رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع والعاشر بقلم رضوي جاويش حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات


رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع والعاشر بقلم رضوي جاويش حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات 

رواية زاد العمر وزواده الفصل التاسع والعاشر بقلم رضوي جاويش حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات 


الفصل التاسع 

خرجت من الوحدة الصحية منهكة كليا في سبيلها للاستراحة .. فقد أنهت لتوها بمساعدة الدكتورة سميحة ولادة كانت متعسرة منذ الصباح الباكر .. وأخيرا مَنّ الله عليهن بالفرج .. ووضعت المرأة طفلة جميلة .. 

كانت ابتسامة الراحة ترتسم على محياها وقد استشعرت أنها ابلت بلاء حسنا في القيام بواجبها على أكمل وجه يدا بيد مع الدكتورة سميحة .. التي اعترفت بنفسها أن لها الفضل الأول بعد الله في قيام هذه المرأة سالمة وطفلتها .. 

ما أن خطت خطوتين في اتجاه ذاك الطريق الترابي الطويل في اتجاه الاستراحة حتى ظهر سامر مبتسما في بشاشة : السلام عليكم .. أزيك يا دكتورة!؟ .. النجع منور بوجودك .. 

ابتسمت بدورها في دبلوماسية : الحمد لله يا باشمهندس .. منور بأصحابه.. 

هتف مازحا : يعني أطلع أنا منها !؟ 

لم تعي ما يقصد حتى هتف مؤكدا : طب أنا مش من أصحابه يا دكتورة .. أنا من قرايب أصحابه ينفع.. 

تنبهت أنه يقصد أنه ليس من سكان النجع وإنما من زائريه مثلها .. مجرد ضيف على أصحاب دار السليمانية .. 

وتعجبت كيف يكون سامر بكل بشاشته تلك صديق ذاك العابس الذي تعتقد أنه لو ابتسم لتشقق وجهه من شدة عبوسه .. 

كان سامر يسير جوارها يصحبها حتى الاستراحة .. لم تكن تول الأمر اهتماما .. بل كان عقلها مشغول بشخص أخر .. والذي ظهر كأنما استدعاه خاطرها .. ليظهر أمامهما متطلعا إليهما في حنق .. 

هتف رائف ممتعضا موجها حديثه لها : يا دكتورة إحنا هنا في نچع .. مش ماشيين على كورنيش النيل !؟ .. المكان هنا ليه نظام لازم ناخد بالنا منه .. أنتِ چاية فشغل مش عشان نتسامر .. ولا إيه يا سامر !؟ 

هتف بسؤاله الأخير موجها حديثه نحو سامر الذي تصلب موضعه مبهوتا من هجوم رائف الغير مبرر عليهما بهذا الشكل.. لكن نوارة ما كان لها أن تصمت  وهي تراه يتجاوز معها في الحديث بهذا الشكل .. لذا هتفت في حنق وبلهجة رسمية ونبرة حادة : حضرتك ملكش تقولي أعمل إيه ومعملش إيه !؟ .. ده لا يخصك.. ولا ليك معايا كلام فيه من أساسه .. الوحيدة اللي لها الحق ده هي الدكتورة سميحة .. وكمان في حدود شغلي معاها وبس .. أما فيما يخص الباشمهندس سامر.. إذا كان عادي معاه طريقة التعامل دي ف ده يخصه.. ويمكن تكون الجرابة اللي ما بينكم تخليه يسامح .. لكن أنا مش ملزمة إني اتجبلها لأي سبب .. عن إذنك .. 

اندفعت نوارة مبتعدة عن موضعهما وما أن وصلت للاستراحة التي كانت على بعد عدة خطوات مغلقة بابها خلفها بعنف حتى تطلع سامر نحو رائف ممسكا ضحكات متشفية كادت أن تنطلق من حلقه عندما حامت تلك النظرة القاتمة على محيا رائف والأشبه بنظرة سفاح قبل ارتكابه جريمته بلحظات معدودة .. ما دفعه لينطلق مبتعدا .. تاركا رائف يتطلع نحو الاستراحة التي يدرك تماما أن قاطنتها النارية الطبع لن تمرر الأمر مرور الكرام .. بل ربما يصل إلى مسامع والدته .. وهو يحاول أن يتجنب حدوث ذلك .. لا يعرف لما .. لكنه لا يحب أن يصل لوالدته ما يجري من معارك باردة بينهما .. 

تنهد في ضيق وهو لا يدرك لمَ يفعل ذلك!؟ لما هذه العدائية الشديدة في تعامله معها !؟.. 

منذ تلك الليلة التي تشبثت فيها بأحضانه ذعرا .. وفي عتمة الأجواء .. أضاء داخله قبس من سراج لفرحة مشوبة بالقلق .. لا يعلم لم الفرحة !؟ .. ولا يدرك على ماذا القلق !؟.. لكنه يستشعرهما بقوة منذ هذه الليلة .. وخاصة وهي بقربه .. أو بالأخص كلما تعمد قربها .. عليه أن يعترف أن هذه النوارة ..أنارت بمحياها دروب البهجة بمدن روحه المقفرة منذ سنوات طوال .. وعطرها الذي كان انيسه على الثوب المعار لها ..ذاك قصة أخرى .. 

سار بقدم متثاقلة بعد اعترافه بهذه الحقائق دفعة واحدة حتى توقف أمام باب الاستراحة وما أن هم بطرقه حتى فتحت هي في عنف.. تطلعت إليه لبرهة قبل أن تندفع للخارج وهي تحمل حقيبة يدها ومعطفها الأبيض .. 

هتف بها متسائلا : على فين !؟ 

تجاهلته وهي تمر الجسر الخشبي في هوادة فتجربة واحدة للسقوط كفيلة بجعلها تنتبه قبل أن تخطو خطواتها عليه.. تعقبها مستطردا : عربيتك لسه موصلتش!؟ 

أكدت وقد عبرت الجسر بسلام تمد الخطى متجاهلة الوقوف والنظر إليه لتحادثه بل إنه ظل كمن يعدو خلفها وهي تهتف في ثقة : هاخد أي عربية من ع الطريج .. مهياش حكاية يعني .. 

قطع عدة خطوات دفعة واحدة ليسبقها معترضا طريقها هاتفا : مش هيحصل.. هتستني عربيتك يا إما هوصلك أنا.. 

توقفت تتطلع إليه بنظرات نارية هاتفة في هدوء مريب : ده أمر .. ولا إيه بالظبط!!.. 

تنهد مؤكدا : لاه يا دكتورة مش أمر .. اعتبريه رجاء .. مينفعش تخدي أي عربية من ع الطريج الساعة دي .. أنتِ تعتبري أمانة .. 

هتفت في حنق مندفعة في طريقها : محدش أمنك عليا يا رائف بيه .. وأنا أجدر إحمي نفسي كويس .. عن إذنك .. 

اندفعت عنه مبتعدة.. كان يعلم أن هذه الرأس المتحجرة لن تلين .. لذا تركها مندفعا ليحضر سيارته لاحقا بها .. 

وما أن خرج للطريق باحثا عنها حتى ابصرها تركب سيارتها التي وصل بها عبدالباسط منذ لحظات .. 

ضرب على المقود في غضب فهو يعلم تماما أنها قد لا تعود بعد فعلته المتهورة .. ما الذي دفعه لهذه الحماقة !؟ هو لا يدري.. كل ما كان يدركه لحظة أن رآها تسير في أريحية جوار سامر أن شىء ما أطبق على أنفاسه .. ولم يهنأ إلا بعد أن أطلق سهام حنقه في وجهيهما ليورثه ذلك ندما.. وقلقا على رد فعلها وموقفها حيال الأمر.. هل تراها تعود !؟ .. عليه أن ينتظر .. ليرى.. 

              ************* 

تطلعت للمبرد .. كان على الرغم من امتلائه بعد أن استهلكت بعض ما كان به طوال الفترة الماضية لكنها ما زالت تستشعر عدم الأمان .. لقد ملأ المعلم خميس وعمها ناصر المبرد والبيت بكل ما قد تحتاجه ووجدت كل ما هي بحاجة إليه متوفر دون أن تطلب.. 

كانا على علم أنها لن يكون بمقدورها النزول وفتح ورشة أبيها بعد وفاته بأيام .. لكن يبدو أن حتى رفاهية الحزن ما عادت تملكها .. وعليها الخروج من تلك الشرنقة التي اصطنعتها لنفسها الفترة المنصرمة .. 

مدت كفها تتناول جوالها القديم ودقت على رقم ما هتفت به ما أن رد صاحبه : محروس .. أنا نازلة أفتح الورشة دلوقتي.. هتكون معايا ولا أدور على عمال تاني !؟ 

هتف محروس بحماسة : لا يا ست الكل معاكِ طبعا .. خلينا نرد شوية من جمايل الأسطى سالم علينا .. الله يرحمه .. 

أكدت في نبرة حازمة : طيب .. انا نازلة افتح الورشة وهستناك .. ولو قدرت تجيب معاك عامل ولا اتنين  يبقى كتر خيرك .. عندنا شغل متأخر كويس إن أصحابه صبروا عليه لما عرفوا بالظروف ومش عايزين نقصر معاهم .. 

هتف محروس : ربنا يسهل واقدر أجيب حد يساعد .. ومتقلقيش بعون الله سداد .. 

هتفت في نبرة رسمية : تسلم يا محروس .. ده العشم برضو .. ياللاه متتأخرش .. سلام.. 

أنهت مكالمتها مع محروس ووضعت غطاء رأسها على عباءتها السوداء ومدت كفها تتناول مفتاح الورشة .. 

تنبه ناصر لها وهي بطريقها لورشة أبيها فهتف بها متعجبا : على فين يا حُسن !؟ .. 

فتحت باب الورشة بالفعل وردت على  ناصر : بفتح ورشة أبويا يا اسطى.. فيه شغل متعطل ولازم يخلص .. 

تقدم منها ناصر هاتفا : اقعدي معززة مكرمة فبيتك ونجيب عمال يخلصوا الشغل بدل وقفتك وسطهم .. وبعدين ..هو إحنا قصرنا معاكِ فحاجة !؟ 

ابتسمت حُسن في شجن : لا والله ما قصرتوا أبدا .. بس لحد أمتى !؟ .. كتر خيركم على كده .. ومتقلقش يا أسطى .. أنا بميت راجل .. أخلص بس الطلبية اللي كان المفروض يسلمها المرحوم وبعدين أبقى أشوف الظروف .. 

تنهد ناصر ولم يعقب .. لكن بداخله إعجاب لهذه الفتاة التي تقف بكل تلك العزة والكبرياء .. رافضة أن يمد لها يد العون شفقة على حالها .. عاد ناصر لورشته .. 

لتعاود حُسن ترتيب بعض الأمور داخل ورشة أبيها لحين وصول محروس وبدء العمل الذي تشربت أسراره من كثرة مخالطتها لأبيها في أوقات عمله .. 

تنبهت أن القهوة ما زالت تبث آيات القرآن الكريم احتراماً لرحيلها الغالي .. فاندفعت باتجاهها تطلب كوب من الشاي وتلقي التحية على المعلم خميس .. الذي استقبلها في ترحاب متعجبا وهي تمد كفها تحول قناة المذياع هاتفة : ما تفتح لنا حاجة يا معلم .. سلطن الزباين .. 

تطلع لها هاتفا : ليه كده يا حُسن ..برضو الأصول عشان أبوكِ.. 

هتفت حُسن مقاطعة : أديك قلت أبوكِ .. وبعدين القرآن عايز اللي يسمع له يا معلم.. والزباين جايين يفرفشوا بكلام ولعب طاولة.. يعني الأغاني أحسن .. 

تنهد خميس وقد اقتنع بوجهة نظرها وما أن همت بإلقاء التحية متجهة من جديد نحو ورشتها حتى اصطدمت بنادر وهو في طريقة لداخل القهوة مهرولا .. 

تراجع خطوات متطلعا نحوها .. كانت المرة الأولى التي يراها منذ فترة.. تقريبا منذ تركت حجرته لدار أبيها .. 

