مهره في عرين القحطاني الفصل الاول بقلم أماني سيد حصريه وجديده
مهره في عرين القحطاني الفصل الاول بقلم أماني سيد حصريه وجديده
ولدت بجسدٍ ممتلئ، ولم أكن أفهم وأنا طفلة لماذا كان جسدي مختلفًا عن أجساد الفتيات من حولي.
كنت أراهن يرتدين ما يحلو لهن، يركضن في الشوارع بفساتين قصيرة وملابس ملونة، ويقفن أمام المرآة يتباهين بثيابهن الجديدة، بينما كنت أنا أقف أمام دولابي أبحث عن شيءٍ يخفي جسدي بالكامل.
لم يكن مسموحًا لي أن أرتدي مثلهم
كلما أعجبني فستان، سمعت الجملة نفسها:
"ده مش مناسب لجسمك."
ومع كل مرة كنت أسمعها، كنت أتعلم شيئًا جديدًا...
أن أخجل من جسدي. أن أخفيه.
أن أعتذر عن وجوده حتى وأنا لم أفعل شيئًا يستحق الاعتذار.
كبرت وأنا أظن أن المشكلة في جسدي، حتى أصبحت أراه بعين الآخرين، لا بعيني.
كنت أرتدي الملابس الواسعة، وأختار الألوان الداكنة، وأتجنب المناسبات التي يمكن أن تلتقي فيها عيناي بمرآة كبيرة.
ولم أكن أعرف أن أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان...
ليس أن يكره الآخرون شكله.
بل أن يتعلم هو كره نفسه بسببهم.
كنت أعيش في أحد بيوت الصعيد العريقة، حيث كانت كلمتنا مسموعة، واسم عائلتي وحده كفيلًا بأن يجعل الجميع يتعامل معنا بحساب.
نشأت وسط عائلة تملك النفوذ والسلطة، وكان لكل فرد فيها مكانه الذي لا يتجاوزه، ولكل فتاة مستقبلٌ مرسوم سلفًا، لا يحق لها أن تختار منه إلا التفاصيل الصغيرة.
لكنني، رغم كل ما حولي، وقعت في الحب.
أحببت ابن عمي... زيدان.
ولم يكن من حقي أن أحبه.
فالفارق بيننا لم يكن في النسب، فنحن من العائلة نفسها، ولا في المكانة، فقد كان زيدان واحدًا من أكثر شباب العائلة هيبةً وحضورًا.
كان يدير شؤون العائلة رغم صغر سنه، والجميع يعودون إليه في كل كبيرة وصغيرة، ولم يكن أحد يجرؤ على مجادلته حين يتخذ قرارًا.
كان يكفي أن يدخل المجلس حتى يصمت الجميع، وتكفي نظرة واحدة من عينيه ليعرف كل من أمامه أن النقاش انتهى.
أما أنا...؟؟!
فكنت الفتاة التي قضت عمرها تحاول الاختباء من جسدها.
كنت أراه رجلًا لا يمكن أن يلتفت إليّ، وأرى نفسي فتاة لا تليق بأن تقف إلى جواره.
لم يقل لي أحد إنني أقل منه صراحةً...
لكنهم جعلوني أشعر بذلك كل يوم، بطريقة أو بأخرى.
ولهذا أخفيت حبي له.
كنت أكتفي بأن أراه من بعيد، وأحفظ تفاصيل حضوره في قلبي، ثم أعود إلى غرفتي وكأنني ارتكبت ذنبًا لم يعرف به أحد.
إلى أن جاء اليوم الذي قررت فيه العائلة أن تتحدث عن زواج زيدان...
وعندها فقط، عرفت أن الحب الذي أخفيته سنوات لم يكن أصعب ما سأواجهه.
بل كانت الحقيقة التي ستجبرني على مواجهة جسدي لأول مرة .
اتى اليوم الذى
قرر زيدان الزواج من إحدى زميلاته القديمات.
كانت قد عادت إلى حياته في الفترة الأخيرة بعدما انضمت إلى العمل معه في الشركة، ومع مرور الأيام أصبح وجودها إلى جواره أمرًا معتادًا، حتى اقتربا من بعضهما بالقدر الذي جعل زيدان يتخذ قراره بالزواج منها.
وفي إحدى الأمسيات، اجتمعت العائلة بأكملها على مائدة واحدة في عزومة كبيرة أقامها والدي.
كان الجميع يتحدثون ويضحكون، بينما كنت أجلس في مكاني المعتاد إلى جوار أمي، أحاول أن أبدو طبيعية رغم أن وجود زيدان أمامي كان كافيًا ليجعل قلبي مضطربًا.
