expr:class='data:blog.languageDirection' expr:data-id='data:blog.blogId'>

رواية سيد القصر الجنوبي الفصل الثامن والتاسع بقلم رحاب إبراهيم حسن حصريه وجديده علي مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات

 رواية سيد القصر الجنوبي الفصل الثامن والتاسع بقلم رحاب إبراهيم حسن حصريه وجديده علي مدونة النجم المتوهج للروايات والمعلومات 

الفصل_الثامن 

اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.

صلِ على النبي 3مرات 

لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات 


 ولكن بمجرد أن استدارت عائدة للحجرة حتى سقطت على صدر السيد المخيف ... الذي يبدو وكأنه أوقعها في مصيدته ..! 

واصبحت يديه تقبضان على ذراعيها وهي تنظر له بهلع، ولعينيه السوداء الناظرة لها بعمق وبعض الشرود ... كأنه يحاول أن يتذكر متى وأين رآها من قبل ..؟!

فضلًا عن عينيها المرتعبتان وجسدها ذو الرجفة العنيفة بين ذراعيه..! 

هذه إذًا من كانت تتلاعب به وتتخفى خلال الساعات الفائتة..! 

وقع سؤاله على مسمعها كان كـ إطلاق الرصاص بصوته المُفزع هذا، وعينيه تحذرها ألّا تكذب فقال: 

  _ أنتي مين ... وبتعملي إيه هنا ..؟! 


وجفّ ريق تلك المسكينة بين قبضتيه، وهو قابضا عليها كـأنها لِصة أتت لتسرق خزائن الذهب والفضة ! .. وكانت ترتجف حقيقةً بين قبضتيه، حتى وصل بها الحال لأن تبك وتشهق من البكاء خوفا منه لا من الإعتراف بالحقيقة التي كانت ستوضح سوء الفهم بالتأكيد.

ولكنه ضيّق عينيه بنفاد صبر وأطبق شفتيه غيظا من الدراما التمثيلية التي تختلقها المرأة عند الأزمات، وأيسرها تلك الدموع المتساقطة التي لن تكلّفها شيء سوى دقائق ضائعة من التأثر وتزييف حقيقتها. 

فتسارعت أنفاسه تبعًا لأفكاره التي غلت الدماء بعروقه، وكاد أن يكرر سؤاله بصوت أكثر وحشية، حتى تفوهت جيهان بصعوبة وبكلمات متقطعة وصوت متحشرج من البكاء والرعب: 

 _ هـ .. هقولك .. أنا ... أنا .. 


وكانت نظراته لها عميقة بها شيء مجهول لم تستطع بغمر هذا الخوف الشديد أن تفكر في تفسيره وماهيته!، ولكنها لم تستطع قول شيء، وكل ما فعلته أنها سقطت مغشيًا عليها وافلتت يديه ليحتضن جسدها الأرض!!

فنظر لها لدقيقة محاولًا أن يقنع نفسه أن ما يحدث حقيقة وليس حلما، وفاق على واقع أن أمامه أنثى فاتنة لا ينكر ذلك فاقدة الوعي ! ... فأنحنى قربها وضرب بخفة على وجهها لتستفيق، ولكن بلا جدوى ! 

زفر بعصبية وهو يبتعد ليأت بكوب ماء من الطابق الثاني، ولكن جيهان فتحت نصف عين لتراقبه، وبمجرد أن هبط للطابق الثاني ارتعد جسدها واصبحت كمن الصق بقدميه عجلات حربية فائقة السرعة، وركضت نحو الدرج تراقبه حتى تأكدت أنه دخل بأحدى الغرف بالطابق، فركضت سريعا للأسفل وهي تلهث بجنون .. ولم تكترث أن كان سيسمع صوت خطواتها أم لأ .. 

ولكنها صدمت حينما وصلت للطابق الأرضي بأن باب القصر مغلقًا ...! 

لم تكن صدمة، بل نست أنه يغلق الباب ليلًا .. ماذا تفعل ؟! 

ولم يكن مُتسع من الوقت لتفكر، فركضت نحو الغرف الداخلية للطابق الأرضي من القصر، حيث الغبار والاثاث القديم المكدس المُخزّن بها .. 

واستطاعت فتح أحدى الغرف والمكوث بداخلها، واغلقت الباب من الداخل بواسطة قفل حديدي متآكل من الصدأ، كانت الغرفة تشعرها بالأختناق بسبب تراكم الغبار والأتربة ورائحة الرطوبة العالية، كأنها لم تُفتح منذ عقود ...! 

فقالت جيهان بهمس وخوف: 

 _ هصبر لحد بكرة الصبح وهمشي، مش هقعد هنا لحظة واحدة تاني .. وكفاية اللي حصل. 


وارتمت على السرير القديم المليء بالاتربة، ولفت ذراعيها حولها بحماية وهي تنصت لأي صوت بالخارج. 


                                  ********** 


وقف " أكرم " وهو يحمل كوب الماء على سطح المبنى ناظرًا للفراغ حيث تركها منذ دقائق، وارتفع الغضب بداخله لدرجة خطرة ! ... فقد استطاعت أن تهرب منه من جديد! 

وبطريقة اقرب للسذاجة لأن يصدقها ! .. فألقى بكوب الماء بعصبية متوحشة حتى اصبح شظايا جارحة منتشرة على الأرض !! 

وفتش عنها بالمكان جيدًا، ثم نزل للطابق الثانِ، ووقف مفكرًا بأنها لابد وأن تكون بالطابق الأرضي، فنزل سريعًا ولكنه لم يُحدث أي صوت كي لا تنتبه وتهرب من جديد.


وكانت ترتجف بمكانها على الفراش القديم حالما انتبهت بصوت خطوات تقترب، فبهذا السكون المخيف لابد وأن أضعف صوت سيبدو مسموعا بوضوح، ولم تحرك ساكنا وظلت على الفراش منكمشة من الخوف رغم أنها اغلقت الباب من الداخل .. وكان أكرم قد فتح غرفة جانبية ولم يجد فيها شيء .. 

وحينما اقترب لغرفتها حاول فتح الباب ولكن وجده مغلقا بأحكام، وكتمت جيهان فمها من الخوف وهي تضرع لربها أن لا ينجح في فتح باب الغرفة، ولكن بعد دقائق خيّم الصمت مجددًا ويبدو أنه شعر بالفشل في إيجادها .. 

وفجأة صدمت عندما سمعته يغلق الباب من الخارج !!! 

فغرت فاها من الصدمة وشعرت بالذعر في الأمر ... فهي الآن سجينته بالفعل، وركضت نحو الباب حتى سمعته يغلق أبواب الغرف الأخرى... لا ييأس هذا الرجل بسهولة ولا يقبل الفشل ! 

هكذا طل بمقدمة أفكارها.. 

فعادت للفراش وهي تحاول إيجاد حلًا للخلاص من تلك الجدران الأربعة، والأساس القديم المغمور بالغبار .. 