ما الذي يعتريه اللحظة ليقف هكذا كالمصلوب لا ينطق بحرف في حضرتها! 

تحركت هي مندفعة في اتجاه الورشة التي وصلتها تحاول التشاغل عن مشاعرها المبعثرة كحبات العقد التي انفرط عقالها .. 

وخاصة وهو يقف كالمشدوه هناك وتلك الأغنية لصباح تنساب كلماتها فيما بينهما .. متواطئة لفضح مشاعرها وتعريتها أمام ناظري قلبه .. لعله يدرك : 

عاشقة وغلبانة والنبي ..عاشقة وتعبانة والنبي .. مقدرش أفوته والنبي .. 

ده أنا كل حتة فتوبي .. دايبة .. دايبة .. دايبة فهوى محبوبي .. 

مدت كفها لبعض الأدوات وأدعت العمل على بعض القطع .. ولم تشعر إلا والدموع تنساب رغما عنها.. فقد نكأت كلمات الأغنية جرحا حيا لن يندمل ما حيت .. محدثه يقف هناك يتطلع إلى حيث موضعها.. ولا يحرك ساكنا .. 

             ************** 

وصل حازم وتسبيح وبدور لسراي الهوارية ليستقبلهم الجميع بالترحاب .. كان لابد لهم من القدوم لحضور عقد قران زهرة .. وكذا حمزة وفريدة مع اعتذار هدير لتظل مع أبوها زكريا .. فلم يكن عليه من السهل الحضور كل هذه المسافة .. مع وعد بالحضور عند تحديد موعد الزفاف .. 

اجتمع الفتيات في حجرة سجود ونوارة والعروس زهرة التي كانت متزينة على أجمل ما يكون .. تشع بهاء وسعادة .. 

اندفعت بدور توصل هاتفها بإحدى السماعات المكبرة للصوت وضغطت على إحدى الأغاني هاتفة في حماسة : ايه احنا هنقعد كده ولا إيه !؟ .. ياللاه انتِ وهيا .. عايزين نخلي العروسة تحرم تجبنا في فرحها .. 

انفجرت البنات ضاحكات .. لتندفع بدور جاذبة شال تزمه حول خصرها لتبدأ في التمايل والفتيات يصفقن في جزل .. 

هتفت فريدة مشجعة : لسه مفقدتيش مهاراتك يا بدور .. والتطور واضح .. 

قهقهت الفتيات على تعليق فريدة العملي بشكل ساخر .. تعليق يصلح لجو المكاتب.. أكثر من كونه تعليقا على رقصة.. 

جذبتها بدور لتشاركها لكنها تمنعت في خجل مكتفية بالتصفيق .. بينما نهضت سهام لتبدأ الحجرة في الاشتعال حماسة لنزول منافس لبدور لا يقل مهارة عنها .. 

حاولت سهام جذب سمية لتشاركهن لكنها هتفت لسهام : أنتِ بتهزري .. أرجص إيه!؟ .. والله الشيخ مؤمن لو عرف ليجطع رجبتي.. 

أكدت سجود مطمئنة : ومين هيروح يجول له يعني !؟ احنا بنات في بعضنا .. ياللاه جومي .. 

اضطربت سمية تهز رأسها رفضا إلا أن بدور كانت الأسبق على جذبها بعد أن شعرت بالتعب وقررت استبدالها بأخرى حتى تظل حلبة الرقص عامرة .. 

شهقت سمية في خجل وهي تقف أمام الفتيات المشجعات بالتصفيق لها .. وسجود اندفعت تضع شال حول خصرها لتبدأ في التمايل على استحياء .. حتى زال الخجل رويدا .. لتظهر مواهبها الدفينة التي أبهرت الجميع .. ما جعل الفتيات يعلقن في تعجب: وتجولي مبتعرفيش !؟ .. أه منك.. 

تطلعت نوارة نحو دعاء التي كانت تجلس في أحد المواضع في عزلة هاتفة بها : ايه يا دعاء !؟ .. مش ناوية تيجي ولا إيه !؟ .. 

ابتسمت دعاء في هدوء مؤكدة : أچي فين يا دكتورة !؟ ..خلي اليوم يعدي على خير .. 

السرايا جديمة متستحملش الزلزال اللي انا هعمله لو فكرت أهز لي هزتين .. 

قهقهت البنات على تعليق دعاء التي شاركتهن الضحك في تسامح مع النفس لتؤكد عليها زهرة في رجاء : ياللاه يا دعاء.. ورينا المواهب بقى .. مفيش واحدة هاتخرج من هنا من غير ما ترقص.. 

تنهدت دعاء وهي تنهض متجهة لوسط الدائرة التي صنعتها البنات لمجلسهن وهتفت ساخرة وسمية تمد لها يدها بالشال الذي كانت تضعه حول خصرها : شال إيه اللي انتوا چيبنهولي ده !؟ .. أنا عايزة ملاية اربطها على وسط البلد ده .. 

قهقهت الفتيات على مزاحها وهي تربط أحد الشالات على خصرها الممتلئ وصدحت الموسيقى التي اختارتها .. وبدأ السحر .. 

شهقت الفتيات ما أن بدأت دعاء رغم جسدها الممتلئ بالنسبة لبعضهن في التمايل برشاقة على انغام الموسيقى .. ارتفعت حماستهن وعلا تصفيقهن .. وهتفت بدور مبدية إعجابها مازحة : أيوه يا دوعة يا جامد يالقوي .. 

علت ضحكات البنات .. إلا أن نوارة مالت نحو سجود هاتفة : أنا رايحة أطل على عاصم اشوفه خلص تجهيز شنطته لسفره النهاردة .. يمكن يكون عايز مساعدة .. وأمك مشغولة فالتحضير للكتاب مع باقي الستات تحت .. 

هزت سجود رأسها متفهمة وهي مندمجة مع رقص الفتيات تصفق في استمتاع ولم تدرك إحداهن أن سمية كانت بالقرب حتى أنها سمعت كلامهن .. لتنهض وقد استشعرت دوارا عجيب يكتنف قلبها .. 

متى قرر السفر !؟ ..ولم لم تدرك إلا اللحظة مصادفة !؟ .. وهل كان سيسافر دون أن تودعه حتى !؟ .. لم يا عاصم !؟.. 

نهضت تستأذن في هدوء لا يتفق مع ذاك الوجع الذي يمور داخلها كبركان .. 

ما أن خرجت من الغرفة حتى انسابت دموعها رغما عنها وهي في سبيلها للرحيل إلا أن القدر كان رحيما بها لتلتقيه وجها لوجها وهو في سبيله لحجرته لإعداد حقيبة سفره وإلقاء نظرة أخيرة على محتوياتها .. هتف ما أن رآها : ازيك يا سمية !؟ .. مالك.. إيه في !؟ في حد زعلك !؟.. 

هزت رأسها نفيا .. لكن ما أن رفعت ناظريها نحوه حتى زاد نحيبها واندفعت هاربة من أمامه .. حتى أنه تعجب مما فعلت .. لكنه لم يلق للأمر بالا .. وتوجه نحو حجرته يحاول أن يتجاهل ذاك المرح القادم من داخل غرفتها .. 

جلس أمام حاسوبه وبدأ في الكتابة بقلبه قبل أصابعه تلك المشاعر التي يجيش به صدره اللحظة : 

"في الصدر فؤاد يحترق قهرا .. حبك ونبضه بعضا من هشيمه المتطاير" ..وزيله شيخ العاشقين ..إلا أنه وقبل أن يضغط زر النشر انتفض فجأة ما أن اندفعت أخته نوارة لداخل حجرته ليزعق في سخط معاتبا :- حد يدخل كِده من غير استئذان يا دكتورة ! 

هتفت به نوارة في حنق : استئذان !؟.. اومال الخبط اللي كان ع الباب ده ومردتش كان إيه !؟.. ده أنا اتخضيت عليك والله .. 

هتف وقد هدأت حدة نبرته : حصل خير .. كنت سرحان شوية .. 

هتفت نوارة تحاول أن تخفي تأثرها برحيله: ظبطت شنتطك ولا محتاچ مساعدة..  

هتف عاصم مؤكدا : كله تمام يا دكتورة .. 

المهم .. أنا عايز أوصيك على چدي .. خدي بالك منيه يا نوارة .. وأي حاچة جوليلي .. أوعي تخبي عليا..  

هتفت نوارة في هدوء : حاضر يا شيخ عاصم .. بس أنت خلي بالك من نفسك.. وحاول تنسى يا عاصم .. خلاص مبجتش بتاعتك .. ولا ليك.. 

تنبه عاصم نحوها منتفضا هاتفا في اضطراب : أنتِ جصدك إيه !؟.. 

تنهدت نوارة .. تلك التي لم تكن تعطي بالا لمشاعر الهوى .. مؤكدة في شجن : أنت عارف أنا اجصد مين يا عاصم .. 

ومدت كفها لحاسوبه الذي أمال شاشته قليلا عندما اندفعت للحجرة مشيرة نحو كلماته على شاشة الحاسوب والتي لم يكن قد نشرها بعد .. هاتفة : ده اللي اجصده يا شيخ العاشجين .. 

اضطرب عاصم .. لتستطرد هي مقتربة من أخيها رابتة على صدره في حنو .. هامسة : محدش يعرف غيري .. يوم ما استلفت منك اللاب مكنتش غادرت الصفحة وشفتها .. ربنا يعينك على جلبك .. 

ابتسم عاصم هاتفا في شجن : ومن ميتى ليك في حكاوي الجلوب يا نوارة !؟ .. 

همست نوارة في شجن مماثل : نوارة لها جلب يا عاصم .. بس عمري ما هخليه يتحكم فيا .. عارفة إنه مش بيدنا .. بس أنا هخليه في يدي .. 

هتف عاصم متحسرا : يا ريت نجدر .. مكنش حد غلب .. 

وابتسم منهيا حوار الشجن هاتفا : ربنا يبعت لك واد الحلال اللي يستاهل جلبك .. وربنا يعينه .. 

قال كلمته الأخيرة مازحا لتتطلع إليه نوارة بنظرة حانقة قبل أن تنفجر ضاحكة ..  

غادرت الغرفة تاركة إياه ليعود أمام حاسوبه من جديد .. ضاغطا زر النشر متطلعا لصفحة الحاسوب وقد  انكشف سره.. 

          ****************** 

مر النهار وهم على ما هم عليه داخل أرض جده الزراعية التي قرر الاعتناء بها بعد كثير من الإهمال واستغلال المستأجرين بلا عائد مادي يذكر .. 

اعتدل من انحنائه يمسح قطرات العرق المنسابة على جبينه .. ليتنبه لسماحة الذي كان يتجادل مع رجل ما يبصره على البعد.. 

اندفع في اتجاه موضعهما مقتربا .. وما أن أصبح على وشك الوصول هتف بسماحة في تعجب : ايه في !؟ .. 

توقف كلاهما مع وصول يونس ليهتف سماحة في حنق : البيه عايز ياخد المية لحاله كن مفيش حد غيره عيسجي زرعته غيره.. 

هتف الرجل في محاولة للتبرير : ده دورنا فالرية .. انت بتجول شكل للبيع ولا ايه!؟ 

هتف يونس في مهادنة : خلاص .. فضيناها.. و 

قاطعه سماحة حانقا : فضيناها كيف يا بيه!؟ م.. 

هتف يونس يقاطعه في حزم : خلصنا.. فضيناها .. ياخد دوره ونبجوا احنا نرووا وراه .. 

وأشار يونس للرجل في هدوء : روح يا واد عمي شوف حالك .. وخلينا نشوفوا حالنا.. 

هتف الرجل ممتنا وهو ينظر في استعلاء لسماحة : تسلم يا يونس بيه .. 

اندفع الرجل راحلا يراعي مصالحه تاركا سماحة يغلي غضبا وهو يضرب وجه الأرض بفأسه دون أن يول يونس اهتماما ما دفع يونس ليهتف مستفسرا : هو ايه في!؟.. من ميتا لينا فالعراك ووچع الراس يا سماحة !؟.. 

