نُصّ ساندويتش
أنا اسمي كريم، عندي ٢٤ سنة، بشتغل دليفري في مطعم صغير في وسط البلد. كل يوم نفس الروتين: أروح، ألبس الجاكت الأحمر، أركب الموتوسيكل، وأبدأ لف عالناس اللي عمرهم ما بيقولوا "شكراً".
بس اليوم ده كان مختلف.
كنت مروح طلب لمكتب محاماة في الزمالك. الزحمة كانت خانقة والموتوسيكل بيغلي من الشمس. أول ما وصلت، طلعت الدور التالت على رجلي عشان الأسنسير عطلان. فتحت السكرتيرة الباب، خدت الأكل، وسابتني واقف وأنا مستني الحساب.
من جوه، سمعت صوت راجل بيزعق، وصوت بنت بترد عليه بس بهدوء.
"أنا مش غلطانة، يا فندم، هو اللي ما جابش الأوراق!"
ما فهمتش قوي، بس واضح إن في خناقة شغالة. بعد دقايق، البنت خرجت. كانت لابسة لبس بسيط جدًا، بس عينيها فيها حاجة... حاجة وجع، بس كأنها متعودة عليه.
بصّت لي وقالت:
"هو الحساب كام؟"
قلت لها:
"٨٥ جنيه."
طلعت من شنطتها ١٠٠ جنيه، ومدتهالي، وقبل ما أرجع الباقي، قالتلي:
"خلي الباقي... إنت شكلك جعان أكتر منّي."
وسابتني واقف، مش عارف أرد.
أنا؟ جعان؟ يمكن.
بس مش بس للأكل... يمكن جعان لكلمة طيبة، لنظرة احترام، لحد يحس بيا.
خدت الـ١٥ جنيه، وركبت الموتوسيكل، بس مكانتش مجرد بقشيش.
كانت أول مرة من زمان حد يبص لي كإنسان.
وأنا سايق في الزحمة، كلام البنت كان بيرن في وداني: "إنت شكلك جعان أكتر منّي."
مين دي؟ وبتشتغل إيه؟ وليه حست بيا بالشكل ده؟
أنا مش متعود حد يلمّح حتى إني بني آدم.
وصلت المطعم، دخلت عشان أبلّغ إن الطلب اتسلّم، وقعدت على الكرسي الخشب اللي في الركن، أريح ضهري شوية.
عم سعيد، الشيف الكبير، بص لي وقال:
"مالك يا كريم؟ وشّك باين عليه حاجة حصلت."
قولتله:
"ولا حاجة، زبونة بس قالتلي إني جعان."
ضحك وقال:
"مش يمكن عاوزة تطلبك؟"
ضحكت أنا كمان، بس من جوايا، الموضوع كان أعمق.
أنا بشتغل من وأنا عندي ١٦، خرجت من المدرسة عشان أبويا تعب، وأمي كانت محتاجة حد يصرف.
طول عمري بحس إني في سباق، بس عمري ما فهمت إني بجري في دايرة مقفولة.
تاني يوم، روّحت نفس المكتب، ونفس البنت فتحتلي الباب.
بصيتلي كأنها فاكراني، وقالت بهزار خفيف:
"إيه يا كريم، لسه جعان؟"
قولتلها وأنا بضحك:
"أنا على طول جعان، بس النهارده فطرت نص ساندويتش فول، يعني الأمور ماشية."
ضحكت، وساعتها شفت الضحكة اللي كانت مستخبية ورا التعب.
"أنا نسمة."
"وأنا كريم… بس واضح إنك عرفاني من امبارح."
"آه، صوتك مميز، ووشك مش سهل يتنسي."
من هنا، بدأنا نحكي كل يوم كلمتين. مرة تحكيلي عن مكتبهم، ومرة أنا أحكيلها عن الطلب اللي وقع مني على الأرض وكان عليه ملوخية. كانت بتضحك من قلبها… وده كان كفاية يخليني أكمل اليوم مهما كان تقيل.
بس في يوم، مردتش تفتح الباب.
وسألت السكرتيرة:
"نسمة فين؟"
قالتلي:
"قدّمت استقالتها… مشيت امبارح."
ساعتها قلبي وقع…
ليه حسيت إني فقدت حاجة مش بتاعتي من الأساس؟
بس يمكن… نسمة سابتلي أكتر من بسمة.
سابتلي إحساس إني أستاهل كلمة حلوة، إني بني آدم
يستحق يسمع "خلي بالك من نفسك" بدون مقابل
.تمام، نكمل ونشوف كريم هيعمل إيه بعد ما نسمة اختفت فجأة:
عدّى أسبوع، ونسمة ما ظهرتش.
