القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

فندق الواحه الفصل الاول بقلم اسلام محمد حصريه وجديده

 فندق الواحه الفصل الاول بقلم اسلام محمد حصريه وجديده 

قبل ما تبدأ تقرأ... أحب أوضح إن اللي هحكيه في السطور الجاية هو أكتر موقف غريب مر عليا في حياتي، ولسه لحد النهارده مش لاقيله تفسير يقنعني.

مش بطلب منك تصدق كل كلمة... ومش بطلب منك تكذبها

كل اللي بطلبه إنك تكمل للآخر... وبعدها احكم بنفسك.

مش كل القصص المرعبة بتبدأ بصراخ...

ولا ببيت مسكون مهجور من مية سنة...

ولا بحاجة غريبة ومرعبة بتجري وراك في الضلمة.


فيه قصص بتبدأ بشكل عادي جدًا... عادي لدرجة تخنق.


لدرجة إنك لو كنت مكاني في اللحظة دي، كنت هتضحك وتسخر من نفسك لو حد قالك إن الليلة دي تحديداً هتغير حياتك للابد، وإن السكة دي مش هتعدي على خير.



أنا اسمي إسلام...


والقصة دي حصلت من حوالي سنة.


كان عندنا واحد صاحبنا من سوهاج، راجل جدع وابن أصول، والده اتوفى بعد رحلة تعب طويلة مع المرض، قررنا أنا وصاحبي أحمد نصر  إننا ننزل سوهاج مخصوص ونحضر العزا، الراجل الله يرحمه كان ليه فضل على ناس كتير في البلد، وصاحبنا كان محتاج يلمح حد من صحابه واقه جمبه في اليوم التقيل ده.


وصلنا البلد قبل المغرب بشوية.


الشوارع كانت هادية ومشدودة بشكل غريب... الناس كلها لابسة أسود في أسود، وصوت القرآن خارج من سماعات صغيرة متعلقة على باب البيت الخشب الكبير.


دخلنا وسلمنا على أهل المتوفى كلهم، حضنّا صاحبنا واكتفينا بنظرات المواساة، لأن في اللحظات دي مفيش كلام قادر يتقال غير:


البقاء لله يا صاحبي... شد حيلك، البركة فيك.


قعدنا وسط الناس في العزا.


ريحة القهوة السادة والبخور الخفيف كانت مالية المكان... وفي ركن بعيد كان فيه راجل كبير في السن، بيقرأ قرآن بصوت هادي، وكل شوية حد يدخل من باب العزا يسلم بوقار ويخرج.


فضلنا هناك قاعدين ساعات...


كل شوية نفتكر موقف جميل حصل مع الراجل الله يرحمه لما كان بيزورنا، أو نتكلم بصوت واطي مع أصحابنا القدام عن مشاغل الدنيا اللي أخدتنا من بعض.


ولما الساعة قربت من 11 بالليل... بدأ العزا يفضى، والناس تمشي واحدة واحدة.


صاحبنا أول ما شافنا بنلم نفسنا ونقوم، قرب مننا ومسك في إيد أحمد نصر ، وأصر إننا نبات عنده:


والله ما تخرجوا من البلد الليلة! الدنيا اتأخرت والطريق الصحراوي بالليل مش أمان خالص يا إسلام... السكة مقطوعة وما يعلم بيها إلا ربنا!


بصيت لأحمد... أحمد بصلي وبص في ساعته، وبعدين ابتسم  وقال لصاحبنا:


تسلم يا حبيبي ويجعلها آخر الأحزان... بس لو نمنا هنا بكرة هنرجع على شغلنا إزاي؟ السكة طويلة ومسافة الطريق لوحدها بتاخد ساعات، وإحنا مصدقنا لمينا نفسنا وأخدنا إجازة بالعافية.


شكرناه ، وسلمنا على بقية أهله، وركبنا العربية.


وأنا بدور العربيه، بصيت في المراية الجانبية... لقيت صاحبنا واقف قدام باب البيت، رافع إيده يودعنا بنظرة كئيبة ومترددة، ابتسمتله وشاورتله بإيدي من الشباك.


خرجنا من زحمة البلد... وبدأنا نمسك الطريق الصحراوي السريع.


في الأول كنا بنتكلم عادي جداً. شغلنا سورة البقرة بصوت واطي يهدي السكة وتونسنا... وبعدين أحمد بدأ يفتح مواقف قديمة ومضحكة حصلت بينا أيام الكلية، وقعدنا نضحك ونفتكر الذكريات، كأننا بنحاول نسرق لحظات هدوء ونهرب بالعافية من كآبة اليوم والتعب اللي حسينا بيه.