اعتدل سماحة حانقا : إلا مع ولاد المحروج دول .. 

هتف يونس مستفسرا : ليه !؟ ده أنت بتتكلم كن بينك وبينهم تار .. 

اضطرب سماحة مؤكدا : لاه .. تار إيه يا بيه لا سمح الله !! بس ولاد نچم دول .. ضلالية وياكلوا مال النبي .. 

ابتسم يونس هاتفا : وانت ايش عرفك !؟ 

أكد سماحة : يعني هعرف منين يا بيه !؟ أهي الناس بتجول ..وكلمة من هنا على كلمة من هناك .. أهو بنعرف اللي فيها .. 

أكد يونس : متخدش في بالك من كلام الناس .. الناس مبتبطلش كلام من أساسه.. 

ياللاه شد حيلك خلينا نرچعوا .. أنا چعت وشكل الخالة سعيدة عملانا طبخة زينة ترم البدن .. 

ابتسم سماحة مؤكدا : معلوم يا بيه .. ده هي متوصية ع الأخر .. بالهنا والشفا .. 

تنبه سماحة أنه لم يطلب طاجن السمك بالفريك منذ أخر مرة تناوله .. فهتف به مستفسرا : متوحشتش طاجن السمك يا بيه!! 

قهقه يونس : إن چيت للحج يا سماحة .. اتوحشته جوي .. 

أكد سماحة بنبرة متحسرة : كن علاچ أمي ملوش عازة !! 

أكد يونس مقهقها : تصدج نفع .. 

هتف سماحة في انشراح : وااه .. بتجول الحج يا بيه !؟ 

أكد يونس في هدوء : بجالي فترة في حالة غريبة .. لا عارف ده كويس ولا لاه .. بس اللي بجي فارج معايا مش إنها رفضتني .. اللي فارج بچد هي رفضتني ليه!؟ .. بس لما جعدت أفكر شوية جلت لنفسي مهما كان السبب .. هو إن ربنا مش رايدها من نصيبي .. جلبي وچعني اه منكرش .. لكن اللي حاسة دلوجت إن خلاص أنا .. 

صمت ساد لبرهة قبل أن يستطرد مؤكدا : مش عارف أنا إيه !؟ .. بس أنا أحسن يا سماحة .. أحسن بكتير .. الظاهر طاچن الخالة سعيدة له العچب .. 

انشرح سماحة ولم يعقب بحرف ليهتف به يونس : ياللاه بينا .. العتمة داخلة .. خلينا نرچع نشوفوا حالنا .. وأكل الخالة سعيدة اللي ريحته واصلة لحد هنا .. 

اتسعت ابتسامة سماحة منحنيا يلتقط فأسه سائرا خلف يونس الذي اندفع في اتجاه دار جده .. 

              ************** 

كان قدومها إلى النجع فكرة موفقة ..على الأقل ابتعدت قليلا عن كل تلك الأماكن التي تراه بها ولا يمكنها أن تقربه .. فما عادت كرامتها تحتمل مثل هذا التجاهل من قبله .. فليكن .. حتى ولو كان هذا من أجل صالحها لكن ليس بهذا الشكل القاسي والعديم اللياقة .. اشعارها أنها هي التي تركض خلفه جعلها تشتعل حنقا .. فلم يخلق بعد من هو قادر على كسر كبريائها أو  جعلها تتذلل من أجل علاقة لا رغبة له فيها.. 

حتى عندما قررت هي إظهار عدم الاهتمام.. اختفى هو في ظروف غامضة .. لا تعلم اين تراه يكون .. ما اضطرها لتسأل صديقتها لتستفسر من خطيبها عنه .. لتدرك أخيرا أنه في إجازة .. 

سارت بمحاذاة الترعة التي كانت تقطع النجع من أوله حتى أخره .. ولامت نفسها أنها تفكر فيه من الأساس .. فهي هنا لكي تنسى كل ما يتعلق به .. 

لكن عاودها التفكير فيه من جديد قسرا.. لماذا ظهر بحياتي !؟ ..هكذا تساءلت .. كانت بالمنصورة على وشك التخرج .. لما انتقلت للقاهرة كي تقابله بعد كل هذه السنوات !؟ .. هاجس ما داخلها يخبرها أن قدر ما قد يجمعهما .. لكن كيف لذلك أن يحدث وهو يدفع بها بعيدا عن طريقه !؟ .. أي قدر ذاك الذي يمكن أن يجمع شخصان لا يتقاطع طريقيهما !؟ .. 

تنبهت لحركة قريبة .. اعتقدت أنها أحد الحيوانات المربوط بحكم العادة لإحدى الأشجار .. لكن فجأة ظهر أمامها ذاك الفرس الذي توقف قبالتها نافرا في قوة محركا رأسه الضخم لتتراقص غرته لتفزع هي معتقدة أنه يستعد لمهاجمتها فانتفضت في ذعر تركض مبتعدة .. لكنه لم يدعها بل استمر في الركض خلفها .. لتزيد من سرعتها.. ترغب في الصراخ أو النداء على أحدهم لإنقاذها لكن بلا جدوى .. فصوتها محشور بحنجرتها ولا سبيل لديها إلا الركض كالمجذوبة التي يتعقبها أطفال القرية بالحجارة والضحكات الساخرة .. 

وصلت أخيرا لذاك السور المنخفض واندفعت من شق طولي به لداخل تلك الأرض التي تحيط بدار ما .. وقفت تلتقط أنفاسها في تتابع محموم معتقدة أن ذاك الوحش قد تاه عن طريقها وما عاد يركض بأعقابها لكنها كانت مخطئة فها هو وقد علم مكانها وتسلل مثلها من ذاك الشق الطولي وكأن أحدهم يخبره بموضع اختبائها .. 

ركضت من جديد بلا هدى .. 


لكنها فجأة اصطدمت بأحدهم لتشهق في ذعر .. رفعت رأسها للحظة محاولة الاعتذار عن اقتحامها باحة المنزل بهذا الشكل وكذا تقديم العذر المناسب لذلك وهو تعقب ذاك الفرس الجامح لها .. لكنها شهقت من جديد في صدمة أكبر ما أن وجدت ذاك الذي كان يحتل مخيلتها منذ دقائق كما أحتل أحلامها في منامها وتفكيرها في يقظتها .. 

هتفت في نبرة متقطعة : منتصر !! 

تطلع إليها في وجل ونظراته تحمل مشاعر مختلطة معجونة بشوق هائل لها .. 

انفجرت باكية فجأة لا تعلم ما دهاها لتبكي هكذا بهذا الشكل المقهور ما أن وقعت عيناها على محياه!؟ .. نحيبها علا وجبينها مستند على قائم صدره .. كأنما لو ابتعدت لحظة لسقطت من فورها .. كانت ذراعاه متصلبة جوار جسده لكنه في لحظة ضعف رفعها قليلا رغبة في ضمها إليه موقنا أنه ما عاد قادرا على تجاهل مشاعره التي تفتك به منذ قابلها من جديد .. كان يحاول التباعد قسرا لكن قلبه وروحه التي تهفو إليها كان لهما رأيا أخر مغايرا تماما عن صوت تعقله الذي جعله يخفض كفيه لتسقر على جانبي جسده من جديد .. 

همس محاولا بكلماته إبعادها عن صدره الذي حفر جبينها فيه دروب من أزهار وحنة : يعني يا ربي سبتلها القاهرة بحالها عشان أهرب منها ألاقيها محصلاني على هنا !؟ طب اهرب منها أروح على فين بس!؟.. 

أبعدت جبينها في هوادة ورفعت عيونها الدامعة نحوه فترنح قلبه كالسكير أمام سطوة الدمع ولم يشعر إلا وهو يمد كفه التي استطاع السيطرة عليها سابقا لكنها خذلته هذه المرة لتمح خط الدمع الذي شق دروب الخد الوردي .. لتهمس هي بصوت متشنج مرتبك الأحرف : سبت القاهرة بسببي !؟ .. للدرجة دي مش ط.. 

هتف في شوق مقاطعا : وحشتيني .. 

شهقت ولم تعقب بحرف ليستطرد : جيت هنا عشان اصبر نفسي ..بس خلاص مبقاش عندي طاقة أبعد.. 

همست في صدمة : هااا.. 

أكد في نبرة أنبأتها بمكنونات قلبه : بحبك يا بدور .. 

هتفت في صدمة أكبر: أنا !؟ .. بتحبني أنا!؟ .. 

أكد مبتسما وعيناه لا تفارق محياها المصدوم : أيوه أنتِ يا غلباوية ..طلعتي عيني ووجعتي قلبي .. 

هتفت من جديد غير مصدقة : أنا !؟.. أنت بتهزر صح !! 

قهقه متسائلا : هو سيادة العقيد معاكِ هنا مش كده !؟ 

هزت رأسها في تيه مؤكدة.. ليستطرد مؤكدا : طب انا هعدي عليه بكرة بإذن الله.. 

هتفت مستوضحة في بلاهة : ليه !؟ .. 

ابتسم هاتفا في سخرية : تفتكري ليه !؟ .. عنده واحدة مجنونة عايز أخلصه منها وأبتلي نفسي بها .. 

شهقت في فرحة ليهتف متطلعا إليها في عشق : تفتكري توافق !؟ .. 

تطلعت إليه ولم تعد تدري يمناها من يسراها فما كان منها إلا الاندفاع هاربة تعود أدراجها بعد أن اختفى الفرس الاشهب الذي كان يتعقبها والذي تمنت اللحظة لو توسعه عناقا وقبلات لأنه كان السبب في هذا اللقاء الذي جعلها تطير اللحظة على السحاب سعادة .. فغدا .. سيأتي إليهم لخطبتها .. غدا يوم تحقيق الأحلام .. تنهدت في فرحة غامرة وهي تضع كفها على صدرها تربت في حنو على ذاك القلب الذي يكاد يقفز من بين الضلوع فرحا .. ليهدأ ويستكين حتى تحين لحظات السعادة الحقة بقربه أخيرا .. 

            ***************** 

تعالت الزغاريد تضج بها جدران سراي الهوارية فقد تم عقد القران لتصبح زهرة شرعا وقانونا حرم الدكتور محمد عزام .. ارتفعت الأصوات بالتهنئة مصاحبة لمزيد من الزغاريد .. وتاهت بين هذه وتلك آهاته وأوجاعه وهو يتطلع إليهما اللحظة .. تجلس هي جوار زوجها في فرحة لا يمكن أن تصفها أحرف الكلم .. حتى هو .. محمد زوجها كان رغم وقاره لا يستطيع إخفاء فرحته بالمثل .. إنه لا يلمه .. وكيف ذلك وقد أضحى زوج تلك التي كانت ومازالت بمثابة حبة العين وشغاف القلب !!.. لقد أمتلك الغالية والنفيسة وفاز بالزهرة الندية.. هنيئا له .. وتعسا لي .. 

تسلل في هدوء صاعدا لحجرته يتمم على أغراضه ويتأكد من جاهزية حقائبه .. يفعل ذلك في آلية وتيه تام لا يدرك ماذا وضع داخلها أو ماذا خفف عنها ..  

فما عاد يهمه من الأساس .. تحدوه الرغبة في تلك اللحظة إلى ترك كل شيء خلفه حتى حقائب الهم تلك.. والرحيل خال الوفاض حتى من ذاكرة وجيعته .. لكنه يعلم أنه حتى لو ترك حقائب الأغراض فمن يزيح عن كتفيه حقائب الوجع التي تنقض ظهر عزمه!! .. 

لا يعلم كم غاب بحجرته لكن هذا الصخب بالأسفل قد قل زخمه فقرر استطلاع الأمر قبل أن يودع الجميع راحلا .. هبط الدرج في هدوء متطلعا حوله ليجد امه تجلس بجوار عمته سندس .. 

هتف متسائلا : هم الناس مشوا بسرعة كده!؟.. 