وبينما كان الحديث يدور بين أفراد العائلة، وضع زيدان كوبه أمامه، وقال بهدوء:
- أنا عايز أقول لكم على حاجة.
ساد الصمت تدريجيًا، والتفتت إليه جميع الوجوه.
ابتسم زيدان ابتسامة خفيفة قبل أن يقول:
- أنا قررت أتجوز.
تعالت التهاني من حوله، وبدأت الأسئلة تنهال عليه، لكنني لم أسمع شيئًا منها.
كنت أحدق فيه فقط.
إلى أن ذكر اسمها.
زميلته التي عادت للعمل معه في الفترة الأخيرة.
في تلك اللحظة، شعرت وكأن شيئًا ثقيلاً سقط فوق صدري.
لكن قبل أن يستوعب أحد الخبر، جاء صوت أبي غاضبًا:
- تتجوز مين يا زيدان؟!
نظر إليه زيدان بثبات، فأكمل أبي أمام الجميع:
- وإنت عندك بنت عمك؟ مهرة مكتوبة على اسمك من سنين! إحنا اتفقنا على جوازكم من وإنتوا صغيرين، والبلد كلها عارفة إن مهرة ليك. انت عايز البلد تتكلم عن بنت عمك وتقول انها معيوبه
توقفت أنفاسي.
لم أجرؤ على رفع عيني نحو أحد.
أما زيدان، فظل هادئًا للحظات، ثم قال:
- أنا عارف إنكم متفقين على كده من زمان، لكن أنا مش طفل دلوقتي. أنا قررت، ومش هتجوز غير البنت اللي اخترتها.
كانت كلماته واضحة... وقاسية بالنسبه لي أنى لم اكن يوماً ضمن اختياراته
ولأول مرة تمنيت لو أن أبي لم يذكر اسمي أمام الجميع.
لأنني كنت أعرف الحقيقة التي لم يجرؤ أحد على قولها بصوت مرتفع...
زيدان لم يخترني
أصرّ زيدان على موقفه، ولم يتراجع أمام غضب والدي، بل أسند ظهره إلى مقعده وقال بصوت هادئ، لكنه كان يحمل من الحسم ما يكفي لإنهاء أي جدال:
- أنا مقدّر مهرة، وهي بنت عمي وليها كل الاحترام، لكن الجواز بالنسبة لي مش مجرد إن البنت تكون من العيلة أو إننا مكتوبين لبعض من وإحنا صغيرين. أنا عندي شروط في شريكة حياتي، ومهرة، مع كامل احترامي ليها، مافيهاش الحاجات اللي أنا بحلم بيها.
ساد الصمت حول المائدة، بينما شعرت أنا بأن كل كلمة يقولها تنغرس في صدري.
تابع زيدان دون أن يلتفت إليّ:
- أنا عايز واحدة تملى عيني، واحدة لما تكون قدامي مايبقاش عندي سبب أبص بره. تكون فاهمة دماغي، عارفة أنا بفكر إزاي، وتعرف تكون شريكتي بجد، مش مجرد واحدة اتجوزتها عشان العيلة كانت عايزة كده.
لم أعرف أين أضع عيني.
كنت أتمنى طوال عمري أن أسمع منه كلمة تجعلني أشعر أنني جميلة في عينيه، فإذا به الآن يشرح أمام الجميع لماذا لا يراني المرأة التي يريدها.
رفع أبي صوته غاضبًا:
- وإنت شايف إن بنت عمك ناقصها إيه؟
أجابه زيدان بثبات:
- مفيهاش حاجة ناقصة، وأنا ماقلتتش كده. مهرة كويسة ومحترمة، لكن ده مش معناه إنها الزوجة اللي أنا عايزها.
كانت تلك الجملة أشد قسوة من كل ما سبقها.
لأنني لم أكن أحتاج إلى أن يقول إنني قبيحة أو لا أصلح للزواج
ساد الصمت حول المائدة بعد كلمات زيدان، وبقي الجميع في أماكنهم لا يعرفون ماذا يقولون.
نظر والد مهرة إلى أخيه، والد زيدان، والغضب يشتعل في عينيه، ثم قال بحدة:
- عاجبك كلام ابنك يا أخويا؟
رفع والد زيدان عينيه إليه، وحاول أن يهدئه قائلًا:
- اهدى يا أخويا، زيدان اتكلم عن رأيه، والموضوع ممكن يتحل بالكلام...