                          ************ 


ونظر أكرم للممر المؤدي للغرف بنظرة انتصار، فهي الآن بالتأكيد مختبأة هنا بأحدى الزوايا، سيتلاعب بأعصابها بعض الوقت حتى تصبح بقبضته ويعرف منها سبب مكوثها هنا ..! 

وعندما عاد ليرتقي درجات السلم وجد "وصيفة" تقف على أحداهم وتنظر له بريبة، فقال لها باستغراب من وقفتها بهذا الوقت: 

 _ واقفة كده ليه ؟! 


ونطقت بصعوبة وقالت : 

 _ لا مافيش... سمعت صوت فنزلت أشوف في إيه ..! 


تابع صعود الدرج وهو يقول:  

_ مافيش حاجة، ارجعي نامي .. 


وسبقها للأعلى وهي لا زالت ساكنة تنظر للردهة بصمت وخوف، فهتف بها وقال: 

 _ قولتلك ارجعي نامي ، هتفضلي واقفة كده ؟! 


وخافت وصيفة أن يشك بها فابتسمت مرغمة وقالت: 

 _ حاضر .. 


وركضت لغرفتها المشتركة مع صديقتيها، وحينما دخلت واغلقت الباب ركضت نحو أشهاد بذعر وقالت : 

 _ اللي عملت حسابه حصل..


ابتلعت اشهاد ريقها بخوف وقالت: 

 _ مسكها ؟!!!! 


قالت وصيفة بحيرة : 

 _ تقريبًا لأ، بس مش متأكدة، أنا شوفتها بتجري ودخلت أوضة من الاوض اللي تحت، وطلعت بسرعة قبل ما يشوفني .. وراقبته لحد ما نزل وراها وفضل يفتح في الأوض، بس تقريبًا مالقهاش، وقفل الأبواب بالمفاتيح.


شهقت أشهاد ثم قالت بعد لحظات بخوف شديد: 

 _ ما هي لو في أوضة فيهم يبقى كده اتقفل عليها بالمفتاح ومش هتعرف تخرج، ولا حد فينا هيعرف يخرجها ... هنعمل ايه في المصيبة دي ؟! 


تدخلت رضا وقالت بعد لحظات تفكير : 

 _ أول ما يطلع الصبح، حد فينا يروح يدور عليها يشوفها فين، ولما نعرف كله هيتحل أن شاء الله ... الواد عصفور أيده خفيفة وهيعرف يشقط المفاتيح منه. 


اطمئنت أشهاد بعض الشيء وقالت : 

 _ أنا زعلانة عشانها أوي، ماتستحقش البهدلة دي، وأحنا كمان خوفناها منه، وهي اساسا جيالنا تستنجد بينا من المجرم اللي كان وراها .. 


قالت وصيفة بضيق: 

 _ أنتي لو تشوفيه وهو بيدور عليها كنتي خوفتي منه يا أشهاد، يبقى مش عايزاها هي تخاف ؟! ... وبعدين لو عتر فيها هيطردها وهتفضل في الطريق لوحدها لحد ما عربية توقفلها !! .. ويا عالم هتلاقي عربية بعد اد إيه ؟! ...


قالت أشهاد بدموع : 

 _ أنا قلقانة على ماما جيهان أوي ..


ربتت على كتفها وصيفة وقالت رضا : 

 _ بكرا هنلاقي حل بإذن الله .. 


                               ***********


وظلت " فرحة " تتململ في فراشها ولم يزر النوم عينيها، منذ أن اطلق كلماته كالرصاص بوجهها في الصباح، وأنه ينذرها بالفراق القريب! .. هي تتنهد وتتنفس بصعوبة!. 

حتى أنها لم تره طيلة ساعات النهار!، أعتكف بغرفته ولم يخرج منها ..! 

وحتى أنه لم يأت لغرفتها لينم كما قال وهدد بالأمس ! ... يبدو أنها لن تتعرف على هذا الغامض أبدًا !!.. 

وشعرت برغبة قوية في إعداد كوب قهوة، سيزيد عليها ساعات السهر ولكن حسنا، ففي جميع الأحوال قد هجرها النوم لهذه الليلة ... 

وخرجت من الغرفة متوجهة للمطبخ، وفوجئت به يقف يُعد له فنجان قهوة !! ... فتنحنحت حتى التفت لها ونظر لوجهها ببطء متعمد وقال: 

 _ صاحية لحد دلوقتي ليه ..؟! 


قالت فرحة بتوتر : 

 _ مجاليش نوم فجيت اعمل فنجان قهوة .. مصدعة!. 


فنظر لها نظرة طويلة كأنه يكذبها حتى قالت : 

 _ خلص قهوتك أنت الأول .. 


وكادت أن تبتعد وتخرج من المطبخ حتى باغتها وقبض على معصمها ليقربها له فجأةً، ودهشت فرحة لما يفعله ونظرت له بارتباك .. ! 


حتى وضع فنجان القهوة بيدها وقال : 

 _ اتفضلي .. 


ضيقت عينيه باستغراب، يبدو هادئا تمامًا كأن لا شيء عكر مزاجه طوال عمره، وليس هذا الشخص الغاضب والمخيف الذي رأته بالصباح !! ... ولم تعرف أتشكره على صنيعه أم ترفض ! ... فقررت أن لا تزيد الأمور بينهما سوءً وتعقيدًا ، فأخذت القهوة وذهبت متوجهة لغرفتها ... فقال فجأة وهو يُعد فنجان آخر من القهوة: 

 _ بما أننا أحنا الاتنين مش جايلنا نوم وسهرانين، إيه رأيك نتكلم شوية ؟ 


ودهشت من حديثه!، والأعجب أنه يقدمه كطلب وليس أمر !! ... فقالت بتوتر وحذر: 

 _ مافيش مانع ..  


تنفس زايد بعمق قبل أن يبدأ حديثه، وكأنه يحوم حول نقطة بعيدة يريد أن يقترب لها بالحديث دون أن تشعر هي، فقال : 

  _ كان ليكي صحاب في الكلية أو في الشغل ..؟! 


تعجبت فرحة من سؤاله ولكنها أجابت بصدق : 

 _ كان ليا زمايل .. مش أصحاب، عمري ما كان ليا أصحاب مقرّبين ! 


شرد زايد لوهلة ثم قال : 

 _ وأنا كمان ... 


وتابع أسئلته: 

 _ ليه يا ترى ؟ ... اللي أعرفه عن البنات أنهم بيصاحبوا بعض بسرعة ..! 


اغتاظت من أشارته بالحديثه عن طباع الفتيات وقالت بحدة: 

 _ مش كلهم، في ناس زيي كده ما بتعرفش تثق في حد بسرعة ... كان ليا زمايل كتير بس مش صحاب، مش شايفة أي غرابة في الموضوع!