غام وجه تسنيم وهى ترى ولدها مستشعرة قرب رحيله عنها دون أن تنطق بحرف لتهتف سندس في أريحية : اه يا سيدي .. العريس صمم ياخد العروسة وأبوها وأمها وباجي البنات .. جال إيه .. عازمهم بره .. خليه يغرم بجى .. إحنا عملنا اللي علينا ودبحنا وجدمنا الأكل للناس بره .. ياللاه .. عريس بجى وعايز يفرح عروسته.. عجبالك يا عاصم .. 

تطلعت تسنيم لملامح وجه ولدها الجامدة التي لا تشِ بذاك الصراع الذي يفتك به وهز رأسه في امتنان لعمته وسأل في هدوء قاتل : فين چدي !؟.. 

همست تسنيم أخيرا مشيرة لباب القاعة المتطرفة بعيدا عن ضجيج الحفل : هناك ف الجاعة الجبلية يا عاصم .. روحله يا حبيبي .. 

هز عاصم رأسه في طاعة وتحرك في آلية باتجاه القاعة التي فتح بابها ودلف لداخلها ليجد جده يجلس متطلعا من نافذتها التي تكاد تصل حافتها السفلية للأرض .. 

وقف عاصم في صمت مهيب خلف مقعد جده المدولب يستمع لموسيقى ليل نجع الصالح الشجية التي تأتيه عبر أصوات جنادب الليل ونقيق الضفادع وتراقص سعف النخيل في إغراء وغواية لأنجم السماء القابعة بالأعلى والتي سيفتقدها بشدة. 

وضع عاصم كفيه على كتفي جده المهدلين ليرفع الجد كفه المغضن رابتا على أحدهما هامسا في وجع: خلاص نويت يا ععاصم!! 

همس عاصم : خلاص يا چدي .. 

هتف الجد محاولا استبقائه للمرة الاخيرة : طب كان لازما النهاردة يعني !؟.. ما تأچل سفرك كمان يومين .. 

هتف عاصم مؤكدا : والله ما بخطري يا چدي .. الشركة اللي هشتغل فيها هى اللى حددت ميعاد السفر وحچزت وبعتت ليا التذاكر .. يا دوب أسلم عليكم واخد طريجي للمطار .. وربنا يسهل لنا  .. 

ربت الجد على كف حفيده من جديد هامسا بشجن: تروح وترچع بالسلامة .. ربنا يسلم لك طريجك يا ولدي .. 

حرك عاصم مقعد جده مبعدا إياه عن النافذة حتى لا يضر به هواء الليل الذي انتصف تقريبا وبدأت تشتد برودة نسائمه مسدلا ستائرها متوجها به إلى حجرته .. 

         ******************* 

كانت تسير بتلك الخطوة العسكرية كما أمرها أخوها ما أن أشرفت على دخول الشارع الرئيسي تحاول الهرولة بمشيتها حتى لا يعترضها أحد هؤلاء العاطلين المجتمعين على ذاك المقهى الأكثر حداثة من مقهى جدها .. تنبهت أنه يتعقبها فتنفست الصعداء في غيظ فما عادت قادرة على تحمل المزيد من الحماقات وتقمصتها روح حُسن الثائرة لتنتفض مستديرة نحوه هاتفة بلهجة حاولت أن تودعها كل ثقتها هاتفة في حنق : كفياك بقى لحد كده .. أنت متعبتش !؟.. 

تطلع إليها ذاك الغريب متعجبا لا يدرك ما دهاها وهتف في ذهن منشغل متجاهلا حنقها : تعرفي فين حارة الشمندورة !؟.. 

هتفت بحنق زادت وتيرته : لا ده أنت قاصدها بقى .. 

هتف بحدة مماثلة وقد تنبه لحديثها المحتد : إيه فيه !؟ .. هو السؤال حُرم ..!؟.. خلاص بلاها ..  

واندفع باتجاه المقهى متسائلا بصوت عال بعض الشيء : السلام عليكم يا رچالة.. فين حارة الشمندورة ..!؟.. 

هتف صبي المقهى ساخرا وقد أبصر نعمة تقترب في اتجاههم لدخول الحارة : شمندورة إيه بس يا باشا !! ما القهوة دي أحسن من غيرها يا بلدينا .. 

توقفت نعمة في غيظ تتطلع لذاك الأحمق وقد تذكرت تحذيرات نادر بألا تثير المشاكل على أساس أنها قادرة على ذلك من الأصل .. همت بالاندفاع مبتعدة إلا أن صبي المقهى هتف مغازلا : الجميل زعل ولا إيه ؟!.  

توقفت تبحث عن سباب لائق يدفعه ليخرس لسانه عنها.. لكن كان ذاك الغريب الأسرع أمرا إياه : خليك معايا أنا وسيبك من الحريم.. 

هتف صبي المقهى مستفسرا : إيه هي تخصك ولا إيه ؟!.  

هتف الغريب مؤكدا : ايوه تخصني .. سيبها فحالها وخليك معايا .. 

لكن يبدو أن ذاك الغبي لم يكتف من حماقته هاتفا في سخرية متطلعا نحو نعمة والتي كانت قد استدارت مغادرة بالفعل : وجيباه وراكِ كمان !!.. 

لم يعد بمقدورها الصمت على سخافات ذاك الحقير وهمت بالعودة والاندفاع نحوه تخرسه وليكن ما يكون.. إلا أنها توقفت موضعها متطلعة الى ذلك الغريب الذي انتفض ممسكا بصبي المقهى في ثورة هادرة يهزه بقوة هاتفا : چايبة مين وراها يا عويل أنت ؟!.. شكلك عايز تغير ديكور سحنتك البهية دي ؟!.. 

انتفض صاحب المقهى يلوذ عن صبيه هاتفا مهادنا: معلش يا بيه .. عيل عبيط ميقصدش.. أهدى بس وروق.. تعالى أشرب لك حاجة تطرى على قلبك.. 

دفع الغريب صبي المقهى باشمئزاز وهتف مؤكدا: معيزش أشرب حاچة .. سألت سؤال.. عندكم رده جولوا .. فين حارة الشمندورة ؟!.. 

أشار صاحب المقهى مؤكدا : على طول وخد أول يمين هي دي حارة الشمندورة.. بس أنت رايح لمين هناك !؟.. 

لم يجبه الغريب بل حمل حقيبته التي تركها جانبا عند إمساكه في تلابيب الصبي مندفعا يتخذ إشارات الطريقة حتى تنبه أنها كانت تسبقه بخطوات .. لم يعرها التفاتا محاولا التركيز بطريقه عندما ظهر أحد الشباب منسلا من جماعته التي كان أفرادها يفترشون مدخل الحارة ناشرين الفوضى والفساد .. اقترب منها ذاك الشاب في صفاقة هامسا : مش ناوي تحن بقى يا جميل !؟.. 

هتفت به نعمة في اضطراب : أنت محرمتش يا قدورة !؟... شكلك نفسك فعلقة من أيدين نادر أخويا ترد لك عقلك زي كل مرة... 

هتف قدورة وهو يمسك بذراعها في لهفة : بس استني بس .. مال طبعك حامي كده !؟ 

جذبت ذراعها من كفه في غضب هادر وما أن همت برفع كفها لصفعه حتى توقف ذاك الغريب بينهما هاتفا في حمية : عنك يا ست البنات .. معدمتيش الرچالة عشان متلاجيش اللي يربي النچس ده .. 

تراجعت نعمة خطوات للخلف في استغراب وهذا الغريب يلوذ عنها رافعا كفه ليسقط على جانب وجه قدورة صافعا إياه صفعة مدوية تردد صداها بالحارة كلها .. 

ساد الصمت مما أثار انتباه المعلم خميس من داخل قهوته لينهض من موضعه خلف البنك بتثاقل ليقف على أن أعتاب المقهى متسائلا بصوت جهوري : فيه إيه !؟ .. إيه اللي بيحصل !؟.. 

استفاق قدورة من صدمة الصفعة التي تلقاها على يد ذاك المجهول مندفعا يمسك بتلابيبه أخذا بثأره إلا أن ظهور المعلم خميس لجمه .. 

اندفعت نعمة في اتجاه جدها تلوذ به بينما أنزل قدورة كفيه عن الغريب ناظرا إليه في غضب مكبوت يتوعده بنظراته المشتعلة .. 

تجاهله الغريب في لامبالاة متجها حيث كان يقف المعلم خميس متطلعا للافتة المقهى متسائلا : السلام عليكم يا معلم .. ألاجي فين ورشة الأسطى ناصر خميس !؟ 

هتف خميس مؤكدا : خير يا بني .. أنا أبوه.. 

هتف الغريب مادا كفه محييا في مودة : أهلا يا معلم .. أنا راضي الحناوي .. اللي كلمكم عني سيادة العقيد حازم الهواري .. 

تطلع خميس إليه في تيه لحظة لكنه تذكر فجأة ما أخبره به ناصر .. أن حازم اوصاه بأحد أقربائه سيأتي للتدرب على صيانة العربات بورشته .. لابد وأنه هو .. ما دفع خميس يهتف مرحبا : أهلا .. أهلا يا بني .. شرفت .. تعالى اتفضل .. 

كانت نعمة التي كانت ما تزل تراقب المشهد عن كثب ..عيناها تتفحص ذاك الغريب الذي ظنت أنه يتبعها إلى هنا مغازلا .. ليصبح هو ملاكها الحارس حتى وصولها لمقهى جدها .. 

هتف خميس ما أن استقر راضي قبالته على أحد المقاعد موجها حديثه لنعمة : يا نعمة .. روحي اندهي لأبوك .. شوفيه فالورشة ولا فوق .. قوليه راضي الحناوي قريب عمك حازم وصل وقاعد مع جدي ع القهوة .. 

هزت رأسها في تأدب دون أن تنبس بحرف لكن عيونها ظلت معلقة بذاك الذي كان يجلس منكس الرأس في حياء وما رفع ناظره متطلعا إليها وجدها يحادثها حتى .. من يره اللحظة وهو بكل هذا الحياء لا يمكن أن يتصور أنه من اثلج صدرها منذ دقائق بصوت لطمته المدوية على وجه قدورة .. ويا لها من لطمة !!

الفصل العاشر 


              الفصل العاشر 


دخل المعلم خميس شقته ليهتف بنعمة وكذا ناصر وشيماء الذين تحلقوا حول المائدة في انتظار وضع صحون العشاء : إيه الدماغ دي !؟ حجر صوان .. والله ما فرق حاجة عن جده زكريا .. وعمه حمزة .. حتة دماغ صعيدي إيه !! .. ملهاش حل .. 

قهقت نعمة مؤكدة : أه والله .. ما حد شاف زكريا ولا عاشره أدي .. من قبل جوازه ببدور الله يرحمها .. مكنش يقبل على نفسه لا لقمة ولا هدمة مدفعش تمنها لو هيموت من الجوع .. كانت نفسه عزيزة قووي .. 

أكد خميس : أهو ده شرحه .. أقوله وأنا معدي ع الورشة .. تعالى يا راضي اتعشى معانا .. وده أبدا .. اجيبه يمين احلف شمال .. مفيش فايدة .. 

ابتسم ناصر مؤكدا : الشهادة لله واد أخلاق وعينه مبتترفعش عن الأرض .. بيجلنا زباين حريم أشكال وألوان .. مرفعش عينه فواحدة فيهم .. دول حتى بيخافوا منه .. 

قهقت شوشو هاتفة : ليه هياكلهم !! 

أكد ناصر ضاحكا : لا .. بس طريقة كلامه معاهم شديدة .. والنسوان عايزة ال.. 

هتفت شوشو تقاطعه في حنق : عايزة إيه ! 

انفجر كل من نعمة وخميس في الضحك .. ليهتف خميس ساخرا : جالك الموت يا تارك الصلاة .. 

هتف ناصر يحاول الخروج من المأذق الذي وضع نفسه فيه متصنعا الحنق : يا بت يا نعمة .. فين العشا !! .. هو إحنا هنتسحر ولا إيه !؟ .. 

