قلوب ضائعه الفصل الثامن التاسع رانيا صلاح

قلوب ضائعه

 الفصل الثامن  التاسع

رانيا صلاح

نتأرجح دائما في معرفة ما يهواهُ القلب، رغم يقينًا الثابت بما نُريد، ولكن مع خفقان القلب يُصاب العقل بذبذبات في باطنها  الدوران والوصول لما يؤيد القلب، وفي ظاهرها البحث عن سبب  لنوم الضمير... مر الأسبوع سريعًا وكُلٌ في فلكهُ يحيا، فالروتين اليومي شبه ثابت عدا من بعض المد والجزر لإضافة طعم للحياة، أغلقت "رحمة" ساحبة حقيبتها، وتناولت الهاتف من مقبس التغذية، وقبلها ألقت نظره راضية عن حالها، وهي تضع بعض الأعذار لنظرها الدائم المراءة قبل الخروج، أو على  وجه الصحة التأكد من حُسن هيئتها في محاولة فاشلة لإقناع الذات أنها تُريد أن تظهر في مظهر رجولي حازم يليق بجلوسها في منزل غريب، ذاك الغريب الذي يُسقط جميع جيوشها أرضًا مع بسمتهُ الساخرة، وردوده المُتهكمة لما تُريد، لتتسرب بسمة ناعمة كالعسل على شفتيها المُمتلئة سارعت بقتلها وهي تجمع خصلات شعرها في ضفيرة تُناسب ذاك العبوس، ولكن هيهات فقد كانت تلك الحيلة ما هي الا وسيلة لإبرازها حُسنها أكثر مع ارحتها فوق كتفها وهي تلمع بنعومة.. وضعت كُل هذا الجنون جانبًا وهي تلتقط هاتفها بعدما صدع برنين موعد الخروج.. لتُدير مقبض الباب وتخرج باحثة عن والدتها، فبعدما جلبت "صابرين" الكُرسي لها، وهي صارت تتجول بأريحية في البيت ونارًا ما تدخل  غرفتها.. ألقت نظرة سريعة في الردهة لتجدها فارغها والتلفاز مُغلق، وقبل أن تتحرك خطوة واحدة لاتجاه الغُرفة صدع صوت ضحكات من المطبخ، لتُسرع نحوهم، وترسم ملامح المُشاكسة... 

رائحة طعام الأم لا يُمكن الحصول عليه سوى منها، أو بالأحرى عندما تضع أصابعها في ذاك المكون فإنها تُضيف خلطتها السرية فيُصبح بمذاق ونكهة لا تُعوض، وعلى الرغم من عدم قدرتها على تحريك سوى يد واحدة، لم تتوارى عن تجهيز طعام الإفطار بمساعدة ابنتها الأخرى، لتعقد العزم على تجهيز بعض المخبوزات الطازجة المضاف إليه قليل من الحشوات المُختلفة تُناسب الصباح، وها هي تنفرج شفتي "نعيمة"  بلهجة حانية يشوبها حزم فطري في ذاك الموقف من انتظار نُضج الطعام، وكأنها لم تعرف أنه سيكُن أفضل من ذي قبل، ولكن ذاك القلق الذي يستوطن قلوب الأمهات في تلك الدقائق وكأنهم ينتظرون  قدوم مولد جديد من ذاك الطعام.. 

حركت "صابرين" رأسها بقلة حيلة وهي تُعيد نفس الجملة : يا ماما هيبقى كويس الصينية الي قبلوا كانت حلوة.. 

-اسكتي أنتِ، وشوفي الفرن يلا ليكون اتحرق الصاج.. 

تحركت باستسلام، وانحنت قليلًا لتكُن بمُحاذة فرن الموقد، وسارعت برسم ملامح الذُعر والخوف، وشهقة خافتة قبل أن تُضيف بتوتر مُفتعل : ماما الصاج اتحرق.. 

ذرات الهواء التي ساعدت بحمل الجملة كانت كفيلة بجعلها تنوح ، وتبدأ بالتقريع لابنتها على ذاك الخطأ... حينها انفجرت "صابرين" بالضحك حتى أدمعت عينها من التأثُر، وقبل أن تنفرج شفتها عن القول... 

رفعت "رحمة" احدي حاجبيها في تعبير صريح للامتعاض الساخر، مع شهقة : خيانة بتضحكوا من غيري.. وتحركت لتلثم رأس والدتها بحب، ولكن.... 

لم تهتم "نعيمة" لسخرية بقدر حُزنها على إفساد المخبوزات، لتُكمل بتقريع : والله ما حد فيكم نافع.. 

 ألقت "رحمة" نظرة مُتسائلة لأختها، قبل أن تُكمل : مالك بس يا نونا علي الصبح، لازم الجمع ما أنا كنت نايمه... 

-بس يا موكوسة، طب دي بتعرف تسلك حالها، أنتِ خيبة تقيله... 

-أنا خيبه تقيله، هو أنا بتهان ول أنا بيتهيئلي... 

عجزت "صابرين" عن أمساك ضحكاتُها أكثر من هذا، وأكملت في قهقتها حتى أن بطنها قد تألم من كثرة الضحك... 

أردفت "رحمة" بغيظ : بتضحكي على ايه؟... 

ارتفع صوت "نعيمة" بتساؤل :على فين؟..

-الشغل يا ماما.. 

-طيب، تعالوا نفطر، قبل ما تخرجي على لحم بطنك.. 

-معلش يا نونا متأخرة، سلام... لتتوقف عن التحرك بفعل... 

