ في قلب التربيزة عشان ميردش على الكلام اللي مش عاجبه.
تنهدت سيلا وقالت: مش محتاجة أعمل كده خالص، أنا عارفة أنا بعمل إيه كويس، ومش باخد خطوة غير لما بكون حسباها كويس.
مشيرة: وإنتي لما تسيبي بيت جوزك في نص الليل، تبقي كده حسبتيها كويس يا مدام، إتفضلي هاتي هدومك وارجعي بيت جوزك.
سيلا: مش لما يبقى جوزى الأول.
فتحت مشيرة عينيها بصدمة ونظرت إلى ياسين وقالت: إنت طلقتها؟!
ياسين: لأ طبعًا، بس أنا مش عارف من إمبارح عمالة تقول كلام غريب، وواضح إن حالة الجنان اللي عندها لسة مراحتش.
سيلا بغضب: مسمحلكش تتكلم معايا بالأسلوب ده، هي مين ديه اللي مجنونة؟!
أمسكتها هدير من ذراعها محاولةً منها للسيطرة على غضبها وقالت: إهدي يا سيلا، مش عايزين خناق.
سيلا بغضب: هو اللي بيغلط.
ياسين: وإنتي مغلطيش لما سيبتي البيت ومسمعتيش كلامي؟
سيلا: لأ طبعًا، الغلط إني أقعد مع راجل غريب تحت سقف واحد، ولعلمك بقى أنا هعرف أكشفك كويس أوي، وهرجع ياسين لبلده.
نظر لها بصدمة وقال: إنتي بتقولي إيه؟!
سيلا: اللي سمعته.
مشيرة: لأ... ده جنان فعلًا! ترجعي مين يا بنتي؟ ما الراجل واقف قدامك أهوه.
سيلا: ماما ده مش ياسين.
نظرت له مشيرة تتفحصه بعينيها ثم عادت النظر إليها وقالت: طيب ده مين؟!
سيلا: مش مهتمة أعرف، بس كل اللي يهمني، إني أثبت الحقيقة، وساعتها هسجنه بتهمة انتحال شخصية.
ياسين بغضب: لأ ما أنا مش هسكت على كلامك الغريب ده أكتر من كده، سيلا... إعقلي وخشي هاتي هدومك ويلا على البيت، أنا مش ناقص وفيا اللي مكفيني.
سيلا: بس اللي أعرفه إن جوزي كويس، معندوش مشاكل، إنت اللي عندك مشاكل، عشان عارف إنك عامل مصيبة وخايف تنكشف قدامهم، لكن ياسين كان بيقولي كل حاجة بتحصل معاه، وعمره ما وصل للمرحلة ديه، وأقولك على حاجة بقى عشان تعرف إنك عمرك ما هتضحك عليا، ياسين عمره ما أتكلم معايا بالأسلوب ده أبدًا.
نظر لها ياسين، يحاول أو يستوعب ما تقول ثم قال بهدوء: سيلا.... هو إنتي بجد... حاسة إني مش ياسين؟!
سيلا: لأ، أنا متأكدة إنك مش هو.
نظر إليها وهو لا يعرف كيف يقنعها بعكس ما تقول، ثم قال: طيب، إفهمي اللي تفهميه، عايزة تفضلي عند أختك... براحتك، أنا عملت اللي عليا وجيت عشان أرجعك، لما تبقي عايزة ترجعي بيتك إنتي عارفة العنوان.
كاد يذهب، ولكن أمكست مشيرة بذراعه وقالت: إستنى بس يا ياسين يا ابني، أنا مش عارفة إيه اللي جرالكم ده؟!
تلقى ياسين مكالمة هاتفية، ونظر بالهاتف ووجد رقم لا يعرفه، فتلقى المكالمة وقال بغضب: ألو.
مرام: عرفت تصالحها؟!
نظر ياسين حوله بتوتر، وهدأ قليلًا ثم دخل إلى الشرفة ليكمل المكالمة، تحت نظرات سيلا وهدير المتعجبة، فقالت سيلا: ها؟ صدقتي؟!
هدير: الصراحة.... هو فعلًا غريب، ياسين عمره ما اتكلم معاكي كده، ولا عمره خد الموبايل وجري بالشكل ده بعيد عننا، ما يمكن بيخونك يا سيلا!
سيلا: ياسين استحالة يخوني، ده مش ياسين، إنتي مش واخدة بالك متوتر إزاي؟! ده حتى مردش عليكي، زي ما يكون خايف يتكلم لتكشفيه.
كانت مشيرة تستمع إليهما وهي لا تفهم ما الذي يتحدثتان عنه، فقالت بغضب: هو إيه العبط ده، ما تفهموني بتتكلمو عن إيه؟
هدير: إهدي يا ماما وأنا هفهمك بعدين.
خرج ياسين من الشرفة، وهو يبدو في غاية القلق، ثم قال: أنا لازم أمشي دلوقتي.
تحرك نحو الباب بسرعة فقالت مشيرة: تمشي ليه؟! أصبر بس وخدها معاك.
نظر ياسين إلى سيلا وقال: أنا عملت اللي عليا، لو عايزة ترجع الباب مفتوح.
ثم تركهن وذهب، وابتسمت سيلا بسخرية ونظرت إلى هدير وهي تقول: لأ، كده معاكي حق.
جلست مشيرة وهي تضع رأسها بين يديها وقالت: أنا دماغي وجعتني، واحدة فيكو تنطق وتفهمني.
جلست هدير بجوارها وقصت لها ما حدث، أما ياسين فقاد سيارته وهو ينظر إلى هاتفه ويتصل برقمٍ ما، وبعد قليل تلقى صوت عبر الهاتف فقال بغضب: يا باشا إحنا متفقناش على كده، إنت طلبت مني أنفذ مهمة، وأنا وافقت وحتى مردتش أتكلم في أي فلوس ولا أي طلبات، ليه بقى مرام جاية تشتغل في المستشفى؟! إنتو بتراقبوني يعني؟! ولا شايفين إني مش قد الحوار ده؟!
في لبنان، يجلس رجل في العقد الرابع من عمره، ويمسك هاتفه ويتحدث بهدوء قاتل وقال: ليه تفهمها كده؟ أنا مش عايزك تبقى لوحدك هناك، عشان لو حصل أي مشكلة، تقدر تتصرف وتحل الموضوع، مرام شاطرة، وكمان ذكية وهتفيدك.
ياسين: كده هتفتح العين عليا، من أولها أهوه سيلا شاكة فيا، ولو مرام ظهرت معايا في المستشفى الدكاترا هيكشو فيا برده، أنا عايز أبقى طبيعي براحتي قدام الناس، عشان ميحصلش مشاكل وأعرف أخلص المهمة ديه على خير.
زافر: وديه حاجة تفوت على زافر؟! مرام من نص ساعة قالت لعامل البوفيه إنها بنت خالتك، فا كده تواجدكم مع بعض هيبقى طبيعي جدًا، وبعدين، إنت عارف أنا زعلي وحش، ولو حد اتصعب قدامي، بيجراله إيه...
كان زافر يضع أمامه تفاحة، وعندما أنهى آخر جملة، قطعها نصفين بالسكين، ووصل صوتها إلى ياسين عبر الهاتف، فبلع ريقه بخوف وتنهد وقال بتوتر: ماشي.... أنا هثق فكلامك يا باشا.
زافر: خلص بس الحوار وأنا مستنيك، ترجع لبنان وتاخد حقك وزيادة.
أنهى ياسين المكالمة وقال بصوت مرتفع: أنا هروح في داهية، أصلح إيه ولا إيه بس، أعمل إيه دلوقتي؟
انتبه إلى هاتفه ووجد مشيرة تتصل به فقال: لأ، مش وقتك بقى خالص، خليني في الهم اللي أنا فيه.
لم يتلقى المكالمة، فنظرت إلى الهاتف وقالت بتعجب: أول مرة ياسين ميردش عليا!
هدير: شفتي، بدأتي تلاحظي تغيرات أهوه.
مشيرة: بس يا بت، إنتي هتعومي على كلام أختك الهبلة، طول عمري لا بثق في كلامها ولا رأيها، بتاعت ممثل عمل دور حلو ولا وحش، عاملة فيها محللة نفسية، ولازم تطلع فاهمة. كل حاجة والناس كلها مش بتفهم.
هدير بهمس: خلاص يا ماما، مش عايزينها تسمع وتحصل مشكلة، كفاية اللي هي فيه.
عادت سيلا وجلست بجوارهما وهي تنهي المكالمة وقالت: أنا كلمت مدير المجلة، وقالي هيجبلي تصريح أسافر بيه لبنان في أسرع وقت، فيه فيلم نازل في السينما هناك فا هروح أغطي أحداث العرض الأول، وكمان أشوف حوار ياسين ده، يارب أعرف اللي حصل هناك.
مشيرة بتعجب: يا بنتي بطلي الكلام ده، لو حد سمعك هيقول مخك ضرب، ما ده لو مش ياسين؛ هيكون مين يعني؟!
سيلا بغضب: يا ماما معرفش هو مين، بس اللي متأكدة منه إنه مش هو.
هدير: سيبيها يا ماما تروح تتأكد، ما هو أفرضي كلامها طلع صح، واتعاملت معاه على إنه جوزها فعلًا، واتضح إنه مش هو، ساعتها لو جوزها رجع هتبقى مصيبة، كأنها خانته بالظبط.
سيلا بفزع: يلهوي، أنا تخيلت بس الموضوع قلبي اتقبض، لأ لأ، أنا مش هسكت ولازم أتأكد الأول.
زفرت مشيرة بقوة، هي لا تنكر أن ياسين ليس بحالته الطبيعية، ولكن غير مقتنعة بما تقوله سيلا، أما ياسين، فعاد إلى المشفى، ودخل مكتبه، ووجد مرام تجلس على مقعده وتنظر إليه بهدوء بارد، وتعبث بالخنجر بيدها، فاقترب منها وقال: هو أنا لازم أقولك تحركاتي كلها؟! وبعدين إنتي مرقباني ليه؟
مرام: تؤ تؤ، أزعل منك كده، أنا مش مرقباك، أنا خايفة عليك، وبعدين الحق عليا إني بساعدك، كده تشتكي لزافر باشا؟!
ياسين: ما أنا مش هعرف أشوف شغلي.
مرام: ما عشان تخلص وتخلصنا، تحاول تخلص الموضوع في أسرع وقت.
ياسين: لأ ما هو الموضوع مش بمزاجي، ديه حاجات بتيجي بالصدفة، وأنا مع أول صدفة هستغلها.
مرام: ماشي، بس أهم حاجة مش عايزة حد من لدكاترا يشك فيك نهائي، خليك هادي كده وإوعى تتعصب، واه طمني؛ رجعت سيلا ولا لأ؟
ياسين: لأ.
مرام: امممم، يا حرام، صعبانة عليا خالص، تخيل لو عرفت الحقيقة، أوف؛ تبقى مصيبة، خليها بعيد أحسن.
ياسين: يا ستي فاهم، مش محتاج تفكريني، ممكن بقى تسيبيني أشوف شغلي.
نهضت مرام ومرت بجواره، وهي تمشي تتمايل كالحية التي تنتظر أن تنقض على فريستها، ثم همست في أذنه: حاضر يا بيبي.
تنهد ياسين وقال: مش وقته، إمشي بقى.
ذهبت وهي تبتسم له بمكر، ثم أغلقت الباب خلفها، وذهب ياسين وجلس على مكتبه، واتصل بالإستقبال وقال: فيه حالات جراحية جت المستشفى النهاردة؟!
العامل: لا يا دكتور، مفيش حالات لحد دلوقتي.
تنهد ياسين وقال: طيب شكرًا.
أنهى المكالمة، ونظر بالهاتف ليرى صورته مع سيلا، أغلق عينيه بحزن، وتنهد بقوة، يتذكر حديثها الغاضب، ونظراتها إليه التي لا يستطيع معرفة سببها، وسؤال يترسخ بذهنه: أين الخطأ الذي ارتكبه لتتحدث معه بهذه الطريقة، وتتهمه بأنه ليس زوجها؟!
التفت ونظر إلى النافذة خلفه بحزن، وأغلق عينيه قليلًا يحاول أن يهدأ، ويجد حل بكل الأمور التي تحدث معه، وينهي كل هذا بهدوء حتى لا يخسر حياته بالمقابل، فزافر ليس بمجرم عادي، بل قلبه لا يعرف طريق الرحمة أبدًا.
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الرابع
بقلم الكاتبة / رباب حسين
ما أقسى تبدل الحال! حين تنهار حياتك أمام عينيك دفعة واحدة، وأنت فقط تكتفي بالمشاهدة، هل لديك حلول؟! لا... فقط تشاهد ما يحدث وتتعجب من حدوثه، تصل إلى مرحلة النكران العقلي، حتى تتيقن أن من كنت تثق ببقائهم؛ سيرحلون أولًا، وتبدأ ترى الأشخاص على حقيقتهم، فالصديق وقت الضيق، وعند الشدائد تُختبر معادن الناس.
أما هو؛ فلا يزال عند مرحلة النكران، يظن أنه قادر على أن يصلح كل شيء، أو كل شيء سيعود إلى نصابه الصحيح، فهو لا يزال يثق ببقاء كل معارفه بجواره، لا يعرف أنه عندما يصل إلى القاع، لن يسأل عن أحواله إلا القليل.
ترك ياسين المشفى وهو في حالة يرثى لها، عقله يعج بالكثير، الخوف يسيطر عليه، ينظر بالمرآة وهو يقود السيارة، يتأكد إذا كان هناك أحد يراقبه أم لا، وعندما لاحظ تلك السيارة زفر بضيق، فعاد إلى المنزل ولم يذهب إلى مكان آخر.
عندما فتح الباب، ونظر داخل المنزل المظلم، الخالي من حبيبة الروح، شعر بأن روحه هي التي غادرت، منذ أن تزوجا لم يعد إلى المنزل ووجده فارغ أبدًا، كانت تنير عليه حياته، رفيقة القلب، ونبض العشق الساكن بين ضلوعه، كيف تبدلت؟! كيف أنهار كل شيء بلحظة، كيف تشك به لهذه الدرجة؟ كانت تلك أسئلة فتيل الحريق الذي لم ينطفئ داخل صدره منذ أن رحلت... وتركته.
أما سيلا، تمضي ليلها بالتفكير، لا تصدق ذلك الشبيه، وأن أحضرو أربعين نسخة من نفس هيئة ياسين؛ فهي ستتعرف عليه من بينهم، فالرابط بين قلبيهما أقوى من أي تزوير.
ومشيرة؛ التي لا تصدق سيلا مهما قالت، وتعلم أنها لا تجيد حسم القرارات ولا ترى الأمور بصورة كاملة. تجلس شاردة، لا تعلم ماذا تفعل، حتى قررت أن تتصل بوالد ياسين (صادق) فهي تعلم أن سيلا تحبه كثيرًا، وهو الوحيد القادر على تغيير رأيها، اتصلت به على الفور وقالت: أسفة يا صادق بيه لو بزعج حضرتك في وقت زي ده؟
صادق: لأ أبدًا يا مشيرة هانم، حضرتك تتصلي في أي وقت.
مشيرة: هو بس الموضوع شاغل تفكيري، وملقتش حد ألجأله غيرك.
جلس صادق وهو يعقد حاجبيه وقال: خير.. قلقتيني، فيه حاجة حصلت للأولاد ولا إيه؟
قصت له مشيرة ما حدث اليوم، وبعد أن علم صادق أن سيلا تركت المنزل؛ تعجب كثيرًا، تلك الفتاة لم توافق على ترك منزلها حتى عند سفر ياسين خارج البلاد؛ فكيف تترك المنزل؟ علم وقتها أن المشكلة ليست هينة، لذا قال: طيب يا مشيرة هانم، متقلقيش، أنا هتصرف معاهم.
أنهى المكالمة، وهو يفكر بما قالته سيلا، ما تقوله منافي للعقل، ولكن من المؤكد أن لديها سبب قوي لتفعل ذلك.
وفي الصباح الباكر، كان يقف أمام باب منزل ياسين، ثم طرقه عدة مرات، حتى فتح ياسين الباب، دخل صادق وقال: ما لسه بدري، فينك يا سيلا يا حبيبتي، كانت بتفتح الباب من أول مرة، وتاخدني بالحضن، عملت إيه خليتها تطفش.
جلس صادق على الأريكة، ثم قال ياسين: ولا حاجة، هي طفشت لوحدها.
صادق بتعجب: لا يا واد؟! يعني هتسيب البيت وتمشي من غير سبب؟! سيلا عاقلة مش بتاعت الحركات ديه.
ياسين: العاقلة اتجننت، أعمل إيه يعني، عمالة تقولي إنت مش ياسين، أنا هدور عليه، وحاجات غريبة كده.
صادق: ما أنت لو كنت سمعت كلامي ووافقت تخلف كان زمان حالكم متغير، لكن إنت حاطط شرط؛ لأ مش هنخلف غير بعد ٥ سنين.
ياسين بضيق: وإيه المشكلة، ثم إيه علاقة ده باللي بتقوله سيلا أصلًا؟
صادق: يا ابني لو كان فيه ولد كانت حياتكم هتستقر، ده غير إنه هيربطكم ببعض أكتر، هي إتكلمت معايا في الموضوع قريب، وقالتلي إنها عايزة تخلف، بس إنت مش موافق.
ياسين: ماشي، بس أعمل إيه برده؟
صادق: يا واد البت بتتقل عليك، كلمة حلوة منك هتلاقيها رجعت معاك، لكن إنت رحت أتخانقت معاها ومشيت، والستات مش عايزة كده، اه.... لو كانت أمك لسه عايشة، كان زماني مدلعها.
ابتسم ياسين وقال: طيب ما أحنا فيها يا راجل يا عجوز، تعالى أجوزك، ولا استنى، إيه رأيك في ماما مشيرة، عسل بقى ديه.
قام صادق بالعبث بذقنه ثم شاربه، وابتسم بإعجاب وقال: تصدق معاك حق.
نظر له ياسين بصدمة وقال: معايا حق؟! إيه يا بابا، أنا بهزر على فكرة.
صادق: وأنا مبهزرش، أنا زهقت من العيش لوحدي، المهم؛ صالح سيلا ورجعها البيت، كفاية كده.
تنهد ياسين وقال: مع إني مش فاضي للدلع ده، بس حاضر، عشان خاطرك يا راجل يا عجوز.
صادق بغضب: متقولش عجوز، قولي يا عريس.
تعجب ياسين ونظر لصادق وهو ينهض من أمامه وقال: إنت ما صدقت بقى، رايح فين طيب؟!
التفت صادق إليه وقال: همشي، البيت وحش من غير سيلا.
رحل صادق، ونظر ياسين إلى المنزل الفارغ من حوله، ثم نهض بضيق وبدل ثيابه، وذهب إلى المشفى.
أما سيلا، فذهبت إلى المجلة، وجلست على مكتبها بجوار صديقتها ليل، التي فور أن رأت وجهها، علمت أنها ليست على ما يرام، فقالت بقلق: مالك؟ فيه حاجة حصلت؟
سيلا: لأ، بس تعبانة شوية.
ليل: مش مصدقاكي، هتخبي عليا يا سيلا؟!
تنهدت سيلا بثقل صدرها، وتجمعت الدموع داخل مقلتيها، ثم تنفست بقوة حتى تمنع دموعها أن تهرب من عينيها وقالت: هحكيلك.
أما ياسين، فقد وصل إلى المشفى، وعندما دخل مكتبه، وجد مرام تنتظره بالداخل، نظر لها بتوتر، وقال: هو كل أما أدخل المكتب هلاقيكي هنا.
مرام بهدوء: مش عارفة يا حبيبي إنت متضايق مني كده ليه؟
ياسين بصدمة: حبيبك! وطي صوتك حد يسمعك، مش هتهدي غير لما تودينا في داهية، عايزة إيه دلوقتي.
مرام: ولا حاجة، أنا سامعة إن عندك عملية النهاردة، لأ وبيقولو خطيرة.
ياسين بتوتر: ها... معرفش، عملية إيه ديه، مش هعمل عمليات أنا.
مرام بتحذير: وبعدين بقى؟! شكلك كده هتتعبني، أنا هتصل بزافر بقى وهو يتصرف معاك.
أمسكت هاتفها، فأسرع ياسين وأخذ الهاتف من يدها وقال: لأ لأ، بلاش زافر.
ثم زفر بقوة وقال: ما هو الراجل كده هيموت تحت إيدي.
مرام: مش مهم، ما هو حل من آتنين، يا هو يموت.... يا أنت تموت، نفذ المطلوب منك بالظبط.
ظهر التوتر على وجه ياسين، لا يعرف كيف يقوم بعملية جراحية ويموت هذا الرجل بسببه، ولكن حياته أثمن فقال: خلاص، حاضر.
تركته مرام وخرجت من الغرفة، وهي ترمي إليه بنظرات باردة، تبعث في جسده رعشة قوية، فهي تبدو هادئة، ولكن بالداخل هي شيطان غاضب.
جاء وقت العملية، وكان ياسين بشعر بالتوتر الشديد، ولكن حاول أن يتمالك أعصابه، وعندما دخل غرفة العمليات، كانت مرام تخرج من الباب وهي ترتدي ثياب أحد الممرضات، وتضع قناع على وجهها، ووضعت زجاجة عقار في جيبها، ثم نظرت حولها كي تتأكد أن لم يراها أحد، وعادت إلى غرفتها على الفور.
دخل ياسين، وقام طبيب التخدير بعمله، ليدخل المريض في ثبات، ثم وضعت الممرضة المشرط بيد ياسين، ارتعشت يده بقوة، فنظرت له الممرضة وقالت: إنت كويس يا دكتور؟
ياسين: ها... اه اه، كويس.
وضع المشرط على جسد المريض، وأغلق عينيه بقوة، ولكن توقف عندما سمع صوت الأجهزة، تصدر أصوات تحذيرية مرتفعة، فنظر طبيب التخدير إلى المريض بفزع وقال: فيه هبوط حاد في الدورة الدموية، المريض كده هيموت.
نظر ياسين إلى الأجهزة ثم قال: هاتي حقنة إيفدرين بسرعة.
أعطته الممرضة العقار، ثم حقنه ياسين على الفور، ثم بدأ بعمل تدليك للقلب، وقام برفع نسبة الأكسجين عاليًا، حتى عادت الدورة الدموية إلى طبيعتها تدريجيًا.
نظر له الطبيب وقال: أنقذته، الحمد لله.
ياسين: خرجوه من العمليات بسرعة، وعايز أعرف جاله هبوط إزاي، مش المفروض تكشفو على المريض قبل التخدير، ولا أنتو عايزين تموتو الناس.
خرج ياسين بغضب، وعاد إلى غرفته، ثم قام طبيب التخدير بسحب عينة من دم المريض، فقد قام بنفسه بالكشف عليه قبل التخدير، وتعجب مما حدث.
بعد قليل، دخلت مرام الغرفة، ونظرت له بتعجب، وقالت بغضب: ممكن أعرف إيه اللي عملته ده؟!
ياسين: عملت إيه؟!
مرام بهمس: إنت المفروض تموته؛ مش تنقذه.
ياسين: أموته بس مش بغلط طبي، أنا كده هلبس، مش كفاية المصيبة اللي بنعملها، عايزاني أروح في داهية.
مرام: زافر طلب منك تنفذ من غير نقاش، مكنش المفروض تنقذه بالشكل ده، وبعدين دكتور التخدير اللي كان هيشيل القضية، إنت مالك؟
ياسين: ولو وقفت أتفرج عليه وهو بيموت كنت شيلتها معاه، بقولك إيه، إنتو ليكو طلب وأنا هخلصه بمعرفتي وبعدين أرجع لبنان أخد حسابي وكل واحد يروح لحاله، واستني هنا، إنتي عرفتي منين اللي حصل وإن دكتور التخدير اللي كان هيشيل المشكلة؟!
مرام: عشان أنا بدلت حقنة التخدير بحقنة فيها مخدر مع دوا ينزل ضغط الدم، ساعتها كان هيموت ونخلص.
فتح ياسين عينيه بصدمة وقال: ومين قالك تتدخلي في شغلي؟!
مرام: الحق عليا يا روحي قلت أساعدك.
ياسين بغضب: يا ستي متساعدنيش، إرحميني وسيبيني أخلص وأمشي.
مرام: خلاص خلاص، مش هتدخل تاني.
زفر ياسين بقوة، وخرج من المكتب، تحت نظرات الشك من مرام، أما سيلا، فقد قصت لصديقتها ما حدث، حاولت ليل أن تتفهم ما تقول، ولكن لا تصدق، ثم اقترب عمر منهما وقال: سيلا، بكرة الصبح السفر إن شاء الله، أنا حجزتلك التذكرة كمان وهبعتهالك.
وقفت سيلا ونظرت له بامتنان وقالت: شكرًا يا مستر عمر.
عمر: على إيه سيلا، ده ولا حاجة يعني.
عادت سيلا إلى منزل هدير، ووجدت ياسين يصف سيارته بالأسفل، فلم تتوقف وواصلت السير إلى المنزل، نزل ياسين سريعًا من السيارة وصاح: سيلا... سيلا استني.
نظرت له سيلا بضيق وقالت: نعم.
تنهد ياسين وقال: ماشي أنا عارف إني متعاملتش معاكي حلو لما رجعت من السفر، ويمكن ده اللي مخليكي تتعاملي معايا كده، وعارف إنك بتدلعي عليا يعني، ويا ستي من حقك تتدلعي، ومن حقك كمان إني أصالحك، فا حقك عليا، بس كفاية كده بقى ويلا نرجع البيت.
