رواية لست قلبي الفصل الأول والثاني والثالث بقلم الكاتبة رباب حسين حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية لست قلبي الفصل الأول والثاني والثالث بقلم الكاتبة رباب حسين حصريه وجديده
تقودنا الحياة إلى دروبٍ مختلفة، نتلاقى... ونفارق، نحب... ونكره، نُرافق... ونُعادي.
ولكن مسارتنا محددة مسبقًا، ولقاءنا كان حتميًا.
حين إلتقيت بك؛ لم أدرك أنك ستكون من يسكن القلب، يغمره بفيض المشاعر التي لم يعرف لها سبيل قبلك، أنك ستخط طريقًا أسلكه مغيبة العقل؛ فقط قلبي من يقودني، والجهة كانت واحدة... أنت.
عيناك كانت المرشد، ونبض قلبك كان عزفًا تتراقص عليه خطواتي إليك، أما ابتسامتك؛ فكانت الضوء الذي ينير نهاية الطريق، فأصبحت أنت المراد، وأنت بداية الحب الذي وُلد بين يديك.
وبعد أعوام من عشق توطدت أصوله بين قلبيهما، وفي ليلة أعلنت شتاء مصر القارس، وتساقطت زخات المطر بغزارة، ليركض الناس بالشوارع يختبئون داخل منازلهم من حبيبات المطر التي ينتظرها الأطفال وراء نوافذ منازلهم في سعادة، ولكن هذه الليلة كانت الأمطار تهطل بغزارة غير مسبوقة، لتعلن حالة الطوارئ.
وفي ظل هذه الأجواء الشتوية القارسة؛ لم تمنع دعاء عن الذهاب إلى ذلك الموعد الذي حدده ليث معها، وقد أصر على حضورها على غير العادة، ولذا تعجبت دعاء كثيرًا من هذا الإصرار فعادةً ما يغمرها بحنانه المبالغ فيه، فشعرت بالخوف من هذا الإلحاح ولكنه كالعادة طمئنها بحديثه الهادئ وأخبرها أن هناك مفاجأة يريد أن يحتفل بها معها فقط.
تأنقت بثوب أسود طويل وارتدت بالطو كي يغمرها بالدفء في هذا الصقيع، لتترجل من سيارته عندما ترجل قبلها وركض يفتح لها باب السيارة ويضع فوقها مظلة لتحتمي من المطر، فنظرت له من أسفلها بابتسامتها الساحرة، وتنظر إلى عيناه التي يغمرها عشقها الأبدي، وابتسم فور رؤية وجنتيها اللاتي غمرتهما الحمرة، وانكمشت داخل ملابسها بجسدها الضئيل، فجذبها من يدها سريعًا وركضا معًا داخل المطعم الذي قام ليث بحجز طاولة خاصة لهما به.
دخلا المطعم المطل على النيل، وفور أن دخل ليث نظر النادل له بابتسامة ثم اقترب منه وهمس له داخل أذنه قائلًا: مقدرناش نحط التربيزة في المكان اللي حضرتك اخترته عشان المطر، بس قدرنا نعمل تربيزة خاصة لحضرتك جوا المطعم وزيناها بزينة خاصة إحتفالًا بالمناسبة السعيدة ديه.
ابتسم ليث بإشراق، فكان يفكر بالأمر طوال الطريق، فالطاولة التي قام بحجزها كانت تطل على النيل بشرفة المطعم الخارجية، فنظر إلى النادل بامتنان وأومأ له بالشكر.
لاحظت دعاء ما يحدث فنظرت إلى ليث بتعجب فحاول أن يشتت انتباها عن الأمر فقال: غريبة مطعم زي ده والويتر اللي فيه عايز تيبس من قبل ما نقعد.
دعاء: يمكن عنده ظرف ولا حاجة.
ابتسم ليث لها وقال: نور عيني حنينة أوي، قلبك الطيب ده مفيش زيه أبدًا، عشان كده اختارتك من بين كل الستات ديه كلها.
دعاء بمشاغبة: هو فيه ستات تانية في الدنيا؟! أنا مفيش غيري ومفيش غير ليث واحد بس.
ضغط على كف يدها بين يده وجذبها خلفه حتى دلهما النادل نحو الطاولة، ليقع نظر دعاء عليها من بعيد وتفتح عينيها بدهشة عندما رأت الزينة التي أحاطت بالطاولة بلونها المفضل الأحمر، ونظرت له ولاحظت نظراته السعيدة وهو يشاهد تعابير وجهها البريء ثم قالت: إيه ده كله يا ليث؟!
ليث: مش قولتلك هنحتفل سوا، هنحتفل إزاي من غير زينة بأكتر لون حبيبتي بتحبه.
نظرت له بحنان وقالت: كل وقت أنا ببقى معاك فيه هو عيد لقلبي، وفرحته بتفضل تغني جوايا طول ما أنا جنبك، وحتى لما برجع على البيت بيفضل فرحان زي الطفل في ليلة العيد، اللي مستني العيد يرجع لما يشوفك تاني.
ليث: ياريت ربنا يقدرني وأسعدك طول عمرك يا حبيبتي.
ثم أمسك يدها وقال: يلا نقعد.
جلسا معًا، وطلب ليث لهما الطعام، وبعد وقت كان يشاهدها وهي تتناول طعامها المفضل، ثم نظر إلى النادل الذي يقف خلف دعاء، فذهب النادل إلى الداخل، لاحظت دعاء نظرات ليث المضطربة فنظرت خلفها لتجد فتاة تنظر إليه، وفور أن لاحظت نظرات دعاء لها تحركت من مكانها تتخفى خلف أحد الأعمدة بالمطعم، فعادت النظر إلى ليث الذي ظهر عليه الارتباك أكثر، فعقدت حاجبيها بغضب وقالت: مين ديه؟! وبتبصلك كده ليه؟!