عندما رأت أعتذار اختها المُعتاد عن الطعام، تحركت لجمع بضع المخبوزات في أحدي الأكياس المنزلية، لترفع صوتها بنداء : "رحمة".. 

-ايوة.. 

تحركت خطوة لتكُن بجوارها، وسارعت بمد الكيس وبهمس خبيث ظهر منذ بضع أيام على وجهها، عندما كانت "رحمة" تُثير غيظها :خدي وابقى سلميلي على البحر.. 

ضيقت عينها بخبث مُماثل، وبهمس : بحر مين يا حلوة، البحر هناك عند المُرسي أبو العباس، وأضافت بنبرة عالية : أيه رأيك نروح اسكندرية كام يوم يا نونا؟..

أضافت "نعيمة" باستنكار : اسكندرية مين يا بنت عبدالله؟.. 

-مفيش يا نونا دول  كانوا قرشين معايا  ، وبما أن "صابرين" نفسها تشوف الموج، قلت نروح يومين...  

-سيبي الفلوس لجامعتك... 

-جامعة مين؟... أيه رأيكم نغير البيت...

-روحي شغلك الله يسترك... 

**

عندما تصفعك الحياة بقسوة فأنت أمام خيارين لا ثالث لهُما أما أن تبكي وتنوح أو ترتدي قِناع الصدمة وتُكمل دون روح.. أغمضت" صفية" عينها للمرة التي غفت عن عدها، تُحاول جاهدة حبس دمعتها الحارة داخل أسوار حدقتيها؛ فهي تعلم جيدًا أن سقطت فأنها لن تتوقف قبل أن تقضي على ما تبقى لها من طاقة شحذتها بالأمس بعد ليلة حافله من الرِثاء، زفرت بتمهُل، ويدها تنتصب في إنحاء طفيف لوضع زينتها، لتتوقف بفعل...

حمل "خالد" هاتفهُ يتصفح الأخبار دون اهتمام، قبل مروره على غرفتها، ليطرُق بهدوء، وعندها التقطت أذنيه إذن الدخول، فأدار المقبض، ورسم بسمتُه : صباح الخير يا "صافي".. 

ببسمة مُماثلة :صباح النور.. 

بتساؤل صريح : على فين بدري كدة؟.. 

-النادي، كلمت البواب.. 

-ايوة، وقال هيشوف حد.. 

-ياريت تستعجلوا يا "خالد"، وادفعلوا الي هو عايزوا..  

لم يستطع الرد عليها بشيء، فوالدتُه لا تعلم أو ربما ترتدي قِناع التجاهُل.. أنهم انتقلوا منذُ أيام إلى هُنا دون قرشًا واحد، لا يملكون سوى نقود عمله وقدرًا ضئيل من المُتبقي، وهي لا تتنازل عن رغد العيش.. القى نظرة تائهة قبل أن يرجع خطوة للخلف ويغلق الباب خلفُه، مُتحركًا نحو الخارج، مُجريًا في عقله الكثير من العمليات الحِسابية للحصول على ما يكفي من النقود، فقبل يومان استجاب لقول بركتي العسل أنهُ يُمكنهُ العمل بجانب المجلة من خلال خدمات الانترنت والاعطال البسيطة للمُقربين، حينها سخر ليس منها ولكن مما أل إليهِ حالُه، أيام كان لا يحمل لقوت اليوم هم والأن يُجري مُعادلات صعبة للحصول على ما يكفي.. أغلق الباب الرئيسي  خلفهُ، وعيناهُ تطوف على درج البناية بتمهُل شديد.. بناية في أحدي المناطق التي كانت راقية في زمن ولى قبل الثورة، ليُكمل نزول الدرج مُتشبثًا بالدوران الحديدي، ومع كُل درجه يخطوها يبحث عن حل أخر.. مرت دقائق كالسنوات قبل أن يتوقف أمام درجات البناية الفاصلة بينها وبين الشارع العام، لتقع عيناهُ على محل كُتِبَ عليهِ للإيجار.. لتومض تلك الومضة برأسه فيُسارع بإخراج هاتفُه طالبًا رقمًا بعينه، مُنتظرًا الجواب.. ولكن بعد دقيقة كان صوت الهاتف يعلوا أن الهاتف قد تم غلقهُ، ليزفُر بسخط، ويدور على عقبة راكبًا سيارتهِ قاصدًا المجلة.. 

**

انهت "صابرين" غسل يديها على عجل مع ارتفع رنين هاتفها، لتُسرع بالخروج من الحمام، والوصول لغُرفتها، لتجد أن الرنين قد توقف  بفعل نفاذ شحنه، احتل العبوس وجهها، وهي تحملهُ من فوق الوسادة لتوصيلُه بما يُغذيه، وها هي تمُر الدقيقة ببُطء مُمل قبل أن يُصدر الهاتف نغمة فتح الجِهاز باسم الشركة الصانعة لهُ، لتبحث بسرعة البرق في سجل المُكالمات عن صاحب الرنين، لتبرق عينها ويخفق قلبها بنغمتهُ الشاذة في الاونه الأخيرة، لتضع الهاتف من يدها مع صوت العقل "وماذا بعد يا ابنة عبدالله؟.. هل هذا يصح أم جنون عقلك سول لكِ هذا؟..".. لتضع كُل هذا جانبًا، وتبدأ بإخراج ما استطاعت انهائُه من الأقمشة؛ لتذهب بها إلى المجلة.. مرت نصف ساعة أو أكثر، وقد انتهت من التغليف وارتداء ملابسها، أدارت مقبض الباب ببطء كأن هذا لن يُساعد عقلها من الثبات الجُزئي، ولكن هيهات فقد أصدر الباب صريرًا مُزعجًا؛ بفعل احتكاك المفصلات خاصتُه وكأنها تُعاند عقلها بكُل سفور، لتخرج زفرة ساخطة من شفتيها على  ذاك الوضع، قبل أن تعود لطبيعتها مع احمرار وجنتيها الزائدة في الأونة الأخيرة قبل ذِهابها إلى العمل وعلى وجه التحديد الذِهاب إلى المجلة .. لتُفارق شفتيها تمتمه خافتة بالحمد أن والدتها قد غفت بعد تناول الإفطار مُباشرة، وتهرول قاطعة الردهة ويدها تغلق الباب ولكن .. 