لكن... مع كل كيلو كنا بنبعده عن سوهاج وبندخل في قلب الصحرا...


كان الطريق بيبدأ يضلم أكتر، ويبقى أهدى بشكل يقلق ويضيق النفس.


العربيات النقل اللي كانت بتعدي كل شوية اختفت تماماً...


أعمدة النور المكسرة على الجانبين اختفت هي كمان...


ومبقاش قدامنا غير خط طويل ملوش نهاية من الأسفلت الأسود، وضوء كشافات العربية الأصفر بيشق الضباب والضلمة .


أحمد عدل قعدته في الكرسي اللي جنبي، وبص من الشباك الجانبي للصحرا، وقال وهو بيتمطع بتعب وبيفرك عينيه:


هو إحنا بقالنا قد إيه مشوفناش عربية واحدة حتى معدية جنبنا يا إسلام؟ السكة فاضية زيادة عن اللزوم!


بصيت في شاشة التابلوه المنورة... كانت الساعة 1:17 بعد منتصف الليل. 


رديت وأنا مركز عينيا على الأسفلت الدركسيون:


يمكن من عشر دقايق... أو أكتر كمان، عادي يا حماده، الطريق الصحراوي في الوقت ده بيبقى هادي، الناس كلها بتبقى ركنت في الاستراحات.


أحمد سكت وبص قدامه للضلمة، وأنا كمان سكت وركزت في الطريق.


أصل فيه طرق... الصمت فيها بيبقى ليه صوت عالي  يرعب الودن.


وماكنتش أعرف... إن بعد أقل من عشر دقايق... العربية هتقف بينا في مكان، كان نفسي طول عمري ما أعرف إنه موجود في الدنيا أصلاً.


عدت يمكن خمس دقايق كاملة... ولا أنا ولا أحمد اتكلمنا بنص كلمة.


كل واحد كان باصص قدامه في الفراغ، سارح في أفكاره. صوت الموتور المنتظم كان هو الصوت الوحيد جوه الكابينة... والهواء اللي داخل من فتحة الشباك الخفيف كان سخن  بريحة التراب، لكنه كان مريح بعد يوم طويل ومجهد.


فجأة وبدون أي مقدمات...


عقرب الـ RPM في التابلوه نزل مرة واحدة للصفر!


بصيت للشاشة باستغراب، ورجعت عينيا للشارع بسرعة... العقرب طلع تاني لـ 2 ورجع نزل للصفر مع حشرجة خفيفة.


قلت في بالي وأنا بحاول أهدي نفسي: يمكن حاجة في فلتر البنزين أو هوا في الدورة، حاجة بسيطة.


لكن بعد ثواني معدودة...

العربية كلها اتنفضت بعنف. 

وبعدين...

الموتور فصل تماماً.

الدركسيون تقل في إيدي كأنه حجر ، والفرامل تقلت هي كمان، واضطريت أركن على الشريط الترابي الجانبي بالعافية وبكل قوتي قبل ما العربية تقف خالص وتثبت مكانها.


فضلنا قاعدين جوه العربية كام ثانية من غير ما حد فينا ينطق ولا يتحرك... الصمت اللي نزل على المكان فجأة جوه العربية كان مرعب وثقيل زي الجبل.


أحمد قطع السكون القاتل ده، بصلي بنظرة كلها توتر وقلق وقال بصوت واطي:


خير يا إسلام؟ فيه إيه؟ العربية قطعت ليه فجأة كده؟


مسكت المفتاح وحاولت ادور تاني...


صوت المارش اشتغل بحشرجة مكتومة... لكن الموتور رفض يدور نهائياً.


حاولت تاني... وتالت... ولا أي استجابة، كأن الموتور اتملى تراب!


تنهدت بخنقه، نزلت من العربية بسرعة، وفتحت كبوت العربية.


أنا أصلًا مش ميكانيكي ولا افهم في المواتير المعقدة، بس قلت يمكن ألمح سلك مفكوك، كابل بطارية مهزوز، ولا حاجة بسيطة أتحرك بيها لأقرب بنزينة.


أحمد نزل ورايا فوراً ووقف جنبي على  الطريق الترابي... حط إيديه في جيوب بنطلونه، وبص حواليه في الضلمة وقال بنبرة فيها خوف مكتوم بيحاول يخفيه:


المكان ده مقطوع بطريقة تخوف يا إسلام... أنت سامع حاجة؟ مفيش حتى صوت صرصار ليل!