قال ليث في توتر: مين ديه؟! معرفش، إنت قصدك على مين بالظبط؟
دعاء: لو سمحت يا ليث مش بحب الطريقة ديه وإنت عارف، إنت فاهم أنا قصدي إيه وعلى مين، بتبصلها ليه؟
ليث: مش ببص لحد يا حبيبتي.
دعاء بغضب: بلا حبيبتي بلا زفت، أنا شيفاك بتبص ورايا ومرتبك، ولما شفتها اختفت من المكان، أنا لو مكنتش بخاف على منظري قدام الناس ومش بحب أعمل مشاكل لبابا كنت قمت جبتها من شعرها، لكن في الآخر إنت اللي غلطان، إذا كان قدامي وبتعمل كده طيب من ورايا بتعمل إيه؟!
حاول ليث تهدئتها فقال: أنا مبصتش على حد، إنتي فاهمة غلط، اصبري بس شوية أفهمك.
لم تسمع منه، فحملت حقيبتها وكادت تغادر ولكن أستوقفها ذلك النادل الذي يقترب من الطاولة ويحمل بين يديه صندوق مغلف بغلاف أسود وشريط أحمر يزينه من الخارج، ثم اقترب من ليث ووضعه بين يديه، ثم لمحت تلك الفتاة تراقب الموقف من بعيد، وقبل أن يتحدث النادل خطفت الصندوق من يده وفتحته عنوة، وليث يجلس ويراقب ما يحدث في صمت، لتجد بداخل الصندوق علبة مجوهرات صغيرة، نظرت لها بصدمة؛ لم تتوقع تلك العلبة، ثم نظرت إلى ليث الذي بدا يائسًا، فقالت له بصوت ضعيف: هو.... الصندوق ده لمين؟
ليث: ليكي يا مجنونة، والبنت اللي إنتي عايزة تجيبيها من شعرها ديه من محل الجواهرجي، جايبة الهدية ليكي بعد ما اتفقت مع المحل يبعتها على هنا.
أخفضت رأسها بخجل، هي غيورة ومندفعة للغاية، فنهض وهو يبتسم بخفة وأخذ العلبة من يدها ثم قال بصوته الرخيم: كنت عايز أعمل حاجة مختلفة، بس جنانك اللي بحبه طبعًا مسبش فرصة.
ثم فتح العلبة وجثا أمامها بركبة واحدة ثم رفع العلبة وهو يفتحها ليظهر بداخلها خاتم ماسي بحجر وردي اللون، تصميم عصري براق، ونطق بالكلمات التي حلمت أن تسمعها منه يومًا ما: عمري ما حبيت ولا هحب غيرك، ومش عايز عمري يخلص وإنتي مش معايا، عايزك تبقي ليا يمكن تطمني وتبطلي تغيري عليا، وعشان كده قررت أطلب منك الطلب اللي كان نفسي أطلبه منك من زمان.... تتجوزيني.
سبقت دموعها التي غمرت وجهها تعبيرًا عن سعادتها كلمة موافقة، فلم تستطع أن تنطقها فأومأت له بالإيجاب وهي تنظر له بسعادة غامرة يكسوها دموع تعبر عن فيض مشاعرها.
فوقف أمامها وسط تصفيق من حولهم الذين لاحظو ما يفعله ليث، ثم مد أنامله يزيل دموعها برقة وكأنه يتعامل مع طفلٍ صغير هش؛ يخشى أذيتها، ثم أمسك يدها ووضع بها الخاتم، واقترب النادل منها ووضع باقة من الزهور الحمراء بين يديها، ليعودا إلى الطاولة مرة أخرى، ويتحدثا معًا بلغة العيون التي تعبر عن هذا الحب الصادق فضلًا عن لغة البشر.
مر الوقت، واتقضت سهرتهما الساحرة التي كانت حلمًا لهما منذ أن تعرفت على بعضهما البعض، ثم رحلا بسيارة ليث كي يقودها إلى منزلها، وأثناء تلك اللحظة التي لم ولن تنسى من مخيلتهما، ينظر كل منهما إلى الآخر نظرة تعلن ارتياح القلب بتملك من يحب.
قاطعهما تلك السيارة التي واجهتهما بعكس الاتجاه، فقام ليث بتفادي طريقها، ولكن انحرف عن الطريق بقوة ليخرج عن المسار المحدد له، ويجد ذاته يواجه سيارة نقل كبيرة، حاول تفاديها ولكن فشل، فلم يجد سبيل سوى حماية دعاء بجسده، غمرها بين أحضانه بقوة، يكتم صرختها التي دوت بالسيارة داخل صدره، مضحيًا بنفسه في ذات الوقت الذي يتمنى أن يطمئنها كي يهدأ من روعها، يعلم أنه سيفارق الحياة لا محال، ولكن كل ما كان يشغل فكره في تلك اللحظة هو حمايتها، وإن كان سيفارق الحياة فليفعل آخر شيء يجب عليه فعله؛ أن يعترف لها أنه فداء لها، أن جسده ما كان إلا رادع لها عن كل مكروه.
أما هي فكان الخوف يزلزلها من الداخل، تصرخ بقوة لما حدث في لمح البصر، لتجد نفسها مستقرة بين يديه، فأمسكت بملابسه بقوة، وأغمضت عينيها وهي تدفن رأسها داخل أحضانه، وتفقد وعيها بعد ارتطام السيارتان، ليكون آخر ما تسمعه هو نبض قلبه الذي توقف عند تلك اللحظة.
مر الوقت، لم تعرف كم مضى، ولكن شعرت بيد تجذبها خارج السيارة، ودوي صرخات من حولها، لتفتح عينيها بإرهاق حتى رأت خيالات لرجال كثيرون من حولها، وصدى بالمكان صوت انفجار قوي، ولم تشعر بشيء آخر.
