رواية البريئه والوحش الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرون بقلم أميره عمار حصريه وجديده

رواية البريئه والوحش الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرون بقلم أميره عمار حصريه وجديده 

رواية البريئه والوحش الفصل السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر والعشرون بقلم أميره عمار حصريه وجديده 


رقيقة القلب جدًا..

مُفرطَة الحِسِّ والشعور،

أبسطُ الأشياء تُرضيها، وأقلُّ الكلمات تُؤذيها..

كتومة.. تمزُج الحُزن والفرح في آنٍ واحد..

عفوية  للحدِّ الذي لا حدَّ له.. لدرجة أنَّ العفوية العالِقة في جُدران رَوحِها  ترفُضُ وبِشدَّة للطفلِ البريءِ الساكنِ داخلَها أن يمرَض أو يكبُر لحظةً  واحِدة..

تُشبِه الشعور الأوَّل مِن السعادة الذي يجعلُكَ تتمايل وتُغنِّي دونَ إرادة مِنك..

ولا يَعلمُ سِرُّها سِوى مَن سَرَّها

❈-❈-❈

نظر الرجل لفارس موجهاً إليه حديثه وهو يقول:

-تحب تطلب إيه يا مستر فارس

قام فارس من مكانه وهو يمسك كف نغم بين يديه حتى تقوم هي الأخرى قائلاََ:

-لاء إعذرني يا كارم أنا هستأذن..لسه عريس جديد بقى

قالها بهدوء وهو ينظر لسليم الذي لم يغفى عن نظراته لنغم

نظر سليم على الأرض بخجل عندما وجه إليه نظراته وعرف أنه رأه وهو ينظر إليها

صدمت چومانة من جملته الأخيرة وخرج صوتها مبحوح من أثر الصدمة وهي تقول:

-إنتَ إتجوزتها؟

-اه وإحنا هنا بنقضي شهر العسل

بارك له كل من كان على الطاولة ماعدا چومانة التي نظرت إليها بغضب شديد وغيرة ومن ثم قالت له:

-أووه إنتَ من محبين التعدد يا فارس؟

شعر إنها النهاية الآن فبماذا يقول أو يرد عليها،فهي تعلم بزواجه الأول،فها قد وقعت يا فارس ولم يسمى عليك أحد

نظر  إليها بطرف عينيه وجدها تنظر إليه منتظرة هي الأخرى إجابته ولكن بنظرات  إمرأة ترغب في معرفة جواب زوجها بذلك الموقف لا أكثر،ظنته سؤال برئ موجه له  من تلك الأفعى

أخذ نفساً عميقاً حتى يجلب ثباته الذي فقده من جملت "جومانة"....وحاول أن يبعد توتره

الذي أصابه الآن بعيداً

عاد بأنظاره إلى جومانة مرة أخرى وهو يشتد على كف نغم الممسك بكفه قائلاََ بثبات يُحسد عليه وبشدة:

-نغم عندي بالأربعة يا جمانة

نظرت إليها بإستحقار وإزدراء وجاءت لتفتح فمها حتى ترد عليه رداََ لازعاََ

وتخبره أنه يتسلى معها فقط ليس إلا

وبالأخير سيعود لزوجته الأولى

ولكنه وجدته يسحبها من كفها مغادرين المكان بعدما ألقى جملته الأخيرة:

-عن إذنكم

❈-❈-❈

جالسة على فراشها بعدما أبدلت ثيابها التي كانت بها في النادي،تمسك هاتفها بيديها

مترددة في مهاتفته...لا تعلم لما زعل منها

وتركها وغادر،فهي كانت متوترة للغاية من

جلوسهم أمام أخيها وكانت تخشى أن تُخطئ بشئ ويعلم أخيها من خلاله أنها على معرفة به من قبل

لا تزال تتذكر نظرات رقية لها عندما عادوا من الكافتيريا ووجدوا مكان "مازن" خالي

شعرت من أنظارها أنها تعلم أن بينهم شئ

لحظة... وهل في الأساس بينهم شئ؟!!

تنهدت بضيق من أفكارها التى عصفت بذهنها

وأعادت أنظارها للهاتف مرة أخرى...أغمضت عيناها لبرهة ومن ثم فتحتها قبل أن تضغط على أيقونة الإتصال قبل أن تعود بكلامها

وضعت الهاتف على أذنها اليمنى منتظرة صوته

ولكن توقفت الصفارة عند المرة الثالثة

أخفضت الهاتف ليصبح أمام مرمى عيناها بإستغراب وقد أصاب حدسها وبالفعل هو من أنهى الإتصال

ضغطت على أيقونة الإتصال مرة أخرى ولكن تلك المرة بعصبية شديدة ووضعته على أذنها مرة أخرى

وها في تلك المرة جائها صوته الهادئ وهو يقول:

-نص ساعة وهكلمك يا لين...قاعد مع صحابي برة

كلماته كانت كالسحر على قلبها،هدأت تماماً على عكس حالتها عندما رفض إتصالها كما كانت تظن بسبب زعله منها

ردت عليه هي الأخري بصوت هادئ وابتسامة رقيقة:

-ماشي يا يونس متتأخرش عشان هنام

-نص ساعة بالظبط...يلا باي

-باي

أنزلت الهاتف من على أذنها وأغلقت الإتصال

وهي تريح ظهرها على مسند الفراش ناظرة لسقف الغرفة

لا تعلم كيف وصلت لتلك الحالة معه وهي لم تكن على معرفة به إلا منذ القليل من الوقت

لا تعلم ماهية شعورها تجاهه ولكنها تكون سعيدة وهي معه،ولا ترغب بإنتهاء مكالمتهم التي تأخذ الليل بأكمله...

صوته يربكها وهدوئه المبالغ به يذيبها

أصبحت  لا تفعل شئ سوى التفكير به،يومها محصور عليه هو فقط....يروق لها شخصيته  الأخاذة وكلامه المعسول الذي يغرقها به بعد أيام قليلة من معرفتهم ببعضهم

إهتز الهاتف بين يديها فنظرت له وجدت يونس الذي يهاتفها...إبتهج وجهها وثار قلبها

فهو لم يُكمل العشر دقائق وهاتفها،بعدما أخبرها أنه سيهاتفها بعد مرور نصف ساعة

ضغطت على زر الإستجابة سريعاََ ومن ثم وضعت الهاتف على أذنها صامتة حتى أتاها صوته الهادئ الذي به لمسة كسل قائلاً بتساؤل:

-إيه يا لين كنتي بترني ليه في حاجة؟

صمتت قليلاََ بإرتباك من سؤاله الذي وترها

لم تتوقع أن يسأله لها حتى،فهي إطمأنت عندما حدثها بهدوء في المكالمة التي كانت قبل تلك ولكن حديثه الآن يدل على حزنه منها

حمحمت حتى تستجمع شتاتها ثم قالت بنبرة متسائلة بحزن جلي:

-إنتَ زعلان مني يا يونس؟

-لاء يا لين مش زعلان....هزعل منك ليه؟

قالها بهدوء شديد ثم أنهي حديثه بتساؤل

-عشان الموقف اللي حصل في النادي

هز رأسه بالنفي وكأنها تراه وقال بعدها بلامبالاة:

-لاء طبعاً هزعل ليه...إنتِ حرة

-يونس لو سمحت متكلمنيش بالطريقة دي

-طيب يا لين سلام عشان سايق

أردفت لين بحزن على ما وصلوا إليه:

-مش هتكلمني تاني ؟

أغمض  عينه قليلاََ حتى يستجمع نفسه،نبرة صوتها تلك تفعل به الأفاعيل...لا يعلم  أخرة تلك المشاعر التي تداهمه بقربها...لا يريد مفارقتها أبداً،يريد أن  يعلم ماذا تفعل في يومها من بداية إستيقاظها حتى خلودها في النوم

ولكنه جرب كثيراً تلك المشاعر مع العديد من الفتيات،لم يكن قسيس أو زاهد في الفتيات

بل لهىٰ ومرح مع كل أنواع النساء التي من الممكن تخيلها...كان يترك هذه ويذهب لأخرى ويتغزل بتلك ويصب عشقاً بالأجمل

تنهد بضيق من نفسه ومن أفكاره فهو لا يريد أن يلعب بها فهي في الأول والأخر تكون أخت "أحمد" ،لا يريد أن يؤذي شقيقته بحياتها

أخرجه من دوامته تلك صوت إغلاق الإتصال بينه وبينها

أنزل الهاتف من على أذنه بإستغراب وجدها بالفعل قد أغلقت الهاتف

زفر بضيق شديد ورمى الهاتف على تابلو السيارة بعنف

أما هي فإرتمت على الفراش بعدما أغلقت الهاتف معه وأجهشت في البكاء

إعتادت عليه وبشدة،إعتادت على حديثه ووجوده معها بتفاصيل يومها

كان تسأله السؤال وهي تخشىٰ أن يجاوب عليه ويقول بالفعل لم يعد يحدثها أبداََ

ولكنه فاجأها بصمته الذي دل على حديثه الذي يريد قوله

أغلقت الهاتف سريعاً قبل أن يصدمها برده الذي لم تستحمل سماعه منه أبداََ

❈-❈-❈

يجلسون على طاولة دائرية مطلة على النيل

موضوع عليها ما لذ وطاب من الطعام

تتناول طعامها بِنَهم وإستمتاع شديد

أما هو فكان لا يفعل شئ سوىٰ النظر إليها بشرود

خائف لا يعلم كيف يقول ذلك ولكنه حقاََ خائف

فتلك الفتاة التي تجلس أمامه رقيقة لأبعد حد

عقلها صغير لا يتحمل المؤامرات ولا التلميحات الخارجية

اليوم خاصةً شعر بحقارة نفسه،علم حقاََ أنها

كانت  ضحية لديه...فچومانة قالت بطريقة غير مباشرة أنه متزوج من قبل،ومن برائتها  لم تفهم حديثها!!!...بل نظرت إليه حتى تستمع إلى إجابته على سؤال چومانة  الذي لم يكن سؤال بقدر ما كان تهكم منها على زواجه من إثنين

كان يقف وقتها كل خلية به ترتجف من الخوف

وكرد سريع منه جاوب على سؤالها بإجابة مُرْضية لنغم ومن ثم أخذها وغادر المكان قبل أن تتعمق چومانة في الحديث

لم يتخيل يوم أن تكون حياته معها على المُحك هكذا،فهى إن علمت بزواجه بالتأكيد ستتركه ليس هناك إحتمال أخر

ولكنه يريد أن تعلم منه هو وليس من أحد غيره حتى يخفف من حدة الموضوع ويلطف الوضع بكلمتين منه

رفعت نغم أنظارها من على الطبق التى كانت تأكل منه بنهم وجدته ينظر إليها بشرود وطبقه كما كان لم يمس منه شئ

هتفت بإستغراب وهي تهز رأسها لأعلى حتى ينتبه لها:

-في إيه يا فارس سرحان في إيه

-فيكي

خرج رده سريع بصوت هادئ وابتسامة رقيقة مرسومة على وجهه

إبتسمت هي الأخرى ولكن إبتسامة أكثر إتساعاََ منه وقالت:

- إنتَ مكلتش حاجة خالص

-مش جعان

-الأكل طعمه جميل بجد...دوق وقول رأيك

أنهت حديثها وهي تغرس الملعقة بالطبق الموضوع أمامه ومن ثم رفعتها لمستوى فمه

فتح فمه قليلاََ وتناول ما بالملعقة...أخرجتها نغم من فمه بعد إلتقاطه ما بها ووضعتها في الطبق مرة أخرى قائلة بتساؤل:

-ها أيه رأيك

جذب يدها اليمنى ورفعها على شفتيه...قبلها قبلتين رقيقتين ومن ثم أردف بإبتسامة:

-المُر في إيدك عسل يا نغم

أسبلت عيناها بخجل وهي تجذب يدها منه

ناظرة لأسفل

إبتسم عليها قبل أن يقول بمزاح:

-إوعي تقولي إنك مكسوفة مني...دي تبقى مصيبة في حقي والله

فلتت ضحكة من بين شفتيها على طريقته

قبل أن ترفع رأسها له وهي تقول مُبدلة الموضوع:

-كنت سرحان في إيه بقى مقولتليش

-فيكي واللَّه

-وسرحان فيا وأنا قاعدة جمبك ليه بقى يا أستاذ

أبعد بصره عنها ناظراً للنيل من خلفها قائلاََ:

-خايف تبعدي عني

ثم إستكمل حديثه وهو يقول بهدوء:

-مكسوف وأنا بقولك إني خايف تبعدي عني وببينلك نقطة ضعفي...بس أنا خايف فعلاً يا نغم

نظرت إليه بإستغراب من حديثه وحزنه الواضح على وجهه قبل أن تقول:

-بس أنا عمري ما هبعد عنك يا فارس...أنا مليش غيرك في الدنيا ولا أعرف حد غيرك

-وأنا مش عاوز من الدنيا غيرك

❈-❈-❈

يقبض على مقود السيارة بغضب شديد من حديثها المزعج بهذا الوقت تحديداً،فهو حتى الآن لم يستوعب أنه رأى "مازن" أمام عينه

بعد كل السنين التي مرت...كان يريد أخذه بأحضانه يخبره كم إفتقده وبشدة وكم إفتقد

لمتهم سوياََ

قرأ في عينيه الحزن والوحدة،كان يريد شخص يخفف عنه ما به...يعلم كم يعشق "مازن" والدته ويعلم كم يعاني من تعبها

وخاصة أنه سأل على غرفتها وإستفسر من الطبيب المعالج لها عن حالتها الصحية

وكانت الصدمة أنه أخبره أن "شمس" تقضي أيام بتلك الحياة وستغادر

حزن على حال من كان أخاََ له في يوم من الأيام،كان يريد العودة إليه وأخذه بين أحضانه

يخفف عليه ما به ولكنه خشىٰ من زعل "فارس" إن علم

خرج من تفكيره على صوت رانيا الغاضب وهي تقول بأعلى ما لديها:

-هو أنا كلبة بهوهو ما ترد عليا يا زين

نظر إليها بطرف عيناه بعدما تنهد بضيق قائلاََ:

-رانيا أنا دماغي وجعاني عشان خاطري ما تتكلميش كتير عشان رد فعلي مش هيعحبك

واحدةً غيرها كانت سمعت الكلام من هنا وصمتت،ولكن ليست "رانيا" من تفعل ذلك

جزت على أسنانها بعنف وقالت:

-هتعمل إيه يعني وريني رد فعلك ده

ثم إستكملت حديثها بتستنكار:

-ده بدل ما تعتذر على اللي إنتَ عملته معايا جاي تشخط وتنطر!!

رد عليها بإستغراب وهو يقول:

-عملت معاكي إيه... إنتِ هبلة؟!

-ما إنتَ لو كنت سامعني من الأول كنت هتعرف عملت إيه بس ساعدتك مطنشني

زفر بغضب شديد ومن ثم قال بتحذير:

-رانيا إسكتي عشان خلاص مش قادر أتمالك أعصابي

-إنت غلطان وبتبجح كمان يا زين!!....مش كفاية سبتني قاعدة في أوضة الكشف لوحدي ساعة وكل ما أرن على حضرتك تكنسل عليا

-قولتلك كان معايا واحد صحبي بكلمه في حوار مهم

-مردتش عليا وقولتلي كده ليه بدل ما أنا كنت قاعدة في نص هدومي قدام الدكتورة

أوقف السيارة أمام بيتها دون أن يرد عليها

ومن ثم فتح باب السيارة ونزل منها متجهاً إليها،فتح الباب الخاص بمقعدها وحملها مرة أخرى حتى يدخلها إلى داخل المنزل

رفعت أنظارها له وجدت وجهه مكفر من الغضب

فصمتت وهي تتوعد له

❈-❈-❈

في يوم جديد،أشرقت شمسه على جميع أبطالنا

نجد سارة مرتدية ثيابها وهابطة إلى أسفل

وجدت الجميع مجتمع على مائدة الطعام

ألقت السلام عليهم وجلست بجوار لين

لتتناول فطورها هي الأخرى

نظرت لها لين بتساؤل وهي تقول:

-لابسة وراحة فين يا سارة

-راحة النادي هقعد مع مها شوية

ثم إستكملت حديثها وهي تقول:

-إرتاحي إنتِ النهاردة انا هاخد مالك معايا أوديه تمرينه

هزت لين رأسها بنفي قائلة بلهفة:

-لاء لاء سبيه أنا هاخده وأروح لأني مخنوقة وعاوزة أخرج شوية

نظر لها إبراهيم بقلق أبوي قائلاََ:

-مالك يا حبيبتي مخنوقة من إيه

-بزهق من القعاد في البيت يا بابا

إبتسم لها محمد وهو يقول:

-طب بالمناسبة انا عندي ليكي خبر بمليون جنيه

نظرت لين له وقالت متسائلة:

-إيه هو يا جدو

-لقيتلك شغل هايل في مستشفى خاصة على مستوى عالي أوي

نظرت له لين بعدم تصديق ثم أردفت:

-بجد يا جدو ولا بتضحك عليا

قهقه محمد عليها بشدة ومن ثم قال بين ضحكاته:

-يا بت عيب عليكي...هو عمر جدك قالك حاجة ومعملهاش

هزت رأسها بالنفي وعلى وجهها إبتسامة سعيدة قائلة بأمل:

-يعني أنا هشتغل خلاص يا جدو

أماء لها برأسه وهو يقول:

-من بكرة الصبح يا حبيبة جدك

قامت لين من مكانها بسرعة متجهة إلى كرسية...حضنته بشدة وقبلت كف يده

قبل أن تقول:

-ربنا يخليك ليا يا جدو يا حبيبي

بادلها محمد الحضن وعلى وجهه إبتسامة سعيدة لفرحتها وهو يقول:

-ربنا يوفقك يارب يا حبيبتي

عادت لين إلى كرسيها مرة أخرى حتى تستكمل فطورها ولكن تلك المرة كانت السعادة طاغية على أي شعور أخر بداخلها

وجه محمد بصره إلى سارة وجدها تتناول فطورها ووجهها موجه للطبق فقط بدون مبالاة لما يحدث من حولها

حمحم بهدوء حتى يجمع كلماته التى ستخرج منه بصعوبة رغبةََ منه في مرضاة إبنه الذي يتجنبه من وقت أن أخبره أنه لم ولن يعتذر لها

عما بدر منه

أردف محمد بكبرياء متألق بصوته معاكساََ لما سيقوله:

-وإنتِ يا سارة يا بنتي متزعليش مني لو كنت قولتلك كلام مايصحش في وقت غضب

رفعت سارة أنظارها من على الطبق موجهه نظرها له بإستغراب يملئ وجهها عندما وجدت حديثه موجه إليها هي

زاغت ببصرها نحو إبراهيم وجدت إبتسامة بسيطة نمت على وجهه وهو يهز رأسه إليها حتى ترد على أبيه

عادت بصرها نحو محمد وجدت أنظاره مازالت مثبته عليها

خرج صوتها هادئ برغم توترها من الموقف

وهي تقول:

-لاء عادي يا عمي ولا يهمك...وأنا كمان بتأسفلك لو كنت إطاولت عليك بالكلام

هز رأسه بهدوء وهو يقول لها:

-إنتِ زي ولادي يا سارة.. أكيد مش زعلان منك

عادت ببصرها نحو الطبق مرة أخرى تستكمل طعامها

أخذت السعادة طريقها إلى وجه أحمد الذي قال بصوت مازح:

-أيوة كده يا جماعة...الماية رجعت لمجاريها

قامت سارة من مكانها وهي تقول لجدها:

-أنا خارجة يا جدو عاوز حاجه

-لاء يا حبيبتي سلامتك...خلي بالك من نفسك

❈-❈-❈

تجلس على الفراش وهي تمسك بهاتفها مقررة

مهاتفة إبنها

دلف إبراهيم الغرفة ناظراً بأرجائها يبحث عنها بعيناه...وجدها جالسة على الفراش ناظرة بهاتفها

تقدم نحوها وجلس بجوارها وهو يقول:

-بتعملي إيه

رفعت بصرها من على الهاتف موجها صوبه وهي تقول:

-كنت عاوزة أكلم فارس أطمن عليه

وضع يده على كتفها وهو يقول:

-سبيه يا حبيبتي مش كل خمس دقائق ترني عليه

-وحشني أوي يا إبراهيم ملحقتش أشبع منه

إبتسم لها بحب قبل أن يغمز بعيناه غمزة عابثة

قائلاََ:

-طب إيه.. وأنا موحشتكيش

وضعت الهاتف على الطاولة المجاورة للفراش

وهي تهز رأسها بيأس منه ومن تصرفاته العابثة قبل أن تقول مذكرة إياه:

-مش كنت بتقول إن عندك إجتماع مهم النهاردة

-ياستي يولع الإجتماع على أصحابه

ثم إستكمل حديثه وهو يقول قبل أن يغمز بعيناه:

-ما تيجي

ألقت سارة الوسادة المجاورة لها على وجهه وهي تقول:

-قوم يا إبراهيم روح الشغل...قوم

انتفض إبراهيم من على الفراش بغضب مصطنع وهو يقول قبل أن يغادر الغرفة:

-يا باي عليكي ست فصيلة

علىٰ صوت ضحكاتها بالغرفة على غضبه الطفولي وزمجرته منها

قامت هي الأخري من على الفراش متجهه صوب الشرفة الموجودة بالغرفة...وجدته يركب سيارته متجهاً بها إلى الخارج

ولكن قبل خروجه وجدته يرفع رأسه لأعلى وأنظاره مصوبه عليها

إبتسمت  له إبتسامة مشرقة جعلتها كما لو كانت بنت العشرين....رد إليها هو الأخر  إبتسامتها تلك بأخرى أكثر إتساعاََ ومن ثم ألقى لها قبلة بالهواء

قبل أن يخرج بالسيارة من حديقة القصر بسرعة بالغة

أغلقت النافذة بعدما بعد عن مرمى بصرها

وقلبها يرفرف كالفراشات المحلقة بالسماء

تُحبه  كما لو كانت مراهقة،وكلما تقدم العمر بهم تعشقه أكثر...عاشت معه أيام  كثيرة على حلوها ومرها...لم يُشعرها يوم بالنقص أو الإحتياج لمشاعر واهية  وبرغم إنشغاله الدائم

لكنه دائماً ما يخصص لها الوقت

ترى العديد من العلاقات مع كبر سن الزوجين تصبح الحياة بينهم روتينية وشبه تعيسة

وهذا ما كانت تخشاه...ولكنها عملت جاهدة

حتى لا تكون واحدة منهم وتصبح بعينيه شابة

لم يأخذ منها العمر شئ وللحقيقة ساعدها هو الأخر بهذا الشئ حتى أصبحت حياتهم بتلك الصورة التي يحسدهم عليها الجميع

عادت  إلى الفراش مرة أخرى جالسة عليه ومن ثم أخذت الهاتف من على الطاولة وهي  مُصرة على مهاتفة "فارس"....فهي تشعر أنها تريد سماع صوته في هذه اللحظة  حتى يطمئن قلبها عليه

فتحت الهاتف بهدوء ومن ثم ضغطت على زر الإتصال قبل أن تضع الهاتف على أذنها منتظرة رده عليها

ولكن إنتهى الاتصال ولم يرد عليها

أنزلت الهاتف من على أذنها بإستغراب لعدم رده،فهو عادةََ عند إنشغاله يضغط على أيقونة الرفض فينا معناه انه سيهاتفها بعد قليل

وضعت الهاتف مرة أخرى على أذنها بعدما طلبت رقمه مرة أخرى...ولكن تأخر بالرد

ففقدت الأمل أن يرد عليها الآن

جاءت أن تخفض الهاتف حتى تغلق الإتصال

وجدت صوت إمرأة ناعم للغاية ترد عليها بدلاً من إبنها قائلة:

-السلام عليكم

أردفت سارة بإستغراب تام عليها متسائلة دون أن ترد السلام عليها:

-مش ده رقم فارس؟

-أيوة يا طنط أنا نغم مراته

16= ج 2=الفصل السادس عشر-الجزء الثاني =

❈-❈-❈

ستمر الأيام بسلاسة وستظن أن كذبتك

أتت بثمارها ولكن ستأتي لحظة تهدم كل ما بنيت وستشعر أن كل ما عِشته أوهام لم يبنيها أحد سواك

❈-❈-❈

جاءت أن تخفض الهاتف حتى تغلق الإتصال

وجدت صوت إمرأة ناعم للغاية ترد عليها بدلاً من إبنها قائلة:

-السلام عليكم

أردفت سارة بإستغراب تام عليها متسائلة دون أن ترد السلام عليها:

-مش ده رقم فارس؟

-أيوة يا طنط أنا نغم مراته

ظلت حدقتيها متسعة ناظرة للفراغ بصدمة

لم تستوعب حتى الآن الكلمة التي ألقتها تلك الفتاة التى تتحدث معها بالهاتف

إمرأة مَن؟!!...هذه الهاء الذي ضافتها بجملتها تعود على مَن....على فارس؟!

وكيف تُحدثها بكل تلك الليونة كما لو كانت تعرفها منذ زمن؟!!،وألقت جملتها أيضاً كما لو كانت جملة عادية أن تكون زوجة لولدها!

لم ييقظها من شرودها وصدمتها سوىٰ صوت

نغم الذي قالت متسائلة بهدوء،مستغربة لصمتها:

-طنط حضرتك لسه معايا؟

خرج صوتها مهزوز من أثر صدمتها بحديث تلك الفتاة وهي تقول:

- اه معاكي

إبتسمت نغم إبتسامة هادئة كما لو كانت تراها

قبل أن تقول بمودة:

-أنا كان نفسي أكلم حضرتك من يوم جوازنا يا طنط،بس مكنتش بتيجي الفرصة ومبسوطة إني كلمت حضرتك النهاردة...وإن شاء الله

لما حضرتك تيجي مصر لازم أقعد معاكي وأتعرف على حضرتك أكتر

تأتي لمصر!!كيف وهي بالأساس بمصر؟..

من هذه الفتاة يا فارس بحق الجحيم؟

وما هذا الكلام الغريب الذي تُهرتِل به

كان هذا حديثها الدائر بذهنها،لا تقوى على الحديث ولا مجاراة تلك الفتاة التي تتحدث معها

أردفت كلمتين فقط بصوت جامد غير عابئة لما قالت تلك الفتاة من كلام غريب:

-فين فارس؟

صمتت نغم قليلاً بإستغراب لموقفها الغريب

فهي لم ترحب بها حتى ولو بكلمات قليلة مقتضبة!!..لم تتخيل يوم أن يكون حديثهم الأول بتلك الطريقة الباردة

بلعت ما بحلقها حتى تستعيد ثباتها قليلاً

قبل أن تُردف بإهتزاز واضح بصوتها:

-فارس نايم...تحبي أصحيه؟

أنهت حديثها بنبرة متسائلة ثم صمتت منتظرة إجابتها

لم  يخفى على سارة تبدل نبرة صوتها والحزن البالغ الذي طغىٰ عليها،ولكن كانت  صدمتها أكبر من أن تُطيب بخاطرها أو حتى تجتذب معها الحديث...فأردفت بهدوء  مصطنع:

-لاء سبيه نايم ولما يصحى خليه يكلمني ضروري

ثم إسترسلت حديثها قائلة بنبرة لينة قليلاً

حتى لا تُكسر بخاطرها:

-وهكلمك تاني أكيد بس دلوقتي في مشكلة وعاوزة أكلم فارس ضروري فمتزعليش من طريقة كلامي

إبتهج وجه نغم مرة أخرى وقالت بصوت مشرق:

-ولا يهمك يا طنط وإن شاء الله أول ما يصحى هخليه يكلم حضرتك

أماءت لها برأسها كما لو كانت تراها ومن ثم أردفت:

-سلام

-سلام

قالتها نغم وإنتظرت أن تغلق الإتصال هي أولاً

وعندما سمعت صوت إنتهاء المكالمة أخفضت الهاتف من على أذنها ووضعته على الركنة بهدوء

أما عند سارة فبمجرد ما أغلقت الهاتف... أخذت الأفكار تهجم عليها،لم تصدق أن فارس تزوج بأخرى بالسر دون أن يخبرهم

والمصيبة الكبرى أن كذب عليها وأخبرها أنها مسافرة بالخارج وليست موجودة بمصر

لا تعلم ماذا تفعل وبما تبرر له تصرفه،لم تعتاد

من فارس مثل تلك التصرفات...ولم يكن يوماً رجل عابث يُحب مصاحبة النساء

تشعر  بالدماء تفور برأسها حتى الآن لم تصدق أن تلك الفتاة التي كانت تحدثها  زوجته الأخرى،والأدهى أنها لم تخشىٰ أحد وأخبرتها مباشرةً أنها إمرأة  إبنها

الحقيقة هي إستشعرت طيبتها وبرائتها من تلك المحادثه الصغيرة التي كانت بينهم

لم تكن نبرة صوتها خبيثة أو ما شبه ولكن كانت تتحدث بفطرية...لدرجة أنها شعرت بالذنب أن تغلق الهاتف وهي كاسرة بخاطرها

لذلك حاولت تلطيف الأمر حتى تتحدث مع "فارس" وتفهم منه الأمر

أممكن أن يكون كلامها صادق؟...وبالفعل زوجته ولكنه متى تزوجها!!،ولما كذب على الجميع وأخبرهم أنه سيسافر تركيا

وبالأخير هو معها الآن!!