هتفت نعمة من داخل المطبخ وقد تركت ما كانت تصنع تسترق السمع لحديثهم عن راضي في اهتمام : حالا أهو يا بابا .. الأكل جاي .. 

وبدأت بالفعل في تحضير المائدة .. أكدت عليها أمها هاتفة : روحي نادي على أخوكِ يطلع يتعشى .. وأنا هجيب باقي الأطباق.. 

اندفعت نعمة تضع غطاء رأسها بشكل عشوائي لتطل من الشرفة هاتفة تستدعي نادر .. لكن من ظهر من داخل الورشة كان راضي الذي رفع ناظره لثانية واحدة حتى يعلم من أين يأتيه النداء .. قبل أن يخفض ناظريه تأدبا هاتفا يبلغها : نادر راح مشوار سريع وراچع .. خمس دجايج وأول ما يوصل هجوله يطلعلكم .. 

هتفت نعمة : شكرا .. 

هز رأسه واندفع لداخل الورشة من جديد .. لتتطلع لموضع غيابه لبرهة قبل أن تعود للداخل .. 

انشغل راضي بتلك القطعة التي كان يعمل عليها لكنه تنبه لصوت امرأة يصله مرتفعا عن طبيعته .. ترك ما كان يعمل عليه وخرج من الورشة متطلعا حوله يحاول استطلاع مصدر الصوت فإذا بها حُسن تهتف في حنق لشخص ما .. اندفع نحو ورشتها هاتفا في حزم : إيه في يا ست حُسن !؟ .. 

هتفت حُسن في ضيق : ببيع اللي بنتعب فيه بخسارة يا باشمهندس راضي .. 

تطلع راضي لمحروس متحدثا في هدوء : أنت اللي بتسوج لها البضاعة .. مش كده !؟ 

هز محروس رأسه في إيجاب يتوجس من ظهور راضي الذي لم يكن فالحسبان ..فبعد ما أشيع عما فعله بقدورة والكل يخشاه .. 

هتف راضي مؤكدا : يبجى أنت المسؤول عن.. 

هتف محروس مقاطعا في اعتراض : مسؤول عن إيه يا باشمهندس !!.. ده سوق وعرض وطلب .. والبضاعة متجبش أكتر من كده .. ده أنا كارمها عشان ظروفها و.. 

اندفع راضي ممسكا بتلابيه هاتفا : ابلع لسانك ومتنطجش بولا كلمة تاني وإلا هطفحهولك .. أنت هتچبي عليها بمالها يا عفش .. 

هتف محروس بأحرف مهزوزة يحاول التملص من قبضة راضي: خلاص يا باشمهندس .. هطلب سعر أعلى ولو مرضيوش هرجع لها البضاعة .. 

هتفت حُسن مؤكدة : أيوه كده تمام .. يا تعلي السعر يا ترجع البضاعة .. 

هز محروس رأسه موافقا واندفع ينفذ ما طُلب منه.. مخلصا نفسه من راضي الذي تركه يرحل في سلام هاتفا لحُسن : نصيحة لوچه الله يا ست حُسن .. الواد ده متشغليهوش معاكِ .. اسمعي مني .. ده ضلالي .. ويكون فمعلومك .. البضاعة تساوي أكتر من اللي كان عايز يديهولك .. بس هو مخنصر من الفلوس وحطهم فچيبه.. 

تنهدت حُسن وهتفت متحسرة : طب وهعمل إيه بس يا باشمهندس !!.. محوجاله .. والله ما عنديش مانع ياخد سمسرة أو عمولة ع التسويق للبضاعة بس كده هو ناهبني .. وأنا لسه عندي هم ما يتلم لازم يتسدد .. كان فيه اقساط وفواتير على أبويا الله يرحمه.. كل ده هيجي منين !؟ .. 

همس راضي مؤكدا : سبيها على الله .. كله هيتعدل .. 

همست حُسن : ونعم بالله .. 

وصل صبي القهوة الذي أرسله راضي لشراء بعض الشطائر من أجل العشاء.. تناولهم منه هاتفا بها : ياللاه بسم الله .. 

وفتح كيس الطعام مادا كفه يقدم إليها بعض الشطائر لتهتف في حرج : بالهنا والشفا يا باشمهندس .. ده واجب عليا .. ده أنت من ساعة ما وصلت الحارة ومجملتكش فحاجة.. اعذرني بقى.. ما أنت شايف بنفسك.. طول النهار فالورشة بخلص أموري .. 

أكد عليها راضي : مدي يدك متكسفنيش .. أهو يبجى عيش وملح .. 

مدت حُسن كفها في حرج تتناول من راضي ما جاد به من شطائر عشائه .. ليصل نادر في تلك اللحظة ليرى راضي مندفعا من داخل ورشتها في اتجاه ورشتهم وبكفه كيس الشطائر التي تحمل هي بعضها تقف على باب ورشة أبيها وقد بدأت في تناولها بالفعل .. 

لا يعرف ما الذي جعل ذاك الشعور السام يسري في شرايينه ويتوغل ليستقر بقلبه دافعا دمائه لتغلي غضبا .. مستشعرا قهرا عجيبا جعله يندفع صوب الورشة متطلعا لراضي الذي استقبله في بشاشة مبلغا إياه برغبتهم في تواجده بالأعلى .. 

حاول السيطرة على غضبه وكبح جماح غيرته التي كانت تعمي عينيه عن رؤية حقيقة الأمور .. تلك الغيرة التي لا يعلم حتى اللحظة أنها ها هنا كامنة بين طيات نفسه ..تنخر في ثباته .. 

هتف براضي متسائلا : هو في حاجة عند حُسن !؟ .. أصل شايفك جاي من عندها .. 

أكد راضي في أريحية وهو يقضم بعض من شطائره : لاه خير .. بس شكل الواد محروس ده مش هيچبها البر .. واضح إنه بياخد عمولة لنفسه من الباطن .. ويبيع لها البضاعة بملاليم .. 

هتف نادر في حنق : والله هي اللي غاوية تعب .. قلنا لها اقعدي معززة مكرمة ونجيب لك عمال تفهم فالشغلانة وحد واعي يدير الشغل .. رفضت .. وقالت فلوس أبويا وماله .. وديونه في رقبتي .. 

أكد راضي مدافعا : حجها .. هي حرة فمالها .. والشهادة لله .. الست حُسن دي ست ب مية راچل .. دي صنف من الحريم مبجاش موچود منه دلوجت يا نادر .. حُسن دي صنف نااادر.. 

تطلع إليه نادر في حنق ولم يدرك ما كانت ترمي إليه كلمات راضي .. كانت الغيرة ما تزل تغشى بصيرته عن إدراك حقائق الأمور رغم ظهورها جلية أمام ناظريه .. ترك راضي بالورشة واندفع في اتجاه بيت جده لتقع عيناه على حسن التي جلست أمام ورشة أبيها تتناول شطائر راضي ما أورثه حنقا مضاعفا ليتطلع إليها في غضب مكبوت مهرولا نحو درج بيت جده .. 

           ***************** 

تطلعت من فوق سطح السراي لعلها تلمحه قادما ..كان يسربلها شوقا هائل لمرآه قادما لطلب يدها .. لقد علمت بقدومه اليوم في  البارحة بعد أن هربت من أمامه حياء .. عندما وجدت رقم غريب غير مسجل لديها يرن على هاتفها .. لتفاجأ به .. 

أخبرها أنه اتصل بوالدها وحدد موعد بعد صلاة الظهر لمقابلته .. وها هي تنتظره ترافقها فريدة .. لقد كانت الوحيدة التي على علم بما ينتويه منتصر اليوم .. 

تجرأت ودقت على جواله ليرد في سرعة مازحا : والله ما هربت .. أنا جاي أهو .. ده إيه البنات دي !؟ .. أنت ما صدقت يا سيد !! 

قهقهت مؤكدة : أيوه بقى .. ويكون في علمك .. أنا علقة وزنانة ورخمة .. 

أكد منتصر مبتسما : على قلبي زي العسل. 

وغير نبرته متحسرا : وربنا يعني بقى .. 

أكدت بدور ضاحكة : ياااارب .. بص يا بني عشان نبقى على نور من أولها .. أكيد أنت عملت حاجة منيلة فحياتك عشان ربنا يبتليك بيا .. 

قهقه مؤكدا : والنعمة ما عملت حاجة .. ده انا غلبان .. بس عادي .. لو كان وجودك في حياتي تكفير عن ذنب حتى لو معملتوش أنا راضي يا بدور .. 

ساد الصمت بينهما ولم تعقب .. فقد دمعت عيناها .. ولم تدرك بما يمكن أن تجيبه .. وهل هناك كلمات يمكن أن تعبر عن احساسها في تلك اللحظة من الأساس !! 

همس متعجبا : بدور .. رحتي فين !؟ 

همست بصوت متحشرج تأثرا : انا معاك يا منتصر .. 

همس مؤكدا بعشق : وها تفضلي معايا يا بدور .. 

تطلع لبوابة السراي فهتف مسرعا : طب اقولك سلام مؤقت ..عشان أنا وصلت .. 

أكدت بدور : ما أنا عارفة .. شيفاك .. 

تطلع منتصر حوله رافعا ناظره لأعلى ليبصرها تطل عليه من سطح السراي ليهتف على الهاتف أمرا : مجنونة والله العظيم .. انزلي طيب بدل ما تخدي ضربة شمس .. الشمس النهاردة حامية .. 

أكدت بدور في محبة : طب لما تدخل الأول.. 

قهقه مؤكدا : والنعمة هدخل .. ده أنا لو معتقلني مش هيحصل فيا كده !! .. 

قهقهت بدور هاتفة : عريس يا بوي .. طخه بس متعوروش يابوي .. 

ارتفعت ضحكاته هاتفا : طب على ذكر السيد الوالد .. اقفلي بقى عشان هرن عليه أبلغه إني وصلت .. سلام .. 

استوقفته بدور هاتفة : منتصر !! 

همس في محبة : يا نعم .. 

همست بدور في حروف مبعثرة : أنا .. أنا.. 

هتف منتصر يستوقفها حتى لا تكمل : أنت إيه بس !؟ أوعي تنطقيها دلوقتي .. جاية تقوليلي الكلمة اللي مستني اسمعها بقالي زمن وأنا داخل اقابل أبوكِ .. 

أكدت هاتفة في مزاح : أيوه عشان تديك دفعة وتدخل بقلب جامد .. 

أكد هو ساخرا : يا بنتي أنت متعرفيش إن العبد لله يروح فيها .. ده أنا لو سمعتها دلوقتي هدخل اقعد قدامهم زي خيبيتها .. أصل المواضيع دي بتقلب معايا بغباوة كده على شوية تخلف على كرشة نفس وزغللة في العين .. واحتمال يطلبوا لي الإسعاف يا النجدة .. 

قهقهت بدور وهمست في لهفة : يا عيني يا بني .. طب ياللاه سلام .. عشان تكلم بابا تبلغه بوصولك .. 

هتف فيها مدعيا الحنق : مصلحجية .. 

قهقهت من جديد وهي تغلق الهاتف ليضغط أزرار هاتفه مؤكدا لحازم على وصوله خلال دقائق .. 

بينما تنهدت بدور في راحة وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيها شاركتها إياها فريدة في سعادة وهي تقترب منها تضمها في فرحة هاتفة : ألف مبروك يا بدور .. ربنا يتمم لك على خير .. باين عليه بيحبك بجد وشاريكِ .. وأهو دخل البيت من بابه .. يعني فعلا راجل .. ربنا ييسر لكم الحال .. 

هتفت بدور في تضرع : يا رب يا فريدة .. يا رب .. ويرزقك أنت كمان بابن الحلال اللي يستاهلك .. 

ابتسمت فريدة في شجن مؤكدة : لا انسيني أنا خاالص .. أنا حياتي بقت فالشغل وبس .. مواضيع الحب دي قفلت عليها بالترباس من زمان .. 