ـــــــــــــــ
تفتح عينيها ليداعب ضوء النهار جفنيها، فأخذت تغلقهما وتفتحمها بإرهاق شديد، وهناك ألم في مواضع مختلفة بجسدها، فضلًا عن رأسها المحاط بأربطة ضاغطة، لتأن من الألم بضعف، وتسمع صوت والدها المتلهف وهو يقول؛
عاصم: دعاء... حبيبتي سمعاني؟!
تحاملت على نفسها عندما سمعت صوت والدها المرتعش من الخوف، وفتحت عينيها عنوة وقالت: أنا كويسة، متخافش.
عاصم بحزن: الحمد لله يا حبيبتي، الحمد لله إنك خرجتي منها بالسلامة، أنا كنت مرعوب عليكي.
تذكرت دعاء ذلك الحادث فنطقت سريعًا متناسية ذلك الألم الذي يصدع بجسدها وقالت بألم: ليث... فين ليث يا بابا؟! جراله إيه؟
لم يجييب، فقط أخفض رأسه بحزن، لا يعرف كيف ينطق بتلك الحروف التي من المؤكد أنها ستقتلها ببطء، فإن كان ليث ضحى من أجلها كي تعيش؛ فهو يعلم أن دعاء لن تعود كسابق عهدها، فهي حية ترزق أما قلبها... فقد دفن معه، فهما عاشقان لبعضهما منذ صغرهما، فقد رُبيا معًا بسبب الصداقة القوية التي تربط عاصم وعمران والد ليث، وإن كانت صدمة دعاء قوية؛ إلا أن إنهيار صديق دربه بعد موت ولده كانت مميتة له، فلم يتحمل الأمر ومات على الفور بسكتة قلبية، ووالدته منيرة التي إنهارت في أحد غرف العناية المركزة بعد فقدانها زوجها وابنها بذات الليلة.
كان الصمت قاتل؛ أقوى من ألف طعنة بسيفٍ مسموم، وبدأ عقلها يستوعب ما لم يستطع عاصم قوله، ولم يقوى ثغرها على النطق به، فقالت بصوت يشق الصدر بألم مميت: بابا إنت أكيد... أكيد قصدك حاجة.... غير اللي أنا فهمتها، إنت مش قصدك اللي فهمته صح؟!
نظر لها عاصم ولاحظ إنهيارها، فتخلى عن ألمه الآن ليمدها بالقوة والعون التي تحتاج إليهما فقال بقوة زائفة: قضاء ربنا ونفد يا بنتي، منملكش حاجة دلوقتي غير إننا نقول.... إنا لله وإنا إليه راجعون.
هزت رأسها برفض وهي تصرخ بألم قلبها بقوة وبحديث ينبأ بالخطر على قوتها الذهنية: لأ.... لأ ليث عايش، ليث مش هيسيبني، أصله وعدني إنه مش هيسيبني، ده طلب إيدي، جابلي خاتم شكله حلو أوي يا بابا، بطلو الحركات ديه، هو لسه عامل فيا مقلب من شوية عشان يطلب إيدي، هو فين بقى؟! قوله يجي، إندهله يا بابا.
لم يتحمل عاصم أكثر، فشاح بوجهه عنها ليخفي تلك الدموع التي أعلنت إنهزامه أمام حزنها الدفين بداخلها، لتنظر إليه بحزن وقد بدأت تصدق أن ليث ضحى بنفسه ليحمي جسدها من ذلك الحادث المميت، وتصرخ بقوة ويخرج مع تلك الصرخة آخر ما تبقى من قوة تحملها، وسقطت فاقدة للوعي.
وتبقى في هذه اللحظة سؤال واحد: هل سيجد الحب طريقه من جديد، أم أن قلب أعلن إعتزاله للغرام؟
لست قلبي... الفصل الثاني
بقلم الكاتبة / رباب حسين
زلزالًا أعاد تشكيل الروح من جديد فلم يكن فقده صدمة عابرة.
حين يغيب من كان القلب يعرف طريقه نحوه دون دليل تصبح الحياة مساحة فارغة، تتحرك فيها الأجساد بينما الأرواح معلقة عند لحظة لم تكتمل.
في الصباحات التي تلي الوداع، لا يعود الزمن كما كان؛ الأماكن تفقد أسمائها، والأصوات تصبح بعيدة، والذكريات تتحول إلى سكاكين صامتة تُلامس القلب كلما حاول أن ينبض.
هنا.... لا تبدأ الحكاية من جديد بل تبدأ رحلة العيش بنصف قلب، وقبول حقيقة أن بعض الوعود لا تُكسر بل تُؤجل، وأن الحب حتى بعد الموت قد يظل يبحث عن طريقه.
توقف الزمن عندها عند هذه اللحظة التي سمعت فيها خبر وفاته، رحل.... ليس هناك ما هو أقسى من صدى هذه الكلمة على مسامعها، بل كانت نيران تلتهم كل ما بقى بها من ملامح الحياة، لم تتقبل أن ترى أحدًا بعده، بل رفضت أن تسمع شيء بعد صوت نبضات قلبه التي كانت بمثابة صوت الأمان الأخير، ذلك الصوت الذي كان ينبض باسمها مودعًا؛٠ في ذات الوقت الذي أغمض فيه عينيه مستلمًا للموت لأجلها.
تردد برأسها سؤال واحد؛ من سيحبني مثلك؟! ولم تجد الأجابة، فهي على يقين أن الأجابة ستكون: لا أحد.