نظرت له سيلا بهدوء وقالت: بدلع! اممم، قولي يااااا...ياسين، هو أول مرة أتقابلنا كان فين؟!
ياسين: يعني إيه؟!
سيلا: سؤال بسيط على فكرة، أول مرة إتقابلنا فيها كان فين؟
ياسين: يعني.... مش فاكر، ده من مدة يعني، بس ليه تسألي؟!
سيلا: عشان أثبلتك إنك متعرفش عني أنا وياسين حاجة.
كادت تذهب ولكن أوقفها وقال بتوتر: استني بس، هقولك أهوه، أناااا... أنا بس مش فاكر.
نظرت له سيلا، وبرغم الألم الذي تشعر به كلما تأكدت بأنه ليس زوجها، والقلق الذي يعتصر عقلها ويستنزفه على إختفاء ياسين، إلا أنها تماسكت ونظرت إليه داخل عينيه بقوة وقالت: أنا هعرف أرجع ياسين، وهروح لبنان وهعرف إيه اللي حصل هناك، وسجنك هيبقى على إيدي.
ذهبت من أمامه، وهو ينظر إليها بضيق، ثم دخل سيارته، وصرخ بقوة وقال: وبعدين بقى؟! زافر لو عرف هيموتني، أعمل إيه أنا فيها؟!
أما سيلا، فقد تأكدت من ظنونها، هذا ليس ياسين، وقريبًا سوف تعرف الحقيقة.
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الخامس
بقلم الكاتبة / رباب حسين
رؤية الأشياء من بعيد تجعلنا ندرك حجمها الحقيقي، كهذا المشهد الذي أراه من نافذة تلك الطائرة، كلما ارتفعت عن الأرض؛ كلما أدركت كم العالم الذي نعيش به صغير جدًا. عكس هذا الألم الذي أشعر به داخل صدري، كلما اقتربت من إثبات ما أظن، يتشعب داخل جسدي، نابضًا بألم لا يحتمل.
أتذكر نظرات ذلك الرجل، وبرغم أنها ذات العيون؛ إلا أنها جامدة، لا تمت بصلة بعيون ياسين حبيبي، ولكن لا زلت أشعر بالضيق كلما وقفت أمام وجهه؛ صارخة به، ونفوري منه يألمني أنا أكثر من أي شخص آخر، ليعود قلبي ليبعث ذلك التوتر الذي يمنعني من الانحراف نحو مشاعر الاشتياق إليه، يفتح عيني ليدعني أرى الحقيقة كاملة.
وها أنا أترك أرض الوطن، طالبة من الله أن يوفقني لأجد زوجي الحبيب، توأم روحي وعقلي، وسأجده بالتأكيد.
أما ياسين، كان يرتدي ثيابه ليذهب إلى العمل، وعقله مشتت بسبب ما قالته سيلا بالأمس، إذا ذهبت إلى لبنان قد تفتح باب من المشاكل لن يغلق بسهولة، وربما سيدفع حياته ثمن سفرها، لذا قرر أن يذهب إليها أولًا، لعلها ترجع عن قرار السفر.
وبالفعل، بعد قليل، كان يقف ياسين أمام الباب، وفتح مازن له وقال: أهلًا يا ياسين، تعالى إتفضل.
دخل ياسين وقال: أنا قلت هلاقيك في القسم.
مازن: لأ عندي وردية بليل، أدخل نفطر سوا.
ياسين: لأ أنا مش جعان، أنا بس عايز أتكلم مع سيلا شوية، ممكن تديها خبر إني موجود.
مازن: بس سيلا سافرت، زمانها على الطيارة دلوقتي.
وضع ياسين كفه على جبهته، وظهر عليه التوتر الشديد، نظر له مازن يراقب تصرفاته، ثم قال: مالك؟ فيه حاجة؟
ياسين بتوتر: ها... لأ أبدًا.
ثم نظر إليه مطولًا وقال: هو ينفع أتكلم معاك شوية، عايز أخد رأيك في حاجة كده.
دخل مازن مع ياسين غرفة المكتب، وأغلق مازن الباب وتحدثا معًا.
في المشفى، كان يقف طبيب التخدير بالمعمل، ينتظر نتيجة تحليل عينة ذلك المريض؛ الذي كاد يفارق الحياة بالعمليات أمس، وعندما استلم نتيجة التحليل وقرأ التقرير، فتح عينيه بصدمة، وتوجه إلى مكتب مالك المشفى الدكتور (راغب) على الفور.
تلقى ياسين مكالمة هاتفية من المشفى، وهو يتحدث مع مازن بمكتبه، فرفض المكالمة وقال مازن: مكالمة مهمة؟!
ياسين: ديه المستشفى، المهم؛ أعمل إيه مع سيلا.
مازن: خليها تطمن بطريقتها، معنديش حل للوضع بصراحة.
تلقى مكالمة أخرى، فأجاب، وسمع الطبيب راغب يتحدث معه بنفسه وقال: أيوة يا دكتور ياسين، لو سمحت تجيلي مكتبي فورًا.
ياسين بتعجب: حاضر يا دكتور، نص ساعة وهبقى عند حضرتك.
أنهى ياسين المكالمة، واستأذن مازن ليذهب إلى المشفى، وعندما خرج من الغرفة وجد هدير تجلس أمامه، فألقى التحية عليها وذهب، دخلت هدير الغرفة، وقالت: بقالكم كتير أوي بتتكلمو، هو فيه حاجة؟
مازن: كان بيتكلم على موضوع سيلا، متضايق إنها سافرت ونفذت اللي في دماغها برده.
هدير: طيب إيه رأيك؟ هو ياسين ولا لأ؟!
صمت مازن قليلًا يفكر، ثم قال بحيرة من أمره: مش عارف.
وصلت سيلا الفندق الذي كان يقيم به ياسين، وبعد وقت، كانت تقف بالغرفة، وتضع أغراضها بالخزانة، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بليل، التي تلقت المكالمة وقالت: سيلا... وصلتي خلاص؟
سيلا: اه يا حبيبتي، قوليلي بقى اسم البنت اللي تعرفيها هنا وقولتيلي إنها ممكن تساعدني.
ليل: اسمها نيفين، أنا هبعتلك رقمها دلوقتي كلميها على طول، وزي ما اتفقنا تقولي زي ما أنا قولتلها بالظبط.
سيلا: حاضر، متقلقيش.
أنهت سيلا المكالمة معها، وانتظرت أن ترسل لها رقم الهاتف، ثم تلقته واتصلت بنيفين على الفور وقالت: ألو... نيفين؟ أنا سيلا صاحبة ليل.
نيفين: إيه حبيبتي، هي حكت معي إنك راح توصلي على لبنان اليوم.
سيلا: اه، أنا وصلت، وفي الفندق، في غرفة ١٢٣.
نيفين: عن جد، خلاص هلأ بجي لعندك.
سيلا: أوك مستنياكي.
بعد وقت، سمعت سيلا طرقات على الباب، فتحت لتجد فتاة لبنانية غاية بالجمال، ابتسمت لها وقالت: أهلين والله ببنات مصر الحلوين، كيفك حبيبتي؟
ابتسمت سيلا وقالت: بخير حبيبتي، أسفة بتعبك معايا.
نيفين: شو هاد، ولو حبيبتي إنتي تأمريني أمر، بس أنا فيه شي ما عم يدخل براسي؛ كيف رجال يخون هي القمر؟ لك جن خلاص.
سيلا متصنعة الحزن: اتمنى يكون ظني غلط بصراحة.
نيفين: إيه والله، من وقت ما خبرتني ليل بالموضوع وأنا عم جن، أنا حصل معي هيك، واطلقت منه عطول، ما انتظرت ساعة واحدة، بس هلأ خلينا نروح عمكتب الكاميرات، ونشوف شوف اللي صار.
سيلا: هينفع دلوقتي.
نيفين: إيه إيه يلا نروح.
ذهبت سيلا مع نيفين، ودخلا مكتب المراقبة، وطلبت نيفين من مسئول المراقبة أن يعرض التسجيلات، جلست سيلا تشاهد تسجيلات ال١٠ أيام.
كان ياسين يبدو بصورة طبيعية جدًا بأول يوم، وحضر المؤتمر مع عدد من الأطباء، نظرت له سيلا باشتياق، وحاولت التحكم بدموعها، عاد ياسين لغرفته بالمساء ولم يخرج منها حتى الصباح.
نزل ياسين إلى مواقف السيارات، ولكن لاحظت اقتراب سيارة أخرى منه، وقام أحدهم بجذب ياسين بقوة داخل السيارة، وتم اختطافه، صاحت سيلا بذعر وقالت: شفتو اللي حصل؟! حد خطفه!
نظر مسئول المراقبة إلى المشهد، ثم قام بإعادة التسجيل، وجلس أمام الشاشة، وأخذ يراجع ما حدث بعد عملية الخطف، وسيلا تشاهد ما حدث وقلبها يهوى بين أقدامها.
لم يعد ياسين طوال اليوم، حتى عادت تلك السيارة، ونزل أحد الرجال منها، ونزل ياسين، ووقف أمامه وتحدث معه قليلًا، ثم دخل إلى الفندق.
نظرت نيفين إلى الشاشة عن قرب وقالت بفزع: هاد رجال زافر!
نظرت لها سيلا وقالت: مين زافر ده؟!
نيفين: هاد رجال خطر كتير، شو علاقة زوجك معه؟
سيلا: ياسين أول مرة يجي لبنان اصلا، وبعدين ده نازل من العربية عادي جدًا، ولا كأنه كان مخطوف.
نيفين: إيه غريب كتير، بس هو عم يحكي مع هاد الرجال، أكيد في شي مانو مفهوم.
صمتت سيلا تفكر قليلًا، هل تم تبديله بذلك اليوم؟ ثم قالت: طيب ممكن نشوف باقي الفيديوهات؟
قام مسئول المراقبة بعرض التسجيلات، لاحظت سيلا أن ياسين لا يبدو في حالته الطبيعية بعد ذلك اليوم، ويبدو عليه التوتر كثيرًا، حتى مساء اليوم التالي، عندما وجدت شابة جميلة، تقترب من غرفته وتطرق الباب، فتح ياسين وعندما رأها نظر إليها بفزع، وأمسك يدها وجذبها داخل الغرفة سريعًا، ظلت سيلا تنتظر خروجها من الغرفة، ولكن لم تخرج حتى الصباح.
ظهرت معالم الحزن على وجهها، خانها! نظرت لها نيفين بحزن، فقد تأكدت من شكوكها، زوجها خائن. تذكرت شعورها وهي تمر بذات الموقف، لذا ربتت على كتفها حتى تهدأ قليلًا، نظرت لها سيلا بعين مكسورة، حزينة.
ثم توقفت للحظة عن التفكير، هذا دليل على إنه شخصًا آخر، ويبدو أنه تم تبديله عندما خطف ذلك اليوم، وعندما عاد تبدل سلوكه، وأصبح مضطرب طوال الوقت، ودخول تلك الفتاة التي لم تراها بالفندق من قبل؛ دليل حاسم أنه على معرفة بها منذ وقت، لذا تأكدت ظنونها... هذا شخص آخر منتحل شخصيته.
أما ياسين، فقد كان يقف أمام راغب وهو في غاية الغضب ويقول: يا دكتور أنا عايز أعرف، إزاي المريض يدخل في جسمه مادة زي ديه وهو داخل عملية؟!
ياسين: حضرتك بتوجهلي السؤال ده ليه؟!
راغب بغضب: إنت الطبيب المسئول عن الحالة، وكمان الممرضة قالت إنك كنت مضطرب جوا غرفة العمليات، ودكتور التخدير (حسن) أكد على كلامها، عشان كده بوجه لحضرتك السؤال.
ظهر الغضب على وجه ياسين وقال: كلام حضرتك يا دكتور فيه إتهام صريح ليا بإني حاولت قتل المريض، وده تلميح غير مقبول.
أولًا فحوصات المريض أنا طلبتها وراجعتها بنفسي قبل العملية بساعة، ثانيًا لو خد الدوا اللي موجود في التحليل قبل العملية كان اتصاب بالهبوط قبل التخدير، لكن ده داخل العملية كويس جدًا وتم تخديره جوا العمليات، ومؤشراته كانت ممتازة، ده غير إنه مش مريض لا سكر ولا ضغط، يبقى أنا كده اللي المفروض أتحاسب على دوا خدو المريض؟! ديه مسئولية الممرضات، ووارد يكون ممرضة غلطت واديت المريض دوا غلط، لكن ده مش غلطي عشان أتحاسب عليه، ولا أنا هقبل إتهام حضرتك ليا، وبعدين لو أنا عايز أقتله كنت سيبته يموت مش أنقذه بنفسي.
شعر حسن بتوتر الأجواء، فحاول تهدأت الأمر وقال: إهدى بس يا دكتور ياسين، إنت عارف دكتور راغب كويس، وعارف إن المرضى مسئوليته هو أولًا، وهو أكيد مش قصده يوجه ليك أصابع الإتهام، هو بس بيتناقش مع حضرتك في اللي حصل.
ياسين: مش بالأسلوب ده أبدًا.
أمسك حسن يده، ودفعه نحو الباب وقال: تعالى بس يا دكتور نسيبه يهدى، وبعدين نحقق في اللي حصل براحتنا.
خرجا من الغرفة، حاول حسن تهدأت غضب ياسين، ثم تفاجأ باتصال هاتفي من زافر، استأذن من حسن، وابتعد عنه قليلًا، وتلقى المكالمة وقال بتوتر: زافر باشا.
زافر بجمود: سيلا بتعمل إيه هنا في لبنان؟
أغلق ياسين عينيه بخوف وقال: مش عارف، أنا إتفاجأت إنها سافرت لبنان، إنت عارف يا باشا إنها سابت البيت من بدري، بس لما سألت قالو إنها عندها تغطية فيلم في لبنان.
زافر: اممم، مش غريب إنها تنزل في نفس الفندق اللي كان فيه المؤتمر؟
ياسين بتوتر: أنا... أنا معرفش هي نازلة فين، بس يمكن صدفة.
زافر: صدفة؟! وبتعمل إيه في غرفة الكاميرات من ساعة ما وصلت؟
فتح ياسين عينيه بصدمة وقال: فين؟! غرفة المراقبة! يادي المصيبة، كده هتعرف كل حاجة، أنا كده رحت في داهية.
زافر: لو كنت قولتلي إنها جاية كنت أمنتك، لكن كده إنت موقفك بقى صعب، وللأسف مش هعرف أساعدك. اسمع... تخلص مهمتك في أسرع وقت، وبعدين نشوف حل.
ياسين: وأنا هلحق أعمل ده كله قبل ما هي ترجع؟! استحالة.
زافر: لا متقلقش، ما أنا هأخر رجوعها.
خرجت سيلا من غرفة المراقبة وهي متخبطة، وسؤال واحد يجوب داخل رأسها، أين ذهب ياسين؟! ولماذا ثم أختطافه، وما الغرض من كل ذلك؟
عادت إلى غرفتها، وظلت تفكر مطولًا، وتأكدت أن هذا البديل يستهدف عمل ياسين بالمشفى، ومن المؤكد أنه يخطط لأمرٍ ما مرتبط بعمله، وهذا سوف يعرض حياة المرضى للخطر، وإذا توفي أحد من المرضى؛ ستنتهي حياة ياسين العملية.
ماذا تفعل؟! هل تعود وتحاول إثبات أن هذا الشخص ليس ياسين؟ أم تبقى وتبحث عنه، وتعود به إلى أرض الوطن؟! فبكل الأحوال لن تستطيع العيش بدون ياسين، ولن تتحمل أن تعود إلى مصر وتتركه هنا بين يدي ذلك الرجل المدعو زافر.
لم تجد حل، ولم تتمالك أعصابها أكثر، فبكت بشدة وهي تشعر بالعجز، ثم قالت: إنت فين يا ياسين؟! أنا محتاجالك.
تُرى... ما الذي يخطط له زافر بالتحديد؟ وكيف سيبقي سيلا بلبنان حتى لا تعود وتكشف الحقيقة بمصر؟!
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل السادس
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم تكن الوحدة مجرد غياب أشخاص، بل حضور شعورٍ ثقيلٍ يجثم على الصدر دون رحمة.
في تلك الليلة، أدركت سيلا أن المسافة بين الإنسان ومن يحب قد تكون أقسى من الفراق نفسه، وأن الغربة لا تبدأ من الأماكن... بل من القلوب التي تتبدل دون إنذار.
كانت تحاول أن تُقنع نفسها أن ما تشعر به مجرد وهم، إرهاق عابر، أو خوف مبالغ فيه، لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة؛ شيء ما انكسر، وشيء آخر بدأ ينمو مكانه، باردًا، غريبًا، لا يشبه الرجل الذي أحبته يومًا.
وفي ظل ذلك العجز الذي تشعر به سيلا، كان بداخلها إصرار أن تجد ياسين مهما كلف الأمر.
اتصلت بمازن، وأخبرته بما حدث، وطلب منها أن ترسل له نسخة من التسجيلات، وعندما رأى تلك السيدة تدخل غرفة ياسين وظلت طوال الليل، أخذ التسجيل وذهب إلى منزل ياسين على الفور.
بعد وقت، كان يقف أمام الباب، فتح له ياسين وقال: أهلًا يا مازن، إتفضل.
مازن بغضب: من غير ما إتفضل، سيلا كلمتني، وبعتتلي فيديو لواحدة داخلة عندك الأوضة في الفندق، إنت تخونها يا ياسين؟!
ياسين بتوتر: أنا مخونتهاش، ديه مرام، اللي شغالة معانا في المستشفى.
مازن: وإنت بتقضي الليل مع زمايلك الدكاتره في أوضة واحدة؟! بص... أيًا كان اللي بيحصل، بس سيلا دلوقتي شاكة إنك مش ياسين، وأظن الأحسن إنك تطلع مش هو فعلًا، ده بالنسبالها أحسن من إنها تعرف العك اللي بتعمله.
أمسك ياسين ذراعه، وقال له برجاء: تعالى بس أدخل نتكلم بهدوء، مش كفاية سيلا عليا، هيبقى إنت وهي؟
دخل مازن وهو ينظر له بضيق، وجلسا يتحدثان معًا.
أما مشيرة، فكانت تتحدث بالهاتف مع هدير، وعلمت أن سيلا سافرت إلى لبنان، فقالت بغضب: وإنتي إزاي متقوليليش حاجة زي ديه؟
هدير: الموضوع جيه بسرعة يا ماما، جات بليل قالتلي مسافرة الصبح.
زفرت مشيرة بقوة وقالت: أنا كلمت صادق بيه، وقالي إنه هيتصرف، معرفش عمل إيه، أنا لحد دلوقتي مش مستوعبة اللي أختك بتقوله، ولا مصدقاه.
هدير: ماما إنتي بنفسك شفتي إن ياسين متغير.
مشيرة: مش لدرجة إنه حد تاني يعني، إقفلي لما اتصل بصادق أشوف عمل إيه.
أنهت مشيرة المكالمة واتصلت بصادق على الفور، الذي حينما رأى اسمها ينير الهاتف، ابتسم على الفور وتلقى المكالمة وقال: أهلًا أهلًا يا مشيرة هانم، ده التليفون نور بصوتك واسمك.
نظرت مشيرة إلى الهاتف بيدها بتعجب، لأول مرة يتحدث معها صادق بهذه الطريقة، ثم أعادته على أذنها وقالت: أهلًا بيك يا صادق بيه، أنا كنت بتصل عشان أسألك عملت إيه مع ياسين وسيلا.
صادق: أنا رحت لياسين إمبارح، وقولتله يروح يصالحها، بس معرفش عمل إيه.
مشيرة: سيلا سافرت لبنان عشان تدور على ياسين.
عقد صادق حاجبيه بتعجب وقال: معقول؟! ده الموضوع كبير بجد، مالها سيلا؟ وصلت للدرجة ديه إزاي؟!
مشيرة: معرفش، أنا قلت مش ممكن صادق بيه مش هيعرف ابنه، ولو سمعتك وإنت بتأكد إنه ياسين هترجع عن التفكير ده.
صادق: أيوة طبعًا ياسين، هيكون مين يعني؟ طيب أنا هحاول اتصل بيها، وأقولها ترجع.
أنهى صادق المكالمة، وعلى وجهه علامات التعجب، كان يظن أنها مشكلة عابرة، أو سيلا تتغنج على ياسين، ولكن يبدو أن الأمر أكثر تعقيدًا.
في الصباح، ذهبت سيلا لتتناول الطعام خارج الفندق، وتنظر بيدها إلى تلك الورقة التي كتبت عليها رقم السيارة؛ التي أختطفت ياسين، ثم قامت بالبحث عن اسم زافر عبر المتصفح.
بعد وقت، تقدم منها النادل ووضع بجوارها مغلف به الفاتورة، فتحته فوجدت رسالة بالداخل، تعجبت من الأمر ثم قرأتها ونظرت حولها تبحث عن هذا النادل، فلم تجده، فنظرت إلى الورقة فتحتها بيد مرتعشة ووجدت: " إذا بدك تعرفي وين ياسين لاقيني بهالعنوان بعد ساعة."
ثم وجدت عنوان مدون بآخر الورقة، فدفعت الحساب وخرجت سريعًا من المطعم، وأوقفت سيارة أجرة، وذهبت إلى هناك.
أما ياسين، فذهب إلى المشفى، وجلس مع الطبيب حسن، وسأله عن التحقيق بشأن ذلك المريض، فقال حسن: فيه ممرضة دخلت أوضة العمليات، بس خرجت قبل العملية، والمفروض إن الممرضات اللي حضرو معانا العملية كانو جوا، يعني الممرضة ديه دخلت وخرجت من غير سبب، دكتور راغب أمر بتحقيق عشان يعرف مين الممرضة ديه، ولما قعدت اتكلمت معاه، قالي إنك معاك حق، الدوا ده يسبب هبوط حاد في وقت قصير، يعني المريض خد الدوا ده جوا العمليات، وشك إن الممرضة اللي دخلت ديه هي السبب.
ياسين: يعني أنا كده براءة، صح؟
حسن: دكتور راغب مكنش شاكك فيك، هو بس إنفعل من اللي حصل.
ياسين: طيب هقوم أشوف شغلي، ولو فيه أي أخبار جديدة بلغني.
ذهب ياسين إلى مكتبه، ووجد مرام تجلس بالداخل، فزفر بضيق وقال: خير، فيه إيه تاني؟
مرام: أجلت عملية النهاردة ليه؟
ياسين: عشان اللي عملتيه فتح العين عليا، ودكتور راغب كان شاكك فيا، لو كنت دخلت عمليات النهاردة ونفذت اللي إتفقنا عليه كنت هلبس قضية، وخلي بالك؛ الكاميرات جابتك وإنتي داخلة وخارجة من العمليات، وفيه تحقيق هيتفتح دلوقتي.
نظرت له مرام بشك، ثم قالت: زافر باشا بيفكرك، إن روحك تحت إيده، مش بس روحك، ده إشارة منه هتروح ورا الشمس، وبما إن التحقيق هيتفتح بين الممرضات؛ يبقى إنت كده براءة، بكرة تعمل العملية، ولازم المريض يموت، فاهم ولا لأ؟
نظر لها ياسين وتنهد بقوة وقال: حاضر.
أما سيلا، فوصلت إلى العنوان، كان المكان مهجور، فشعرت بالخوف من الدخول به، فبدأت تقترب بحذر، وهي تنظر حولها بتوجس، حتى سمعت أحدًا يهمس لها من بعيد: سيلا.
نظرت باتجاه الصوت، ووجدت نيفين تنظر حولها بخوف، اقتربت منها سيلا وهي تعقد حاجبيها، متعجبة أن نيفين هي من طلبت أن تقابلها.
أمسكت نيفين يدها، وجذبتها بعيدًا عن الطريق، ثم قالت بهمس وهي تلتفت حولها: منيح إنك إجيتي.
سيلا بتعجب: طيب كنتي قبليني في الفندق بدل الرعب ده.
نيفين: لا ما بيصير، اسمعيني هلأ وركزي معي، زافر عم يراقبك، أنا شفته رجالو موجودين بالفندق، فكرت إنهم عم يراقبو حدا تاني، بس من لما شفت ياسين زوجك معهن، عرفت إنهم عم يراقبوكي إنتي.
سيلا: هو مين زافر ده؟!
نيفين: هاد تبع المافيا، بيشتغل بكل شي وأي شي، سلاح، أعضاء بشرية، ممنوعات، كل شي.
سيلا بقلق: وده إيه علاقته بياسين؟
نيفين: اللي عرفته إن زوجك جراح كبير بمصر، وهاد معناه إنهم طلبو منه يشتغل معهن، بس أنا وإنتي أخدنا بالنا إن اللي رجع بهداك اليوم مش هو ياسين زوجك.
تعجبت سيلا من حديثها وقالت: وإنتي عرفتي منين؟
نيفين: هي المرا اللي دخلت عنده الأوضة وضلت طول الليل، مرام، دكتورة تجميل معروفة إنها عم تشتغل معه، بتعرفي ليش ما حدا بيعرف شكله لزافر لهلأ؟ بسبب هي مرام، غيرت وجه علأخير، هي كتير شاطرة، وده معناه إن ياسين اللي رجع عمصر مش هو زوجك، أكيد حدًا يشبه.
سيلا بخوف: كنت عارفة، أنا أصلًا جيت هنا عشان أتأكد.