**

قبل ساعة كانت "جميلة" تتحرك في أرجاء البيت حاملة بيدها المبخرة وبيدها الآخرة ذرات الملح، لتبدأ في الوقوف بكُل ركن وتمتمة بعض الهمسات الغريبة التي اخذتها من الشيخ، وبعدما تُنهيها تبدأ في رش ذرات الملح في ذاك الرُكن، قبل أن تتحرك من جديد لتعود إلى المائدة وتغترف من طبق الملح بيدها وتعود لنفس الكرة.. وبعدما انهت جميع أركان البيت هرولت لإحدى الإدراج وأخرجت تلك الورقة التي تُشبه العروسة، ويدها الأخرى تحمل دبوسًا وشفتها تبدأ بتلك الهمسات من جديد بالإضافة بقولها.. "من عين نعيمة وبناتها، ومن كل عين مدورة شافتك ول صلتش على النبي، ومن عين حمدي، ومن جابر، ومن عين جميلة، ومن عين نعيمة يشفيكِ يا رضوى قادر يا كريم"... وظلت على تلك الحالة حتى انهت الورقة بأكملها وتحركت لتُقطعها ثم تضعها في المبخرة، وتدور بها في ارجاء البيت، ولكنها توقفت مع... 

خرج" جابر "من غُرفتها ويداهُ تبدأ في هندمة جلبابهُ عن طريق المسد عليه من مُقدمة العُنق حتى نهاية القفص الصدري، وبلهجة ممُتعِضة لم تجعلهُ يتوقف عن تحريك يده :ايه الهبل دا يا "جميلة" علي الصبح.. 

-اسكت يا اخويا دي عين البومة وبناتها، رسقت في بنتي يا حبة عيني.. 

ضرب كفًا بالآخر مُضيفًا : يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، هي جت جنبك ول هو جنان نسوان على الصُبح.. 

-اه يا اخويا ومين يشهد للحلمبوحة غيرك، ومقام السيدة عينها رشقت في البت، عشان تبقى زي العزبة بنتها.. 

حرك رأسهُ بصمت وكأن تلك الهمسات السابقة من فم زوجتُه لم تُهين ما تبقى من صلة رحم الراحلين، ولكن هذا هو الوضع القائم في الكثير من البيوت التي فقدت معالم الرحمة، ليُغلق الباب خلفهُ، ولكن.. 

بتعابير النوم التي لم تُفارق رسومه إلى الأن؛ فقد استيقظ قبل قليل مع رنين اخته، ليترك نومة ويذهب إليها، ليجد زوجها مُتهج الوجه، وبنبرة طبيعية :صباح الخير يا ابو نسب.. 

بامتعاض :صباح النور، وأكمل نزول الدرج قاصدًا عمله، وحديث زوجته يعود لعقله من جديد.. لتنبثق ومضة في حنايا عقله توحي إليه ربما "نعيمة" سحرتهُ ذات يوم... 

أغلق "حمدي" الباب خلفه، وتحرك ليتمدد على الاريكة، وبنعاس :خير علي الصبح يا "جميلة"؟..

-خير يا اخويا، خدت الكيس دا وارميها في النيل... 

وبتساؤل صريح :كيس ايه دا؟.. 

بهمس خافت :دي من الأسياد.. 

هب واقفًا من جنونها، وتحرك للخروج من البيت مُردفًا : أنتِ أتجننتِ رسمي.. 

-استنى بس يا "حمدي".. 

توقف عن فتح الباب، وبنفاذ صبر : خير.. 

-ارمي دا في سكتك الله يخليك.. 

- يا "جميلة" افهمي، شغل الدجل والشعوذة دا كلام نسوان.. 

وبقلة حيلة : والبت يا "حمدي" لا بتصد ول بترد حتى اللقمة يدوب بتأكلها بالغصب.. 

-وأنتِ رحتي لواحد بتاع تلات ورقات يعالجها؟.. ولم يكُن سؤلًا بقدر ما كان تقريع لها.. 

-ايه يا "حمدي" أنت معايا ول مع "جابر"؟..

بنفاذ صبر أكمل : لا معاكِ ول معاه، دا جنان يا "جميلة" بتك عيانه روحي لدكتور مش دجال وعفاريت.. 

-ايوه، قول بقا أنك عاوز تتقرب من الصفرة.. 

-يادي النيلة.. وهي مالها دلوقتي..

-مالها ونص تلاقيها هي السبب، عشان هتبور من العزبة اختها، قالت تسحرلك... 

-لا أنتِ أتجننتِ رسمي.. 

-لا يا اخويا دا العقل بعينو.. وحده بتابت برة قال ايه في المستشفى، وترجع في شقشة الصبح، هو الكبارية برضو مبيقفلش الصبح.. 