أغمضت عيناها قليلاََ حتى تُهدء من الحرب التى أنشات بذهنها

ووضعت الهاتف بجوارها حتى تنتظر مكالمته

وتستفسر منه عن كل شئ

❈-❈-❈

تقود سيارتها متجهة إلى النادي وفي الخلفية

يصدح صوت "عمرو دياب" من مذياع السيارة

على أغنية "أول يوم في البعد"

سمعت رنين هاتفها...مدت يدها اغلقت المذياع ومن ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها اليدوية الموضوعة على الكرسي المجاور لها

وجدت المتصل "مها"...فتحت الإتصال ووضعت الهاتف على أذنها وبيدها اليمنى وباليد الأخرى قابضة على المقود

جاءها صوت مها وهي تقول بتساؤل:

-وصلتي النادي ولا لسه يا سارة؟

-لاء لسه في الطريق أهو

-طيب معلشي مش هعرف أجي لأني في المستشفى

أردفت سارة بنبرة خائفة على صديقتها الوحيدة:

-في المستشفى ليه..مالك؟

-كان ضغطي وطي شوية...وعبدالله جابني،هيعلقولي محاليل

-في مستشفى إيه

أعطتها "مها" إسم المستشفى القابعة بها

وفور أن سمعت سارة إسم المشفى ...أدارت سيارتها للجهه الأخرى مغيرة وجهتها إلى المستشفى بعدما قالت لها:

-طيب أنا ربع ساعة وأكون عندك

❈-❈-❈

بعدما  وَصَلت "مالك"  إلى تمرينه،خرجت إلى النادي مرة أخرى تبحث عنه لتراه حتى  لو من بعيد..فهي إنتظرت أن يهاتفها بعدما أغلقت الهاتف بوجهه ولكنه لم يفعل  كما لو كان يتمنى أن تبعد عنه

أغلقت عيناها قليلاََ ناظرة للبعيد،تتأكد مما تراه  فهذا الذي يقف وسط مجموعة من الفتايات والشباب يُشبهه للغاية

تقدمت بعض الخُطوات حتى تتضح لها الرؤية

وبالفعل كان هو...أخفض رأسه قليلاً لمستوى الفتاة التي بجواره وقال لها بعض الكلمات

لحظات وكانت ضحكة الفتاة تصدح بالنادي بأكمله

غلت الدماء بعروقها وإحمر وجهها من الغضب

فهمت سبب تجاهله لها فعلى ما يبدو أنه نساها تماماً

ولكن لما حزنت؟!!،فلم يكن بينهم شئ من الأساس حتى تمنعه من الوقوف مع الفتايات

لما تشعر بنيران تشتعل بصدرها وأدخنه تخرج من أذنها

وجدته يمسك يدها باعدين عن الموجودين معهم وعلى ما يبدو أنهم سيخرجون من النادي

ظلت واقفة مكانها بوجوم ناظرة إليه وهو يتقدم هو وتلك الفتاة نحوها قاصداً باب الخروج

حتى تقابلت نظراته مع خاصتها،وقف مكانه فور رؤيته لها وهي تنظر إليه بتلك الطريقة

عادت الفتاة الخطوة التي تقدمتها عنه وهي تقول له بإستغراب:

-إيه يا يونس وقفت ليه؟

حمحم بصوت منخفض قبل أن يقول لها بإهتزاز:

-إرجعي مع الشلة يا ساندي دلوقتي

-ليه يا يونس مش قولتلي هناكل بره؟

خرجت تلك الكلمات من بين شفتيها وهي مستغربة وضعه الذي حل عليه

أخذ نفساً عميقاً ومن ثم عاد كلامه مرة أخرى

قائلاََ بهدوء:

-إرجعي يا ساندي

عادت إلى مكانهم بعدما أماءت له برأسها

أما هو فتقدم الخطوات الفاصلة بينه وبينها

وعينه مثبته على خاصتها

أخفضت عيناها عن خاصته وأدارت ظهرها مطلقة قدميها إلى خارج النادي

أسرع خطواته وهو يمشي خلفها منادياََ عليها بصوت عالِِ ،ولكنها لم تنظر إلى الخلف ولم تعيره أي إنتباه مكملة سيرها إلى الخارج

ولكن أوقفها قبضة يده على معصمها بقوة وهو يلهث من الجري خلفها قائلاََ:

-في إيه طالعة تجري ليه

أدارت جسدها له ونظرت في عيناه بقوة قبل أن تبعد كف يده عن معصمها بعنف

-في إيه يا لين مالك؟

قالها بنبرة حادة وهو عاقد حاجبيه بشدة من تصرفها الغير مبرر بالنسبة له

أردفت بصوت عالٍ من أثر النيران المشتعلة بداخلها سمعه كل الموجودين حولهم:

-من النهاردة ملكش دعوة بيا تاني ولا أكنك كنت تعرفني....إنت فاهم؟

نظر حوله ليرى إذا كان إستمع أحداً لها أم لا

وبالفعل وجد كل القريبين منهم رؤسهم متوجه

نحوهم بفضول حتى يعلموا ما سبب تلك الخناقة

قبض على معصمها مرة أخرى برفق وسحبها معه إلى بمكان هادئ نسبياً خلف النادي

ولكن كان الأمر به بعض الصعوبة عليه

لرفض لين الذهاب معه ومحاولتها في إفلات معصمها من بين كفه

ترك معصمها عندما وصلوا لذلك المكان الخالي من البشر ووقف أمامها مباشرةََ وهو يقول بهودء:

-تقدري تقوليلي من الأول في إيه؟

صاحت بغضب شديد وبصوتها العالي:

-إنتَ إزاي تتجرأ تسحبني كده وسط الناس...إنتَ إتجننت؟

زفر بضيق من صوتها العالي الذي لوث أذنه

ومن ثم اردف بضجر:

-ليه صوتك عالي...متعرفيش تتكلمي زي الناس؟

ربعت يديها على صدرها وهي تقول ببرود:

-صوتي وأنا حره فيه ملكش دعوه

-لأخر مرة هقولك... فيه إيه يا لين وإيه كلامك الغريب اللي قولتيه بره ده

-إيه الغريب فيه بقولك إنسى إني كنت أعرفك يوم

إحتدت عيناه بغضب وأردف بصوت عالٍ هو هذه المرة:

-يعني إيه أنسى يعني وضحي كلامك

-أوضح إيه أكتر من كده بقولك أنا مليش علاقة بيك تاني

-أيوة إيه اللي جد يعني...إنتِ لسه مكلماني إمبارح!!!

قالها بإستغراب وإستنكار لحديثها

-كانت غلطة وندمت عليها... اللي زيك المفروض الواحد ميعملوش قيمة

صاح بإسمها بغضب بالغ وصل لذروته،فهو لم يعد قادر على تمالك أعصابه

بالفعل هو حدد أمس أنه سيبعد عنها تماماً

حتى لا يؤذيها

ولكن عندما رأها أمامه وسمع منها هذا الكلام

رفضته كل ذرة بداخله

مسح على وجهه بكف يده في محاولة منه للثبات وإجتذاب بعض الهدوء ومن ثم قال بصوت هادئ جاهد في خروجه:

-إيه اللي مزعلك مني يا لين...مش المفروض أنا اللي أكون زعلان إنك قفلتي التليفون في وشي!!

-انا قفلت لما مردتش عليا يا يونس وجيت النهاردة عشان خاطرك بس للأسف لقيتك ماشي مع حبيبتك تقريباً

قالت كلماتها مرة واحدة دون أن تأخذ أنفاسها

والدموع إغرورقت بعيناها عندما قالت أنه كان مع حبيبته خشيت أن يؤكد كلامها ويكون بالفعل على علاقة بها

وها قد رد عليها مُخيب ظنونها قائلاً بسخرية:

-حبيبتي إيه يا لين...دي واحدة صاحبتي

أخفضت أعينها للأرض دون أن ترد عليه حتى لا يكشف فرحتها بنفيه لحديثها وبقيت صامته

إقترب خطوة كانت فاصلة بينهم وقال بصوت رجولي هادئ وهو يستائل كما لو كان يسألها عن حالها:

-بتحبيني يا لين؟

صدمت بل صُعقت من جراءة سؤاله الذي أوقف نبضات قلبها وسحب الدماء من وجهها

فماذا يقول هذا المعتوه؟!!...فهي تقول له أنها لا تريد معرفته مرة أخرى وهو يسألها بكل بساطة إذا كانت تحبه أم لا!!

رفعت رأسها له حيث أصبحت عيناها مجابهة لخاصته قائلة:

-لاء يا يونس

إهتزت شفتيه قليلاََ ومن ثم إبتسم إبتسامة خفيفة لم تظهر على وجهه قبل أن يقول:

-كدابة إنتِ بتحبيني زي ما أنا بحبك

أغمضت عيناها بسرعة فور تلقي تلك الكلمات الدالة على حبه لها...لم تصدق أنه أخبرها بحبه

بهذه الطريقة الملتوية

إحمرت وجنتيها بشدة من هذا الموقف الذي ولأول مرة تُضع به...وبدأت ضربات قلبها تتزايد بشدة

❈-❈-❈

ركبت المصعد بعدما إستعلمت عن مكان غرفة صديقتها "مها" من الإستقبال....

أخرجت هاتفها من حقيبتها بعدما إستمعت لرنينه،وجدت المتصل عمها

ضغطت على أيقونة الاستجابة ووضعت الهاتف على أذنها وهي تقول:

-خير يا عمو في حاجة ؟

-متتأخريش في النادي لأننا رايحين لرقية لأنها تعبانة شوية

فُتح باب المصعد...فخرجت منه وهي ماتزال تتحدث مع عمها

ودخل إليه ذلك الرجل الذي كان يقف بالخارج منتظر صعوده

-خلاص ماشي يا عمو هاجي بدري إن شاء الله

بعدما أنهت حديثها وأغلقت الهاتف وضعته بحقيبتها

ولكن عندما جاءت تُغلقها،ثُبتت قدميها بالأرض وجحظت عيناها من الصورة التي أظهرها لها عقلها الباطن الآن

إستدارت سريعاً برأسها للخلف وجدت باب المصعد قد أغلق

تقدمت منه سريعاً وأنفاسها مسلوبة منها مما رأته...وجدته صاعد للدور الرابع

غيرت وجهتها تماماً وصعدت على السلم المجاور للمصعد بسرعة كبيرة

حتى وصلت إلى الطابق المحدد ولكن لسوء حظها كان المصعد قد أغلق وهبط إلى أسفل

وقفت بالطابق الرابع تنظر حولها لعلها تلمح طيفه وتتأكد من شكوكها ولكن كان الطابق خالي تماماً من المارة

تقدمت بقدميها إلى الأمام وهي تلتفت حولها

وها قد صدمت بحائط بشري يخرج من الغرفة التي كانت تقف بجوارها ...غُرست رأسها بصدره

بدأت نغزات غريبة تضربها بقلبها...وسلبت أنفاسها منها بعدما تغلغلت رائحته العطرة بأنفاسها

تخشى أن ترفع رأسها لأعلى حتى تتأكد من حدسها...ولكن أيوجد تأكيد أكثر من ذلك؟!

رائحته تلك هي نفسها التي كانت تتغزل بها

وتُخبره كم تعشقها

وضربات قلبها التي تسارعت بحضوره ويصاحبها بعض النعزات وكأنها تُهلل فرحة باللقاء أخيراً  لمالكها بعد مرور تلك السنين

والأكثر  إثباتاََ على ذلك أنها رأته..رأته ورأت وجهه المنير وهي خارجة من المصعد  ولكنها لم تدرك ذلك إلا بعدما سارت قليلاً متجهة لغرفة "مها"

أما هو فكان جامداً صلباً لم يظهر على وجهه أي تعابير تدل على تأثره بشئ

لم يفعل شئ سوىٰ أنه نظر للأمام فقط دون أن برف له جفن

أبعدت رأسها عن صدره وهي ترفعها لأعلى حتى ترى وجهه وتقطع الشك باليقين

صدمت بل صُعقت عندما تأكدت شكوكها

ورأته أمامها بعد ذلك العمر الذي مر

كان مختلفاً عما رأته أخر مرة بذلك اليوم المشؤوم

كانت عيناه الرمادية تنظر إليها هي الأخرى

ولكن ليست كالسابق بل بريقها اللامع مُختفي

كانت داكنة للغاية معطية رهبة للموقف

وجسده أصبح فتاك مليئ بالعضلات عكس سابقاً

إكتسب سحراََ أخر،أصبح أكثر جاذبية بجديته المرسومة على وجهه

فمازن كان دائماً الشاب المرح الذي يعشق الحياة... أما الذي أمامها الآن رجل جادي

بعيناه شئ غريب لم تستطيع تفسيره

لم تستطع إستيعاب الموقف ولا أن تجاري تلك الأحداث الصادمة بالنسبة لها

فوجدت أسهل حل هو الهروب والإستلام للثقل والتعب الذي بدأ يداهمها

ثواني وكان جسدها يتأرجح ساقطاََ على الأرضية ولكن أن تسقط على الأرضية

أحاطها بذراعه القوي رافعاً إياها لأعلى

❈-❈-❈

فتح عيناه قليلاََ حتى يعتاد على ضوء الغرفة

ومن ثم مد يده حتى يجلب هاتفه الذي كان يضعه على الكوميدينو المجاور للفراش حتى يرى كم الساعة الآن ولكن وجد مكانه خالي

فتح عيناه أكثر وهو يستقيم معتدلاً على الفراش ناظراً للكوميدينو وجده بالفعل فارغاً

رفع يده ماسحاََ بها على وجهه يحاول تذكر

أين وضع هاتفه ولكن ذاكرته لم تسعفه

قام من على الفراش وهو يرتدي خفه البيتي

الموجود على الأرضية ودخل المرحاض

خرج بعد قليل وهو يلف نصفه السفلي بمنشفة

وبين يديه أخرى يجفف بها خصلات شعره

المليئة بالماء

فتح خزانة الملابس وأخرج منها شورت يصل إلى الركبة باللون الأسود

وارتداه سريعاً بعدما خلع المنشفة، ومشط شعره وهو يقف أمام المرآة

ومن ثم  خرج من الغرفة باحثاً عن "نغم"

وجد صوت جلبة آتية من المطبخ فإتجه إليه

وجدها تقف معطية ظهرها للباب تقلب الطعام الموجود على طاهي الطعام

تقدم بخطوات غير مسموعة حتى وقف خلفها مباشرةً..وأحاط خصرها بذراعيه ووضع رأسه على كتفها قائلاََ:

-حبيبي بيعمل إيه

عادت برأسها للخلف تجاه صدره وهي ترفعها لأعلى حتى ترى وجهه قائلة بإبتسامة عريضة:

-أخيراََ صحيت ده أنا كنت فقدت الأمل فيك

رد إليها الإبتسامة وهو يقبل عنقها قبلة سطحية قبل أن يقول:

-صاحية بقالك كتير ولا إيه؟

-أنا منمتش أصلاََ

رد عليها بصوت عابث وهو يرفع له حاجبها الأيسر  قائلاً:

-أصلاً؟

أماءت له برأسها بإبتسامة رقيقة

-بتعملي إيه في المطبخ بليل كده

-لقيت نفسي جعانة قولت أعمل مكرونة وبانية

-طب وعاملة حسابي في الأكل ده ولا نسياني

إستدارت بجسدها ناظره إليه بعدما أغلقت الطاهي قائلة ببسمة:

-هو أنا أقدر أنساك يا حبيبي ؟

إبتعد عنها خطوتين للخلف وهو يقول بصوت عالِِ نسبياً:

-إبعد يا شيطان

ضحكت نغم بصوت عالِِ على حركته ومن ثم أردفت وهي تجلب الأطباق :

-إستناني بره هغرف الأكل وأجي

رفع يده يمسح بها على خصلاته قبل أن يقول بتساؤل:

-مشوفتيش موبايلي...كنت حاطه على الكوميدينو ولما صحيت ملقتوش

-على الركنة اللي في الصالة...صحيح طنط رنت عليك وإنتَ نايم وأنا رديت عليها

جعد حاجبيه بإستغراب قبل أن يردف بتساؤل:

-طنط مين؟

-مامتك

قالتها بسلاسة وهي تضع المعكرونه بالأطباق

تقدم منها مرة أخرى ولكن تلك المرة بتعجب،

مسك معصمها وهو يُديرها إليه قائلاً بجدية غريبة:

-إنتِ كلمتي أمي؟

أماءت له بإستغراب من تغيره المفاجئ وقالت موضحة له ما حدث:

-رنت عليك وأنت نايم مردتش عليها بس لقيتها بترن تاني قولت يمكن عاوزة حاجة مهمة فرديت عليها وقولتلها إنك نايم

أردف بترقب وهو ينظر بعيناها بشدة:

-وقولتلها إنك مراتي؟

-اه هي سالتني إنتِ مين

أطبق عيناه مغلقاََ إياها بغضب شديد لاعناََ نفسه بشدة

ضيقت نغم عيناها بإستغراب قبل أن تقول:

-في إيه يا فارس

فتح عيناه فجأة عندنا داهمته تلك الخاطرة قائلاََ بتساؤل:

-قالتلك حاجة؟

-لاء قالتلي أما يصحى خليه يكلمني

ثم إسترسلت حديثها قائلة بحزن:

-إنتَ مضايق إني رديت عليها من غير إذنك؟

هز رأسه بنفي وأجبر نفسه على رسم إبتسامة مزيفة على وجهه وقال بعدما قبل جبهتها:

-لاء يا حبيبتي مش مضايق...هدخل أكلمها لحد ما تخلصي

تركها وغادر المطبخ سريعاً بعدما أنهى حديثه

❈-❈-❈

تناولت هاتفها سريعاً عندما سمعت صوت رنينه

وضغطت على أيقونة الإستقبال

وتحدثت قبل أن يتحدث هو قائلة بسخرية:

-قلقت نومتك يا عريس؟

زفر بضيق من سخريتها وقال بتحذير:

-ماما لو سمحتي

-إنتَ خليت فيها ماما...بقي بتتجوز من ورايا يا فارس وبتكدب عليها وتقولها إننا مسافرين

خرجت تلك الكلمات من فمها بصوت عالٍ

مليئ بالغضب

رفع يده على شعره يعبث به بغضب مكبوت

قبل أن يقول:

-لما أجي من تركيا هفهمك كل حاجة

-إنتَ في تركيا ولا دي كانت كدبة عشان تقعد معاها؟

-في تركيا والله...عشان خاطري متجبيش سيرة الموضوع ده لأي حد لحد ماجي

-ماشي يا فارس لما نشوف أخرتها معاك...ويارب المرادي تكون إختارت صح

-أصح حاجة إختارتها في حياتي يا ماما صدقيني

ثم إسترسل حديثه قائلاً بحزن:

-بس الظروف اللي جبرتني إني أكذب عليها عشان تبقى معايا...إدعيلي إنتِ بس يا ماما

-ربنا يسعدك يا رب يا فارس ويفرح قلبك يا حبيبي

نمت إبتسامة بسيطة على شفتيه وقال لها قبل أن يغلق الهاتف:

-يلا روحي نامي أنا عارف إنك صاحية من وقت ما كلمتيها  أكيد مجلكيش نوم

ردت عليه سارة وهي تقول:

-ولا هيجيلي نوم غير لما أشوفك وتحكيلي كل حاجه يا فارس

-ماما بالله عليكي متعرفيش أي حد بالموضوع ده

-ماشي يا فارس أما نشوف أخرتها

أغلق الهاتف عقب إنتهاء محادثتهم وإستدار حتى يخرج من الغرفة

وجد نغم تقف خلفه مباشرةً...

17=ج 1= بينى وبينك فى الهوى قسمُ الهوى

والعهد عهدا والعهود ميثاق و وثاق

ولقد كتبت وصيتى بدمِ الهوى

والشاهدان على الكتاب رفاق

إنى وإن ضعيت عمرى . فى الهوى

والحب يحفظ قلب  الكرام والعشاق

‏لـكَ الفـؤادُ الَّذي أصبحـتَ تملـكهُ

وإنْ أردتَ فخـذْ إنْ شئتَ أيضا الأحداق

فأنـتَ فِيـها كرمشٍ بـاتَ يحرسُـها

وإنْ شكَى القلبُ هـمًّا فأنتَ الدواء والترياق

فكيـفَ باللَّـهِ لا أُصغِـي لمـنْ ملكُوا

فكرِي وحرفِي وأقلامِي و هيام بأشواق

وإنْ أردتَ جوابِــي دونَ فلســفةٍ

يكفيـكَ أوَّلُ بيتٍ  واتركِ مابعده والباق ...

❈-❈-❈

مسكين من قال أن الحب الأول قد يُنسى مع مرور الوقت،بالتأكيد من قال هذا الكلام الزائف شخص لم يعش ما عاشته هي ولم يمر بما مرت به

حتى صباح اليوم كانت تظن أنها نسته ولم يعد له وجود بحياتها...كانت تظن أنها إن وجدته يسير على طريق هي به ستقتله دون تفكير على ما فعله بها

ولكن ما حدث في تلك المستشفى عكس ذلك تماماً...كانت صدمة عمرها عندما رأته أمامها،لم تتخيل يوماً لقائهم بعد ما حدث ولم يخطر على ذهنها أن القدر من الممكن أن يَجمعهم مرة أخرى

عندما إشتبهت به بالمصعد أصرت أن تصعد وتتأكد إذا كان هو أم لا حتى لا يأخذ الموضوع أكبر من حجمه بذهنها وتأكل أناملها من الندم

على عدم ذهابها خلفه وقطعها للشك باليقين

ولكن ذهبت وهي متأكدة أن صورته التي رسمها ذهنها تلك من وحي الخيال ليس إلا

ولكن كانت الصدمة أنه هو بشحمه ولحمه

والصدمة الأكبر أنها عندما رفعت رأسها حتى تراه وجدت نفسها داخل أحضانه

لم يسعها ذهنها في تحمل تلك الصدمة الثقيلة من نوعها فهربت من الواقع سريعاً وإستسلمت لثقل رأسها والدوار الذي داهمها

ولكن عند إستيقاظها وجدت نفسها على فراش طبي وبجوارها ممرضة مُوصاه بالوقوف جوارها حتى تتأكد من إفاقتها تماماً

دارت بعيناها بأرجاء الغرفة حتى تلمح طيفه

وتتأكد أن ما حدث حقيقي،شعرت به وهو يحملها قبل أن تسقط...كيف لا تشعر بملمس يده الصلبة على جسدها وهي التي كانت تشم رائحته من على بُعد

ولكن لسوء حظها الغرفة كانت فارغة تماماً عدا مِن تلك الفتاة الواقفة جوارها.....

أغمضت عيناها ببطئ وحزن شديد

وبدأت دموعها تأخذ طريقها على وجنتيها

أشبه بالسراب،هرب قبل أن تفيق حتى لا تحصُره بأسئلتها التي تدور بذهنها منذ زمن

مازالت صورته مُثبته على جفنيها...كان شامخاً عيناه لم تهتز وكأنه تدرب على هذا اللقاء منذ زمن

لم يكن ذلك الحبيب المتيم بها بل كان شخصاً أخر متشابهين فقط بالشكل

كيف ذهب وتركها دون أن تقتص منه؟

كانت تريد قول له الكثير من الأشياء التي تجعله حقير أمام نفسه،كانت تريد مواجهته،

كانت تريد الصراخ به وأن تُصرح له أنها باتت تكرهه

أخرجتها تلك الممرضة من أفكارها على صوتها الهادئ وهي تقول:

-إنتِ كويسة دلوقتي يا مدام؟

فتحت عيناها بهدوء وهي تميل برأسها قليلاً حتى تنظر إليها قائلة:

-اه الحمدلله...فين شنطتي

مدت الممرضة يدها حتى تتناول الحقيبة الموجودة على الطاولة ومن ثم أعطتها لسارة

أخذتها سارة منها قبل أن تقوم من على الفراش

وغادرت الغرفة بهدوء

فور خروجها من الغرفة أخرجت الممرضة الهاتف من جيبها وضغطت على الإتصال برقم ما وإنتظرت حتى يأتي الرد منه

-مين

خرج صوته هادئاََ يتسائل عن هوية المتحدث

ردت على سؤاله قائلة بجدية:

-أنا الممرضة اللي إدتني رقم حضرتك عشان أطمنك على الهانم اللي كنت شايلها

أماء رأسه بهدوء وقال:

-اه إفتكرتك...هي عملة إيه دلوقتي فاقت ولا لسه

-فاقت يا فندم ولسه خارجة من الأوضة حالاََ

-تمام شكراً ليكي

❈-❈-❈

إرتدت ثيابها المهندمة التي تتناسب مع أول يوم عمل لها ونزلت من الغرفة وهي تحمل حقيبة يدها

وجدت الجميع جالسين في البهو يشاهدون التلفاز

ألقت السلام ومن ثم قالت بسعادة:

-أنا راحة الشغل يا جماعة عاوزين حاجة

إبتسمت لها سارة إبتسامة معبرة عن فخرها بها وقالت:

-ربنا يوفقك يا رب يا حبيبتي وأنا متأكدة إنك هتقدري تثبتي شطارتك

تقدمت لين منها وعلى وجهها ابتسامه أكثر سعادة ومن ثم إحتضنت أمها بشدة قائلة:

-طول ما انتِ معايا وبتدعميني أنا متأكدة إني هثبت ده

نظر إليهم إبراهيم بحب خالص وعيناه بها حنين للماضي يتذكر عندما كانت لين فتاة بالثالثة من عمرها وكان يحملها على ظهره

وها هي الآن ذاهبه لعملها بكامل أناقتها

عُلقت عيناها بخاصته فتركت حضن أمها وذهبت إليه سريعاً مرتمية بأحضانه

إستقبلها إبراهيم بفرحة بالغة وهو يقول:

-يارب أشوفك أكبر دكتورة في الدنيا يا قلب بابا

ردت على حديثه بمزاح قائلة:

-هشرفك لا تقلق يا أبي

وذهبت لجدها وإحتضنته بعدما قبلت يده وقالت:

-شكراََ يا جدو إنك سعيت وجبتلي شغل

ضمها إلى صدره بحنان جارف وقال بعتاب:

-بلاش أسمع كلمة شكراً دي منك تاني عشان مزعلش

مسكت كف يده اليمني وقبلته مرة أخرى وهي تقول:

-مقدرش على زعلك يا أجمل جدو

خرجت من أحضانه على كف خماسي هبط على مؤخرة عنقها...إلتفت برأسها للخلف تجاه"أحمد" أخيها فمن غيره سيتجرأ على تلك الحركة

رفع لها حاجبيه الإثنين دلالة على قوله"وهل بيدك شئ لتفعليه يا حُلوه"

نظرت إليه بشراهة وشر مبطن بعيناها تفكر بطريقة لأخذ ثأرها منه

حرك رأسه للأعلى حتى يُخرجها من أفكارها الشريرة التي تدور بذهنها الآن ومن ثم قال:

-إيه...لقيت الكل مديكي قيمة كبيرة قولت أفكرك بقيمتك

وقفت بمجابهته وهي تقول بنبرة متسائلة:

-إنتَ قد الكف ده

أماء برأسه للأمام وعلى وجهه إبتسامة مستفزة

أخذت شهيق ومن ثم زفير قبل ان تقول ببرود أعصاب مازحة:

-مش هضيع وقتي معاك أنا دلوقتي ورايا مسؤليات

قهقه أحمد بقوة قبل أن يأخذها بأحضانه مقبلاً إياها من جبهتها قائلاً بحب نابع من بين ثنايا قلبه:

-يا رب أشوفك أكبر دكتورة يا حبيبة قلبي

❈-❈-❈

ترتدي قميص حريري منسدل على جسدها

به فتحة من الجنب ممتدة من بعد ركبتيها إلى كاحلها

ومكشوف من الأعلى ببذخ

واقفة أمام السفرة الموجود عليها العديد من الأصناف الشهية تعدل من وضعية الشموع حتى يكون كل شئ جاهز

ألقت نظرة سريعة على نفسها في المرأة الموجودة أمامها وجدت نفسها في أحسن حال

إتجهت لمشغل الموسيقى وأختارت أغنية محددة وتركتها على وضع الإيقاف حتى يأتي

ذهبت سريعاً وأطفأت أنوار الشقة بأكملها قبل أن تنظر إلى الساعة فوجدتها الثانية عشر إلا ٥ دقائق وذهبت سريعاً وقفت بجوار مشغل الموسيقى منتظرة دخوله

ها هي تسمع صوت مفتاحه وهو يفتح الباب

دخل فارس الشقة بإستغراب من العتمة المحيطة بالشقة

وقع قلبه بين قدميه وهو يخشى أن يكون قد حدث "لنغم" شئ سئ

فعملت قدماه تلقائياً على التوجه إلى غرفتهم بحذر من أن يصطدم بشئ

ولكن توقفت قدميه فجأة عندما أضاء النور من حوله وأشتغلت أغنية

"كل سنة وإنتَ طيب ومن قلبي قريب"

وظهرت جنيته من العدم بذلك الرداء المثير وهي تبتسم إبتسامتها المهلك

إتسعت إبتسامتها أكتر عندما أصبحت أمامه مباشرةً قائلة مع الأغنية:

-كل سنة وإنتَ طيب ومن قلبي قريب والسنادي معايا واللي جي ويايا

إنتقلت إبتسامتها سريعاً إليه كالعدوى

حتى الآن لم يستوعب ما يحدث ولكن مجرد وجودها أمامه بتلك الهيئة وإبتسامتها مرسومة على وجهها قادرة أن تنسيه ما إسمه

حضنته برقة معهودة بها وقالت بصوت ناعم:

-كل سنة وإنتَ طيب ومعايا يا حبيبي

مد يده يلفها حول حضرها ضامماََ إياها إليه

قبل أن يقول ببلاهة:

-هو في إيه يا ماسة

أبعدت نغم رأسه عن كتفه بإستغراب ولكنه لم يزيح يده من على خصرها،وقالت:

-النهاردة ٥/٥

رد خلفها مباشرةً وهو يقول بتساؤل:

-عيد ميلادي؟

أماءت برأسها للأمام بابتسامة مرحة

حرك رأسه لليسار قليلاً قبل أن يقول:

-وإنتِ بقى خرجتيني من الشقة من صباحية ربنا عشان تعملي كده

أماءت برأسها مرة أخرى ولكن تلك المرة وهي تسحبه من يده إلى السفرة  قائلة بضجر:

-إنتَ مبقتش رومانسي خالص يا فارس

أشار على نفسه بسبابته وهو يرد على إتهامه بإستنكار:

-أنا؟

-اه يا حبيبي إنتَ

ثم إستكملت حديثها وهي تفتح ذلك الصندوق المزين الموضوع على السفرة وهي تقول بحزن مصطنع:

-شكلي إتخدعت فيك

سحبها إليه من خصرها وهو يدير وجهها لوجه

قائلاً بخشونة:

-بتقولي إيه يا حبيبتي

لفت يدها حول رقبته وإرتسمت على وجهها إبتسامة واسعة قبل أن تقول بحب:

-بحبك أوي يا حبيبي

تعشقه وتعشق حركاته التي تُذيبها به،تتمنى أن تفضل السعادة محيطة بهم ولا يعرف الفطور لهم باباََ

شدد من الضغط على خصرها وهو يقول بعبث:

-أنا مبقتش رومانسي؟

هزت رأسها بالنفي وهي تقول بدلع جديد عليها:

-قطع لسان اللي يقول كده،حبيبي ملك الرومانسية

-بقيتي مكارة يا حبيبتي

رفعت له إحدى حاجبيها وهي تقول:

-من عاشر قوم أربعين يوم يا عمري

أرجع رأسه للخلف وهو يقهقه على جملتها بصوت عالي، ومن ثم أخذها بأحضانه أكثر وهو يقول من بين ضحكاته:

-مش عاوزة حاجة من الدنيا غيرك

لفت يدها حول رقبته وهي تغوص بأحضانه أكثر قائلة بعاطفة:

-خليك بتحبني كده يا فارس أوعى حبك ليا يقل في يوم

-أنا عايش بحبك يا نغم،يوم ما أبطل أحبك هكون ميت

خرجت نغم من بين أحضانه بفزع وهي تلكزه بكتفه قائلة بلوم:

-حرام عليك يا فارس متقولش كده

قبل شفتيها بقبلة سطحية ورقيقة قائلاً:

-حياة فارس

إبتسمت بحب لغزله وحالة الروقان المتلبساه حالياً فهي كانت محرومة من مشاعره تلك عندما تشاجروا سوياََ

إلتفت ناحية السفرة وجذبت ذلك الصندوق المزين ناحيتها وهي تقول:

-يلا إفتح الصندوق وشوف هديتك

هز رأسه برفض وهو يغمز لها بعينه بعبث واضح مردفاََ:

-إنتِ عارفة هديتي المفضلة فيلا عشان منضيعش وقت

إبتسمت نغم بإحراج على حديثه الغير شريف بالمرة وقالت له:

-إفتح الهدية يا فارس وبطل قلة أدب

رفع لها حاجبه الأيمن وعلى وجهه إبتسامة مرحة

فتخلت عن عرضها له وفتحت هي الصندوق

وأخرجت هديتها المميزة التى إختارتها له بكل دِقة

فتحت العلبة المخملية بهدوء ومن ثم أخرجت

السلسلة منه وهي تضعها أمام مرمى عيناه حتى يراها

مد فارس يده يأخذها من بين يديها ليرى ما تلك الجملة المكتوبة بخط مميز للغاية

وجد إسم محبوبته الخاص به "ماسة"

إرتسمت بسمة خفيفه على شفتيه لمجرد رؤيته لإسمها

أخذتها منه بهدوء وإقتربت تلك الخطوات الفاصلة حتى أصبحت ملاصقة له ولفتها حول رقبته بدقة ومن ثم أغلقتها من الخلف

رفعت أنظارها له بعدما أنهت مهمتها وقالت:

-طول ما السلسة دي في رقبتك هعرف إني لسه مالكة قلبك

-من غير سلسلة إنتِ مالكة قلبي وروحي لأخر العمر

وضعت نغم أناملها على الدلاية وهي تتلمس إسمها بهدوء قبل أن تقول:

-بس أنا عاوزة أشوفك لابسها على طول

وضع يده على خاصتها ومن ثم رفعها إلى شفتيه قبلها عدة قبلات قبل أن يقول:

-طلباتك أوامر يا ماسة

تجمد ثواني مكانه عندما مرت تلك الخاطرة على ذهنه،فلم يعطي لنفسه فرصة للتفكير بل قال باستغراب وهو يجعد ما بين حاجبيه:

-إنتِ جبتي السلسلة دي منين

لم يلفت نظرها تغير نظراته ووجه بل قالت بكل بساطة وأريحية:

-لما روحت معاك الإجتماع خدت بالي من محل الدهب اللي تحت فأول ما خرجت من الشقة نزلت بسرعة وإتفقت معاه

ردد خلفها بإستنكار وغضب مكبوت يظهر على عروق رقبته التي برزت بشدة:

-خرجتي من غير ما تستأذني مني!

بلعت ريقها بتوتر عندما أدركت تلك الحالة التي تلبسته،وأخذت تبحث بذهنها عن أي مخرج

لكنها لم تجد سوى أن تتحلى بالقوة وتمنعه من تعكير مزاجهم اليوم فأردفت بهدوء:

-فارس عشان خاطري متبوظش اليوم عشان حاجة زي دي...أنا كان هدفي أفرحك

زفر بضيق وهو يحاول التحكم بغضبه الذي إستحوذ عليه بشكل مبالغ فيه ففكرة أنها نزلت من المنزل بمفردها وحدثت الأغراب كفيلة بأن تحرقه من الداخل ولكنه صمت عندما صرحت له بكل هدوء أن لا يجعل غضبه يُخرب ما فعلته لذلك صمت

-تعالى يلا دوق الأكل ده وقولي إيه رأيك أنا اللي عملاه كله

إبتسم بهدوء حتى يخفف من توترها الذي بدى على وجهها خوفاً من أن يتعصب عليها

جلس على الكرسي وبدأ بتناول عشائه متلذذاََ بمذاق الطعام

أما هي فكانت تضع الأكل أمامه بطريقة مبالغ بها

فنظر إليها بطرف عيناه وهو يقول:

-كلي يا حبيبتي أنا مش هاكل كل ده

-لاء يا فارس هتاكله أنا عملاه عشانك ولا هو مش عاجبك؟

تناول يدها وقبل كفها بحب شديد وهو يُردف:

-تسلم إيدك يا حبيبي،الأكل جميل

إبتهج وجهها بسعادة وهي تقول:

-بجد يا فارس

-بجد يا روح فارس

أنهوا طعامهم بعد قليل من الوقت

فسحب فارس منديل من العلبة الموجودة على السفرة وقال لها:

-مش يلا

-لاء يا حبيبي لسه هنرقص سلو

قام من على كرسيه ومسك يدها وهو يقول بنفاذ صبر:

-هنرقص بكرة زي ما إنتِ عاوزة يا حبيبتي

قامت من مكانها وقالت له برفض قاطع:

-هنرقص الأول يا فارس،متبوظليش مخططاتي

لوى شفتيه بضيق وهو يقول:

-ويا ترى الموضوع إياه في الخطة الكام

-مش في الخطة خالص يا حبيبي

رفع لها حاجبيه الاثنين ببلاهة وهو يقول:

-نعم!!!

ثم إسترسل حديثه قائلاً بجدية:

-ده أنا أروح فيكي في داهية

❈-❈-❈

يجلس زين على الكرسي الهزاز الموجود بغرفته ناظراً للأمام بشرود

لا يعلم إذا كان ما فعله صحيح أم لا...كان يريد أخذه بين أضلعه ولكن أبت نفسه عندما تذكر "فارس" وما فعله"مازن" معه

بالرغم من كثرة السنوات التي قضاها "مازن" خارج "مصر" ولكن يشهد الله أنه لم يجلس مع "فارس" مرة واحدة إلا وتذكر صديقه الغائب

ولمتهم سوياََ....كانوا كأضلاع المثلث الثلاثة إن غاب الأخر إنهار المثلث

ولكن جاء طيش "مازن" المعهود وفعل فعلته السوداء التى فرقته عنهم

وبعد تلك السنين مازال عند رأيه بأن الخائن بينهم هو "فارس"

يتذكر ذلك اليوم الذي كان يُعقد فيه فارس كتابه على "سارة" بحفل زفاف ضخم تحدد في عدة ساعات

وكم كان مأسوي ذلك اليوم...كان بين نارين

"فارس" و "مازن"

لازال صوت بكاء "مازن" يدوي بأذنيه،كان يبكي كطفل فقد أمه التي كان يمسك بيديها

منذ قليل

-ليه يا زين فارس عمل فيا كده...هونت عليه إزاي

خرجت تلك الكلمات المتحسرة من "مازن" وهو يصرخ بها بعلو الصوت

يقف زين ناظراً إليه مكتف الأيدي لا يعلم ما يفعل معه...يشعر بوجعه فلما لا وهم يربطهم علاقة متينة

صديقه المرح الذي لم يرى دمعه من عيناه يوماً

ها هو يرى شلالات تهبط منها

جلس مازن بتعب على الأريكة الموجودة خلفه وهو يقول بصوت متعب:

-فارس إتجوز مراتي

نظر له زين بإستنكار رافضاً لحديثه قبل أن يقول:

-مراتك ولا ماشي معاها في الحرام يا مازن

لم يترك له مجال للإجابة بل أكمل حديثه ببعض الحدة:

-إحنا عمرنا ما كنا كده ولا بتوع كده يا مازن... يوم ما تقرر  تبقى وسخ يبقى مع بنت عم أخوك مش صاحبك؟

لم يقوى على الرد عليه فهو لم يجد الدليل الآن حتى يُخرسهم به

أرجع رأسه للخلف وهو يتذكر لحظة أن ألقى عليها اليمين تحسباً من فارس إذا صدق حديثه وكان متزوجها

لم يشعر بعجزه سوى في ذلك اليوم المشئوم الذي أخذوها فيه من بين يديه بوضع لم يليق بها

فاق زين من شروده على دخول أمه من باب الغرفة وهي تقول له بإستغراب:

-بقالي كتير واقفة بخبط افتكرتك نايم

مسح بيده على وجهه حتى يعود إلى إتزانه قبل أن يقول:

-معلش يا ماما كنت سرحان شوية تعالي

تقدمت "سمر" الخطوات الفاصلة بينهم وجلست جواره على الأريكة وهي تضع يدها على ذراعه قائلة بحنان:

-مالك يا زين في إيه من ساعة ما جيت من بره إمبارح وإنتَ مش عجِبني

عاد زين برأسه إلى الخلف وهو يتنهد بضيق من الصداع الذي ينهش برأسه قبل أن يقول بهدوء:

-قابلت مازن يا ماما

فتحت عيناها على وسعيها وهي تقول بتساؤل:

-مازن صاحبكم؟

أماء برأسه إلى الأمام دون أن ينطق بكلمه،فهو يحتاج أن يفرغ تلك الطاقة الموجودة بداخله ولم يجد أفضل من والدته،فهو متأكد مليون المئة أنها هي من ستُريحه وليس أحداً سواها

-وإيه اللي حصل؟

خرجت كلماتها بهدوء وهي تنظر إلى إبنها وحالته السيئة الواضحه على وجهه والتي علمت سببها

وجه زين نظره لأمه وقال بنبرة ضعيفة مفصحاََ عما بداخله:

-كان واحِشني أوي يا ماما

-طب وإيه اللي مزعلك يا حبيبي،أديك شوفته أهو وهترجعوا زي ما كنتم

أغمض عينه لبرهه قبل أن يقول بغصه بحلقه:

-نرجع إزاي بس يا ماما...فارس ومازن مستحيل يرجعوا تاني،كل واحد فيهم شايف إن التاني خانه

أماءت برأسها للأمام متفهمه لحديثه ووجعه الظاهر للعيان...فأردفت بحكمة وجدية:

-أبوك وفارس ألد الأعداء لبعض ورغم محاولات أبوك المستميتة إنك تبعد عنه إنت رفضت وإتمسكت بيه أكتر....فمظنش إنك ممكن تبعد عن صاحبك عشان ليه عداوة مع فارس إنت ملكش دخل فيها

عض على شفتيه بتوتر وهو يقول:

-بس أنا كده هخسر فارس

-لو بيحبك بجد هيتفهم ده وهيعرف إن مكانة مازن عندك كبيرة متختلفش عن مكانته عندك

ثم إستكملت حديثها بأخر حتى لا تضغط عليه قائلة بتساؤل:

-عشان كده بقى مزعل رانيا ؟

-هي كلمتك

-اه كلمتني وبتشتكيلي من اللي إنتَ عملته معاها

قام من على الأريكة وإتجه إلى الطاولة يلتقط هاتفه وهو يقول:

-متقلقيش يا ماما أنا هصالحها

17= ج 2=يجلس على المقاعد الحديدية الموجودة أمام الغرفة المحتجزة بها والدته،التي أصبحت رفيقته مؤخراً من كثرة الجلوس عليها  منتظراً

خروج أي طبيب من تلك الغرفة يطمئنه على والدته

هبط بعيناه إلى أسفل قدميه وهو يشرد بذلك اللقاء الذي دبره القدر وجعل قلبه يتفتت لمائات الجزيئات

كانت كما عهدها دائماََ جميلة،مازال حتى الآن يراها أجمل من خُلقت من الفتايات....برغم سفره ورؤيته لعديد والعديد لم تلفت واحده أنظاره سواها

كان يشعر أنها خلقت له من ضلعه هو،هوسه بها دفعه لفعل أشياء كثيرة لم يقبلها عقله ولا مبادئه

مازال يتذكر أول لقاء بينهم عندما كانت في العشرين من عمرها،كان يقود سيارته بسرعه بالغة معتاد عليها من كثرة السباقات التي يدخلها مع أصدقائه

فجأة ظهرت أمامه تلك الفتاة وهي تمر للجهة

الأخرى من الطريق....حاول بسرعة أن يوقف السيارة حتى لا تضرر تلك الفتاة والحمد لله إستطاع السيطرة على سرعه السيارة ولكن للأسف أُصيبت بقدميها بشدة جعلتها تجلس على الأرضيه وهي تبكي بوجع

نزل وقتها من سيارته بسرعة وجلس بجوارها يسألها إذا كانت بخير أم لا...وأخذ يتأسف لها على ما تسببه لها من وجع

ولكنها كان كل ما يشغلها هو ألم قدمها الذي إشتد عليها فكانت لا تستمع له ولا تفهم ما يقول

أخذها للمستشفي عندما رأى حالتها وطلب الدكتور منه بعض الأشعة ورأى أن من الأفضل أن يضع الجبيرة عليها

أخذ رقمها وقتها بحجة الإطمئنان عليها

وطلب منها أن يوصلها إلا بيتها ولكنها رفضت

وأخبرته أن صديقتها ستأتي لتأخذها

ومن بعدها توالت بينهم المكالمات وصدفة أخرى جمعتهم في إحدى المولات

تعرفوا على بعضهم بشكل أكبر ومن هنا إشتعلت شرارة الحب بينهم،كل هذا ولم يعلم

أنها تكون إبنة عم رفيقه

إبتسم إبتسامة ساخرة وهو يتذكر أن تلك المستشفى التى أخذها إليها هي نفسها التي

تقابلوا بها الآن وكأن أقدرهم مرتبط بها

مشاعره متبلدة لم يشعر بأي شئ سوى شعوره

بالقرف تجاهها،سمع وقتها صوت قلبه الذي تمزق عندما رأها...رأها بصورة الخائنة التي نقضت وعودهم وتخلت عنه وعن الحرب معه

لا يعلم حتى الآن من هو المخطئ بقصته

أهو الذي أحب بصدق وحارب الكل

أم صديقه الذي تزوج حبيبته

أم هي الذي وافقت على صديق عمره ولم ترفض

أم والده السبب الرئيسي بذلك

ولكن الآن يريد أن يبكي!!

يبكي على من كانت كل ما له بتلك الحياة

يبكي على وحدته

يبكي على أمه الموجودة بين الحياة والموت الآن

ولكن من سيطيب بخاطره إن بكى؟

رفع رأسه بإستغراب عندما شعر بيد أحدهم موضوعة على كتفه

وجده زين!... لم يتحدث أو يعلق بل ظل معلق عيناه عليه منتظراً أن يُفصح عن سبب تواجده

لم ينسى لقائهم الأول بالمستشفى عندما نعته زين بالخائن لذلك ألتزم الصمت حتى لا يدخل معه في صراع

أما زين ففهم صمته لذلك بعد يده عنه كتفه

وجلس بجواره على تلك المقاعد الحديدية

دون أن يتحدث،يحاول ترتيب الحديث بعقله أولاً حتى لا يشتد معه

حمحم زين بهدوء حتى يخفف من حدة الموقف قبل أن يقول بجدية:

-أنا عمري ما شوفتك خاين يا مازن

لم يعلق مازن على حديثه وظل ناظراً للأمام

يستمع إلى تكملة حديثه

-يمكن أكون أكتر واحد مصدقك كمان بس مكنش بإيدي حاجة أعملها ولا أقول لفارس إنتَ غلط لأن بالمنطق والعقل هو كان صح وأي حد مكانه كان هيعمل كده

لم يرد على حديثه بل قال بتساؤل وهو ينظر إليه:

-إيه اللي جابك يا زين؟

-وحشتني يا صاحبي

أدار مازن رأسه للجهة الأخرى وهو يحاول التغلب على تلك العاطفة التي انتابته تجاه صديقه

ولكن لم يعطيه زين الفرصة للتغلب عليها بل قال بمزاح:

-هحضنك يعني هحضنك

فلتت إبتسامة صغيرة من مازن على صديقه

ونظر إليه بإشتياق بالغ ذروته

ثواني وكان الإثنين يحضنوا بعضهم البعض بشوق وحنين لأيامهم التي مرت

بعد مازن عنه بضيق مصطنع وهو يقول:

-ابعد شوية إنتَ ماسك فيا كده ليه هتموتني

قهقه زين بصوت عالٍ وهو يلكزه بكوعه

قائلاََ:

-همسك فيك على إيه تتك القرف ده حتى ريحتك وحشه

إستكمل حديثه وهو يقول بتساؤل مازح:

-إنتِ مستحمتش من إمتى؟

-هو أنا زيك يا معفن،تلاقيها ريحتك

ضحك زين مرة أخرى ولكن ما قاله "مازن" ببساطه جعل البسمة تختفي من على وجهه نهائياََ وحل محلها الوجوم والصدمة

-قابلت سارة النهاردة

قالها مازن وهو ينظر لباب الغرفة القابعة والدته بداخلها كأنه يحتمي بها من نظرات صديقه الذي تغيرت مئة وثمانون درجة

فماذا يفعل؟...سينفجر إذا لم يخرج ما بجبعته إلى أحد

خرح صوت زين أخيراً وهو يقول بتساؤل:

-قابلتها فين

-هنا في المستشفى

نظر زين له بخوف أن يكون فعل شئ خطئ يندم عليه فيما بعد فقال حتى يذكره:

-مازن سارة مرات فارس دلوقتي مش بنت عمه....أوعي حبك ليها يعميك عن الحقيقة دي

كلماته الأولى نزلت على قلبه وكأنها ماء نار

شعر بإختراق روحه عندما إخترقت تلك الكلمات أذنه...سارة زوجة فارس صديقه!!

أغمض عيناه يحاول الثبات،ولكن الكلمة ضعفته وجعلته يشعر بالخلل داخلياً

يكفي ألم لذلك الحد  هو ليس جبل حتى يتحمل

بل إنسان من لحم ودم ممزق داخلياً

جسده مليئ بالندوب من أقرب الناس له

لم يرد عليه بل نزلت دموعه واحده تلو الآخرى

مُجيبة على حديث "زين"....كان يريد أن يبكي وها قد أتته الفرصة على طبق من ذهب فهو يعلم أن "زين" خير من يُخفف عنه

❈-❈-❈

عادت لين إلى المنزل بعد يوم عمل طويل

تعرفت فيه على طبيعة شغلها وعلى الكثير من زملائها في المهنة،كانت سعيدة للغاية وهي ترى أخيراً ثمرة مجهودها ودراستها التى جعلتها تتعين بمثل تلك المستشفى الراقية

وجدت والدها يجلس بالبهو وبجواره محمد

فألقت السلام عليهم

إبتسم محمد بحب عندما رأها وقال متسائلاً بعدما رد عليها السلام:

-إتبسطي النهاردة يا حبيبتي؟

-جداََ يا جدو...ربنا يخليك ليا يا رب يا حبيبي

إبتسم إبراهيم لسعادة إبنته الطاغية على وجهها ومن ثم قال:

-إطلعي يلا يا حبيبتي غيري هدومك عشان نروح نشوف رقية خطيبة أخوكي...إحنا مستنينك

-حاضر يا بابا نص ساعة بالظبط وأكون قدام

حضرتك

قالتها لين قبل أن تصعد الدرج متوجهة إلى غرفتها

دخلت الغرفة بإرهاق شديد وألقت حقيبتها على السرير ومن ثم جلست عليه لتخلع حذائها

سمعت صوت رنين هاتفها يدوى بالغرفة

فمدت يدها لتتناول حقيبتها ومن ثم فتحتها وأخرجت الهاتف وجدت المتصل "يونس"

ألقت الهاتف على السرير دون أن ترد

فهو منذ ذلك اليوم الذي إعترف لها بحبه

وكشف مشاعرها لم ترد على إتصالاته التي ظلت تتوالى بعدما هربت من بين يديه يومها

وها هي ستذهب إلى بيته الآن،للحقيقة هي سعيدة للغاية أنها وأخيراً ستراه فهي حقاً إشتاقت له ولصوته

كانوا من المفترض أن يذهبوا إليهم أمس البارحة وكانت ستحلق في السماء من كثرة الفرحة أنها ستراه بعدما هربت منه ولكن جاء أبيها وهدم أحلامها عندما أخبرهم أنه سيأجل

الذهاب إليهم إلى أمس بسبب عمله

وها قد أتى أمس الذي كانت تراه بعيداً وأخيراً سترى من سلب النوم من بين عيونها

لا تعلم لما هربت منه ذلك اليوم عندما صرح لها بمشاعره ومشاعرها ولكنها شعرت بإحراج كبير عندما علمت أن مشاعرها كُشفت له

قامت من على فراشها ودخلت الحمام الملحق بغرفتها لتتحمم وتزيل رائحة العرق عنها

❈-❈-❈

كان الكل مجتمع بالأسفل منتظرين هبوط لين

وها هي تهبط الدرج بكل روقي وهدوء بملابسها الرقيقة مثلها تماماً

فكانت ترتدي بنطال من اللون الأسود الداكن ويعلوه كنزة باللون الأسود بها بعد النقشات

البنفسجية وكانت ترتدي غطاء شعرها بنفس لون تلك النقشات

تسائل محمد بإستغراب موجهاً حديثه للين:

-اومال سارة منزلتش معاكي ليه يا لين

هبطت أخر درجات السُلم قبل أن تقول له بهدوء:

-طلعتلها يا جدو قالتلي إنها تعبانة ومش قادرة تروح

تولى إبراهيم الرد عليها بخوف ولهفة على إبنة أخيه وأردف:

-تعبانة مالها يا لين

-مش عارفه يا بابا والله بس هي قالتلي إنها مرهقة شوية وعاوزة تنام

أماء لها إبراهيم بهدوء ومن ثم خرج الجميع متجهين إلى الجراچ حتى يستقلوا السيارة

فركبت لين وسارة مع أحمد

أما محمد فركب مع إبنه إبراهيم

وخرجوا من القصر خلف بعضهم متجهين لڤيلا "محمد الشاذلي" والد رقية

وبعد ساعة من القيادة توقفت السيارتين أمام باب الڤيلا ففتح لهم الأمن البوابة بسرعة كبيرة

فإنطلقوا إلى الداخل حتى أوقفوا السيارتين

هبط الجميع من سيارتهم ودخلوا إلى باب الڤيلا الرئيسي فوجدوا "محمد" بإستقبالهم

تبادل معه إبراهيم السلام ومن ثم محمد

وتبادل التحية مع الباقي

ثم صعدوا لغرفة رقية خلف محمد

ولكن كانت تنظر حولها كل ثانية والأخرى تنتظر أن يطل عليها ولكن تحطمت أحلامها

عندما دخلوا غرفة"رقية" ولم تجده بها فالغرفة كانت فارغة سوى من "رقية"

تقدمت سارة نحو رقية،وأخفضت رأسها حتى وصلت لمستواها ثم قبلتها على خديها وهي تقول:

-ألف سلامة عليكي يا حبيبتي

-الله يسلمك يا طنط

فعلت لين المثل هي الأخرى وتمنت لها الشفاء العاجل وجلسوا بجوارها على الفراش

أما الرجال فألقوا عليها السلام وداعبها إبراهيم قليلاً ومن ثم إتجهوا إلى الأنترية الموجود بنهاية الغرفة يجلسون عليه ويتحدثون على ظروف العمل والبلاد

إبتسمت لين بحب إلى رقية وقالت بمداعبة:

-إيه يا ست رقية جمدي نفسك كده شوية

ردت عليها رقية بمزاح وهي تنظر لأحمد:

-أخوكي جاب أجلي

لم يسمع أحمد ماذا قالت نظراً لبعدهم عن بعضهم ولكن إرتسمت إبتسامة لذيذة على وجهه عندما رآها تنظر إليه وعلى ما يبدو أن

سيرته أتيه الآن

إستأذن من الرجال وذهب إليهم ساحباً الكرسي المجاور للسرير وجلس عليه وهو يقول:

-جايبين في سيرتي ليه يا ترى

تبرعت لين بالجواب عليه وهي تقول بضحك:

-تخيل إن رقية محملاك سبب تعبها يا ملاك يا بريئ إنتَ

وجه أحمد أنظاره لرقية بصدمة مصطنعه أتقن رسمها على وجهه وقال بتساؤل صادم:

-معقول يا رقية؟!!....اه يا قلبي على كسرتك

إنفلتت الضحكات من بين أفواههم على تعابير وجهه المضحكة

أردف سارة وهي تلكز لين بذراعها بمزاح:

-إنتِ بتوقعيهم في بعض يا حقنة إنتِ

نظرت رقية لها بخوف مصنع وهي تقول:

-إوعي تكوني عمتو الحرباية يا لين... أموت فيها والله

-لاء لاء مسمحلكيش تقولي على أختي حرباية

إبتست لين بإنتصار من تأييد أخوها لها ولكن إختفت تلك البسمة وحل محلها معالم الشر كله عندما إستكمل حديثه وقال:

-لين أختي تِعبانة متظلمهاش

ضحكت رقية بشدة على مزحة أحمد وملامح لين التي تبدلت مئة وثمانون درجة

فقام أحمد من مكانه وهو الأخر يضحك متجهاً للين،أخذاً إياها بأحضانه وهو يقول:

-لاء طبعاً بهزر لين أختي دي مفيش أطيب وأرق منها والله

بعدت لين عن أحضانه بغضب ومن ثم مسكت

ذراعه وغرزت أنيابها بلحمه بشدة مما جعل أحمد يطلق أهات منخفضة خوفاً من أن يستمع له حماه العزيز

دخل يونس بتلك اللحظة الغرفة،كان صاعد إلى غرفته فهو للتو أتى من أُمسيته مع أصدقاءه ولكن سمع صوت جلبة أتية من غرفة أخته فدخل ليطمئن عليها

وجد لين منقضة على أحمد بالمعني الحرفي للجملة وأحمد تحت يدها كتكوت مبلول

حمحم وهو واقف على الباب حتى يأخذوا بالهم من وجوده،وكانت أول من تدارك الموقف هي لين....رفعت عيناه من على أخيها ناظرة إلى الباب وجدته واقفاً أمامه بكل ثبات

شعره مصفف إلى الخلف بطريقة فوضوية لذيذة ويرتدي كنزة حمراء ماسكة على صدره

بطريقة مهلكة وأه من عيناه تلك القناصة التي تعشقها

بعدت عن أحمد سريعاً بتوتر،وضربات قلبها بدأت أن تتسارع شيئاً فشئ،تتمنى بهذه اللحظة أن تنشق الأرض وتبتلعها بداخلها حتى تختفي من أمامه

أما أحمد فقام من على الفراش ممسكاً بذراعه

الذي بدأ يؤلمه من أثر نيابها التي كانت مغروسة به فقال لها بتحذير:

-لينا بيت يلمنا يا لين يا بنت إبراهيم الهواري

ثم نظر ليونس وقال:

-أهلاً بأبو نسب كنت صايع فين كده

كان صوت قهقهات سارة ورقية تملئ الغرفة

لم يعدوا قدرين على السيطرة على ضحكاتهم

فنظر يونس للين وجدها تنظر للأرضية متحاشية النظر إليه

-بلقط رزقي

قالها يونس قاصداً  المعنى الحرفي الذي وصل إليها وها هي رفعت رأسها ناظرة له عقب وصول كلمته لها ولكن إصتدمت بعيناه فأخفضتها مرة أخرى سريعاً

تقدم يونس بإحترام مادداً يده لسارة وهو يقول:

-إزي حضرتك

سلمت عليه سارة وعلى وجهها إرتسامة رقيقة وهي تقول:

-بخير الحمدلله يا حبيبي

ثم إسترسلت متسائلة:

-يونس مش كده؟

أماء لها برأسه وهو يبتسم بهدوء

وإنتقل بكل هدوء تجاه لين ومد يده لها هي الأخرى قائلاً بجدية:

-إزيك يا أنسة لين

شحب وجهها وسُحبت الدماء منه عندما سمعت إسمها يخرج من بين شفتيه

رفعت رأسها بتوتر وجدت يده مازالت متعلقة بالهواء منتظراً أن تسلم عليه

أخذت ثواني معدودة مترددة قبل أن تمد يدها

الصغيرة وتضعها بين كفه الضخم

شعرت بضغطته القوية على  كف يدها وعدم تركه لها لفترة أكثر من اللزم

نظرت بطرف عيناها وجدت أخيها ذهب مرة أخرى عند مجلس الرجال وأمها ورقية يتجاذبون بحديث لا تعلم ماهيته

عادت بصرها إليه مرة أخرى وحاولت أن تفلت يدها من بين خاصته ولكنه ظل ماسكاً بها كالطفل الصغير الذي لقى لعبة أحلامه

ولكن ضعف بالأخير وتركها عندما وجد الدموع بدأت بالنمو بعينها

❈-❈-❈

دخل غرفتها بعدما إستأذن من والدها

وجدها نائمة على الفراش واضعة رجلها على شئ عالي موجود على الفراش

وتمسك بيدها هاتفها وعلى ما يبدو أنها تتصفح به حتى تسلى وقتها

رفعت عيناها من على هاتفها عندما سمعت صوت الباب يفتح،فوجدت "زين" أمامها

وضعت الهاتف جوارها بعدما أغلقته وبعدت أنظارها للجهة الأخرى دلالة على حزنها منه

دخل زين الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء

ومن ثم تقدم صوبها حتى وقف أمامها تماماً

قائلاً بجدية:

-عاملة إيه

لم ترد عليه بل ظلت عيناها معلقة على الفراغ خلفه

بدل ذلك الوجه عندما علم أنه لم يأتي معها بنتيجة إلى وجه الأخر الأكثر رومانسيه

جلس على الفراش بجوارها وهو يقول بحب:

-حبيبي زعلان مني وبيشتكيني للناس ليه

نظرت له أخيراً بتحذير قبل أن تقول:

-زين أخرج عشان أنا مش طيقاك

-من ورا قلبك أنا عارف

-زين متستفزنيش

صاحت بها رانيا بنبرة حادة

-سلامتك من الإستفزاز يا حبيبتي

نظرت له بغضب شديد و جهها إحمر بشدة من بروده،فكانت على وشك الإنقضاض عليه

لكنه لحق نفسه وقال بهدوء:

-هفهمك كل حاجة حصلت بس إوعديني متقوليش لحد

وبالطبع كلنا نعلم فضول رانيا المُميت الذي جعلها تتنازل عن موقفها التي كانت تأخذه منه وقالت له بكامل تركيزها:

-أوعدك...في إيه؟

قص عليها "زين" كل شئ حكث بالماضي وعن صداقتهم التي إنتهت بسبب ما حدث

وأخبرها أنه في ذلك اليوم قابل صديقه الذي لم يعرف عنه شئ منذ ما حدث لذلك كان غاضب بعض الشئ

وحكى لها أيضاً ذهابه "لمازن" وعودة العلاقات بينهم مرة أخرى

كانت أعين رانيا مفتوحة على وسعها من هول ما تسمعه من "زين"

قصة ولا بالأحلام...لم تتخيل يوم أن يكون قد حدث شئ كذلك مع "فارس وسارة"

فهي على علم بالفطور الموجود بينهم ولكن لم تعلم سببه سوى اليوم

خرج صوتها بصدمة وهي تسأله كتأكيد على اللي حديثه:

-يعني فارس متجوز سارة عشان متتفضحش؟

نظر زين حوله بحركة تلقائية خوفاً من أن يكون قد إستمع أحداً لجملتها

ومن ثم نظر إليها بتحذير وهو يقول:

-رانيا انا مش عاوزك تجيبي سيرة الموضوع ده نهائي حتى مابينك وبين نفسك

ثم إسترسل حديثه قائلاً بقلة حيلة:

-أنا حكيتلك بس  لأني مش عارف اللي عملته ده صح ولا غلط،وخايف فارس يقاطعني فيها....وإنتِ عارفة إني دايماً بحب أخد رأيك

أماءت له برأسها وقالت بإبتسامة:

-اللي إنتَ عملته ده الصح يا حبيبي...زي ما إنتَ بتقول مازن دلوقتي ملوش حد وعلاقته بأبوه شبه معدومة وأمه بين الحيا والموت

فطبعاً مش عدل إنك تسيبه في الظروف دي

-فارس لو عرف إن مازن في مصر مش بعيد يقتله يا رانيا....إنتِ متعرفيش فارس بيحقد عليه قد إيه لأن هو السبب في جوازه من سارة

-متقلقش فارس ذكي جداً لو كان عاوز يقتله كان قتله وقتها

ثم إسترسلت حديثها متسائلة:

-طب هو ليه فارس مجوزهالوش بدل ما هو اللي يتجوزها

-علي المنشاوي مكنش عاوزها تدخل عيلته يا رانيا فلعب لعبة ذكية أوي صعب أقولهالك

❈-❈-❈

راقده على الفراش واضعه رأسها على صدره

وبيدها تحيط خصره

أما هو فكان يستند برأسها على ظهر فالفراش

وبيده اليسرى يتخلل خصلات شعرها بحركة تلقائية

ككُل مرة يتأكله التفكير بعدما ينتهي معها من ممارسة حبهم

يخشى أن يحرمه الله منها ومن تلك السعادة التي يشعر بها في قربها هي فقط

كلما يأخذ القرار بأنه سيخبرها شئ بداخله يمنعه ويراهنه على أنها ستبعد عنه مدى الحياة

رغم أنه يعلم أن موقفه سيكون أقوى إذا علمت منه هو ولكنه لا يقوى على مصارحتها

يتذكر أمس عندما تحدث مع أمه في الهاتف وعندما إستدار وجدها تقف خلفه

سقط قلبه بين قدميه خوفاً وهلعاً من أن تكون إستمعت لحديثهم

ولكن من كرم الله عليها أنها لم تستمع شئ بل كانت أتيه منذ قليل حتى تخبره أن الطعام أصبح جاهز

مثلما كرمه أيضاً عندما ألقت "چومانة" جملتها الثعبانية

"أول يوم سنعود فيه إلي مصر سأخبرها بكل شىء "

أخبر فارس بها نفسه مقرراً إنهاء تلك المعضلة التي تخطف النوم من جفونه

رفعت نغم رأسها إلى أعلى حتى تكون عيناها متحدة مع خاصته قائلة:

-فارس ممكن تكلم أحمد أخوك تخليه يشوفني عملت إيه في النتيجة لأني نسيت خالص

مسح على شعرها بحب وهو يقول بإبتسامة:

-حبيبي جايب إمتياز وطالع الأول على الدفعة

إستقامت من مكانها بعدم تصديق وقالت بذهول:

-بتهزر يا فارس؟

هز رأسه بنفي وهو يقول:

-لاء يا حبيبي مش بهزر،أحمد جيبهالي من تاني يوم في جوازنا

عبس وجهها قليلاً قبل أن تقول بتساؤل:

-وليه مقولتليش؟

-كنا متخانقين وبعدها نسيت أقولك

ثم إسترسل حديثه قائلاً بهدوء وهو يفتح درج الكوميدنو المجاور له وأخرج منه عُلبة مخملية صغيرة الشكل:

-وطبعاً مش ناسي هديتك

جعدت حاجبيها بإستغراب وعلى وجهها إبتسامة هادئة تنتظر منه أن يفصح عن هديته

وها هو يفتح العُلبة لترى خاتم فخم للغاية

جماله يخطف الأنظار

رفعت أنظارها عن الخاتم بصعوبة ووجهت بصرها له قائلة بتساؤل:

-ده ليا يا فارس؟

-الماس للماس يا أجود أنواع الماس

أخرج الخاتم من العلبة بهدوء ومن ثم وضعها العُلبة على الوسادة

وأخذ يدها اليمنى بين خاصته ووضع الخاتم

بسبابتها ومن بعدها طبع قبلة رقيقة على كفاها قائلاً بخشونة:

-يارب دايماً أشوفك ناجحة ومحققة كل اللي نفسك فيه

إغرورقت الدموع بعيناها من كم العاطفة التي احتاجتها وثواني وكانت داخل أحضانه

تحتضنه بشدة وكأنه أخر سبب لها بالحياة

أحبت حياتها عندما دخلها،لون حياتها بكل الألوان المنعشة...أصبحت حياتها بدونه بلا معنى

ضمها إليه هو الأخر وهو يتنفس رائحتها النفاذة،يدعو الله بداخله أن يديم عليهم تلك السعادة...

خرجت من أحضانه على صوت رنين هاتفه

الذي دوى بالغرفة

مد يده يتناول الهاتف من على الكوميدينو بإستغراب من موعد المكالمة فالساعة تخطت الثانية مساءً  الآن

وجد المتصل ما هو سوى "لين" أخته

إرتسمت بسمة خفيفه على شفتيه تلقائياً

ضاغطاً على رز الإستجابة فهو قصر مع أخته

بتلك الأيام التي قضاها هنا ولكن ما باليد حيلة فتلك الجنية التي بجواره تُنسيه العالم بأكمله

-كل سنة وإنتَ طيب يا روح قلبي وعقبال مليون سنة

قالتها لين مباشرةً عندما استشعرت أنه فتح المكالمة

إتسعت إبتسامته أكثر وهو يقول بهدوء:

-وإنتِ طيبة يا حبيبتي

ثم إسترسل حديثه قائلاً بتساؤل:

-عاملة إيه

-عاملة حاجات كتير أوي بس الظاهر إنك نستني خالص

-مقدرش أنساكي بس كنت مشغول شوية حقك عليا

قالت لين بصوت مازح:

-خلاص أنا هسامحك المرادي عشان صعبت عليا،لكن صدقني المرة الجاية ..

سكتت قليلاً ومن ثم قالت بمزاح:

-هسمحك برضو

قهقه فارس على مزحتها قبل أن يقول:

-عملتي إيه في الشغل النهاردة

صمتت لين لبرهة مستغربة لمعرفته بأمر عملها

عادت بذاكرتها للخلف قليلاََ تتذكر إذا كانت أخبرته ولكنها متأكدة أنها لم تخبره

خرج صوتها أخيراً وهي تقول بإستغراب:

-إنتَ عرفت إزاي

-يا حبيبتي مش معنى إني مشغول يبقى معرفش أخبارك....دي نقرة ودي نقرة تانية خالص

ضحكت لين وهي تقول مذكرة نفسها:

-طبعاً ما إنتَ فارس الهواري

جالسة تأكل أظافرها بضيق....نيران الغيرة تنهش بها من الداخل وهي تستمع إلى تلك المكالمة العاطفية بوجهة نظرها

ترى تلك البسمة المرسومة على وجهه وكلمة "حبيبتي" المتلازمة على فمه منذ بداية المكالمة

وجهها محتقن بشدة تريد أن تحطم الهاتف برأسه

لفت نظره حالتها وهو يتحدث مع "لين" بالهاتف...فإتسعت إبتسامته أكثر قبل أن يقول لها بشفتيه دون صوت:

-أختي

رأيتم تغير حالها للمحال؟

عادت الدماء تجري لوجهها مرة أخرى وهزت رأسها له دون أن تتحدث

-إفتح الكاميرا يا فارس مالك جمبي وعاوز يكلمك

إختفت البسمة من وجهه وتهجم قليلاً لا يعرف ما يقول...فمن المستحيل أن يرفض لطفله طلب مثل هذا وبنفس الوقت كيف وهي تجلس جواره وأول كلمة سيقولها مالك له

هي "بابا"

18=الفصل الثامن عشر

كلما وصلنا للنهاية،يفتح الكذب بداية جديدة،

يسلك دروب طويلة ولكن في النهاية سينهدم كل ذلك على الكاذب

❈-❈-❈

-إفتح الكاميرا يا فارس مالك جمبي وعاوز يكلمك

إختفت البسمة من على وجهه وتهجم قليلاً

مما  أدى إلى توقف الحديث بحلقه،لا يعلم ماذا يجب أن يقول الآن؟...فمن المستحيل  أن يرفض لطفله طلبه بالحديث إليه وبنفس الوقت كيف وهي تجلس جواره وأول  كلمة سيقولها مالك له

هي "بابا"

دخلت "سارة" والدة لين الغرفة باحثة عن مالك وجدته جالس مع إبنتها على الفراش

تقدمت من لين وهي تجعد حاجبيها بإستغراب متسائلة:

-بتكلمي مين يا لين؟

نظرت لين إليها وهي تقول بهدوء ومازالت واضعة الهاتف على أذنها:

-بكلم فارس يا ماما... الصراحة مقدرتش أستنى للصبح زي ما قولتيلي

ثم أكملت حديثها قائلة وهي تُفسح لها المكان:

-تعالي إقعدي كلميه معانا هيفتح كاميرا دلوقتي

تقدمت "سارة" جالسة بجوارها منتظرة أن تتحدث مع إبنها حتى تُعايده بمناسبة عيد ميلاده

عادت لين بتركيزها إليه مرة أخرى قائلة:

-إفتح يلا يا فارس حتى ماما جت أهي عشان تقولك كل سنة وإنت طيب

أبعد الهاتف من على أذنه وهو ينظر إلى إنذار

إقتراب إنتهاء البطارية براحة فرد عليها سريعاً وهو يقول:

-طيب يا حبيبتي خليها بكرة لأن تليفوني هيفصل دلوقتي

-خلاص خد ماما معاك أهي بسرعة عاوزة تعيد عليك

أعطت الهاتف إلى أمها عقب إنتهاء حديثها

تناولته منها "سارة" ووضعته على أذنها اليمنى قائلة:

-إزيك يا حبيبي

-الحمدلله بخير يا أمي...انتِ عاملة إيه

-يخير يا حبيبي

ثم أكملت حديثها بإبتسامة رقيقة وهي تقول:

-كل سنة وإنتَ طيب يا حبيب عمري وعقبال مليون سنة

-وإنتِ طيبة ومعايا يا ست الكل

ثم أكمل حديثه قائلاً:

-إديني مالك يا ماما أكلمه بسرعة قبل ما التليفون يفصل

-ماشي يا حبيبي خده معاك أهو

أعطت الهاتف لمالك الجالس بجوارها منتظراً

دوره في مهاتفة أبيه الغالي وها قد أعطته

جدته الهاتف أخيراً

أخذه منها بلهفة وهو يضعه على أذنه قائلاً:

-كل سنة وإنتَ طيب يا بابي

إبتسم فارس تلقائياً عقب سماعه لصوت إبنه الغالي الذي يشتاق إليه وبشدة قبل أن يرد عليه معايدته قائلاً:

-وإنتَ طيب يا حبيبي....وحشتني أوي أوي

-إنتَ وحشتني أكتر يا بابي

ثم أكمل حديثه مخبراً أبيه بإنجازاته الذي فعلها وهو غائب:

-أنا بقيت شاطر أوي يا بابي والكابتن قالي إن هيبقى ليا مستقبل كبير

إتسعت إبتسامة فارس قبل أن يقول:

-براڤو عليك يا بطل،أيوة كده عاوز أفتخر بيك

ضحك مالك بسعادة قصوى وقال:

-انت هتيجي إمتى يا بابا،وحشتني

-أسبوع بالكتير يا حبيبي وأبقى عندك

إنتظر رد مالك عليه ولكن قابله الصمت

أخفض الهاتف عن أذنه ليرى ماذا حدث

وجد بطارية هاتفه إنتهت

فوضعه جواره على الفراش

-إحنا هنسافر بعد أسبوع؟

أردفت نغم متسائلة

رد عليها فارس بهدوء قائلاً:

-اه يا حبيبتي كفاية كده،شغلي هناك نصه متعطل

أماءت له برأسها قبل أن تقول متشرطة:

-يبقى تخرجني في الاسبوع ده وتوريني تركيا كلها

تناول فارس يدها وطبع عليها قبله مطولة قبل أن يقول:

-طلبات ماسة كلها أوامر

إبتسمت نغم بحب شديد له قبل أن تقول بتذكر:

-صحيح مين مالك ده...هو إنتَ عندك أخ غير أحمد

تصلب جسده واحتد وجهه فها هي كذبة جديدة سيألفها حتى لا ينكشف أمره

ولكن كان لسانه مربوط في فمه لا يقدر على النطق بكلماته

ولكن أخيراً بعد ثواني وجيزة من الصمت قال:

-مالك يبقى إبن بنت عمي

رددت نغم خلفه إسم "مالك" قبل أن تقول:

-إسمه حلو أوي يا فارس،إيه رأيك لو خلفنا ولد نسميه مالك؟

أغمض فارس عيناه لثواني حتى يفيق من حالة التبلد الذي إجتاحته بتلك اللحظة

وقال بصوت يكاد أن يسمع:

-لاء يا حبيبتي إحنا لو جبنا ولد هنسميه قُصي

-إشمعنا قُصي

إبتسم فارس قائلاً:

-إسم سينمائي،قُصي الهواري

إبتسمت نغم هي الأخرى ولكن إبتسامتها كانت مختلفة تماماً عن أبتسامته

كانت بداخلها السعادة تغمر لتحدث فارس في هذا الحديث بطريقة عادية وليس مثل سابقاً عندما رفض فكرة الإنجاب نهائياً

قال أن بمخططاته سيسميه "قُصي" معنى هذا أنه ليس لديه مانع من فكرة الإنجاب الآن

نظر إليها فارس بإستغراب عندما لاحظ شرودها

فقال وهو يضع يده على كتفها:

-إيه يا حبيبي روحتي فين

-مبسوطة إنك وأخيراً بتتكلم على موضوع الخلفة وكمان بتختار إسم إبننا

إرتسمت إبتسامة خفيفة على شفتيه من تفكيرها وسعادتها الظاهرة على وجهها بذلك الشئ الذي لا يُذكر

-يمكن العقدة إتفكت على إيدك يا ماسة

❈-❈-❈

بعد يومين من مرور تلك الأحداث

تجلس لين في النادي منتظرة مجئ "يونس"

كما إتفقوا أمس

أخذها تفكيرها لمحاولاته المستميتة في اليومين الماضيين  لكي يجعلها تتقبل فكرة إرتباطهم وأنه يحبها بصدق ولا يلعب بها كما تظن

وها هي رضخت بالفعل لكلامه المعسول ولإصراره وأنصتت لحديثه،جالسة منتظرة إياه الآن

تذكرت جملته الوحيدة الذي قالها قبل أن يغلق الهاتف عندما يأس من موافقتها

"أنا هاجي النادي بكرة الساعة ١٠ لو ملقتكيش هناك يا لين هعرف وقتها إن كل شئ إنتهى

ووعد مش هتعرضلك تاني"

تعترف أنها أحبته وأحبت حديثها معه،أحبت حياتها وهو فيها

شاغل جزء كبير بيومها....فلطلما كان هو يحبها وهي كذلك فما المانع من أن يتعرفوا على بعضهم بشكل أكبر ومن بعدها يتقدم لها

وجدته يسحب الكرسي المقابل لها وجلس بهدوء قبل أن يقول:

-كنت متأكد إنك هتيجي يا لين

لم تستعف الكلمات لين ففضلت الصمت بخجل شديد فمعنى انها أتت الآن أنها تحبه وهذا في حد ذاته قمة الإحراج بالنسبة لها

إبتسم يونس إبتسامة صغيرة لعلمه بماذا تفكر الآن فقال أخيراً ورحمها من هذا الصمت الذي طبق على المكان:

-مش قادر أعبرلك أنا فرحان قد إيه إنك وأخيراً رضيتي عني وقررتي تديني فرصة

تغلبت على خجلها بردها عليه قائلة بصوت يكاد يسمع:

-يونس إتكلم في حاجة تانية

ضحك يونس بمرح قبل أن يقول:

-لاء يا حبيبتي مش هنتكلم غير في الحاجة دي....إنتِ عارفه أنا بحبك من إمتى ولا متعرفيش

هزت رأسها بنفي وقالت له متسائلة:

-من إمتى؟

-من  أول يوم شوفتك فيه في خطوبة رقية وأحمد سرقتي قلبي مني من قبل ما أعرف  إنتِ مين ولا بنت مين...واليوم اللي اعترفت  لنفسي فيه إني بحبك يوم ما  اتخانقت معاكي في التلفون

ردت عليه لين بإستنكار قائلة:

-حبتني فقومت متخانق معايا

-كنت غبي وبحاول أداري نفسي أو بمعنى اصح مكنتش مصدق إني ممكن أحب حد

ثم إسترسل حديثه قائلاً بصدق:

-أنا عرفت بنات كتيرة جداً يا لين،وغلطت كتير أوي،بس والله العظيم عمري ما حسيت باللي أنا حسه معاكي ده مع غيرك

مش هكذب عليكي وأقولك إني كنت ملاك والكلام ده لأن ده عمره ما كان حقيقي

وأنا بقولك الكلام ده عشان لازم العلاقة تتبني على الصراحة وإنتِ من حقك تعرفي الماضي بتاعي

ردت بكلمة واحدة ببهوت:

-ودلوقتي؟

فهم قصد حديثها فقال سريعاً وهو يبلع ما بجوفه:

-طبعاً مش طايش زي الأول بس لحد دلوقتي عندي صحاب بنات،وعلاقتنا والله مابتتخطاش الصحوبية

صمتت لين للحظات تستوعب بها ما قاله فهي بحياتها لم تحب حامل تلك الصفات،كانت تكره الرجل اللعوب الذي يضحك على عقول الفتيات

والظاهر الآن أن القدر أوقعها بواحد من أصحاب تلك الصفات

-انا مش بقولك كده يا لين عشان وشك يقلب الوان،كل هدفي من كلامي ده إن الصفحة اللي هنفتحها تبقى مبنية على الصدق

-بس أنا ضد فكرة إنك يبقى عندك صحاب بنات يا يونس

-أوعدك من النهاردة علاقتي بيهم كلهم هتتقطع

-ومش حابة إننا نفضل نتقابل كده وأنا خايفة حد من أخواتي يشوفنا وقبل ما أكون خايفة من أخواتي خايفة من ربنا يا يونس

دايماً أسمع إن العلاقات اللي مبترضيش ربنا نهايتها بتبقى وحشة

إبتسم بحب ودعم كلامها وهو يقول:

-خلاص يا ستي وقت ما فارس يجي من سفره

قوليلي وأنا هكلمه وأحدد معاه معاد نيجي نتقدملك فيه

ظهرت السعادة جليه على وجهها عندما حطم شكوكها بأنه يتلاعب بها وقالت بصوت يغلبه السعادة:

-بجد يا يونس

-بجد يا قلب يونس

❈-❈-❈

قابعة بغرفتها منذ ذلك اليوم الذي رأته فيه

عقلها لا يتوقف أبداً عن التفكير به

كيف لم يتخذ أي ردة فعل عندما رأها

والأدهى أنه تركها بعدما فقدت وعيها دون أن يطمئن عليها

تركها دون أن يبرر سبب غيابه وتركه لها في أشد الأوقات حاجةً له

لهذه الدرجة أصبحت لا تعني له،كيف محاها بتلك السهولة وهو من كان يتغنى بحبها

تلك الصدمة تشبه صدمتها عندما لم يحارب

ليصل إليها يوم زفافها من فارس

تشبه صدمتها عندما تركها زوجةً لفارس دون

أي تدخل منه وهرب بعيداً

تشبه صدمتها عندما إنتظرته يعود مرة أخرى ليأخذها من هذا العذاب الذي كانت تعيش به

ولكنه لم يأتي

فهذا هو المتوقع منه الآن

ماذا كانت تنتظر؟

أن يأخذها بين أضلعه يعبر عن شوقه لها!