كل يوم كنت أروح أوصل طلبات، وقلبي بيقول يمكن ألاقيها بالصدفة… يمكن تطلّ عليا من أي مكتب، من أي شباك، حتى لو من ورا زجاج عربية.
بس لأ… ولا حس ولا خبر.
في يوم وأنا مروّح، وقفني راجل كبير عند الكورنيش، كان لابس لبس بسيط، وقاللي:
"تقدر توصلني مستشفى القصر العيني؟ مراتي جوّا ومش قادر أروّح لوحدي."
من غير ما أفكّر، ركّبته وودّيته.
قبل ما ينزل، مدّ إيده بورقة صغيرة.
"دي رقم بنتي… نسمة، اشتغلت قبل كده في مكتب محاماة، لو قابلتها قولها أبوك بخير، وهي وحشتني."
أنا اتصدمت.
"نسمة؟ بنت حضرتك؟"
بصلي مستغرب:
"آه، تعرفها؟"
"شفتها مرتين… وسابت علامة."
خدت الرقم، وكل خليه في جسمي بتتحرك.
رجعت البيت، قلبي بيخبط، ومش عارف أتصل ولا أسيبها في حالها.
بس الشوق كسبني، واتصلت.
"ألو؟"
"أيوه؟ مين؟"
"أنا كريم… بتاع الدليفري… من المكتب اللي كنتي فيه."
سكتت شوية، وبعدين صوتها جه دافي، زَيّ ما هو.
"أنا فاكرة صوتك… عامل إيه؟"
"كويس… وباباك بخير، أنا قابلته النهارده، وطلب مني أبلّغك… كان عايز يطمن عليكي."
صوتها اتغيّر، كأن في دمعة خافتة استخبت ورا كل حرف.
"شكراً يا كريم… شكراً إنك اهتميت."
"نسمة… لو تحبي نتقابل، نرّجعلك نص الساندويتش اللي أكلته، وندردش شوية."
ضحكت، وقالت:
"لو جبت سندويتشين، أنا موافقة."
نكمّل بقى ونشوف أول لقاء حقيقي بينهم، بعيد عن توصيل الطلبات:
قابلتها قدّام كشك صغير على النيل، زي ما اتفقنا. كنت جايب معايا اتنين ساندويتش فول، وعلبتين عصير مانجا من اللي بيتباعوا بـ3 جنيه، بس كنت حاسس إن فيهم نكهة مختلفة النهارده.
أول ما وصلت، لقيتها واقفة مستنّياني، لابسة حجاب بسيط وجاكت جينز، وشها عادي جدًا، بس فيه دفء يخلي الدنيا تهدى حواليه.
"جبتلك سندويتشك، ونص كمان احتياطي لو جعتي."
ضحكت وقالت:
"واضح إنك بتفكّر في كل حاجة."
قعدنا على دكة خشب، بنتفرّج على الميّه، والناس اللي ماشية، وسكتنا شوية… بس كانت سِكْتَة مريحة، مش محرجة.
"إنت ليه كنت بتشتغل دليفري؟"
سألتني وهي بتفك ورقة الساندويتش.
قولتلها بصراحة:
"عشان الحياة مزنوقة، وعشان لما الدنيا تدّيك ضهرها، بتشتغل أي حاجة تخليك واقف على رجلك."
سكتت شوية وقالت:
"أنا كمان الدنيا دتني ضهرها كذا مرة… بس لما شفتك، حسّيت إن فيه ناس لسه بتكمل، حتى لو مفيش ضهر يسندها."
كلامها دخل قلبي من غير استئذان.
"نسمة… أنا مش راجل غني، ولا حتى ضامِن بكرا، بس لما شوفتك، حسّيت إني مش عايز أكمل لوحدي تاني."
بصّتلي، وسكتت شوية، وبعدين قالت بهدوء:
"مش مهم تكون غني، المهم تكون حقيقي… وإنت كده، كريم."
ومن هنا، بدأنا نخرج كل أسبوع مرة.
مش في كافيهات فخمة، ولا مطاعم خمس نجوم…
بس في حضن النيل، وسط صوت الناس، وضحكتنا اللي كانت بتكبر كل ما الدنيا تحاول تهدّنا.
عدّى شهر على أول خروجة، وكل مرة كنت أقابل فيها نسمة، كنت بحس إني بتغير…
بقيت بضحك أكتر، بنام أهدى، بقيت حتى ببص في المراية وأنا مروّح من الشغل وأقول: "آه، ده أنا!"
في يوم، وإحنا قاعدين على نفس الدكّة اللي بدأنا منها، قالتلي فجأة:
"كريم… أنا حكيتلك عن شغلي، وعن تعبي، بس ماحكيتلكش عن بيتي."
بصيتلها بتركيز، حسّيت إنها بتفتح باب كان مقفول عليها من سنين.