نيفين: فيه شي لاحظته لما كان زوجك هون، كنت بالفندق وهو كان واقف عن الريسبشن، وسمعت حدًا عم ينادي باسم ( عامر) وقتها زوجك ظل عم يتلفت حواليه، وكأنه شك إن حدًا بينادي باسمه، وقتها أنا إستغربت كتير، بس ما اهتميت، بس لما شفت اللي حصل إمبارح إتذكرت، وهلأ خلينا نشوف حل بالموضوع، زافر أكيد مخبي ياسين هون، أنا فيني ساعدك.
سيلا برجاء: ياريت، أنا مش عارفة أعمل حاجة هنا لوحدي، والسفارة مش هتقدر تساعدني غير لو لقيت دليل.
فكرت نيفين قليلًا ثم قالت: يبقي لازم نجيب دليل، اسمعي، الرجال اللي كان مع هاد ياسين المزيف بالكراج، صاحبتي تبقى رفيقته، أنا راح إحكي معها، وبخليها تعرف إذا كان ياسين موجود هون عن جد، ولا زوجك عم يشتغل مع زافر وشكنا مو بمحله.
سيلا بإندفاع: لأ لأ، ياسين عمره ما يشتغل مع الناس ديه، ولا يتاجر في أعضاء، وبعدين هو
هيعرف منين ولا يعرف مرام ديه منين؟!
نيفين: خلاص، راح إحكي معها وبردلك خبر، إنتي إمتى راح تمشي من لبنان؟
سيلا: مش هعرف أمشي وأسيب ياسين هنا، شكلي مطولة.
نيفين: طيب بحكي معك، بس إذا حبيت شوفك لازم نكون بعيد عن الفندق، الله يخليكي ما بدي مشاكل مع زافر، هاد رجال خطر كتير، أنا بس ساعدتك مشان ليل رفيقتي.
سيلا: اللي يريحك، أنا متشكرة ليكي جدًا، مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه.
نيفين: ولو حبيبتي، أنا معك لا تخافي.
تركتها سيلا وذهبت إلى الفندق، قلبها معلق بأمل مكالمة، عقلها شارد، والخوف يسيطر عليها، تتمنى أن تتأكد من شكوكها، وتثبت أن هذا الرجل منتحل، فياسين لا يمكن يفعل تلك الأشياء، ولكن الخوف بقلبها إن كان هو ياسين حقًا، فسوف تكون النهاية، نهاية حب عاش لسنوات، وانتهى بأبشع خيانة... خيانة حبيب وخيانة ضمير مهني، وظلت تتسائل بداخلها؛ هل الخيانة أسوء.. أم السقوط بالجريمة؟
اتصلت سيلا بمازن، وقصت له ما حدث معها اليوم، فقال مازن بتعجب: إنتي قولتي اسمها إيه البنت اللي دخلت أوضة الراجل ده؟
سيلا: مرام، ليه تعرفها؟
مازن: لما قفلت معاكي الصبح، رحت لياسين البيت لما شكيت إنه بيخونك، ولما سألته عن اللي دخلت عنده، قالي ديه مرام وشغالة معاه في المستشفى.
فتحت سيلا عينيها بصدمة وقالت: يعني مرام ديه في مصر معاه هناك؟!
مازن: اه، وكده فيه طريقين، يأما الدكتورة ديه تعرف ياسين من الأول وشغالة هنا معاه فعلًا؛ وده يبقى معناه إن ياسين شغال مع زافر من زمان، وبيتاجر فعلًا الأعضاء، يأما ده فعلًا مش ياسين ومرام ديه جات هنا عشان تساعده.
وقفت سيلا بغضب وقالت: ده مش ياسين، هو إنتو هتصدقوني إمتى؟ ياسين إستحالة يخوني، وعمره ما يشتغل في حاجة زي كده أبدًا.
مازن: إهدي بس يا سيلا، بصي، أنا عايز بس دليل، لو جبتيه هخليكي ترفعي قضية عليه، ونقدم الدليل إنه مش هو، ولو أنكر هنعمل تحليل DNA بينه وبين صادق بيه، وساعتها هنثبت إنه مش هو، والسفارة تتحرك عندك ونعرف نرجع ياسين.
سيلا: وأنا هستنى كل ده عشان ارجعه؟!
مازن باستهزاء: لأ طبعًا! روحي حاربي عصابة ولا واحد زي زافر ده لوحدك، عشان ترجعي في خشبة، اسمعي الكلام يا سيلا، إنتي مش أد الناس ديه، الفيديو اللي معايا دليل إنه اتخطف، لكن نثبت إزاي إن اللي رجع ده مش هو ياسين.
تنهدت سيلا بقوة وقالت: أنا خايفة يكون عملو فيه حاجة يا مازن، مرعوبة أوي وقلبي مقبوض.
مازن بحزن: أنا عارف إنك في وضع صعب، بس إنتي الأمل الوحيد لياسين دلوقتي، مفيش حل غير إنك تشوفي الراجل اللي هناك ده، وخلي نيفين ديه تساعدك، راقبيه، هو ده اللي هيوصلك لزافر، لأن زافر ده مجرم هربان من مصر، ومحدش عارف يوصله بسبب عمليات التجميل اللي عملها، لو عرفنا شكله هنقدر نقبض عليه، فاهمة يا سيلا؟
سيلا: حاضر، هحاول، ومش هرجع غير لو ياسين معايا.
لم تكن تتخيل أن تفقده يومًا، أن يختفي من أمام عينيها، تشعر بأن جزء من روحها غادر جسدها. تشتاق إليه حد الجنون، وتغمض عينيها لتظهر صورته المحفورة بذاكرتها، وحينها تشعر فقط بنبض قلبها؛ الذي توقف عن النبض منذ غيابه عنها، فخليل الروح شفاء للقلب، ونبض الحياة بجسد أنهكه الاشتياق.
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل السابع
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أحيانًا لا يكون الخوف مما نراه... بل ما تخفيه تلك الوجوه المزيفة.
حين تتراكم التفاصيل الصغيرة، النظرات التي لا تشبه صاحبها، الكلمات التي تُقال بنبرةٍ باردة، يدرك القلب قبل العقل أن النفوس لم تعد كما كانت.
في تلك المرحلة، لم تعد سيلا تبحث عن إجابة تُطمئنها، بل عن دليلٍ يُنهي صراعها الداخلي، حتى لو كان ثمنه أن تنهار الصورة الأخيرة التي تتمسك بها.
فأسوأ ما قد يواجه الإنسان، أن يشك في من يفترض أنه ملاذه الآمن، وأن يشعر أن أقرب الوجوه إليه لم تعد هي.
وهنا... تبدأ الحقيقة في الاقتراب، لا كخلاص، بل كجرحٍ جديد قد لا يلتئم أبدًا.
حقيقة تجعلنا نكتشف ما وراء تلك الوجوه المزيفة، وكلما وثقنا أكثر.... كلما كانت الصدمة أكبر.
كانت سيلا بين شقي الرحا، إما يكون هو زوجها حقًا وهذا يعني أنه قام بخيانتها، وإما أن يصدق ظنها وياسين حقًا مخطوف. في بلد غريب، لا أحد يستطيع مساعدتها، لا تعلم أين تبحث عنه، حتى أسماء الشوارع لا تعرفها، مضت الليلة بتوتر وقلق، قلبها يتمزق بين الاختيار، وعقلها يرفض أن يكون هذا هو الحبيب.
أما ياسين، يجلس بالفراش حزينًا، يلتفت حوله بتعجب، كل شيء ينهار من حوله، وحياته على محك الانتهاء، وهو يكتفي بالمشاهدة فقط، وما يؤرقه أكثر؛ أنه سيقتل مريض بالغد.
مر الليل، وسطعت شمس الصباح، وذهب ياسين إلى المشفى مبكرًا، ودخل غرفة العمليات، كان في حالة يرثى لها، يشعر بالخوف الشديد، بعد ثواني سيتحول من طبيب إلى قاتل، يتاجر بالأعضاء البشرية، يبيع ضميره المهني، وينحث بالقسم الذي نطق به عندما تخرج من كلية الطب.
كان المريض حالته حرجة، وبعد ساعات من العملية، مات المريض بين يديه، وتم تحويل الجثمان إلى المغسلة.
بعد وقت، دخل ياسين إلى غرفة الغسل، ودفع مبلغ مالي إلى الموظف بالداخل، فخرج؛ وترك الغرفة له، قام ياسين باستأصال الأعضاء المهمة من الجسد، ثم قام بتجميدها، وخيط الجروح داخل جسد المريض، ثم نظر إلى جسد المريض، شعر بغصة داخل قلبه، ثم نظر إلى يده المرتعشة، أصبحت اليد التي كانت تداوي وكانت السبب في الشفاء؛ يد قاتل مجرم. هربت دمعة من عينه، متذكرًا كل التهديدات التي جعلته يوافق على ما قاله زافر لهو، ليشترك بتلك الجريمة الشنيعة.
خرج ياسين وهو يدفع بعربة مغطاة خارج الغرفة، وعاد العامل وقام بتغسيل الجثمان وتكفينه، وتم تسليمه إلى إهله ليتم عمل مراسم الدفن.
أخذ ياسين الأعضاء، ووضعهم داخل حقيبة، ثم اتصل بمرام وأخبرها أن المهمة قد تمت، بعد قليل، دخلت مرام مكتبه، وجلست أمامه بهدوء وقالت: فين الحاجة؟
رفع ياسين الحقيبة ووضعها أمامها، نظرت لها وقالت: عايزين كمان.
ياسين بغضب: لأ، أنا مش هموت حد تاني.
مرام ببرود قاتل: مش بمزاجك، إنت عليك تنفذ وبس.
ياسين: ما أنا لو أعرف إنتو عايزين الأعضاء ديه ليه، هرتاح.
زفر بضيق وصمت قليلًا، ثم عاد النظر إليها فوجدها تنظر إليه بجمود وثقة، تعلم أنه سينفذ طلبها بالأخير، فقال: إنتو مش بتطلبو حتى أنسجة معينة ولا فصيلة دم، إنتو عايزين أعضاء وخلاص، طيب ما هي الأعضاء ديه هتتلف لو متنقلتش، فهموني بس إنتو عايزنها ليه؟
نظرت له قليلًا بجمود ثم قالت: بما إن رجلك جات معانا خلاص، وأنا بصراحة فرحانة إن بقينا في المركب سوا، واطمنت إنك مش هتعرف تهرب مني تاني، فا هفهمك، زافر عايز الأعضاء ديه تفضل في المستشفى.
ياسين: عارف، ما ده اللي محيرني أكتر.
مرام: عشان إنت فاكر إنه بيتاجر فيهم، لكن هو مش عايز ده، بص يا سيدي، راغب صاحب المستشفى ديه، يبقى أخو راغب، وراغب هو اللي بلغ عنه لما كان هنا في مصر، وزافر هرب من الحكومة هنا بأعجوبة، ومن ساعتها وهو مش عارف يرجع.
ياسين: اه، وهو عايز يوقع أخوه في مصيبة يعني؟
مرام: راهنت على ذكائك، وكسبت الرهان.
ياسين: يعني الناس تموت وتاخدو أعضاءها عشان تلبسو دكتور راغب بس؟!
مرام: ما هو اللي عمله في زافر مش شوية، المهم؛ إنت دلوقتي عرفت كل حاجة، أظن نشوف شغلنا بقى، وحقك هتاخده، وكل ما الأعضاء تزيد كل ما فلوسك تزيد.
تنهد ياسين وأومأ لها، ثم أخذت مرام الحقيبة واقتربت منه تهمس داخل أذنه، وهي تنظر إليه بإعجاب وقالت: أعمل حسابك، لازم تخلص بسرعة.
نظر لها ياسين متعجب مما تفعله، فنظرت لها بإعجاب وقالت: بصراحة، مش قادرة أنسى الليلة اللي كانت في الفندق، نفسي نكررها تاني.
ابتعد ياسين عنها وظهر التوتر الشديد عليه ثم قال: مش وقته يا مرام، مش هينفع نتكلم في الحاجات ديه هنا.
تنهدت مرام وقالت: حاضر، وقت ما تحب أنا تحت أمرك.
خرجت من المكتب، وأخذت الحقيبة ووضعتها في ثلاجة الجثث، بعد أن اتفقت مع العامل بالداخل وأعطته رشوى.
أما سيلا، فاستيقظت على رنين هاتفها، ووجدت نيفين تتصل بها، فتلقت المكالمة على الفور وقالت: أيوه يا نيفين، عملتي إيه؟
نيفين بهمس: اسمعيني منيح، رفيقتي كانت مع هاد الرجال وسألته بوسط الحكي مشان ما يشك فيها، وعرفت إن ياسين زوجك محجوز هون.
نظرت سيلا أمامها بصدمة، لا تعرف بماذا تشعر الآن، أيجب أن تفرح أن ياسين لم يخونها، أم تحزن أنه مخطوف، ثم قالت: طيب هنعمل إيه دلوقتي؟
نيفين: المشكلة إني ما بقدر خلي رفيقتي تسأل كتير بالموضوع، بتخاف يشك فيها، فا راح ننطر يومين، وبعدين بخليها تسأله مرة تانية، يمكن بتعرف شي معلومة جديدة.
تنهدت سيلا بحزن، لا تتحمل الانتظار أكثر من ذلك، ثم قالت بتردد: طيب... هو عايش.... صح؟!
نيفين: إيه عايش، ما تخافي، هي قالتلي إن ما من مصلحتهم يقتلوه هلأ، إن شالله بنقدر نخرجه من عندهم قبل ما يصرله شي.
سيلا بتوتر: إنتي كده قلقتيني أكتر.
نيفين: إيه حبيبتي لازم تخافي وتقلقي، هاد زافر مو أي حدًا.
أنهت سيلا المكالمة معها، واتصلت بمازن على الفور وأخبرته بما حدث، فقال مازن: إنتي قولتي إن معاكي نمرة العربية اللي خطفت ياسين صح؟
سيلا: اه معايا.
مازن: حد عرف إن النمرة ديه معاكي؟
سيلا: لأ، أنا حفظت النمرة لما كانت براجع تسجيلات الكاميرات، وبعدين لما رجعت أوضتي كتبتها عشان منسهاش.
مازن: حلو أوي، متجيبيش سيرة النمرة ديه لحد، واللي أقولك عليه تعمليه ومتقوليش لنيفين عليه حاجة.
سيلا: حاضر، بس إنت عايزني أعمل إيه؟
مازن: إبعتيلي النمرة الأول، وأنا عرفت واحد يقدر يوصلني بظابط شغال في السفارة المصرية عندك، هخليه يراقب العربية ديه بشكل غير رسمي، وساعتها هعرف كل تحركات الراجل ده، وهو اللي هيوصلنا لزافر وياسين.
سيلا: ياريت يا مازن، بس بسرعة، أنا هموت من الخوف عليه، هبعتلك النمرة حالًا، ماشي؟
مازن: تمام مستنيكي، بس أنا عايزك ترجعي مصر.
سيلا: لأ، مش هعرف أرجع من غيره يا مازن.
مازن: وفيه هنا واحد منتحل شخصية جوزك، وأكيد بيعمل بلاوي في المستشفى، سيبي موضوع ياسين ده للسفارة.
زفرت سيلا بضيق وقالت: وأنا اللي هاجي أمنعه يعني يا مازن؟!
مازن: هتقدمي الفيديو اللي يثبت إن ياسين اتخطف، والمحامي هيشكك في شخص الراجل اللي هنا وإنه منتحل شخصيته، وساعتها نطلب عمل تحليل DNA زي ما اتفقنا، بس لازم إنتي اللي ترفعي القضية، إنتي مراته، وده هيخلي السفارة تتحرك بشكل كامل ورسمي.
سيلا: طيب أنا هنزل مصر.
مازن: إحجزي الطيارة قبل السفر على طول، متقوليش لحد خالص، زافر مش سهل وأنا خايف عليكي منه.
وافقت سيلا، وأنهت المكالمة، ثم أرسلت رقم لوحة السيارة إلى مازن؛ الذي أرسلها إلى الضابط بالسفارة على الفور.
كانت سيلا تنظر أمامها بحزن شديد، كيف تتركه هنا بين يدي هذا الرجل المتوحش، وبذات الوقت، لا تستطيع أن تترك هذا المزيف يستغل شخص ياسين، ويقوم بقتل أبرياء ليأخذ أعضائهم، ووقعت في حرب بين ضميرها وقلبها الذي يتمزق خوفًا عليه.
شعرت بأنها لا تستطيع التنفس، فبدلت ثيابها وقررت أن تنزل لتتجول بحديقة الفندق قليلًا.
بعد وقت تلقت مكالمة من صادق، وقالت بحزن: أهلًا يا عمي.
صادق بضيق: لأ، أنا زعلان منك، طول عمري بقول عليكي عاقلة، وبثق في كلامك ورأيك، لكن توصل إنك تسافري عشان تدوري على جوزك اللي هو هنا أصلًا.
تنهدت سيلا وقالت: عمي أنا مش عارفة أقولك ولا لأ، بس إنت لازم تعرف الحقيقة، ياسين اللي في مصر ده مش ياسين، أنا جيت هنا وعرفت كل حاجة، ياسين اتخطف، فيه واحد هنا خطير جدًا، بيقولو شغال في المافيا خطفه، واللي رجع مش هو، النهاردة بس إتأكدت من ده.
نظر صادق إلى الفراغ، لا يصدق ما تقوله، ولكن حديثها جعله متخبط، والثقة التي تتحدث بها جعلته يشك بأن ما تقوله صحيح، فقال: أنا مش عارف يا بنتي أقولك إيه، بس تفتكري أنا مش هعرف ابني؟
سيلا: عمي، أنا عارفة إنه متقن الدور أوي، وكمان عملية التجميل اللي عملها خليته شبه ياسين بالظبط، وده ميخليش حد يشك فيه، بس أنا هعرف ياسين، هعرف جوزى وحبيبي من وسط ملايين، إنت فاهمني يا عمي صح؟
تنهد صادق وقال بخوف: فاهمك يا بنتي، بس لو اللي إنتي بتقوليه ده صح، يبقى ابني كده في خطر، يعني... يعني ياسين مخطوف؟!
سيلا: أنا مكنتش عايزة أقول لحضرتك عشان كده، بس متقلقش، السفارة بدأت تتحرك وهنعرف الحقيقة قريب، وهرجع ياسين.
انتبهت سيلا لنيفين التي تخرج من الفندق، وتبدو في غاية التوتر، أنهت سيلا المكالمة، وتتبعت نيفين دون أن تشعر، وجدتها تدخل سيارة، عقدت سيلا حاجبيها، هذه السيارة هي ذات السيارة التي اختطفت ياسين.
انطلقت السيارة، وخرجت سيلا لتنظر إلى أرقام اللوحة، فتحت عينيها بصدمة عندما وجدت أن الأرقام متشابهة، نظرت إلى الفراغ؛ تحاول أن تستوعب ما رأت الآن، "نيفين تعمل مع زافر؟!" هذا ما قالته سيلا لنفسها بصدمة، لم تشعر بالخيانة... بل بالغباء، لأن الخطر كان قريبًا منها أكثر مما توقعت.
اتصلت بمازن على الفور وقالت بخوف: أيوة يا مازن، حصل حاجة غريبة دلوقتي، شفت نيفين بتركب نفس العربية.
مازن: كنت شاكك فيها من الأول، أصلها هتساعدك ليه من غير مقابل كده؟ اسمعي يا سيلا، إنتي تحجزي أول طيارة وتسافري فورًا، أنا مش هستنى لما يجرالك حاجة، إرجعي فورًا بقولك.
سيلا بخوف وصوت مرتعش: أنا فعلًا خايفة يا مازن، أنا هرجع على طول.
أنهت سيلا المكالمة، وعادت إلى غرفتها وهي تتلفت حولها بخوف وتوتر، وأصابت البرودة جسدها، وقررت أن تترك المهمة لمازن والسفارة، وأن تعود إلى مصر لعمل دعوة قضائية تثبت بها أن ياسين مخطوف.
تُرى... هل ستنجو من شبكة زافر الخبيثة أم لا؟
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الثامن
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم تكن الحقيقة حين ظهرت رحيمة، بل جاءت كضربةٍ غادرة في منتصف الصدر.
كل خيطٍ كان يبدو منفصلًا، بدأ يلتف حول عنق واحد، وكل خطوةٍ ظنوها آمنة كشفت أن الأرض من تحتهم كانت تُعد للسقوط منذ البداية.
بين ماضٍ يرفض أن يُدفن، وحاضرٍ يتآكل بالخيانة، أدركت سيلا أن بعض الوجوه التي احتمت بها لم تكن سوى أقنعة، وأن أقرب الطرق إلى النجاة قد يمر عبر أعمق الخسائر.
أما ياسين، فكان يقف على حافةٍ لم يخترها... حيث لا يعود الطبيب طبيبًا، ولا يملك القلب رفاهية الرحمة.
وبين يد تلوثت بالدماء، وعين فُجعت بالحقيقة، يبدأ صراع من نوع آخر.
كانت تعدو، تهرب بخوف، فقد ظنت أنها تساعدها... والحقيقة أنها كانت فقط تتقن التمثيل. هناك ألف سؤال داخل رأسها والأهم هو لماذا نيفين فعلت ذلك؟
عادت سيلا إلى غرفتها، ووضعت الحقيبة على الفراش سريعًا، ثم جلست بجوارها وفتحت هاتفها لتحجز تذكرة عودة إلى مصر، ووجدت أن أقرب موعد بعد ٤ ساعات، نظرت حولها بقلق، المدة طويلة، وهي ترغب بالسفر سريعًا، وصدرها يدق بإنذار الخطر، لذا حجزت التذكرة وقررت أن لا تخرج من الغرفة حتى موعد الطائرة.
أما نيفين فكانت تجلس بجوار وليد داخل السيارة، الذي التفت لها بهدوء وقال: عملتي إيه مع سيلا؟
نيفين: لا تخاف حبيبي، هي واثقة فيا كتير.
وليد: نروح نطمن البوس ونمشي، معرفش قلقان ليه كده.
نيفين: من زمان وهو عم يحلم ياخد حقه من راغب، وهلأ إجيت الفرصة لعنده، لهيك متوتر يحصل شي يخربط الدنيا.
وليد: ياسين بين إيدينا، والأعضاء بدأت تتحط جوا المستشفى، هي مسألة وقت وكل حاجة هتخلص.
كادت نيفين تتحدث، ولكن أشار لها وليد بأن تنتظر، ثم عقد حاجبيه ونظر عبر مرايا السيارة الجانبية والداخلية، فنظرت له نيفين بقلق وقالت: شو صاير؟
وليد: العربية ديه ماشية ورايا من بدري، خدت بالي منها وأنا عند الفندق، لما لقيتها وقفت قلت يمكن صدفة، لكن لما مشيت اتحركت ورايا برده.
نيفين بتعجب: معقول يكون حدًا عرفك؟! حاول تهرب منهن.
زاد وليد من سرعة السيارة، ولحقت به السيارة الأخرى على نفس سرعته، حتى اقترب من مفرق الطرق، وانعطف يسارًا فجأة، ولم يستطع قائد السيارة ملاحقته.
وقف سائق السيارة ينظر إليه بغضب، ثم اتصل بمازن على الفور وأخبره أنه فقد السيارة، وقف مازن بغضب وقال: ليه بس كده يا حسام، كنت خليك بعيد عنه شوية، كنا عرفنا طريق زافر.
حسام: معرفش خد باله مني إزاي؟
تنهد مازن بقوة وقال: طيب أقفل، وأنا هشوف حل.
أنهى مازن المكالمة ووقف ياسين أمامه بقلق وقال: زاغ منه؟! صح؟
مازن: اه.
ياسين بخوف: قولتلك يا مازن الناس ديه مش سهلة، كده هيشكو في سيلا... مصيبة، اتصل بيها يا مازن قولها ترجع.
مازن بتوتر، قولتلها يا ياسين، ما إنت لو كنت قولتلي من الأول العك اللي حصل معاك هناك؛ كنت منعتها تسافر.
ياسين بضيق: قولتلك كانو مراقبني، وخفت سيلا تشوف الفيديو اللي صوروه ليا، وساعتها كنت خسرتها.
مازن بغضب: وإنت كده مخسرتهاش يا ياسين؟
ياسين بخوف: لأ لأ... هي هترجع، سيلا هترجع يا مازن صح؟! لو حصلها حاجة أنا هروح فيها.
مازن: بس بقى، هي هترجع إن شاء الله، لو كنت جيت اليوم ده بدري ساعة، كان زمانها هنا معانا دلوقتي.
فلاش باك.... منذ ٣ أيام
كان ياسين يقف عند الباب في منزل مازن، وطلب منه أن يبلغ سيلا بأنه يريد مقابلتها، وأخبره مازن أن سيلا قد سافرت إلى لبنان، نظر ياسين له بصدمة، وتسلل الخوف داخل ثنايا صدره، ونظر إلى مازن بتوتر، ثم طلب منه أن يتحدث معه داخل المكتب.
داخل المكتب، جلس ياسين أمام مازن وقال له بتوتر: بص يا مازن، أنا واقع في مصيبة.
مازن بتعجب: مصيبة إيه خير؟!