قاطعه بغضب:
- رأيه؟! رأيه إنه يقعد قدام العيلة كلها ويقول إن بنتي مش فيها حاجة من اللي بيحلم بيها؟! رأيه إنه يجرحها بالشكل ده بعد ما إحنا متفقين على جوازهم من سنين؟!
حاول والد زيدان أن يتحدث مرة أخرى:
- أنا هتكلم معاه، ومش هسيبه يخرج من هنا قبل ما...
لكن والد مهرة هز رأسه رافضًا.
- لا، خلاص. الكلام اتقال وانتهى.
ثم التفت إلى مهرة التي كانت تجلس صامتة، وملامحها شاحبة من شدة الإحراج والألم.
- مهرة... قومي.
رفعت عينيها إليه دون أن تفهم ما يريد، فقال بصرامة:
- يلا.
نهضت ببطء، بينما التفت والدها إلى زوجته وقال:
- وإنتِ كمان قومي.
حاول والد زيدان اللحاق بهما:
- استنى يا أخويا، متاخدش الموضوع بالشكل ده، دي عزومة وأهل...
استدار إليه والد مهرة وقال بغضب:
- أنا مش هقعد دقيقة واحدة في بيت ابني يتكلم عن بنتي بالشكل ده وأنا ساكت.
ثم أمسك بيد زوجته وأشار لمهرة أن تتبعهما، وغادروا البيت وسط صمت ثقيل.
أما أنا، فسرت خلفهما وأنا أحاول أن أخفي دموعي.
لم أكن أعرف أيهما كان يؤلمني أكثر...
أن زيدان رفضني أمام الجميع...
أم أن أبي، الذي كنت أنتظر منه أن يحتويني بعد كل ما حدث، كان يحمل غضبًا لم أعرف وقتها أنه سيوجهه إليّ أنا
ما إن وصلنا إلى البيت حتى دخل أبي بخطوات سريعة، والغضب ما زال يسيطر على ملامحه.
كنت أسير خلفه إلى جوار أمي، أجر قدمي جَرًّا، وأحاول أن أستوعب كل ما حدث في تلك الليلة.
كنت أنتظر أن يلتفت إليّ...
أن يسألني إن كنت بخير.
أن يقول لي إن ما حدث لم يكن ذنبي، وإنني لا أستحق أن أُحرج أمام الجميع. لكنه لم يفعل.
توقف في منتصف الصالة، حيث كان عدد من الخدم موجودين، ثم استدار نحوي فجأة.
- إنتِ!
ارتجفت، ورفعت عيني إليه.
- أيوه يا بابا؟
نظر إليّ من أعلى إلى أسفل، ثم قال بصوت مرتفع أمام الجميع:
- إنتِ لحد إمتى هتفضلي بالشكل ده؟! ليه ما تخسيش؟! إنتِ مش شايفة نفسك؟ شبه الجا**موسة!
تجمدت في مكاني.
شعرت بأن الدم انسحب من وجهي دفعة واحدة، بينما خفض بعض الخدم أعينهم في إحراج.
حاولت أن أتكلم، لكن صوتي خرج مرتجفًا:
- أنا... أنا مش باكل كتير يا بابا.
لم يتركني أكمل.
- مش بتاكلي كتير؟! أمال الجسم ده جه منين؟! كل ما أقولك خسي تقولي مش باكل! هو أنا عايزك تبقي زي مين يعني؟! بصي على البنات حواليك، كلهم بيهتموا بنفسهم وبيحافظوا على شكلهم.
حاولت أن أشرح مرة أخرى:
- والله بحاول، وبعدين أنا فعلًا مش باكل زي ما حضرتك فاكر...
- اسكتي!
انتفضت من صوته.
اقترب مني أكثر، وقال بغضب جعل الكلمات تخرج منه كأنها اتهامات:
- أنا بقيت أخجل أقول إنك بنتي!
شهقت أمي، وتقدمت نحونا بسرعة.
- خلاص يا حاج، كفاية عليها... مهرة مش مستحملة اللي حصل النهارده.
التفت إليها بعصبية:
- وإنتِ اسكتي! ما تدافعيش عنها كل مرة.
قالت أمي وهي تحاول السيطرة على دموعها:
- بس دي بنتك، وبعدين مهرة ضعيفة أصلًا، إنت عارف إنها مش بتاكل كتير وإن جسمها كده من طبيعتها...
- ضعيفة؟!
ضحك بسخرية مريرة.