تلقى إجابتها بهدوء وهو يسكب القهوة بالفنجان : 

 _ مافيش شيء غريب ولا حاجة، أنتي مميزة .. وده مش شيء جديد عليا ..! 


واستطرد بمكر: 

 _ لولا القرار اللي واخده بالإنفصال، كنت قلت أنك نصي التاني وبينا حاجات كتير مشتركة!. 


وراقب ردة فعلها وهو يلتفت ويرتشف من كوبه بهدوء مصطنع، ما كانت تعرف أن قلب كان متقدًا من الشوق والرغبة في قربها ويقاوم بكل قوته ... 

فابتلعت فرحة بعض من قهوتها بعصبية وتوجهت لتخرج بعدما قالت : 

 _ شكرًا على القهوة .. 


_رايحة فين ؟!

سألها وتفوه بصوت أقرب للدفء، فتوقفت وهي تحاول جاهدة التحكم بحزنها وإلّا يلاحظ ذلك، فعاد لنبرته الجامدة وأضاف: 

 _ لسه السهرة طويلة ... تعالي معايا .. 


ولم يمهلها لأن تجيب، توافق أو تعترض، فقد سحب يدها وأخذها حيث غرفته ، ولاحظت عرج قدميه بعض الشيء، ثم وقف أمام الشرفة ناظرا بنظرة جانبية لها وقال : 

 _ المنظر هنا أجمل ... مش كده ؟! 


كأنه يتلاعب بأعصابها وأفكارها ؟!!! ... نظرته الماكرة أحيانا تربكها وتشتت ذهنها ! .. فقالت بتوتر واختصار: 

 _ كويس .. 


ارتشف زايد من كوب قهوته وهو ينظر لها بتمهل، ولاحظ ارتباكها الواضح بارتباك حركة جفنيها وشفتيها، وقال : 

 _ تعرفي أني مسألتكيش ولا مرة أن كنتي اتخطبتي قبل كده ولا لأ ..؟!!! ... شيء غريب مش كده ؟! 


نظرت له ببعض السخرية وقالت: 

 _ أنت مكنش في بالك شيء غير أنك عايز تقرب ميعاد الفرح وبس ؟! ... أنت كام مرة كلمتني عن نفسك ؟! 


وبدا من العرق النابض برقبته أنه يكتم غضبا، ولكنه أجاب بثبات: 

 _ مش من طبعي التسرع، بس دي غلطة الشاطر فعلًا ... غلطة بألف .. وأحيانًا بالعمر كله..! 


شعرت بالإهانة في حديثه فقالت بحدة: 

 _ أنا عمري ما كنت غلطة بالنسبة لمخلوق، ولا سيبت ذكرى سودا في حياة حد ..! 


ابتسم بمرارة وقال : 

 _ إيه الثقة دي ؟! .. يمكن تكوني سيبتي ذكريات ماتتنسيش في حياة أحدهم ؟!  .. قبل ما تقابليني. 


وفهمت مغزى حديثه وما يقصده، فصاحت به : 

 _ تقصد إيه ؟! ..


رغم ما بداخله من غليان قال بثبات مزيف : 

 _ أقصد أنك اكيد خلال السنين اللي درستي فيها وأشتغلتي ارتبطتي بحد ولسه فكراه ؟! 


فغرت فاها من الصدمة، ايقصد بحديثه الدكتور أمجد ؟!  .. أم يرمي التهم جزافًا ويلقي الحديث على عواهنه دون تبصرٍ أو رويّةٍ؟! ... وفجأة بعد صمت صاحت بعصبية في وجهه: 

 _ لو تقصد الدكتور أمجد فأرتاح لأني لو كنت بحبه مكنتش اتجوزتك، ولو تقصد حد تاني فأنا محبتش ولا ارتبطت ولا حتى أتخطبت قبلك ! ... رغم أني مش شايفة أي تهمة أني أكون حبيت واتخطبت قبل ما أعرفك، ولكن هي دي الحقيقة .. 


أخفى ابتسامته وهو ينظر لها ويطيل النظر بعينيها، وسأل نفسه سرا، أكان هو استثناء وأحبته ؟! ... أم كان الرجل الذي قدم لها كل شيء حرمت منه ؟! 

كان يريد بإستماتة أن يعرف إجابة هذا السؤال المصيري، فأخذها بين ذراعيه في ضمة حنونة، كان يريد بالفعل أن يعيدها لنقطة الهدوء .. فصدمت للحظات ، ثم ابتعدت قليلًا ونظرت بحيرة لعينيه وهي تشعر أنه سيقودها للجنون هذا الرجل ! 

النظرة الشيطانية التي كانت بعينيه منذ لحظات تحوّلت لدفء أذاب الثلج وقال مبتسما لها : 

 _ أهدي .. ده مجرد سؤال عابر ..! ... المهم دلوقتي، إيه رأيك في قهوتي ؟


قالت فرحة بتيهة: 

 _ أنا لو كان ليا هدف في حياتي، فهدفي أني أفهمك على حقيقتك ... أنا توهت فيك ! .. أنا بشوفك بمليون شخصية في دقيقة واحدة..! 


مرر أصبعه على ذقنها بمشاكسة وقال بنظرة ماكرة : 

 _ يوم ما تفهميني ... هكون أنا اللي وصلتك للمرحلة دي .. 


وقلقت وارتبكت من نظراته الخطرة التي تشتعل بشيئا ما، وما شعرت بشيء غير أنها تريد الهروب من أمامه .. يجب أن تتحكم بمشاعرها حتى تعرف حقيقته وحقيقة ما يخفيه من أسرار، فتركت قهوتها وتوجهت للخروج من الغرفة، واشتدت سرعتها حينما شعرت به خلفها، ولكن استطاعت الركض ودخول غرفتها وغلق الباب بوجهه .. واستندت على الباب وهي ترتجف، فهي رغم أعترافها لنفسها بأن ما تفعله أثما وذنب كبير، ولكنها لن تستطع القرب سوى على بساط من الأمان والطمأنينة .. وليس الخوف والحيرة والصدمات مع رجل لا تعرف له وجها حقيقيا حتى الآن..! 

وسمعت صوت شيء يرتطم بالأرض، ويبدو أنه اعتاد تكسير ما تطوله يداه أثناء لحظات الغضب !.


                          ***********


وبقصر الزيان ... 


انتبهت الصغيرة " ريميه" لآذان الفجر ... فجلست على فراشها تفرك عينيها من النعاس، ثم رفعت يديها الصغيرتان بالدعاء مثلما علّمتها أمها ليلى وقالت : 

 _ يارب يا حبيبي يارب فرح ماما جيهان فرحة قد الدنيا بحالها، فرحة تخليها ما تعيطش تاني ولا تبقى زعلانة أبدًا .. يارب خليها تضحك على طول .. 