ياسين: وأنا في لبنان، واحد خطفني هناك، وطلب مني إني أتاجر معاه في الأعضاء البشرية، ولما رفضت هددوني، وكانو هيقتلوني، الصراحة أنا خفت، فا وافقت عشان بس أخرج من الحوار، وقلت لما أرجع مصر أبلغ هنا واحمي نفسي، أنا برده في بلد غريب ومش هعرف أتصرف لوحدي، وبعدها إتفق معايا واحد اسمه زافر، إني أقتل أول مريض عنده عملية جراحية خطيرة، وبعدين أخد أعضائه، ورسم الخطة كلها، ولما وافقت رجعوني الفندق، تاني يوم؛ لقيت الدكتورة اللي كانت معاه واقفة على باب أوضتي في الفندق، خفت لحد يشوفها فا دخلتها الأوضة.
فلاش باك... في لبنان
جذب ياسين يد مرام سريعًا، وأغلق الباب وقال بهمس: بتعملي إيه هنا.
مرام: مالك خايف كده ليه، محدش يعرفك هنا، ولا مراتك موجودة، عادي يعني.
ياسين: أنا يا ستي واحد بيخاف على سمعته.
اقتربت منه مرام ووضعت يدها على صدره، فدفعها بقوة وقال بغضب: إنتي بتعملي إيه؟!
مرام: ممنوع اللمس يعني؟
ياسين: اه ممنوع.
تنهدت مرام، وجلست أمامه ووضعت ساقها فوق الآخر، ثم نظرت له بجمود وقالت: تمام، زافر كان طالب مني أبلغك كام حاجة كده.
عقد ياسين ذراعيه أمام صدره وقال بضيق: خير، فيه إيه تاني؟
مرام: طيب هات أي حاجة نشربها، ولا إنت بخيل يا دكتور؟!
نظر لها ياسين باشمئزاز، ولم يجيب فقط اتجه نحو الثلاجة وأحضر مشروبان، واقترب منها، وقفت مرام أمامه وأخذت الزجاجة من يده، وفجأة حقنته بمخدر في رقبته، نظر لها بصدمة، فقد وعيه تدريجيًا، وجهت مرام جسده نحو الفراش، ودفعته عليه، وفقد وعيه بالكامل.
في الصباح، فتح ياسين عينيه وهو يشعر بدوار داخل رأسه، وانتبه إلى مرام التي تنام بجواره دون ملابس، انتفض من الفراش بذعر، وصاح عاليًا: إنتي بتعملي إيه هنا؟!
فتحت مرام عينيها بصعوبة، وقالت بابتسامة باردة: صباح الخير يا حبيبي.
ياسين متعجبًا: حبك برص، قومي من هنا دلوقتي.
نهضت مرام وهي تغطي جسدها بالغطاء وقالت بهدوء: هشششش، هتفضح نفسك، مستعجل ليه بس كده؟ الفضيحة هتيجي هتيجي.
عقد ياسين حاجبيه وصاح بها: فضيحة إيه؟! إنتي اتجننتي، أنا ملمستكيش.
مرام ببردو: بس الفيديو ده مبيقولش كده خالص.
رفعت مرام هاتفها بوجه ياسين، الذي فتح عينيه بصدمة، عندما شاهد صورًا لهما بالفراش، فصاح بغضب: هات الفيديو ده، الفيديوهات ديه لو ظهرت هموتك بإيدي.
تنهدت مرام بهدوء وقالت: هو إنت فاكر إن زافر ده عبيط؟ إنت وافقت تعمل اللي هو عايزه هنا، لكن لما ترجع مصر مش هتنفذ، فا كان لازم نتأكد إنك هتنفذ، بص يا ياسو يا حبيبي، الفيديوهات ديه فيه نسخة منها مع زافر، لو نفذت الاتفاق محدش هيشوفها، لكن لو نزلت مصر وحاولت تبلغ، أو نسيت الاتفاق، الفيديوهات والصور هتبقى منورة على كل المواقع.
نظر لها ياسين بصدمة، لم يكن يتوقع أن يقع تحت هذا الضغط، فظن أنه نجح بالفرار من زافر، ولكن الوضع أصبح أكثر تعقيدًا.
عودة من الفلاش باك
مازن: إوعى تكوت نفذت يا ياسين.
ياسين: لأ طبعًا، بماطل، بس وجود سيلا هناك مش صح، زافر لو عرف إنها هناك هيضغط عليا أكتر، ومش بعيد يهددني بيها عشان أنفذ.
ظهر القلق على مازن وقال: ديه مصيبة، طيب لبه مقولتش كده لسيلا؟
ياسين: انا كنت متلغبط يا مازن، خايف يبعت الصور لسيلا، ومعرفش هي حست إزاي إني متغير، ده أنا مجرد ما قربت منها اتفزعت، لدرجة إني شكيت إنها شمت برفان حريمي ولا حاجة.
صمت مازن يفكر قليلًا وقال: بس الموضوع مع سيلا أكبر من كده، أنا مستغرب هي إزاي واثقة كده إنك مش ياسين؟! ده أنا كنت بدأت أصدقها.
ياسين بحزن: مش عارف، أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل حواليا، وخفت أحكيلها تفهمني غلط، وكنت جي النهاردة عشان أمنعها تسافر، حتى قلت هحكيلها كل حاجة.
عودة من الفلاش باك... الوقت الحالي
ياسين: اتصل بيها يا مازن طمني عليها.
أمسك مازن هاتفه واتصل بها، كانت سيلا ترتب أغراضها بالحقيبة، وأخبرته أنها سوف تتجه إلى المطار بعد ساعة.
وصل وليد ونيفين فيلا زافر، وأخبره وليد بأمر السيارة التي كانت تتبعه، وقف زافر ينظر عبر النافذة يفكر، ثم قال: مين هيراقبك وليه؟
وليد: أنا شاكك يا بوس إن سيلا ليها يد في الموضوع، هي قالت لنيفين إنها عايزة دليل عشان تبلغ السفارة.
نيفين: بس ما في دليل معها لهلأ.
وليد: متنسيش إن جوز أختها ظابط في مصر، وممكن يبقي ليه معارف جوا السفارة بيساعدوه بشكل ودي، واللي مأكد شكوكي إن العربية ديه هي اللي ظهرت في كاميرات المراقبة لما خطفنا ياسين من الفندق.
نظر له زافر قليلًا ثم قال: معاك حق، البت ديه خطر، وأنا شاكك فيها من ساعة ما جات لبنان، ومش داخل في دماغي حوار إنها شاكة في ياسين؛ لدرجة إنها تسافر عشان تتأكد إن ده جوزها.
وليد: ما أنا قولتلك كده يا بوس، ياسين اللي بعتها عشان يثبت التهديد اللي حصله هنا، وساعتها يطلع من الحوار.
زافر: ما اللي خلاني أسيبها لما هددني إني لو لمستها هيروح يسلم نفسه، وبعدين هو فعلًا نفذ أول عملية، بس أنا مش هستنى لما البت ديه تعرف شكلي وتوديني في داهية، أنا عايز البت ديه هنا، ولما ياسين يخلص المهمة كلها نبقى نسيبها، أو منسبهاش مش فارق، المهم إن ياسين يخلص.
وليد: طول ما سيلا تحت إيدك هيخلص.
ابتسم زافر بمكر، وذهب وليد لينفذ عملية الخطف، وحين وصل الفندق، وجد سيلا تصعد بسيارة وهي تضع حقيبتها بالخلف، تتبع تلك السيارة، وحين اقتربت من المطار، في أحد الشوارع الواسعة، قام وليد بزيادة سرعة السيارة، ووقف أمام السيارة الأخرى، توقف السائق فجأة، فنزل من السيارة وكدا يصيح به بغضب، ولكن رفع يده بخوف عندما رأي وليد يخرج من السيارة وهو يرفع السلاح بوجه.
إنكمشت سيلا على نفسها، كانت تظن أن وقت الخوف قد انتهى، ولكنه عاد أقوى عندما فتحت عينيها بصدمة وهي تشاهد ما يحدث أمامها. أمسكت هاتفها على الفور واتصلت بمازن، تلقى مازن المكالمة، وسمع صراخ سيلا وهي تقول: إبعد عني، سيبني.
رفع وليد السلاح بوجهها وصاح بحزم: إتحركي بدل ما أخلص عليكي هنا، إمشي.
وقف مازن بصدمة، وفتح عينيه بخوف، فلاحظ ياسين هيئته، واقترب منه سريعًا، ونزع الهاتف من يده، ليسمع صرخات سيلا التي مزقت صدره، وارتعش قلبه خوفًا من فقدانها، ولم تعد قدماه تحمله، فأمسك المكتب بقوة، وقُطع الاتصال.
ثواني معدودة كانت كفيلة بأن تشعل نيران الخوف من الفقد داخل صدره، وعيناه فاضت بدموع الألم، لتتحول إلى الغضب الشديد.
تُرى.... هل ستعود سيلا... أم لا؟
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل التاسع
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم يعد الخطر احتمالًا... بل صار واقعًا يُمسك بالأنفاس.
حين أُغلقت دائرة الشر عليه، وأحكمت حلقاتها، كان يبحث عن مخرج، عن ملاذ أمن، لكنه لم يدرك أن الهروب لم يعد خيارًا، وأن كل خطوةٍ سابقة لم تكن سوى اقتراب بطيء من الهاوية.
حين تتبدل الأدوار، وتُسحب هي إلى قلب المعركة، حيث تُختبر القلوب تحت التهديد، وتُقاس الأرواح بثمن الصمت أو المقاومة.
وإن كان يخشى إكتشاف الحقيقة سابقًا... فالحقيقة لم تعد بعيدة، لكنها أصبحت أشد فتكًا، لأن الوصول إليها قد يكلّف أكثر مما يحتمله.
تجمّد ياسين في مكانه، كأن الزمن قرر أن يعاقبه بالتوقف عند تلك اللحظة تحديدًا.
الهواء صار أثقل من أن يدخل رئتيه، وصوتها المذعور ما زال يتردد داخل أذنه، ينهش قلبه بلا رحمة.
لم يبكي... لم يستطع، كأن الدموع خذلته كما خذلها هو حين لم يكن بجوارها.
ارتجفت يداه بعنف، ليس خوفًا على نفسه، بل هلعًا من فكرةٍ واحدة تسيطر عليه: فقدانها.
شعر بذنبٍ يضغط على صدره حتى كاد يسحقه؛ كل قرارٍ اتخذه، كل صمتٍ اختاره، كل مرة ظن أنه يحميها... قادها إلى هذا المصير.
تحوّل الحزن داخله إلى نارٍ سوداء، صامتة، لا تصرخ بل تحرق ببطء، وفي عينيه، لم يعد هناك مكان للندم، بل وعدٌ قاسٍ لا رجعة فيه: سيعيدها... حتى لو اضطر أن يحطم العالم كله من أجلها.
أما هي، فكانت تنتفض من داخلها، عيناها تنظر بكل مكان تحت هذا الغطاء الأسود، والذعر جالي على وجهها، وبالرغم من هذا اللاصق الذي منعها من الحديث... إلا أن قلبها لم يتوقف عن النداء باسم ياسين، هنا وأخذ عقلها يفكر بطريقة أخرى، ربما تجد ياسين هناك، ربما تراه وتطمئن عليه.
قاطعها صوت وليد وهو يتحدث مع زافر بالهاتف وقال: أيوه يا بوس.... هي معايا.
_أنا جي في الطريق.
أنهى زافر المكالمة، بعد أن أعطى أوامر لوليد بأن يحجزها في الغرفة الملحقة للفيلا بحديقة المنزل.
وعند الباب، كانت تقف تنظر إليه باشمئزاز، اقتربت منه وهي تقول ببرود: عمرك ما هتتغير.
نظر لها زافر وابتسم لها وقال: حبيبتي.
كاد يقترب منها ليضمها، فرفعت يدها تبعده عنها بجفاء، توقف زافر ونظر لها بحزن وقال: هتفضلي تعامليني كده لحد إمتى؟
سيلين: لحد ما تزهق مني وتسيبني أمشي من السجن اللي أنا عايشة فيه ده، لحد ما تفهم إني مش عايزاك، ومش بحبك، ولا عمري هقبلك.
زافر: أنا عملت كل حاجة علشانك، عملت نفسي سجادة تحت رجليكي، وكل ده عشان نفسي أشوف نظرة الحب اللي كانت في عينيكي ليا زمان، عشان سيلين حبيبتي ترجعلي، ليه بتعملي فيا كده؟!
سيلين بتذمر: كفاية بقى الكلام ده، كفاية تعمل نفسك ملاك، إنت شيطان يا زافر، مين تقبل تعيش مع شيطان؟!
زافر: أنا زي ما أنا متغيرتش، أنا زافر حبيبك، إنتي اللي إتغيرتي.
سيلين: لأ... إنت متغيرتش، أنا اللي كنت عامية، كنت شيفاك حاجة تانية، مخدوعة بكلامك ودور البراءة اللي إنت راسمه، لحد ما غلطت غلطة عمري وإتجوزتك، لو كنت إتأخرت عن قرار الجواز شهر واحد، كان زماني برا سجنك ده.
اقترب منها زافر، ووضع يديه على ذراعيها وقال برجاء: أنا عارف إنك زعلانة مني عشان اللي عملته، بس أنا حلفتلك مليون مرة إني مكنتش أعرف إنه أبوكي، لو كنت عارف مكنتش قتلته.
دفعت سيلين كلتا يديه عنها باشمئزاز وقالت: وإنت لما تعتذرلي وتحلفلي إنك مكنتش تعرف؛ ده هيخليني أنسى إنك قتلته؟ هيخليني أنسى إني عايشة مع اللي قتل بابا؟ إنت ضحكت عليا وفهمتني إن أخوك ظلمك واتهمك زور، وأنا صدقتك وغلطت وحبيتك، لحد ما عرفتك على حقيقتك، وكرهت نفسي، وكل يوم لما بتقرب مني بكره نفسي زيادة، أنا بكرهك، أفهم بقى... بكرهك.
صفعها زافر، لم يعد يتحمل حديثها ونفورها منه، هي الوحيدة التي أحبها بصدق، كان يشعر معها أنه حقًا إنسان، وليس وصمة عار على من حوله، حتى قتل والدها دون أن يعرف علاقتها به، حين حاول تهريب كمية كبيرة من الممنوعات، وقام والدها بتأدية واجبه كضابط شرطة، وحين تواجه معه قتله.
نظرت له سيلين نظرة حزن وعتاب، وتجمعت الدموع داخل مقلتيها، حينها تبدل زافر الغاضب إلى زافر العاشق الذي يخشى خسارتها.
اقترب منها وهو يمسك بيدها برفق، وكأنها قطعة من الزجاج الهش يخشى أن تنكسر بين أنامله، ونظر لها كطفل يعتذر لأمه راجيًا السماح، وقال بصوت مكسور: حقك عليا، مش قصدي، مكنش قصدي اضربك، إتعصبت ومعرفش عملت كده إزاي.
بكت سيلين وركضت من أمامه، صراعها الداخلي كان أقوى مما يتخيل، أحبته، تزوجته، وبعد شهر صدمت بحقيقته، قاتل... مهرب... بلا رحمة، وإن كان بداخلها تتعجب من هذا الزافر الذي يقف أمامها يرجو حبها؛ وهذا المجرم الذي يبطش بكل من يعوق طريقه.
بعد وقت، وصل وليد، وحمل سيلا على عاتقه، ووضعها داخل الغرفة التي بالحديقة كما أمره زافر، ونزع عنها غطاء عينيها، فنظرت له بذعر، وانكمشت على نفسها تبتعد عنه، تركها وليد مقيدة بالأرض، وخرج وأغلق الباب من الخارج، كل هذا تحت نظرات سيلين التي تراقب ما يحدث من شرفة غرفتها.
أما ياسين، فكان يجلس أمام مازن؛ الذي يقوم بعمل اتصالات مع عدة مسئولين داخل السفارة المصرية بلبنان، ينظر إليه ياسين بعينيه فقط، وعقله بمكان آخر، وتذكر تلك المكالمة الأخيرة بينه وبين زافر، حين سأله عن سبب تواجد سيلا بلبنان، وأخبره أنها تشاهد تسجيلات كاميرات المراقبة بالفندق، شعر ياسين بالخوف الشديد، فهي ستعرف أن مرام ظلت عنده بالغرفة ليلة كاملة، وقال حينها.
فلاش باك
زافر: لو كنت قولتلي إنها جاية كنت أمنتك، لكن كده إنت موقفك بقى صعب، وللأسف مش هعرف أساعدك. اسمع... تخلص مهمتك في أسرع وقت، وبعدين نشوف حل.
ياسين: وأنا هلحق أعمل ده كله قبل ما هي ترجع؟! استحالة.
زافر: لا متقلقش، ما أنا هأخر رجوعها.
ياسين بغضب: كله إلا سيلا، لو لمستها يا زافر تنسى الإتفاق اللي بينا، وهروح أسلم نفسي بنفسي، عشان لو سيلا عرفت باللي حصل والفيديو اللي متصور ليا مع مرام؛ مش هبقى على حاجة، عليا وعلى أعدائي.
زافر: أنا مبتهددش يا ياسين، ولو رفضت تنفذ هلاقي ألف ينفذو، ولو على سيلا لو عايز أخلص منها هعمل ده من غير ما أقول، فا لو نفذت العملية أنا همنع سيلا بس من غير ما أذيها، وده عشان خاطرك إنت بس.
ياسين: هتمنعها إزاي يعني؟!
زافر: مش إنت بتقول هي شاكة فيك؟! خلاص... هخليها تتأكد إنك مش ياسين، ولو عرفت إن جوزها هنا مش هترضى تسيبه وتنزل مصر.
ياسين: يعني تأكدلها إني مش جوزها عشان مصلحتك.
زافر: لا ديه مشكلتك إنت، حلها براحتك مع المدام.
أنهى زافر المكالمة، فنظر ياسين إلى الهاتف بيده بغضب، ثم اتصل بمازن وأخبره بما حدث، فقال مازن: هو أحسن بكتير يا ياسين من إنه يأذيها.
ياسين: أنا أصلًا متضايق إن سيلا بتتعامل معايا كده، وبجد ده أكتر وقت أنا محتاجها فيه، وهتجنن هي إزاي واثقة كده إني مش ياسين.
مازن: الصراحة ولا أنا عارف إيه اللي بيحصل ده، بس خلينا نفكر بالعقل، لو زافر مش هيأذيها زي ما بيقول، يبقى سيلا ممكن تساعدنا نقبض علي زافر.
ياسين بتعجب: ده اللي هو إزاي يعني؟!
مازن: بص، زافر ده عليه كذا حكم في أكتر من قضية، من ساعة ما هرب من مصر وهو مختفي تمامًا، واللي عرفناه إنه عامل بلاوي في لبنان كمان، ومحدش عارف بيتحرك إزاي هناك بالسهولة ديه في حين أن صورته متوزعة في كل الأقسام والدوريات، وآخر حاجة عرفناها إنه عمل عملية تجميل غيرت شكله تمامًا، عشان كده محدش عارف يقبض عليه، فا إحنا معندناش حل غير إننا نوصل لأي خط يربطنا بزافر، وساعتها هنعرف شكله ونقبض عليه، ونخلص من قضيتك خالص.
ياسين بصدمة: إنت عايزني أوافق تحط سيلا في الخطر ده؟! لا طبعًا، زافر مش بيهزر، لو شك فيها هيقتلها من غير ما يرفله جفن.
مازن: وأنا هسيب سيلا تتقتل يعني يا ياسين، هي بس تديني خيط وهخليها ترجع فورًا، بص، أنا هجيلك البيت بأي حجة، ونتكلم وش لوش أحسن.
أنهى ياسين المكالمة، وبالفعل، استغل مازن ما قصته سيلا عليه بخصوص ما حدث بين مرام وياسين بغرفة الفندق، وذهب إلى منزله وصاح به عند الباب، حتى لا يشك أحد بلقائهما.
عودة من الفلاش باك
ظل ياسين ينظر إلى مازن، حتى أنهى المكالمة، ثم صاح به ياسين قائلًا: مكنش لازم اسمع كلامك من الأول، أنا ضيعتها بإيدي، سيلا دلوقتي بين إيديه، وأكيد هيقتلها.
مازن بقلق: ما أنا مكنتش أعرف إنه يهربط مراقبة العربية بسيلا.
ياسين: ما هو محدش يعرف نمرة العربية ويبلغ عنها غيرها يا مازن، أنا أعمل إيه دلوقتي؟ زافر أكيد هيضغط عليا أكتر عشان أجمعله أعضاء بشرية، وأنا تعبت من الموضوع ده.
مازن: ما ده الحل الوحيد اللي هيخلي زافر ميقربش من سيلا، لازم تكمل اللي بدأناه.
جلس ياسين بإرهاق، وعقله مشتت بالكثير، حتى تلقى مكالمة من مرام، فابتلع توتره، وتلقى المكالمة على الفور قائلًا: أيوة.
مرام: إنت فين يا ياسو؟ عندي ليك خبر تحفة، زافر خطف سيلا، مش كنت تقول إنك متفق معها عشان تعرف عنوان زافر، ولا تكون بلغت عن زافر والسفارة هي اللي بتراقبنا.
ياسين بحدة: خطفها إزاي يعني؟! إحنا مش بينا إتفاق إنه ميلمسهاش، وبعدين هبلغ عنكم والبس معاكم، أنا لا متفق مع سيلا ولا عارف إنتي بتتكلمي عن إيه أصلًا، ما إنتي عارفة إن سيلا مش بتكلمني.
مرام: يا ياسو عيب الحركات ديه.
ياسين: لما أشوفك هوريكي التليفون، وهتشوفي إن مفيش أي تواصل بيني وبينها نهائي، بلغي زافر يرجع سيلا مصر، عشان كده هو اللي بيحل اللي الإتفاق اللي بينا.
مرام: طالما هي مبقتش عايزاك، باقي عليها ليه؟ أقولك؛ طلقها ونتجوز، أنا هعرف أسعدك، وبعدين تفتكر سيلا هتفضل معاك بعد ما تعرف إنك تاجر أعضاء؟! مفتكرش، لكن إحنا بقينا زي بعض، لا عمري هقولك إنك وحش ولا هقولك بطل اللي إنت بتعمله، لكن سيلا لأ، اسمع مني بس وسيبك منها خالص.
زفر ياسين بضيق وقال: مرام، مش عايز رغي كتير، بلغي زافر باللي قولته.
مرام: براحتك، بس زافر لو حس إنك بتهدده، ممكن يقتلها عادي، ها... أبلغه؟
ياسين بخوف: لأ لأ، طيب.... لو خلصت المطلوب مني... هيرجعها؟!
مرام: معرفش، ياريت ميرجعهاش.
ياسين: أوووف، أقفلي، صوتك وطريقتك الباردة بتعصبيني.
مرام: صدقني عصبيتي وحشة، خليك على مود البرود أحسن.
أنهى ياسين المكالمة، ونظر إلى مازن الذي يتابع ما يحدث بقلق وقال: راحت، سيلا ضاعت مني، أنا بقى لا فارق معايا زافر يتقبض عليه، ولا يحصل إيه، كل ده مش مهم، أنا عايز مراتي، أرجعها إزاي؟!
لم يتحمل ياسين، ونظرات مازن الذي يشعر بالعجز تصيبه باليأس أكثر، فخرج ياسين من مكتبه، بعد أن ارتدى قبعة ونظارة سوداء، وأخذ سيارة أجرة، وذهب إلى منزل والده.
كان محطم، خسر كل شيء في عدة أيام قليلة، أصبحت حياته عبارة عن صدمات واحدة تلو الأخرى، والأصعب أن حبيبته بين يدي ذلك المجرم، تُرى... ماذا يخبي القدر لياسين بعد؟
زوجي العزيز.... من أنت؟
الفصل العاشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم يعد الوقت حليفًا لأحد.
كل ثانية تمر كانت تُقايَض بخوفٍ أكبر، وكل نفسٍ يخرج من الصدور يحمل سؤالًا واحدًا بلا إجابة: أين سيلا؟
تشابكت الخيوط؛ لكن الحقيقة لم تعد طوق نجاة، بل سكينًا يقترب من الأعناق ببطء.
وجوه مألوفة سقطت عنها الأقنعة، وأخرى اكتشفت أن الصمت قد يكون خيانة لا تُغتفر.
بين غضبٍ يكتم أنفاسه، وقلقٍ ينهش القلب، تبدأ لعبة أخطر...
لعبة لا مجال فيها للخطأ، ولا مكان فيها للرحمة، لأن الخاسر هذه المرة لن يخسر معركة فقط... بل قد يخسر إنسانة كانت تعني له الحياة كلها، والخسارة الأكبر هي نفسه، الآن؛ هو ذليل بين يدي زافر، سينفذ كل ما يطلبه دون رد، ولن يكون هناك ضحية واحدة، بل عليه أن يقتل أكثر وأكثر.
أما زافر، يقف في الحديقة، ينظر إلى تلك الغرفة التي بداخلها سيلا، والغضب يتطاير من عينيه، والشك يقتله، إذا كانت سيلا هي السبب في مراقبة سيارة وليد؛ إذن ياسين قام بخيانته، وكذب عليه بخصوص مجيئها إلى لبنان، وذلك يعني أن هناك خطبًا ما يخفيه عنه، لذا قرر أن يتحدث مع سيلا بنفسه، وطلب من وليد أن يضع غطاء على وجهها حتى لا تعرف ملامحه، ثم دخل الغرفة.
أما سيلا، كانت تنكمش بالأرض بخوف، أنفاسها تتصاعد، عيناها تبحث عن مخرج، وقلبها كاد يتوقف، لحظات من الرعب، كل همسة... كل صوت غير مألوف، كانت كفيلة بعصف ما تبقى من تحملها، كانت تبكي وتئن، لا تستطيع التحدث بسبب تكميم فمها.
