القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

رواية بشري الفصل الثالث بقلم الكاتبه أماني سيد حصريه وجديده

 رواية بشري الفصل الثالث  بقلم الكاتبه أماني سيد حصريه وجديده 

في الجانب الآخر في شقة رشاد الجديدة، كان الجو مشحوناً بغيوم من نوع آخر. الوقت الذي كانت فيه بشرى تبني مجداً جديداً وتستعيد بريق عينيها مع كل صفقة وكل نقاش مع جبريل الجيار، كان رشاد يعيش في دوامة من التوتر والمشاحنات التي لا تنتهي مع زوجته الجديدة "نهى".



الإنبهرار الأول والمشاعر المزيفة التي دفعته للتخلي عن بشرى بدأت تذوب تحت وطأة الواقع الضاغط. لم تعد نهى تلك المرأة الحالمة التي لا تطلب شيئاً، بل ظهرت حقيقتها الاستهلاكية؛ طلباتها لا تنتهي، ومقارناتها بغيرها أصبحت عبئاً يومياً على كاهله.

في إحدى الليالي، جلس رشاد في الصالة ممسكاً بهاتفه، يتابع صفحة أخبار السوق والمقاولات، ليتسمر مكانه فجأة وهو يقرأ الخبراً: *"شراكة استثمارية ضخمة بين مجموعة الشناوي ومجموعة الجيار لإعمار منطقة الأصول المشتركة.. والمدير العام بشرى الشناوي تؤكد: الخطوة القادمة ستغير موازين السوق .

انقبض قلبه وجف حلقه وهو يرى صورتها؛ كانت تقف بكامل أناقتها وثقتها، وبجانبها لفت انتباهه ذلك الرجل، جبريل الجيار، بهيبته ونظرته المليئة بالفخر الموجهة نحوها.

في هذه اللحظة، خرجت نهى من الغرفة وهي تلوح ببطاقة مشترياتها وتتحدث بنبرة حادة:

ـ رشاد.. أنا كلمتك الصبح وقلتلك إن الليميت بتاع الفيزا مش مكفي، وعايزة أشتري الفستان والشنطة اللي قلتلك عليهم عشان فرح صاحبتي الأسبوع الجاي. إنت مبتردش عليا ليه؟

أغلق رشاد الهاتف بعنف وقام واقفاً، وقد فاض به الكيل:

ـ فستان إيه وشنطة إيه دلوقتي يا نهى؟! إنتي مابتشبعيش؟ ما لسه جايبلك طقم الأسبوع اللي فات! إنتي فاكرة جيبى ده مبيفضاش؟

لوت نهى فمها بضيق وقالت بنبرة مستفزة:

ـ جرى إيه يا رشاد؟ ما إنت اللي كنت بتدلع وتقوللي اؤمري يا حبيبتي وكل اللي عايزاه هيجيلك.. إيه اللي اتغير دلوقتي؟ ولا هي الحجج بدأت عشان توفر؟

نظر إليها رشاد وكأنه يراها لأول مرة على حقيقتها. قفزت إلى ذاكرته فوراً صورة بشرى؛ بشرى التي تحملت معه في بداياته، التي كانت توازن الأمور بحكمة، التي ضحت بطموحها وسنة كاملة من عمرها في بيته دون أن تشتكي أو تطلب ما يفوق طاقته، بل كانت هي السند والأمان الذي لم يدفعه مليمًا واحدًا لشرائه.

قال بصوت مخنوق بالندم والغضب:

ـ اللي اتغير إني فقت.. فقت وعرفت إن فيه ناس بتعوز بني آدم عشان يسندها، وناس تانية بتعوز بنك يصرف عليها!

صاحت نهى بحدة وعيناها تتسعان:

ـ قصدك إيه؟ قصدك مين يعني؟ لو مش عاجبك طلقني ورجع ست بشرى بتاعتك اللي كنت مابتسمعش صوتها! بس افتكر إنها هي اللي رمتك، والكل في السوق بيتكلم عن نجاحها دلوقتي ومحدش فاكرك أصلاً!

ضرب رشاد الطاولة بيده بعنف أهتزت له أركان الغرفة، وصرخ فيها:

ـ اخرسي! ماتجبيش سيرتها على لسانك!

تركها ودخل غرفته وأغلق الباب وراءه بقوة، وجلس على طرف السرير يدفن وجهه بين كفيه. كلمات نهى الأخيرة أصابت منه مقتلاً؛ "الكل بيتكلم عن نجاحها ومحدش فاكرك". أخرج هاتفه مجدداً ونظر إلى صورتها مع جبريل. شعر بغيرة تحرق ضلوعه، ليست فقط غيرة رجل على امرأته السابقة، بل غيرة إنسان فاشل يرى من تركها تصعد إلى القمة بخطوات ثابتة، بينما هو يهبط إلى القاع مع امرأة اختارها بهواه.

أدرك رشاد، وهو يستمع إلى صوت بكاء نهى المصطنع في الخارج، أن حبل العلاقة بينهما بدأ يتآكل سريعاً، وأن طيف بشرى ونجاحها الجديد لن يتركا له مجالاً ليعيش بسلام في خياره الخاطئ.