"بابايا كان راجل طيب، بس تعب كتير بعد ما ماما ماتت، وأنا اللي شلت البيت من ساعتها.
عندي أخ صغير، في تالتة إعدادي، وبحاول أكون له كل حاجة… عشان كده اشتغلت من بدري، واتنقلت من شغل للتاني، وكل ما كنت أقع، كنت أفتكر إن في حد محتاجني أقف."
قلتلها وأنا قلبي بيتعصر:
"إنتي أقوى من ناس كتير، وأنا… فخور بيكي."
بصّتلي وقالت:
"بس في مشكلة… بابا مش هيقبل بسهولة إن بنتُه ترتبط بحد بيشتغل دليفري."
سكت… قلبي اتخبط، بس عقلي كان مستعد.
"نسمة، أنا ناوي أفتح محل صغير. عندي فكرة مشروع، وكنت محتاج حد يصدّق فيا…
دلوقتي، أنا عندي."
عينيها دمعت، بس ابتسمت.
"أنا مصدّقة فيك، يا كريم… بس لازم تثبت له، مش بكلامك… بشُغلك."
ومن هنا، بدأ كريم يحاول يحوّل حياته.
بدأ يوفّر، يشتغل شفتين، ويسهر يخطط للمحل، ونسمة كانت دايمًا جنبه، بكلمة، بدعوة، ومرات بسكوتها اللي فيه كل الدعم.
بس الحياة ما بتسيبش حد في حاله…
في مرة، كريم جاله اتصال، ووشّه اتبدّل بعد ما قفل.
"فيه مشكلة… في حد سرق الفلوس اللي كنت حاططها للمشروع.".
كريم كان واقف في مكانه، ودماغه مليانة أفكار وضغط. الفلوس اللي كان جمعها لمشروعه كانت اختفت، ومش بس كده، كان عنده إحساس إن دي لحظة مفصلية في حياته. رغم كل التعب، وكل السهر، وكل الحلم اللي كان بيبنيه خطوة بخطوة، حسّ إنه ممكن كل شيء ينهار في لحظة.
في لحظة من لحظات الضياع دي، فكر في نسمة، وفي الدعم اللي كانت بتديله له، في كل مرة كان يلاقي فيها في عينيها الأمل، رغم كل الصعاب اللي كانت بتواجهها. قرر يكلّمها.
اتصل بيها، وصوته كان فيه حيرة: "نسمة، عندي مشكلة كبيرة... الفلوس اللي كنت حاططها للمشروع اتسرقت."
سكتت شوية، ثم قالت بصوت هادئ ولكن حازم: "أنا عارفة إنك هتلاقي حل. ممكن تكون الدنيا ضاغطة، بس انت مش لوحدك، كريم."
صوتها كان زي طبطبة على قلبه، وحس إن كل كلمة منها بتبني له جسر أمل جديد. في اللحظة دي، قرر إنه مفيش حاجة هتوقفه. هو مش لوحده. وكان عنده اللي يقدر يقف جنبه في أحلك اللحظات.
حكى لنسمة عن كل التفاصيل، عن الضغوط، وعن الخوف من الفشل. وبعد شوية، قالت له: "أنت مش لوحدك، كريم... احنا معاك، وهنواجه كل حاجة سوا."
وفي اليوم التالي، قرر كريم إنه يتصرف. بدأ يفتش عن حلول، بدأ يستعير بعض الأدوات، وبدأ يخطط لبدء المشروع من جديد. الدعم اللي لقى من نسمة كان كافي ليخليه يقف على رجليه، يتحدى الظروف، ويواجه الخيانة اللي حصلت، ويبدأ من جديد.
بعد شهر من الشغل المتواصل، كريم فتح المحل اللي كان بيحلم بيه، وسط حي جديد وبأمل جديد. كان بيحس إن الحياة بدأت تبتسم له، وإنه أخيرًا وصل للمكان اللي كان بيحلم بيه.
وقتها، جاء يوم اللقاء المنتظر، يوم جمع كريم ونسمة مرة تانية في نفس المكان اللي بدأ فيه كل شيء، على دكة الخشب قدام النيل. كانوا قاعدين مع بعض، والضحكة مش سايبة ووشهم. كل واحد منهم كان قادر يشوف في عيون التاني حياة جديدة بدأوا فيها سوا.
"كريم، أنا فخورة بيك. إنت قدرت توصل للي كنت بتدور عليه، وكنت دايمًا شايف فيك حاجة أكبر من اللي ممكن حد يشوفها."
كريم ابتسم وقال: "لو ما كنتيش لقيتيني، ما كنتش هقدر أعمل ده. إنتي السبب، يا نسمة."