لذا؛ أغلقت باب غرفتها عليها، لم تتحمل أنه دُفن وهي غائبة عن الوعي، لم تسنح لها الفرصة بأن تودعه فاختفى من حياتها كالمح بالبصر. حاول عاصم مرارًا أن يخرجها من هذه الغرفة فأبت، وحين شعرت بحزن والدها ومرضه الذي بدأ أن يشتد عليه؛ قررت أن تغادر تلك الجدران التي تشبعت بدموعها وتصدعت من صرخاتها، فخرجت إلى بهو ذلك المنزل بعد ستة أشهر، لا تزال تتذكر السعادة التي لمعت في عين والدها حينذاك، ولكن سرعان ما اختفت تلك السعادة حين اكتشف أن من تقنط معه ما هي إلا شبح ابنته، تعثرت ضحكاتها عند حافة شفتيها، فلم تجد سبيل لترتسم على ملامح ذلك الوجه الحزين، فلم يجد عاصم من يسانده في مساعدتها سوى منيرة والدة ليث، وبالرغم من حزنها هي الأخرى على فقدان أعز ما لديها بيومٍ واحد؛ إلا أنها لبت رغبة عاصم في طلب مساعدتها، فدعاء ليست مجرد حبيبة ابنها الوحيد ولكن هي من تولت رعايتها بعد وفاة والدتها فهي بمثابة بنتها.
ظلت محاولات عاصم ومنيرة إلى أن تقبلت دعاء الوضع بالتدريج ولكن كان هناك قرار بأن قلبها لن يعرف معنى الحب مرة أخرى.
بعد مرور ثلاث سنوات.
كانت دعاء تجلس بغرفتها شاردة كعادتها، أصبحت صديقة للكتب، تقرأ لتنسى كل شيء، وتفاجأت بدخول عاصم إلى غرفتها وهو يشعر بالغضب الشديد قائلًا: هو أنا مش قولتلك إني هستناكي في الشركة النهاردة.
توطت تلك الصفحات ووضعتها أمامها ووقفت بهدوء أمامه وقالت: قولتلك يا بابا مش قادرة أشتغل، مش قادرة أشوف حد.
عاصم: ما هو مش هنفضل طول عمرنا كده، ٣ سنين دلوقتي مش عايزة تخرجي من البيت، خرجتي ٣ مرات بس وده عشان تزوري قبر ليث، طيب والشركة اللي إنتي وريثتها الوحيدة مين هيديرها وإنتي حابسة نفسك هنا؟! أنا مبقتش زي الأول، تعبت من كتر الشغل، وكل يوم أقول لنفسي بكره هتفوق لنفسها وترجع تشوف حياتها.
دعاء: حياتي وقفت بعده.
عاصم: وعايزة تخلصي مني أنا كمان يعني عشان ترتاحي؟!
دعاء باندفاع: بعد الشر عليك يا بابا أنا مليش غيرك.
عاصم: طيب حسي بيا بقى وإنزلي شيلي الشغل، النهاردة فيه عشا عمل مع شركة العشري، وشركة معروف مقدمة عروض أسعار أعلى منهم، وأنا محتار مش عارف أعمل إيه، شركة معروف دايمًا بتعمل تصاميم الديكور للمشاريع الكبيرة عندي في الشركة، لكن التصاميم اللي قدمتها شركة العشري مختلفة جدًا عجباني ده غير أن أسعارهم أقل، تعالي إحضري الإجتماع معايا وقرري معايا.
صمتت دعاء تفكر قليلًا ثم قالت: بس شركة معروف بتتعامل معانا من زمان جدًا، أعتقد ريسك إنك تغيرهم فجأة وخصوصاً إنك مجربتش الشركة ديه قبل كده.
عاصم: ما ده اللي شاغل تفكيري ومش قادر أخد قرار، تعالي معايا النهاردة.
تنهدت دعاء بضيق وقالت: يا بابا أنا مش قادرة أشوف حد ولا أكلم حد.
صاح عاصم قائلًا: خلاص؛ أنا هقفل الشركة وأقعد جنبك في البيت، ونشوف حد يصرف علينا، بدل ما يقولو بنت عاصم الحلواني فشلت تدير شركة أبوها بعد ما مات.
دعاء: بعد الشر عليك يا بابا متقولش كده.
عاصم: هو قرار، هتيجي معايا ولا أصفي الشركة؟!
وضعها عاصم في اختيار صعب، لذا لم تستطع أن ترفض طلبه فقالت: حاضر يا بابا، هاجي معاك.
ابتسم عاصم في سعادة منذ زمن طويل، فلم يكن فراق صديقه عمران هين عليه، فقد تحمل العمل وحده وذلك بعد أن وكلته منيرة بإدارة حصتها بالشركة، وأصبحت دعاء الآن هي طوق النجاة الوحيد.
_______________________
في منزل يخيم عليه السكون، قصر مزين من الخارج بالزرع والأزهار الملونة، على عكس القصر من الداخل الذي طغى عليه الحزن، وذلك بعد وفاة السند القوي وابتسامته.
يجلس مالك في هدوء، ليس لأنه هادئ الطباع وإنما لرزانة تفكيره العملي الذي يخلو من المشاعر، هو يرى أن العقل هو المحرك الأساسي، هو القوة الحقيقة للإنسان، ومع هذا الجرح الذي يسكن بداخله بسبب فقدان والده؛ لم يستطع أحد الإحساس بهذا الألم الكامن بداخله.
تجلس بجواره حسناء والدته التي تملك اسم يعبر عن جمالها الهادئ، هي رقيقة القلب، تحاول أن تقف على قدميها الهشة بعد فقدان زوجها العزيز، تنظر إلى مالك بنظرات تمني، تتمنى لو تراه مبتسم وسعيد، فهو منذ صغره وهو يتسم بالقوة العقلية والتفكير المنطقي؛ ولكن خيم عليه الحزن الذي طفأ لمعة عينيه ولم يعد كمان كان، بل أصبح أكثر هدوءًا بشكل مبالغ فيه.