وفي نفس الوقت الذي كانت فيه جدران شقة رشاد تهتز بالمشاحنات، كانت هناك جدران أخرى تشهد ولادة مشاعر من نوع مختلف تماماً.

داخل أحد المطاعم الهادئة المطلة على النيل، كان الضوء خافتاً والموسيقى الكلاسيكية تنساب في الخلفية لتعزل المكان عن صخب القهوة والموقع. كان هذا أول عشاء عمل يجمعهما بعيداً عن المكاتب الخرسانية، لمناقشة التقرير الربع سنوي الأول للمشروع الذي حقق أرقاماً فاقت التوقعات.

كانت بشرى تجلس بكامل أناقتها الهادئة، تراجع بعض الأرقام على جهازها اللوحي، بينما كان جبريل يتابعها بنظراته الدقيقة التي لم تعد تخلو من الدفء والاهتمام.

أغلقت بشرى الجهاز، ونظرت إليه بابتسامة عملية:

ـ وبكدة يا باشمهندس، نقدر نقول إننا قفلنا المرحلة الأولى من المشروع قبل وقتها بأسبوعين، ونسبة الأرباح المبدئية تخطت الـ 20%.

وضع جبريل فنجان قهوته، وسند بظهره إلى الكرسي، وقال بصوته الرخيم ونبرة تحمل تقديراً عميقاً:

ـ أنا مابقتش مستغرب الأرقام دي يا بشرى.. أنا بقيت مستغرب إزاي السوق ده كان محروم من عقليتك دي كل الفترة اللي فاتت؟ انتي إضافة لأي مكان بتدخليه، والحقيقة.. إضافة ليا أنا شخصياً.

شعرت بشرى بنبضة سريعة في قلبها، لكنها سارعت برفع دروعها الدفاعية كالعادة، وقالت بنبرة حاولت جعلها حيادية:

ـ ده توفيق من ربنا يا باشمهندس، ودعم بابا ليا، وشغلي هو الحاجة الوحيدة اللي مابتخذلنيش.

لاحظ جبريل حذرها المعتاد، وكلمتها الأخيرة "مابتخذلنيش" لم تمر عليه مرور الكرام. مال بجسده قليلًا نحو الطاولة، وتحدث بنبرة هادئة وصادقة تماماً:

ـ بشرى.. إحنا بقالنا شهور بنشتغل مع بعض، وأعتقد إننا عدينا مرحلة زملاء العمل. أنا شايف الحصون اللي انتي بتبنيها حوالين نفسك كل ما الكلام يخرج برة الشغل. أنا مش رشاد.. ولا عمري هكون شخص بيقيس البني آدم بصفقة أو بيستخسر في شريكته نجاحها.

اتسعت عينا بشرى بصدمة وخفق قلبها بعنف، لم تكن تتوقع أن ينطق باسم طليقها أو أنه يعلم تفاصيل قصتها بهذا العمق. حاولت الكلام لكن صوتها خانها، فتابع جبريل بنبرة حانية واثقة:

ـ أنا سألت وعرفتك، مش فضول.. لكن لأني حابب أفهم البني آدمة اللي خطفت انتباهي من أول دقيقة دخلت فيها مكتبي. الوجع اللي عشتيه خلى منك ست قوية ومبهرة، بس متخليش الوجع ده يحرمك من إنك تعيشي حياتك صح مع حد يقدر قيمتك بجد. أنا مش مستعجل يا بشرى، ومستعد أستنى لحد ما تطمني.. بس عايزك تعرفي إن وجودي في حياتك مش مجرد شراكة ورق.

تلاقت أعينهما، ولأول مرة لم تكن ابتسامة بشرى باردة أو مهنية؛ كانت ملامحها متأثرة، والأسوار الحديدية التي ظنت أنها لن تسقط أبداً، بدأت تتشقق أمام نبل وطاقة الأمان التي يبثها هذا الرجل في روحها.

في تلك الأثناء، كان رشاد يقف بسيارته على الجانب الآخر من الطريق، يراقب المطعم من بعيد بعد أن علم بطريقتة الخاصة بنبأ عشائهما معاً.

كان يرى من خلف الزجاج إضاءة المطعم الدافئة، ويرى بشرى وهي تجلس أمام جبريل الجيار، يرى ضحكتها الصافية التي غابت عن بيته لشهور، ويرى نظرة جبريل التي تحمل كل معاني الاحترام والاحتواء.. النظرة التي لم يمنحها لبشرى يوماً لأنه كان يراها مضمونة.

قبض رشاد على عجلة القيادة بعنف حتى ابيضت مفاصله، وامتلأت عيناه بدموع العجز والندم. أدرك في تلك اللحظة أن بشرى لم تعد تراه، ولم تعد حتى تذكره بكره أو وجع؛ لقد تجاوزته بمراحل، وأصبحت في مكانة بعيدة جداً عن صغائره ومقارنات زوجته الجديدة.

أدار محرك سيارته وانطلق بسرعة جنونية، هرباً من الحقيقة المُرّة: أنه خسر الجوهرة التي لم يصنها، وأن قطار بشرى انطلق نحو قمة نجاحها وحياتها الجديدة، ولن يعود للخلف أبداً.


ولكن اتت اه فكره ليعيدها إليه مره اخرى 

ياترى ايه الفكره دى ؟؟

تابعوني 


تعليقات

close