-بس يا "جميلة" أنتِ دماغك فوتت، وبنتك هشوفلها دكتور، وصفع الباب خلفهُ، مُحاربًا شياطين الإنس والجن التي تقفز أمام عيناهُ، لينزل الدرج، مع خروج "صابرين" من بيتهم، وبنداء : "صابرين".. 

توقفت عن الحركة، وبتساؤل : ايوه؟.. 

لم يعرف ماذا يقول؟.. ولكن حسم الأمر، وبدأ بشرح ما أصاب "رضوي" منذُ أسبوع وتلك الحالة التي أصبحت عليها من صمت ونوم دائم، لينهي قوله قائلًا : مفيش غير "رحمة" هتعرف تتصرف.. 

-ايوه بس "رحمة "مش هنا دلوقتي، بليل هبلغها.. 

-هي فين؟.. 

-في الشغل.. 

-طيب، عن اذنك، وتحرك عاقدًا العزم على الذهاب للمُستشفي ليس فقط للوصول لحل لابنة اخته، ولكن لإسكات ذاك الوحش التهم بعقلة يقتات على ما زُرِع بقلبه قبل دقائق، ليُعاود سريعًا السؤال : عنوان المستشفى يا" صابرين".. 

-شارع ** بجوار **.. 

حرك رأسهُ بنعم، ورحل إلى عربته النصف تقل قاصدًا الوصول لذاك العنوان.. 

** 

جنون مُحبب لمن ارتشف رشفة من حروف اللعنة، زادت  ابتسامة "رحمة" اتساع، وهي تصعد الدرج، وتمتم بلحن التقطتُ أُذنها في الموصلات الصباحية، لتتوقف أمام الباب، وتطرق ثلاث طرقات، وبعد تضغط على الجرس ثلاث، ثم تفتح الباب بما تملُك من مُفتاح اخذتهُ منذُ بداية عملها لتفتح الباب، وبنداء : كابتن "حازم"... كابتن "حازم".. ولكن صمت بدون جواب، ليدب الذُعر في أوصالها، وتهرول للبحث عنه داخل البيت لتتوقف أمام باب غُرفته وتطرق : كابتن "حازم".. ولكن صمت جديد.. لتدلف الغُرفة وتدور مقلتيها على محتويات الغُرفة فتجدُها مُبعثرة، لتقف دقيقة عاجزة عن التصرُف قبل أن يستعيد عقلها نشاطُه وتهرول للخارج طالبة البواب فباب الحمام مُغلق، وتهاتف أخيه ولكن قبل أن تتحرك خطوة واحدة كان باب الحمام يُفتح، و أنفاسها تخرُج مُتمهلة بــ.. 

فوضى عارمة احتلت أجزاء جسده قبل غُرفته، وتصارع دائما بين وحوش عقله، ليُقرر أطاحه كُل شيء بالغُرفة غير مُبالية بوضع قدماهُ، أمس كان عسيرًا عليه فطبيب العِلاج الطبيعي اخبرهُ أن يبتعد عن الخيل حتى لا يفقد قدماهُ، ولكن كيف؟.. كيف لمن يتنفس أن ينقطع لأجل جُرحٌ غائرٌ في رئتيه، يتألم ولكن لا يستطيع التوقف فالتوقف هو الموت.. وأن رضي بالموت للمرة الثالثة بعدما فقد والدهُ، وعجز عن روح حياتُه، فسيموت جوعًا، فهو يعلم جيدًا أن لا معيل له سوى الخيول.. ليتحرك بانفعال غير مُبالي بألم الذي ينخرُ العِظام، ليقف عليها ويجبر جسدهُ المُتألم على الحركة، بل والأسوء أخذ حماما دون ارتداء واقي الجبيرة، والجلوس على الكُرسي الخاص، والآن يخرُج للعنته لا يراها سوى لعنة أُغلقت على عقله في نومة، ليستحضرها كُل حين في سفور بالغ لهُ، والأن لم يستحضرها فحسب بل عندما تألم جسدهُ وعجز عن التحمُل انفرجت شفتاهُ بالنداء عليها في مُحاولة واهنة لإنقاذ، ولكن كان القدر لهُ بالمرصاد ليعترف أنها ليست مُنقذ فحسب  أو طيف يُثير به ذوبعة  لم يعرفها قط بل أتت إليه وهلع قلبها يتسرب إلى أُذنيهُ كلحنٌ شجي يُبهج الروح فتُغرد في لعنة الحُب... وعندها تحامل على جسده وفتح باب الحمام، وملابسهُ تقطُر ماء، وبنبرة واهنة من شدة الألم : "رحمة".

ظلت أنفاسها تخرُج مُتمهلة لجُزء من الثانية قبل أن تُصاب بالذُعر من هيئته، وبلهجة خائفة عجزت عن قتلها : أنت عملت ايه؟.. 

ليُجيب بألم أكثر، فالماء قد وصل الجرح :  نادي البواب يساعدني... 

-بواب ايه لازم نروح المُستشفى حالًا... وقرنت هذا بجلبها الكُرسي المُتحرك، وأمرتهُ بحزم :ارتاح.. لتهرع لهاتفها وتُكلم "مُعاذ" ليُحضر العمليات، فرُبما يحتاج إليه، بعدما اخبرتهُ بما فعل... 

راقب هلعها وخوفها بيقين ثابت رُسِخَ لديه أنها صارت تحتل الكثير بداخلُه، ليُغمض عيناهُ بألم قابضًا على حنجرتيه؛ كي لا تخونهُ ويصرُخ... 

