القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

عزلاء أمام سطوة ماله الحادي عشر والثاني عشر بقلم مريم غريب

عزلاء أمام سطوة ماله

 الحادي عشر والثاني عشر

بقلم مريم غريب

( 11 )


_ شجار حاد ! _


كان "عثمان" جالسا بمكتبه ، يتحدث في هاتفهه إلي صديقه "مراد" ..


قضي أكثر من نصف ساعة هو يحاول إقناعه بالمكوث في قصر عائلته الخرافي ..


-إسمع بقي عشان إنت صدعتني و قرفتني .. قالها "عثمان" بنفاذ صبر ، و أكمل بحسم :


-إنت هتسيب الآوتيل إللي قاعد فيه ده إنهاردة و هتيجي تنقل عندنا في البيت . مش عايز إعتراض خلاص إنتهي.


رد الأخير بحيرة :


-يا عثمان إنت بتضغط عليا كده . أنا مش عايز أضايكوا . خليني زي ما أنا يا أخي بالله عليك !


-تضايقنا إيه و بتاع إيه ياض ؟ هو إحنا قاعدين في عشة ؟ ده قصر البحيري . أكبر قصر فيكي يا إسكندرية و مش بس في إسكندرية في مصر كلها .. شوف إنت هتسمع كلامي غصب عنك . هتسيب الآوتيل زي ما قولتلك و هتيجي تقعد عندنا من إنهاردة ساامع ؟؟؟


تنهد "مراد" و قال بإستسلام :


-ماشي ياسيدي . كمان شوية هبقي هنزل أعمل Check Out و هكون عندكوا علي بليل كده !


و ما كاد "عثمان" يرد ، إلا و شاهد باب مكتبه ينفتح بقوة يليه دخول "سمر" السريع


كانت حالتها مزرية للغاية و الدموع تهطل من عينيها كالشلال ..


إندفعت صوب "عثمان" و هي تهتف بصوت مرتعش :


-عثمآاان بيه !


وثب "عثمان" عن مقعده فورا و هو يقول بذعر :


-في إيه يا سمر ؟ المبني بيولع ؟؟!!


هزت رأسها نفيا مع أنين خافت سمعه "عثمان" صادرا عنها ..


-طيب إيه إللي حصل .. سألها بشيء من العصبية ، لترد بصعوبة غير قادرة علي إيقاف سيل دموعها :


-أخـ أختي مـ لـك . تـ عبانة أو ي . مش قـ ادرة تتـ نفس.


عثمان بلهجة هادئة و هو يستدير حول مكتبه ليقف أمامها :


-إيه ! طيب إنتي عرفتي إزاي ؟


-جارتـ نا إ إتصـ لت بيا و وقا لتـ لي .. آ نا لازم إمشي د دلوقتي حا لا يـ يافنـ دم !


-هتعملي إيه طيب ؟؟؟


-هاوديها للد كتور طـ بعا.


عثمان و هو يلتفت و يأخذ هاتفهه و مفاتيحه من فوق سطح المكتب :


-طيب خلاص أهدي . أنا هاجي معاكي.


سمر برفض و هي تمسح دموعها بظهر يدها :


-لأ .. ماتتعـ ـبش نفـ سك أنا هـ آاا ..


-و لا كلمة ! .. قاطعها بحزم ، و أردف بصرامة :


-أنا جاي معاكي . و يلا قدامي بسرعة عشان منتأخرش علي البنت.


••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••


في المستشفي ... داخل جناح "صالح"


تقف "صفية" أمام سريره مطرقة الرأس ، بينما هو كالصنم .. لا يتحرك و لا يتكلم


فقط ينظر إلي الفراغ في وجوم و صمت لا يطاق ، حتي ملت "صفية" و قالت و هي ترفع رأسها فجأة :


-هتفضل ساكت كده ؟ بتعاقب مين دلوقتي ؟ أنا و لا إنت ؟ .. رررررد عليآاا !


صمت قصير .. ثم تكلم "صالح أخيرا :


-عايزاني أقول إيه ؟ .. تساءل بصوت بارد قاس ، ثم تابع و هو يحول إليها بصره الحاد :


-ألومك عشان طلبتي مني أنزل ساعتها ؟ و لا ألوم نفسي عشان سمعت كلامك و كنت بحاول أرضيكي ؟ و لا ألوم أخوكي إللي خد حظي و المفروض هو إللي كان يحصله كل ده ؟ هه ! ألوم مين بالظبط ؟ ما تردي إنتي بقي ؟؟!