حتى دخل وليد الغرفة، بدأت تزحف بالأرض وتعود إلى الخلف خوفًا منه، وحين اقترب منها ونزع هذه الكمامة عن وجهها، أخذت تبكي وترجوه أن يتركها تذهب، حتى وضع الغطاء على عينيها، ثم سمعت صوت يتحدث معها قائلًا: قوليلي بقى، بلغتي مين عني؟!
سيلا بتوتر: إنت مين؟
أجاب: أنا زافر.
سيلا: فين... فين ياسين؟
نظر زافر إلى وليد بتعجب، ثم عاد النظر إليها قائلًا: عايزة تشوفية؟
سيلا باندفاع: اه اه، أشوفه، أو اسمع صوته، هو عايش صح؟! إوعى تكون قتلته.
زافر: هو بعد اللي إنتي عملتيه ده أنا كنت ناوي أقتله.
صاحت سيلا ببكاء: لأ، أبوس أيدك، أقتلني أنا، خليه هو، مش إنت بتقول إن أنا اللي غلطت، إقتلني أنا.
تعجب زافر، كان يظن أن سيلا اتفقت مع ياسين للإيقاع به، ولكن الظاهر من تفاعلها وخوفها على ياسين أنها حقًا تظن أنه بين يديه، فنهض زافر، وخرج من الغرفة، ثم نزع وليد عنها الغطاء.
نظرت سيلا حولها تبحث عن زافر، ثم قالت بخوف: هيقتله، قوله ميقتلوش، أبوس رجلك.
وضع وليد الكمامة على فمها، وسيلا تحاول أن تقاوم حتى لا يضعها عليها، ولكن لم تستطع مقاومته، وقام بتكميمها مرة أخرى، فشرعت بالبكاء، تلوم نفسها على ما فعلت، ياسين سوف يموت بسببها، ليس فقط ستخسره بل ستكون غلطتها أيضًا.
في هذه اللحظة، تمنت أن تموت ألف مرة بدلًا عنه، فالحياة بدون جليس الروح قالقبر المظلم دون شرارة أمل.
عاد مازن إلى المنزل، وعلى وجهه علامات الإرهاق والخوف، نظرت له هدير واقتربت منه بقلق وقالت: مالك يا حبيبي؟! فيه حاجة حصلت؟
نظر لها مازن وتردد للحظة، هل يخبرها أم لا، ولكنه فضل أن يؤجل هذا الأمر قليلًا، ربما يجد أخبار جديدة من السفارة.
حاول أن يتحكم بتوتره وقال: لأ حبيبتي متخافيش، أنا بس تعبان شوية ومحتاج أرتاح.
هدير: طيب يا حبيبي، بس... سيلا موبايلها مقفول، وأنا قلقانة عليها، هي كلمتك؟!
مازن: اه.... اه كلمتني، تلاقي بس موبايلها فصل ولا حاجة، متقلقيش، أنا هدخل أرتاح.
أومأت له هدير، ودخل غرفته، وضع أصابعه داخل خصلات شعره وشد عليها بقوة، وهو يتنفس الصعداء، يعلم أن هدير لن تكف عن الاتصال بها، وهذا ما زاد توتره.
أما مشيرة، فاتصلت بصادق لتبحث عن طريقة لإصلاح ما يحدث بين سيلا وياسين، وطلب منها صادق أن يتقابلوا ويتحدثا معًا وجهًا لوجه.
عاد زافر إلى غرفته، ووجد سيلين تجلس بالفراش، نظرت له بحزن، وأشاحت بوجهها عنه، ثم تلقى مكالمة من مرام، استقبل المكالمة وقال: أيوة يا مرام.
مرام: اتكلمت معاها؟
زافر: اه، البت ديه مش متفقة معاه.
مرام: كنت لسه هقولك إن ياسين مصر إنه ميعرفش حاجة عن الموضوع، أعتقد إنها متفقة مع مازن جوز أختها.
زافر: خلي بالك إنتي من ياسين وخليه ينفذ بسرعة، أنا عايز أخلص من الحوار ده.
أنهى زافر المكالمة، واقترب من سيلين وأمسك يدها، ثم قبلها. سحبت سيلين يدها من بين كفيه وقالت: متلمسنيش.
زافر: إنتي مراتي، وألمسك وقت ما أنا عايز.
سيلين: كمان هتغصبني عليك، للدرجة ديه مشاعري ملهاش أي أهمية عندك؟!
زافر: إنتي اللي حرماني منك، وأنا كل ده مش عايز أعمل حاجة غصب عنك، وقلت شوية وهتهدى وهتشتاقلي، بس واضح إن ده مش هيحصل، زي ما أنا براعي شعورك المفروض تراعيني، أنا ممكن أجرحك وتلاقيني كل يوم مع واحدة شكل، بس أنا مش عايز أعمل كده، أنا مش عايز غيرك إنتي وبس، كفاية تعذيب فيا بقى، أنا بحبك، وعمري ما كنت أفكر أعمل غلطة زي ديه معاكي، صدقيني يا سيلين أنا مش وحش للدرجة ديه، ولو وحش مع الناس كلها معاكي إنتي لأ.
سيلين: ما أنا كل أما أصفالك تعمل مصيبة أكبر من اللي قبلها، وصلت كمان إنك تخطف ستات، هتعمل فيها إيه البت اللي تحت ديه؟
زافر: مش هعمل فيها حاجة، هي اللي جات في طريقي وبتحاول تكشف شكلي للحكومة.
سيلين: اه، تقوم تخطفها وتقتلها.
زافر بغضب: مش هقتلها، أنا مش بقتل حد. سيلين بغضب: بس إنت قتلت بابا، وأنا مش عايزاك، طلقني بقى وأبعد عني.
لم يتحمل زافر نفورها منه أكثر من ذلك، فجذبها بقوة، والغضب يسيطر عليه، دافعت عن نفسها، وحاولت دفعه بعيدًا عنها، وفجأة أمسكت بمعدتها وأخذت تصرخ بألم، ابتعد عنها زافر على الفور، وظن أنه قد أذاها، فقال بخوف: أنا آسف مش قصدي.
سيلين بصراخ: إلحقني يا زافر، بطني بتتقطع.
ثم صرخت صرخة مدوية وفقدت وعيها، نظر لها زافر بصدمة، وفقد قدرته على التركيز، ابتعد عنها وهو ينظر إليها بخوف، ثم خرج من الغرفة بفزع.
في مصر، ذهب ياسين إلى المشفى بعقل شارد، وعيون دامعة، وقلب مثقل بالهموم، يبحث بين الوجوه عنها، هي ملجأ تعبه، ومصدر راحته، خوفه من فقدانها قد جعله في حالة يرثى لها، ولكن عليه أن يكمل ما بدأ، فلا سبيل آخر لديه.
وبعد أن اطمئن على بعض الحالات التي يتابعها، ذهب إلى غرفته، وجد مرام تنتظره بالداخل، وحين دخل الغرفة اقتربت منه سريعًا وعانقته، أبعدها ياسين عنه على الفور وقال: بتعملي إيه؟!
مرام: بعتذرلك يا روحي عشان ظلمتك.
عقد ياسين حاجبية فأردفت مرام: زافر لسه كان بيكلمني دلوقتي، وقالي إن سيلا فعلًا فاكرة إنك عنده في لبنان،بس مش غريبة إن مراتك بتشك فيك كده؟! يا ترى إيه السبب؟
ياسين: ملكيش دعوى، وتلمسنيش تاني.
مرام: حبيبي أنا لو عايزاك هقدر أعمل ده بمزاجي وغصب عنك، بس أنا واثقة إنك هتجيلي من نفسك، عشان لو فضلت تعاملني كده... هزعلك، وأنا زعلي وحش، يعني ممكن بمكالمة مني أقول لزافر إني عرفت إنك متفق مع سيلا، وإنها بتمثل عليه، وساعتها سيلا هترجع مصر بس في تابوت، أو ممكن أبلغ عنك وأقول إنك بتاخد أعضاء بشرية من الجثث، متنساش؛ إنت الدكتور اللي بيعمل العملية، وإنت إللي بتدخل أوضة الغسل وتاخد الأعضاء، وأنا مفيش أي تهمة عليا.
ياسين بصدمة: لأ... إنتي مش هتعملي كده... صح؟!
مرام: مش عارفة، بس لو فضلت تصدني مضمنش، أنا مجنونة ومعرفش جناني ممكن يعمل إيه.
ياسين: بصي أنا مش رافضك كشخص، بس أنا بحب مراتي، وأكيد مش هتبقي مبسوطة لو معاكي واحد مش بيحبك.
مرام: خلاص... حبني، هو أنت لازم تحب واحدة بس؟
تنهد ياسين، لا يعلم ماذا يفعل مع كل هذه الضغوط، تدمرت علاقته مع سيلا، والآن هي بين يدي ذلك المجرم، لا يعلم ما المصير الذي ينتظرها، وأيضًا فقد أمانته كطبيب، والآن عليه أن يخضع لتلك الحية، لم يعد لديه قدرة على التحمل لذا قال: حاضر، هحبك، بس مش دلوقتي، خليني أشوف العميلة اللي عندي.
مرام: تمام، زافر بيقولك إنه مستعجل، خلص بسرعة.
ذهب ياسين ليستعد لإجراء عملية جراحية جديدة، أو عمليه قتل جديدة، أما زافر فأحضر طبيب لكي يفحص سيلين، وبعد وقت وقف أمامه وقال: حالتها عم تسوء كتير، بعتقد إن الأدوية ما عم تأثر.
زافر بقلق: يعني نعمل إيه؟
الطبيب: لازم تعمل عملية زراعة كلى، وكل ما كان أسرع كان أحسن.
زافر: زراعة كلى! بس إنت قلت مع الأدوية هتبقى أحسن، وهي مشتكتش تاني.
الطبيب: واضح إنها عم تخبي وجعها عنك، أنا راح دور على متبرع وإذا عندك طريقة تانية شوفها، راح أرسلك المعلومات اللي راح تحتاجها لتبحث عن متبرع.
شكره زافر، وذهب الطبيب بعد أن أعطاها مسكن قوي، ثم تذكر زافر الأعضاء التي يستخرجها ياسين، وقرر أن يطلب منه أن يبحث عن كلى لسيلين.
في الليل، استعادت سيلين وعيها، ووجدت زافر ينام بجوارها، خرجت من الغرفة، وتذكرت تلك الفتاة التي تقبع بهذه الغرفة بالأسفل، فذهبت إلى المطبخ، وطلبت من الخدم أن يعدو لها الطعام، ثم أخذته وذهبت إلى سيلا، وقفت أمام وليد الذي يجلس أمام الغرفة وقالت له: إفتح الباب.
وليد: بس البوس مأذنش...
قاطعته بحزم: إفتح الباب بقولك، البنت مكلتش أي حاجة من الصبح، ولا عايزين تموتوها من الجوع.
وصل صوتها إلى سيلا بالداخل، فتعجبت مما يحدث، ثم رأت سيلين تدخل الغرفة وتحمل بيدها الطعام، وضعته أمامها وأزالت تلك الكمامة عن وجهها وقالت: متخافيش، أنا جبتلك أكل.
سيلا ببكاء: أنا عايزة اطمن على جوزي.
سيلين بتعجب: جوزك؟!
سيلا: أيوة، زافر خطفه، ولما حاولت أدور عليه خطفني أنا كمان، هو هنا؟!
تنهدت سيلين بقوة، قد ملت من أفعل زافر الطائشة التي لا تنتهي، فقالت: لأ، مفيش حد مخطوف هنا غيرك، بس ممكن يكون في مكان تاني.
سيلا بحزن: طيب بجد بس يقولي هو عايش ولا لأ.
سيلين: طيب بصي، إنتي كلي دلوقتي، وأنا هحاول أعرف عنه أي أخبارك وأبلغك، كلي قبل ما زافر يجي، أنا جايبة الأكل من وراه.
سيلا: مش خايفة يأذيكي؟!
سيلين: هو أذاني من زمان، مبقاش فيا حاجة تتأذي، كلي بس يلا.
شعرت سيلا بالحزن الذي يسكن داخلها، والشفقة على حالتها، ظلت تنظر إليها وهي تضع الطعام داخل فمها، وتتعجب من الأمر، هي جميلة وتبدو حنونة، ترى ما علاقتها بهذا المجرم؟ ولماذا تسكن معه؟
وفي ظل هذه التساؤلات، تذكرت ياسين، تشتاق إليه، والذعر يسكن داخل صدرها، خوفها من فقدانه أقوى من أي ألم آخر، إنسابت دموعها وهي تتناول الطعام، فنظرت لها سيلين وشعرت بالشفقة عليها، فتركت الطعام من يدها، وضمتها إليها.
أحيانًا قد يأتيك المواساة من شخص لا تعرفه، ولكن الظروف تهيئت لتتلاقى مع شخص يشعر بألمك، ويربت على جرحك، ويكون لك نعم الصديق.
ترى، ماذا تفعل سيلين لأجل سيلا؟
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الحادي عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
لم يعد الألم حكرًا على الضحايا وحدهم، فالجلاد نفسه بدأ يترنح تحت ثقل ما صنعته يداه، حان الوقت ليتذوق زافر ألم الخوف من الفقد، سيلين كانت تخفي مرضها عنه، ظن أنها قد تعافت، ولكن كانت تخطط لصفعه برحيلها، وكأنها اختارت طريقها للانتقام، فهي تعلم مدى تعلق زافر بها، فأرادت أن ترحل عنه، وتخبره أن جدران ذلك القصر الذي يحبسها خلفها لن تحميها من قضاء الله. حين تتقاطع القلوب المجروحة داخل مساحة واحدة، يصبح الخوف لغة مشتركة، وتتحول الرحمة إلى فعل مقاومة صامتة، فحين رأت سيلين دموع سيلا، وعلمت أنها تبكي خوفًا من فقدان ياسين، للحظة تذكرت حبها لزافر، الذي حُكم عليه بالموت بسبب أفعاله، لذا تحولت نظراتها إلى الفراغ، تفكر، كيف تساعدها وتنقذ ياسين منه. لم يعلم زافر أن هناك؛ حيث تُحتجز الحقيقة خلف الأبواب المغلقة، تولد تحالفات لم يكن لها أن تُولد، وتُمد الأيدي لا بدافع الثقة... بل بدافع النجاة.
أما ياسين، الذي يقف أمام ذلك المريض، يقوم بإجراء عملية خطيرة امتدت إلى ست ساعات، وبالنهاية توفي المريض بين يديه، كان يحارب بكل الطرق ألا يفقده، لحرصه على علاج مرضاه، ولرغبته بعدم أخذ الأعضاء منه، ولكن حين توقف نبضه، علم أن مرام لن تترك جثمانه سليم، ليزداد كراهيته لذاته، ويصبح أمام نفسه.... قاتل.
خرج ياسين من غرفة العمليات، كان الوقت قد تأخر كثيرًا، لذا غادرت مرام، فأمر بإرسال الجثة إلى غرفة الغسل، ودخل ياسين غرفة المكتب الخاصة به، وحين جلس على المكتب، اتكأ بكلتا يديه عليه، وشعر بوجود مادة سائلة، فنظر إلى يديه بتعجب، وتفاجأ بوجود دماء على سطح المكتب، ابتعد بذعر، وبدأ يبحث عن مصدر الدماء، فوجد مصدرها تحت المغلف بوسط المكتب، فرفعه، وفتح عينيه بصدمة، حين رأى صورته مع سيلا، وهناك أثر قطع آله حادة؛ مزق وجه سيلا من الصورة، والدماء تنساب عليها.
ثم ارتد بفزع عندما وجد صوت الهاتف يعلن عن اتصال هاتفي من مرام، أمسك الهاتف على الفور وقال: إيه اللي إنتي عملاه ده؟!
مرام: كنت عارفة يا روحي إنك هتعرف إن المفاجأة ديه مني أنا.
ياسين بغضب: وديه اسمها مفاجأة برده؟!
مرام: أنا بس قلت أفكرك إن سيلا معانا، عشان تقوم تروح بسرعة على أوضة الغسل، وتجيب الأعضاء قبل ما زافر يعرف إنك مش بتنفذ الإتفاق، وساعتها هيزعل ويزعل سيلا.
ياسين: أنا أصلًا بنفذه من غير تهديد، مش فاهم أنا إيه لازمة حجز سيلا وتهديدي بيها، لو سمحتم خرجوها.
مرام: امممم، نخرجها وترجع مصر وتصالحها يا ياسو وتسيبني؟ لأ.... مش موافقة.
ياسين: مرام إحنا مش بعض أصلًا عشان أسيبك.
مرام: خلاص... لو بقينا مع بعض هخلي زافر يسيبها، إيه رأيك؟
زفر ياسين بقوة ثم قال: بقولك إيه، سيبيني أشوف شغلي، وحلي عني، أنا مش ناقص جنانك خالص.
أنهى ياسين المكالمة، ونظر إلى صورة سيلا، يلوم نفسه، تُرى إن كان أخبرها بالحقيقة... هل كانت ستصدق أنه لم يفعل شيئًا خاطئ مع مرام؟ وإن كان أخبرها بالحقيقة وسبب تغيره معها، هل كانت ستسافر وتعرض حياتها للخطر؟ وفي ظل هذه الأسئلة، كان قلبه يتألم، عيناه لا تزال تبحث عن صورتها، يفتقد لصوتها، يتمنى لو كانت بجواره، لأول مرة منذ سنوات يفترق عنها كل هذه المدة.
ثم تذكر السؤال الذي طرحته عليه، عن أول مرة تقابلا معًا، هو رأها أول مرة بأحد المناسبات، ولكنها دائمًا كانت تخبره بأنها لا تتذكر رؤيته، لذا لم يحدد من قبل أول مرة تقابلا معًا فعليًا، وعندما سألته آخر مرة، لم يجد إجابة محددة.
تعجب من الأمر، لماذا سيلا لا تزال مقتنعة أنه ليس زوجها؟ ثم تذكر الفترة الأخيرة قبل سفره إلى لبنان، كانت سيلا تخبره بأنها تشعر بالضيق بسبب غيابه عن المنزل لفترات طويلة، ولمحت أنه لم يعد يهتم بها مؤخرًا، وطلبها من والده بأن يقنعه بالعدول عن فكرة تأجيل الأطفال والحمل، ترى لهذا السبب تشعر بأنه أصبح شخصًا آخر؟ ولكن ليس لهذه الدرجة.
تنهد بإرهاق، وذهب إلى غرفة الغسل، وأخذ أعضاء المتوفي وحفظها بعلب مثلجة، ثم تركها بغرفته، وعاد إلى المنزل.
أما سيلين، كانت تتحدث مع سيلا، وعرفت كل شيء عما مرت به، ثم اتفقت معها على خطة للإيقاع بزافر، وأعطتها سيلين رقم هاتفها وقالت: إنتي صعبانة عليا أوي، ومش عايزة زافر يفرق بينك وبين حبيبك، بصي، أنا ههربك من هنا، وإنتي تطلعي على السفارة المصرية على طول، واطلبي منهم يوصلوكي للمطار، بس متبلغيش عن المكان هنا، قوليلهم معرفش هربت منين ومعرفش العنوان بالظبط، أنا فضلت أجري في الشارع لحد ما لقيت عربية وطلبت من السواق يجبني هنا، وده رقمي، لما ترجعي مصر كلميني، وهنتفق على كل حاجة عشان زافر لازم يدفع تمن كل الجرايم اللي عملها.
سيلا بتعجب: بس إنتي مراته، وقولتي إنك بتحبيه.
سيلين بحزن: اه بحبه، وبتعذب من يوم ما قتل بابا، إنتي مش متخيلة أنا محتجاله أد إيه، ولا كام مرة منعت نفسي إني ارتمي في حضنه، بس هو كسر حاجة بينا مش هعرف أصلحها، بابا كان روحي، حتة من قلبي، أتجوز ماما في مصر، وجابها هنا لبنان عشان تعيش معاه بحكم شغله، وبعد ما ماما خلفتني بفترة صغيرة ماتت، هو اللي رباني، رفض يتجوز واحدة غير ماما من حبه فيها وخوفه عليا، صعب أوي أنسى إن زافر هو اللي قتله، عشان كده أنا مستسلمة للمرض، مش عايزة أتعالج، الحياة بالنسبالى بقت عذاب وبس، قلبي مقسوم نصين بين بابا الله يرحمه وبين زافر، وتعبت من اللي أنا فيه.
ربتت سيلا على كتفها، ونظرت لها بحزن وقالت: خلاص، أنا هاخد نمرتك، بس خرجيني من هنا أبوس إيدك، وبعدين لما أرجع مصر هكلمك عشان تطمنيني على ياسين، حاولي تعرفي عنه أي أخبار.
سيلين: حاضر، بصي أنا هخرج دلوقتي أبعد الحرس عن الباب، وبعدين هشاورلك تخرجي فورًا، لحد ما أخرجك من باب الفيلا.
أومأت لها سيلا، وخرجت سيلين وهي تحمل الصحون بين يديها، وخرجت من الغرفة ونظرت إلى وليد وقالت بتعب: خد الحاجة ديه وديها المطبخ، مش قادرة أشيلهم.
أمسك وليد الصحون وقال: طيب خليكي قدام الباب لحد ما أرجع.
سيلين: حاضر، أنا واقفة متقلقش.
ذهب وليد، وأشارت سيلين إلى سيلا كي تخرج، ثم تحركت سيلين نحو الباب وسيلا تتبعها بحذر، حتى وصلت عند الباب، ووجدت الحرس يقفون عند الباب، فأشارت إلى سيلا أن تختبأ خلف أحد الأشجار، وذهبت سيلين إليهم وتحدثت بذعر قائلة: فيه حد في جنينة الفيلا، دخل من على السور.
نظر لها الحارس بصدمة وقال: شفتيه فين؟
أشارت لهما سيلين بالجهة الأخرى، فركضو جميعًا إلى هناك، ثم اقتربت سيلا منها، وفتحت لها سيلين الباب وهربت.
عاد وليد إلى الغرفة، وجدها خالية، فخرج ينظر حوله بذعر، ثم وجد الحرس ينتشرون داخل الحديقة فقال: فيه إيه؟ إيه اللي جابكم هنا؟
الحارس: سيلين هانم قالتلنا إن فيه حد في الجنينة.
وليد بصدمة: وفين هي؟!
الحارس: سيبناها عند الباب، بس مفيش حد في الجنينة خالص.
لمح وليد أن سيلين تعود إلى داخل الفيلا، فركض إليها وخلفه الحرس وقال: فين الراجل اللي شفتيه ده؟
سيلين بهدوء: مفيش حد دخل الجنينة.
نظر وليد إلى الحارس بتعجب فقال الحارس: هي اللي قالت كده.
سيلين: أيوة أنا كدبت عليهم، هما مش غلطانين في حاجة.
وليد: وليه كدبتي عليهم؟!
سيلين: عشان أهرب سيلا من هنا.
وليد بصدمة: هربتيها؟! إنتي عارفة زافر هيعمل إيه لما يعرف؟!
سيلين: هيعمل إيه؟ هيموتني؟! ياريت... خليني أخلص من العيشة ديه.
ثم تركتهم وذهبت إلى الداخل، وقرر وليد أن ينتظر حتى الصباح ويبلغ زافر بالأمر.
أما سيلا، فكانت تركض بسرعة، لا تعرف أين تذهب، والظالم حالك من حولها، الخوف يسيطر عليها، تنظر خلفها كل ثانية، تخشى أن يلحق بها أحد، حتى رأت سيارة تقترب منها، فوقفت بمنتصف الطريق أمامها، فتوقف السائق سريعًا، ونزل من السيارة يصيح بها: شو هاد الجنان؟ كنت راح أدعسك.
سيلا ببكاء: أنا تايهة وخايفة، ومش عارفة أنا فين، لو سمحت توصلني للسفارة المصرية.
نظر لها السائق وهدأ حين لمح دموعها، وصوتها المرتعش، فقال: إيه تكرمي، راح وصلك.
شكرته سيلا، وصعدت بالسيارة، بعد وقت، وصلت أمام السفارة، ودخلت سريعًا وأبلغتهم أنها مصرية وتريد التواصل مع الضابط المصري مازن يوسف، أوصلها الموظف إلى مكتب الضابط حسام، وحين دخلت الغرفة، تنهدت بقوة، شعور الأمان الذي افتقدته منذ أن غادرت مصر، أختفى من داخلها حين رأت حسام أمامها ووثقت أنها ستكون بمأمن.
جلست أمام حسام وقالت: أنا عايزة أكلم الظابط مازن يوسف؟
حسام: هو إنتي سيلا؟!
سيلا بتعجب: أيوة أنا، إنت تعرفني؟!
حسام: أنا الظابط اللي كان بيراقب عربية زافر، إنتي هربتي منهم إزاي؟
قصت له سيلا ما حدث، واتصل حسام بمازن على الفور، الذي استيقظ من النوم بفزع عندما رأى اتصال حسام وقال: خير يا حسام، فيه أخبار؟!
حسام: سيلا عندي في السفارة.
مازن: إدهاني بسرعة.
أخذت سيلا الهاتف وحين وصل صوتها إلى مازن قال: إنتي كويسة يا سيلا؟ حصلك حاجة؟!
سيلا: أنا كويس متخافش أنا عايزة ارجع مصر يا مازن، شنطتي مش معايا، ولا التليفون ولا الباسبور، ارجع إزاي؟!