**

شمسٌ.. يا لها من نيران مُتوهجة تُصيب القلب برجفة ومع هذا لا يستطيع الابتعاد، فنورها الذهبي يجذب أعتى القلوب.. وهي ليست سوى قلبٌ لم يحتاج سوى شُعاع خافت من نورها الأخاذ.. توقفت "صابرين" أمام البناية، وألقت نظرة لم تُفهم بعد أهي راضية عن مظهرها أم خائفة من تهورها أم تعبير أخر لم يُخلق بعد.. لتنفرج رئتيها مُطالبه بقدر لا بأس بهِ من الهواء، قبل أن تتحرك للأعلى، ولكن... 

وصل "ثروت" إلى عمله مُتأخرًا وقبل أن يتُمتم بسخط، التقطت عيناهُ قدها ليهرول ليلحق بها، وبنداء :"صابرين".. 

توقفت عن السير، وبجمود فهي تعلمهُ جيدًا، ولكن لن تخسر مصدرًا لها، رُبما يراها البعض تُريد هذه النظرات، وربما يرها البعض سلبيه لقبولها بهذا لأجل المال، ولكن ما خُفي في النفس وتجرع مرارة العيش دون معيل سيعرف جيدًا كيف يُكمل دون النظر لرفاهية الاختيار فهي أن تركت العمل فمن سيقبلُ بها دون شهادة أو على قول صحيح سيقبل بمن حصلت على الشهادة الثانوية، ومُطلقة وليس لها حامي... أغمضت عينها قبل أن تُكمل : أيوه يا أستاذ "" ثروت".. 

-عاملة ايه؟. 

-الحمد لله.. وصمت تام.. تخللهُ نبرة" خالد" الحانقة :" صابرين "..

الفصل التاسع 

نظرة، فهمسة، فقلبٌ غارق في بحور الهوى.. هل نؤمن بها أم نترُكها للابتسامة مع أُمنية عالقة.. 

تحولت شمس النهار لأخرى أكثرُ حُرقة، ولما لا فقد أخذت نصيبًا من توهج عيني ذاك العاشق.. 

ارتفع صوت "خالد" بلهجة هادرة، وعيناهُ تُرسل شرارات الضيق : "صابرين".. 

خفق قلبها بقوة كفأر مذعور، وجف حلقها لتو كأنها لم ترى المياه منذُ يومان، لتخرُج حروفها مُتعلثمه تُريد التوضيح عن فعل لو كان في يوم غير هذا أو على وجه الدقة مع شخصًا غيرهُ لكان لم يحدُث لها هذا : "خالد".. 

نظرة نارية أُخري فارقت جفناهُ، وتحرك بتملُك نحوها قابضًا بقوة عليها حتى أصدرت عِظامها صوت الأنين، وبنبرة جامدة : أزيك يا بوص.. 

نظرة ما فارقت عيني "ثروت" نحوها، مع بسمة ساخرة شقت رسوم وجهه في نبرة باردة لـ "خالد" : كويس.. عن اذنكم.. ورحل ونظرات عيناهُ تُلقي لها رسائل عدة... 

راقب "خالد" رحيلهُ وقبل أن ينفجر كبركان خامل... 

لوهلة تجمدت من نبرتهُ التي تلاها قبضهُ على يدها بعُنف، لترتفع أصوات  نواقيس الخطر بداخلها، وعينها تجحظ من نظرات "ثروت" البغيضة، ليزول التجمُد، وبنبرة ذاهلة : ايه الي عملتوا دا؟.. 

بلهجة هادرة : عملت الي مفروض يتعمل.. 

بنبرة مُماثله له : ومين اداك الحق دا؟..

بذهول : اداني الحق!... تبقى غبية لو فاهمة أن الي بينا محتاج إذن للحقوق، ول أنتِ عاجبك نظراتو؟..

لم تقوى على الرد، فنفضت يداها من يده، وغيومها تتصادم لتسقُط من مقلتيها، وبهمس : الي زي ملهمش حقوق حتى لنفسهم.. ورحلت لاعنة كُل شيء.. 

شهيق حاد دون زفير، ونيران تشتعل بجوفه، وعيناهُ فقدت القدرة على الرؤية فتحول الكثير إلى ضباب عدا طيفيها المُتعثر في خُطاه، ليصدع إنذار العقل؛ فتستجيب قدماهُ لذاك الأمر بالهرولة ولكن..

قبل دقائق خرج "صابر" لجلب بعض المواد اللازمة لصُنع القهوة والشاي، وفي طريق عودته رأي وجوه مُكفرة وأعين تتراوح ما بين خائفة وسافرة ومطربه، وقبل أن يُكمل خُطاه لمُحيطهم كان كُلٌ قد ولى إلى طريقة، ليرتفع صوتهُ بالنداء على تلك الهاربة والدمع يُغطي طريقها فلا مُجيب، فيُجبر قدماهُ على السير أسرع ليتوقف أمام ذاك الذي يشتعل، وبنبرة تحمل الوعيد :في أيه؟.. 

دقيقة كان يجمع بها شتات نفسهُ ،ويضبط بها  أنفاسُه اللاهثة :ول حاجة يا عم "صابر".. 

تحرك بقوة وكأن الشباب عاد إليه مره أخرى ويداهُ تقبض بقوة على مقدمة ملابسهُ : أبعد عنها يا "خالد" فاهم.. 