صفية و هي تنتفض منزعجة :


-إللي بتقوله ده ماينفعش علي فكرة . أولا أنا ماقصدتش آذيك بأي طريقة و أكيد لو كنت أعرف إن حاجة زي دي ممكن تحصلك ماكنتش طلبت منك تنزل ساعتها . ثانيا أنا عمري ما طلبت منك ترضيني و لو كنت رفضت طلبي ماكنتش هزعل . ثالثا بقي و الأهم أخويا مالوش ذنب في إللي حصلك . ده قدر و آا ..


-قدر ! .. قاطعها بحدة شديدة و قد إتسعت عيناه غضبا ، ثم صاح مكملا :


-دي عربية أخوكي يا هانم . هو إللي كان هيطلع بيها لو ماكنش عايز يدهالي كان هو إللي طلع بيها و عمل الحادثة بدالي.


-قصدك إيه ؟ .. تساءلت بغضب


-عايز تقول يعني إنه كان علي علم بإللي هيحصلك ؟!


لم يجب و ظل علي حالته الحادة ، فإنفجرت "صفية" بغضب مضاعف :


-إنت أكييد إتجننت . أكيد الحادثة آثرت علي دماغك . إنت مابقتش طبيعي . مابقتش بتفكر !


صالح و هو يهز رأسه موافقا بهدوء شديد :


-صح . إنتي عندك حق . أنا مابقتش طبيعي .. عشان كده . خدي يا صفية !


و رفع يده اليمنى و إنتزع منها خاتم خطبته ..


قام بوضعه علي الطاولة القريبة من سريره ، بينما تابعت "صفية" ما يفعله في صمت ذاهل حتي إنتهي ..


فسألته :


-إيه إللي إنت عملته ده ؟!


صالح ببساطة :


-فسخت خطوبتنا . إنتي لسا قايلة إني مابقتش طبيعي . كلامك صح . أنا دلوقتي بقيت إنسان عاجز . مش هعرف أمشي علي رجليا تاني . خلاص . مسألة إرتباطنا إنتهت !


دخلت كلماته إلي رأسها و إستقرت الواحدة بعد الأخري ، فضاق صدرها و تقطعت أنفاسها


في تلك اللحظة بالذات ، شعرت "صفية" بعمق مكانة "صالح" في حياتها و بصعوبة إقتلاعه من حياتها ..


فتحت فمها و أغلقته ثانيةً ، ثم قالت بصدمة :


-صالح ! .. إنت بتقول إيه ؟؟؟!


كانت الكلمات تختنق في حنجرتها ، بينما رد بجفاء و هو يشيح بوجهه عنها :


-إللي سمعتيه.


صفية بصوت مرتجف :


-إنت كده بتنهي كل إللي بينا !


صالح و قد عاد ينظر إليها مجددا ..


-بالظبط كده ! .. قالها بتحد و ثقة ، ثم أكمل بطريقة ساخرة لا تخلو من العتب و الإهانة :


-أنا أصلا عمري ما حسيت إنك بتحبيني . دايما بتحسسيني إنك إتنازلتي أوي لما وافقتي نتجوز . ليه ؟ كنتي تقدري ترفضيني عادي جدا و كنا بقينا ولاد عم و إخوات بدل ما تحاولي تقبلي فكرة إني خطيبك و كمان كام شهر و هبقي جوزك . أنا ماقبلش إتجوز واحدة مابتحبنيش.


-أنا بحبك يا صالح ! .. تمتمت ، و شعرت بالرعب يخنقها و بركبتيها ترتجفان و تهددان بإسقاطها


-شكرا .. قالها ببرود و حيّد عنها مجددا ، بينما سعت إليه و هي تقول برجاء :


-رجع دبلتك زي ما كانت . أنا بحبك . و الله بحبك و مافيش حاجة من إللي قولتها صح . جايز بس أنا ماعرفتش أعبرلك عن مشاعري بالطريقة إللي إنت عاوزها . لكن صدقني أنا بحبك . بجد بحبك يا صالح !


تنهد "صالح"بفتور ، ثم قال بمرارة :


-حتي لو بتحبيني بجد .. خلاص ماعادش ينفع.


-هو إيه ده إللي ماعادش ينفع ؟ .. و صرخت بصوت أعلي :


-إنت مش من حقك تقرر في حاجة زي دي من نفسك . أنا شريكتك في القرار.


صالح بصياح منفعل :


-و إنتي مش عايزة تفهمي ليه ؟ أنا خلاص إنتهيت . مابقتش نافع لا ليكي و لا لغيرك . هفضل عاجز كده طول عمري.


-مين قالك كده ؟ إنت ماسمعتش الدكتور كويس و لا إيه ؟ إنت لسا هتتعالج و بعد فترة قصيرة هترجع زي ما كنت و أحسن.