كانوا قاعدين يتفرجوا على المية، وفي جو هادي، كان كل واحد فيهم عارف إنهم مش لوحدهم، وإنهم مع بعض في رحلة جديدة مليانة أمل وحب، ومستقبل مفتوح قدامهم.
مرّت أسابيع من فتح المحل، وكل يوم كان كريم يحس إنه بيقرب أكتر لفرحة كانت بعيدة عنه، لولا دعم نسمة. المحل بدأ يجذب الزبائن بفضل تعب كريم، والوقت اللي كان بيكرّسه لتطويره، وكانت نسمة دايمًا جنبه تشجعه وتقدّر كل خطوة بيخطيها.
لكن كان فيه شيء بداخل كريم، شيء مش قادر يتجاهله. كان دايمًا فاكر كلام نسمة عن أبوها، وكيف كان متردد في قبول فكرة ارتباطها بشخص بيشتغل دليفري. وده كان حاجز في قلبه. كريم كان عارف إنه لازم يثبت ليها، ولأبوها كمان، إنه قادر يكون أكثر من مجرد شاب بيشتغل في مطعم أو في محل صغير.
وفي يوم من الأيام، كان كريم واقف في المحل وهو بيكلم نسمة على التليفون، وكان قلبه مليان أفكار: "نسمة... عندي فكرة. ليه ما نعملش حاجة كبيرة مع بعض؟ مش بس المحل، لا... حاجة أكبر، مشروع مشترك."
نسمة كانت هادئة شوية، وحست إن في حاجة كبيرة على وشك الحدوث: "إيه الفكرة؟"
كريم قال بحماس: "نفكر في مشروع أكبر. ليه ما نفتحش فرع تاني؟ أنا عندي أفكار جديدة لمنتجات مختلفة، وبتصور إن لو اشتغلنا سوا، ممكن ننجح أكتر."
صمتت نسمة للحظة، وكأنها بتفكر في كلامه، ثم ردت بهدوء: "أنا معاك في أي حاجة. بس خلي بالك، لازم نكون مستعدين للتحديات. الموضوع مش سهل."
ابتسم كريم وقال: "أنا مش خايف. بعد كل اللي مرّينا بيه، خلاص... ما فيش حاجة مستحيلة."
وفي اليوم التالي، بعد ما بدأ كريم في تجهيز الخطط الخاصة بالمشروع الجديد، قرر إنه يروح يزور أبو نسمة. كان عارف إن ده وقت الحسم، ولازم يواجهه وجهًا لوجه.
وصل عند باب بيتهم، وكان قلبه بيخفق. بعد ما رن الجرس، ظهر أبو نسمة في الباب. كريم وقف قدامه وقال بصوت ثابت: "مساء الخير... أنا كريم، صاحب المحل اللي نسمة بتشتغل فيه."
أبو نسمة نظر له بنظرة هادئة وقال: "إيه اللي جابك هنا؟"
كريم تنفس بعمق وقال: "جيت عشان أقولك إني عندي نية لأني أبني مستقبل مع نسمة. أنا مش غني، ولا معايا فلوس كتير، بس عندي قلب بيحبها وعندي طموح كبير."
أبو نسمة بص في عينيه لثواني، وبعد كده قال: "طموحك لو كان جادًا، هتحتاج تبرهن عليه مش بالكلام، لكن بالفعل. إذا كنت بتحبها، هتثبتلي ده."
كريم حس بالضغط، بس كان عارف إن دي فرصته. قال له بكل صدق: "أنا مستعد أعمل كل شيء علشان نسمة. ومستعد أثبتلك إني أستحق تكون جزء من حياتها."
نظر أبو نسمة له وقال: "خلي بالك، ما تقدرش تسرع الأمور. لو عندك نية حقيقية، هتثبت ده على أرض الواقع."
ومع مرور الأيام، بدأ كريم يحقق تقدم أكبر في مشروعه، وكان بيشارك نسمة بكل خطوة. وفي كل مرة كان يحس إنه بيقرب أكثر من حلمه وحلمها. كانوا دايمًا مع بعض، بيدعّموا بعض في كل قرار، وكل تحدي.
وبعد فترة، وفي أحد الأيام، جاء كريم لنسمة وقال لها بابتسامة كبيرة: "نسمة، المشروع التاني جاهز نبدأ فيه... ولو كان فيه خطوة واحدة نقدر نعملها مع بعض، أنا مستعد."
ابتسمت نسمة وقالت بهدوء: "أنا معاك في كل خطوة، كريم. لو أنت واثق، يبقى إحنا سوا."
وبكده، بدأوا معًا رحلة جديدة، مش بس في العمل، لكن كمان في الحياة. مشروع جديد كان هو الحلم المشترك بيناتهم، وطريق جديد كان مليء بالأمل، لكن الأهم، كان فيه إيمان حقيقي من كل طرف.