هذا لن يحدث أبداً ولا حتى بالأحلام

سمعت صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها

فقالت بصوت عالي بعض الشئ حتى يسمعه من بالخارج:

-إدخل

فتح إبراهيم باب الغرفة بهدوء ومن ثم دخل إلى الغرفة متقدماً نحو الفراش الجالسة عليه سارة

جلس على طرف الفراش قائلاً بحب:

-حبيبة عمو حابسة نفسها في الأوضة ليه

إبتسمت له إبتسامة بسيطة قبل أن تقول:

-حاسة إن أنا مرهقة شوية يا عمو

-ألف سلامة عليكي يا حبيبتي،مالك لو تعبانة اوي نروح لدكتور نطمن عليكي

-لاء يا عمو شوية إرهاق وهيروحوا لحالهم

قالتها سارة مطمئنة عمها الذي ما إن قالت أنها متعبة ظهرت ملامح القلق جلية على وجهه

فحقاً عمها الشخص الوحيد الذي يخاف عليها بتلك الحياة وبالطبع بعد جدها

ولكن عمها نكهة حبه لها مختلفة تشعر بأنه أب لها بعد أبيها رحمة الله عليه،حنانه الذي يغمرها به يشعرها بأنها على قيد الحياة

هو الشخص الذي لم يخذل ثقتها به حتى الآن

كانت تريد أن يعوضها الله عن خذلانها من "مازن" ولكن لم تشعر بشئ طوال عمرها سوى بالخذلان

فُخذلت عندما أعطت لفارس فرصة وقابلها هو بالرفض والنفور

وخذلت عندما نبذها الجميع وكرهها

وخذلت أخيراً من مازن مرة أخرى عندما رأها

ولم يعطى أي ردة فعل تشفى نيران شوقها له

لم يشفى ذلك اللهيب الذي إشتعل بصدرها من يومها

تركه لها وهي عروس ومغادرة للبلاد دون أن يقاتل مثلما كان يقول لها دائماً

خرجت من شرودها الحزين على صوت عمها الحاني وهو يقول بمزاح:

-فارس كلها أيام وجاي،قومي ظبطي نفسك كده عشان ميبصش برة

إبتسمت سارة بسخرية على حديث عمها قبل أن تقول:

-يبص ولا ميبصش مبقتش فارقة يا عمو

انطفى بريق المرح من وجه إبراهيم وحل محله الحزن على حال ابنة شقيقه

الذي لم تأخذ من هذه الدنيا شئ سوى الشقاء

حمحم إبراهيم قبل أن يقول متسائلاً بصوت هادئ:

-إحنا ظلمناكي لما جوزناكي فارس يا سارة؟

إرتبكت  سارة قليلاً من سؤال عمها الغير متوقع فهو طوال حياتها مع فارس لم يسألها  هذا السؤال فكيف الآن يأتي ويسأله لها بمنتهى السهولة واليُسر

شردت عيناها بتلك الليالي الصعبة التي عاشتها مع فارس،تذكرت عنفه الغير مبرر معها

تذكرت تلك الليالي التي كان يتطاول عليها باليد

فخرج صوتها مقهوراً بشكل كبير قائلة:

-السؤال جه متأخر أوي يا عمو

تنهد إبراهيم بقلة حيلة ولم يريد أن يَفتح بجرح قديم سيسبب ألم لكليهما

فقام من مكانه قائلاً قبل أن يغادر الغرفة:

-قومي يا حبيبتي خدي دش وبلاش تستسلمي للحزن كده

❈-❈-❈

متقبعة بأحضانه ينظران إلى العالم كله

من نافذة الطائرة

تلك المرة مختلفة تماماً عن سابقتها،فقبل كان كل منهما يجلس بعيد عن الآخر شارد بملكوته

أما الآن فإن رأيتهم ستقول عليهم روح واحدة

يأخذها بأحضانه وكأنها الشئ الوحيد الذي يريده بالحياة

أما هي فكانت متشبسة به بشدة،سعيدة للغاية

بما وصلوا إليه بأخر فترة

تتذكر أخر يومين قضوهم بتركيا كانوا بالحياة كلها

أراها كل متاع الدنيا بهم،شعرت بسعادة لم تشعر بها طوال حياتها

فأراها تركيا بأكملها وكل المعالم التي بها

بالإضافة إلى الأُمسيات الرائعة التي كانوا يقضونها سوياً بإحدى المناطق التى كان يصممها إليها خصيصاً،كان يملئ المكان بالورود

ويتغزل بها بأبيات الشعر التي تأسرها به

بالرغم  من أن المدة التي حددها لعودتهم إلى مصر هي أسبوع ولكنه قرر أنهم يظلوا  بتركيا ليومين فقط وباقي الأسبوع يجلسون بشقتهم في مصر يختلون بأنفسهم

وللحق هذا الاقتراح عجبها كثيراً

فهي أرادت اختلاس بعض الوقت لتقضيه بشقتهم قبل انشغاله بأعماله

لم يقصر بتلك اليومين الذين قضوهم في تركيا

ففعل ما بوسعه لكي  يسعدها ويرى الإبتسامة على وجهها

كانت تشعر أنها محلقة بالفضاء،سعادة غير طبيعية غمرتها وهي بقربه تتذوق عشقه

الذي لا نهاية له

أما فارسنا التي أقصدها إسماً وصفة

كان يفكر بأشياء مختلفة تماماً،بداخل عقله كانت تقوم ثورة لا يستطيع السيطرة عليها

يفكر ماذا سيفعل عندما يصلوا لمصر،وكيف سيبرر غيابه عن المنزل لعائلته،والأهم كيف سيبرر غيابه عنها

من المفترض الآن أنه بعدما يصلوا لشقتهم بخمس أيام سيتركها ويذهب إلى الڤيلا يطمئن على أهله وإبنه

فماذا سيقول لها وقتها؟

أخذ  شهيق كبير عله يهدأ ما بداخله ولكن دون فائدة،يظن أنه لن يستطيع النوم  جيداً وعيش حياته بشكل طبيعي  إلا اذا أخبرها بالحقيقة المرة

رفعت رأسها له وقالت بإبتسامة خلابة مرسومة على وجهها:

-مبسوطة أوي أننا راجعين مصر

رفع لها حاجبه الأيمن مُردفاً بتساؤل:

-اشمعنا

-بحب جو مصر أوي وطبعاً مكنتش عارفة أستمتع بيه عشان كنت عايشة لوحدي أما دلوقتي إنتَ معايا يعني أكيد هنبسط

أنهت حديثها وهي تدفس نفسها بأحضانه أكثر

شدد هو الأخر من إحتضانها وقبل مقدمة رأسها بهدوء قبل أن يقول:

-ربنا يقدرني وأبسطك على طول يا ماسة

❈-❈-❈

تقف نغم بغرفة نومهم أخيراً وهي تخرج ملابسها وملابس فارس من الحقائب لتضعها في الخزانة

وجدت فارس يخرج من المرحاض يرتدي البورنص الأبيض الخاص بالإستحمام

تقدم منها وهو يقول:

-حبيبي بيعمل ايه

نظرت له نغم بابتسامه رقيقة وهي تقول:

-كنت بخرج الهدوم من الشنط والحمدلله خلصت ورتبت الدولاب

رد إليها الإبتسامة وهو يستمع إلى إنجازها الذي فعلته ومن ثم مد يده يجذب خاصتها تجاه فمه مقبلاً إياها وهو يقول:

-تسلم أيدك يا حبيبتي،إدخلي يلا خديلك دش عشان ترتاحي لحد ما أطلب أكل

-ليه يا حبيبي استنى ربع ساعة أكون خرجت وأعملك أحلى أكل

هز رأسه رافضاً لإقتراحها قبل أن يقول:

-لاء ارتاحي إنتِ الطريق كان طويل ومن وقت ما وصلنا وإنتِ واقفة على رجلك

-والله مش تعبانة،أنا بحب أطبخ

-الأيام قدامنا طويلة يا ماسة إعملي فيها اللي إنتِ عاوزاه بس دلوقتي لاء

❈-❈-❈

قضوا خمس أيام بلياليهم في شقتهم مفعمين بالعشق

يصبحون على وجهوه بعضهم ويمسون عليها

لا يعكر صفوهم شئ،كان كل منهم يعيش على سجيته...كان تأثير تلك الخمس أيام مساوي بل بلغ ما فعلوه بتلك الأشهر التي مرت منذ تعارفهم

كانت "نغم" تُصلي لربها كل يوم وتدعيه أن يديم عليها تلك السعادة التي باتت عليها

لم تتخيل يوم ذلك الشعور الذي تعيشه الآن

تشعر وكأنها محلقة بالسماء،ترى الكون كله مليئ بالورود الحمراء والوردي

إبتسمت نغم إبتسامة هادئة وهي تتذكر ذكرياتهم بالأيام الماضية،لم تتوقع أن "فارس"

لديه تلك الشخصية المرحة اللعوبة بالرغم من

معاملته الحسنة لها عندما كانوا بتركيا

ولكن معاملته تلك لا تُقارن بما عليه الآن تحديداً عندما وصلوا لمصر

عشقته أضعاف مضاعفة لما كانت عليه

حنون لأبعد الحدود ومراعي

عندما يزعجها بمزاحه الجريئ بعض الشئ

يجلس جوارها ويفعل ما بوسعه حتى تبتسم وتعفو عنه

خرج "فارس" من المطبخ وهو يحمل بيده طبقين متجهاً نحو السفرة يضعهم عليها

رأته نغم وهو يتجه للمطبخ مرة أخرى فقامت من مكانها متخلية عن شرودها داخله خلفه

-إي يا حبيبي خلصت الأكل

إلتفت فارس إليها وهو يقول بضجر:

-خلصته ياختي، وأبقى عيل صغير لو لعبت معاكي الشايب تاني

صدحت  ضحكة نغم المرتفعة بالمكان وهي تتذكر ذلك العقاب الذي فرضته عليه عندما  خسر بلعبة الشايب تتذكر وقتها رفضه متحججاً بأنه لم يدخل المطبخ طوال حياته  ولا يعلم كيف تُقطع السلطة حتى

ابتسم على ضحكتها التى تجعل قلبه يرفرق كفراشة تحلق بالسماء الصافية

أردف وهو يحمل طبقين أخرين من على الرخامة قبل أن يتجه للخارج

-هاتي الطبقين دول وتعالي يلا

أخذتهم من على الرخامه الموجودة في المطبخ متجهة للسفرة كما أمرها

وهي متشوقة لتتذوق طعامه الذي من هيئته يبدو لذيذ المذاق

❈-❈-❈

دخلت الغرفة بعد أن طرقت الباب عدة طرقات

وفي الطرقة الأخيرة أتها صوت القابعة بالداخل سامحة لها بالدخول

نظرت في أرجاء الغرفة نظرة سريعة لترى أين هي ولكن لم يكن لها وجود،لفت نظرها باب الشرفة المفتوح

فخمنت أنها بالداخل ،تقدمت عدة خطوات حتى وجدتها بالفعل جالسة على كرسي بالشرفة شاردة بالفراغ

جذبت الكرسي البعيد عن مكان جلوسها قليلاً حتى بات أمامها وجلست عليه

نظرت  إليها بإستغراب تام لحالتها التي تلبستها منذ عدة أيام ولم تكن هي من  أوائل الملاحظين لحالتها بل كل من بالمنزل لفت إنتباههم تغيرها التام مما  جعل أبيها أولاً يصعد إليها وبعده بعدة أيام جدها و أمها وأحمد ملاحظين هذا  التغير ولكن بالطبع لم ولن يصعدوا إليها

وها هي أخيراً بعدما تأكدت أن "سارة" زوجة أخيها وإبنه عمها بها شئ غريب صعدت هي الأخرى ولكن وهي عازمه أن تعرف السبب

أردفت لين بعد دقائق من الصمت المطبق على المكان :

-عاوزة أتكلم معاكي يا سارة

أزاحت سارة عيناها من على السماء موجهها إلي لين منصته لما ستقوله إليه دون أن تتحدث

-في إيه يا سارة مالك،إحكيلي فيكي إيه يمكن أقدر أساعدك

أردفت لين جملتها وهي تمسك بيدها خاصتها ضاغطة عليها بحب منتظرة إفصاحها عن سبب حزنها الواضح وضوح الشمس

تُحبها وتثق بها وتعتبرها أخت لها، ولكن كيف ستخبرها أن مشاعرها تحركت مرة أخرى إلى حبها الأول وأصبح تفكيرها منصب عليه؟

كانت ستخبرها إن كانت إبنه عمها فقط،ولكن موقعها كأخت فارس يجعلها تمتنع عن إلقاء ما بداخلها لها

ضغطت لين على يدها أكثر حتى تخرجها من شرودها وصمتها وهي تقول بجدية:

-أوعدك يا سارة إن الكلام اللي هتقوليه مش هيخرج بره عننا...قوليلي يا حبيبتي فيكي إيه

عشان نفكر سوى ونحل الموضوع

لم تقوى على إفصاح ما بداخلها،تخشى من ردة فعل لين أولاً ومن ثم أن يصل الحديث لفارس ويؤذي "مازن" الذي أصبح عدوه منذ تلك الوقعة

تنهدت لين بهدوء قبل أن تقول بتساؤل:

-فارس مزعلك؟

هزت رأسها نفي قبل أن تقول بسخرية:

-وحتى لو مزعلني مش جديدة عليه خدت على كده

زفرت لين بضيق من سخرية إبنة عمها التي ليست بمحلها الآن،فعقلها يدور حول ما ماهية هذا الموضوع الذي يفعل هذا بسارة

-انا مش هسيبك يا سارة غير لما أعرف فيه إيه

ولو سمحتي ماتغيريش الموضوع

أبعدت سارة عيناها عن لين متهربة منها قبل أن تقول:

-قولتلك يا لين مفيش حاجه

-لاء فيه يا سارة وزي ما قولتلك مش هخرج من هنا غير لما اعرف انتي فيكي اي

قالتها لين بحدة وهي تقوم من على كرسيها واقفة مباشرة ً أمامها

لم  تقوى على الصمود أكثر من ذلك أمامها،تخلت عن وجهها الجامد وتبدل بأخر يحمل  متاعب الحياة وفجأة وبدون سابق إنذار إنفجرت بالبكاء،بكاء يأن له القلوب  وتحزن من أجله النفوس

أخذتها لين بين أحضانها سريعاً وبدأت تهدأها سواء بالكلمات أو بحركات يدها الرتيبة على ظهرها

ولكن دون فائدة لم يزيدها ذلك إلا بكاء

اخذتها لين بمشقة وأدخلتها الغرفة عكس رغبتها وهي ساندة إياها وأجلستها على الفراش

وذهبت سريعاً صبت لها كأس من الماء الموضوع على الكوميدينو وأعطتها إياه

تناولته منها سارة بأيدي ترتجف من أثر البكاء

وشربته مرة واحدة ومن ثم أعطتها إياه

وضعته لين على الكوميدينو مرة أخرى

وعادت إليها وعلى وجهها علامات الإستغراب والإستهجان واضحين للأعمي من حالة سارة

التي تفاجأت بها

جلست لين جوارها على الفراش وقالت بتعاطف:

-في إيه يا حبيبتي مالك إحكيلي وريحي نفسك

بدأت شهقاتها تزداد وهي تقول:

-هقولك كل حاجه بس اوعديني إن اللي هقوله  محدش يعرف عنه حاجة

-أوعدك يا سارة

بعدت عيناها عنها وبدأت في سرد ما حدث في الماضي منذ أول مقابلة بينها وبين "مازن"

ولأول مرة منذ تلك الواقعه تُبرر لأحد أنها مظلومه فيها وأنها لم ترتكب إثم كما تخيل الجميع

سردت عليها أيضاً مقابلتها له في المستشفى عندما ذهبت لتزور "مها"

وصفت  لها مشاعرها التي أنكشفت لها منذ ذلك اليوم الذي رأته به.....تحدثت معها  وكأنها تُعري نفسها أمام نفسها،كانت تريد أن تُخرج ما بجبعتها وللحظ بعث  لها ربها لين حتى تستمع إليها

إبتعلت لين ريقها مما تستمعه منها وقالت بصوت متقطع:

-بس يا سارة مشاعرك دي المفروض تمحيها...انتِ مرات فارس دلوقتي

-عمري ما كنت مرات فارس يا لين....دايماً هو وطنط بيتعمدوا يوروني إنهم مغصوبين عليا

بس عمر ما حد خد باله إني مغصوبة على الجوازة دي أكتر منهم

أنهت كلامها بصوت عالي جاء من أعماقها ثم اكملت ببكاء:

-أنا اللي اتجوزته وأنا في قلبي واحد تاني،أنا اللي يومها كنت بصرخ واترجاكم تصدقوا إن مازن يبقى جوزي....بس محدش وقتها سمعني

شيلتوني من حضن جوزي ورمتوني في حضن واحد ما يعرفش الرحمة،غيرني وخلاني إنسانه جشعة معندهاش لا عزيز ولا غالي

أنهت حديثها بشهقات عالية،في محاولة منها لإلتقاط أنفاسها الضائعة

ولكن استوقفها شهقة لين العالية،رفعت أنظارها للين وجدت عيناها جاحظه تجاه الباب كمن رأي جني

بلعت ريقها بصعوبة قبل أن توجه أنظارها محل لين لترى من يقف على الباب

ويا ليتها لم تنظر

وجدت "سارة" واقفة تنظر إليها بنظرات شرسة

تعالت دقات قلبها بشدة عندما جاء ببالها أنها قد تكون إستمعت إلى حديثها مع لين

لم تفكر كثيراً في الأمر لإنقضاض سارة عليها

جالبة إياها من شعرها بقوة وهي تهتف بقوة:

-بقى يا زبالة يا قليلة الأدب تبقى متجوزة فارس الهواري وبتفكري في واحد تاني زبالة شكلك....ده أنا هخلي ليلة اللي خلفوكي سودة

إنتفضت لين من مكانها بعدما أدركت ما حدث وأمسكت سريعاً بيد أمها القابضة على شعر سارة وهي تقول بخوف:

-ماما سيبي شعرها... إيه اللي حصل لكل ده؟

زجرتها بنظرات قوية قبل أن تقول:

-ما هو العيب مش عليها العيب على اللي قاعدة وبتسمعها وهي بتقلل من أخوها

أبعدت سارة يدها عن شعرها بقوة ودفعتها للخلف وهي تقول بصوت عالي:

-إبعدي عني وإيدك دي لو اتمدت عليا تاني هقطعهالك إنتِ فاهمه؟

لم تفكر سارة كثيراً قبل أن تصفعها على خدها الأيمن صفعة نتج عن أثرها إحمرار على خد تلك المسكينة

وضعت سارة يدها على خدها الأيمن بصدمه من تطاولها عليها وضربها

لم تصمت سارة على ذلك بل صاحت بأعلى صوتها قائلة:

-إبني ده يا تربية وسخه هو اللي حمى شرفك

وقبل يتجوز واحدة عديمة الرباية زيك....نسيتي يا بت شكلك وانتِ ملفوفة بالملاية لو نسيتي تعاليلي وأنا أفكرك

❈-❈-❈

قام فارس من على السفرة بعدما أنهى طعامه

قبل أن يقول لنغم:

-أنا هلبس وأخرج يا حبيبتي....عاوزه حاجه من برة

-رايح فين؟

تسائلت نغم وهي تجعد حاجبيها منتظرة إجابته :

-هشوف أحمد وزين عملوا إيه في الشغل في غيابي عشان هنزل أتابع شغل من بكرة إن شاء الله

لم ترد عليه نغم بل بعدت أنظارها عنه موجهها للطبق الشهي الموجود أمامها

غير خط سيره وإقترب من مكان جلوسها...ماسكاً بكتفيها وهو يقول بإبتسامة:

-يا حبيبي أكيد مش هنفضل قافلين على نفسنا هنا في الشقة،في شغل وفي حياة تانية بره

أماءت له برأسها متفهمه لحديثه ومن ثم رفعت أنظارها له قائلة بحب:

-هتوحشني...متتأخرش عليا

-لاء كده مش هنزل وفي ستين داهية أي حاجة تبعدني عنك

قالها فارس بصوت عالي وهو يحملها من مكان جلوسها متجهاً بها إلى غرفة نومهم

باثثاً لها حبه وأشواقه التي لا تخمد أبداً

وبعد عدة سويعات قضوها على فراشهم

قام فارس أخيراً تاركاً قبلة سطحية على جبهتها بعدما خلدت إلى النوم

فتح خزانه الملابس وأخرج منها قميص له وبنطال يليق عليه وأرتداهم على عجلة من أمره

إلتقت هاتفه الذي ارتفع صوت رنينه بسرعة رهيبة خوفاً من أن يزعج نغم بنومها

رد على المتصل بصوت واطي بكلمة واحدة فقط:

-نازل

❈-❈-❈

وجد أخيه ينتظره بالأسفل بسيارته الخاصة

فركب جواره وهو يلقى التحية عليه

-حبيب قلبي وحشتني يا وحش

إبتسم فارس له ومن ثم إحتضنه قائلاً:

-إنتَ أكتر يا حبيبي

نظر له أحمد ولهيئته المشرقة مردفاً:

-ده الجواز طلع بيحلي أهو

ضحك فارس على مزحة أخيه قائلاً:

-عقبالك يا حبيبي وأشوفك محلو أوي كمان

-أمين يا رب

قالها أحمد بسرعة بالغة داعياً الله بالاستجابة لحديث أخيه

-امشي بالعربية يا أحمد إنجز عشان ألحق أرجع لنغم قبل ما الدنيا تضلم

دار أحمد السيارة منفذاً لكلام أخيه قبل أن يقول:

-إنتَ هتقولهم هناك إيه يا فارس وهتبررلهم خروجك بإيه

تنهد فارس بقلة حيلة قائلاً:

-مش هاممني هناك قد ما ههمني نغم يا أحمد

-أنا شايف انك لازم تصارحها النهاردة أو بكرة بالكتير لأن هنا الموضوع هيتكشف بسرعة

أماء له فارس دون أن يتحدث موجهاً بصره نحو الطريق،شارد بما أوقع نفسه به

فهو طوال حياته لم يهاب شئ ولكن الآن

يجلس كالطفل الصغير الذي إفتعل جُرم ويخشى معاقبة أبيه الحازم له

تشنج جسده من أثر جملة أحمد الذي ألقاها بتذكر وهي ينظر إلى الطريق من أمامه قائلاً:

-على فكرة إياد جه الشركة من ٣ أيام يسأل على نغم عشان راح الشقة ملقهاش

لا يعلم كم عدد الدقائق الذي صمت بها،ظل فترة كبيرة يستوعب ما قاله أحمد لدرجة إن

أخيه نظر إليه يتأكد من سماعه للحديث الذي قاله منذ دقائق

-قولتله إيه

خرجوا من بين شفتيه أخيراً،ونظر لأخيه بإنتباه منتظراً إجابته على سؤاله

-قولتلوا إنكم مسافرين شغل

❈-❈-❈

دخل فارس من باب الڤيلا الداخلي وجد السكون يعم المكان من حوله على غير العادة

إرتسمت الإبتسامة على وجهه عندما رأي "مالك"  ينزل من على الدرج جرياً عليه وهو ينادي عليه بسعادة

إلتقطه فارس من على الأرضية رافعاً إياه لأعلى وهو يحتضنه بإشتياق وصل لذروته

مسك مالك برقبته وهو يشدد على إحتضانه هو الأخر قائلاً بإشتياق:

-وحشتني أوي يا بابي

-إنتَ أكتر يا حبيب بابي

قبله فارس عدة قبلات على خده قبل أن ينظر حوله قائلاً لطفله بتساؤل:

-أمال فين جدو وتيتا يا حبيبي

-كلهم في أوضة ماما يا بابي بيتخانقوا

قال مالك جملته ببرائه شديد مفصحاََ لوالده عن سبب تخفي الجميع

إلتفت فارس إلي أحمد سائلاً إياه عن ما يحدث

فرفع أحمد كتفيه الإثنين بصمت دلالاة على عدم معرفته بشئ

عاد بأنظاره إلى مالك مرة أخرى وهو يضعه على الأرضيه قائلا له:

-طب روح يا حبيبي أوضتك إلعب شوية لحد ما أجيلك تاني

أماء الصغير له بالموافقة وتركهم وغادر مكان وقوفهم صاعداً لغرفته

أما فارس وأحمد فسارعوا الخطى نحو غرفة

"سارة" ليروا ما يحدث بها

❈-❈-❈

لم تفكر سارة كثيراً قبل أن تصفعها على خدها الأيمن صفعة نتج عن أثرها إحمرار على خد تلك المسكينة

وضعت سارة يدها على خدها الأيمن بصدمه من تطاولها عليها وضربها

لم تصمت سارة على ذلك بل صاحت بأعلى صوتها قائلة:

-إبني ده يا تربية وسخه هو اللي حمى شرفك

وقبل يتجوز واحدة عديمة الرباية زيك....نسيتي يا بت شكلك وانتِ ملفوفة بالملاية لو نسيتي تعاليلي وأنا أفكرك

دخل إبراهيم الغرفة بتلك اللحظة ووجه مكفر وعلامات الغضب واضحه على وجهه من حديث زوجته الجارح لإبنته أخيه

وقف خلف سارة مباشرةً وفجأة صاح بأعلى صوت له هاتفاً باسمها:

-سارة

إرتعدت  فرائصها وسقط قلبها أسفل قدميها من صوته الغاضب،لم تلتفت خلفها لتراه بل  بقيت ثابته بمكانها خشية من مواجهة الجحيم الذي تلفح نيرانه ظهرها

ذهبت لين سريعاً إليه عقب دخوله وتمسكت بذراعه الايمن قائلة بتوتر:

-بابا إهدى مفيش حاجة،دي مشكلة بسيطة

قاطعتها سارة وهي تتقدم حتى تقف أمام عمها مباشرةً وهي تقول بصوت عالٍ مقهور:

-لاء فيه يا عمو....فيه إن مراتك ضربتني بالقلم

وبتغلط في تربيتي وبتشكك فيا

ثم أكملت حديثها بصراخ نابع من حزنها:

-أنا  تعبت،والله العظيم تعبت...هي مستكترة عليا إبنها واللي متعرفوش أصلاً إن  أنا مش عاوزاه،والله ما عاوزاه... أنا اللي اتظلمت وأنا اللي إتجوزته غصب

-كنت موتني يومها يا عمو كنت إقتلني وريحني من اللي شوفته بعد اليوم ده،

فارس  اللي هي مستكتراه عليا كان ليا كل يوم منه علقة موت....أسال أحمد كانوا  بيخرجوني من تحت إيده ميته يا عمو،انتوا كنتوا فكرين إنكم بتحموني لما  جوزتوني فارس بس اللي متعرفهوش إنكم قتلتوني

دخل فارس الغرفة بهدوء وخلفه أحمد بعدما إستمعوا لما قالته سارة

نظر له إبراهيم بشر وغضب مكبوت بسبب ما فعله بإبنه أخيه الذي ظن أنها ستكون معززة معه وليست مهانه

إقترب منه إبراهيم باعداً عن سارة وقال بخيبة:

-يوم ما جوزتهالك كنت فاكر إني بسلمها لراجل

يقدر يحافظ عليها ويعوضها عن اللي حصلها

بس للأسف طلعت غلطان

أخفض  فارس رأسه في الأرض دون أن يرد على حديثه والده الصحيح مئة بالمئة،فهو أذى  سارة نفسياً وبدنياً كثيراً دون أن يشعر بتأنيب ضمير...كان يفعل ذلك كي  يعاقبها على فعلتها التي تسببت بزواجه منها

-مبقولكش  الكلام ده عشان توطي راسك في الأرض...رد عليا وقولي أسبابك كانت إيه،دي  الرجولة اللي انا علمتهالك...كنت بتسترجل نفسك وإنتَ بتمد إيدك على مراتك

صاح إبراهيم بهذا الكلام لفارس بعدما رأي صمته وخزاه من نفسه

رفع فارس رأسه ناظراً لأبيه وهو يقول بهدوء معاكس للموقف:

-الحب،حبك  لأمي هو اللي خلاكوا تستمروا العمر ده كله مع بعض...بتعدوا المشاكل عشان  بتحبوا بعض،أما أنا عمري ما حبيت سارة كزوجه دايماً بشوفها بنت عمي اللي  كانت في مكانة لين عندي

بعد أنظاره عن أبيه موجهاً إياها إلى سارة التى كانت تزرف الدموع كشلالات...إقترب منها ببطئ حتى أصبح أمامها مباشرةً ومن ثم أردف:

-يمكن تكوني إتظلمتي ويمكن أكون بهدلتك بس الحقيقة إني إتظلمت أكتر منك يا سارة

أنا شيلت شيلت غيري ودي حاجة مش سهلة عليا أبداً كراجل

ختم حديثه وهو ينظر لأبيه نظرة ذات معني

قبل أن يبتعد عنها متقدماً نحو أبيه مرة أخرى

قائلاً:

-مش سهلة يا بابا تبقى عايش مع واحدة عارف إن أعز صحابك لمسها قبلك،عمرها ما كانت سهلة عليا...لو حد إتظلم هنا فهو أنا وبس

كنت كل ما شوفها أفتكر خيانة مازن ليا وأشوف خيانتها لينا كلنا،سارة عرتنا يا بابا

ومش هي دي اللي كان المفروض تجوزهالي

بس وقتها إنتَ مفكرتش في أي حاجة غير إزاي تداري عليها وبس....مع إنها غلطت وكانت المفروض تتحمل نتيجة غلطها مش تحملهولي أنا