وانتبهت المربية العجوز للدعاء المعتاد من الصغيرة لتلك السيدة المحظوظة بدعاء هذه الصغيرة الملائكية وقالت : 

 _ يا ترى الست جيهان عملت إيه حلو في حياتها عشان طفلة شبه الملايكة كده تفضل كل يوم تدعيلها ليل نهار ؟! 


وتابعت الصغيرة سيل دعواتها لجيهان، ثم تمددت للنوم مرةً اخرى وهي مبتسمة وعلى يقين أن دعواتها مستجابة ..  ثم فتح الباب وانتشرت الاضاءة بالمكان فجأة، وانتبهت الصغيرة لصوت يوسف وهو يقترب لها ومعه حكيدة ويقول بمرح: 

 _ الكسلانة اللي أكدتلي أنها هتصحى لصلاة الفجر معانا ميـــن ؟! 


ضحكت الصغيرة وقالت : 

 _ أنا أنا .. والله كنت صاحية يا كنافتي .. 


حملها يوسف من الفراش بحماس وقال : 

 _ طب يلا أتوضي عشان نصلي أنا وأنتي وحميدة .. 


ضحكت حميدة بمحبة لرؤيتها معا يتمازحان وقالت : 

 _ تعالي يلا يا ريمو عشان أساعدك .. 


ودخلت حميدة مع الصغيرة تذكرها بخطوات الوضوء، وتركت المربية العجوز نائمة تستريح ... 


                           **********


وعندما دقت الساعة السادسة صباحا .. 

وقفت ليلى مبتسمة بتورد لتستقبل النسيم العليل من نافذة غرفتهما، وهي في حالة هدوء وسكون يثير المشاعر، وخاصةً مشاعر زوجا عاشقا بكل ما تحمله الكلمة من معنى .. 

حاوطها بذراعيه وهمس في أذنها قائلًا : 

 _ الساعة لسه ٦ الصبح، صاحية بدري ليه كده يا ليلى ..؟


استدارت له واتسعت ابتسامتها دفء ومحبة، وطالت النظر فيه لبعض الوقت، ثم قالت بابتسامة مشرقة باتت ترافقها طيلة الوقت: 

 _ حلمت بيك حلم جميل يا وجيه .. 


ابتسم لعينيها بعشق وقال وهو يداعب بأصبعه خدها: 

 _ مافيش حلم أحلى من حياتنا مع بعض ! .. أني أشوفك بس ولو من بعيد ده كان بالنسبالي أجمل حلم .. يبقى الحال إيه بقا بعد ما اتجوزتك ؟! 


وتابع بخبث بعد ضحكة: 

 _بس يعني أنا بقالي فترة عايز أسألك سؤال، أنتي أحلويتي أوي اليومين دول كده ليه !، وكل ما بشوفك بلاقيكي مبتسمة ... هو طبعا ده شيء يفرحني .. بس حاسس أن في سبب برضه. 


ضيّقت عينيها غيظا منه، ولكنها ضحكت بعد لحظات، وقالت بصدق وهي تلهو بياقة ردائه:  

_ يعني أنت عايزني أعترف أني مبسوطة أنك بقيت ليا لوحدي؟! ... آه مبسوطة ومش مكسوفة إني أعترف! 


سأل مبتسما ولكن بتعجب: 

 _ رغم إنك المفروض مش فاكرة الفترة بتاعت جيهان، فقاطعته ليلى وهي تضع أصبعها على فمه ليصمت وقالت: 

 _ فكرة أن واحدة تانية تاخدك مني ولو لثانية دي بالنسبالي فكرة مستحيلة .. الحمد لله إني نسيت الفترة دي بعذابها. 


ضمها لصدره قائلًا بمحبة: 

 _ ساعات بحسدك على النسيان ده، أنا لو أقدر أمحي من ذكرياتي عشر سنين فاتوا من غيرك مكنتش أترددت لحظة .. 


ابتسمت ليلى وهي تغمض عينيها براحة تامة وأمان يضمها بين ذراعيه .. 


                          *********** 


وبالصباح  وحينما دقت الثامنة صباحا.

. نزل أكرم للطابق الأرضي يبحث فيه مجددًا، ولكنه وجد كل شيء مثلما كان لا جديد ... بينما الغرف مغلقة، فأستغل شروق الشمس والضوء وبدأ يفتح الأبواب .. ولكنه صدم بباب الغرفة الذي وجدها ليلا مغلقة يفتح بسهولة ويسر ! 

وتلك الرائحة التي تشبه الفانيليا والتي ستقوده للجنون تعبأ المكان أيضاً!!! 

وتأكد أنها كانت تختبأ هنا ، بماذا يفسر إذا أمر الباب !!! 


وبالمبنى الآخر وبمكان بعيد عن غرف الصغار، جلست جيهان على آريكة متهالكة وحاوطها شاندو وشامي وبقلظ ... وقالت لهم بتصميم وحدة: 

 _ لو المرادي عدت على خير المرة الجاية هيمسكني ويا عالم هيعمل فيا إيه ؟! ... مستحيل أفضل هنا ! 


قال شاندو وهو يتنفس الصعداء : 

 _ نحمد ربنا الأول أن البت وصيفة شاورتلنا من البلكونة وقالت لنا أنك محبوسة في الدور الأرضي، ولولا خدنا نسخة المفاتيح من عم مغاوري مكناش عرفنا نهربك .. 


وأكمل عنه بقلظ : 

 _ فضلنا ندور عليكي أنا وشامي وشاندو في كل حتة واحنا مرعوبين يصحى ويشوفنا ... 


وتدخل شامي بالحديث: 

 _ المشكلة دلوقتي أنك ماينفعش تمشي ، المجرم اياه محاوط القصر وشكله مش هيرتاح غير لما يوصلك ... أنا شوفته النهاردة أنا وشاندو ... مش صح يا شاندو ؟! 


تلكأ شاندو بالاجابة ثم قال : 

  _ آ .. آه ، هو كده بالضبط ... شوفته ومعاه سلاح شكله يخض، وبيدور عليكي، اكيد عايز يخلص عليكي .. مش هيرتاح غير لما يوصلك، يبقى القصر آآمن مكان دلوقتي .. نصبر بس شوية. 


جف ريق جيهان من الذعر ، بينما نظر شامي لشاندو وكتما ضحكاتهما، فأضاف شامي بتوضيح : 

 _ مافيش غير الخطة اللي حطيناها أحتياطي ... 


وقال شاندو بإعتذار: 

 _ سامحينا يا أبلة جيهان على اللي هنعمله ... سامحينا قوي. 


سألت جيهان بخوف وما باتت تحتمل المزيد : 

 _ خطة إيه وأسامحكم على إيه ؟!!! 


رد بقلظ وهو يأكل من ساندويتش محشو بالبيض: 

 _ الواد هريسة ... أنتي الواد هريسة من دلوقتي ... هريسة بتاع الحلويات .. 


#الفصل_التاسع 


اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.