عصفت بهِ الظنون وبسط الشيطان بساطهُ الأعظم من التخيلات والتفسيرات التي لا تخضع سوى لمأرب اللهو والحُرمات، وارتفعت يداهُ؛ لتبعد يد ذاك الكهل وأمضي في خطاهُ دون أن يتفوه بأدني كلمة؛ فقد ضب بئر الكلِمات .. ولكن لقدماهُ رأي أخر فلم تستطع المشي ببطء بل كانت كجواد أصيل يقفز في إحدى المُسابقات المُخصصة للعدو وقبل أن تمر الدقيقة الثالثة من مرور السابقة كانت يداهُ تقبض بقوة على مُعصمها، و شفتاهُ تُريد أن تُلقي سيل  عارم من ما لا يُحمد  عُقباه ، ولكن... 

أكملت طريقها وهي لا ترى أسفل قدميها، فقد جعلت قطرات الدمع غشاوة على عينها؛ فحجبت الرؤية، لتتوقف عن السير بفعل قبضة ناري اعتصرت مُعصمها، وقبل أن تنفرج حنجرتيها عن نداء استغاثة، علمت من القابض فالتزمت الصمت ويداه تحاول جاهدة أن تخرجها من قبضته، وبصوت مبحوح : "خالد".. 

تألم قلبهُ لرؤيتها بتلك الحالة ونشب صراع هائل بين أحكام العقل المُسبقة ولوعة القلب القائم واعتراف أخر صريح برغبة يداهُ في ضمها.. لينتصر العقل وبنبرة جامدة أقرب لتقريع الذات  فجر تلك القنبلة الموقوتة بوجهها دون سابق إنذار.. 

عجزت رئتيها عن إكمال وظيفتها  فما تفوه به شطرها نصفين، وما تبوح بهِ عيناهُ رأي أخر.. لتشهق طالبة الهواء ورأسها تتحرك بإيماء خافت للموافقة، حينها سقطت يداها  بقوة بجوار جسدها فدب الرعب في أوصلها  وعقلها يصدر تخمين القادم بلهجة أقرب لليقين فالقادم لا يُنزرُا بخير.. 

** 

لا نخشى سوى الدخول إلى دائرة  المفقودين، ربما لا نخشى على الذات بقدر ما نخشى على رفيق الروح، ولكن عند الاقتراب من خطوطها المرسوم بإغراء شديد نفقد جميع ذرات القوى والتعقُل ونُصبح من التائهين دون عودة سوى بالموت أو بميثاق غليظ من قبس القدير.. 

تجمعت حبات العرق على جبينها فأكملت تشعُث هيئتها بالتصاق خُصلات شعرها إلى جانب وجهها.. ترجلت من التاكسي وهرولت للجهة المُقابلة  وبلهجتها الأمرة  فتحت الباب وبسطت يدها وبنداء صارم : "حازم" فوق، يلا هات ايدك... 

كان يأن من شدة الألم وعقله بالكاد يعي بالواقع ، ليصلهُ صوتها بتلك الرجفة المُصاحبة لنُطق أسمه، فيُهمهم بالكثير.. 

كادت أن تجذب شعرها المقيت في تلك اللحظة، لتبتعد لجزء من الدقيقة؛ لتجمع شعرها في كتله واحدة داخل ذاك العِقال، وتعود من جديد وبلهجة أكثر حنق انفجرت في السائق : تعالي ساعدني.. وبصرامة أقل.. ساعدني يا "حازم"... مرت الدقائق الثالثة القادمة بلمح البصر كانت تركض مع سرير النقل لغرفة العمليات التي سارع "معاذ" بفتحها، ولكنها توقفت أمام الغرفة فور أغلاق الباب في وجهها وبلهجتهُ المُقيتة : أنتِ مش على قوة المُستشفى انتظري برة.. لتتراجع بانهزام وقلبها يقرع كطبول الحرب بوجل شديد لما هو قادم.. ألقت بجسدها على المقعد المعدني وسارعت بإخراج هاتفها  ويدها تضغط على زر الاتصال مُنتظرة الجواب... ولكن مرة.. اثنان.. عشر.. وما من مُجيب، لتشعر أن عظامها تصتك بفعل تلك البرودة المُنبعثة من داخلها، ويتفرج لسانها بتضرع لرحمان الرحيم أن يحفظه لها... وحينها توقفت طبولها لثواني معدودة لا تعرف هل يجب تقريه الذات لما وصلت إليه أم تبتهج لتخلصها من لعنة الماضي؟... نفضت كل هذا جانبًا وعادت لتتضرع... 

**

نمتلك القوة والجبروت ولكن بداخل تلك القوي جُزءٌ من الرحمة لا يخرج سوى لفلذة الكبد.. 

تحركت "جميلة" بخطوات بطيئة أكثر من المُعتاد، ويدها ترتعش من الخوف، وعقلها ما زال يؤكد  تلك الكلِمات التي سمعتها من أحدى الجارات وهي في طريقها إلى السوق "جن عاشق أحب ابنتك فأصبح يخشى أن يقترب منها غيره، فيُصيبها بتلك الحالة".. توقفت قدماها عن الحركة  لجزء من الثانية وبصقت على يسارها وبهمس :اللهم احفظنا.. وبنداء حاني :"رضوى".. وفتحت الباب برفق، وتحركت لتجلس بجوارها على السرير، ووضعت الصنية التي بيدها جانبًا، مُكملة :" رضوى" مالك يا ضنايا... ولكن لا مجيب.. اعتصر قلبها الحزن وتحركت لتضم ابنتها إلى صدرها ولكن...