إسود وجه إبراهيم من حديث إبنه الذي يعلم مدى صحته، كأي رجل شرقي غيور لا يقبل أبداً أن تكون إمرأته ملكاً لغيره

لا يعلم ماذا يقول أو يفعل فهو يشفق على سارة وبشدة من حياتها التعيسة مع فارس

ولكن الآن عندما إستمع لحديث فارس أصبح مشتت الفكر

أهو ظلمهم الاثنين عندما أجبرهما على الزواج

إقتربت سارة من فارس أخذة إياه بين أحضانها عندنا رأت إنكساره الواضح بعينه

فهي تعلم أنه ليس من السهل على فارس أن يقول ذلك الحديث أمام الجميع

تعلق فارس هو الأخر بأحضانها،مقبلاً رأسها

بحب شديد وإمتنان على وجودها جواره

نظر فارس لإبراهيم بعدما أخرج والدته من بين أحضانه قائلاً:

-وعشان مينفعش أفضل عايش في الظلم ده

خدت خطوة المفروض كنت أخدها من زمان

تعالت دقات قلب إبراهيم بشدة متوقع ما سيقوله إبنه

أما سارة كانت تقف ببرود تام منتظرة سماع الجملة التي شكت بها منذ أيام قليلة

وها هو قالها بكل ثقة وجدية متناهية:

-أنا اتجوزت

19=الفصل التاسع عشر

نظر فارس لإبراهيم بعدما أخرج والدته من بين أحضانه قائلاً:

-وعشان مينفعش أفضل عايش في الظلم ده

خدت خطوة المفروض كنت أخدها من زمان

تعالت دقات قلب إبراهيم بشدة خوفاً من أن يكون ما خطر بذهنه صحيح

أما سارة كانت تقف ببرود تام منتظرة سماع الجملة التي شكت بها منذ أيام قليلة

وها هو قالها بكل ثقة وجدية متناهية:

-أنا إتجوزت

فتح إبراهيم عيناه على وسعيهما مما قاله ابنه

ولم يعي  لنفسه إلا وهو يمد يده لاطماً إياه على خده بكل قوته

علت شهقات الجميع عقب نزول الكف على خد فارس،مصدومين من فِعلة إبراهيم التي لم يتوقعها أحد أبداً

إلتوى فكه عقب لطمة أبيه له،وتمالك أعصابه قدر الإمكان كي لا يفعل شئ خاطئ كرد فعل لفعلة أبيه يندم عليه فيما بعد

دخلت سارة بينهم وهي تلكم إبراهيم بصدره لكمه عنيفة قائلة بعصبية مفرطة:

-إيه اللي إنتَ عملته ده إنتَ اتجننت،إزاي تمد إيدك على ابني

أبعد يدها بغضب عن صدره،ضاغطاً عليها بشده تحت خاصته

إلتوت بين يديه كمن لسعها عقرب وهي تقول بصوت عالٍ دفاعاً عن ما فعله ابنها:

-اللي محتاجة ستين قلم على وشها هي الوسخه بنت أخوك اللي متجوزه ابني وبتفكر في الوسخ التاني اللي غلطت معاه

تلقائياً اتجهت أنظار فارس بشراسة نحو سارة

مستفسراً بعيناه عن مصدقية ذلك الحديث الذي قالته أمه

وجدها  تهز رأسها نافية لما قالته والدته ودموعها بدأت في الهطول على وجهها خشيةً  من معرفة فارس بوجود مازن بمصر..حتى الآن مازالت تخاف عليه وتخشى أن يضره  شئ بعدما حدث بينهم...حقاً الحب ترى به العجب

-اللي عاوزة ستين قلم على وشها هو إنتِ

قالها إبراهيم بغضب جلي قبل أن يهبط على وجهها بلطمى من أقوى اللطمات التي لطمها لأحد بحياته

وضعت يدها مكان الصفعة بصدمة إعتادت عليها،قبل أن تنظر له بقوة قائلة:

-طلقني يا إبراهيم حالاً

جاء أحمد ليتدخل بينهم بعدته سارة بغضب وهي تقول:

-محدش يتدخل....أنا عاوزة أطلق ودلوقتي

-إنتِ طالق

نولها  إبراهيم مرادها أمام الجميع...طلقها وأصبحت لم تحل له بعد الآن،لا يدرك  الآن ما قاله،لا يدرك سوى أنها وقفت تناطحه أمام الجميع بعنادها المعتاد  وأعطاها طلبها التي كانت تعلم أنه من المستحيل أن يحدث

إرتجف جسدها إرتجافة ملحوظة فور سماعها

لما قاله...وارتخى جسدها منها لولا يد فارس الذي تمسكت بخصرها لكانت فريشة في الأرض الآن

دخل محمد الغرفة بعدما استمع لصوتهم المرتفع عقب دخوله من باب القصر

وهو يقول بإستغراب:

-فيه إيه يا ولاد صوتكم عالي ليه

لم يرد عليه أحد بل بقيوا صامتين وكأن على رؤوسهم الطير...مصدومين من طلاق إبراهيم لسارة

جعد محمد حاجبيه بإستغراب من صمتهم المبالغ به قبل أن يتجه نحو لين المنهارة من البكاء

وقف أمامها وهو يضع يده على كتفيها قائلاً:

-في إيه يا حبيبتي بتعيطي ليه

ردت عليه بصوت متقطع من كثرة البكاء بصوت حزين:

-بابا طلق ماما

فتح عيناه على وسعيهما وهو يقول بصدمة:

-إنتِ بتقولي إيه

لم ترد عليه لين بل أكملت بكائها

نظر إلى إبراهيم وهو يقول بتساؤل حذر:

-الكلام اللي قالته لين ده صح يا إبراهيم

-أيوة يا بابا أنا طلقت سارة

قالها إبراهيم بكل ثبات وقوى دون أن يهتز له جفن

إنفعل محمد من سكونه الغريب وقال بغضب:

-إنتَ إتجننت أيه اللي حصل خلاك تعمل كده

لم تعطيه فرصة للرد على سؤال أبيه بل قالت هي بكل قوة:

-هقولك  أنا إيه اللي خلاه يعمل كده...اللي خلاه يعمل كده إنه بيدافع على بنت  أبنك،بنت إبنك اللي مصانتش ابني ولا راعت إنه حماها وحمى شرفها من كلام  الناس ولسه بتحب الوسخ التاني وشافته كمان... بنت إبنغك اللي بتقول إننا  ظلمناها لما جوزناها فارس وإنها كانت عاوزة تتجوز مازن،متجوزة راجل وبتفكر  في حضن راجل تاني...زعل أني قولت عليها واحدة وسخه وضربتها بالقلم،قولي  إنتَ دي واحدة بتقال عنها إيه

تعالت دقات قلب محمد بوجع مستنكراً لحديثها قائلاً بتيه:

-إنتِ بتقولي إيه

-بقول اللي حصل واللي بنت ابنك قالته لِلين بنتي

أما فارس لفت نظره كلمة واحدة بهذا الحديث الذي قالته أمه لِجده وهي"قابلته"...فكيف قابلته؟!

تقدم فارس نحوها ليحصل على إجابة للسؤال الذي بدر في ذهنه قائلاً لها بحدة:

-قابلتيه فين وإزاي

هزت سارة رأسها ببكاء وهي تقول بصوت مبحوح:

-مقابلتوش،مقابلتوش

علم أنها كاذبة من نظرات عيناها ودموعها التي تنزل خوفاً على مازن وليس خوفاً منه

هز رأسه عدة هزات متتالية قبل أن يقول بهدوء:

-إنتِ طالق....طالق....طالق

طلقها  بالثلاثة دون أن يُفكر كثيراً...لا أحد يستطيع أن يعلم مدى راحته الآن  عندما أزالها من حياته،كانت كل طلقة تخرج منه تحمل معها جزءً كبير من آلامه  وهمومه

أغمضت سارة عيناها ودموعها هبطت على وجهها أكثر لا تعلم لماذا اوجعتها الكلمة لكنها حقاً مؤلمة،لا تصدق أنها تحررت منه ومن آلامه

شعرت  بالشفقة على زوجة عمها وعلى شعورها الآن فهي التي تكره العيش مع فارس  وتكره طباعه شعرت بألم غريب تخلل جسدها عقب سماعها لكلمة"طالق" فماذا بزوجة  عمها التي تعشق عمها وهو لديها بالعالم بأكمله

وضع محمد يده على قلبه بوجع وهو يقول بعصبية:

-إنتَ اتجننت ايه اللي قولته ده،الطلاق ده ميتحسبش لأنه وقت غضب

إبتسم فارس ببرود وهو يقول لجده:

-مين اللي قال إنه وقت غضب...أنا بقوله وأنا في كامل هدوئي

نظر محمد لسارة وهو يقول بحنيه:

-متزعليش يا حبيبتي أنا هتصرف في الموضوع ده وهسأل شيوخ

-مبقاش ينفع يا جدو فارس اتجوز

لم تعد لديه القدرة على إستيعاب كمية الأحداث التى تهطل فوق رأسه فمن ناحيه إبنه طلق زوجته ومن أخري حفيده طلق هو الأخر

حفيدته ولم يكتفي بل تزوج عليها قبل الطلاق

اشتد ألم قلبه أكثر ولم يجد نفسه إلا وهو طريحاً على الأرض

بهتت وجوه الجميع وإقتربوا منه صائحين بإسمه

ولكن لا حياة لمن تنادي

❈-❈-❈

-طنط عاملة إيه دلوقتي يا مازن

أردف بها زين هادفاً للإطمئنان على شمس والدة مازن

رد عليه مازن وهو يضع يده على شعره يرجعه للوراء بحزن:

-والله يا زين الدكاترة مش بيقولوا حاجة...كل اللي بيقولوا ادعولها

ربت زين على رجل مازن قائلاً بمواساه:

-إطمن يا صحبي خير إن شاء الله

-إن شاء الله  أديني رايح النهاردة يمكن حد يطمني ولو بكلمة

-هاجي معاك أطمن أنا كمان

أماء له برأسه دلالة على الموافقة

ثم أكمل حديثه قائلاً بتساؤل:

-هتتجوز إمتى

-المفروض الاسبوع الجاي إن شاء الله،كنت مستني فارس يرجع من السفر وأهو رجع الحمدلله

أماء له مازن بصمت شارداً بالفراغ ككل مرة يأتي بها إسم فارس في الحديث

أردف زين بتوتر وهو لا يعلم كيف يقول ذلك الكلام:

-طبعاً يا مازن إنتَ عارف إني نفسي تحضر فرحي بس للأسف فارس هيعرف إنك في مصر كده

إبتسم مازن إبتسامة بسيطة وهو يهز له رأسه بتفهم

لوى  زين فمه بضيق من نفسه ولكنه لا يعلم ماذا يفعل فكيف سيأتي مازن على فرحه  وفارس موجود أيضاً ؟،فارس يعلم أنه قاطع مازن منذ تلك الواقعة وعلى ما يظن  أنه إن علم بتجديد صداقته بمازن مرة أخرى سيقطع علاقته به

لاحظ مازن إنقلاب وجهه فقال له بجدية:

-متزعلش نفسك يا زين...هو ده اللي المفروض يحصل،مينفعش أنا وفارس نتجمع في مكان

-حاسس إن هيجي اليوم اللي هنرجع فيه إحنا التلاتة زي ما كنا

إبتسم مازن بسخرية وهو يقول:

-أهو ده بقى المستحيل بعينه

-مستحيل من ناحيتك ولا من ناحيته؟

-مستحيل من ناحيتنا احنا الإتنين...اللي حصل مكنش سهل عليا يا زين ولا كان سهل عليه أنا عارف

❈-❈-❈

في المستشفى

تقف عائلة الهواري أمام باب الإسعافات الأولية بقلق وخوف منتظرين خروج أي دكتور يُطمئنهم على "محمد"

أما هو فكان يقف بعيداً عالماً بما سيحدث،فهو الذي كان يحمله بين ساعديه وشعر وقتها أنه يحمل جثة جده...نبضه متوقف وأنفاسه

منقطعة تماماً

أما سارة كانت تبكي بشدة على حالة جدها

الذي وقع أمامهم من حسرته عليهم

تدعو الله بداخلها أن يخرج لهم بالسلامة ولا يحرمها منه أبداً فهو الذي تستند عليه بهذه الدنيا ولا أحداً غيره

فُتح الباب المحجوز خلفه محمد فجري إبراهيم سريعاً نحوه متقابلاً مع الطبيب

وهو يقول بصوت مُتعب:

-أبويا عامل إيه...حالته إيه دلوقتي

بعد الدكتور للخلف مقدار خطوة نظراً لإلتصاقه بإبراهيم وقال بعملية شديدة:

-الحاج كان جاي بسكته قلبية بس للأسف مقدرناش نعمل حاجة لأن قدر ربنا كان نفذ...البقاء لله

صراخ الفتاتان "لين وسارة" هو الذي شق الصمت المطبق على المكان

أما إبراهيم فتراجع للخلف وكاد أن يسقط لولا يد أحمد التي سندته

ذهب فارس تجاه أخته وأخدها بين أحضانه عندما أزداد إنهيارها عن الحد وأخذ يهدء فيها

ولكن كان بكائها وعويلها يزداد أكثر

سقطت سارة على الأرض بعدما أصبحت قدميها لا تحملها وهي تضرب بكفيها على وجهها صارخه بإسم جدها

نظر لأحمد أخيه فأستجاب سريعاً ودخلت لين في أحضان أحمد بعدما كانت في أحضان فارس

أما فارس فهبط للأسفل متقابلاً مع سارة وبدون تردد أخذها بأحضانه وهو يبعد كفها عن وجهها

أخذ سارة تصرخ وهي تقول:

-جدو مات يا فارس...جدو مات

ضممها فارس أكثر وهو يحاول السيطرة على حركة جسدها المفرطة قبل أن يقول بهدوء عكس ما بداخله:

-ادعيله...عمره انتهى يا سارة

هبطت دموع إبراهيم بحزن على فقدانه لأبيه

الذي وبالرغم من كبر سنه كان سنده في هذه الحياة،يشعر بالهواء يلحف ظهره،من كان يحميه من مصائب الدنيا رحل وترك ظهره مكشوف للمارة

❈-❈-❈

في تلك اللحظة

دخل مازن وزين إلى مكتب الإستقبال ليأخذوا تذاكر الزيارة

سمع زين صوت عويل وصراخ بعض النساء

فدعى للمتوفى بالرحمه وهو يقول لمازن:

-يا أخي عمري ما جيت المستشفى دي غير لما يبقى فيها حالة وفاة

نظر له مازن بزعر مصطنع وقال:

-وجاي معايا عند أمي!!!

ضحك زين بشدة وقال:

-الله يخربيتك يعم متقولش كده ربنا هيقومها بالسلامة إن شاء الله

خرج من الممر فارس وهو يحمل سارة التي سقطت مغشي عليها

وأحمد يسند لين على صدره

خارجين بهم من المستشفى

ولكن تقابلت الوجوه مع زين ومازن بعدما أخذوا التذاكر وإلتفوا حتى يصعدوا بالمصعد

❈-❈-❈

خرج من الممر فارس وهو يحمل سارة التي سقطت مغشي عليها

وأحمد يسند لين على صدره

خارجين بهم من المستشفى

ولكن تقابلت الوجوه مع زين ومازن بعدما أخذوا التذاكر وإلتفوا حتى يصعدوا بالمصعد

نظر زين بصدمة لفارس وأحمد عندما رأهم بتلك الحالة التي يرثى لها

سارة يحملها كأنها جثة هامدة ولين التي على وشك فقدانها للوعي هي الآخرى

تقدم زين الخطوات الفاصلة بينهم وقال بزعر:

-فارس في إيه،ايه اللي حصل

لم يكن فارس معه بل كان نظره ثابت على شخص واحد لم يراه لعدة سنوات ومع ذلك

عرفه منذ أن وقعت عيناه عليه،تلونت عيناه بالجحيم عندما تأكد من وجوده بمصر

حديث أمه صحيح فبالفعل سارة قابلت مازن!

هبطت عين مازن على سارة التي لا حول لها ولا قوة بين يدين فارس مستسلمة لقدرها

تعالت دقات قلبه بشدة عندما رأها بذلك الوضع لا يعلم ما بها ولما هي مستلقية بذلك الشكل المهلك للأعصاب

لم يهمه نظرات فارس له ولم يهمه صدمته البادية على وجهه ولا نظرات أحمد أخيه المشتعلة بالخوف مما سيفعله أخيه به

وتركهم وغادر المكان بهدوء متجهاً للمصعد

إلتف فارس برأسه للخلف ناظراً إليه وهو يدخل المصعد حتى لقطت عيناه الدور الصاعد إليه المكتوب باللون الأحمر فوق باب المصعد

عاد بأنظاره مرة أخرى للأمام مخصصاً زين بنظرة قاتلة قبل أن يحرك قدميه للخارج وأحمد خلقه ناظراً لزين بشفقة عما سيرى من أخيه

تمسك زين بيد أحمد وهو يقول بقلق:

-فيه ايه يا أحمد...انتوا هنا ليه

لم يهمه نظرات صديقه ولا أنه كشفه وعلم علاقته بمازن كل ما همه هو تلك المصيبة التي جاءت بهم لهنا

رد عليه أحمد قبل أن يتركه ويخرج من المستشفى:

-جدي محمد تعيش إنتَ...وأنا رايح أوصل البنات

إهتز زين قليلاً من الخبر قائلاً:

-لا حول ولا قوة إلا بالله....البقاء لله

أماء له أحمد وتركه وخرج خلف أخيه

واضعين سارة ولين بالسيارة

ركب أحمد في كرسي القيادة وغادر المكان سريعاً متجهاً للقصر

أما فارس فعاد مرة أخرى للداخل حتى ينهي إجراءات خروج جده من المستشفى ومراسم دفنه

وجد زين واقف مكانه كما تركه وعلى ما يبدو أنه منتظره

جاء فارس ليتخطاه،مسك زين معصمه وهو يقول بحزن:

-البقاء لله يا صاحبي،ربنا يجعلها أخر الأحزان

خصصه بنظرة قاتلة صابت هدفها،نظر زين للأسفل بخزى قبل أن يتمتم بصوت منخفض:

-هفهمك كل حاجة بس ياريت تعدي اليوم يا فارس

-رن على عم مصلحي يجهز المدفن

قالها فارس قبل أن يتجه لغرفة الاستقبال مرة أخرى،وجد أبيه يجلس جوار جثة جده على الفراش يبكي جواره بهدوء

خرج مرة أخرى دون أن يتحدث مع أبيه إلى الاستقبال لينهي إجراءات وفاة جده وتغسيله وخروجه من المستشفى

❈-❈-❈

توقف أحمد بالسيارة أمام باب القصر الداخلي

ونزل من السيارة سريعاً بعدما فتح بابها

متجهاً للباب الخلفي حتى يخرج لين وسارة

مسك يد لين وأخرجها بيسر ومن ثم سندها وأدخلها للبهو

وعاد  مرة أخرى وهو يحاول إفاقة سارة بقارورة المياه التي جلبها من الداخل وبعد  المحاولة الثانية فتحت سارة عيناها أخيراً وهي تنظر حولها وفي لحظة تذكرت  ما حدث وعادت لبكائها مرة أخرى

أخرجها أحمد من السيارة وسندها حتى جعلها تجلس بجوار لين

أما سارة زوجة إبراهيم كانت تجلس جوار مالك بغرفته تحاول تهدئته بعدما إنفعل عليه إبراهيم وهم خارجين بمحمد للمستشفى

وأخيراً قد خلد للنوم

نزلت سريعاً لأسفل عندما استمعت لصوت بوق سيارة أحمد

وجدت سارة ولين جالسين بالبهو كل واحدة منهم حالها لا يسر عدو

وجهت سؤالها لأحمد الواقف جوار لين يحرك كفه على ظهرها بهدوء :

-إيه يا أحمد اللي حصل؟

-جدو تعيشي إنتِ يا ماما

ردت سارة على إبنها بصوت حزين:

-لا إله الا الله...ربنا يرحمه يا حبيبي ويبارك فيكو

❈-❈-❈

جلس "علي" على كرسي مكتبه يتحدث في الهاتف وهو يقول بضحك:

-البقاء لله يا مُنير بيه في حمى بنتك العزيز

ضحك منير هو الأخر قائلاً بحزن مصطنع:

-الدوام لله يا علي منجلكش في حاجة وحشة أبداً

ثم استكمل حديثة مذكراً به علي حتى ينغص عليه فرحته:

-بس متنساش يا علي إن لسه في ٢ غيره

وطول ما فارس في السوق هيفضل معلم عليكوا

-بتفكرني ليه يا منير طب سبني أفرح يا جدع

ضحك منير بشدة وقال:

-لازم أفوقك يا صديقي العزيز....إلى اللقاء قريباً

ردد علي جملته وهو يقول بإستغراب:

-قريباً!

أماء منير كما لو كان يراه وقال بجدية:

-نازل بكرة إن شاء الله أنا ووائل..... إنتَ عارف إني لازم أقدم واجب العزاء

-طبعاً يا باشا إنتَ مبيفوتكش أي واجب وبالذات لو كان لعيلة الهواري

❈-❈-❈

دخل مازن الڤيلا بعدما إطمئن على والدته وجد أبيه يجلس في بهو الصالة يشاهد التلفاز

جاء ليصعد لغرفته وجد أبيه يناديه

نظر له بضيق وهو يقول بتساؤل:

-خير

-روحت لشمس النهاردة؟

-لسه جاي

-حد طمنك؟

رد عليه وهو يدير ظهره لأبيه قاصداً درجات السلم لكي يصعد لغرفته:

-فيه تحسن

حمد الله في سره قبل أن يقول بجدية:

-هتيجي معايا نعزي في محمد الهواري

عاد مرة أخرى حتى أصبح يقف أمامه مباشرةً

وقال بنبرة أشد جدية من نبرة أبيه:

-أنا اللي رجعني هنا تاني هو مرض أمي وبس

ولولا كده عمري في حياتي ما كنت هبص في وشك تاني فبلاش طريقتك دي

-كل ده ليه؟...عشان صلحت غلطتك وطيش شبابك

-مكنش طيش شباب يا علي بيه إنتَ دمرتني

وبعدتني عن أكتر إنسانة قلبي حبها

قام علي من على مقعده حتي وقف أمامه بطوله الفارع وهو يقول بغضب:

-قلبك محبش غير بنت الهواري،اللي سلمت نفسها ليك في الحرام تسلمه لغيرك عادي

كنت عاوزني أجوزهالك وأسلمها اسم العيلة كده بسهولة

إقترب مازن بوجهه وقال وهو يضغط على كلامه:

-مكنش في الحرام وإنتَ أكتر واحد عارف إنه مكنش في الحرام

-فاكر الورقتين العرفي اللي كنت ضاربهم معاها دول حلال

رد عليه تلك المرة بصوت عالي والعصبية تخللت هدوئه:

-جوازي منها كان متوثق وعند مأذون وده اللي خلي فارس يستنى ٣ شهور عشان يتجوزها بعد ما طلقتها... اوعي عمرك تقول في الحرام

أنا مش زيك يا علي بيه ولا عمري هكون زيك

إبتسم علي إبتسامة بسيطة قائلاً بهدوء:

-إنتَ ليه فاكرني ضدك،يا حبيبي أنا أبوك وأكتر إنسان نفسي أشوفك ناجح ومبسوط

واللي حصل زمان ده كله عشان مصلحتك

-هتقولي مصلحتك تاني؟...انت عجبك حالي دلوقتي بعد ما عملت اللي في مصلحتي

-انتَ اللي غبي وسيبت وطنك وسافرت بعد ما كنت مأسسلك حياة هتخلي عيلة الهواري كلهم في الأرض

-أنا من غيرها شريد مليش وطن

قالها مازن بكسرة ودموع القهرة اغرورقت بعيونه وهو يصيح بحزن:

-خليته ياخدها من بين حضني بالملاية،خرجت مراتي بالملاية...لعبت لعبتك القذرة ودمرتني

بس تعرف مش عارف أكرهك يا أخي عاوز أجرحك وأردلك اللي عملته بس مش عارف

لأنك للأسف أبويا

توتر علي من مظهر ابنه الذي تغير مئة وثمانون درجة وابتدت إمارات الوجع تظهر على وجهه

بداية من إحمرار وجهه الشديد ودموع عيناه التي يحبسها بالغصب

قال في محاولة منه لإقناع ابنه بما فعله في الماضي:

-أنا  كنت فكرك بتلعب بيها يا مازن مكنتش أعرف إنك بتحبها كده وإنتَ عارف  العداوة اللي بينا وبين عيلة الهواري من زمان فلقيتها فرصة أكسر عينهم  بيها

-كسرت عينهم بمراتي...كسرتها وكسرت قلبي

الله يسامحك  على اللي حصل..الله يسامحك على وجعي يوم ما شوفتها بتتجوزه وكنت واقف  متكتف،الله يسامحك على وجعي النهارده وأنا شايفه شايلها بين إيديه..الله  يسامحك

صوت إبنه المليئ بالقهرة جعله يحسبها ويعرف أنه أخطأ،في أول  مواجهة بينه وبين ابنه منذ تلك السنوات التي مرت جعلته يقف أمامه كالتلميذ  المخطئ لا يستطيع الرد عليه

-حقك عليا يا مازن سامحني يا بني والله العظيم عمري ما قصدت أذيك ولا أجرحك

بس وقتها الشطان اتمكن مني ولقيتها فرصة أضرب بيها عيلة الهواري وأبعد البنت دي عنك

لأني مكنتش عاوز دم عيلة الهواري يبقى موجود وسطينا

جلس مازن على الأريكة بعدما شعر أن قدميه لم تعد تحمله وهو يقول له:

-أسامحك؟...أسامحك بعد أيه،بعد ما دخلت البيت اللي كنت مأجره وحطيت فيه كاميرات مراقبة عشان تتفرج على ابنك ومراته

ولا  اسامحك على إنك بعت الفديوهات لفارس وفرجته على لحمي ولا أسامحك على  خروجها بالملاية ولا أسامحك على الرعب اللي سببتهولها بالفديوهات دي وأنك  هتشهر بيها لاء وكمان خلتها تقتنع إني مشترك معاك في اللعبة القذرة دي

وياريتك استكفيت بكده وبس لاء سرقت كمان الورق اللي أقدر أثبتلهم بيه انها مراتي وطلعتها خاطية قدامهم....أسامحك إزاي قولي

طب ولو أنا سامحتك معقول ربنا هيسامحك على اللي عملته ده؟

-ربنا غفور رحيم يا مازن

قالها علي بصوت واطي يكاد يسمع وهو ينظر إلى أسفل غير قادر على رفع عيناه أمام إبنه بعد ما قاله من حديث مخزي

قام مازن من مكانه قائلاً بنبرة حاول جاهداً أن يجعلها متزنة:

-وأنا أتمنى إن ربنا يسامحك وأنا كمان أقدر أسامحك

تركه وصعد درجات السلم بسرعة رهيبة داخلاً

لغرفته  يبكي كطفل صغير تعرض لتعنيف من والده،مازال يحبها ويدق قلبه شوقاً لها عند  رؤيتها،إنخلع قلبه من مكانه عندما رأي مازن يحملها كالجثة ولكنه قبل أن  يغادر المستشفى علم بوفاة محمد فعرف سبب حالتها تلك

أشفق عليها ودعى ربه أن يلهمها الصبر لأنه أكثر من يعلم كيف تحب جدها وتحترمه

❈-❈-❈

في مقابر العائلة

يقف الشيخ أمام القبر الموضوع عليه اسم "المرحوم محمد الهواري" يقراء ما تيسر من القرآن الكريم

وخلفه يقف فارس وإبراهيم وأحمد وزين ينصتون إليه في خشوع

ومن خلفهم بعض الرجال الآتيين لتقضية واجب العزاء

أما على الجانب الآخر فتقف سارة ولين يبكيان

على وفاة جدهم الغالي رحمة الله عليه

تقف سارة والدة لين جوار إبنتها محاولة تهدئتها ولكن دون فائدة

بعد مرور ساعتين من تواجدهم في المقابر

إستقلوا سياراتهم وذهبوا إلى القصر لأخذ واجب العزاء من الضيوف

❈-❈-❈

نظرت  نغم للساعة وجدتها تجاوزت الحادية عشر ليلاً وعلى ما تظن أنه خرج الساعه  واحدة ظهراً تقريباً،فكيف لم يطمئن عليها كل هذا الوقت؟....أخذت هاتفها وهي  تبحث عن رقمه وضغطت على زر الإتصال قبل أن تضع الهاتف على أذنها منتظرة  رده عليها

ولكن انتهت المكالمة دون أن يأتيها رده،عادت القرة مرة  أخرى وهاتفته ولكن تلك المرة كسابقتها لم يأتيها الرد....بدأ القلق ينهش  منها وهي تفكر لماذا لا يرد عليها ولا فكر طوال اليوم أن يهاتفها يطمئن  عليها

جاءت ببالها فكرة فأخذت الموبايل بعدما ألقته جوارها وهاتفت "رانيا"

لم ترد عليها أول مرة ولكن في المرة الثانية جاء صوتها المنخفض وهي تقول:

-إزيك يا نغم

-الحمدلله بخير...أسفة إني برن عليكي دلوقتي

وقلقتك يا رانيا

-لا يا حبيبتي مفيش قلق ولا حاجة...خير؟

-فارس  خرج من الصبح وقالي أنه مع زين وأحمد بس لحد دلوقتي مجاش ولما برن عليه  بيدي جرس بس مش بيرد،فلو ممكن ترني على زين تطمنيني على فارس

سكتت رانيا قليلاً قبل أن تقول بتوتر:

-فارس وزين في القصر لو عاوزة تكلمي فارس ممكن أشاورله أديله الموبايل

ردت عليها نغم بإستغراب قائلة:

-هو إنتِ معاهم؟

-إنتِ مفتحتيش سوشيال ميديا ولا إيه يا نغم

محمد الهواري جد فارس توفى النهاردة

صُدمت نغم مما قالته رانيا فهي لأول مرة تعرف أن فارس لديه جد من الأساس

ولكن تداركت صدمتها سريعاً قائلة:

-طب إديني عنوان القصر يا رانيا لازم أبقى مع فارس

توترت رانيا ووقفت كصنم لا تعلم ما ستقوله

فهي لم تتخيل أن نغم ستسألها على العنوان لتأتي إليه،فقالت بتوتر:

-هتيجي إزاي يا نغم ده الليل دخل علينا

-هاتي العنوان يا رانيا وأنا هتصرف

لم تجد رانيا مهرب من المأذق الذي وضعت نفسها به  فوجدت نفسها تعطيها العنوان بكل يسر ومن ثم أنهت الإتصال

ضغطت على زر الاتصال ولكن على زين ولكنه لم يرد...حاولت مرتين أخرين وفي الأخيرة جاوب أخيراً

-إيه يا رانيا

-زين نغم جاية القصر دلوقتي

رد عليه زين بإستغراب وهو يقول:

-إيه اللي هيجبها القصر!!