- ضعيفة إيه؟! دي لو كانت بتسمع الكلام من زمان وما كانتش سايبة نفسها، ما كناش وصلنا للي إحنا فيه!
لم أفهم كيف أصبح ما حدث مع زيدان ذنبي أنا.
لماذا كان غضبه من أخيه وابن اخيه يتحول إلى غضب مني؟
ولماذا كان زواج زيدان من امرأة أخرى دليلًا في نظر أبي على أنني فشلت؟
وقفت أمامه عاجزة عن الدفاع عن نفسي، بينما كانت كل كلمة يقولها تجعلني أشعر بأن جسدي أصبح تهمة أحملها معي أينما ذهبت.
ثم قالها من جديد، ولكن هذه المرة بنبرة أكثر قسوة:
- زيدان عنده حق... هو عايز واحدة تملى عينه، وإنتِ حتى مش عايزة تبصي لنفسك في المراية اذا كنت انا ابوكى اهو لو جاتلى عروسه زيك من غير ما أفكر هرفضها .. فمبالك بقى بزيدان القحطانى
لم أعد أسمع بقية كلامه.
كانت عيناي قد امتلأتا بالدموع، لكنني رفضت أن تسقط أمامه.
استدرت وصعدت إلى غرفتي دون أن أستأذنه.
أغلقت الباب خلفي، وأسندت ظهري إليه، ثم انزلقت ببطء حتى جلست على الأرض.
وفي الخارج، ظل صوت أبي يصلني متقطعًا، بينما كانت أمي تحاول تهدئته.
أما أنا...
فكنت أضم ركبتي إلى صدري، وأبكي بصمت.
لم أكن أبكي لأن زيدان اختار امرأة أخرى فقط.
كنت أبكي لأنني بدأت أصدقهم.
بدأت أصدق أن المشكلة فعلًا كانت في جسدي.
وأنني لو كنت أنحف قليلًا...
أجمل قليلًا...
أشبه بالفتيات اللواتي ينظر إليهن الرجال...
ربما كان زيدان سيختارني.
في تلك الليلة، لم أنم.
ظللت مستلقية فوق فراشي أحدق في سقف الغرفة، وأعيد في رأسي كل كلمة سمعتها.
كلمات زيدان في العزومة...
ثم كلمات أبي بعد عودتنا.
كان الجميع يتحدث عن الأمر وكأنني أنا السبب فيما حدث، وكأن زيدان لم يكن صاحب القرار، وكأن جسدي هو الذي دفعه إلى اختيار امرأة أخرى.
وفي اليوم التالي، بدأت آثار الخلاف تظهر على العائلة كلها.
لم تعد الزيارات كما كانت، ولم يعد أبي يذهب إلى بيت أخيه، حتى أمي أصبحت تتحاشى الحديث عن اى تجمعات أمامى
أما أنا، فكنت أعيش وسط كل ذلك وكأنني الضحية التي لا يحق لها أن تعترض.
وفي صباح اليوم الثالث، دخلت أمي غرفتي ووجدتني جالسة أمام المرآة.
كانت أمامي مجموعة من الملابس الجديدة التي أحضرتها لي إحدى قريباتنا، لكنها كانت جميعًا واسعة وفضفاضة.
نظرت إليها أمي بحزن، ثم قالت:
- لسه زعلانة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة لم تشبهني.
- أنا مش زعلانة يا ماما.
اقتربت مني وجلست إلى جواري.
- مهرة...
قاطعتها بهدوء:
- بابا عنده حق.
نظرت إليّ أمي في صدمة.
- عنده حق في إيه؟
مررت يدي على ذراعي، ثم قلت وأنا أحدق في المرآة:
- يمكن لو كنت خسيت من زمان... زيدان كان اختارني.
أمسكت أمي بيدي بسرعة.
- متقوليش كده.
لكنني سحبت يدي منها، ووقفت أمام المرآة.
لأول مرة لم أهرب من انعكاسي.
وقفت أتأمله طويلًا.
لم أعد أرى الفتاة التي اعتادت أن تضحك مع بنات العائلة، ولا الفتاة التي كانت تتخيل يومًا أن زيدان سيطلبها من أبي.
رأيت فقط جسدًا أصبح الجميع يستخدمه لتفسير كل شيء.رفض زيدان؟
بسببه.
غضب أبي؟
بسببه.
حتى حبي الذي لم أخبر به أحد، بدأت أعتبره خطأ ارتكبه هذا الجسد نيابةً عني.
ثم قلت لنفسي بصوت خافت:
ياترى القرار اللى مهره اخدته ايه ؟؟
تابعووووووني