تنهدت مستطردة وهي تجذب يد بدور : بقولك ايه !! تعالي نتسحب زي زمان ونتصنت عليهم ونشوف هيقولوا إيه !؟ 

هتفت بدور في اضطراب : لا يا فريدة .. أخاف حد يشوفنا من ولاد عمي مهران .. وخصوصا عاصم .. شوفتي عامل إزاي !؟ .. أنا خفت منه .. 

قهقهت فريدة ساخرة : بقى بدور بتخاف !! طب كويس والله .. 

ثم استطردت في جدية : بس على فكرة .. عاصم انسان محترم وكويس جدا .. هو بس عشان ملتزم ومش بتاع ضحك وهزار أنت شيفاه شديد .. بس هو انسان ممتاز .. 

همهمت بدور هاتفة : إيه يا فرفر .. عينك من الشيخ عاصم ولا إيه !؟ 

قهقت فريدة مؤكدة : شوف أنا اقولها إيه تقولي إيه !! يا بنتي أنسي .. أنا مفيش فحياتي إلا الشغل وبس .. 

لكزتها بدور مازحة : طب ما تفكري بس .. ده الشيخ تقيل كده وعليه هيبة تسرع .. اللهم بارك .. 

انفجرت فريدة ضاحكة وتطلعت نحو بدور تهز رأسها مؤكدة أن لا فائدة ترجى من ابنة خالها تلك .. فقررت النهوض وتركها وحيدة إلا أن بدور لم ترغب فالبقاء مفردها يتآكلها القلق من الاجتماع الدائر بالأسفل ما دفعها لتلحق بفريدة مجتمعة بالفتيات استعدادا لتلك المأدبة المقامة على شرف زوج زهرة الدكتور محمد عزام .. 

          ****************** 

كانت المحاضرة قد بدأت لتوها لكن طرقات على باب قاعة المحاضرات جعلت دكتور المادة يتنبه نحو الباب الذي انفرج بشكل مبالغ فيه وظهر من خلفه ذاك الكرسي المدولب وصاحبه .. 

تطلع المحاضر لذاك الذي اقتحم المحاضرة بهذا الشكل وهتف به متسائلا : خير !! أي خدمة !؟ 

شهقة مكتوبة ندت عنها ما أن أدركت ماهية الطارق .. لم يكن إلا مروان على كرسيه المدولب ..ماذا يفعل هنا !؟ .. 

كادت أن تفقد وعيها ذعرا .. هل جاء خصيصا من أجلها !؟ .. يبدو أنه فقد عقله كليا ليأتي إلى هنا لكي يراها بعد أن امتنعت عن الحضور أو حتى الاقتراب من حديقة داره .. كانت قد اتخذت عهدا على نفسها أن تبتعد قدر استطاعتها عن هذه القصة .. وذاك الشاب الذي تعلم تمام العلم أنها .. إن لم تبتعد عنه ..فسيكون مصيرها جرح قلبها لا محالة .. 

هتف مروان في ثبات وثقة : آسف يا دكتور على التأخير عن ميعاد المحاضرة .. دي أول مرة حضور ليا .. وأوعد حضرتك مش هتتكرر .. 

تطلع له المحاضر متسائلا : هو أنت معانا هنا !؟ .. 

أكد مروان في هدوء مبتسما : أيوه يا دكتور أنا طالب فنون جميلة .. لكن الحضور كان بعافيه شوية زي صاحبه .. 

وأشار لوضعه على كرسيه وهو يلقى بكلماته الأخيرة ما دفع المحاضر ليبتسم لخفة ظل مروان وهز رأسه في قبول لعذره مشيرا سامحا له بالدخول .. 

تحرك مروان بكرسيه ولم يعر للنظرات المتطفلة أي اعتبار .. كان كل ما يعنيه هو معرفة موضع جلوسها .. ليكون الأقرب له. 

لحسن الحظ لم تكن القاعة بها مدرج لا يمكنه الصعود على درجاته بمقعده دون مساعدة أحدهم .. كانت القاعة عبارة عن قاعة درس بسيطة جعلت من حركته أكثر حرية .. 

وقعت عيناه على موضعها أخيرا .. ليجدها تحاول التخفي .. تتدارى قدر استطاعتها كأنما تدرك أنه يبحث عنها وقررت جعل المهمة أكثر صعوبة عليه من تلك الأيام والليالي التي قضاها باحثا عن طريقة حتى يستطيع الوصول إليها من جديد .. فما عادت رسائله بسرج عنتر توتي ثمارها .. فقد كانت تعود له كما ذهبت .. 

أوقف كرسيه محاذيا لموضع جلوسها حتى يستطيع أن يراها من مكان استقراره .. 

تابع المحاضر درسه لكنه ما كان اهتمامه منصبا على ما يقول .. بل جل اهتمامه كان منصبا على تلك التي تجلس هناك أخذة بمجامع الفكر ولب الفؤاد بين كفيها الرقيقتين .. وهي لاهية تماما عما تحدثه به من أوجاع .. وما يعانيه قلبه في بعادها .. 

            **************** 

دخل حازم القاعة على عاصم الجد جالسا جواره هاتفا : يا عمي .. الظابط اللي جاي عشان يخطب بدور .. اللي كلمتك عليه .. لسه مكلمني دلوقتي وجاي فالطريق .. 

ابتسم عاصم مؤكدا : ألف مبروك يا حازم يا ولدي .. اللهم بارك ..الفرح لما يهل بيهل بالكوم .. ربنا يجعل البيت كله مليان فرح . 

ابتسم حازم رابتا على كف عاصم هاتفا في مودة : في حياتك يا عمي .. 

هتف عاصم متسائلا : تعرفه أنت العريس ده يا حازم !؟ ..ما أنت بتجول ظابط !؟.. 

أكد حازم : ايوه يا عمي .. ظابط كويس .. كان خدم مع لوا زميلي واحنا في اسكندرية وكان دايما بيشكر فيه وفأخلاقه.. أنا اتنقلت المنصورة ..وهو كمان اتنقل برضو ..بس معرفش إيه اللي لم الشامي ع المغربي .. وجاي يخطب بدور دلوقتي !؟.. 

هتف عاصم : في اسكندرية ! .. يعني چاي من أخر الدنيا عشان يخطبها هنا !؟ .. والله فيه الخير برضك .. 

هم حازم أن يصلح له المعلومة إلا أن هاتفه ارتفع رنينه ليتطلع لشاشته ليسطع اسم الضيف جليا .. هتف حازم : الضيف وصل يا عمي .. 

أكد عاصم : يتفضل يا ولدي .. خليه ياچي على هنا نجعدوا معاه جبل دوشة العزومة اللي چاي لها عريس زهرة .. 

هز حازم رأسه موافقا وخرج لبعض الوقت ليعود ومعه منتصر لداخل قاعة عاصم .. 

جلس كلاهما أمام عاصم الذي ابتسم في استحسان لمنتصر هاتفا في ترحاب : شرفت السرايا والنچع كله يا حضرة الظابط .. خير إن شاء الله .. 

تنحنح منتصر في احراج هاتفا في ثبات على قدر استطاعته : طبعا خير يا حاچ.. أنا چاي اتشرف وأطلب ايد الآنسة بدور بنت سيادة العميد .. يمكن يكون جال لحضرتك إنه مش أول مرة يشوفني .. شافني جبل كده ف.. 

هتف عاصم مقاطعا : ايوه يا حضرة الظابط جالي .. فاسكندرية .. يعني على كده تعرف عيلة الهواري كلها هناك .. زكريا واد عمي و حمزة الهواري .. دول رچال أعمال كبار هناك .. 

تطلع منتصر لحازم لحظة وهتف مؤكدا لعاصم : ايوه طبعا يا حاچ ..نار على علم هناك .. دول من أكبر عائلات اسكندرية .. بس أنا .. 

هتف عاصم مقاطعا من جديد : أنت بتتكلم صعيدي تمام .. شكلك خدمت هنا فترة .. ولا أنا غلطان !؟ 

تطلع منتصر لحازم يطالبه بالتدخل ليهتف حازم مؤكدا : منتصر صعيدي يا عمي .. منتصر من هنا من نجع الصالح .. 

ضاقت عينى عاصم وتطلع نحو منتصر في محاولة لمعرفة أين يمكن أن يكون قد رآه لكنه لم يستطع الاستنتاج فهتف متسائلا في توجس : من هنا ..من بيت مين يا ولدي !؟ 

أكد منتصر في أريحية : من بيت أبو منصور يا حاچ عاصم .. 

امتقع وجه عاصم ..وساد الصمت للحظة قبل أن يتمالك عاصم أعصابه في قدرة وخبرة اكسبتها له السنين هاتفا في ثبات : أحسن ناس .. بس أنت ليه چاي لحالك يا حضرة الظابط !؟ .. يعني كنت فاكرك غريب جلت ميعرفش عوايدنا وچاي لحاله يتعرف فالاول .. لكنك من النچع وعارف إنك لازما تاچي مع ناسك .. 

تنحنح حازم محرجا بينما اضطرب منتصر مستجمعا شجاعته هاتفا : هايحصل طبعا يا حاچ .. العيلة كلها هتكون عندكم .. بس أنا جلت أچي امهد الطريج .. وأعرفكم .. 

هز عاصم رأسه يزعم موافقته هاتفا : طب تمام يا ولدي .. وماله .. أدينا عرفنا واتشرفنا بك.. وإحنا مستنظرين ناسك يشرفونا .. 

تطلع منتصر نحو حازم الذي لم يعقب بحرف وقد أدرك أن هناك أمر ما دفع عمه ليتصرف بهذا الشكل .. على الرغم أنه لم يخرق الأصول أو قواعد الذوق .. لكنه كان شديدا بعض الشيء .. 

نهض منتصر مستأذنا في هدوء ليهتف عاصم خلفه : متنساش يا حضرة الظابط .. ناسك كلهم .. وسلامنا لستك .. الحاچة وچيدة .. جولها عاصم الهواري بيجولك .. الأيام بتدور .. 

تطلع منتصر نحوه في تعجب عندما جاء على ذكر جدته .. بالتأكيد يعرفها كما يعرفها كل أهالي نجع الصالح .. لكن ماذا كان يقصد بكلمته الأخيرة !؟ .. ماذا كان يقصد بأن الأيام تدور !! .. أي أيام !! .. 

هز منتصر رأسه في تيه .. ورحل لخارج السراي لا يعلم ماذا هناك !؟ .. 

لكن كل ما عليه فعله هو إعلام جدته برغبته في خطبة بدور .. وليكن ما يكون.. 

تطلع حازم لعاصم هاتفا في تعجب : هو فيه حاجة يا عمي !؟ .. أصل الحوار كان ماشي كويس مع الولد وفجأة حسيت إنك شديت عليه .. 

هز عاصم رأسه موافقا وتنهد مؤكدا : عارف ده يبجى مين !؟ ..ده منتصر واد چعفر أبو منصور .. اللي كان عايز يجتلني من سنين وضرب سيد واد عمك بالنار وصابه فيده اللي لسه لحد دلوجت تعبانة .. واللي سيد اتنازل عن المحضر ضده .. 

هتف حازم في صدمة : يااااه ده عمر .. ده أنا كنت لسه فأول خدمتي هنا .. فاكر يا عمي !! .. 

ابتسم عاصم مؤكدا : ايوه طبعا .. واتكعبلت أيامها فالبت تسبيح .. وخدتها معاك وأنت ماشي .. 

قهقه حازم مؤكدا : ايوه يا عمي ..ولسه متكعبل وحياتك .. 

أكد عاصم مقهقها : مصدجك .. عيال سهام أختي دول يكعبلوا بلد .. عيلة مچانين .. 

ارتفعت ضحكات حازم مؤكدا : طب حاسب يا عمي لتسبيح تسمعنا .. 

أكد عاصم هاتفا : يا عيني على ظباط الداخلية الشداد .. 

استمرت ضحكات حازم مؤكدا : من خاف سلم يا عمي .. 