أردفت رانيا بتوتر نادمة على انفلات لسانها منها:

-كانت بتسألني عن فارس فقولتلها إن جده توفى والله العظيم كنت فكراها عارفة..لقتها بتقولي هاتي عنوان القصر أنا جاية

زفر زين بضيق قبل أن يقول:

-ربنا يهديكي يا حبيبتي ويربط لسانك اللي مودينا في داهية ده

-إنتَ في ايه ولا ايه يا زين...قول لفارس يمكن يمنعها تيجي

-ماشي...سلام

اغلق زين الهاتف دون أن يستمع لها وعاد مرة أخرى لمكانه بجوار فارس

مال رأسه قليلاً ليصبح مقابل أذنه وقال بصوت منخفض لا يسمعه غيره:

-نغم جاية القصر دلوقتي

وقف في هذا الوقت إياد صاحب أحمد أمامهم وهو يمد يده مصافحاً فارس وهو يقول:

-البقاء لله ربنا يجعلها أخر الأحزان

أماء له فارس وهو يقول بذهن شارد بما أخبره به زين:

-الدوام لله

سلم إياد على زين هو الأخر ومن ثم عاد ليجلس جوار صديقه أحمد

فرح عندما رأي فارس موجود بالعزاء فمعنى هذا أن نغم هي الأخرى عادت من السفر معه

فعزم على الذهاب إليها غداً فلأول مرة منذ معرفته بها يبعد كل هذا البعد عنها

نظر فارس بالساعة وجدها تخطت الثانية عشر

أخرج هاتفه سريعاً وجد العديد من الإتصالات الآتية من نغم

نظر فارس إلى زين وهو يقول بتساؤل:

-مين قالك انها جاية؟

-رانيا ادتها العنوان

نظر له نظرة لها معنى

فسكت زين لا يعرف ما سيقوله له فرانيا مخطئة ولكن ماذا سيفعل هذا طبعها

مسك فارس هاتفه وهو يبتعد عن مكان جلوسه

مهاتفاً نغم

قال بغضب بعدما فتحت المكالمة دون أن ينتظر سماع صوتها:

-إنتِ فين؟

شعرت بالخوف عندما لمست نبرة الغضب المحتلة صوته فقالت بحذر:

-أنا راكبة التاكسي وجاية القصر يا فارس

رد عليها فارس بعصبية وهو يقول:

-ده بمزاجك كده...كيس جوافة أنا أعرف إن مراتي خرجت من البيت من صاحبي

-يا فارس انا لما عرفت إن جدك توفى رنيت عليك كتير عشان أقولك إني هاجي بس إنتَ مردتش عليا فضطريت إني أخرج

أغمض فارس عيناه بشدة عله يُهدأ من غضبه

لا يصدق أنها خرجت من المنزل في ذلك الوقت المتأخر والأدهى أنها تنفرد برجل في سيارة التاكسي بهذه الساعة

-إنتِ فين دلوقتي

قالها بصوت جاهد في خروجه بهذا الهدوء

-أنا نزلت أهو وواقفة قدام القصر،تعالى خدني

عشان هتكسف أدخل

أغلق الهاتف ووضعه بجيب بنطاله بعد معرفته بوقوفها أمام البوابة الخارجية للقصر وعاد مرة أخرى للداخل قائلاً لزين:

-أنا خارج ثواني وجاي خليك قاعد مكاني

أماء له زين ثم قال بإستفسار:

-في حاجه ولا أيه

رد عليه فارس بسؤال ليس له علاقة بما يقوله:

-هو النهاردة كام في الشهر

رد زين على سؤاله بإستغراب:

- ٥/١٢.....ليه

- عرفت ليه أنا مبحبش رقم ١٢ ولا لسه

- لاء مش واخد بالي مبتحبوش ليه؟

-عشان مبيحصلش فيه غير المصايب

قالها فارس قبل أن يغادر المكان الجالس فيه الرجال

ووقف أمام باب النساء وهو ينادي على "لين"

ذهبت إليه لين عندما إستمعت إلى صوته

وقالت بتساؤل:

-بتنادي عليا يا فارس؟

-اه يا حبيبتي كنت عاوز في خدمة عارف إنه مش وقتها بس عشان خاطري أقفي جمبي

-في إيه يا فارس،إنتَ عارف إني أعمل اي حاجة عشانك

إبتسم لها فارس إبتسامة بسيطة رداً على كلامها قبل أن يقول بتوتر:

-نغم مراتي برة وإنتِ عارفة إن لسه متعرفتش على حد هنا وأنا مش هقدر أقعد معاها وأسيب الرجالة فهسيبها معاكي أمانة يا لين

صمتت لين للحظات رافضة الفكرة حتى لا تجرح سارة إبنة عمها وصديقتها ولكن اخرجها فارس من صمتها هذا برجائه:

-عشان خاطري عندك يا لين مترفضيش ده اول طلب أطلبه منك...إنتِ بس هتقابليها حلو ومتخليش حد يضايقها وهي هتقعد مع رانيا

أماءت له لين موافقة بالإجبار بعدما قالت:

-هاتها

قبل رأسها بحب قبل أن يقول:

-شكراً يا حبيبتي

تركها  فارس وخرج من باب القصر الداخلي متوجهاً للخارج وجدها بالفعل تقف أمام  البوابة الرئيسية ملتحفة بالأسود بالكامل ووجها كالبدر المنير بين عتمة  الليل

جريت نغم عليه بسرعة فور وقوع عيناها عليه

وارتمت بأحضانه وهي تقول بإشتياق:

-وحشتني أوي

ضمها فارس إلى حضنه أكثر وقبل رأسها قبل أن يقول:

-وإنتِ كمان

بعدت عن حضنه وهي تقول بأسى:

-البقاء لله أنا والله معرفتش غير من رانيا...أنا اصلا مكنتش أعرف إنك عندك جد

إبتسم فارس على مزحتها الأخيرة وهو يقول:

-في حاجات كتير مكنتيش تعرفيها وتقريباً كده هتبان النهاردة

نظرت له بإستغراب وهي تقول:

-حاجات زي إيه

-هقولك لما نروح النهاردة،بس أوعديني اي حاجة هتشوفيها جوة أو تستغربي منها متسأليش فيها غير لما نروح بيتنا

أماءت له نغم بإستغراب وهي تقول:

- حاضر

❈-❈-❈

بمكان تجمع السيدات

تجلس سارة تستقبل العزاء من الضيوف الوافدين وبداخلها جمر مشتعل تريد أن تأخذ بعضها وتغادر المكان لتترك نفسها لحزنها

فإبراهيم طلقها دون أن يرف له جفن

بداخلها شعورين شعور يريد أن تذهب إليه وتحتضنه لتخفف عليها ألم فراق والده التي تعلم جيداً كيف سيؤثر عليه

والثاني يريدها أن تهرب من هنا فالحقيقة المُرة أنها أصبحت طليقته ليس إلا

وقف فارس على الباب وبيده نغم يبحث عن أمه وأخته بعيناه حتى وجدهم

تقدم بخطاه إلى الداخل ونغم تسير جواره مشددة على كفه

وبمجرد دخوله وهو ماسك بيدها جعل أنظار كل السيدات الموجودين بالمكان منصبة عليهم محاولين تخمين من تلك الموجودة مع فارس الهواري

وقف أمام والدته وقال بنظرة ذات مغذى:

-نغم يا ماما،مراتي

توقيت  غير مناسب تماماً حتى تستقبل زوجة ابنها التي عادت الحياة لإبنها مرة أخرى  كما قال لها.....سعيدة لسعادته ولكن بداخلها جمر من النار مشتعل من طلاقها  من إبراهيم،حتى الآن لا تصدق ما حدث

لو كان في وقت أخر لكانت تطير من الفرحة الآن ولكن صدمتها بطلاقها من إبراهيم جعلتها في صدمة كبيرة لا تقدر على استعابها

نظر لها فارس نظرة رجاء لمحتها في عيونه

فاغتصبت نفسها لتتصنع إبتسامة واسعة وهي تأخذها بين أحضانها قائلة:

-ما شاء الله عليكي زي القمر يا حبيبتي..فارس مكدبش في اللي قاله عليكي

إبتسمت لها نغم بخجل وقالت لها:

-ربنا يخليكي يا طنط...الصراحة إنتِ اللي زي القمر

وفي سؤال بيدور في ذهني دلوقتي إنتِ إزاي أم فارس

ضحكت سارة من قلبها وهي تقول لها:

-طفرة جينيه بتحصل عادي

جاءت  لين إليهم قائلة لفارس حتى لا تُحزنه فهي تعلم أنه ذهب بها إلى والدتها  لمعرفته أنها لن تستطيع محادثتها ولا النظر بوجهها ولكنها قامت وفعلت ذلك  من أجل أخيها:

-مش هتعرفها عليا يا فارس

إبتسم فارس لها إبتسامة إمتنان ووضع يده على كتفها وهو يقول لنغم:

-دي يا ستي لين القلب...أختي

إبتسمت لها نغم وقالت بهدوء:

-البقاء لله

-الدوام لله يا حبيبتي...تعالي أقعدي معانا هناك

احنا والبنات

نظرت نغم لفارس أماء لها برأسه وهو يقول:

-روحي يا حبيبتي معاها

ذهبت نغم مع لين لمكان الفتيات

أما فارس قبل رأس أمه قائلاً لها بهدوء:

-عارف إنك زعلانة ومش قادرة تقعدي أكتر من كده بس صدقيني لما الناس تمشي هنشوف حل

أماءت له برأسها وهي تقول له:

-ربنا يباركلي فيك يا حبيبي

❈-❈-❈

سلمت نغم على رانيا وجلست جوارها بعدما دخلت مع لين غرفة جلوس الفتيات

نظرت لها سارة نظرة شمولية عرفت من خلالها أنها نغم سكرتيرة فارس سابقاً وزوجته حالياً فهي رأت صورتها بالجريدة مع فارس من قبل

لا  تعلم لما هذا الشعور الذي استوطنها ولكنها كرهتها،على ما يبدو أن المرأة  تفضل مرأة مهما كانت الظروف...تحب إمتلاك الأشخاص وها هي نيران الغيرة  اشتعلت بجسدها تجاهها

لا تغير على فارس ولكنها تغير من سرقتها لإسمها الذي كان الكل يهابها به من قبل وهو

"زوجة فارس الهواري"

أخفضت بصرها لأسفل عندما لاحظت نغم نظرات الكره التي تخصها بها

مالت نغم على رانيا وقالت لها بصوت منخفض وهي تشير على سارة بعيناها:

-رانيا هي مين اللي قاعدة هناك دي

-بنت عم فارس

قالتها رانيا بسرعة رهيبة قبل أن تفكر في الإجابة لانها عندما تفكر تخرب الأمور

-من وقت ما دخلت وهي عمالة تبصلي بقرف

-سيبك منها وبصي قدامك

❈-❈-❈

وقف فارس بإستغراب عندما وجد جده مُنير وخاله وائل

داخلين من الباب الرئيسي لمعزى الرجال

ومن خلفهم دخل علي

كانت وجهة منير الأولى هي فارس حفيده الذي يفتخر به وبدهائه في العمل رغم أنه يعود عليه بالضرر

احتضنه مُنير دون أي انذار وقال:

-وحشتني يا ابن الهواري

إبتسم فارس وقال:

-ما هو باين من أخر صفقة يا منير بيه

-واخدها عند فيك خد في بالك...أصلي بحب ألعبك في السوق أوي

ضحك فارس وقال:

-وانا بحب اللعب معاك يا منير

-قليل الأدب بس بحبك أعمل إيه...مش بيقولوا أعز الولد ولد الولد

ثم إستكمل حديثه قائلاً بجدية:

-البقاء لله...العمر الطويل ليك إن شاء الله

-الدوام لله... شكراً على نزولك

سلم  وائل هو الأخر على فارس بحب كبير فوائل علاقته بفارس ليس خال وإبن أخته  ولكن علاقة أخ بأخيه رغم العداوة التي أصبحت بين أبيه وعائلة الهواري  مؤخراً في العمل

ذهب أحمد إلي مكان وقوفهم وسلم على جده وخاله هو الأخر

أما علي فوقف أمام فارس قائلاً بسخرية:

-البقاء لله يا فارس يا بني منجلكش في حاجة وحشه تاني

نظر له فارس بعيون تطلق شرارات تحرق الأخضر واليابس قبل أن يقول:

-قول لإبنك فارس الهواري هيجيبك والمرادي مش هيرحمك

توتر علي قليلاً قبل أن يقول:

-ملكش دعوة بيه يا فارس ابني بعيد عنكم خالص

-هعرف إذا كان بعيد ولا قريب بس وقتها حضرله كفنه عشان زي ما قولتلك مش هرحمه

❈-❈-❈

في الساعة الثانية ليلاً بعد انتهاء العزاء ومغادرة أغلب الحاضرين

دخل مُنير ووائل القصر وبجوارهم علي بما أنه صديق منير الصدوق

عندما رأت سارة والدها جريت سريعاً إليه وهي تحتضنه بإشتياق لا تصدق أنها رأت والدها أخيراً بعد تلك المُدة التي سافر بها

ضمها اليه أكثر بإشتياق وهو يقول:

-وحشتيني يا حبيبتي

-حقك عليا يا بابا أنا أسفة أني قاطعتك كل الفترة اللي فاتت دي عشان ناس متستهلش

خصصت تلك النظرة لإبراهيم الواقف خلفهم

قبل رأسها وقال:

-مفيش حد بيزعل من روحه يا حبيبتي

خرجت من حضن أبيها لحضن وائل

خرجت لين والبنات على الصوت الأتي من الخارج

سلمت لين عليهم بحب هي الأخرى وظلت بجوار خالها متمسكة بحضنه

أردف مُنير أخيراً بعد فترة من الصمت:

-هنستأذن إحنا عشان نسيبكم ترتاحوا

يلا يا وائل إنتَ وعلي

وجاء ليلتفت حتى يغادر

أوقفته سارة بصوت قوي لا تعلم من أين  أتى:

-استني يا بابا أنا جاية معاك

رد عليها منير بإستغراب وهو يقول:

-جاية معايا فين؟

-أنا وابراهيم اطلقنا يا بابا

جاء ليرد عليها سمع صوت علي الذي يقول بصدمة:

-نغم

20=الفصل العشــــــــــــــــــ20ــــــــرون

لم أتوقع يوم أن أذوق كل ذلك الألم على يد من أطعمني خيرات الدنيا،كيف أصبحت كل تلك التعاسة ملكاً لي بسبب من أراني السعادة ألواناً

كيف من اتخذته وطناً أصبح لي قبراً الآن؟

من بنيت معه أحلاماً شامخة،هُدمت كل الأحلام

على كذبة واهية

❈-❈-❈

-استنى يا بابا أنا جاية معاك

رد عليها منير بإستغراب وهو يقول:

-جاية معايا فين؟

-أنا وإبراهيم اطلقنا يا بابا

جاء ليرد عليها سمع صوت علي الذي يقول بصدمة:

-نغم

عندما إخترق إسم محبوبته أذنه بصوت "علي"

نظر للخلف بدون تفكير محدقاً بعلي منتظراً منه توضيح على صدمته البادية على وجهه

ولكن  علي كان بعالم أخر لا يرى فيه ولا يسمع سوى الماضي،ضحكات ملاك صغير يعلو  بأنحاء المكان....ومن جهة أخرى أصوات صريخ زوجته شمس وبكائها لسنوات

انتقلت  أقدامه تلقائياً إليها دون وعي منه حتى وقف أمامها مباشرةً،مد يده بعدم  تصديق حتى يلمسها ويتأكد من وجودها أمامه الآن حية تُرزق

ولكن وجد فارس يسحبها من أمامه مدخلاً إياها بأحضانه وهو يقول بغضب:

-عينك لو متشلتش من عليها حالاً هخزقهالك

نظر علي لفارس بتيه وقال وهو مازال تحت تأثير الصدمة:

-مين دي

-مراتي

قالها فارس وهو ينظر إليه بتحدي وثقة

ردد الكلمة خلفه وهو يقول بإستنكار:

-مراتك!!....ازاي

إقترب وائل من علي وهو يحيل بينه وبين فارس قائلاً:

-في إيه يا علي...إنتَ تعرفها؟

أخرج "علي" جزدانه من جيب بنطاله وأخرج منها صورة صغيرة موضوعة به وأعطاها لوائل وهو يقول له بوجع:

-نغم يا وائل نغم

رفع وائل عيناه من على الصورة الموجودة بين يديه مصوباً بصره للقابعه بأحضان إبن  أخته بصدمة لا تقل عن صدمة "علي"

ولم  تغفى صدمته على فارس الذي رأي تغير ملامح خاله بوضوح شديد فأخرج "نغم" من  بين أحضانه بهدوء ذاهباً إلى خاله ملتقطاً منه الصورة وجدها صورة تجمع شمس  وعلي ومازن وفتاة صغيرة بعمر الثانية

نظر فارس إليه وهو يقول له بعدم فهم مستنكراً صدمته:

-مالها الصورة بمراتي

لم يرد عليه علي بل نظر لنغم بحنان ودموع متجمعة بعيناه وهو يقول بتساؤل:

-إسمك نغم؟

لم تستجيب نغم في الأول من توترها وأعين الجميع التي أصبحت منصبة عليها ولكن بعد فترة وجيزة أماءت برأسها بالإيجاب

نظر فارس لوائل بعدم فهم وهو يقول له بغضب:

-ما تقولي في ايه إنتَ التاني بدل ما إنتَ مصدوم كده

-البنت نسخة من شمس يا فارس إزاي مخدتش بالك

رافض تصديق الفكرة التي وردت بذهنه

فهز رأسه قائلاً بتساؤل:

-قصدك إيه

-دي بنت علي اللي إتخطفت منه

أغلق "علي" عيناه لوهله ونزلت الدموع من بين جفونه بغزاره وهو يقول لها بصوت متقطع:

-إسمك نغم محمد المحمدي صح؟

أماءت له مرة أخرى وهي تشعر بناقوس الخطر

حول منها

ولكن فجأة وجدته يبكي أكثر وبدون أي إنذار سحبها لأحضانه وهو يقول بأعلى صوته:

-بنتي

جاء فارس ليذهب إليه حتى يبعده عن نغم

وجد وائل يمسك معصمه وهو يقول له بهدوء:

-بنته يا فارس بجد

سحب معصمه من بين يد وائل وقال له بغضب:

-إيه الجنان ده يا وائل بنته إزاي يعني

تدخل منير في الحوار بعدما خرج من صدمة طلاق إبنته قائلاً لفارس :

-بنته يا فارس اللي خطفها منه محمد المحمدي ومراته ومن وهي عمرها سنتين

بعدت  نغم عن أحضانه برعب وإتجهت لمكان وقوف فارس سريعاً داخله في أحضانه،تشعر  بالخوف مما يحدث حولها...ذهنها لا يستوعب ما يحدث الآن وكيف يظهر لها أب  أخر غير محمد المحمدي

إستقبلها فارس بأحضانه قابلاً رأسها ليهدأ من روعها

ومن ثم رفع الصوة التي كانت بين يديه مشيراً للطفلة الموجودة بها سألاً إياها بهدوء:

-إنتِ دي يا نغم؟

دققت  نغم بالصورة التي بين يديه التي كانت لأسرة مكونة من ذلك الذي كان يحتضنها  من قبل دقائق وإمراة حاضنه إياه تشبهها الآن بدرجة لا مثيل لها تحمل فتى  بين يديها

أما هي فكانت بين يدين هذا الرجل

كيف؟،ما الذي أتي بها بهذه الصورة

فهي لديها بمنزلها القديم صور لها وهي صغيرة خاصة بتقديم المدرسة الإبتدائية وأخرى خاصة بالروضة لذلك تعرفت على نفسها بسهولة ويُسر

رفعت أنظارها لفارس وقالت له بدموع:

-أنا يا فارس

إنقبض قلبه إنقباضة موجعة وشدد على إحتضانها خشية مما سيحدث بعد

تدخل زين في الموضوع وهو يقول بإستغراب:

-إيه اللي حصل زمان يا جماعه حد يفهمنا وإزاي نغم اتخطفت

-محمد  المحمدي كان شغال عندي في الڤيلا هو ومراته،ومراته دي كانت المسؤولة عن  مازن ونغم وفي يوم وليلة صحينا من النوم ملقنهمش في الڤيلا ولا لقينا نغم

فضلت أدور عليهم وعلى مكانهم مدة طويلة بس للأسف معرفتش عنهم حاجه غير إن عدو ليا في السوق هو اللي كان واززهم عليا

وفي  يوم من الأيام جالي إتصال من ناس كنت موصيهم يدوروا عليهم إن محمد ومراته  عملوا حادثة وماتوا ولما سألتوا إذا كان موجود معاهم في العربية طفلة قالي  اه

ففقدت الأمل وقتها وعرفت إن بنتي ماتت

نظر لها علي بإبتسامة هادئة وقال:

-إنتِ حبل النجاة اللي هينقذ شمس من الموت

ثم أكمل موضحاً لحديثه المبهم للبعض:

شمس رافضة الحياة بس لما تعرف إنك لسه عايشة هتتمسك بيها وترجع تاني أنا متأكد

-تتمسك إيه وبتاع إيه أنا مراتي مش متحركة من هنا

قالها فارس بغضب وهو ينظر لعلي بنظرات مليئة بالتحدي

-اتجوزتها إمتى وإزاي،إنتَ مش متجوز سارة الهواري بنت عمك وجايب منها ولد!

إنتابها  دوار حاد كمن أخذ طعنة إخترقت صميم قلبها،بدأت قطرات العرق تصب على وجهها  كمن سقط على رأسها دلو من الماء البارد بإحدى أيام الشتاء الباردة

شكت بصحة ما سمعت ولكنها لم تشك به وبخيانته لها أبداً

ولكن تأثير الجملة التي ألقاها "علي" مازالت

تشعر بها على هيئة نغزات ووخزات عنيفة بقلبها

تمسك فارس بها أكثر وقلبه أصبح بالهاوية

وأنفاسه باتت تخرج بصعوبة وهو يرى أمامه ما بناه معها يهدم بكلمة

شعر بتوهانها فاستغل الفرصة وأخذها صاعداً لأعلى مدخلاً إياها بإحدى الغرف الفارغة

يشعر بالخوف من استسلامها الرهيب له بدون أي مقاومة وكأن الجملة التي ألقاها جعلتها هشة فاقدة للنطق

ولم يأبه لمناداة علي عليهم من الأسفل ولا سؤال وائل الذي كان يستفسر عن وجهته

نظر علي لمنير وقال بغضب وصوت عالي:

-أنا مش هسكت يا منير أنا عاوز بنتي

رد عليه منير بمنتهي الهدوء والرزانة:

-إنتَ مش سامعه بيقولك مراتي؟

-مراته إزاي هو مش متجوز بنت عمه حد يفهمني

ثم إستكمل حديثه وهو يقول لمنير بإستنتاج:

-معقول يكون عرف إنها بنتي فاتجوزها عشان ينتقم مني

تدخل زين سريعاً وهو يقول له نافياً لإستنتاجه:

-فارس بيحب نغم وإتجوزها على أساس إنها نغم المحمدي،متدخلش فارس في مصايب هو معملهاش

نظر وائل لإبراهيم الجالس على كرسي الأنترية

مستمعاً إلى حديثهم بذهن شارد ولم يتدخل بشئ

إتجه وائل إليه وقال بتساؤل:

-إبراهيم إنتَ كويس؟

أماء إبراهيم برأسه دلالة على أنه بخير

وقام من مكانه صاعداً لأعلى هو الأخر ليرتاح قليلاً من الضجيج المحيط به من الداخل والخارج

رفعت سارة عيناها تتابع سيرة الواهن وشئ بداخلها يلح عليها بأن تصعد خلفه تخفف عليه تعبه الواضح

ولكن تغلب عقلها وكرامتها التي أبت

❈-❈-❈

لم تنطق بكلمة منذ دخولهم إلى تلك الغرفة

كل ما تفعله هو التحديق بعيناه تنتظر منه أن يُكذب ما سمعته أُذنها،تُريد منه أن يمد يده وينزع ذلك الألم الموجود بقلبها الآن

صمته أمامها الآن جعل وجعها يزداد أضعاف

ترى بعيناه شيئاً غريباً ترفض تصديقه

بدون سابق إنذار خانتها دمعتين هبطوا على وجنتها بمنتهى الهدوء

هز فارس رأسه وهو يمد يده ماسحاً إياهم قائلاً أخيراً:

-عشان خاطري عندك إوعي تعيطي

وجدت شفتيها تنطق تلقائياً برجفة دون إرادة منها وعيناها تترجاه بأن ينفي حديثها:

-إنتَ متجوز بجد

-هقولك كل حاجة يا نغم بس إوعي تحكمي عليا بالموت وأنا عايش

لحظة...لماذا لم ينفي؟،هل حقاً هو متزوج!