مازن: متقلقيش، حسام هيتصرف ويرجعك، وأنا هستناكي في المطار عشان أخرجك من الجوازات.
استيقظت هدير على حديث مازن، فأمسكت ذراعه بفزع وقالت: مالها سيلا؟! مالها يا مازن فهمني.
مازن: متخافيش، كويسة مفيهاش حاجة.
هدير: هات أكلمها.
خطفت الهاتف من يده، وحين سمعت سيلا صوتها، بكت وأخذت تتحدث بكلام لم تفهمه هدير، فقالت: إهدي يا سيلا وفهميني، خطف إيه ده ومين خطفك؟!
أخذ مازن منها الهاتف وقال: أنا هفهمك بعدين، بس سيبيني أشوف حل عشان ارجعها.
أخذ مازن الهاتف، واتفق مع حسام على كافة الإجراءات، ثم أنهى المكالمة، والتفت إلى هدير التي تنظر إليه بغضب، ولم تتركه حتى قص لها كل ما حدث، وغضبت منه كثيرًا، فأخذ مازن الهاتف، واتصل بياسين ليخبره بهروب سيلا.
كان ياسين يدخل باب منزله، وينظر إلى المنزل الخالي بحزن، يستنشق عبيرها الذي لا يزال عالق بين جدران المنزل، ثم انتبه إلى رنين هاتفه، وتلقى المكالمة ليسمع أحلى خبر لم يسمع مثله من قبل، سيلا قد هربت من زافر، شعور السعادة الذي تخلل صدره بهذه اللحظة كان لا يوصف، حتى دموعه انسابت من شدة الفرح، جعله ينسى كل مر به، هو فقط يريد أن يراها ويضمها بين ذراعيه، ويطمئن قلبه أن حبيبته قد عادت.
تُرى، هل ستصدق سيلا أنه ياسين أم لا؟!
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الثاني عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
الحرية طعمها حلو، لكنها دائمًا تأتي بثمن. سيلا شعرت لأول مرة منذ زمن طويل بأنها تتنفس بحرية، لكن قلبها لا يزال يثقل بالقلق والخوف، خوف من ملاحقة زافر، ومن المجهول الذي ينتظرها بعد كل خطوة.
وفي الداخل، كان ياسين يواجه معركة لا تقل صعوبة عن معركة سيلا خارج أسوار الفيلا؛ بين ضميره، وحبه، ومسؤولياته، ومعاناته مع الخيانة والغموض الذي أحاط بحياته كلها.
أما زافر، فلم يكن يعلم أن قبضته على كل شيء بدأت تتداعى، وأن أطراف المؤامرة بدأت تتحرك من خلف ظهره، وأن الثقة التي بناها على الخوف لم تعد كافية لإيقاف من يرفض الانكسار.
حين تتقاطع المصائر، وتتصادم القلوب، تصبح كل خطوة حاسمة، وكل قرار محفوفًا بالمخاطر، لأن الخوف من الفقدان قد يكون أعظم من أي تهديد، والحب أحيانًا يكون أقوى من الغضب نفسه.
كان ياسين يشعر بالسعادة عندما علم أن سيلا قد هربت من زافر، على عكس مازن الذي كان يواجه غضب هدير منه، لا يعرف كيف يبرر لها أنه لم يخبرها بما حدث مع سيلا، ولا يستطيع السيطرة على غضبها، فقال: أنا مش عارف أحلفلك بإيه تاني عشان تصدقي إني مقولتلكيش بس عشان متقلقيش عليها، وكده كده مفيش في إيدك حاجة تعمليها، كنتي هتقعدي تعيطي وخلاص، وأنا مكنتش ساكت وأكيد مش هسيب سيلا في موقف زي ده من غير ما أتصرف، والحمد لله هي قدرت تهرب وأنا هرجعها مصر، أعمل إيه تاني.
هدير بغضب: ولما سألتك كدبت عليا، قولتلي هي كويسة وإنت عارف إنها مخطوفة، ليه مقولتليش وقتها، معقول يا مازن بتكدب عليا؟! أنا مش مصدقة بجد، إزاي تكدب عليا في حاجة زي ديه، وكمان أثق فيك إزاي تاني بعد ما عرفت إنك كداب.
زفر مازن بقوة وقال: يا بنتي وأنا كدبت عليكي عشان عامل عملة مثلًا؟! أنا مكنتش عايز أقلقك مش أكتر.
هدير: بص يا مازن من الآخر، أنا مش طيقاك، وهموت من القلق على سيلا، ولولا إني مش عايزة أقلق ماما هي كمان كان زماني سيبالك البيت كله، عشان كده أنا هنام في الأوضة التانية لأني بجد مش طايقة اسمع صوتك حتى.
تركته هدير وغادرت الغرفة، نظر مازن إلى أثرها بضيق وتركها كي تهدأ قليلًا ويتحدث معها بالصباح.
يومٌ جديد، وأشرقت شمس النهار على مصر الحبيبة، كانت شهيرة تتجه إلى السوق لتشتري بعض الأغراض، وعندما خرجت من المنزل تفاجأت بوجود صادق أمامها، نظرت إليه بصدمة، فقد صبغ شعره باللون الأسود، وارتدى قميصًا عصريًا، ووقف ينظر إليها بابتسامة وهو يحمل بين يديه باقة من الورد الأحمر مغلف بغلاف أسود، ثم قال لها: صباح الخير يا مشيرة هانم، أنا قلت أجي بدري لحضرتك، ما أنا عارف إنك بتحبي تصحي بدري زيي، عشان يعني نتكلم في موضوع الأولاد.
نظرت له مشيرة متعجبة ثم قالت: وهو موضوع الأولاد محتاج صبغة وقميص مشجر وورد؟!
ضحك صادق وقال: لأ لأ، أنا بس حبيت أعمل نيون... نيون لوك اللي بيقولو عليه ده، بيني وبينك يا هانم زعلت من نفسي أوي، وقفت قدام المرايا وقلت لنفسي ليه يا واد يا صادق سايب نفسك كده، ده أنت قلبك مليان شباب وحب، لكن اللي يشوفك يقول مش عايز حاجة من الدنيا.
مشيرة: وإنت عايز إيه من الدنيا يا صادق بيه؟
نظر لها صادق وهو يبتسم لها بحب وقال: عايز القرب، نفسي أقرب من واحدة عجباني ومجنناني، قلت ألفت نظرها يمكن تحس بيا.
فتحت شهيرة عينيها، وهي تنظر له بتوجس وقالت: ربنا يقرب البعيد، بس أنا لازم أنزل دلوقتي أجيب شوية حاجات.
صادق: اه طبعًا مفيش مشكلة، أنا ممكن أجي معاكي وبعد ما نشتري الحاجة نروح نفطر برا سوا، وبالمرة نشوف موضوع ياسين وسيلا، بس خدي حضرتك الورد حطيه في الماية عشان حرام يموت.
أومأت له مشيرة بالإيجاب، ثم أخذت الباقة من يده وعادت إلى شقتها ووضعته داخل المياه بالمزهرية، وهي تنظر إليه بإعجاب، فهي تحب الورد الأحمر، والباقة تبدو أنيقة للغاية، وبرغم تعجبها مما يفعله صادق، ولكنها لم تشعر بالضيق منه.
بينما يولد عشقٌ جديد هنا، كان هناك عاشق آخر ينتظر خبر يطمئن قلبه المشتاق على حبيبته سيلا، وينظر إلى هاتفه كل دقيقة، منتظرًا اتصال من مازن.
وصل ياسين المشفى، ودخل إلى مكتبه، ثم طلب من مرام أن تأتي إليه، بعد وقت، دخلت مرام الغرفة ونظرت له بابتسامة باردة وقالت: إيه وحشتك؟!
تنهد ياسين وقال: خدي الأعضاء وحطيها في مكان بارد عشان خايف الآيس بوكس يتأثر بالجو ويأثر عليهم.
مرام: بس كده، يعني أول مرة يا ياسو تطلب تشوفني يبقى عشان كده بس؟
ياسين: هو إحنا فيه بينا حاجة تانية غير الشغل ده؟! ما تعقلي يا مرام بقى، قولتلك مية مرة أنا بحب سيلا ومش هخونها.
مرام: امممم، قولتلي اه، بس إنت مش واخد بالك إنك أصلًا خونتها يا روحي.
ياسين: محصلش، وإنتي عارفة إنه محصلش.
مرام: أنا وإنت عارفين، لكن سيلا لو شافت الفيديو والصور القمر بتوعنا مش هتصدق إنه محصلش.
ياسين بغضب: إنتي قولتي إن الفيديوهات والصور ديه مش هتظهر، وده إتفاقي مع زافر.
مرام: إنت قولت أهوه، مع زافر مش معايا أنا، بص يا حبيبي، أنا هتفق معاك إتفاق، نبقى مع بعض ويفضل سرنا سوا، يا أما تفضل تعاملني وحش كده وأنا هضطر للأسف عشان مزعلش على نفسي أكتر من كده إني أبعت الصور لسيلا.
وقف ياسين أمامها بغضب وقال: ليه طيب؟! هتستفيدي إيه حرام عليكي.
مرام: إنت، هستفاد إنك معايا، بصراحة أنا معجبة بيك بجد، طيب جرب تبقى معايا، مش يمكن حاكم عليا غلط.
ياسين: بصي يا مرام، أنا أصلًا عندي مشاكل الدنيا كلها، فأرجوكي سيبيني في حالي وخليني أخلص من حوار زافر ده، وبعدين نبقى نشوف حوار الإعجاب ده.
قاطع حديثهما اتصال مازن فنظر لها وقال: ممكن تاخدي الشنطة ديه من هنا دلوقتي، وبعدين نتكلم في الموضوع ده.
أخذت مرام الحقيبة وتلقى ياسين المكالمة على الفور، وقال مازن: أيوة يا ياسين، سيلا هتوصل النهاردة المغرب.
ياسين بسعادة: بجد؟! طيب أنا هروح أستقبلها في المطار.
مازن: خلاص عدي عليا بعد العصر نروح سوا.
أما زافر، قد استيقظ من النوم ووجد سيلين تنام بعمق بجواره، خرج من الغرفة بهدوء حتى لا يوقظها، ثم نزل إلى أسفل وطلب من الخدم إحضار قهوة له وإرسال أحد لطلب وليد إليه، بعد وقت، دخل وليد ووقف أمامه وهو ينظر إليه بتوتر، نظر له زافر بتعجب وقال: هو فيه حاجة حصلت ولا إيه؟
وليد بقلق: اه... هو إمبارح سيلين جابت أكل لسيلا ودخلت الأوضة عندها، قعدو مع بعض كتير جدًا، وبعد شوية خرجت وادتني الأطباق وقالتلي أدخلها المطبخ، ومجرد ما سبت المكان.... هربتها.
وقف زافر ونظر إليه بغضب وقال: هربتها؟!
نظر له وليد بخوف وقال: ما أنا متوقعتش إنها تعمل كده.... وكمان كدبت على الحرس عشان يبعدو عن الباب وخرجتها من الفيلا.
ركض زافر سريعًا إلى الطابق العلوي، ولحق وليد به، هو يعلم أن سيلين مريضة، وغضب زافر أعمى، يجعله يفقد تركيزه نهائي.
دخل زافر الغرفة وفزعت سيلين من نومها اقترب منها وجذبها من شعرها وقال: إنتي بتتدخلي في اللي ملكيش فيه ليه؟! بتهربي البت من ورايا؟ وجاية تنامي جنبي بمنتهى البرود!
نظرت له سيلين بهدوء وقالت: عشان عارفة إنك معندكش قلب، خاطف جوزها ومبدله بواحد تاني، وكمان لما تيجي تدور عليه تخطفها.
زافر: وإنتي مالك، من إمتى وإنتي بتدخلي في اللي ملكيش فيه.
تأوهت سيلين من قبضته وقالت: سيبني يا زافر بقى، صعبت عليا مشيتها، إنت إيه مبتحسش، معندكش دم.
صفعها على وجهها، وتدخل وليد على الفور وأمسك به وقال: خلاص يا بوس تعالي معايا، اللي بتعمله مش هيفيد بحاجة، هي هربت وخلاص، خلينا نفكر في الوضع دلوقتي، أنا خايف تكون عرفت العنوان وبلغت عننا، والبوليس يطب علينا في أي وقت، خلينا نمشي نروح البيت اللي في الجبل.
هدأ زافر، ونظر إلى سيلين التي تنظر إليه بحزن والدموع تملء مقلتيها، فقال: قومي حضري الهدوم، خلينا نغور من هنا، هو ده اللي باخده منك، عايزاني اتحبس عشان تخلصي مني صح؟!
سيلين: هي وعدتني مش هتبلغ عن المكان.
زافر: بلاش غباء بقى، ما إنتي لسه قايلة إن جوزها معايا، يعني الطبيعي هتبلغ عني عشان تنقذه.
وليد: خلاص يا جماعة خلونا نتحرك بسرعة.
خرج زافر ولحق به وليد، تحت نظرات سيلين الحزينة، أما سيلا فكانت تنظر إلى أراضي لبنان من نافذة الطائرة بحزن، تودع ياسين الذي تركته عنوة، وقلبها ينقسم نصفين على تركه بين يدي هذا المجرم.
ذهب ياسين إلى مازن بقسم الشرطة وذهبا معًا إلى المطار، كان مازن يمسك بهاتفه ويحاول الاتصال بهدير التي ترفض مكالماته منذ الصباح، كما إنها رفضت أن تفتح باب الغرفة وتتحدث معه، لاحظ ياسين الضيق الجالي على وجهه فقال: مالك يا مازن؟
مازن: هدير زعلانة مني عشان خبيت عليها إن سيلا كانت مخطوفة.
ياسين: كلنا في الهوا سوا كده؟! مش عارف الأختين دول نعمل فيهم إيه؟
مازن: بس هدير زعلها وحش، غير سيلا.
ياسين: اه حقيقي، بس مش عارف المرة ديه سيلا مش زعلانة وبس، أنا حاسس إن فيه حاجة تانية أنا مش فاهمها.
مازن: وأنا كمان، خلينا بس نشوفها ونتكلم معاها، وأنا هقولها الحقيقة عشان ترجع معاك.
ياسين: أنا مكنتش موافق من الأساس على إنك تقولها إن زافر خاطفني، كان المفروض تنفي الموضوع.
مازن: ساعتها زافر كان هيشك فيها وفيك، وكل حاجة كانت هتبوظ.
تنهد ياسين بحزن، يشعر بأن سيلا لن تصدقه.
بعد وقت، وصل ياسين إلى المطار، ووقف في انتظار سيلا، ودخل مازن كي يخرجها من المطار حيث أن أوراقها مفقودة، ولن تستطيع عبور الجوازات بدون أوراق رسمية.
وحين وجدها تقترب منه، نظر لها بسعادة والابتسامة تزين وجهه، فقد عادت حبيبته أخيرًا، على عكس سيلا، فحين رأته ينتظرها بالخارج نظرت إلى مازن بتعجب وقالت: إيه اللي جابه هنا ده؟!
مازن: ده ياسين يا سيلا.
نظرت له سيلا وهو يقترب منها وقالت بحدة: لأ ده مش ياسين، ياسين هناك عند زافر، وأنا سيبته غصب عني، هو ضحك عليك إنت كمان؟!
ياسين: يا حبيبتي إحنا قولنا كده عشان نحميكي من زافر مش أكتر، لكن أنا ياسين.
سيلا: لأ مش هو، زافر سألني إذا كنت عايزة أشوفه ولا لأ، يعني معنى كده إنه عنده، ده غير اللي حصل في الفندق، ياسين عمره ما يخوني أبدًا.
ياسين بارتباك: أنا مخنتكيش، تعالي بس نتكلم وأنا هفهمك كل حاجة.
حاول مسك يدها ولكنها سحبتها من يده بعنف وقالت: متلمسنيش بقولك، إنت مش جوزي، وأنا مش عايزة أشوفك قدامي، مازن عايزة أمشي، ولا أمشي لوحدي؟
مازن: يا بنتي إفهمي بس، إنتي فاهمة الموضوع غلط.
سيلا: لا مش غلط، ولو قدر يخدعكم كلكم مش هيخدعني أنا، وأنا مش هسكت، وهرفع قضية عشان أثبت إنه مش ياسين، لأن أنا متأكدة إن ياسين عمره ما يخوني ولا يبيع ضميره كدكتور أبدًا.
تركتهما وذهبت، تحت نظرات ياسين الحزينة والمصدومة، ولحق بها مازن على الفور، فهي تبدو متعبة للغاية، وتركا ياسين متخبط التفكير، هل يثبت أنه زوجها وحينها تصدق أنه خانها وخان ضميره المهني، أم يظل بعيدًا عنها حتى ينهي ما يحدث بينه وبين زافر نهائيًا؟
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الثالث عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
ليس كل فراق يُعلن بالوداع، بعضه يحدث في ازدحام المطارات، وسط عيون ترفض التصديق، وقلوب تتمسك بحقيقة تخاف الاعتراف بها.
سيلا عادت إلى الوطن، لكن روحها لم تعد معها، تركت قلبها مع رجل تؤمن أنه زوجها، بينما يقف أمامها شخص يحمل ملامحه... لا روحه.
أما ياسين، فوجد نفسه في أقسى مواجهة يمكن أن يخوضها رجل؛ أن يُحاكم لا على أفعاله فقط، بل على هويته نفسها، وأن يصبح الحب سلاحًا موجهًا إلى صدره.
بين الشك واليقين، بين الذاكرة والخيانة، تبدأ معركة جديدة لا يُسمع فيها صوت الرصاص، بل صرير القلوب المتصدعة،
وفي هذه المعركة... قد يكون إثبات الحقيقة أصعب من النجاة من الكذب.
بعيون حائرة، كانت تنظر عبر نافذة السيارة إلى الطريق، بعد أن رفضت الحديث مع مازن بشأن ياسين، عقلها يرفض أن يصدق أنه زوجها، وقلبها يتمنى صدق إحساسها، فبرغم الألم الذي يجتاحها بسبب خطفه على يد زافر، إلا أنه أهون ألمًا من خيانته.
وصلا إلى منزل مازن، وعندما دخلت سيلا وجدت هدير ومشيرة يجلستان معًا، ركضت مشيرة إليها على الفور وضمتها إليها وقالت ببكاء: حمد الله على السلامة يا حبيبتي، الحمد لله إنك بخير، أنا معرفتش أنام من إمبارح من ساعة ما عرفت اللي حصلك.
وقفت مشيرة تنظر إليهما بتعجب وقالت: فيه إيه يا هدير؟! مش أول مرة متشفوش بعض كام يوم يعني، ليه بتعيطي كده؟!
ابتعدت هدير عن سيلا، ونظرت سيلا إلى مشيرة بتعجب، فقالت هدير بتوتر: أنا مرضتش أقولك يا ماما عشان خفت على صحتك، أصل.... سيلا كانت مخطوفة.
مشيرة بصدمة: إيه؟! مخطوفة إزاي؟ جرالك إيه فهميني؟!
سيلا: متقلقوش محصلش حاجة.
أمسكت هدير يدها وجذبتها خلفها وأجلستها على الأريكة وقالت: تعالي بس فهميني إيه اللي حصل.
جلست مشيرة بجوارهما، ثم قصت لهما سيلا ما حدث، فقالت مشيرة بغضب: تستاهلي، كل ده من عنادك وتفكيرك، ولسه برده مصرة إن ده مش ياسين، مفيش فايدة فيكي.
زفرت سيلا بملل وقالت: عايزة إثبات إيه أكتر من اللي حصل عشان تصدقي إن ده مش ياسين، إذا كان اللي خطفه قالي إنه عنده، ومراته صدقت على كلامه، عايزاني بعد ده كله أصدق إنه ياسين؟!
مشيرة باستهزاء: لا طبعًا، واحد شبهه أكيد، إذا كان أبوه اللي مخلفه بيقول إنه هو، إنتي هتعرفيه أكتر من الراجل اللي مخلفه.
سيلا: ماما، أنا تعبانة وبقالي يومين منمتش، ومش قادرة أتخانق ولا أجادل.
مشيرة: أيوة أيوة، كل ما تتزقني في الحوار وتلاقي نفسك هتطلعي غلطانة تجري وتتحججي بأي حجة زي أبوكي بالظبط.
وقفت سيلا أمامها بغضب وقالت: هو لازم كل أما نتكلم مع بعض تجيبي سيرة بابا، ماله بابا، عملك إيه عشان تكرهيني بسبب إني شبهه؟!
وقفت أمامها مشيرة وقالت: خاني، عرفتي عمل إيه؟ ومن وقتها وأنا مش عايزة أفتكر حتى شكله، ضيعت عمري وشبابي تحت رجليه، وربيتكم وطلعتكم أحسن بنات، وفي الآخر كان جزائي الخيانة.
سيلا: حتى لو كلامك صحيح وبابا فعلًا عمل كده، أنا ذنبي إيه؟! بتحاسب على غلطته ليه؟ أنا بنتك مش جوزك، حرام عليكي أنا فيا اللي مكفيني، وعارفة إنك لا يمكن تحسي بيا، لأنك بطلتي تحسي بيا من زمان، زي ما أكون عدوتك مش بنتك، وعلى فكرة أنا مش بهرب من النقاش معاكي عشان شايفة إنك صح ولا حاجة، أصل إنتي مش هتعرفي جوزي أكتر مني، إذا كان مش عارفة بنتك وبتحكمي عليها بس لمجرد إنها شبه أبوها، عايزاني أثق في رأيك إزاي؟!
نظرت إلى مازن وهدير وقالت بإنفعال: اسمعو بقى كلكم عشان ده آخر كلام عندي، الراجل ده مش ياسين، وأنا هعرف أرجع جوزي، ولو حد فتح معايا نقاش تاني في الموضوع ده أنا هسيبلكم الدنيا كلها وأمشي.
تركتهم وذهبت إلى الغرفة وأغلقت الباب من الداخل، كانت لا تحتمل صراع خارجي آخر، يكفي صراعها الداخلي الذي أرهق قلبها وعقلها، أما مشيرة فوقفت تنظر إلى أثرها بصمت، لأول مرة تسمع هذا الحديث من سيلا، لأول مرة تقف أمامها بهذه القوة والجراءة، فكانت دائمًا تتجنب النقاش معها ولا تكذب حديثها، ولكن هذه المرة وضعت على جرح مشيرة الداخلي جرحًا أعمق، ورجعت تتذكر ما حدث منذ أن مات زوجها.
كان منذ سنوات، وحين توفي تفاجأت بأن هناك سيدة تدخل إلى العزاء، وتخبرها أنها زوجته الثانية، صدمتها لجمت لسانها، ثم تذكرت أن زوجها كان يحب فتاة أخرى قبل زواجهما، ولكن فرقهما القدر، وعلمت أنه تزوجها بعدها، وكانت صدمة لم تستطع مشيرة تخطيها، وبعد وقت. رحلت تلك السيدة ولم تراها مرة أخرى، ولم تجد مشيرة وسيلة لتخرج هذا الغضب الذي ملء صدرها سوى سيلا، فقط لأنها كانت تشبه والدها كثيرًا، أصبحت تخرج غضبها منه حين تتحدث معها، وبالرغم من صغر سن سيلا، فقد عرفت سبب معاملة مشيرة لها، وأيضًا لم ترغب أن تعترض على معاملتها لها، فقد رأت أن هذه أفضل وسيلة لتخرج مشيرة هذا الحزن الذي بداخلها، لذا فضلت الصمت.
أخذت مشيرة حقيبتها وذهبت من المنزل، حاول مازن وهدير أن يمنعها ولكنها قالت بحزن: أنا كويسة يا ولاد، بس عايزة أقعد مع نفسي شوية، خلي بالكم منها.
تركتهما وذهبت، ونظر مازن إلى هدير التي ارتسم الحزن على وجهها، فجذبها إلى أحضانه وقالت هدير: أنا زعلانة منك سيبني.
مازن: ماشي، إزعلي مني بعدين، لكن خليكي في حضني لحد ما تهدي، متقلقيش يا حبيبتي هيبقو كويسين.
هدير: تفتكر؟!
مازن: اه، أول مرة سيلا تقول اللي جواها، وحاسس إن مامتك أخيرًا انتبهت للي كانت بتعمله كل ده وهي مش حاسة.
أغمضت هدير عينيها وأمسكت بملابسه بقوة، فقط تريد أن تتخطى ما حدث الآن داخل أحضانه.
أما زافر وسيلين، فقد دخلا غرفتهما بمنزل آخر، بعد أن تركت ذلك المنزل خوفًا من الشرطة، حمل زافر الحقيبة وقذفها على الفراش، ثم أخرج منها ثيابه وبدلها، نظرت له سيلين بحزن وقالت: أنا مكنش...
قاطعها بغضب وقال: مش عايز اسمع صوتك، انا أصلًا غلطان، بس ملحوقة.
بدل ثيابه ثم أمسك هاتفه واتصل بأحد الفتيات وقال: أيوة يا ميرا، تعرفي تجيلي على البيت؟
_ ماشي، هبعتلك لوكيشن تجيلي عليه.
_ لأ مش مهم، موجودة مش موجودة مش فارق معايا كتير، يلا مستنيكي.
نظرت له سيلين بغضب وقالت: مين ميرا ديه؟
زافر: ديه واحدة تتمنى رضايا، وأنا كنت حمار وبرفضها عشانك، عشان خايف تزعلي مني، مع إنك منعاني عنك، ومع ذلك كنت بخاف على مشاعرك، لكن اكتشفت إنك مش خايفة على رقبتي اللي ممكن تطير أساسًا، عشان كده بطلت أهتم بيكي.