جالسة فوق إحدى الوسائد تضم دُميتها إلى جانبها، و جسدها لا ينفك عن الارتعاش، وقبل أن تصل لها يد والدتها انفجرت في بكاء مرير  .. 

انفطر قلب "جميلة" لتلك الحالة التي أصابت ابنتها وثُبتَ يقينها أن ابنتها أصابها مس شيطاني، لتعود للخلف وبنبرة رخيمة :خالص يا "رضوى" هبعد بس كلي حاجة صغيرة..  وتحركت للخروج من الغرفة وعقلها يبحث عن طريق لطرد ذاك الجان من جسد صغيرتها، ليهيدها عقلها إلي الذهاب نهاية الأسبوع إلى بيت الشيخ "مبروك" فهو القادر على طرده ، كما ساعدها من قبل في طلاق ابنة غريمتها ، أغلقت عينها باستسلام وسارعت بالقاء جسدها على الأريكة، وجميع مخاوفها تتساقط واحد تلو الأخر.. 

**

قلبها... تلك الحروف التي جمعتها اللغة في إشارة صريحة ربما لم تكفى لوصف عظمة ذاك القلب ولكن كما قيل "توضع الأسرار في أضعف الكائنات".. وليس بالضعف قلة حيلتها ولكن عطفها الدائم وحنوها تلك الصفتان التي يراهم معطوبي العقول ضعف وهوان.. ولكن بقلب أم ما هما الا حاستي الفتك بالغير.. أغمضت عينها وغصة مريرة تزداد بقوة في حلقها لتنفرج شفتها عن تمتمة بالدعاء، فقلبها يُخبرها أن هناك خطب ما أصاب فتاتيها.. عاودت فتح عينها من جديد لتنظر لباب البيت مُنتظرة دخولهما؛ لكي يطمئن قلبها.. دقيقة.. اثنان.. عشر والباب يُفتح بهدوء، لتُتمتم بالحمد؛ فها هي "صابرين" تدخل من الباب..

أغلقت الباب خلفها وسارعت برسم ابتسامتها، وبنبرتها المُعتادة : خمس دقائق والأكل يكون جاهز.. وقبل أن تتحرك صدع صوت والدتها..

لم تدع ابنتها تخطو خطوة  بملامحها الواجمة وبسمتها الباهتة التي لم ولن  تصل لعينها..  وبنداء : "صابرين".. 

تجمعت الغيوم خلف أهدابها، وجاهدت كي لا تسقط فتُفصح عما يموج بها، فأخذت حقنة من الهواء وبتمهل شديد اخرجتها، وأجبرت ساقها على التحرك، وبتساؤل : عاوزه حاجة أجيبهالك..  

-تسلمي.. مالك يا "صابرين".. 

-مفيش يا ماما تعب من المشوار.. 

-طيب يا حبيبتي، روحي ارتاحي.. 

لم تُجادل كثيرًا فسارعت بجر قدمها للوصول لغرفتها فكُل شيء يتصدع بداخلها.. 

**

مرت الساعات بتمهُل شديد وكأن عقارب الساعة تأبى التحرُك.. والسماء بات ككُتله مُعتمة لا تحتوي على أدنى شعاع لضوء فالسراج المُضيء أفلَ.. زفرت أنفاسها للمرة التي لا تعلم عددها، وعينها لا تُفارق النافذة تراقب تحول الضوء إلى النقيض.. ليخفق قلبها بقوة أكبر من ذي قبل مع التقاط إذنيها صوت فتح باب غرفة العمليات.. لتهرول تاركة النافذة وظلامها مُتجه إلى ذاك السرير المُتحرك وبحروف شبة ثابتة  بدأت في السؤال عن الحالة : هو كويس. 

ارتفعت يد "مُعاذ" لإزاحة الكمامة، واليد الأخر كانت تتحرك بما تحملهُ من منديل ورقي على أجزاء وجهه المُبللة، وبصوت مُنهك من العمل؛ فقد قضى فوق السبع ساعات في غرفة العمليات : المؤشرات الحيوية كويسه، لكن الجرح وصلوا مياه كتير أحنا عدنا الكسر والتجبيس من تاني، وإن شاء الله ميتكونش بكتريا والا هنعمل بتر لساق كلها، وطبعا كون أنو يقدر يمشي تاني طبيعي بقى شبة مُستحيل.. 

صدمة تلو الأخر، فعجز عقلها عن الاستيعاب السريع وفقدت شفتاها القدرة على النطق، وتخبطت حدقتيها داخل تجويفهما الجلدي، ولم تفق إلا على يد ما تلمس أصابعها، فشهقت بفزع، سرعان ما قُتل مع معرفة الهوية، ولكن لصوتها الضائع رأي أخر، فقد بدأ مُتخبطًا وبدأت شفتها بالارتعاش خوفًا من البوح : مش هيقدر يمشي تاني... 