ثم كسر صوت حسناء هذا الصمت القاتل فقالت: سمعت إن الشركة بتحاول تاخد مناقصة من شركة معروف.
كان مالك يركز بتناول الطعام فقال بنهم: اممم.
حسناء: الشركة ديه كانت دايمًا المنافس الأول لأبوك الله يرحمه.
مالك: متقلقيش، الشركة اتحسنت كتير وبقى عندي فريق بمنتهى البراعة في التصاميم والجرافيك، فا أنا مطمن جدًا.
حسناء: ربنا يوفقك يا ابني يارب، طيب هتعرف نتيجة المناقصة إمتى؟
مالك: المفروض بكرة، بس عاصم بيه طالب يقابلني النهارده، هنزل أقابله كمان ساعتين.
حسناء: مش غريبة ديه؟!
مالك: بس ده مطمني، واضح إن العرض عجبه وطالبني عشان يطمن من ناحية الشغل، على العموم هروح وأشوفه عايز إيه بالظبط.
حسناء: نفسي أفرح بيك وأشوفك عريس زي ما أنا فرحانة بنجاحك كده.
مالك: إنتي عارفة يا ماما أنا مش بفكر فيه ده دلوقتي، أو بمعنى أصح مش عايز أرتبط وخلاص، فا شيلي الموضوع من دماغك دلوقتي.
تنهدت حسناء بيأس، مالك شخصية معقدة للغاية، لا ينجذب إلى شيء بسهولة، ومنذ وفاة والده وهو زاد تحفظًا وصمتًا، فمرضه منذ صغره جعله منطوي عن أصدقائه، حيث أن قلبه الضعيف كان عقبة كبيرة في حياته لذا لم ينخرط بين أصدقائه، لم يشارك الأطفال في اللعب بسبب الإجهاد الذي كان يشعر به، ولم يطيب من مرضه إلا منذ فترة بسيطة، لذا ليس لديه أصدقاء إلا صديقه ومدير شركته يامن.
حل الليل، وفي لقاء لم يكن متوقعًا، لقاء تأخر لسنوات، وكأنه لقاء بمثابة شفاء لما في الصدور من وحدة ويأس، كان مالك يجلس بالمطعم في إنتظار عاصم، ولكن تفاجأ عندما ظهرت من خلفه تلك الفتاة التي أسرت أنفاسه منذ الوهلة الأولى، خطفت نظرات عينيه، وتجمدت مقلتيه وهي تتفصح ملامح وجهها البريء، ورأى الحزن الذي يسكن داخل عينيها؛ الذي أصاب قلبه بالألم، وكأنه رغب أن يضمها بين يديه يخبرها بأن حزنها يصيبه بالضعف؛ فلا تحزني.
اقتربت منه بخطى مرتجفة، تنظر حولها بتوجس وكأنها تخشى نظرات من حولها، تريد الفرار من أمامهم، تتهرب من النظر إلى من حولها، عدا عندما ألتقت عينيها بعينيه عندما رأت عاصم يقترب من الطاولة التي يجلس عليها، كانت نظراته مختلفة، تربت عليها وتنظر إليها بتساؤل، أصابتها الريبة قليلًا ولكن توقعت أن يكون متعجبًا من ظهورها المفاجئ، فحاولت أن تلمم أنفاسها المضطربة، وتقدمت بقوة زائفة ووضعت يدها بين يديه تصافحه، وصوت عاصم الذي يشعر بالفخر بها وهو يقول: بنتي دعاء، مهندسة معمارية.
ظل مالك يحتضن كفها بهدوء وقال: أهلًا يا بشمهندسة، مالك العشري.
ارتجفت يدها بين يديه، تهربت من النظر إليه ولا تعرف لما هذا الإرتباك الذي أصابها، ولكن توقعت أن هذا أمر طبيعي بما إنها لم تخرج من منزلها منذ أعوام.
جلسو معًا، وبدأ عاصم يطرح أسئلة على مالك الذي يتحدث بثبات وثقة قائلًا: أنا متفهم قلق حضرتك يا بشمهندس لكن تقدر حضرتك تشوف المشاريع اللي اتنفذت في الشركة عندي، إحنا سلمنا مشاريع كبيرة في وقت قياسي، عندي في الشركة أكتر من فريق وكلهم على مستوى عالي من الجودة، بالنسبة لمواعيد التسليم إحنا دايمًا بنسلم قبل الديد لاين، وبالنسبة للجودة فهي هتبقى زي التصميم اللي تم إرفاقها بالملف، ولو حضرتك حابب تعمل أي تعديل إحنا تحت أمرك.
دعاء: الشركة عندنا بتهتم بالجودة أكتر من المظهر الخارجي، التصاميم جميلة لكن الخامات المستخدمة ديه اللي بنهتم بيها أكتر.
نظر إليها بعيون مراقبة، سمع صوتها أخيراً الذي بث السعادة داخل أوصاله فقال بثبات: تقدري حضرتك تنزلي الموقع وتشوفي الخامات المستخدمة بنفسك، ولو فيه أي ملاحظات نعدلها فورًا، ومعتقدش إن هيبقى فيه ملاحظات.
عاصم: أنا سمعت عن ثقتك بنفسك بس متوقعتش إن ثقتك عالية بالشكل ده.
مالك: الثقة ديه بسبب ثقتي بالناس اللي شغالة معايا، أنا أختارت كل واحد فيهم بنفسي، ده غير إن فيه منهم كانو زمايلي في الجامعة وواثق في قدراتهم.
نظر عاصم إلى دعاء التي أومأت له بجفينها معلنة موافقتها على قبول المشروع، فقال عاصم: طيب هي نتيجة المناقصة بكرة، ودعاء هي المسئولة عن المشروع، وهي اللي هتشرف على التنفيذ.