أكد عاصم وقد اتسعت ابتسامته : ايوه صدجت .. مع الحريم بالذات .. ربنا يسلمنا كلنا يا واد أخوي .. 

علت ضحكاتهم من جديد .. لكن ما أن ساد الصمت حتى هتف حازم مستفسرا : يعني كده خلاص الجوازة باظت يا عمي !؟ 

تنهد عاصم مؤكدا : والله لو چاب ناسه وچه .. يبجى كدها .. والواد أنت بتجول عليه اخلاج وچدع .. يبجى ليه لاااه.. 

تساءل حازم : طب لو مقدرش يقنع عيلته يا عمي .. وجه يطلبها تاني !؟ .. الواد فعلا كويس .. أوافق !؟.. 

هتف عاصم متعجبا : هتدي بتك لراچل چايلك بطوله يا حازم !! ملوش كبير يرچع له ويترد عليه !؟ .. يا ولدي ده اللي ملوش كبير بيشتري له كبير .. وبعدين إحنا ليه ندي بتنا لراچل أهله مش موافجين عليها.. ناجصها إيه !؟ ..بناتنا ميتاجلوش بالدهب .. 

واللي ياخدهم يتجلهم بالغالي .. والفرحة بها تبجى كبيرة .. سامعني يا حازم !!. 

هز حازم رأسه موافقا على كلام عاصم الذي كان كلام لا يقدر بثمن .. 

              *************** 

انتهت المحاضرة ليبدأ الطلاب في المغادرة تباعا .. كانت تنازعها نفسها ما بين التلكوء حتى تعرف كيف سيغادر مفرده دون مساعدة .. وما بين الاندفاع هربا حتى لا يتعقبها وهي التي ما خالطت شبابا منذ دخولها الجامعة .. 

ظلت تتابع صراعها الداخلي في اضطراب حتى وجودته يرحل دون حتى إلقاء نظرة نحوها .. لم تكن تدرك أنه نال ما اشتهى  ولم يحد بناظريه عنها طوال زمن المحاضرة .. 

تحرك نحو باب القاعة في هدوء .. وما أن خرج حتى انتفض خفيره يساعده حتى الوصول لسيارته التي كان الخفير قد صفها جانبا بمكان قريب .. 

تطلعت نحوه دون أن يدرك لتتأكد أن كل شىء على ما يرام .. ومن ثم اندفعت بدورها نحو عربتها التي كانت منتظرة بالخارج يأخذ خفيرها قيلولة بسيطة حتى انتهاء محاضراتها .. 

اندفعت السيارتان ليتلاقا بشكل منطقي على الطريق صوب النجع .. لتصبح كلتاهما بمحاذاة الأخرى .. 

تنبه مروان متطلعا من نافذة مقعده الخلفي لعربتها وهي تحتل مقعدها الخلفي كذلك .. ابتسم عندما تلاقت نظراتهما بلا اتفاق .. كانت ابتسامة شفتيه جذابة لكن ابتسامة عينيه كانت حكاية أخرى .. مزيج من شقاوة مخلوطة بإصرار دفعها لتبعد ناظريها عنه متشاغلة بإحدى الروايات تدفن وجهها بين ضلفتيها .. تدعي تجاهل ما يحدث .. عندما حاول سائق عربتها تجاوز سيارته .. ما دفع مروان ليحرض سائقه هاتفا : إيه .. أنت هتسيبه يسبقك ولا ايه !؟ 

تحفز الخفير وضغط على دواسة البنزين لتسرع سيارته .. ليعانده خفيرها مسرعا بدوره .. 

كان سجال ما بين أسرع ومسرع .. تعالت فيه ضحكاته وهو يخرج رأسه من نافذة مقعده صارخا في حماسة .. لتنتفض هي بمقعدها لصرخاته الحماسية الأشبه بصيحات أحد فرسان الروديو ..أو الكاوبوي.. وهو يعتلي فرسه الجامحة محاولا السيطرة عليها وترويضها .. ما دفع الضحكات لشفتيها وهي تحاول أن تخفيها.. تدفن وجهها بين صفحات روايتها حتى لا يفطن خفيرها لما يحدث .. 

وأخيرا .. عندما اقتربا من مدخل النجع وجدته يعطي إشارته لسائقه أن يبطىء من سرعة سيارته بالقدر الكافي الذي يجعل سيارتها تمر أمامها .. حتى تسبقه .. 

لتتوقف سيارته بعد دقائق معدودة خارج باب داره .. استقبلته ثريا في سعادة .. فهي تدرك أن هناك شىء ما يدفع ولدها لينفض تلك العزلة عن كاهله ويبدأ في استعادة حيويته من جديد .. 

هتفت به ثريا في فضول : ايه أخبار الكلية!؟.. تمام !؟ .. 

اشار لها رافعا إبهامه وعلى شفتيه ابتسامة واسعة لم ترها مرتسمة على وجهه منذ زمن بعيد .. حتى أنه هتف مطالبا بالطعام.. 

دمعت عيناها فرحا .. ذكرها ذلك بالأيام التي كان يدخل فيها للمنزل من تدريبه يتضور جوعا .. صارخا مطالبا بالطعام .. 

هتفت في فرحة : من عنايا يا فنان .. الغداء چاهز بس أنت تأمر .. أحضر لك تصبيره لحد ما بابا يرچع ولا هتاكل أنت !؟ 

همهم لبرهة قبل أن يقرر الاكتفاء بالتصبيرة لتزداد فرحتها أضعافا .. فقد مر وقت طويل جدا منذ أن جمعتهما طاولة طعام واحدة .. 

فدوما ما كان زاهدا في الطعام غير راغب فيه ..وإذا ما تناوله .. كان يكتفي بالنذر اليسير .. 

وضعت له بعض من مقبلات ولحقته بها إلى غرفته لتجده يجلس إلى لوحاته وألوانه.. وضعت الطبق في هدوء وتركته مغلقة الباب خلفها ولأول مرة تغادر حجرته وعلى شفتيها ابتسامة مشرقة لا دمعات منسابة على خديها .. 

شهقت في ذعر عندما اصطدم جسدها بجسد شخص ما كان يتعمد اخافتها لتنتفض متطلعة إليه .. قهقه في مشاكسة عندما نظرت إليه تعاتبه على افزاعها بهذا الشكل هامسة: كده برضك !؟ .. حرام عليك يا سيد مبقتش حمل الخضة دي .. 

همس متطلعا نحوها : بقى الباسمهندس ثريا على سن ورمح .. يركب الهوا كده .. 

والله وراحت عليك يا باشمهندس .. 

قهقهت متجهة نحو الردهة ليتعقبها مستفسرا : أنتِ متغيرة النهاردة .. فيه إيه!؟.. حاسس أن وراكِ حكاية .. 

هتفت نافية : الحكاية مع إبنك .. ويا ريتني أعرف فيه إيه .. بس اللي متأكدة منه أن الموضوع فيه إن .. 

تطلع لها سيد متعجبا : يعني إيه !؟ مش فاهم .. 

اقتربت هامسة في رقة : مروان قلبه دق .. واضح إنه بيحب يا سيد .. 

همس بدوره متعجبا : مين !؟ .. تعرفيها !! 

هزت رأسها نفيا هامسة : لا .. يا ريت .. بس جلب الأم ميخيبش أبدا .. ابنك عاشج.. وهي اللي جاعد يرسم صورها على لوحاته .. وأول حرف من اسمها .. وكمان نزل الكلية بتاعته النهاردة .. 

تطلع لها سيد مبهورا لتتابع في حماسة : تخيل بقاله سنتين مش عايز يعتبها وكل سنة بنقدم اعتذار وميدخلش الامتحان .. ألاجيه فچأة بين يوم وليلة عاوز يروح .. وهيدخل الامتحان السنة دي .. 

هتف سيد مستفسرا : طب محاولتيش تعرفي منه بشطارتك تكون مين !! أنا خايف عليه تكون بنت بتلعب به .. أو حتى متعرفش ظروفه وتتصدم وتبعد لو عرفت.. وأنت عارفة ده هايبقى إيه .. صدمة ممكن يتعرض لها .. إحنا في غنى عنها يا ثريا .. 

تنهدت هاتفة في عتب : ربنا يعديها على خير وبلاها تخوفني .. أنا ما صدجت إني فرحت شوية وأنا شيفاه بيرچع مروان الجديم من تاني .. 

ربت سيد على كتفها معتذرا وقد أبصر بريق دمع يترقرق بمآقيها اقترب يطبع قبلة على جبينها مطيبا خاطرها .. ليصدح صوت موسيقى كلاسيكية دوما ما كانت سلوى مروان وهو يرسم .. ما دفع سيد ليقترب من ثريا مازحا : تسمحيلي بالرقصة دي يا هانم!؟ .. 

هتفت به ثريا مازحة تقلد فردوس محمد في أحد افلامها مجيبة على استيفان روستي: ما ترقص ياخويا.. هو حد منعك.. 

ما أن هم سيد بالتعليق ضاحكا حتى على 

شدو لإحدى أغاني الغرام من داخل حجرة ولدهما .. 

تطلع سيد إليها لبرهة قبل أن ينفجر ضاحكا هاتفا في تأكيد : ده عاشق وغرقان لشوشته كمان .. أغاني حب !! ..اممم .. وقفل مقطوعات باخ وبحيرة البجع اللي هوس بها راسنا طول النهار!؟ الحالة مؤكدة يا ثريا يا أختى .. 

قهقهت ثريا مؤكدة : شكل البچعة خطفت قلبه .. 

ابتسم لها سيد وهو يرى سعادتها وانشراح قلبها والذي غاب عنها منذ حادثة مروان فلم يشأ أن يلق ببذور القلق بجوف صدرها وهو يستمع لكلمات الأغنية التي كانت تأتيه اللحظة من داخل حجرة وحيده .. 

إذا أنتِ تركتيني ..وبطلتي تحبيني.. 

والله لأخلي عيني ما تعود تشوف.. 

وإذا أنتِ فليتي .. يعني انخرب بيتي .. 

شو بعمل بحالي .. مش معروف .. 

ابتسم سيد لثريا من جديد دافعا بها لتحضير الغذاء وكل ما كان يشغل باله هو قلقه على مروان من تلك التجربة التي لا يعلم إلى أي مدى قد تدفع بحياتهم .. بعد كل معاناتهم مع تجربته الأخيرة التي ما زال أثرها حي لم يندمل جرحه .. 

              **************** 

جهز سماحة ركوة الشاي لينضم إليه يونس جالسا قبالة النار يحاول الحصول على بعض الدفء .. قرب الشتاء على الرحيل لكن ما زالت هناك لفحة من برودة تخالط هواء المساء خاصة في مكان مكشوف لحد كبير مثل مجلسهما بسطح دار الحناوي .. 

مد سماحة كفه بكوب الشاي ليونس والذي تناوله مرتشفا إياه في استمتاع مؤكدا : عليك كباية شاي يا واد يا سماحة تعدل برج بيزا المائل .. 

اتسعت ابتسامة سماحة على ظلال نار الركوة في عتمة الليلة الشتوية هاتفا في سعادة : بالهنا يا بيه .. الف هنا .. 

على عواء بعض الذئاب من عدة أماكن متفرقة بالنجع .. 

ليهتف يونس مؤكدا : ديابة الچبل نازلة النچع چعانة .. 

تنهد سماحة هامسا : الچوع كافر يا بيه ..لا ليه دين ولا ملة .. بيخلي الصاحب يخون صاحبه والأخ ينهش فأخوه .. 

تطلع يونس إليه هامسا : أنت منين يا سماحة !؟ 

هتف سماحة متعجبا : منين كيف يا بيه !؟ .. بلاد الله لخلج الله .. 

أصر يونس على سؤاله هاتفا : جصدي .. انولدت فين !؟ .. فين ناسك !؟ .. وبلدك اللي چيت منيها !؟.. 

أكد حماسة : والله ماوعالها يا بيه .. أنا من سن الحداشر وانا مطلوج أدور على أكل العيش لأمي وأخواتي بعد ما أبويا مات وسابهم فرجبتي .. معرفتليش دار ولا مطرح إلا داركم ..ولا بلد إلا نچع الحناوي.. 