صلِ على النبي 3مرات 

لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات 


جحظت عينا جيهان بدهشة، رغم أنها لم تفهم تمامًا ما يقصده الصغير "بُقلظ" ألا أنها تشعر أن بالأمر خطرا شديد ..! 

فسألت بتوتر : 

_ مش فاهمة ؟ 


تولّى شامي المسؤولية وقال بإيضاح: 

_ هتتنكري وهتبقي الواد هريسة صاحبنا، بشكل مؤقت بس على ما نشوفلك طريقة أمان ترجعي بيها لبيتك، وعلى ما ده يحصل مش هينفع تفضلي تهربي منه كل شوية لأنه في مرة هيكشفك اكيد. 


وأكمل الحديث شاندو وقال بجدية مبالغ فيها: 

_ يا أبلة جيهان المجرم اللي كان عايز يخطفك لسه بيحوم حوالين القصر، يعني لو فكرتي تمشي هيلحقك ومحدش فينا هيعرف يعملك حاجة، لأننا اصلًا مش هنعرف نخرج من القصر، وهنا ممنوع دخول النسوان بصراحة بقا. 


ضربه شامي ضربة خفيفة على ذراعه بنظرة غاضبة، وقال لها بطريقة أقل فظاظة: 

_ شاندو يقصد أن ممنوع حد غريب عموما يدخل القصر، عشان أنتي عارفة أننا في مكان مقطوع وأي حد غريب هيكون مشكوك فيه. 


شهقت جيهان وفغرت فاها من الذهول، هل ما سمعته للتو صحيحا أم إنها فهمت الحديث خطأ ؟! لا يعقل أن تنجرف بتلك المؤامرة التي حتما ستجعلها إما حل إدانة واتهام أو امرأة دون عقل انصاعت لخطة ساذجة من هؤلاء الصغار ..! 

وقالت وهي لا تصدق ما سمعته: 

_ مستحيل اعمل كده !!! ... أنتم عايزني أتنكر وأبقى راجل ؟!! ، اعملها إزاي دي ؟! 

كتم شاندو ضحكة وقال بخفوت: 

_ فعلًا جدًا، الحلاوة دي كلها هتستخبي إزاي ؟! 


رد الصغير بقلظ وقال: 

_ عندنا دقن وشنب تركيب، كان الزعامة بيستعملهم وهو خارج متنكر برضه قبل ما يربي دقنه وشـ...


وكزه شاندو بغيظ من إفصاحه أكثر من اللازم حتى صمت الآخر، فضيّقت جيهان عينيها بريبة وشعرت بأن هذا الرجل يخفي الكثير من الاسرار، وقال شاندو مجددًا : 

_ نجرب الأول ، بس المشكلة دلوقتي في الشعر ؟! ... هنخبي شعرك الحرير المُشرق ده إزاي ؟! بس قوليلي بتحطي عليه إيه بيخليه ريحته قالبة القصر كله كده ؟! 


كادت أن ترد جيهان بعدما اندمجت في زهو أنثوي بحديث شاندو، حتى قاطعهما شامي وقال لصديقه: 

_ مش وقته يا شاندو .. خلينا في موضوعنا أهم ونشوف هنرتبها إزاي!! 


نظرت لهما جيهان وقالت بغيظ: 

_ أنتم خلاص قررتوا أني وافقت ؟! ... أنا مستحيل أقبل بخطتكم دي، مستحيـــــــل ..! 


ونظر شاندو وشامي لبعضهما وعرفا طريقة مضمونة لموافقتها والتأثير عليها..

وبعد قليل دخل الصغير "عصفور" إليها في مكانها السري بعدما تركاها الصبيّان، ونظر لها بضجر ثم قال: 

_ أنا مخاصمك ..! 


ولم تفكر جيهان كثيرًا فالأمر واضحا وقالت بتنهيدة آسفة: 

_ وأنا كمان مخصماني ! ... 


اقترب إليها عصفور بنظرات عينيه الطفولية البريئة وقال عاقدًا حاجبيه بضيق: 

_ البت أشهاد مفحومة من العياط في أوضتها ومش راضية تنزل تفطر، وأحنا باين على وشنا الهم والنكد، وأنتي قاعدة هنا ولا همك ! ... يا قلبك يا شيخة !. 


توترت جيهان ودخلت بموجة خانقة من الحيرة والتردد، فجلس بجانبها الصغير عصفور واستغل حيرتها ووسوس لها قائلا: 

_ هتمشي هتبقي في خطر وممكن المجرم يموتك، وأحنا هنقلبها عزا بمجرد ما تمشي، لكن لو فضلتي هنفرح وانتي هتكوني في أمان لحد ما نشوفلك طريقة كويسة ترجعي بيها بيتك .. وافقي بقا الله يسترك. 


نظرت له جيهان وهي مقتنعة تمامًا أن هذا أكثر رأي صائب بهذا الوقت، ولكن ما يُخيفها ظهر بترددها وحيرتها فقالت: 

_ مش هقعد في مكان غصب عن صاحبه، وكمان اتنكر وابقى راجل ؟! .. ده تهريج ومايصحش!!. 


رد عليها الصغير وقال صراحةً: 

_ ما هو لو عرف دلوقتي مش هيوافق لأنه مش بيحب أي حد غريب، لكن ممكن بعد كام يوم تقوليله الحقيقة، بعد ما يتأكد إنك فعلًا كويسة ومأذتيش أي حد فينا ولا حتى هو. 


تعجبت جيهان وقالت ولا زالت بحالة التردد العنيفة المُلمة بها: 

_ طب ما أقوله من دلوقتي وخلاص ؟! 


قالت ذلك وهي تعترف لنفسها سرا أنها سترتعب بمجرد أن تقف أمامه حتى لو بهيئة ذكورية، فتدخل شاندو بعدما دخل للمكان السري : 

_ مش هيصدقك، لأنك هربتي منه كذا مرة، فطبيعي يطردك من قبل حتى ما تتنفسي، أنما لو اتأكد فعلًا أنك أمان على الأقل هيفكر ! .. وزي ما قالك عصفور ممكن تبقي بعد كام يوم تقوليله، والأحسن نتجمع كلنا ونقوله. 


راود جيهان فكرة طارئة وقالت بحماس: 

_ طب ما ممكن أمشي وأنا متنكرة في زي راجل ؟ 


وتشجعت لهذه الفكرة وهي تنهض مبتسمة لذكائها، بينما كشر عصفور بغيظ وقال شاندو بغيظ مماثل: 

_ ماينفعش، بقولك المجرم برا القصر وشايف اللي طالع واللي داخل، يعني لو شافك ممكن يعمل فيكي حاجة على أساس أنك عيل من العيال لإننا مرمطناه ضرب أنتي ناسية !.. وبعدين المشكلة برضه ما اتحلتش ، فين المواصلات اللي هتوصلي بيها !! ، هتضطري تمشي على رجلك كتير أوي ويمكن تلاقي ويمكن لأ. 