بدأت دموعها تنزل واحدة تلو الأخرى بعدما تأكدت من صحة الكلام الذي قيل بالأسفل

أما هو فمسك يدها ضاغطاً عليها يستمد منها الشجاعة حتى يُصارحها بالحقيقة،تأخر يعلم أنه تأخر في إفصاحها وأصبح الآن في محل

لم يعهده من قبل

بلع فارس ريقه قبل أن يجلي حنجرته ثم قال بهدوء:

-كنت  شاب مليش لا في علاقات ولا في حب ولا في جواز مقضي كل حياتي شغل ووقت  رفهيتي كان بيبقى مع اتنين صحابي زين ومازن،في يوم من الأيام وأنا في  البيت

جالي فديو لسه تفاصيله موجودة في دماغي لحد دلوقتي كان عبارة عن علاقة بين مازن صاحبي وسارة بنت عمي

طبعاً شوفت الفديو من هنا وخدت أبويا وجدي وروحنا على العنوان اللي كان مبعوت تحت الفديو ولقينا فعلا سارة موجودة في شقة مازن

أول حل فكرنا فيه واحنا هناك إن مازن لازم يتجوزها عشان نداري على الفضيحة دي

وقتها قعد يقول إنه متجوزها عرفي وموثق الورق عن مأذون ولما طلبنا الورق عشان نتأكد ملقهوش فوقتها عرفنا إنه كذاب

في نفس اللحظة اتبعتلي رسالة على موبايلي من أبوه اللي هو "علي" ملخصها إن

لو مازن اتجوز سارة الفديو ده هينزل على مواقع التواصل وطبعاً ده بعد ما يخبي وش إبنه

وقتها مكنش قدامي أي حاجة غير إني أطلع غضبي على مازن،ووقتها مخلتش في حته سليمة وطلبت منه يسيب البلد

بعد  ما وصلنا البيت جدي كلمني وطلب مني إني أتجوزها لأن علي المنشاوي مش هيسكت  بالفديو اللي معاه ده وهيضر إسم العيلة وهينزل شغلنا الأرض

طبعاً وبدون أي تفكير إتجوزتها،اتجوزتها وأنا عارف إنها كانت في حضن صحبي قبلي برضاها

يمكن اللي شفعلها عندي شوية إني لما دورت وسألت عرفت فعلاً إنهم كانوا متجوزين عرفي

عمري ما حبتها ولا تقبلتها كزوجة ليا الحياة بينا كانت مستحيلة أنا عارف إنها بتحب مازن وهي عارفة إني بكرها وعمري ما هتقبلها

كانت بنسبالي مجرد خانة وزوجة بالإسم فقط

إبتلع ريقة بعدما أنهى حديثه قبل أن يسترسل مرة أخرى وهو يقول بحب:

-لما شوفتك أول مرة كل حاجة إتغيرت يا نغم

قلبي اللي كان مركون فجأة دق والمفاجأة إنه حبك حب غريب

كان مستحيل وقتها تقبلي إنك تتجوزيني

لما لقيت نفسي يوم عن يوم بغرق في حبك أكتر بدون تفكير طلبت إيدك ولقيت الشريط بيتكر مني لحد ما وصلنا لهنا يا نغم

سمعته لأخر كلمة،سمعته بقلب مفطور وذهن مولوع...تشعر وكأنها بإحدى الروايات

لا تصدق أن كل ما عاشته معه مبني على كذبة

كل ما قاله هذا لا يعنيها سوى زواجه من أخرى

خدعها واستغل ضعفها ووحدتها

استغل ثقتها العمياء به وطيبتها المفرطة

عند هذه النقطة لم تعد تستطيع السيطرة على هدوءها

رفعت يدها بدون أدنى تردد وهبطت على وجه في صفعة مداوية جعلته يميل بوجهه للجهة اليمنى،متقبلاً تلك الصفعة بصدر رحب

داعياً المولى أن ينتهي الموضع دون خسائر أخرى ولكن كيف؟

كذبة مثل تلك لن تمر مرور الكرام هكذا

رفع رأسه مرة أخرى ينظر إليها بذهول عندما رأها تنزل بيدها الإثنين على وجها تطلم كل خد مرة وهي تقول:

-لو إنتَ تستحق كف فأنا أستحق ألف كف على ثقتي فيك وسذاجتي اللي خلتني أتجوزك من غير ما أعرف عنك كل حاجة

سارع فارس في الوصول إليها ماسكاً معصميها

باعداً كفيها عن وجهها بقوة وهو يقول بوجع:

-إوعى تفكري تشيلي نفسك ذنب زي ده....أنا اللي أستاهل يا نغم إنتِ متستهليش حاجة غير كل الخير والحلو اللي في الدنيا

أماءت له برأسها بهزات متتالية موافقة إياه الرأي قبل أن تقول:

-صح ده مش ذنبي أبداً...مش ذنبي إنك بالوساخه دي

-نغم أنا طلقتها النهاردة وكنت ناوي أحكيلك كل حاجة والله

-زي ما طلقتها تطلقني

هز رأسه برفض وهو يقول لها:

-عارف إن الطلب ده من ورا قلبك يا نغم،إنتِ بتحبيني زي ما أنا بحبك ومش كدبة اللي هتهدم حبنا

ردت عليه بإبتسامة حسرة قائلة:

-اللي اتبني على كدبة يستحق يتهدم وحبي ليك كان أساسه كدبة كبيرة

ربطت الأحداث ببعضها عندما قال لها أن مالك إبن أبنة عمه في يوم عيد ميلاده

استرسلت حديثها قائلة:

-مالك يبقى إبنك صح

أماء لها برأسه بخجل من نفسه ومن ما فعله

صمتت مرة أخرى عندما إشتدت وخزات قلبها

فبادر هو بالحديث قائلاً:

-عيطي يا نغم،إضربيني تاني لو ده هيريحك

بس متسكتيش كده...سكوتك ده واجعني

-تعرف أنا ده كله مستنياك تقولي ان ده مقلب من مقالبك بس مقلب بايخ شوية

استرسلت حديثها قائلة:

-طب اتجوزتها غصب،خلفت منها بالغصب برضو؟

منعتني من الخلفة في حين إنك مخلف وعندك ولد،زعلت وقتها إني قولتلك إنك متجوزني عشان تقضي معايا شوية وقت

أهي الأيام ثبتتلي أهي إنه كلامي كان صح

مد يده لامساً لوجهها وهو يقول بهدوء معاكس للموقف:

-أنا  اتجوزتك عشان بحبك يا نغم وأوعي في يوم من الأيام تُشكي في ده....حبي ليكي  هو الحقيقة الوحيدة،حبي ليكي هو اللي خلاني أكدب عليك... انا كان ممكن  أتجوز بنت أكبر عيلة في البلد برغم إني متجوز

بس ده  محصلش لما حبيتك عرفت إنك عمرك ما هتوفقي تتجوزيني لو عرفتي إني متجوز ومش  بس كده لاء كنتي هتبعدي عني خالص ودي حاجه أنا مكنتش عاوزها

-وغلاة كل لحظة كانت حلوة بينا لأندمك يا فارس،عمري ما هسامحك على كذبك وغشك ليا ولا عمري هسامحك على قلبي اللي بينزف ده

أنهت كلمها وهي تشير بيدها على قلبها بغصة

وجاءت لتغادر الغرفة وجدته يمسك معصمها بقوة وهو يقول:

-هعوضك عن كل ده وهنسيكي والله العظيم لأنسيكي

بعدت يدها بعنف من بين يديه وقالت بغضب وصوت عالي جديد على شخصيتها:

-إبعد عني وإوعى تفكر تلمسني تاني...أنا بكرهك وبكره كل لحظة حلوة عشتها معاك

لأنها السبب في الوجع اللي جوايا ده

ربنا يسامحك على اللي إنتَ عملته فيا

خرجت من باب الغرفة بغضب ونزلت درجات السلم بسرعة متناهية

أما هو فخرج خلفها ولكنه لم ينزل بل بقى يطلع عليها من أعلى

وقفت نغم أمام علي وقالت له بجدية:

-لسه عاوزني

أرتسمت إبتسامة سعيدة على وجه علي وقال:

-عاوزك وهفضل طول عمري عاوزك يا حبيبتي

أماءت له برأسها وقالت له:

-طب خرجني من هنا

اتسعت إبتسامته أكثر لم يصدق استعادته لإبنته بتلك السهولة دون معارضة من أحد

مد يده مُمسكاً بخاصتها وقال بحنية:

-حالاً يا حبيبتي

رفع علي رأسه لأعلى قبل أن يغادر من بوابة القصر وجد فارس يقف كالأسد الشامخ ولكن

لفت نظره دمعة عالقة بين جفونه على وشك النزول

ولكنه لم يهتم كل ما يهمه الآن أن فتاته بين يديه

❈-❈-❈

دخل فارس غرفته بعدما رأها تغادر مع علي دون أن تلتفت للخلف لتودعه بنظره أخيرة حتى

جلس أرضاً بعقل شارد مصدوم مما حدث

لا زال لا يصدق أن ما حدث حقيقي

لا يعلم أيفكر ببعد نغم عنه أم أنها أصبحت

إبنة علي وأخت مازن

الأحداث تداخلت على بعضها البعض

رأسه الآن يُقام بها الحرب العالمية الثالثة

يحاول تجاهل تلك الإنتفاضات المؤلمة بقلبه

الأمور تأزمت منه وتعقدت لدرجة لم يتخيلها،

لم يتوقع أن من يكشف سره هو علي،لم يكن بحسبانه ظهور أهل لها ويأخذونها بعيداً عنه

كان يعلم أنها ستغضب وتبكي ولكن كان يعلم أنها لن تذهب لأي مكان وستظل ببيته

أما الآن فأصبحت تحت كنف علي وإذا أراد أن يتحدث معها لابد من تخطيه أولاً

يا الله على تلك المصيبة التي حلت عليه

فتح زين الباب ودخل وأغلق الباب خلفه مرة أخرى

-إنتَ سبتها إزاي تروح مع علي يا فارس،إنتَ عارف كويس إن علي عمره ما هيرجعهالك

نظر له فارس وقال بألم وهو يضع يده على قلبه:

-قلبي هيقف مني يا زين،الحقني

اقترب زين منه بسرعة وهو يقول له:

-في إيه يا فارس،انتَ كويس

لم يرد عليه فارس بل استسلم لدوار رأسه ووجع قلبه وتسطح على الأرض،داخلاً بعالم

لا يوجد به سوى ماسته الغالية

انصعق زين عندما رأه متمدداً على الأرض أمامه كالجثة

❈-❈-❈

دخل  علي المنزل ونغم تسير خلفه بهدوء مازالت السكينة تسرقها،لا تفكر بشئ تشعر  بالخلو...حتى الآن لم تستوعب ما حدث ولم تفكر به حتى....كل ما يشغلها الآن  ذلك الرجل الذي من المفترض أن يكون والدها والعالم الجديد القادمة إليه لا  تعلم لماذا ذهبت معه

بكل تلك السهولة ولكنها فعلت كل  ما بوسعها حتى تستطيع البعد عن فارس ولم تجد أفضل من خروجها مع ذلك الرجل  الذي قال أنه والدها أمام الجميع ورأت كره فارس له جيداً

نظر إليها علي وإلى شرودها بإبتسامة حانية وقال:

-ممكن نقعد نتكلم شوية أنا وإنتِ

نظرت إليه نغم بإرهاق قائلة بحبور:

-انا تعبانة دلوقتي جداً ممكن توديني أي أوضة

أقعد فيها مع نفسي شوية

-حاضر يا حبيبتي تعالي ورايا هوديكي أوضتك لسه زي ما هي من يوم ما إختفيتي

صعدت نغم خلفه درجات السلم دون أن تُدرك حديثه فهي ليست بالوقت المناسب الذي يسمح لها بإدراك ما يقوله الآن

صدمتها في فارس كانت أكبر عليها من صدمتها بظهور أب جديد لها

فتح علي باب الغرفة على وسعيه وقال:

-إدخلي يا حبيبتي....وأنا هخلي المساعدة اللي تحت تعملك أكل

-شكراً مش عاوزة أي حاجة عاوزة أبقى لوحدي بس

لم يرد علي أن يضغط عليها حتى لا تنفر منه فقال لها بابتسامة:

-خلاص على راحتك يا بنتي...أنا هسيبك ترتاحي النهاردة وبكرة إن شاء الله نتكلم

تصبحي على خير

ردت عليه نغم تحيته وقالت:

-وإنتَ بخير

خرج علي من الغرفة وأغلق الباب خلفه بهدوء

ناظراً لأعلى حامداً الله على استرداده لإبنته المفقودة منذ زمن بعيد...لم يكن يتوقع أن عزاء محمد الهواري سيجعله يلتقي بها أبداً

"رُب ضرة نافعه"

❈-❈-❈

نظرت للغرفة من خلفها وجدتها أشبه بجنة الله على الأرض،كل شئ بها طفولي وبريئ للغاية

ويوجد على الأرضية بعض الألعاب الصغيرة

تقدمت  قليلاً نحو إحدى الحوائط وجدت صورة لها بالصغر وبجوارها طفل أخر أكبر منها  بالقليل يقف ويحتضنها وعلى وجهه مرسومة إبتسامة سعيدة

نظرت للصورة الموجودة جوارها وجدت نفسها مرتان مرة وهي بالصغر والأخرى بعمرها الآن

فحقاً تلك المرأة تشبهها بدرجة لا تُوصف

نفس الملامح الرقيقة كل ما يميز نغم عنها هو لون عيونها

كيف الدنيا دارت ووصلت بها لهنا؟

في أي قدر كان مكتوب لها هذا

عاشت طوال حياتها وحيدة تُكافح حتى تتعلم وتحصل على أعلى الشهادات

لعب الحظ معها وقبلت في شركة الهواري

لازالت تتذكر فرحتها ذالك الحين عندما تم تعينها

لازالت تتذكر إعتراف فارس بحبه لها ورغبته بالزواج منها

كم كانت غبية عندما تغاضت عن أشياء كثيرة

كيف لم يأتي ببالها أن تسأل عنه لتعلم إذا كان صادق أم كاذب

ذهبت ورا شعورها وحبها له وها هي غارقة بالوحل

نصل حاد مغروز بقوة بين نيات قلبها

تريد الصراخ بأعلى صوتها علها ترتاح من ذلك الألم

من رأته السند وعوض الله لها بعد تلك السنوات المُرة التي عاشتها كان كذبة

من عشقته وأخذت منه الأب والحبيب والصديق كان مُخادع

خدع قلبها وبرائتها ولعب بها كالكرة

جلست على الفراش وبدأت دموعها تهطل من عيناها،كان دموعها تهبط كمياه النار على وجهها

صوت نحيبها بدأ يعلو ويعلو وهي تضع يدها على قلبها المجروح قائلة بنحيب:

-ليه يا رب ليه دخلته حياتي وخلتني أحبه... أنا مكنتش ناقصة والله ما كنت ناقصة

ليه بيحصل معايا كده،دي ضريبة ثقتي في الناس يا رب

ارتفع صوتها وهي تقول :

-يارب شيل الوجع من قلبي....يا رب ارحمني

على صوت بكائها أكثر وأكثر وهي تلطم نفسها لطمات قوية على وجنتيها قائلة:

-إنتِ السبب في كل ده...إنتِ اللي غبية وصدقتي إن واحد زيه ممكن يبصلك

الكل لعب بيكي حتى اللي خدتيها صديقة ليكي ضحت عليكي...الكل كان مشترك في الكذبة دي وإنتِ كنتي هبلة ومصدقة

بدأت قوة اللطمات تزداد ودموعها تزداد إنهماراً

تسب نفسها بأبذئ الشتائم

لا  تصدق أن من وهبته قلبها يفعل بها ذلك الشئ...هي التي لم تؤذي جرادة  بحياتها دخلت على حياة أسرة ودمرتها بسبب نزوات رب هذه الأسرة،أصبحت زوجة  ثانية له...هي من كانت نرفض مبدأ التعدد وترى أن الزوجة الثانية تدخل على  البيت لتخربه أصبحت هي الآن

تلك الزوجة الخاربة للبيت

ضحكت بصوت عالي وهي تتذكر كلماته الأخيرة لها وتبريراته الكاذبة

نزلت دموعها مع ضحكاتها وهي تقول:

-فاكر نفسه هيضحك عليا تاني...وجعتي قلب ست تانية إتجوزتي جوزها وحبتيه يا نغم

فُتح باب الغرفة الموجودة به فجأة وظهر من خلفه مازن

دخل مازن الغرفة بإستغراب للأصوات الغريبة التي أستمع إليها وهو يمر ليذهب لغرفته

تقدم من الفراش يدقق النظر من الجالسة عليه

بدأت علامات الصدمة والتعجب تظهر على وجهه فهي تُشبه أمه للغاية وبنفس الوقت بغرفة أخته نغم فمن المعقول أن تكون هي!!؟

خرج صوته منخفض وكأنه يحادث نفسه وهو يقول:

-إنتِ مين

إبتسمت نغم إبتسامة بلهاء وقالت:

-أنا الهبلة اللي فارس ضحك عليها

جعد حاجبيه بإستغراب لحالتها الغريبة فمن ناحية دموعها تهطل كالشلال ومن أخرى الإبتسامة تصل من أذنها اليمين إلى اليسار

ومن فارس هذا الذي ضحك عليها؟

-إنتِ مين وبتعملي إيه هنا ومين اللي ضحك عليكي؟

قامت نغم من على الفراش وهي تنظر له بشر قائلة بغضب:

-هو اللي باعتك ليا صح؟

مال مازن رأسه لليمين وهو يسألها بشك:

-إنتِ طبيعية؟

هزت رأسها بنفي ودموعها تجددت على وجهها مرة أخرى عقب سؤاله وقالت ببكاء:

-لاء...اللي عمله فيا جنني،حاسس إني مجنونة صح؟

بعد خطوة للخلف وهو مازال ينظر لها بإستغراب تام ومن ثم خرج من العرفة واقفاً أعلى درجات السلم وهو يصيح منادياً لأبيه

في غصون دقيقة كان علي يخرج من غرفة مكتبه بالأسفل وهو يقول له:

-فيه إيه يا مازن صوتك عالي ليه

-مين اللي في الأوضة دي

قالها مازن وهو يشير على الغرفة الموجودة بها نغم

رد عليه علي وهو يصعد درجات السلم قائلاً بهدوء:

-إنتَ دخلتلها؟

لم يجاوب عليه بل سأل السؤال مرة أخرى بتصميم:

-مين دي؟

-نغم أختك يا مازن

ردد خلفه كلمته بإستغراب وهو يقول :

-أختي؟

اماء علي برأسه وهو يقول له

-هفهك كل حاجه بس تعالى الأول أعرفها عليك

سار مازن خلف على تجاه غرفة نغم وبداخله ألف سؤال وسؤال

دخل على الغرفة وجدها جالسة على الفراش وهي تطلم وجهها بصمت

تقدم علي إليها سريعاً ومسك يدها وهو يقول بإستغراب:

-بتعملي إيه يا نغم

نظرت إليه بدموع وهي تقول بكسرة:

-بضرب نفسي على اللي عملته فيها

إقترب مازن منهم بهدوء وهو يقول لها بتساؤل:

-عملتي فيها إيه

-ظلمتها كتير وأذتها بغبائي وهبلي

لم يستفسر علي عن شئ مما قالته بل سألها بهدوء :

-فارس عملك إيه يا نغم

اغرورقت عيناها بالدموع فور سماعها لإسمه واشتد وجع قلبها وهي تقول:

-فارس موتني وأنا عايشة

وفجأة ضحكت بصوت عالي وقالت:

-طلع متجوز ومخلف

نظر علي لمازن بصمت وجد الأخر ينظر إليه باستغراب لما يحدث

عاد بصره مرة أخرى لنغم وقال:

-إنتِ مراته

أماءت نغم برأسها وقالت ببكاء حاد:

-بس والله مكنتش أعرف إنه متجوز أنا مش وحشة والله مش وحشة هو اللي ضحك عليا وخلاني حبيته واتجوزته

أخذها علي بأحضانه مهدئاً إياها وهو يقول لها:

-اهدي يا حبيبتي وأنا هخدلك حقك

شعر بسكونها على كتفه فبعدها قليلاً حتى يرى وجهها وجدها مغشي عليها

ضرب بكفه على وجهها بخفة وهو ينادي عليها

ولكن لا حياة لمن تنادي

نظر علي لمازن بفزع وهو يقول بصوت عالي:

-رنلي على الدكتور بسرعة

-دكتور إيه البنت مش طبيعيه نهائي لازم تروح المستشفى

أماء له علي مؤيداً إياه بالرأي وأسرع بالقول:

-طب يلا بسرعة شيلها وإنزل بيها وأنا هجيب العربية من الجراج

❈-❈-❈

يقف الجميع أمام غرفة فارس بالمستشفى منتظرين خروج أي طبيب من الداخل يطمئنهم على حالته الصحية

تحتضن لين أمها وهي تبكي بشدة،مظهر أخيها وزين ووائل يحملونه لا يريد الخروج من بالها

سندها في هذه الدنيا وأخيها رأته ملقي كالجثة لا حول له ولا قوة

من إعتادت على شموخه وهيبته الطاغية كان يفترش الأرض كالأموات

تحتضنتها سارة بشدة وهي تدفن رأسها بعنقها تكتم شهقاتها على إبنها البكري وفلذة كبدها

وجهه الذي كانت تشع به الحياة والحيوية أصبح لوحة زرقاء شاحبة

لا تعلم ما حدث له كل ما حدث هو صيحة زين العالية منادياً عليهم ليصعدوا لأعلى

يستند إبراهيم على أحمد الذي تنزل دموعه هو الأخر كطفل صغير فقد أبيه

أما إبراهيم فكان صامتاً يشعر وكأنه كبر ٣٠ عاماً فوق عمره،كان ينقصه إبنه الآن

حتى ينتهي ذلك اليوم المشئوم،خرج من غرفته على صريخ لين إبنته وسارة إبنة أخيه

وجد إبنه في منظر لا يحب أن يراه به أبداً

فُتح الباب أخيراً وخرج الطبيب من خلفه

تقدم وائل وزين بسرعة رهيبة منه وخرج صوتهم في نفس اللحظة قائلين بخوف:

-فارس عامل إيه

إلتف الجميع حول الطبيب منتظرين منه إجابة على السؤال المطروح عليه ودقات قلب كل واحد بهم تكاد تسمع صوتها

أردف الطبيب بعملية شديدة وجدية:

-المريض  كان جاي شبه ميت بجلطة في القلب بس الحمد لله عملنا اللي نقدر عليه وقدرنا  نتجاوز الجلطة ولكن المريض دخل في غيبوبة حالياً معرفش مدتها قد إيه

بُهت وجه الجميع من حديث الطبيب الذي صدمهم،لا أحد بهم كان يتخيل ما قاله الطبيب منذ ثواني!!

من هذا الذي كان شبه ميت؟ -فارس!!

❈-❈-❈

بغرفة الكشف المخصصة للمرضى

يقف مازن وعلي بجوار الفراش المسطحة عليه نغم بسكون تام ينتظرون إنتهاء الطبيب من فحصه لها

علق لها محلول حتى يعدل من ضغطها المنخفض

ونظر لعلي وقال:

-الأنسة الحمد لله معندهاش أي شئ عضوي

وسبب الإغماء إنخفاض ضغط مش أكتر

رد عليه علي بجدية:

-بس يا دكتور كانت غريبة جداً وكلامها غريب قبل الإغماء

-هتفوق إن شاء الله لما المحلول يخلص...هبقى أجي أبص عليها برضو

-تمام شكراً يا دكتور

خرج الطبيب من الغرفة تاركاً خلفه علي ومازن على وققتهم الأولى

نظر مازن لعلي قائلاً بنفاذ صبر:

-فهمني كل حاجة عشان شوية وهتجنن

أماء علي له بهدوء وذهب جالساً على المقعد الموجود بأحد أركان الحائط

ذهب مازن خلفه وجلس جواره صامتاً منتظراً بدء أبيه في الحديث

-إنتَ عارف طبعاً إن كان ليك أخت إسمها نغم

واتخطفت زمان

أماء مازن برأسه مجارياً لحديث أبيه

فاسترسل علي بالحديث سارداً له ما حدث بالتفصيل في منزل محمد الهواري

بانت علامات التعجب والذهول على وجه مازن مما حكاه والده منذ قليل

خرج من صمته قائلاً:

-ما يمكن مش هي نغم أختي...إيه اللي أكدلك كده أنها نغم

-اللي  أكدلي الشبه الرهيب بينها وبين شمس ودي حاجه مش طبيعية...ولما سألتها عن  اسمها قالتلي نغم محمد المحمدي وطبعاً كلنا عارفين إن محمد المحمدي هو اللي  خاطفها

وغير كده لما طلعتلها صورتها وهي صغيرة قالت إن ليها صورتها وهي صغيرة قالت إن هي دي

في تأكيد أكتر من كده إيه

رد عليه مازن وهو يشعر بتشويش بمشاعره:

-برضو لازم نعمل تحليل DNA

وافقه علي الرأي قائلاً بجدية:

-إحنا فيها هنعملوا النهاردة وإحنا هنا

-أنا فين

قالتها نغم بصوت يبدو عليه الإرهاق والتعب

قام مازن وعلي من مكانهم سريعاً واتجهوا إليها

نظر علي لها وقال بخوف عليها:

-إنتِ كويسة يا نغم؟

نظرت يميناً ويساراً وهي تقول بعظم إتزان:

-هو اللي جابني هنا صح؟

-هو مين

قالها مازن بتساؤل ليستفسر عما قالته

-فارس

كلمة  واحدة قالتها نغم جعلت الدماء تتصاعد في رأس مازن فماذا فعل بها هذا الوغد  حتى تُصبح بتلك الحالة التي من الواضح جداً أنه السبب بها

الواضح  والذي فهمه من حديثها السابق وهم بالڤيلا أن فارس خدعها ولم يخبرها بزواجه  ولا بطفله ولكنه لا يعلم ملابسات الموقف ولا ما حدث بالتفصيل

دخل الطبيب الغرفة بعدما طرق على الباب

وتقدم نحو الفراش بهدوء وهو ينظر لنغم ليرى ماذا حل عليها...بكل هدوء نزع الكانولا من يدها

نظرت له نغم بخوف وقالت:

-مين اللي باعتك

-أنا الدكتور

هزت رأسها بنفي وقالت له بصوت عالي:

-لاء مش هصدق حد تاني إبعد عني

نظر الطبيب لعلي بخوف مما شك فيه

وأعاد بصره مرة أخرى إلى نغم قائلاً بمجاراه حتى يتأكد مما شك به:

-ازاي مش هتصدقي حد تاني،لازم نثق في الناس عشان نقدر نعيش

ضحكت نغم بصوت عالي ودموعها هبطت في حالة عكسية مع ضحكتها قائلة:

-بس أنا لما وثقت فيه موتني وأنا عايشة

نظرت للطبيب برجاء وهي تقول:

-أنا عاوزة أموت،لو تقدر تعمل كده يبقى شكراً ليك

وضع علي يده على كتفها وهو يقول بلوعة:

-بس يا نغم متقوليش كده بعد الشر عليكي يا حبيبتي

نظرت له نغم بقوة وهي تبعد يده عن كتفها قائلة بغضب:

-ابعد عني،انتَ السبب في ده كله لو كنت دورت عليا ولقتني عمره ما كان هيخدعني ولا يضحك عليا

نظرت للطبيب وهي تضحك وتقول:

-هو ضحك عليا عشان كنت لوحدي معنديش حد

وفجأة بعد إنتهاء حديثها أصبحت تلطم نفسها مرة أخرى على وجنتيها بقوة

مسك علي يدها سريعاً وهو يبعدها قدر الإمكان عن وجهها ولكن قوة العالم إنزرعت بها

وأخذت تبعده عنها بكل قوة وهي تحاول الإنفلات من بين يديه وتخرج أصوات من فمها

غير طبيعية مع هزات رأسها السريعة والمتتالية....ترك علي يدها بعدما رأى ما رأه منها

بعدما ترك يدها وجدها تضعهم على وجهها وتبكي بنحيب بصوت عالي تتقطع له القلوب

نظر للطبيب يترجاه أن يفعل أي شئ

هز الطبيب رأسه بهدوء مطمئناً إياه

أخرج من جيب لباسه الأبيض حقنة مهدئة للأعصاب...تناول معصمها على غفلة ماسكاً إياه بقوة غارزاً الحنقة الموجودة بيده به

هدأ صوت صراخها الذي على عندما جذب الطبيب معصمها وفجأة ترنحت في جلستها ساقطة على الفراش ذاهبة لعالم هادئ للغاية

نظر مازن للطبيب وقال بخوف:

-هي مالها يا دكتور

رد الدكتور على مازن بعملية مردفاً:

-الواضح ليا إن الأنسة أتعرضت لصدمة عصبية كبيرة عقلها مش قادر يتقبلها فتحولت الصدمة لشعور مضاد تماماً

-يعني إيه المفروض يتعمل دلوقتي يا دكتور معاها

قالها علي بإستفسار وقلبه يتقطع على إبنته التي وجدها بعد عناء

أخذ الطبيب نفساً عميقاً قبل أن يلقي عليهم

جملته القاتلة:

-المريضة لازم تتحول لمستشفى الأمراض العقلية

يتبع

إرسال تعليق

أحدث أقدم

إعلان آخر الموضوع

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close