سيلين ببكاء: عايز تخوني يا زافر، وقدام عيني كمان؟! معقول هونت عليك للدرجة ديه؟!
زافر: زي ما أنا هونت عليكي عادي.
ترك الغرفة تحت نظرات سيلين الحزينة، هي تعلم أن العلاقة بينهما أصبحت مستحيلة، لكن هذا القلب الغادر لا يزال ينبض له، لا يعرف حبيب غيره.
نزل زافر وهو عازم على تنفيذ ما يفكر به، وبعد وقت، وصلت ميرا، وسمعت سيلين صوتهما وهما يتجهان نحو الغرفة المجاورة، هنا وقد مات كل شيء بداخلها، سمعت صوت انكسار قلبها بين ضلوعها، ومات آخر إحساس كان يمنعها من أخذ ثأرها منه، وضعت يدها على قلبها بقوة، وكأنها تمنعه من الانهيار، وانسابت الدموع من عينيها دون توقف.
أما زافر، فبمجرد أن دخل الغرفة مع ميرا، وقد تبدل حاله تمامًا، وجد جسده يرفض أن يقترب من إمرأة أخرى، هو لم يعشق سواها، يريدها أن تعود إليه، ولكن ما فعله قد دمر كل شيء، وكأن القدر أراد أن يعاقبه بألم قلبه الذي لا يتوقف، واشتياقه لها وهي أمامه كان أسوء من القتل.
بعد وقت، رحلت ميرا، ووقف زافر أمام غرفة سيلين، نظر إلى الباب بقلق، ثم اقترب ليسمع صوتها بالداخل، لكن لم يسمع شيء، فتح الباب وتفاجأ بأنها فاقدة للوعي علي الأرض، ركض إليها مفزوعًا، وحملها بين يديه وقال: سيلين.... سيلين فتحي عينك، أنا معملتش حاجة، طيب متزعليش مني، فتحي عينك طيب، إنتي عارفة إني لما بتعصب مش بشوف قدامي، خلاص حقك عليا، أنا مقدرش ألمس واحدة غيرك.
لم تفتح عينيها، فصاح بقوة ينادى على وليد، دخل وليد الغرفة ونظر إليها بصدمة وقال: حصل إيه؟
زافر: الظاهر إن حالتها فعلًا متأخرة زي ما الدكتور قال، أطلبه فورًا، وأنا هتصل بياسين يشوف حل في الموضوع ده.
ذهب وليد واتصل بالطبيب، الذي قام بفحصها وأخبر زافر أن حالتها متدهورة للغاية، ويجب أنا تزرع كلى علي الفور.
أما ياسين، عاد إلى منزله وحيدًا، مجهد من التفكير، لم يجد دليل واحد لما تفعله سيلا، تذكر حديث صادق إليه عن رغبته في عدم الإنجاب، وإلحاح سيلا بهذا الأمر مؤخرًا، هل هذا أثر على علاقتهما لهذه الدرجة؟!
سؤال اخترق عقله بقوة، ولكن قاطعه ذلك الألم الذي تخلل صدره حين تذكر نظرات سيلا الباردة إليه، أين حبيبتي؟! كيف تغيرت هكذا؟! فهو يحتاج إليها بشدة، ويخشى أن تصدق حادث خيانته لها المدبر.
قاطع هذا الشرود، صوت هاتفه يعلن عن اتصال من زافر، تنهد ياسين بحزن وتلقى المكالمة وقال: ألو.
زافر: ياسين أنا عايز منك حاجة ضروري، سيب كل حاجة إتفقنا عليها وركز في اللي هطلبه منك ده، هبعتلك تحاليل لواحدة محتاجة زرع كلى، عايز منك تدور على متبرع ليها وطبعًا مش هتستنى لما يوافق على التبرع، تعمل معاه زي ما عملت مع الاتنين اللي خدت منهم الأعضاء، وأول ما تلاقيه بلغني فورًا عشان أجيبهالك تعمل العملية.
ياسين: هي واحدة تعرفها يعني؟!
زافر بغضب: نفذ من غير نقاش ولا أسئلة، أنا مش مستحمل كلام.
أنهى زافر المكالمة، ونظر ياسين إلى الهاتف بتعجب، يبدو أنه يهتم لأمر هذه المريضة كثيرًا، ولكن توقف عند كلمة قد قالها زافر، سوف يحضرها بنفسه لإجراء الجراحة، لذا سوف يعود إلى مصر، وهذا هو كل ما يحتاجه.
هل سيتم القبض على زافر، أم هناك خطة أخرى؟!
زوجي العزيز... من أنت؟!
الفصل الرابع عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أحيانًا لا يأتي السقوط فجأة، بل يتسلل ببطء، حتى يوقظ أكثر القلوب قسوة على حقيقة لم تكن تريد رؤيتها.
حين تسقط القوة من يد من ظن نفسه مسيطرًا، ويصبح الخوف هو الصوت الأعلى، تتبدل الموازين، ويظهر الندم متأخر ًا... لكنه مؤلم.
في تلك اللحظة، لم يعد الماضي قابلًا للإصلاح، ولا الأخطاء قابلة للتبرير، كل ما تبقى هو صراع بين حبٍ ملوث بالدم، وخسارة تهدد بكشف كل شيء.
فحين ينهار الجسد، تنكشف الأرواح، وحين يقترب الفقد... يُجبر الجميع على مواجهة حقيقتهم دون أقنعة.
وهنا، تبدأ مرحلة جديدة، لا مكان فيها للسيطرة... بل فقط للحساب.
وها هو زافر يجلس أمام سيلين، ينتظر أن تفتح عيناها فقط ليخبرها أنه لم يخطئ، لم يخون، فقط كان يعاقبها، كان يظن أنها ستعود إليه إذا شعرت بأنه ابتعد عنها، لم يكن يعلم أنه يقتلها ببطء بسكين بارد، يقطع كل ما بقى بينهما.
فتحت عيناها، والألم يتمكن منها، كانت تتحمل ألم جسدها لأنها لا ترغب بالعلاج ولرغبتها بالموت، لكن ما لم تتحمله هو ألم قلبها، كرامتها التي دعسها دون رحمة.
وقعت عيناها عليه، فقالت بصوت مجهد: اطلع برا.
اقترب منها زافر والندم يأكل صدره وقال بأسف: حقك عليا، أنا مع..
قاطعته بحدة وهي تمسك بمعدتها وقالت: بقولك برا، مش عايزة أشوفك، مش طايقة اسمع صوتك، أنا بكرهك، إنت نجحت في إنك خلتني أكرهك، وخلاص مبقاش في بينا حاجة تربطنا ببعض، مش عارفة هتفهم إمتى إن جوازنا بقى زي النكتة البايخة، أكل باظ ولازم يترمي، طلقني يا زافر... طلقني.
زافر: اسمعيني بس، أنا عارف إنك من حقك تزعلي وتبعدي عني، بس أنا معملتش حاجة معاها، مقدرتش.
سيلين: إفهم بقى، إحنا حكايتنا خلصت من زمان، أنا عمري ما هسامحك على قتل بابا، ولو حتى صدقت إنك معملتش حاجة غلط مع الزبالة اللي كنت جايبها هنا وسامحتك؛ مش هعرف أسامحك، مش قادرة أسامحك، كفاية كده يا زافر أرجوك، لو فيه يوم من الأيام حبتني فعلًا.... سيبني.
نظر لها زافر بحزن، هو يعلم أن علاقتهما أصبحت مستحيلة، ولكنه لا يرغب بخسارتها، لا يستطيع الابتعاد عنها، هي الوحيدة التي ينبض له قلبه، وتشعره بأنه لا يزال على قيد الحياة، ولكن نظرة الألم التي ارتسمت على وجهها، والكملة التي نطقت بها لأول مرة :"بكرهك" كانت إعلان لاستسلام قلبه عن هذا العشق.
زافر: حاضر يا سيلين، بس مش هقدر أسيبك إلا لما تخفي، أنا بشوف موضوع العملية ده، وقريب هتعمليها، ولما تخفي هسيبك.
سيلين: مش عايزة أتعالج.
زافر: مش بمزاجك.
تركها وخرج من الغرفة، كان أصعب قرار أخذه في حياته فهو تخلى عن السبب الوحيد الذي يعيش لأجله، أما سيلين؛ فلم تعد تشعر بشيء، وكأن قلبها قد مات من الحزن والألم.
مدى الليل بمعاناته على قلوب لم يسمع شكواها أحدٌ من حولها، فقط أُغلقت على ألمها.
في الصباح، كانت مشيرة تجلس بالمطبخ شاردة، والإناء الذي على الفرن كاد أن يحترق، فهي متعبة منذ أن سمعت حديث سيلا أمس، قاطع شرودها أصوات الطرق على الباب، فانتبهت إلى الطعام الذي كاد يحترق، أبعدت الإناء على الفور، وذهبت لتفتح الباب.
وجدت صادق يقف أمامها ويحمل باقة أخرى من الزهور ويبتسم بإشراق كعادته، ولكن اختفت ابتسامته حين رأى ملامحها الحزينة فقال بقلق: مالك يا مشيرة هانم؟!
أفسحت له مشيرة الطريق وقالت: تعالى أتفضل.
دخل صادق وهو ينظر لها بقلق، فأخذت باقة الورد منه وقالت: مفيش داعي للورد كل مرة.
صادق: ديه أقل حاجة أقدمهالك، بس قوليلي شكلك تعبان كده ليه؟
قصت له مشيرة ما حدث بالأمس، أما هدير، فدخلت الغرفة عند سيلا، لكي تطلب منها أن تخرج لتناول الطعام معهما ولكنها لم تجدها، فخرجت وجلست بجوار مازن وقالت: شكلها راحت الشغل.
مازن: بدري كده؟!
هدير بحزن: سيلا لما بتزعل مش بتنام، تلاقيها يا حبيبتي تعبانة أوي، بقالها كام يوم من غير نوم، بس قولي بجد يا مازن، هو فعلًا ياسين ولا لأ؟!
مازن: ياسين، أنا إتأكدت من ده لما سافرت سيلا، المشكلة أنا مش فاهم سيلا ليه مصرة على إنه مش ياسين.
ثم صمت قليلًا وعقد حاجبيه يفكر ثم قال: يمكن عشان اللي حصل في لبنان معاه مخليها مش عايزة تصدق إنه جوزها فعلًا!
هدير: هو حصل إيه في لبنان معاه؟!
نظر لها مازن بصمت قليلًا ثم قال: لأ، ده سر الراجل مأمني عليه، بصي خلينا بس نأجل كلام في موضوع ياسين ده دلوقتي، سيلا شكلها مجهد وتعبان، النقاش معاها في الوقت ده مش هيجيب نتيجة، خصوصًا بعد خناقة مامتك. صحيح، إبقي إسألي عليها.
هدير: هعمل كده فعلًا، شوية وهروحلها.
أومأ لها مازن بالإيجاب ثم تناول طعامه وذهب إلى العمل. أما ياسين، فقد كان يقود سيارته متجهًا إلى العمل، وتلقى اتصال هاتفي من زافر، وسمع صوته يقول: بعتلك الملفات، ياسين أنا عايز الكلى ديه بأسرع وقت.
ياسين: هشوفها حاضر، بس متأكد إني مكملش في موضوعنا الأولاني ده؟!
زافر: اه، مش مهم أي حاجة تانية دلوقتي غير الكلى وبس، هستنى منك رد.
أنهى زافر المكالمة، ونظر ياسين بالملفات التي أرسلها، ووجد اسم المريضة سيلين، عقد حاجبيه قليلًا وقال: يا ترى مين سيلين ديه؟!
وصل ياسين إلى المشفى، وذهب مباشرةً إلى غرفة مرام، وجدها في غاية الغضب فنظر لها بتعجب وقال: خير على الصبح! ليه العصبية ديه؟
مرام: هي مراتك هربت؟!
ياسين: اه ورجعت مصر، بس معرفش ده حصل إزاي لحد دلوقتي، على أساس زافر جامد وكده ومحدش يخرج من تحت إيده، بس الحمد لله ربنا نجدها منه.
مرام: وطبعًا حضرتك مبسوط، ست الحسن بتاعتك رجعت، صح؟ بس متفرحش كتير، أنا مش ههنيك عليها يوم واحد.
ياسين بغضب: يا ستي هي معبراني أصلًا، وبعدين ما تتهدي بقى، خلاص تهديدك مبقاش يجيب معايا سكة، واضح كده إنك معرفتيش التعليمات الجديدة، زافر وقف العملية، وطالب مني كلى لوحدة اسمها سيلين، وقالي تنسى أي حاجة دلوقتي، ومفتكرش إنه هيهددني تاني، أصل هو دلوقتي اللي محتاجني عشان واضح إن سيلين ديه مهمة عنده أوي.
مرام بتعجب: يعني قصدك إيه؟!
ياسين: قصدي إن آن الأوان إن دكتور راغب يعرف مين الممرضة اللي غيرت العلاج في أوضة العمليات، يا أما تقدمي استقالتك وتمشي من هنا.
عقدت مرام ذراعيها أمام صدرها بهدوء وقالت: ده واضح إن قلبك قوي أوي.
ياسين: اه، وإذا كان على الفيديوهات والصور اللي معاكي مبقتش تفرق، سيلا عرفت أصلًا كل حاجة وشافتك وإنتي داخلة الأوضة عندي في لبنان، يعني تخرجي من هنا دلوقتي.
مرام: مش خايف أبلغ أنا كمان عن الأعضاء اللي حضرتك سارقها من الجثث.
ياسين: ياريت تعملي كده، عشان ساعتها زافر يقتلك بنفسه، بقولك هو اللي محتاجني دلوقتي، إنتي مش فاهمة كلامي ولا إيه!
عادت مرام إلى طاولة المكتب، وأخذت حقيبتها ثم التفتت إليه بهدوء وقالت: ماشي يا ياسين، تكسب المرة ديه.
تركت الغرفة، تحت نظرات ياسين السعيدة، فوجود مرام بالمشفى كان أكبر ضغط عليه.
وفي مكان آخر، كانت سيلا تخرج من مكتب المحامي، بعد أن رفعت قضية تتهم فيها هذا الرجل المدعي بأنه ينتحل شخصية ياسين زوجها، وطلبت من المحامي الإسراع في الإجراءات. ذهبت سيلا إلى العمل، ولم تجد ليل هناك، جلست بضيق؛ فكانت ترغب أن تتحدث معها، ولكن قاطعها اتصال مازن الذي اتصل بها على هاتف المجلة وطلب أن يقابلها.
وافقت سيلا وذهبت لتتحدث معه، بعد وقت كانت تجلس سيلا مع مازن بأحد المطاعم، ثم أخرج مازن هاتف جديد لها وقال: خدي تليفون بدل اللي ضاع، ورجعتلك الرقم بتاعك.
سيلا: شكرًا يا مازن.
مازن: على إيه! ده أنا زعلان من نفسي جدًا إني كنت السبب في اللي حصلك هناك، الحمد لله إنك رجعتي، فهميني بقى إيه حكاية سيلين ديه؟!
قصت له سيلا ما حدث بينهما ثم قال مازن: يعني هي هتساعدنا عشان نقبض على زافر؟
سيلا: اه، هي إدتني رقمها وقالتلي أبقى أكلمها وكده، استنى هكتب رقمها وابعتلها.
أمسكت سيلا الهاتف وأرسلت رسالة إلى سيلين، ثم نظرت إلى مازن الذي يقول: كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع ياسين.
زفرت سيلا بضيق وقالت: تاني يا مازن؟!
مازن: براحة بس، أنا عارف إنتي حاسة بإيه، إنتي رافضة إنه يطلع ياسين بسبب اللي عمله في لبنان صح؟
سيلا: مش هكدب عليك، اه أنا مش مصدقة إن ياسين يعمل كده، ده غير إن جوايا إحساس بالرفض من ناحيته من قبل ما أعرف موضوع لبنان ده.
مازن: طيب هو موضوع لبنان ده مش حقيقي، البت ديه هي اللي دخلت الأوضة واديته مخدر، واتصورت معاه صور يعني مش كويسة، ومن ساعتها وهي بتهدده.
سيلا بخوف: متأكد من الكلام ده؟! أنا متضايقة أوى يا مازن منه.
مازن: ياسين حكالي كل حاجة، أنا عايزك تهدي وتسمعيه.
تنهدت سيلا، وتفاجأت بأن ياسين يتحدث بجوار أذنها وقال: وحشتيني.
نظرت إليه بصدمة، ثم نهض مازن وتركهما معًا، جلس ياسين أمامها وهو ينظر إليه باشتياق وقال: لو تعرفي وحشتيني أد إيه مش هتصدقي.
نظرت له سيلا، عيناها تصدق أنه هو، لكن قلبها وروحها ترفضه، هناك خطبًا ما داخل صدرها يمنعها من أن تخرج ما تشعر به تجاهه، رفض تام أن تراه ياسين حبيبها، تنهدت بقوة وقالت: بص، أنا مش عارفة أصدق...
قاطعها ياسين وهو ينظر داخل عينيها بحب وقال: عارف إني زعلتك، بس أنا كنت مضغوط أوي الفترة اللي فاتت، يمكن ده اللي حسسك إني متغير معاكي، لكن أنا ياسين يا سيلا متغيرتش.
ظلت تنظر إليه ولا تستطيع تقبل حديثه، أما مازن فقد جلس بطاولة أخرى بجوارهما، وتلقى مكالمة من هدير وحين سمع صوتها المرتعش انقبض قلبه وقال: مالك يا هدير؟!
هدير بخوف وبكاء: ماما مش بتفتح الباب يا مازن، والتليفون بيرن جوا ومفيش أي صوت في الشقة، تعالى بسرعة عشان تفتح الباب بالمفتاح اللي معاك عشان نسيت مفتاحي، وأنا هفضل أخبط يمكن تفتح.
أنهى مازن المكالمة وتوجه على الفور إلى طاولة سيلا وياسين، وأخبرهما بما قالته هدير، وقفت سيلا تنظر إليه بصدمة، وتذكرت الحديث الذي دار بينهما أمس، ودب الخوف في قلبها أن تكون أصابها مكروه بسبب حديثها، فنهضت سريعًا، ولكن انتبهت إلى هاتفها الذي تلقى عدة رسائل، فنظرت به ربما تكون الرسائل من سيلين، ولكن توقفت للحظة وعيناها لا تصدق ما تراه.
مرام بملابس فاضحة، تجلس على فراشها الذي بعش الزوجية، وتتكء على صدر أحد الرجال العاري دون أن تظهر ملامحه، ورسالة أسفلها تقول: "حبيبك بقى ليا أنا مش ليكي إنتي."
نظرت إلى ياسين بغضب ورفعت الهاتف أمام عينيه، وخططت الصدمة ملامحها على وجهه، وقال بتلعثم: مش ده... مش أنا... ده مش أنا.
سيلا: أمال مين اللي في أوضة نومك؟!
ياسين: مش أنا يا سيلا، ديه مرام عايزة توقع بينا.
زفرت سيلا بضيق وقالت: كفاية بقى كدب.
ثم نظرت إلى مازن وقالت: يلا نروح لماما.
مازن: خليكي إنتي مع ياسين وحلو مشاكلكم وأنا هروح واطمنك، إن شاء الله مفيش حاجة.
نظرت سيلا إلى ياسين باشمئزاز وقالت: مفيش عندي حد أهم منها، اللي واقف ده لا يمكن يكون جوزى، يلا بينا.
رحلت مع مازن وتركته، وغضب ياسين يحرق صدره من الداخل، فخرج خلفهما وهو عازم على ردع مرام مهما كلف الأمر.
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل الخامس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
ليست كل الصدمات تُرى، بعضها يُحس
كطعنةٍ صامتة تستقر في القلب دون دماء.
في لحظةٍ واحدة، قد ينقلب اليقين إلى شك، وتتحول الملامح المألوفة إلى وجوهٍ غريبة لا تعرفها الروح مهما أقسم العقل.
حين تصبح الحقيقة مُلتبسة، وتتشابك الخيانة مع البراءة، لا يعود السؤال: ماذا حدث؟
بل: من أصدق؟
القلب الذي ما زال يتشبث بالأمل، أم العقل الذي يصرخ بالخطر؟
كانت تجلس بالسيارة والغضب يتطاير من عينيها، حاول مازن أن يهدأ من روعها ولكنها أجابت بغضب: أنا قولتلك وإنت مش مصدقني، ده مش ياسين، هو عارف عنه كل حاجة عشان كده قادر يخدعكم، ومش هيعرف يضحك عليا زي ما ضحك عليكو، وأقولك على حاجة كمان؛ أحسنله ميطلعش ياسين، عشان لو طلع ياسين فعلًا وبيخوني هقتله وأموت نفسي.
لم تتحمل أكثر من ذلك، فبكت وهي تنظر بعيدًا عن نظر مازن، تواري دموعها عنه، وتعالى صوت شهقاتها فحاولت أن تكتمها داخل صدرها، فتنهد مازن بحزن وقال: هو ياسين يا سيلا، ومرام بتحاول توقع بينكم.
سيلا بغضب ممزوج بالبكاء: لا، وياريت نبطل كلام في الموضوع ده، خلينا أشوف ماما، أنا مرعوبة يكون حصلها حاجة بسببي، أعصابي خلاص مبقتش مستحملة.
صمت مازن، حالة سيلا كانت سيئة للغاية، مزيج من الغضب والحزن والخوف والبكاء، والأكثر وضوحًا على وجهها؛ هو الخوف من فقدان والدتها والوضع بينهما سيء لهذه الدرجة، فقاد السيارة في صمت.
أما ياسين، فخرج من المطعم وتوجه إلى سيارته، اتصل بمرام على الفور وهو يستشيط غضبًا مما حدث، يكاد يفقد عقله؛ كيف دخلت إلى منزله؛ إلى غرفة نومه؟! وحين سمعها تتلقى المكالمة بهدوء قائلة: نعم يا حبيبي.
أجابها بغضب عارم: حبك برص، أنا عايز أعرف إنتي معمولة من إيه؟! إنتي شيطان، لا يمكن تكوني بني آدمة.
مرام: كل ده عشان عايزاك يا ياسين؟! بقيت وحشة وشيطانة، أمال مراتك اللي مش معبراك ومش حاسة بقيمتك تبقى إيه؟!
ياسين: إنتي مالك بينا، بتدخلي بيني وبين مراتي ليه؟!
مرام: عشان عايزة أعملك بالطريقة اللي تستحقها، عايزة أبقى ليك وتبقي ليا.
ياسين: وأنا مش عايزك، حلي عني بقى.
أنهى ياسين المكالمة، واتصل بزافر على الفور، فقال ياسين: أيوة يا زافر باشا، أنا عايز اشتكيلك من مرام اللي إنت باعتها ورايا ديه، أول ما اتعينت في المستشفى كانت هتموت واحد وأنا هروح في داهية، ومن ساعة ما جت وهي عمالة توقع بيني وبين مراتي، وأنا مش عارف أشتغل بسبب المشاكل اللي هي بتعملها، والنهاردة قولتلها تسيب المستشفى عشان متفتحش العين عليا وأعرف أدور في ملفات المرضى كويس عشان ألاقي الكلى، طبعًا زعلت مني وعملت بيني وبين مراتي حوار كبير، أنا دلوقتي أشتغل ولا أحل مشاكل بينا بسببها.
كان زافر يستمع إليه فقط ولا يتحدث، وعندما أنهى حديثه قال زافر: تمام، متشغلش بالك خالص، ركز بس في شغلك وملكش دعوى بحاجة تانية، وأنا هريحك على الآخر.
أنهى زافر المكالمة، ثم نظر إلى وليد الذي يقف يراقبه من بعيد فمنذ الصباح وهو يجلس بجواره بصمت، وحين رأى زافر ينظر نحوه، اقترب منه وقال: أوامرك يا بوس.
أما بالطابق العلوي، كانت سيلين تتأوه من الألم أثناء نومها، استيقظت من النوم ثم اعتدلت لتجلس بالفراش، وانتبهت إلى هاتفها الذي وجدت عليه بعض الإشعارات، فقامت بفتحها لتجد رسائل من سيلا، نظرت سيلين بالهاتف وهي تشعر بالتردد، فزافر سوف يتركها بعد أن تجري الجراحة، وأخذت تفكر؛ هل تكمل الخطة بينها وبين سيلا وتزج بزافر في السجن لينال عقابه؟ أم تكتفي بالابتعاد عنه.
وصلت سيلا عند منزل والدتها، ووجدت هدير تنتظرهما بالأسفل والقلق جالي على وجهها، ترجلت من السيارة على الفور، فركضت هدير نحوها واحتضنتها وهي تبكي، وقالت: أنا خايفة يا سيلا.
ربتت سيلا على ظهرها، تحاول أن تهدأ من روع أختها الصغرى في حين أنها في أمس الحاجة إلى المواساة الآن، اقترب مازن منهما بعد أن صف السيارة جانب الطريق وقال: متخافوش تعالو نفتح بس الباب بسرعة.
صعدو جميعًا والخوف يسيطر على قلوبهم، ويسرق أنفاسهم، ثم فتح مازن الباب، ودخلو في عجالة يركضون في أنحاء المنزل، ولم يجدوها، فقط وجدو هاتفها بمنتصف البهو، فنظر لهما مازن وقال: شكلها نزلت ونسيت التليفون.
هدير: هتكون راحت فين؟!