نظرت له دعاء بصدمة وغضب، هو يجبرها على العمل، وهذا ما جعلها تشعر بالغضب، فهي تتمالك أرتجافها الداخلي بأعجوبة عدا رغبتها في العودة إلى غرفتها منذ أن خطت أول خطوة خارج المنزل، ولكن تحاملت عل ىنفسها لأجله، لذا تنهدت بضيق مما جعل مالك يتعجب من نظراتها، فظن أنها لا توافق على العرض فقال: واضح إن البشمهندسة مش موافقة، فا مفيش مشكلة خالص ديه حاجة ترجعلكم.
عاصم: لأ مش ده الموضوع.
أمسكت دعاء حقيبتها وهمت بالوقوف وقالت: أظن كده خلصنا مناقشة، أستأذن أنا.
تركت المكان تحت نظرات الغضب المتطايرة من عين عاصم ونظرات التعجب من مالك، رحلت وهي تترك لأنفاسها المضطربة العنان ليلحق بها عاصم بغضب بعد أن أعتذر لمالك عن تصرفها وخطى بخطوات سريعة نحوها، تاركة مالك يشتعل غضبًا بداخله، فاعتبر رفضها للعمل معه إهانة شخصية له، فنهض عن الطاولة بعد أن دفع الحساب وخرج من المطعم، وأثناء سيره نحو سيارته لمح عاصم ودعاء يتشاجران بجانب السيارة، فصعد بسيارته غير مباليًا بهما، ومر بجوارهما لتتعلق نظرات دعاء به وهو داخل سيارته، ولاحظت عدم إكتراثه بما يحدث بينهما أمامه وثباته الذي لم يتزعزع أمام ما فعلته، مما جعلها تتعجب من هذا الأمر فثقته بنفسه لا تنافس.
لا تعلم ما يشعر به من غضب دفين بداخله، حتى أنه قرر الرجوع عن تنفيذ هذا المشروع فاتصل بيامن على الفور وقال: إلغي مشروع الحلواني، وشوف شركة تانية.
أنهى المكالمة قبل أن يسمع رد يامن المتوقع فمن المؤكد أنه سيرفض هذا ولكنه لم يبالي، وعاد إلى منزله وهو يرى ملامحها التي حُفرت داخل ذاكرته بدقة.
كان لقاءًا على غير المعتاد، فهل تسنح الفرصة للقاء آخر؟
لست قلبي... الفصل الثالث
بقلم الكاتبة / رباب حسين
أحيانًا لا ينتهي الحب بالفراق بل يبدأ منه. حين يقف القلب في المنتصف لا يعرف إلى أي روح ينتمي، في لحظة خوف وتردد هربت من أمامه، وقفت أمام والدها تعلن اعتراضها عن العمل معه، لتراه يمر بجوارها بثباته وشخصيتة الفريدة ليتجاوزهما بهدوء وكأنه يخبرها أنها هي الخاسرة، علقت عينيها به في لحظة توقف بها الوقت، لتتجاور الذكريات مع الخذلان في المسافة نفسها، ويصبح الصمت أبلغ من أي اعتراف. شعرت بالخيانة، هي أخذت قرارًا بألا تعشق غيره لذا هربت من هذا الشعور الذي تخللها وعندها علقت بين الإعجاب والخوف....
أما هو... فقد مر هذا اللقاء عليه وكأنه إعصار؛ عصف بكل ما به من ثبات، زلزلت حواسه بريبة غير معتادة، وحين لمست كرامته بسوء رحل وهو يحمل أكثر مما يحتمل القلب.
ومرت تلك الليلة بقرار الهروب منهما، وكأن الخوف هو طوق النجاة الذي يفصل بينهما... وشيء مكسور لن يداوى بهذه البساطة، بل هناك رحلة طويلة ليأخذ كلًا منهما القرار الصحيح. وبقى السؤال: هل هذا اللقاء كان قدرًا أم اختيارًا تأخر كثيرًا؟
في صباح اليوم التالي، استيقظ مالك على صوت يامن الذي اقتحم أحلامه بصوته المزعج عندما دخل غرفته بصياحه المعتاد قائلًا: يعني إنت تتصل بيا إمبارح ترمي قنبلة في وشي وتقفل وتيجي تنام عادي كده؟! وأنا أسهر طول الليل أفكر أعمل إيه في المصيبة اللي قلت عليها ديه.
تنهد بهدوء وجلس على الفراش ينظر إليه بنصف عين وقال: عايز إيه على الصبح؟!
صاح يامن قائلًا: لسه هيقولي عايز إيه! كلامي واضح أنا، إيه اللي مفيش شركة الحلواني ديه؟!
مالك: طيب ما أنا كلامي واضح برده، مفيش مناقصة شركة الحلواني.
يامن بصدمة: يعني رفض؟! إستحالة.
مالك: لا مرفضش أنا اللي مش عايز أشتغل معاه.
يامن: نعم؟! إنت عارف إحنا بقالنا أد إيه شغالين على المناقصة ديه؟! بلاش... عارف بقالنا أد إيه بنحاول ناخد شغل في شركة الحلواني؟!
نهض مالك من الفراش وهو يقول: وأنا مش هشتغل مع حد بيقل مني ومن كرامتي.
يامن: مش فاهم، هو قالك إيه ضايقك كده.
مالك: إنزل بس إستنى على الفطار وأنا هاخد دش وألبس وأجيلك.
تنهد يامن وقال: حاضر، بس متتأخرش، نتيجة المناقصة النهاردة.