ذهب حماس جيهان بلا راجعة وقالت بتعجب وغيظ بآنّ واحد : 

_ طب ما هو الزعامة بتعاكوا ده دخل القصر والمجرم ده ما عملوش حاجة !!! 


كتم عصفور ضحكته ورد شاندو بسخرية: 

_ ده لو الزعامة كح بس في وشه هيسوايه بالأسفلت، هو مجنون عشان يروحله ولا يقرب منه !! ، لكن أنتي حتى لو اتنكرتي وبقيتي الواد هريسة هتباني جاتوه برضه وحاجة كده صغيرة سهل ينتقم منك .. ها بقا قولتي إيه ؟! 


ابتلعت جيهان ريقها بصعوبة وهي ترتجف من مجرد التخيل أنها ستتعامل مع السيد المُخيف، حتى لو كانت تختبئ بمظهر ذكوري واكتفت بهزة موافقة من رأسها ... لم تستطع النطق حتى من شدة الخوف والتوتر .. 


                        ************* 


كانت " سمر" تستعد للمغادرة بعد نهاية دوام عملها، ولكن أوقفها موظف الاستقبال بالمشفى ظهر من نظراته وابتسامته المباشرةً لعينيها إنه سيخصها بما يُريد قوله، وبدأ قائلًا: 

_ أستاذة سمر بعد إذنك ممكن اتكلم معاكي خمس دقايق بس ؟ 


لو كان الأمر يخص العمل لكان تحدث دون مقدمات، هكذا فكرت فأجابت قائلة بثبات: 

_ تمام .. اتفضل، في إيه ؟


تحدث الشاب الذي يبدو عليه تخطى الثلاثون ببضع سنوات وقال: 

_ بصراحة عايز آجي أزوركم في البيت واتكلم مع أهلك .. 


تأكد حدسها وقالت : 

_ أنا عايشة لوحدي، وأهلي متوفيين .. 


لم يعرف تلك المعلومة نظرًا لإنها لم تتحدث عن حياتها الشخصية على الإطلاق، وهذا كان نقطة تعجب شديدة من زميلاتها في العمل، فقال بأسف : 

_ أنا متأسف، مكنتش أعرف، وبصراحة أكتر أنا عايز اتقدملك، مش شايف أن المكان هنا مناسب للكلام خالص وأعرفك كل حاجة عن حياتي، فلو تسمحي نتقابل برا في أي مكان تختاريه بنفسك ونتكلم بوضوح أكتر. 


مجرد المناقشة حول هذا الأمر مجددًا تجعل قلبها يرتجف خوفاً، رغم أنها سترفض بجميع الأحوال، ولكن الذي جمدها للحظات وجعلها ترجع بالذاكرة للخلف هو عندما تذكرت كيف تقدم لها زوجها السابق، وبنفس الطريقة !! .. وقبل أن تجيب بالرفض نهائيًا تدخل طرف ثالث!، وقال عنها بصوت حاد ويبدو إنه استمع لمَ قاله موظف الاستقبال : 

_ الإستاذة سمر مخطوبة .. هو في حد عاقل يجي يخطب واحدة مخطوبة ؟!! 


ضيق الشاب عينيه على أمجد وقال بنظرة متشككة فيه: 

_ مش لابسة دبلة! .. هو في واحدة مخطوبة ما تلبسش دبلة ! .. 


نظرت سمر لأمجد بغضب، أن يحبها شيء، وأن يأخذ القرار عنها بأمور تخصها وحدها شيء آخر، فسألها الشاب الموظف وقال: 

_ هو حضرتك مخطوبة ؟! .. 


رد أمجد بغيظ منه وقال: بعصبية:  

_ ما أنا قولتلك !! 


أجابت سمر وهي تنظر لأمجد بغضب كأنها تتحداه: 

_ لأ مش مخطوبة ، ومش عايزة اتخطب ! 


وتركتهما يقفان وغادرت المكان وهي تسير بأنفعال، فنظر الشاب له بمقت حيث قال له أمجد : 

_ كنا مخطوبين وفركشنا وهنرجع لبعض عادي ، أظن الأمور واضحة !..


ويبدو أن الشاب الموظف أخذ الموقف بشكل شخصي وقال له بتحدٍ: 

_ لما اسمعها منها بنفسي ..


تحكم أمجد بنفسه كي لا يلكمه فقال :

_ ما هي قالتلك مش عايزة تتخطب أنت ما بتسمعش ؟! ..


ابتسم الشاب بسخرية وقال : 

_ ما اعتقدتش كان ده هيكون رد فعلها لو حضرتك مكنتش اتدخلت !!! ... عموما ده ما يعتبرش رد ... لما اتأكد أنها فعلا رافضة، ومن غير تدخل من حد .. هبعد


ولولا إنه متمسكا بعمله بالمشفى من أجلها ولا يريد افتعال كارثة الآن لكان كسر عظام هذا الذي يقف أمامه ويتحدث باستفزاز ، فرد عليه أمجد بثقة :

_ خلاص ، هخليها تقولك كده بنفسها ، طالما أنت غبي ومابتفهمش !! 


ورماه بنظرة محتقرة وغادر خلفها ، حتى لحقها بالثوان الأخيرة في السيارة الأجرة والسائق يستعد للسير .. وارتبكت سمر عندما جلس بجانبها رغم حالة الغضب التي كانت تمتلكها منذ لحظات قبل ظهوره ... 

وبمجرد أن تحركت السيارة وابتعدت عن المشفى حتى صاح فيها أمجد وقال : 

_ أبقي عامليني كويس قدام الناس وردي عليا عدل ! ... 


أجابته بعصبية : 

_ وأنت تدخل ليه في حاجة ماتخصكش وتحطني في الموقف ده !!! ... وبعدين أنا اتخطبت أمتى وأزاي وليه تكدب الكدبة دي ؟! ... 


نظر لها أمجد للحظات وكأنه يشاهد النسخة القديمة والقاسية منها تعود من جديد !! ... فقال بدهشة : 

_ أنتي كنتي هتفكري في طلبه يا سمر ؟! ... يعني زعلتي أني غيرت عليكي واتمسكت بيكي ؟!.. 


صاحت بوجهه وهي تبك فجأة : 

_ أفكر ولا ما أفكرش ده شيء يخصني برضه!، كلكم زي بعض، بمجرد ما تضمنوني تتحكموا فيا وفي كل نفس بتنفسه وكأني مش موجودة ! ... 


رد امجد عليها بغضب وقال : 

_ أنا مش محمود يا سمر عشان اعاملك كده ؟! .. أنا ...


قاطعته بأنفعال شديد: 

_ أنت بتضغط عليا وجيت ورايا في أكتر وقت كنت محتاجة أبقى لوحدي فيه، ومحاوطني في كل مكان اروحه، يا أخي الحب مش بالعافية !!! 