صالح بإنفعال أشد :


-مش عايز أتعالج . مش عايز أرجع أحسن من الأول . سيبيني يا صفية . سيبيني و إمشي أنا مابقتش عايزك . خلاص مش عايزك في حياتي تاني . أخرجي برا . إمشيييي !


إرتدت "صفية" للخلف و هي تعض علي شفتها السفلي بقوة و ترمقه بعدم تصديق


ترقرقت الدموع بعيناها ، و لكنها حبستها ..


إلي أن خرجت فعلا من غرفته


و هنا فقط ، أطلقت لنفسها العنان و راحت تبكي بنشيج مكتوم و هي تركض مجتازة الردهة الطويلة


بينما أعين جميع من في الطابق مصوبة نحوها ، تشملها بنظرات التعجب و الإستفهام حتي إختفت ...


•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••


أمام بيت "سمر" ... تقف سيارة "عثمان" الضخمة الفارهة


لتترجل "سمر" بسرعة و هي تقول :


-خليك زي ما إنت يا عثمان بيه . أنا هدخل أجيب ملك و هاجي بسرعة.


أومأ "عثمان" بالموافقة ، بينما إندفعت "سمر" راكضة إلي الداخل


وصلت إلي شقة السيدة "زينب" و ضربت الجرس بتواصل و إلحاح ، فتحت الأخيرة بعد لحظات و هي تحمل علي ذراعها "ملك" المسكينة ..


كانت الصغيرة في حالة صعبة للغاية ، حيث كانت متهدلة و هامدة بصورة مخيفة و بدت و كأنها تنازع لتأخذ أنفاسها ، بخلاف حشرجة صدرها و عيناها الملبدتان بالدموع ..


-إيه إللي حصل ؟ .. تساءلت "سمر" برعب و هي تمد ذراعيها لتأخذ أختها ..


ناولتها "زينب" الطفلة ، ثم أجابت و صوتها لا يخلو من القلق و الخوف :


-يابنتي و الله كانت كويسة بعد مامشيتي حتي جاعت و أكلتها و كله حاجة كانت ماشية تمام . بس فجأة لاقيت وشها أصفّر و شفايفها إزرّقت و إبتدت تاخد نفسها بالعافية . ساعتها لما غلبت قلت مابدهاش بقي و إتصلت بيكي طـّوالي.


سمر و هي تحتضن الطفلة بشدة :


-طيب أنا هاخدها للدكتور دلوقتي . لو فادي رجع قبل ما أجي إبقي قوليله يتصل بيا يا ماما زينب.


-حاضر يابنتي . علي مهلك و إنتي ماشية . و لا إستني هلبس و أجي معاكي !


سمر و هي تهبط درجات السلم بخفة و حذر :


-لأ خليكي يا ماما زينب . إن شاء الله مش هنطول . هنرجع علطول.


°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°


قبل دقيقتين ..


أمام محل الجزارة المقابل لبيت "سمر" .. وقف شاب في مستهل عمره ، يباشر تقطيع شرائح اللحم الطازج فوق الأورمة " قطعة خشب يتم وضع اللحوم فوقها من أجل تقطيعها " ..


شاهد سيارة سوداء إصدار أحدث طراز للعام ، تدخل ببطء و روية في الشارع الضيق نسبيا


و من خلال نظراته الفضولية المتفحصة ، لمح "سمر" تجلس في المقعد المجاور لمقعد السائق الذي بدا له رجلا ثريا من هيئته و ملابسه و أيضا من سيارته التي يقودها


تابع النظر إليهم حتي توقفت السيارة و نزلت منها "سمر"  ..


رآها تقول لمرافقها شيئا وجيزا ثم تستدر و تتجه إلي داخل البيت مسرعة


لم ينصرف صاحب السيارة الثمينة و بقي منتظرا كما هو ، فشعر الشاب بالغضب ينتابه و هو يحدج هذا النبيل بنظرات نارية حتما ستحرقه لو كانت فعلية


و فقط السؤال الذي أخذ يلح عليه أثناء هذه اللحظات هو ؛ . من هذا يا تري ؟ و ما علاقته بـ "سمر" ؟


عادت "سمر" و إستقلت السيارة ثانيةً ، و لكنها لم تكن بمفردها هذه المرة ، كانت شقيقتها الصغري معها ..


شاهد الشاب سائق السيارة يبذل جهدا بالغا في إخراج سيارته من هذا الشارع ، و بعد عدة محاولات ، نجح أخيرا و إنطلق بها للطريق الرئيسي


بينما ذهب الشاب ليكلم والده داخل المحل ..


-شفت يابا ! .. قالها الشاب بحدة ممزوجة بالغيظ ، ليسأله والده الجالس يجري بعض الحسابات خلف مكتبه المبهرج :


-في إيه يابني ؟ حصل إيه ؟؟


-لسا شايف سمر راجعة مع واحد شكله إبن ذوات و في عربية أبهة خالص . مش هاممها حد يشوفها و مشيت معاه تاني هي و أختها الصغيرة.