في هذه الغرفة التي يغلب عليها اللون الأبيض تجلس دعاء بفراشها تنظر إلى الفراغ بصمت، تتذكر ذلك اللقاء العجيب، هناك شعور غير معتاد بداخلها، ليس حب ولا إعجاب، بل وكأنها تعرفه ولم تراه منذ وقت طويل، تتذكر كيف كان يتحدث، صوته الذي يتسم بالرزانة لا يزال يتخلل عقلها، ثم تذكرت ما قاله عاصم قبل أن يصعد بالسيارة غاضبًا بالأمس: "إنتي إزاي تقللي مني قدام الناس، وكمان أحرجتي الراجل جدًا وأنا سامع إنه مش بيتهاون في أي إهانة ليه، المناقصة ديه هتوفرلي ملايين، ولو ضاعت مش هيحصلك كويس، من بكرة تصلحي العك اللي إنتي عملتيه ده ومش مشكلتي إزاي."
أغمضت عينيها بضيق، فلابد أن تعتذر له بينما رغبتها في الهروب من رؤيته تدفعها أن تلجأ لحل آخر، فظلت تفكر بطريقة أخرى لتعتذر له عن طريقها.
أما يامن فكان يجلس مع حسناء يخبرها بما قاله مالك بالأمس، فقال بضيق: يعني يا طنط بقالنا كام سنة بنحاول ندخل في مناقصة زي ديه، وحضرتك عارفة إن شركة معروف مش سايبة فرصة لحد غيرها في السوق، ومالك عمل تطور رهيب في التيم بتاع التصميم وده اللي عمل طفرة في الشغل، ليه يرفض الشغل بعد كل ده؟!
حسناء: معرفش يا يامن، ده كان بيحارب عشان المناقصة ديه.
يامن: أنا مبقتش عارف أتعامل معاه خالص يا طنط من ساعة اللي حصل.
حسناء: أيوة، موت أبوه بالشكل ده أثر عليه بشكل مش طبيعي، ده كان هيموت وراه لولا ربنا سترها وقدر يعمل عملية القلب، وبعدين متنساش إن موته مشكوك فيه لحد دلوقتي.
يامن: عارف يا طنط وعذره جدًا، بس هو قالي أنا عايز أحقق اللي بابا كان نفسه فيه، وتعب جدًا عشان الشغل فا ليه يضيع تعبه وتعبنا معاه؟!
هنا وتدخل مالك بالحديث عندما هبط من ذلك الدرج وسمع حديثهما فقال: ما أنت لو عندك صبر شوية كنت قولتلك.
وقف يامن أمامه وقال: طيب فهمني، ويارب يكون السبب مقنع.
تناول مالك قطعة من الخيار وقبل وجنة حسناء ثم قال: تعالى معايا في الطريق ونتكلم عشان عندي إجتماع الصبح.
ثم تحرك ولحق به يامن وهو يقول: إجتماع إيه؟! مش المفروض نروح نشوف نتيجة المناقصة؟!
مالك: ما هو حتى لو قبلو بالعرض؛ وهما هيقبلو فعلًا، قولتلك أنا مش هشتغل معاهم.
يامن: طيب فهمني السبب يمكن نلاقي حل.
صعد بجواره داخل السيارة وفي الطريق كان مالك يقص له ما حدث، أما عاصم فدخل غرفة دعاء ووقف أمامها قائلًا بحزم: النهاردة إعلان النتيجة، قدامك ساعتين، لو مالك العشري محضرش الإعلان متزعليش مني.
ترك الغرفة ودعاء تنظر إلى أثره بصدمة، ثم انتفضت من الفراش تدخل إلى المرحاض حتى تستعد إلى الخروج بسرعة، تسابق الزمن حتى تذهب إلى شركة العشري، ولكن لا تزال لا تعرف كيف تعتذر له.
وصل مالك وهو يحاول الهروب من ثرثرة يامن الذي يلح عليه في العدول عن قراره، محاولًا إقناعه بأن ابنة عاصم لا تعمل بالوقت الحالي وربما رفضت لهذا الأمر وليس إعتراضًا على شخصه.
دخل مالك غرفته متحدثًا إلى السكرتارية مخبرًا إياها أن تحضر له القهوة وتطالب بعمل إجتماع ضروري لإبلاغ المهندسين أن الشركة سوف تبحث عن مناقصة كبرى أخرى.
وأثناء الإجتماع وصلت دعاء الشركة وأخبرت السكرتارية بأنها ترغب في مقابلة مالك العشري، ولكن السكرتيرة روان قالت: بس بشمهندس مالك في إجتماع وحضرتك مخدتيش معاد معاه.
دعاء: طيب هيطول في الإجتماع؟
روان: الإجتماع طارئ معرفش هيناقشو إيه، تقدري حضرتك تحددي معاد معاه تاني.
دعاء: لأ أنا لازم أقابله ضروري، طيب ممكن تبلغيه بس إني طالبة أشوفه خمس دقايق بس؟
روان: مع إنه عادةً بيرفض بس هحاول عشان باين على الموضوع مهم.
دعاء: شكرًا.
أومأت لها بابتسامة ثم دخلت غرفة الإجتماعات، لتقطع نظرات مالك الذي ينظر إلى المهندسين من حوله وأحدهم يقول بحزن: بس يا بشمهندس إحنا بقالنا كتير شغالين على المشروع.
نظر له يامن بضيق ثم حول نظره إلى مالك الذي لاحظ نظراته إلى روان التي تقترب منه وهمست داخل أذنه قائلة: دعاء الحلواني بتطلب تقابل حضرتك ضروري ومستنية برا.
عندما سمع اسمها نظر أمامه بشرود، لا يعلم لما تذكر تلك النظرة الحزينة التي ترتسم داخل مقلتيها، ليأن قلبه مجددًا ولكن نفض صورتها من رأسه على الفور وقال: قوليلها تاخد معاد وتيجي تاني، أو تستنى لحد ما أخلص.
أومأت له روان وخرجت من الغرفة لتخبر دعاء بالأمر، أما مالك فقد كان على يقين أنها جاءت لتعتذر، ولكنه فضل أن يتركها قليلًا حتى لا تشعر بلهفته على المشروع.