رفعت راسي من الكبوت وبصيت حواليا في الفراغ... كان عنده كل الحق.

يمين... صحراء كاحلة ملهاش آخر.

شمال... صحراء.

والطريق نفسه فاضي بشكل مش طبيعي، كأننا مقطوعين في كوكب تاني خالي من البشر، من ساعة ما العربية وقفت وشغلنا الفلاش، ولا نور عربية واحدة ظهر من بعيد على الطريق.


قفلت الكبوت ، وطلعت الموبايل من جيبي عشان أطلب أي حد أو نكلم نجدة الطريق...


مفيش شبكة....

أحمد طلع موبايله هو كمان بسرعة، وبص في الشاشة بغل، وبعدين بصلي وضحك:


حتى الشبكة قررت تسيبنا وتخلع في الوقت المناسب ده!


ضحكت ضحكة خفيفه عشان أهدي اللعب وما نتوترش أكتر، بس جوايا كان الشك والخوف بدأوا يآكلوا فييا بجد.


سندت على ضهر العربية وبصيت لطول الطريق الممتد، الدنيا كانت ساكنة بشكل غريب ويضغط على الأعصاب... حتى الهوا نفسه كان واقف مبيتحركش وكأن الزمن اتجمد.


وفجأة... أحمد مسك دراعي بقوة وشدني بعنف ناحيته!


إاسلام! بص هناك كده بسرعة!


بصيتله بسرعة :

في إيه يا أحمد؟! شفت حاجة؟!


كان بيشاور بصباعه على اتجاه عمق الصحرا في أخر الطريق... بعيد جداً.


كان فيه نور.

نور أصفر هادئ... وبينبعث منه هالة ضباب خفيفة.


في الأول افتكرته كشافات عربية مركونة أو استراحة قديمة، لكن النور كان ثابت مبيتحركش ولا بيرمش.


ثبت نظري أكتر وحطيت إيدي فوق عيني عشان أجمع المعالم... وبدأت ملامح مبنى قديم وضخم تظهر وسط العتمة والهدوء.


قلت باستغراب شديد وأنا مش مصدق عيني:

هو... ده فندق؟! في نص الصحرا والمقطعة دي إزاي؟!


أحمد هز كتفه وهو بيبص للمبنى بذهول وحيرة:

معرفش والله يا إسلام... بس واضح جداً إن أنواره قايدة ومفتوح!


فضلنا واقفين نبص عليه كام ثانية في صمت...

الغريب والمريب جداً في المشهد... إن المبنى كان منور بالكامل، كل شبابيك الدورين ضربة نور أصفر، كأن فيه نزلاء وموظفين وكأن الحياة شغالة جوه عادي جداً... رغم إنه مبنى مقطوع في النص مفيش حوليه بني آدم حتى!


قلت بقلة حيلة وأنا بمسك إيد أحمد عشان نتحرك:


مفيش قدامنا حل غيره يا أحمد... تعال نروح نشوف فيه تليفون أرضي نطلب منه مساعدة ولا حد يوجهنا لميكانيكي. 


أحمد بلع ريقه بصعوبة ووافق وهو بيهز رأسه:

يلا بينا... القعدة جنب العربية في الظلمة دي تقصر العمر.


قفلنا العربية كويس بالمفتاح وأمنّا الأبواب، أخدت الكشاف الصغير اللي في الشنطة، وأحمد مسك شنطته الشخصية... وبدأنا نمشي خطوة بخطوة في السكة الترابية ناحية المبنى المنور وسط الصحرا.


كل ما كنا بنقرب... شكل المبنى كان يبان أوضح، وأغرب، وأرعب.


مبنى قديم متصمم بطراز قديم من دورين، الدهان بتاعه متآكل ومقشر من الرطوبة والزمن... بس كل شبابيك الدورين كانت منورة بنور دافي !


ولافتة خشبية كبيرة متعلقة فوق الباب الرئيسي، مكتوب عليها بخط عربي قديم:


فندق الواحة


وقفنا قدام الباب الخشبي الضخم...


واللي أربك حساباتي تماماً وخلاني أتردد وأقف مكاني...


إن مفيش أي عربية مركونة قدامه...


ولا فيه أي صوت بشر طالع منه...


الأنوار كلها شغالة....


وكأن الفندق ده... مستنينا إحنا بالذات نوصّل.


صدقني... اللي قريته دلوقتي كان أهدى جزء في الحكاية.

لأن الرعب الحقيقي... بدأ أول ما عدينا باب الفندق.



الفصل الثاني والاخير من هنا



تعليقات

close