الوالد بنبرته الطبيعية الغليظة :


-راجعة مع واحد شكله إبن ذوات و في عربية أبهة ؟ .. لونها إسود العربية دي ؟؟


الشاب بتقطيبة مستغربة :


-أيوه !


-و إللي سايقها ده شكله نضيف كده و مستحمي ؟؟


-أيوه يابا إنت تعرفه و لا إيه ؟!


-لأ ماعرفوش . بس شفته من قيمة يومين كده كان بيوصل الصنيورة بتاعتك بنفس العربية بردو !


الشاب مضيقا عينيه بغضب :


-يا تري مين ده ؟ تكونش رفضتني عشانه يابا ؟؟؟


-وارد يابني . بس و لا يهمك سيبك منها . أصلا لا أنا و لا أمك كنا موافقين عليها . ماكنتش هتشيلها لوحدها . إخواتها الإتنين كانوا هيبقوا فوق البيعة.


الشاب بغضب أشد :


-بس ماتجيش منها .. لسا ماتخلقتش إللي ترفض المعلم خميس.


-يابني إحنا مش ناقصين عوأ . ورانا شغل أد كده . سيبك منها و أنا هجوزك ست ستها . حسب و نسب و أحلي منها كمان.


إبتسم "خميس" بسخرية ، ثم إنصرف ليتابع عمله مجددا و هو لا ينوي خيرا أبدا ...


•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••


في العيادة الخاصة ، حيث الطبيب الذي فحص "ملك" منذ أيام قليلة يعاود فحصها مرة أخري .. و لكن مع إختلاف الوضع هذه المرة


إذ أن "ملك" وحدها داخل غرفة الفحص ، بينما تقف "سمر" في الخارج مع "عثمان" الذي عمل علي تهدئتها منذ وصولهم :


-إهدي شوية يا سمر . ماتقلقيش هتبقي كويسة.


سمر و هي تتضرع بخشوع :


-يااارب .. يا رب تبقي كويسة !


و صدح فجأة رنين هاتفهها ، لتخرجه من جيب سروالها الواسع و ترد دون الحاجة لرؤية إسم المتصل :


-فادي .. ماتخافش يا حبيبي .. أيوه إحنا عند الدكتور .. طيب .. طيب خد العنوان !


و فيما راحت "سمر" تلقن أخيها عنوان العيادة ، ذهب فكر "عثمان" للبعيد و هو يرمقها بنظرات ذات مغزي


ثم أخذ يتساءل في نفسه ..


"مين فادي ده ؟ يمكن هو ده إللي مراد قال عليه كانت نازله فيه حب ؟ يعني هو خطيبها ؟ بس إزاي ؟ مافيش في إيديها دبلة ! و كمان دي بتقوله يا حبيبي . الله علي براءتك يا سمر . كنت بدأت أصدق !! "


و قطع تفكيره خروج الطبيب من غرفة الكشف ..


هررلت "سمر" في إتجاهه هاتفة :


-دكتور ! لو سمحت طمني . أختي فيها إيه ؟؟؟


الطبيب و هو يزم شفتيه بأسف :


-للآسف شكي كان في محله .. إلتهاب رئوي حاد و للآسف أكتر حالتها إتأخرت !


سمر و قد إرتعشت ساقيها من الصدمة و إلتوتا من تحتها ، ليمد "عثمان" يديه نحوها و يسندها بسرعة قبل أن تقع ..


بينما سارع الطبيب بالقول :


-إهدي إهدي ماتقلقيش . في علاج إن شاء الله . هي عمرها لسا 10 شهور يعني سهل تدخل حضـّانة ، هنعملها جلسات أكسچين من إنهاردة و مش هتخرج من هنا قبل إسبوع أو إسبوعين حسب إستجابتها للعلاج.


سمر بوهن :


-إعمل أي حاجة يا دكتور . إعمل أي حاجة بس ملك تبقي كويسة !


 الطبيب بأدب :


-تمام يا أنسة . أنا هخلي المساعدين هنا يجهزوا كل حاجة و هننلقها للحضـّانة علطول . بس معلش يعني هتحطي خمستلاف جنية برا تحت الحساب.


جحظت عيناها و هي تتمتم بذهول :


-خمستلاف جنية تحت الحساب ؟ طيب هما من أصل كام ؟؟؟


-من أصل عشرتلاف حضرتك اليوم في الحضـّانة بالمبلغ ده . طبعا بالآدوية و العقاقير و خلافه.