تطلع إليه يونس في إكبار متسائلا : طب وكنت بتشتغل فإيه على كده !؟ .. 

أكد سماحة : فكله يا بيه .. معمار شوية .. وفأرض الناس شوية .. فجهوة ع الطريج شوية .. وأهي كانت بترزج .. 

سأل يونس: أنت عندك كام سنة يا سماحة؟ 

هتف سماحة : والله يا بيه م الهم ما فاكر .. بس يعني تجريبا كده ياچي ٢٢ سنة .. 

هتف يونس في شجن : أنت صغير جوي ع الهم ده .. 

ومد كفه رابتا على كتفه في قوة هاتفا : بس أنت چدع يا واد وكدها .. 

تصلب كتف سماحة تحت كف يونس ما استرعى انتباهه معتقدا أنه زاد من شدة ضرباته المشجعة والتي يبدو أنه لم يحتملها ما جعل جسده يتصلب بهذا الشكل .. رفع كفه عن كتف سماحة متعاطفا هاتفا في أريحية : تعرف يا سماحة .. أنا عمري ما فتحت جلبي لحد إلا لأخويا راضي ربنا يمسيه بالخير ويسهلهاله مطرح ما راح .. أنت الوحيد يا فجري اللي بحكيلك وبشكيلك معرفش ليه !؟ .. مع أن كان ممكن أرفع التليفون وأجعد ارغي مع راضي بالساعات بدل الخلجة العفشة اللي بطلع لها كل ليلة دي .. 

همس سماحة في قلة حيلة منكس الرأس : الله يسامحك يا بيه .. 

قهقه يونس هاتفا : شوف عامل فيها مؤدب كيف !؟ .. اللي يشوفك دلوجت ميشوفك وأنت هتاكل واد نچم وإحنا فالأرض .. والله لولا ملحجتك لكنت فلجت الراچل نصين .. 

ساد الصمت لبرهة ولم يعقب سماحة ما جعل يونس يتعجب هاتفا : رحت فين يا واد!؟ عجلك خدك على فين !؟ .. 

واستطرد مازحا : إيه عجلك بيوزك وجلبك مش مطاوعك وناوي تجوم تطخه عيارين ولا إيه !؟ .. 

لم يعقب سماحة على مزاح يونس بل هتف بنبرة هادئة : بجولك يا بيه !! هو أني ينفع أوصيك على حاچة !؟ .. 

تطلع له يونس في دهشة متسائلا : حاچة إيه !؟ .. 

همس سماحة مؤكدا : أمي واخواتي البنات .. أمانة في رجبتك يا يونس بيه.. 

انتفض يونس موضعه هاتفا بصوت متحشرج تأثرا : واد يا سماحة .. إيه في !؟ .. أنت وراك إيه يا حزين !! انطج .. 

أكد سماحة في نبرة هادئة ثابتة : مفيش يا بيه .. هيكون إيه يعني .. أني لا وراي ولا جدامي .. على فيض الكريم كيف ما چنابك واعي .. بس العمر مش مضمون .. جلت أوصيك عليهم .. مش هأمن عليهم حد غيرك .. 

تنهد يونس زافرا في راحة هاتفا : منك لله يا بعيد .. سيبت مفاصلي .. اعملي دور شاي تاني اعدل دماغي اللي جلبتها .. جال أوصيك ولا موصيكش .. 

هتف سماحة وهو يزيد من نيران الركوة : سماح يا بيه .. ده أنت جلبك رهيف جوي.. 

أكد يونس متحسرا : ايوه .. مچبناش ورا إلا الجلب الرهيف .. وحكاويه .. 

أكد سماحة مادحا : والله دي احلى حاچة فيك يا بيه .. جلبك الرهيف ده .. ربنا يزيدك طيابة .. 

همس يونس في شجن : جول خيابة .. خدنا إيه من طيابة الجلب إلا وچعه .. 

تطلع له سماحة هامسا : ما تغني يا بيه !! 

خلي الليلة الطويلة دي تعدي .. والجلب يدفا بالغناوي .. أهي سلوة اللي مش طايل .. يمكن فالحلم ينول .. 

تطلع إليه يونس لبرهة متعجبا من حديثه ثم بدأ في الشدو الشجي : 

أنا بعت الدموع ..الدموع والعمر.. 

طرحت چنايني .. فالربيع ..الصبر .. 

وجلت أنا عاشج ..سجوني .. كتير المر .. 

           *************** 

كان يقف بشرفته متطلعا للأفق المظلم الأشبه لصدره بتلك اللحظة .. سيخلف هذه الأرض وتلك السراي ورائه هربا من حلم ضائع بغية السلوى في بعاد ينسيه بعض من أوجاعه كما يأمل .. 

تنهد زافرا في قوة قابضا على سُوَر الشرفة يهم بالدخول ليتناول حقائبه ويرحل مودعا أهله .. فقد حانت اللحظة التي كان يتحاشاها رغم إدراكه باقترابها ..  

ما أن هم بالدخول حتى تناهى لمسامعه أصوات بالأسفل قرب مدخل السراي الداخلي .. على ما يبدو .. عريس زهرة مغادر .. يقف بالخارج ليودعه الجميع تاركينها معه وحدهما .. كان مقتربا منها يتطلع إليها في سعادة بينما تنكس هي رأسها في حياء .. كان من الواضح أنه يسمعها بعض من كلمات الغزل قبل أن ترتبك هي مبتعدة لداخل السراي فيندفع هو لركوب سيارته راحلا .. 

كان المشهد قاتل .. كأنما سكين طعنت بخاصرته واستمر نصلها زاحفا كحية سامة ليمزقه قهرا من الشريان إلى الشريان .. 

ما عاد للتحمل موضع بصدره.. وما عاد للصبر محلا بقلبه.. وعليه الرحيل قبل أن يموت كمدا .. 

اندفع للداخل جاذبا حقيبتيه في عنف هابطا الدرج حيث وجد الكل مجتمعا يحكي عن السهرة الرائعة .. 

تطلع الجميع إلى ذاك الذي ظهر بأعلى الدرج حاملا أمتعته وما أن أصبح تقريبا بينهم حتى هتف عمه ماجد في ضيق : برضو مأجلتش سفرك يا عاصم ... 

هتف عاصم في هدوء مصطنع : أوامر الشركة يا عمي .. مليش يد ف الموضوع . 

هز ماجد رأسه متفهما بينما هتف مهران : استنى هاچى أوصلك .. 

هتف سمير كذلك : وانا كمان هروح معاك يا عاصم .. 

رفض عاصم مؤكدا : لاااه محدش يتعب نفسه .. واحد صاحبي چاي ف الطريج مسافر معاي أخوه.. هيوصلنا .. ملوش عازة تعبكم .. 

واتجه نحو أمه تسنيم التي بدأت في النحيب وكذا أختيه نوارة وسجود منحنيا يقبل 

هامتها هامسا : مش عايز اشوفك بتبكي .. هو أنا يعني رايح فين !؟ كلها كام شهر وهتلاجيني عندك .. ادعيلي بجى وبلاش بكى.. وبعدين هي فين ستي !؟.. 

هتفت زهرة بدورها متأثرة : ف أوضتها .. 

تطلع عاصم اليها يتشبع من ملامح وجهها التي سيفتقد لكنه أدرك أنها أصبحت ملكا لغيره فأبعد ناظريه هامسا : بالمناسبة .. ألف مبروك .. ربنا يسعدكم .. 

هتفت زهرة بدورها : الله يبارك فيك .. وعقبالك يا عاصم .. 

هز رأسه شاكرا واندفع تجاه حجرة جده مودعا جدته.. لكنه لم يقدر على وداع جده.. الذي طلب منه ألا يأتيه لحظة رحيله مودعا .. فقد كان يكره لحظات الوداع دوما.. 

لحظات وخرج متطلعا للقاعة التي بها جده.. لكنه لم يتجرأ على الدخول إليها .. كان يخشى أن يضعف ويلغي الأمر برمته.. وهو بحاجة ملحة للرحيل بعيدا .. 

وجد الجمع لم ينفض بعد .. فبدأ بالسلام عليهم فردا فردا .. حتى إذا ما جاء دور سمير إلا وتشبث به مدركا أنه ما قرر الرحيل إلا فرارا من قلبه الذي أودعه تلك الزهرة هناك .. لكنها ما كانت تدرك أن بين كفيها فؤاد غال اثقله هواها .. 

أرتفع النحيب من هنا وهناك ليندفع هو لخارج السراي جاذبا نفسه من بين ذراعي سمير مهرولا لا قبل له على البقاء لدقيقة أخرى وحمد الله أن صاحبه قد وصل بعربة أخيه أخيرا فألقى بنفسه داخلها .. محاولا أن لا يستدير ملقيا نظرة أخيرة على مستقر أحلامه وأرض أمانيه الضائعة .. 

حاول أن يشارك في الحديث الدائر بين صاحبه وأخيه الأكبر على قدر استطاعته .. لكنه لم يستطع أن يتفوه بحرف .. واحترم أصحابه صمته .. مدركين حجم الاحساس بالوحشة الذي يكتنفه اللحظة وهو في سبيله لمغادرة أهله لمجهول لا يعلم عنه شيئا .. 

لم يعِ عاصم ألا وهو يخرج جواله ليخط على صفحته بعض كلمات كانت محاولة منه لبث مشاعره المحترقة على الصفحات ربما يكون في البوح بها بعض التعزية عن ما يكابده .. 

"لما كلما هم القلب أن يخط على صفحة الحياة كلمة.. أحبك.. أجدني أغمس القلم بمداد الوجع وماء الروح الشحيح .. ليكتب تأبينا لأمل أزهقت روحه غفلتك المرة.. عما يقاسيه الفؤاد المفطور" .. 

                            شيخ العاشقين 

نشر الخاطرة .. ورفع رأسه عن شاشة جواله لتقع عيناه على جمع من البشر متجمهر على ضفة الرياح الكبير خارج حدود النجع الشرقية .. 

انتفض متسائلا : إيه في !؟ .. 

هتف صديقه : الظاهر حادثة .. 

مرت عربتهم بين الجمع المحتشد في صعوبة لتسقط عيني عاصم على العربة التي كان منتصفها تقريبا غارق مغمور بالمياه ليهتف في صاحبه : وجف ..اركن بسرعة. 

هتف صديقه : إيه في !؟ .. إحنا كده هنتأخر على ميعاد الطيارة يا عاصم .. 

هتف عاصم أمرا : بقولك وجف حلا .. 

توقف صديقه بالعربة ليترجل عاصم منها مسرعا أمرا إياهم : روحوا انتوا .. وأني هحصلكم .. متأخروش روحكم .. 

غاب وسط الجمع الذي كان يتطلع للعربة الغارقة متحسرا على من كان فيها والذي لا يعلم أي منهم أن كان ميتا أو ما زال حيا.. 

ما أن أبصر عاصم السيارة عن قرب حتى تأكد له أنها سيارة محمد زوج زهرة .. لم يتوان لحظة عن الاندفاع نحو المياه ملقيا نفسه سابحا في اتجاه باب السيارة .. رغبة في إنقاذه .. حاول البعض منعه من الإقدام على هذه الفعلة المجنونة .. لكنه غافل الجميع واستطاع القفز والوصول للسيارة والتي ما أن حاول فتح بابها للدخول إليها .. ونجح في ذلك بالفعل .. إلا وبدأت المياه في ابتلاع السيارة بكاملها .. كأنما هي هوة من الجحيم قد فُتحت .. 

صرخ الناس في رعب وتعالت الصيحات والحوقلة من هنا وهناك .. فقد كان الجميع على يقين أن لا أمل هناك في نجاة أحد من ركابها..  

        *******************



تكملة الرواية من هنا




بداية الروايه من هنا



الصفحه الرئيسيه للرويات من هنا



روايات كامله وحصريه من هنا


تعليقات



close
 
CLOSE ADS
CLOSE ADS