لم تعرف كيف قالت ذلك، وشعرت بغصة حارقة بمجرد أن قالت تلك الكلمات التي لا تعبّر عن امتنانها وفرحتها لظهوره بحياتها من جديد، ولكن فوبيا الخوف من تكرار التجربة يهزم الرغبة والمشاعر ببعض الأحيان، وعبّرت عينيها عن ندم مما قالته، فكيف هو يشعر إذًا !! ... نظر لها أمجد مذهولًا من ما سمعه، فابتلع ريقه بصعوبة وعينيه التمعت بقوة مخيفة، ثم أمر السائق أنه يقف بالسيارة، وترجل منها بحركة سريعة بعدما دفع الحساب لكلاهما، وظلت سمر تنظر لخطواته المبتعدة ببكاء صامت، فقال السائق العجوز وهو ينظر لها بشفقة : 

_ معلش يعني من التدخل أنتي زي بنتي ، بس لو بنتي واحد بيحبها كده والله لأخطبهاله حتى لو غصب عنها، هو يعني عمل ايه عشان العصبية دي كلها ؟!! 


بكت سمر وهي تجيب: 

_ معاملش حاجة، أنا اللي غلطانة، ولازم يبعد عني، خايفة عليه مني ! .. 


رد السائق وهو يحرك السيارة من جديد: 

_ لا حول ولا قوة إلا بالله ... شكلك بتحبيه، وهو كمان بيحبك، طب ما تتكلمي معاه بصراحة وتفهميه ؟! 


اغمضت سمر عينيها وشعرت بمرارة تملأ حلقها، وقالت قبل أن تدخل بموجة بكاء شديدة: 

_ لو سمحت وصلني بسرعة للعنوان اللي اديتهولك. 


ولم يضغط عليها الرجل بالحديث، بل تركها تبك ودعا لها من قلبه أن تنال السعادة التي يبدو إنها تستحقها، حتى خرجت سمر من السيارة وهي تقريبًا تركض بعدما وصل السائق للعنوان المطلوب. 


                      ************** 


أحيانــًا .. وببعض الأمور، تأخذ قراراتنا طريقان، قرار بمواصلة الطريق، وقرار بالتوقف والعودة، نتقدم بالخطوات وبداخلنا خطوات تراجع، وعند التوقف والتراجع للخلف يكون شيء بالقلب يصرخ لمتابعة ما بدأناه...

مثل المريض في غيبوبته، لا حيًا مع الأحياء، ولا نستطيع أن نعتبره ميتًا، هكذا بعض المشاعر ... 

لا نستطيع متابعتها والسير بدربها، ولا نقدر على التخلّي والنسيان والفراق!!

فكان هو زايد..! 


الذي حمل بداخله جنونًا، ولكن ليس الجنون الذي ينعته به عدوه اللدود، وأنما جنون من نوع خاص، جنونا في القلب سيطر على عقله وقوة شخصيته النارية والمخيفة لأكثر من حوله .. كيف للحب أن يفعل ذلك برجلا مثله ؟! 


وهي الآن بغرفتها، تعتكف فيها وترفض خطوات القرب، وأهانت رجولته بهذا التصرف، رغم ما فعلته لا زال يسعى لنقطة التقاء بينهما ..! 

وهذا ما سيقوده للجنون ... 

ظل يذرع الغرفة ذهابا وإيابًا بتفكير وحيرة، ليس من شيمه أن يجبر مخلوق على شيء يبغضه أو حتى لا يريد فعله ... فما الحال لو كان هذا المخلوق حبيبته وزوجته ؟! 

كيف سيقبل أن تكن قريبة ويشعر منها بالرفض ويستمر رغم ذلك؟! 

تنهد بقوة من فظاظة تلك الفكرة وكره نفسه لها .. ثم توقف وقرر أن يستنشق بعض الهواء بالخارج ... 


وبعد دقائق انتبهت فرحة لصوت باب يغلق ! ... فأسرعت وفتحت باب غرفتها ولمحت باب غرفته مفتوح على مصراعيه ... فخرجت من غرفتها وتنقلت بالمنزل وتأكدت أنه خرج كليًا من المنزل ... وشعرت ببعض الخوف والحيرة ... إلى أين ذهب يا ترى وماذا يدور بعقل هذا الرجل الغامض ؟! ..


                     **************** 


وظلت سمر منكمشة على فراشها بغرفة شقتها الصغيرة بعد ساعات كثيرة من البكاء والندم على ما قالته ... 

حتى أنها خرجت عدة مرات لترى شرفته أن كانت مفتوحة أم لا، وتتأكد أنه عاد لشقته، ولكن كل مرة ترى الشرفة مغلقة تمامًا ... 

حتى أنها لم تسمع باب شقته يُفتح ! ..  

وارتعبت من مجرد التفكير إنها سيغادر من هنا وسيتفارقا .. مع كلماتها الجارحة سيكون الرد الطبيعي والمنتظر من أي رجل يحمل ولو القليل من الكرامة والكبرياء أنه يرحل عنها للأبد، فكيف برجل مثل أمجد ؟! 

دق الذعر بقلبها من هذا الظن فقط، وفكرت في الحال بطبيبتها النفسية " مروة" ... وهنا قفزت من الفراش واسرعت لجلب الهاتف من حقيبتها ولكنها لم تجده !!! 

فتشت جيدًا بالحقيبة ولم تجد له طيفا !! .. فقالت وهي تحاول التذكر أين آخر مرة رأته: 

_ يمكن نسيته في المستشفى ؟!! ... يمكن ! 


ولم تستطع التحديد، ريثما أن آخر دوامها بالعمل اليوم أنتهى بعاصفة !!..


جلست على الفراش بحيرة شديدة وحاولت أن تتذكر أرقام هواتف الطبيبة ولم تستطع ..! 

فعادت متمددة على الفراش مجددًا وحواسها يقظة لأي صوت أو حركة تصدر بالشقة المجاورة ..!

ولكنها تاهت بغفوة دون أن تشعر ...


                     **************  


عاد أمجد لشقته وهو يكره كل يوم أحبت تلك المغرورة القاسية فيه، وحزم حقائبه وقد قرر الرحيل والأختفغء من حياتها للأبد، وكان لأول مرة منذ أن وقعت عينيه عليها أن يقرر هذا القرار الحاسم ...ثم خرج من شقته ولم يلقي ادنى نظرة على شقتها ... وحينما وصل لخارج المبنى وقف حتى يوقف سيارة أجرة ، ولكنه تفاجأ بالسائق العجوز الذي شهد على آخر لقاء بينه وبين سمر ، واقترب منه السائق مبتسما وقال : 

_ كويس إني شوفتك ... التليفون ده وقع في عربيتي من البنت اللي كانت معاك واتخانقتوا ... أنا عرفت أنه بتاعها عشان فتحته ولقيت صورتها على الشاشة فعرفت .. هي ساكنة فين بالضبط .. 