بـُهتت "سمر" و عجزت عن الكلام ، ليأتيها صوت "عثمان" قائلا بهدوء :


-ماتقلقيش . ماتشيليش هم حاجة يا سمر . أنا هدفع الحساب كله !


إلتفتت "سمر" إليه في هذه اللحظة ، لتكتشف أنه لا زال يسندها


ما كادت تبتعد عنه و تستقيم في وقفتها ، إلا و سمعت صوت أخيها الغاضب آتيا من الخلف ينادي بإسمها :


-سمــــر !


يتبــــع ...

( 12 )


_ مليونير مغرور ! _


إنتفضت "سمر" تلقائيا إثر سماع صوت أخيها .. فتخلصت بسرعة من أيدي "عثمان" اللتان تسندانها و إعتدلت في وقفتها ، ثم إلتفتت لتواجه "فادي" ..


كان وجهه قاتم الحمرة و قد أظلمت عيناه السودوان أكثر من شدة الغضب ، رأته يقترب منهما بخمسة خطوات واسعة ، ثم يقف في مقابلتها هي مباشرةً ..


-إيه إللي بيحصل هنا ؟ .. قالها "فادي" بتساؤل حاد ، و أكمل بعصبية :


-إيه إللي أنا شفته بعنيا ده ؟؟؟


سمر بإرتباك شديد :


-فـ فادي ! مافيش حاجة يا حبيبي . إحنا كنا بنكلم الدكتور بس .. و أشارت إلي الطبيب الذي يقف ورائها ، و لكنها إكتشفت أنه ذهب !


ربما لم تفطن لذلك أثناء صدمتها بالمبلغ الذي يتحتم عليها دفعه من أجل رسوم علاج أختها ..


إنتبهت مرة أخري علي صوت أخيها و هو يسألها بحدة :


-ميــــــن ده ؟!


نطق و هو يغرز نظراته المشتعلة بـ"عثمان" ..


فأجابت "سمر" بشيء من الإضطراب و هي توزع نظراتها بينهما :


-ده عثمان بيه يا فادي . مديري في الشغل ! .. ثم توجهت إلي "عثمان" مكملة التعارف :


-عثمان بيه . ده فادي أخويا !


عثمان في نفسه : " ده طلع أخووها ! " .. لكنه لم يظهر أمامهما هذه الدهشة التي أحدثها تصريح "سمر"


بل قال بإبتسامة رزينة :


-أهلا و سهلا . إتشرفت بيك !


و مد يده للمصافحة ، إلا أن "فادي" رفضها و قال بتهكم واضح :


-أهلا . بس هو حضرتك بتعمل إيه هنا يعني مش فاهم ؟!!


-فاادي ! .. تمتمت "سمر" و هي تزجره بغضب ، ثم قالت بإبتسامة لتغطي علي وقاحة أخيها :


-عثمان بيه كتر خيره ماسبنيش و لا ساب ملك . أصر يجي معايا و هو إللي جابنا لحد هنا . تصور كمان إنه إتكفل بمصاريف علاج ملك طول ما هي هنا ؟ الدكتور قال إحتمال يقعدها إسبوع أو إسبوعين في الحضـّانة و اليوم الواحد بس بعشرتلاف جنيه !


فادي و هو يرفع حاجبيه بسخرية :


-و الله ! لا فعلا كتر خيره . بتقولي بقي اليوم بعشرتلاف ؟ و إحتمال تقعد إسبوع أو إسبوعين صح ؟ يعني فرضا لو قعدت إسبوع الباشا هيدفع سبعين ألف و لو قعدت إسبوعين هيدفع مية و أربعين ألف ! .. يااااه . بجد ده لطف و كرم كبير أوووي من حضرتك .. ثم سأله بحدة :


-لكن بمناسبة إيه هتعمل معانا كل ده ؟ أنا كان نفسي أشوفك من أول مرة سمعت عنك فيها عشان أسألك السؤال ده بس . بمناسبة إيه بتعمل معانا كل ده ؟ إيه إللي هيعود عليك من ورا ده كله ؟؟؟


كادت "سمر" تتحدث ثانيةً لتوقفه عن معاداة الرجل الذي بيده مصير أختها ، لكن "عثمان" سبقها و أجاب بهدوء مع إبتسامة واثقة :


-أولا أنا دلوقتي بساعد ملك لوحدها . و أكيد أي حد مكاني مش هيشوف طفلة صغيرة بين الحيا و الموت و مايساعدهاش . ثانيا أنا مش مستني حاجة من ورا إللي بعمله . أنا طبيعي بحب أساعد الناس بدون مقابل.


فادي متسائلا برعونة :


-بتحب تساعد الناس بالآلافات ؟!


عثمان بغرور ممزوج بالتعالِ :


-الفلوس ماتهمنيش . عندي منها كتير أوي.