نظرت دعاء إلى روان بحزن، ثم نظرت بالساعة تخبر نفسها بأن ليس هناك وقت، لذا عادت النظر إلى روان قائلة: هستناه.
مر نص ساعة من التوتر ثم انتهى الإجتماع، وخرج المهندسين ويبدو على وجوههم الحزن حتى سمعت أحدهم يقول: يعني يوم ما نتقبل في الشغل نرفض إحنا.
مما دب الخوف في قلب دعاء أكثر، ليظهر مالك أمامها عندما خرج من الباب، وتفاجأ عندما وجدها لا تزال في إنتظاره، فوقف أمامها وقال: ليه استنيتي؟! كان ممكن تاخدي معاد تاني.
دعاء: معلش أنا محتاجة أتكلم مع حضرتك دلوقتي لو مفيش مانع.
أشار لها نحو غرفته وقال: إتفضلي.
ذهبا معًا، ثم اقترب يامن من روان قائلًا بهمس: مين ديه؟!
روان: دعاء الحلواني.
فتح يامن عينيه بصدمة، ترتسم السعادة على وجهه داعيًا الله بأن يهدي مالك ويوافق على المشروع.
كان مالك يجلس على مكتبه ويراقب نظرات دعاء المضطربة، ثم قطعت توترها قائلة: أنا جيت أعتذر عن الطريقة اللي مشيت بيها إمبارح، بس عايزة حضرتك تبقى متأكد إني مش معترضة على العمل معاك شخصيًا بالعكس ديه حاجة تشرفني جدًا، خصوصًا إني عرفت مدى التطور اللي عملته في الشركة. من ساعة ما بقيت مسئول عنها بنفسك، لكن إعتراضي عن العمل بسبب مشاكل شخصية ملهاش أي علاقة بيك.
مالك: بس ده مش بروفيشنال خالص يعني أنا راجل عملي مش بدخل المسائل الشخصية في الشغل.
شعرت دعاء بالضيق من حديثه ولكن لا مفر يجب أن تتحمل نتيجة خطأها فحاولت أن تتحدث بطبيعتها دون إظهار ما تشعر به ثم قالت: أكيد طبعًا، بس أوقات بيحصل حاجات خارجة عن إرادتنا، وأنا الفترة اللي فاتت كنت بعيد عن الشغل عشان كده مكنتش عايزة أمسك مشروع كبير زي ده.
لاحظ مالك أن طريقة. حديثه بها إهانة فحاول أن يصلح ما قاله: اه فهمتك، لأ كده يبقى فيه وجهة نظر أكيد، على العموم المناقصة لسه مظهرتش نتيجتها، ولو كسبناها إن شاء الله نشتغل مع بعض.
دعاء: أنا بس عندي طلب.
مالك: إتفضلي.
دعاء: ممكن حضرتك تيجي معايا دلوقتي نحضر إعلان نتيجة المناقصة؟
نظر مالك بساعته وقال: بس مفيش وقت ده فاضل تلت ساعة.
دعاء: بابا إتضايق من تصرفي مع حضرتك إمبارح وطلب مني إنك تحضر النهاردة، وأنا مش عايزاه يزعل مني، فلو حضرتك معندكش مواعيد تانية ياريت حضرتك تيجي معايا.
وافق مالك وذهب معها خارج الشركة، تحت نظرات يامن الذي شعر بالسعادة عندما وجده يتوجه إلى الخارج معها، صعدا بالسيارة وكانت دعاء تجلس بجواره داخل سيارته، وأثناء القيادة قالت دعاء: مبقاش فيه وقت كتير.
زاد مالك من سرعة السيارة، وفتحت دعاء عينيها بصدمة، تتذكر ذلك المشهد من تلك الحادثة التي غيرت حياتها كليًا، ولم يلاحظ مالك ذلك بل ظل يقود السيارة متجاوزًا السيارات التي أمامه وهو يبدل الحارات على الطريق، انقبض قلب دعاء بشدة فكلما اقترب من سيارة أمامه وانحرف بجانبها قبل أن يصطدم بها، كان يهوى قلبها بين قدميها، حتى تذكرت ذلك المشهد عندما وجدت السيارة تقترب من أمامهما، وأصوات إحتكاك الإطارات بالأرض تعبث داخل عقلها بذكريات حاولت مرارًا دفنها، حتى أنها تذكرت رائحة إحتراق الإطارات، أغمضت عينيها بقوة، وأمسكت بيد مالك التي يتكأ بها على المخدع بينهما، فنظر لها مالك بدهشة، ليجد نظرات الرعب على وجهها، والدموع تتساقط على وجنتيها وهي تغمض عينيها بقوة، فشعر بانقباض قلبه وصف السيارة سريعًا ناظرًا إليها بقلق، وقال: دعاء... فيه حاجة؟! حاسة بحاجة؟!
قالت من بين انفاسها المتلهفة، وصوتها المرتعش بسبب عقلها المحاط بالذكريات الآن، تذكرت آخر نظرة رأتها داخل عين ليث، وسمعت نبضات قلبه الأخيرة، فهمست وهي لا تزال تقبض على يديه: متسبنيش.
لا يعلم ما حقيقة ما شعر به الآن، لم يفهم لماذا ارتجف قلبه هكذا، ولا لماذا شعر أن خوفها مسؤولية سقطت فجأة فوق صدره، ولكنه ظل يتأمل خوفها وحزنها وهو يترنح بين قلبه وعقله، ولكن في هذا الوقت لم يستطع عقله السيطرة عليه كالعادة، بل تحدث القلب أخيرًا بما لم يفصح به من قبل، ليصدع بنبضات تزلزل كيانه بقوة، ولم يعد هناك رغبة لديه سوى أن يضمها بين ذراعيه مطمئنًا إياها.
يتبع...
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


0 تعليقات