مازن: أكيد زمانها جاية، بس كده إن شاء الله هي كويسة مفيهاش حاجة، الحمد لله إنها بخير.
تنهدت سيلا بما كان يثقل قلبها وقالت: طيب تعالو ننزل ندور عليها، يمكن نلاقيها بشتري حاجة من مكان قريب.
نزلو معًا، ووقفو أسفل المبنى ينظرون بالاتجاهين، حتى تفاجئو بمشيرة وصادق وهما يضحكان معًا، ينظران إلى بعضهما نظرات غير معتادة بينهما، ومشيرة تحاول أن تأخد الحقيبة التي بها بعض المشتريات من يد صادق، وهو يمنعها ويضحك بقوة، ثم انتبهو إلى الوردة التي تحملها مشيرة بيدها، ظلو ينظرون إليهما والصدمة تظهر على ملامحهم، وأفواههم مفتوحة من أثرها، ثم قال مازن: هي أمك مالها يا هدير؟!
سيلا بصدمة: هما ليه شكلهم عامل زي الحبيبة؟!
هدير: وإيه اللي حماكي لابسو ده يا بت يا سيلا.
مازن: هما انحرفو إمتى؟!
اقتربا منهم وهما يضحكان ولم ينتبها إليهم وهم ينظرون لهما بتعجب، ثم وصل صوتهما لهم وصادق يقول: يا مشيرة هانم الإيد ديه مينفعش تشيل حاجة ولا تتعب، الأيد ديه تستاهل الألماظ وبس.
ضحكت مشيرة بخجل، وأبعدت وجهها عنه، لتتفاجأ بسيلا وهدير ومازن، فوقفت بصدمة واختفت الابتسامة من على وجهها، انتبه صادق لما يحدث، فنظر لهم ووقف بجوارها دون حديث، ثم حاولت مشيرة إخفاء الزهرة التي بيدها، وبعد أن حركت يدها يمينًا ويسارًا بتوتر، قذفتها بوجه صادق وأخذت الحقيبة سريعًا من يده وكادت تذهب، إلا أن أوقفها صادق وأمسك ذراعها وقال: مالك مكسوفة من إيه؟! هو إحنا بنعمل حاجة غلط!
سيلا: هو فيه إيه يا عمي؟! إيه الي بيحصل هنا يا ماما؟
كادت مشيرة التحدث، ولكن قبض صادق علي ذراعها كي يمنعها من الحديث وقال: ولا حاجة، أنا شايف إن مشيرة هانم عايشة لوحدها وأنا كمان، وبعدين هي ست زي القمر، ودمها خفيف، وأكلها حلو أوي بصراحة.
تحدثت مشيرة من بين أسنانها وقالت: صادق.
تحمحم صادق وأردف: فا قلت وإيه يعني لو نتجوز ونبقى ونس لبعض، إيه... حرام؟ ولا عيب؟!
نظرت لهما سيلا قليلًا وقالت: لا.... لا حرام ولا عيب.
ثم مدت يدها وأمسكت بيد مشيرة التي يقبض عليها، ثم جذبتها بجوارها وقالت: بس اللي عيب تتفسح وتخرج معاها كده من ورانا، وكمان هي لسه مش مراتك عشان تمسك أيديها، إحنا عيلة محافظة ومعندناش بنات تعرف شباب قبل الجواز.
مشيرة: يا سلام يا ختي، ما إنتي عرفتي ياسين قبل الجواز.
سيلا: معلش يا ماما، حضرتك كنتي عارفة وموافقة، لكن اللي إنتو بتعملوه ده من ورانا ميصحش، مفيش خروج معاه تاني غير لما يكون نفسه... قصدي يجي يتقدم....
قاطعها مازن قائلًا: ويخلص جيش.
سيلا: صح، ويخلص جيش، ويجيب شقة محترمة كده وبعدين يجي يتقدم، ويا نوافق يا منوافقش.
نظر لهم صادق وهم يجذبون مشيرة نحوهم ويجبروها على الدخول إلى المنزل وقال: جيش إيه وشقة إيه، إستني يا مشيرة، مش هسيبك، مش هبعد عنك أبدًا، محدش هيقدر يفرقنا عن حبنا.
سيلا: بعد إذنك يا عمي، تجيب ولي أمرك وتيجي تطلب إيدها.
نظرت له مشيرة وهي تدخل المبنى، قبل أن يختفي من أمامها وقالت: متنسانيش يا صادق، إوعى تسيبني أحسن يجوزوني واحد تاني غصب عني.
صادق بحزن: متخافيش يا حبيبتي، أنا هكون نفسي على طول وأجي.
مازن: والجيش يا عمي، لازم تخلص جيش الأول، غير كده مش هنوافق.
تركوه بالأسفل وصعدو بالأعلى، فتح مازن الباب وقال: إتفضلي، يا مشيرة هانم.
دخلت مشيرة وهي تنظر إلى الأرض بخجل، فقالت هدير: معقول يا ماما، عمي صادق!
مشيرة بخجل: القلب وما يريد.
هدير: قلب إيه؟! حبيتو بعض إمتى أصلًا وليه؟!
صاحت مشيرة قائلة: جابلي ورد، ولقاني زعلانة مخلانيش أقعد لوحدي، وفضل معايا لحد ما نسيت إني كنت زعلانة أصلًا ده غير إنه.... معجب بيا... إيه مش من حقي ولا فاكرين إن راحت عليا؟!
ضحكو جميعًا، ثم اقتربت سيلا منها وضمتها إليها وقالت: إحنا بس خفنا عليكي، كده تنزلي من غير تليفونك.... حقك عليا يا ماما على الكلام اللي قولته إمبارح.
أبعدتها مشيرة عنها، ونظرت إلى وجهها وقالت: حقك عليا إنتي، أنا غلطت، كنت زعلانة من أبوكي، وكل ما كنت أشوفك كنت بتفكره، وغصب عني مش بعرف أمسك لساني ولا زعلي.
سيلا: عارفة يا حبيبتي، ومش قادرة ألومك على ده، أنا حاسة بيكي وباللي كنتي فيه لما عرفتي إن بابا كان متجوز، عشان كده مكنتش برد عليكي، بس أنا الفترة ديه مضغوطة أوى.
هدير: وبقالها كام يوم مش بتنام.
جذبتها مشيرة إليها وقالت: روحو وسيبوها عندي، أنا كمان منمتش إمبارح، هاخدها في حضني وننام إحنا الاتنين.
ابتسمت سيلا لها، فهذا ما كانت تحتاجه حقًا، أن ترتمي بين أحضانها وتنام كالطفلة، قلبها مثقل بالكثير، عقلها قد شل من التفكير، فذهب مازن وهدير وبقت سيلا مع مشيرة.
حل الليل، واتصل ياسين بمازن وطلب مقابلته للتحدث معه، أما مرام فكانت تعود إلى منزلها، وعندما نزلت من السيارة، اقترب أحدًا منها على حين غفلة، وطعنها بخنجر وتركها سريعًا، لم تستوعب مرام ما حدث، فقط تفاجأت بألم شديد بمعدتها، ووجدت الدماء تنزف منها، ففقدت وعيها وسقطت أرضًا.
كان زافر يحمل بعض الطعام بيده متوجهًا إلى غرفة سيلين؛ التي لم تغادرها منذ الصباح ولم تتناول شيء، فتح الباب على حين غفلة، فوجد سيلين تأخذ دواء، وحين رأته بدا عليها الارتباك وأخفته بعيدًا عن نظره، نظر لها زافر بتعجب وهو يقترب منها، ثم وضع الصحون على الطاولة المجاورة، واقترب منها وجدب يدها بقوة، فتأوهت من قبضته ونظر بها زافر، ثم فتح عينيه بصدمة وقال: إنتي بتاخدي مخدرات؟!
جذبت سيلين الدواء من يده وقالت بحدة: أكيد مش مدمنة يعني، ده بيسكن الألم.
زافر بغضب: بس جدول أول، يعني لو فضلتي عليه هتدمنيه، إنتي بتعملي في نفسك ليه كده؟
سيلين: عشان مش عايزة أتعالج، أنا مش عايزة أخف.
زافر: ليه؟! مش عايزة تخفي ليه؟ ليه عايزة تموتي أنا مش فاهم؟!
سيلين: عشان أكسر قلبك عليا، عشان قلبك مش هيحس بالكسرة اللي اتكسرتها لما قتلت بابا غير لما أنا أبقى ميتة قدامك، وديه الطريقة الوحيدة اللي هحس بيها إني انتقمت منك وخدت حقي، فهمت ليه مش عايزة أخف؟
نظر لها زافر بحزن، لم يعد يحتمل حديثها القاسي، وكل يوم يتأكد أن ما بينهما أصبح جحيم، حرب باردة المشاعر تقتل كل ما به من عشق لها، وعلى النقيض قلبه يزداد خوفًا من فقدها أكثر.
ثم قال زافر: ما إنتي كده بتموتي نفسك عشان تنتقمي مني، طيب موتيني أسهل.
نظرت له سيلين والدموع تملء عينيها وقالت: ما أنا معرفتش أعمل كده.
نظر لها بحزن، ما هذا العشق الذي يكسوه الانتقام والألم، لم يعد يتفهم ما تشعر به نحوه، هل تكرهه أم لا تستطيع العيش بدونه؟
قاطع نظراته داخل عينيها التي يكسوها الدموع؛ رنين هاتفه، تلقى المكالمة على الفور، وقال زافر: يعني خلصت؟!
المتصل: تمام يا بوس، خدت ضربة في مقتل، مش هتقوم منها.
زافر: تمام، إبعد إنت عن البلد عشان مش عايز يتقبض عليك، ومتنساش أول ما تخرج كلمني أحولك بقيت فلوسك.
أنهى زافر المكالمة فنظرت له سيلين باشمئزاز وقالت: مخدرات برده؟!
زافر: لا... قتل، حلو كده، قولتلك مية مرة متسأليش عن شغلي، معرفش مهتمة ليه؟!
سيلين: عشان كل أما أعرفك على حقيقتك كل ما كرهتك زيادة، أنا قرفانة منك.
نظر لها زافر بغضب وكاد أن يصفعها، ولكن توقف عندما تذكر مرضها، ثم انتبه إلى وليد الذي دخل الغرفة وقال: يا بوس الراجل نفذ.
زافر وهو لا يزال ينظر إلى سيلين بغضب: عارف، كان كفاية عليها كده، عشان عصبتني.
نظرت له سيلين بخوف، ثم تركها زافر وخرج من الغرفة. شعرت سيلين بالقلق، تُرى من التي قُتلت؟ ثم تذكرت سيلا وأمسكت هاتفها على الفور لترسل لها رسالة كي تطمئن أنها لا تزال على قيد الحياة.
ثم نظرت إلى الباب الذي خرج منه زافر بكراهية، لم تعد تحتمل وجودها مع ذلك المجرم عديم القلب المشاعر ببيت واحد بعد الآن، وعزمت القرار أن تُكمل ما خططت له، فهو حتى إن تركها تذهب؛ فلن تترك مجرم طليق مثله بلا عقاب.
زوجي العزيز... من أنت؟
الفصل السادس عشر
بقلم الكاتبة / رباب حسين
في اللحظات الأخيرة، تسقط الأقنعة دفعةً واحدة، ويقف الإنسان عاريًا أمام الحقيقة التي هرب منها طويلًا.
لم يعد الصمت حماية، ولا الحب طوق نجاة، بل صار كل شعورٍ سلاحًا موجهًا للقلب.
بين خوفٍ متأخر وندمٍ يصرخ بلا صوت، تتشابك المصائر عند نقطة اللاعودة...
حيث لا ينتصر الأقوى بل من يتحمل ثمن اختياره حتى النهاية.
وحين تأكدت أنها لن تكون ضحية الوحش الذي يقطن معها بهذا المنزل وحدها، أخذت القرار الذي لطالما ترددت به... القرار الذي كان أصعب من القتل عندها... أشد من الانتقام، أن تجعله يتلقى الجزاء على ما فعل.
عندما قُتل والدها، وتلوثت يداه بدمائه، كان ضميرها يصرخ عليًا.... أين القصاص؟ أين حق والدك؟ هل تنازلتي عنه؟ هنا ودخل بقلبها الخوف من الفقد مرة أخرى... نعم أحبته، بل لم تعرف الحب إلا معه، تزوجته وصار كل حياتها، عاشت أجمل شهر بعمرها بين يديه، وحين علمت الحقيقة... كان والدها هو الثمن، فوقعت بين اختيار... إما تفقد زافر أيضًا وهذا ما كان صعب التحمل بالنسبة لها في هذا الوقت، أو تدع القدر ينتقم منه بطريقته.
ومع الوقت، اكتشفت حقيقته، رأت أنياب الغضب، علمت بأنه ليس إلا وحش، ولكن كان الوقت قد فات...
لم تجد وسيلة لتزج به خلف أسوار العدالة، ففكرت بالانتقام منه بطريقة أخرى، أن تموت ليعرف معنى الفقد أيضًا... وحين وقف أمامها وأخبرها أنها تقتل نفسها فقط لتنتقم منه... رأت حماقة ما تفعل... هي تنتقم من نفسها ليس منه، لذا أخذت القرار الذي تأخر كثيرًا، زافر يجب أن يدفع الثمن حتى لا يأذي شخصًا آخر.
قاطع ذلك التفكير رسالة سيلا والتي أخبرتها أنها بخير، ثم قالت: ليه خايفة كده؟ فيه حاجة حصلت؟
سيلين: لأ مفيش، قلت اطمن عليكي بس. أنا عايزة اتفق معاكي على الطريقة اللي هنرجع بيها زافر مصر.
سيلا: ماشي، بس ياسين هيرجع إزاي؟!
سيلين: أنا لسه معرفتش عنه حاجة، أنا الفترة ديه تعبانة شوية، بصي خلينا نتفق وأنا لو سمعت عنه أي حاجة هبلغك فورًا.
سيلا: تمام، نتفق.
كانت مشيرة تعد الطعام لهما، ثم دخلت غرفتها ووجدت سيلا تتحدث مع أحد عبر الرسائل فقالت: بتكلمي مين كل ده؟ أنا خلصت الأكل وجعانة، يلا بقى.
نظرت لها سيلا بابتسامة وقالت: حاضر، أنا كمان جعانة، مش فاكرة آخر مرة كلت إمتي أصلًا.
مشيرة: تعالي ناكل طيب وبعدين نتكلم.
عيون تحمل من الحزن ما يرهق الروح، قلبه يتألم... يشتاق، يبحث عن حبيبة النفس ودواء الجرح ولا يجدها، تراه خائن! وهو الذي لم يعرف للعشق طريق سوى طريقها، لا يرى بالكون أحق منها أن تحبه أو يحبها، وبالرغم من الألم الذي يشعر به؛ إلا إنه يعلم أن ذلك الأمر وارد بين العشاق، لكن ما لا يراه مألوفًا... هو رفضها لشخصه، تعاملها معه كأنه شخص غريب عنها، لا يرى لمعة عينيها بعشقه، ذلك العشق الذي كان يتنفس من خلاله، لحظة السعادة التي كان يشعر بها حين تضمه بحنان بعد يوم عمل طويل ومرهق، وبالأخير.... لم تعد سوى ذكرى، ذكرى يتنفس من خلالها ويشتاق إليها أكثر وأكثر، فمتى تعود أنشودة عشقه؟!
دخل مازن المقهى وبحث عن ياسين، حتى وقعت عيناه عليه وهو شارد حزين، اقترب منه وجلس أمامه، وحين قاطع شرود ياسين قال: المفروض مرام كانت خدرتك في لبنان وكده زي ما قلت، إيه بقى الصور ديه؟
أغمض ياسين عينيه بألم وقال: إنت كمان مصدق يا مازن؟! هو أنتو ليه بتتعاملو معايا على إنكم متعرفونيش؟! ده أنا محبتش في حياتي غيرها، عشر سنين مش شايف ستات غير سيلا، فجأة هخونها... وكمان في أوضة نومها! ده إيه الجحود ده؟
مازن: ما هي أكيد مدخلتش الشقة من نفسها يعني.
ياسين: هو أنت مش واخد بالك إن إحنا بنتعامل مع مافيا، ديه واحدة مجنونة مش طبيعية، سهل جدًا تفتح الباب وتدخل.
ثم زفر بقوة وقال: بص يا مازن، أنا تعبت من كتر القرف اللي أنا فيه، وزي ما حطينا الخطة سوا هنكمل سوا، خليني أقولك اللي جاي أتكلم معاك فيه وبعدين نشوف حل في موضوع سيلا.
مازن: هو فيه حاجة حصلت تاني في موضوع زافر؟!
قص له ياسين ما حدث معه ثم قال: كده المفروض مفيش عمليات تاني، ولما حسيت باهتمام زافر بحوار الكلى ده لدرجة إنه نسي انتقامه من دكتور راغب؛ عرفت إنه كده تحت درسي وهو اللي محتاجي عشان كده طردت مرام.
صمت مازن قليلًا وقال: إنت عارف إن سيلين ديه هي اللي هربت سيلا، وكمان اتفقت معاها إنه ترجع زافر مصر عشان يتقبض عليه هنا، لأنها مش عارفة تروح القسم وتبلغ إن هو اللي قتل أبوها.
ياسين بصدمة: قتل أبوها.... حماه؟!
مازن: اه، وسيلين عرفت بعد كده بالصدفة، وحاليًا عايزة تنتقم منه.
ياسين بتعجب: إيه الراجل ده! مش طبيعي بجد.
مازن: طيب كده عايزين نبلغ دكتور راغب، عشان يعرف إنه مش محتاج يتفق مع المرضى تاني.
ياسين: أنا لو فضلت أشكر فيك عمري كله مش هعرف أوفيك حقك على فكرتك ديه أبدًا، كان زماني مجرم وقاتل!
مازن: أنا عملت واجبي كظابط أولًا وكأخ ليك ثانيًا.
فلاش باك
حين سافرت سيلا إلى لبنان وتقابل ياسين مع مازن وقص له ما حدث معه بالكامل، عرض عليه مازن أن يتفق مع الطبيب راغب على تزيف موت المرضى بالعمليات، والاتفاق مع عامل غرفة الغسل، وأيضًا وضع مجسمات للأعضاء البشرية مزيفة داخل علب الحفظ حتى تطمئن مرام أن ياسين ينفذ إتفاقه مع زافر.
كانت صدمة راغب شقيق زافر وقتها حزينة للغاية، حين عرف من مازن أنه يخطط للايقاع به، فنظر إلى مازن الذي يجلس معه داخل مطعم وقال: يعني زافر عايز يضيعني بالشكل ده؟! أنا مش مصدق.
مازن: هو حضرتك عملت معاه إيه عشان يعمل فيك كده؟!
تنهد راغب وقال: بلغت عنه، لما عرفت إنه بيتاجر في المخدرات مقدرتش اسكت، وساعتها هو هرب من مصر قبل ما البوليس يوصله واتقطعت أخباره.
مازن: طيب ليه حضرتك لجأت للبوليس على طول؟! كان ممكن تحاول ترجعه عن الغلط من غير ما تبلغ.
راغب: ساعتها شفت إن ده الصح، وبعد فترة فكرت في اللي إنت لسه قايله دلوقتي، بس كان خلاص الموضوع بقى مستحيل، يمكن غلطت وقتها، كان لازم استوعب إنه صغير ومحتاج توجيه مش عقاب، بس أنا شخصية صارمة جدًا... ده طبعي، وللأسف غلطت.
مازن: دلوقتي مبقاش ينفع ندم، لازم نساعد ياسين لأن وضعه بجد صعب، والأسوء إن مراته سافرت هناك وده موضوع عامل مشكلة ليه أكبر.
راغب: طيب أنا هتصرف في موضوع المستشفى ده متقلقش، أنا هظبط جدول عمليات ياسين بنفسي، وهتفق مع ناس أعرفهم إنهم يدخلو العمليات بدل المرضى الحقيقين، وعندي ناس بيعملو أعضاء بشرية صناعية هجيب منهم وأخليها في أوضة الغسل، عشان ياسين ياخذهم ويخرج من الأوضة من غير ما حد ياخد باله.
مازن: طيب ده تمام جدًا، أنا هبلغ ياسين بالموضوع، وأي تواصل بينكم هيبقى عن طريقي.
راغب: أيوة بس بعد ما نعمل كده، زافر هنقبض عليه إزاي؟!
تنهد مازن وقال: لأ ده سؤال لسه بدري عليه، إحنا بندور على حلول وإن شاء الله هنوصله.
عودة من الفلاش باك
ياسين: أدينا وصلنا لحل، سيلين لو فعلًا قدرت توقعه وتجيبه مصر عشان العملية يبقي زافر بقى بين إيدينا.
مازن: طيب وسيلين اللي محتاجة كلى ديه؟ أكيد مش هنحطلعها عضو صناعي، هتعمل معاها إيه؟!
ياسين: هدورلها على متبرع حقيقي مش مقتول، ويارب ألاقي لأن حالتها فعلًا متأخرة جدًا.
مازن: طيب هنعمل إيه في موضوع سيلا بقى، ديه مش قابلة أي كلمة عن الموضوع ومصرة إنك مش ياسين، أنا هتجنن من الحوار ده.
ياسين: أنا عايز أتكلم معاها، خلاص زافر قالي هيتصرف مع مرام وهيبعدها عني، ساعدني يا مازن أقابلها.
مازن: بص هي عند مامتها، فا أنا هخلي حماتي تتكلم معاها يمكن تقبل منها.
ياسين: ما إنت عارف إنهم مش بيقبلو كلام من بعض.
مازن: لا ما هما اتصالح النهاردة.
ثم ضحك مازن بقوة وقال: بعد ما عرفنا إن أبوك عايز يتجوزها.
ياسين بصدمة: مين يتجوز مين؟!
مازن: أبوك وحماتك.
ياسين: الحج مش سهل برده، ما صدق مسك في الكلمة.
مازن: ليه هو أنت اللي رشحتله العروسة.
ياسين: يا عم كنت بهزر وهو ما صدق.
مازن: على العموم فرصة نصلح بينكم.
وعد مازن ياسين بأن يحاول أن يبحث عن طريقة تجمعه بسيلا كي يتحدث معها، أما سيلا؛ فكانت تجلس مع مشيرة، في جلسة صلح تأخرت لسنوات، كانت مشيرة تسمعها وبداخلها ندم عن ابتعادها عنها كل هذه الفترة، ولكن شاء القدر أن يجتمعا الآن، وربما ظهور صادق في حياة مشيرة بهذا الوقت كان داعم لها، فأحيانًا شعور أنك مرغوب ومحبوب يداوي ألف جرح سببه الحبيب.
سمعت مشيرة كل ما قالته سيلا باهتمام ثم قالت: أنا مقدرة إحساسك ده، ومعاكي حق تشكي، بس ده هروب، فيه مشكلة موجودة ولازم تحلوها سوا، أنا شايفة إنك بتهربي من المشكلة الحالية بإنك رافضة تصدقي إنه ياسين أساسًا.
سيلا: هو ممكن كان يبقى كلامك صح لو الإحساس ده جالي بعد ما عرفت موضوع الخيانة، لكن الإحساس ده من ساعة ما رجع من لبنان، أنا مش متقبلاه أبدًا، مش ده ياسين خالص، مش حاسة إن اللي واقف قدامي ده هو الراجل اللي بحبه من ١٠ سنين.
مشيرة: طيب خلينا نتكلم في موضوع الخيانة ده الأول لأن أنا محتاجة أفهم هو عمل كده ليه وعمل كده أصلًا ولا لأ، بس دلوقتي تعالي ننام شوية عشان إنتي شكلك مجهد وأنا كمان تعبانة وعايزة أنام.
أومأت لها سيلا، واقتربت منها لتنام داخل أحضانها، اشتياق حد الجنون، عودة روح لجسد أنهكه البعد، وأخيرًا.... وجدت سيلا ذلك الدفء الذي فقدته من وفاة والدها داخل أحضان أمها، فمنذ وفاته وهي تشعر بأنها لم تفقده هو وحده... بل فقدت والدتها أيضًا، وبعد ما مرت به مع ياسين بالفترة الأخيرة كانت تتألم من افتقادها لهذا الدفء... دفء الحب ممن تحب، وهل هناك مثل حب الأم بهذا العالم! ربما يكون بداية العلاج لروحها الجريحة، وتعود لذلك العاشق الوحيد.
أما ياسين، فكانت الوحدة هي ما تقتله، لم يعد يتحمل هذا المنزل البارد بعد أن فقد ونيسته، والأسوء... أنه عندما دخل المنزل تخلل إلى صدره رائحة عطر مرام، فشعر باشمئزاز لا مثيل له، ثم دخل غرفة النوم وعندما أضاء الغرفة، وجد ثوب نوم أحمر اللون على الفراش، هذا الثوب الذي ارتدته مرام داخل الصور، وبجواره رسالة منها:
" سيبته ذكرى عشان تفتكرني يا حبيبي، نمرتي معاك لو حبيت تكلمني أو تشوفني."
مزق ياسين الرسالة بغضب، ونظر إلى هذا الثوب ورفعه باشمئزاز، ثم خرج من المنزل وألقى بالرسالة والورقة بالقمامة وأخذ سيارته وانطلق بها، كان الغضب والحزن يسيطران عليه، لم يعرف أين يذهب، فظل يجوب بالشوارع دون وجهة محددة، وكأنه فقد وجهته بالحياة حين فقدها.
هل تعود إليه أم لا؟!
الفصل السابع عشر والثامن عشر من هنا
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


0 تعليقات