فادي بعدائية شديدة :


-أومال إيه إللي يهم سيادتك ؟؟؟


و هنا تدخلت "سمر" بصرامة حادة :


-خلاااص يا فآاادي ! إنت بتحقق معاه بدل ما تشكره . هو مش مجبر يساعدنا و لا يهدر فلوسه علينا علي فكرة .. ثم خاطبت "عثمان" بتهذيب :


-أنا آسفة حضرتك بالنيابة عن أخويا . هو مايقصدش و الله . كل الحكاية إنه مستغرب بس من كرمك الزايد . و بصراحة هي حاجة غريبة فعلا إنك تدفع كل المبلغ ده عشان أختي !


إبتسم "عثمان" و هو يرد بإسلوبه الفاتر علي الدوام :


-قولتلك قبل كده يا سمر إني إعتبرت ملك زي بنتي . أنا حاببها و حابب أساعدها . أما بالنسبة لمسألة الفلوس فالمبلغ ده بسيط جدااا بالنسبة لي . مش هيأثر معايا أبدا إطمني.


سمر بإبتسامة خفيفة :


-ربنا يزيد حضرتك . و بجد أنا مش عارفة أشكرك إزاي و لا أوفي جمايلك إزاي !!


-عيب يا سمر . هتزعليني لو قولتي كده تاني !


-لأ خلاص . أنا مقدرش أزعل حضرتك طبعا.


-أنا ماعملتش حاجة . ده شيء طبيعي جدا أي حد مكاني كان لازم يتصرف كده.


سمر بإمتنان صادق :


-بردو شكرا يا عثمان .. شكرا علي وقفتك جمبي أنا و أختي . شكرا علي معاملتك الطيبة و أخلاقك العليا معايا.


أومأ "عثمان" بإبتسامة رقيقة و هو يضحك و يسخر منها في قرارة نفسه " أخلاقي العليا ! فريال هانم كانت هتفرح أوي بالكلمة دي " ..


-العفو يا سمر . ده واجبي .. قالها "عثمان" و هو يشمل "فادي" بنظرة خاطفة


كان الأخير يرمقه بنظرات عنيفة ، و لكنه آثر الصمت لإدراكه أن شقيقته محقة ، إنهم بحاجة إليه بالفعل ، أو بالأحري بحاجة إلي أمواله


لذا أطبق "فادي" فمه و لم يعد يفه بكلمة أخري من شأنها أن تسيئ إليه ، فقط ظل يحدجه بتجهم ممزوج بالحدة


بينما يتظاهر "عثمان" بعدم ملاحظته و هو يتصرف بغرور متعمد ناجم عن نشآته الثرية المتغطرسة ...


•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••


في قصر آل "بحيري" ... تلج "صفية" إلي غرفتها و هي في حالة صعبة للغاية


منذ أن تركته و غادرت المشفي كلها لم تستطع منع دموعها من الهطول ، حاولت ضبط نفسها لكنها فشلت لدرجة أنها أخذت سيارة آجرة لتصل إلي هنا و تركت سيارتها مصفوفة هناك بالكراچ


خشت أن تقود و هي بهذه الحالة فيقع لها حادث كما صار معه ..


ألقت بثقلها فوق سريرها الكبير و قد أخذ منها التعب خلال الساعة الماضية كل مأخذ


جلست صامتة و المرارة ترشح من تقاسيم وجهها المتقلصة ، واصلت البكاء دون توقف


لينفتح باب الغرفة فجأة و تدخل "فريال" دون إستئذان ..


لم تحاول "صفية" إخفاء محنتها عن أمها ، بل أنها مدت إحدي يديها بإتجاهها ، تمط أصابعها و كأنها تتمني لو أنها طويلة بما يكفي لتجتاز المسافة بينهما ، فكم هي بأمس الحاجة لحضنها الآن و بصورة شديدة اليأس ..


رمقتها "فريال" بصدمة و هرولت نحوها بسرعة ، أمسكت بكتفيها و ضمتها إلي صدرها هاتفة :


-صافي ! مالك يا حبيبتي ؟ في إيه ؟ أنا شفتك و إنتي راجعة بتاكسي و كنتي بتعيطي و إنتي داخلة البيت . إيه إللي حصل يا صافي ؟؟؟


-صالح يا مامي ! .. نطقت "صفية" بصعوبة و هي تشعر بالغصة تكاد تخنقها


لتستوضحها "فريال" بتوجس :


-ماله صالح ؟؟؟


صفية بنشيج متقطع :


-قـ قـ  ـلـ ع د دبلـ ـته . فسـ خ خـ خـ ـطو بتـ ـنا !