نظر أمجد بالهاتف الذي بيد الرجل وشعر بالحيرة، وكره ان يترك الرجل يصعد حتى شقتها وإن كان عجوزا ويبدو رجل طيب! 

وأيضا لا يريد أن يلقاها مرةً أخرى بعد اليوم وتعتقد أنه يجتر معها الأحاديث مثلما كان يفعل! 

وشعر العجوز بحكمته بالحرب الداخلية لأمجد وصمته الذي طال ، فقال له : 

_ أقولك حاجة ؟ 


نظر له أمجد بتعجب وقال : 

_ حاجة إيه ؟! 


ابتسم له العجوز وأجاب: 

_ البنت دي بتحبك ، بس خايفة عليك منها، مش عارف من إيه بالضبط ، بس هي قالت كده لما نزلت من التاكسي وسيبتها ... 


وكأنه وجد كوب ماء بصحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء !! ... تفاجأ أمجد مما سمعه، وعادت الدماء لوجهه، صدم رغم أن هذا كان ظنه قبل أن تقول ما قالته ! ... ولم يكثر العجوز أكثر من ذلك، وأعطاه الهاتف وغادر وهو يتمتم مبتسما ، فنظر أمجد وأشرقت الابتسامة وجهه وقلبه من جديد، ولكن ستكون الأيام القادمة مختلفة تماما عن الفائتة، سيعلّمها أن لا تكذب عليه مرةً أخرى، وأن لا تتفوه بالحماقات بسبب الخوف ... ومع ذلك سيظل قلبه على ما هو عليه ... 

عاد أدراجه وهو مليء بالأمل ، وادخل حقائبه بشقته، ثم خرج ليطرق باب شقتها، ولكنه تفاجأ بأنها تفتح الباب وهي تلهث وتنظر صوب بابه! 

نظر لها وتحلّى بالجدية والثبات، ثم قال لها بجفاء وهو يشير للهاتف : 

_ السواق اللي كنا راكبين معاه لقى تليفونك في عربيته وجابهولك. 


ابتلعت سمر ريقها وعينيها الحمراء تسرد كم ذرفت من الدموع وقالت بارتباك : 

_ هو فين ..؟! عشان اشكره .. 


صوّب لها أمجد نظرة حادة وقال :

_ أظن مكنتش هسيب راجل يطلعلك شقتك ! ... أنا شكرته بالنيابة عنك ...


أعطاها الهاتف واستدار بتعدًا عنها ومتوجها لشقته، فقالت قبل أن يختفي من أمامها بصوت على حافة البكاء 

_ أمجد ... أنا ، أسفة ..و...


قاوم بكل قوته حتى يدخل شقته ويغلق الباب وألا يعود ويظهر مسامحته، يجب أن تتعلم أن تحترم محبته لها وتترك خوفها بعيدًا مع رجل مستعد أن يغفر لها كل شيء، ويريدها زوجةً له، لا أقل من ذلك ... 


اجهشت سمر بالبكاء بعدما تركها وأغلق بابه عليه، ولا تلومه في ذلك ... بينما ظل أمجد مستندًا على الباب وسمع صوت أنينها بضيقا شديد ...  ولكن ضيقه ذهب تدريجيًا عندما اكد أسفها حديث العجوز ... وعادت ابتسامته لشفتيه وهو يعد لنفسه كوب قهوة ... 


                         ************


وقبل أن تغرب الشمس .. 

وقف "أكرم" يمشط شعره المبتل بالماء أمام مرآة غرفته التالفة تقريبًا وتحتاج للتغيير ولكن لا بأس بها بالوقت الراهن. 

وتصاعدت الاحداث الأخيرة بمقدمة أفكاره وتذكر تلك المجهولة وهي بين ذراعيه بعينيها المرتعبتان وجسدها الأنثوي الرقيق بين قبضتيه ... ولا يعرف لمُ ...

أسكت أفكاره وأوقف منحناها بغضب من نفسه ودفع بالمشط بعصبية، ثم استعد لمتابعة اليوم مع الصغار وإعداد الطعام لهما .. 


خرج من غرفته وتوجه مباشرةً للمطبخ وهو يفكر ويرتب بقيّة مهام اليوم، ويتجنب تفكيره الذي ينحني إليها عنوة، حتى اشتم رائحة حلوى نفاذة تخرج من جهة المطبخ !! .. 

شعر بالحيرة لأن الصغار لا يعرفون شيء عن إعداد الحلوى خاصةً بتلك الرائحة الشهية !! 

وحينما دخل المطبخ وجد فتى يقارب شاندو وشامي في الطول أو أنه اطول منهما بقليل، ويرتدي قميص من الچينز الأسود به ثقوب من أطرافه، وبنطال من الچينز الاسود أيضاً به بعض الرقع، ويرتدي قبعة عجيبة وأسفلها قبعة صوفية تناسب فصل الشتاء أكثر من الخريف !!! 

ويبدو هيئة الفتى بمنحنيات جسده تلك غريبًا، حتى من قبل أن يراه، فقال بحدة : 

_ بتعمل إيه ؟!! 


كادت أن تسحق جيهان أسنانها من التوتر والرعب وهي تواليه ظهرها، وتمنت أن لا يرى ارتجاف يديها الواضحة ... 

فهب الصغير عصفور وقال والخوف بعينيه : 

_ ده الواد هريسة بتاع الحلويات .


وأتى بقلظ خلفه ووقف أمامه كالأرنب بجانب صديقه عصفور وردد: 

_ ده الواد هربسة بتاع الحلويات ...


وأتت  وصيفة وهي تركض للمطبخ وأشارت نحو جيهان قائلة بصوت يخرج بالكاد: 

_ ده الواد هريسة بتاع الحلويات ... 


وهجم الصغار واحدًا تلو الآخر على المطبخ وهتفوا بصوتً واحد : 

_ ده الواد هريسة بتاع الحلويات  يا زعامة .. 


اغمضت جيهان عينيها وتوسلت لرب العالمين أن لا ينكشف أمرها الآن بسبب غباء وبراءة هؤلاء الصغار ... ضيّق أكرم عينيه على الفتى الغريب والذي قد ذكر شامي اسمه من قبل، واستئذن منه أن يأت للقصر وينضم لهم ... ولكن المظهر العام لهذا الفتى غير مريح بالمرة ! ..


استند عصفور على صديقه بقلظ، وقال بخفوت وهو يشعر بالدوران: 

 _اسندني هقع ..


واقترب أكرم خطوات حيث تقف جيهان ترتعد كلما اقترب خطوة، ثم وقف خلفها وقال بصوت جعل الكلمات تقف بحلقها : 

_ أطلعي برا ... 


تابعووووني 


تكملة الرواية من هنا


بداية الروايه من هنا



تعليقات



CLOSE ADS
CLOSE ADS
close