غصة مريرة احتلت حلقهُ الجاف، وقبض فولاذية فتكت بقلبه، وعيناهُ كانت قصة أخرى من الانهزام والتحطم والخذلان، وهمهما بهدوء : هيكون كويس.. ولكن لا جواب لهُ سوى عينيها الضائعة، وجسدها الذي أُلقي على المقعد المعدني، ويدها تسافر لتحضن رأسها.. بلع تلك الغصة فكانت كنيران تكوي جوفهُ، وبدأ في الاسترسال : حتة لحمة حمرة كانت بداية علاقتي بيه ونهايتها، الأنسان الوحيدة الي حبتها سابتني وهو الي بقيلي منها، خدتو ورحلت لـ "صفية" وسبتو بين ايدها ومكنتش أعرف أنها حامل في خالد، سبتو حبست نفسي في المكتب، يوم جاب التاني، وجاب الأسبوع والشهر، تسع شهور بعاقب نفسي لكن كنت بعقبو معايا وأنا معرفش، مخرجتش غير على صوت "خالد" يوم الولادة بعدها بعدت وبنيت جدار عازل مبسمعش ول بشوف غيري، كبرت كل حاجة وكأن الفلوس هترجعها، لكن في يوم وليلة فقدت كل حاجه حتى ولادي معرفتش أحافظ عليهم، ودلوقتي مملكش غير ندمي على غبائي وسجني في ذكريات كانت نار بتأكل كُل حاجة ببنيها... وتوقف عن القول، وعيناهُ تُسقط أمطارها، و جسدهُ يهتز بفعل ذاك النحيب المرير.. 

لم تُبدي "رحمة" أدنى رد لهُ في بداية الأمر، ولكن بعدما فرغَ مما في جوفه، تألم قلبها ليس لحاله فقط  ولكن لحال الكثير ممن يعقبون أنفسهم ويغفلون عن أن ما يفعلونه سوى عِقاب للأبناء.. تمتمت بحنو، ويدها ترتفع لتربت على يده : العمر باقي، تقدر تصلح كل حاجة، بس دلوقتي هو محتاجك معاه، يمكن يرفض في البداية بس الأكيد هيقبل بيك، مفيش ابن بيكره حد يضموا.. وتحركت لغرفته ويدها تعبث في هاتفها لتطمئن والدتها على حالها، و تخبرها بصعوبة رجوعها البيت.. 

**

فوضى عارمة أحتلت  كيان "حمدي" ويداهُ تحطم كل شيء تقع عليه ، وصوت تشهم المنزل يعلوا في ذاك السكون مع خفقات قلبه، وسؤال يتيم يلحُ بشدة لمعرفة الجواب.. توقف لوهلة يلتقط أنفاسهُ ويداهُ تخرج إحدى اللفافات الغريبة وتلقيها بفمه، ورئتيه تستقبل تلك الرائحة بشراه ، وتلك الصورة لا تُفارق عقلة ( "رحمة" تحضن جسد أحدهم وكلهما يهمس بالهوى)... مع همسات حارس العِقار.. (دي شقة "حازم" بيه راجل كُبره أوي، والأستاذة بقاله مدة كل يوم عندوا، تطلع من صبحية ربنا ومتنزلش  غير والشمس مغيبة ).. زادت أنفاسهُ حده، وانتفض بقوة؛ بفعل غفلان عقلة عن احتراق أصابعه بتلك اللفافة الغريبة، ليُلقيها من فورة ويطلق سبة نائية، ويتحرك من فورة عازمًا على أمرٍ ما... 

**

أكملت "صابرين" يومها في الفِراش، تتقلب على جمر من نار، وعينها تفيض بالدمع دون توقف، وقلبها ينتفض كطير ذُبِحَ بمدية باردة، وعقلها يوضع السؤال.. لماذا تقبلين؟.. فيُجيب القلب.. وهل ليّ بالرفض، فأنا غرقت في الهوى.. وقبل أن تكمل جلدها كان صوت الهاتف يعلوا بالرنين، لتسرع للجواب رغم يقينها أنهُ ليس هو، فقد خصاصة نغمة ما لهُ، ولكن قلبها الأحمق ظن أنهُ يُريد الاعتذار من هاتف أخر.. جففت دموعها وأجلت صوتها قبل أن تُجيب : ايوة يا "رحمة".. 

-ماما صاحية.. 

-أيوه، برة.. 

احتل التعجب صوتها؛ فأختها لا تُفارق والدتها سوى بعد نومها :برة وأنتِ مش معاها، أنتِ كويسه؟ 

حركت رأسها بنعم ، وقرنتها بقولها : أيوه.. 

-طيب، ادي ماما التليفون.. 

دقيقة كانت كفيلة بترك غرفتها والتحرك لردهة لتُعطي الهاتف لوالدتها.. دقيقة أخرى كانت يدها تضع السماعة بأذني والدتها وتدع الهاتف معها؛ من أجل نثر الماء على وجها المُنتفخ.. 

نهش القلق قلب "نعيمة" فالتزمت الصمت من أجل معرفة ما تُريد الأخرى : أيوه يا "رحمة".. 

 توقفت يدها عن إدارة المقبض، وجف حلقها قبل أن أُخبر والدتها بالوضع وأكملت : ممكن أبات معاه النهاردة في المستشفى.. 

-ودا سؤال، ولا تحصيل حاصل للي عاوزه تعمليه؟.. 

بتعلثم : نونا.. 

-ماشي يا" رحمة" بس لينا حِساب للوضع دا، وامتنعنت عن الرد وكأن الهاتف قد قطع الاتصال.. 

أنبت "رحمة" حالها ولكن كيف تتركهُ وهو بذاك الوضع، وضعت كل هذا بجوار الباب قبل أن تدخل الغرفة، وتتحرك بحذر، لتتوقف مع أنينهُ المُتألم بأسمها، خفق قلبها، ولكن صدع العقل لا تتحامقي فهذا من أثر المُخدر ليس إلا.. 

رانيااااصلاح

قلوب_ضائعة

إرسال تعليق

أحدث أقدم

إعلان آخر الموضوع

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close