-فسخ خطوبتكوا ؟! .. تمتمت "فريال" بذهول ، ثم سألتها بحدة :


-و عمل كده ليه ؟؟؟


صفية و هي تعتصر عيناها من الدموع بشدة :


-الدكتور صارحه بكل حاجة إنهاردة . شرحله حالته . أول ما عرف إتحول .. مابقاش صالح إللي أنا أعرفه . قال كلام كتير . و شكك في عثمان إنه كان علي علم بإللي هيحصله . و لما إتضايقت و شديت معاه شوية لاقيته بيقلع الدبلة و .. و بيقولي مش عايزك !


و راحت تجهش بالبكاء أكثر علي صدر أمها ، بينما إنزعجت "فريال" لاسيما من الجزئية التي تخص إبنها ..


لكنها تمالكت غضبها سريعا ، و أخذت تمسد علي ظهر "صفية" و هي تقول بصوتها الرقيق اللطيف :


-طيب خلاص . خلاص إهدي يا حبيبتي . هو أكيد مصدوم و في حالة عصبية من ساعة ما عرف .. سيبيه شوية بس و هو لما يهدا أكيد هيندم علي كل إللي قاله و هيطلبك عشان يعتذرلك كمان.


-أنا بحبه يا مامي ! .. قالتها "صفية" بلوعة و عذاب ، و أكملت :


-عمري ما قلتله بحبك . بس أنا بحبه و الله .. مش عايزاه يسيبني حتي لو ماقامش علي رجليه . هفضل معاه.


تنهدت "فريال" و ربتت علي كتفها بحنان قائلة :


-إن شاء الله هيقوم علي رجليه . و مش هتسيبوا بعض !


•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••


عودة للمركز الطبي الخاص ... غادر "عثمان" منذ قليل ، لينفرد "فادي" بأخته أخيرا


لكنه لم يتكلم معها في الحال ، بل إنتظر حتي إطمئنا علي "ملك" و شاهداها داخل سرير الحضـّانة الصغير تأخذ أول جلسة علاج ضد الإلتهاب الرئوي الحاد الذي أصابها مؤخرا


كانت نائمة كالملاك ، فيما سحب "فادي" أخته من ذراعها إلي الخارج ليحدثها ..


-فهميني بقي من فضلك . إيه إللي حصل بالظبط ؟ .. تساءل "فادي" بعصبية خفيفة


لتجيبه "سمر" بهدوء و تعقل :


-ماحصلش حاجة يا فادي . زي ما قولتلك بس عثمان بيه لما عرف إن ملك تعبت أوي أصر يجي معايا و يودينا بنفسه للدكتور.


فادي بغضب :


-و هو ماله ؟ و إنتي بتحشريه فينا ليه ؟ كنتي إتصلي بيا أنا أولي . ماكنتش هعرف أتصرف يعني ؟!


سمر بغضب مماثل :


-كنت هتصل بيك و إنت في الإمتحان ؟ كنت هتسيب إمتحانك و هتجيلنا ؟


-أه . قولتلك قبل كده خدي بالك من الراجل و ماتخليهوش يتعود عليكي . بس إنتي بتفوتي كلامي و بتمشي إللي في دماغك !


-كفاية بقي يا فادي . دماغك بتقفل علي حاجات مش منطقية و كل شوية بتعيب في الراجل و كلمته بإسلوب وحش لما كان هنا . ده جزاؤه إنه حب يساعدنا ؟ هي دي شكرا إللي المفروض نقولهاله ؟؟؟


فادي بإنفعال شديد :


-معقولة واحد غني زيه يساعد ناس زينا بالطريقة دي ؟ بالمبلغ ده ؟ حتي لو عادي . هنرد عليه بإيه في المقابل ؟ إيه قيمة الحاجة إللي هنقدمهاله بالظبط عشان نوفي الدين إللي علقه في رقبتنا ؟ تقدري تقوليلي إيه أغلي حاجة عندنا ممكن نقدمهاله ؟؟؟!!


شخصت إليه ببصرها محاولة فهم ما قصده !


حدق بها هو الأخر بتحد منتظر إجابتها ، بينما شعرت بالغثيان حين أدركت فجأة ما رمي إليه


تطلب الوقت بضع دقائق قبل أن تتمكن من الكلام ..


-إنت . إنت قصدك إيه ؟! ..تساءلت بتقطيبة عميقة


ليرد "فادي" لاويا شفتاه بإبتسامة تهكمية :


-قصدي إللي فهمتيه بالظبط يا سمر.


إتسعت عيناها و جحظتا من الغضب ، فصاحت و الكلمات تخرج كالقنابل من فمها :


-إنت مجنوون ! فعلا مجنون . إزاي بتفكر كده ؟ إزاي عقلك صورلك الحاجات دي ؟ إنت متخيل إني ممكن أبيع نفسي بالرخيص كده ؟؟؟


فادي بصلابة :


-ده شئ بديهي يا سمر . أي بني آدم عادي هيفكر ليه واحد زي ده مهتم أوي كده بعقد حياتك و بيستغلها.


-بيستغل إيه يا مجنون إنت ! و هيعوز يستغلني ليه أصلا ؟ ده راجل مش محتاج واحده زيي يستغلها . في آلاف غيري بيترموا تحت رجليه كل يوم في مستواه و أحلي مني كمان . هيبص لواحدة فقيرة و عادية زيي أنا ليه ؟ ما ترد ؟!!


-ما هو الممنوع أحيانا كتير بيبقي مرغوب يا سمر . و الصندوق المقفول دايما بيثير الفضول و واحد زي ده أكيد طول الوقت بيدور علي حاجة جديدة تسليه.


سمر و هي تهز رأسها بعدم تصديق :


-إنت أكيد جرى لعقلك حاجة . مش عايز تفهم . مقتنع بس بأفكارك الموسوسة . عارف لو تـ آا .. و قطعت عبارتها فجأة ، ثم أدارت عينها معبرة عن ضيقها و هي تقول :


-أنا بكلم مين ؟ الكلام معاك بقي ممنوش فايدة أصلا !


" مجنون ! " تمتمت لنفسها ، ثم ولت تاركة إياه واقفا بمفرده ، و ذهبت لتتفقد "ملك" و تطمئن عليها ...


•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••


مع هبوط الظلام .. يتسرب ضوء القمر عبر الغيوم و أغصان الشجيرات الكثيفة


بينما تشق سيارة "مراد" طريقها في الممر المرصوف بالأحجار الملونة و المؤدي إلي باحة أفخم قصر بمدينة الأسكندرية ..


أخذ "مراد" حقيبة ظهره الكبيرة  التي يحمل بداخلها ملابسه و أغراضه ثم ترك  سيارته للبستاني يصفها بالكراچ ، و إتجه إلي باب البيت ..


إستقبلته إحدي الخادمات بالداخل ، ليقول لها بإسلوبه الخفيف :


-معلش يا قمر . ممكن بس توصليني لأوضة عثمان بيه ! أصلي من زمان و أنا بتوه جوا البيت ده.


ضحكت الفتاة الحسناء برقة ، ثم قالت بإبتسامة :


-طبعا تحت أمر حضرتك . إتفضل معايا.


تبعها "مراد" متبخترا برشاقة في خطواته ، إتخذا المصعد المغلف بالخشب المصقول الأنيق ، ليصلا في غضون ثوان إلي الطابق الثالث ..


خرجت الخادمة أولا و راحت تؤشر له نحو غرفة "عثمان" و هي تقول :


-بص حضرتك . أوضة عثمان بيه إللي في الوش علطول دي . مافيش حد ساكن في الدور ده غيره أصلا.


مراد و يهز رأسه بتفهم :


-تمام فهمت .. ثم قال بإبتسامة مداعبة :


-شكرا يا قمر.


ضحكت الفتاة ثانيةً و لكن ضحكتها هذه المرة كانت أكثر خجلا ، فإستدارت و إنصرفت من أمامه مسرعة ..


تنهد "مراد" بحيوية ، ثم توجه صوب غرفة صديقه ..


بعد طرقة واحدة ، أدار المقبض و دفع الباب و دلف و هو يصيح بمرح :


-صاحبي يا صاااحبي . صديق السوء جالك يا حبيبي !


دوت ضحكة "عثمان" المجلجلة من داخل قاعة المرحاض ، ليتتبعها "مراد" و يذهب إليه و هو يبتسم بشدة


بينما يقول "عثمان" :


-أهلا يا صاحبي . و أنا أقول إشعاع الأفكار القذرة ده جالي منين . أتاريه من طلتك البهية.


في هذه اللحظة وصل "مراد" عند عتبة باب المرحاض ، ليقف هناك يقول بسخرية :


-إشعاع أفكار قذرة ؟ و مين ده إللي بتفكر فيه بقذارة يا صاحبي ؟!


كان "عثمان" يقف عاري الصدر أمام مرآة عريضة معلقة فوق الحوض الرخامي الصغير ، يلف منشفة  بيضاء حول وسطه ، و كان يباشر تسوية شعيرات لحيته البنية متوسطة الطول ..


فيما أدار وجهه قليلا نحو صديقه ليجيب بنبرة خبيثة تشتعل حماسة :


-ســــــــمـر !!!


يتبــــع ...

البارت الثالث عشر والرابع عشر من هنا 👇👇👇👇👇👇

من هنا


بداية الروايه من هنا 👇👇👇


من هنا

تعليقات

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close