عينت خدامة عشان تنضف بيتي المهجور
عينت خدامة عشان تنضف بيتي المهجور.. بس اللي لقيتها بتعمله مع ولادي كسر قلبي وحتة مني!
نادر رجع البيت بدري لأول مرة من شهور، ولقى مزيكا في بيت كان نسي أصلاً إزاي يتنفس.
الساعة كانت 447 العصر، لما ركن عربيته الفخمة قدام قصره في أطراف المدينة. رجوعه بدري ساعتين كان حاجة غريبة جداً لراجل حياته كلها عبارة عن اجتماعات، صفقات، وضغط شغل مبيخلصش.. كأن العالم هيقف لو مأمضاش على ورقة.
سابه مكتبه في البرج العالي من غير ما يقول لحد، فك الكرافتة الحرير وساق عربيته وهو حاسس بتعب مش بس في جسمه، ده في روحه. كل اللي كان عاوزه هو الهدوء. كان عاوز يرمي نفسه على الكنبة ويغمض عينه ويختفي في السكون لحد الصبح.
بيته كان المفروض يديله الهدوء ده.. القصر كان عبارة عن تحفة فنية من الزجاج والرخام، بس كان أشبه ب معرض أكتر من إنه بيت. كل ركن فيه غالي، كل أوضة مترتبة بالمسطرة، وكل صدى صوت بيفكره بالبشر اللي كانوا ماليين المكان قبل ما الحزن يفضيه.
من ساعة وفاة مراته سارة، البيت بقى زي المتحف.. بارد، جميل، وساكت سكوت يوجع القلب. بس لما نادر فتح الباب، ملقاش السكوت ده في استقباله.
كان فيه صوت مزيكا طالعة من الصالة.. مش صوت
تليفزيون، ولا صوت سماعات غالية.. ده كان صوت حي، صوت إنساني. صوت ست دافي وقوي وهي بتغني بتركيز، وتحته صوت جيتار صغير بيعزف بنغمات رقيقة، ومعاهم دقات خشبية مترددة كأنها دقات قلب.
الإيقاع مكنش مثالي، كان فيه لخبطة بسيطة.. بس كان له روح. خلى الهوا جوه البيت يتحول لحاجة نادر محسش بيها من سنين.. الحياة.
نادر حط شنطة شغله على الأرض بالراحة، ومشي ناحية الصالة بخطوات خفيفة، وكأنه خايف إن أي حركة تهد المشهد اللي بيحصل جوه. وقف عند الباب.. واللي شافه خلاه يقطع النفس.
روز، الست اللي عينها من 3 شهور عشان تنضف البيت وتعمل أكل خفيف، كانت قاعدة على الركبة في نص الصالة، وضاربة فيها شمس العصر. قدامها كان مازن، ابنه اللي عنده 6 سنين، قاعد ومربع رجله وفي حضنه جيتار أحمر صغير، وصوابعه الصغيرة بتضغط على الأوتار بتركيز رهيب خلى نادر ميعرفوش.
وعلى يمين روز، كان ياسين، أخوه التوام، حاطط إيده على طبلة خشبية صغيرة، وعينه منسجمة مع روز وكأنها هي المركز الوحيد الثابت في عالم بيلف بيهم.
نادر متحركش من مكانه، ولا رمش بعينه. فضل مستخبي في طرقة بيته، بيراقب معجزة بتحصل قدام عينه بالحركة البطيئة.
بقاله سنتين بيراقب ولاده
وهما بيختفوا.. بعد ما سارة ماتت في حادثة، مازن وياسين انكمشوا على نفسهم. مش مرة واحدة ولا بزعيق، هما انسحبوا سنتيمتر ورا التاني، كأن فيه بابين صغيرين بيتقفلوا لحد ما بقى يدوب خيط نور بسيط اللي باين.
في الأول الناس قالوا لنادر ده حزن، وبعدين قالوا وقت وهيتعودوا، لحد ما المتخصصين بدأوا يتكلموا بصوت واطي.. انسحاب عاطفي حاد، صعوبة في التواصل، تأثير الصدمة. نادر دفع أغلى المبالغ لأشطر دكاترة نفسيين، نقلهم أغلى مدارس، عملهم جداول مكافآت وتمارين حزن.. مفيش حاجة نفعت!
يا ترى روز عملت إيه عشان تفتح قلوب الأطفال اللي اتقفلت؟ وإيه السر اللي هيعرفه نادر عن الست دي هيخليه يندم على كل يوم عدا من غير ما يفهم ولاده؟ الحكاية لسه فيها مواجهة هتهز المشاعر!
نادر فضل واقف مكانه
مش قادر يتحرك ولا حتى يصدق اللي شايفه.
مازن بيضحك ضحك حقيقي، مش الابتسامة الباهتة اللي كان بيرسمها بالعافية قدام الدكاترة.
وياسين بيخبط على الطبلة بإيقاع غلط بس عينيه مليانة نور.
نور اختفى من سنتين.
روز كانت بتغني بصوت هادي
خلي الصوت يطلع حتى لو مش مظبوط
مازن بص لها بتوتر
غلط أنا غلط.
روز هزت راسها بابتسامة
مفيش غلط هنا إحنا بنحاول بس.
الجملة دي دخلت في قلب نادر زي السكينة.
مفيش غلط.
هو كان بيعمل العكس تماماً.
رجع خطوة لورا من غير صوت
وقفل الباب بهدوء
وراح مكتبه.
قعد على الكرسي
وبص لإيده.
أول مرة يحس إنه مش فاهم ولاده.
ولا عمره فهمهم.
بعد شوية، الصوت وقف.
والأطفال دخلوا المطبخ مع روز
ضحكهم لسه مكمل.
نادر خرج وكأنه لسه داخل البيت حالاً.
فتح الباب بصوت واضح.
روز خرجت من المطبخ، وشها طبيعي جداً
أهلاً يا فندم حضرتك رجعت بدري النهاردة.
نادر بص لها نظرة طويلة.
إيه اللي كان بيحصل في الصالة؟
سكتت لحظة
وبعدين قالت ببساطة
كنا بنغني.
ولادي كانوا بيضحكوا.
الجملة خرجت منه كأنه مش مصدقها.
روز بصت له بهدوء
آه بيضحكوا.
نادر قرب خطوة
إنتي عملتي إيه معاهم؟
روز ما تهزتش
ولا ارتبكت.
قالت بهدوء
ولا حاجة.
نادر صوته علي شوية
ولا حاجة إزاي؟ أنا جبت دكاترة من بره مصر ومحدش عرف يعمل اللي إنتي عملتيه في 3 شهور!
روز بصت له نظرة فيها حاجة غريبة مش تحدي مش خوف
وجع.
قالت
يمكن عشان أنا ما حاولتش أصلّحهم.
نادر سكت.
روز كملت
كل اللي حواليهم كان بيحاول يرجّعهم زي الأول وأنا بس قبلت إنهم اتغيروا.
الكلام وقع تقيل.
في اللحظة دي، ياسين دخل جري
بابا! بص أنا
عزفت!
وقف فجأة لما شاف نادر
ابتسامته اختفت نصها.
نادر حس بقلبه بيتكسر.
قرب
منه بهدوء
توريني؟
الولد اتردد
بص لروز.
روز ابتسمت له بس من غير ما تتكلم.
ياسين رفع الطبلة وخبط خبطتين خفيفين.
نادر صقف
بحماس حقيقي
برافو!
الولد اتفاجئ.
أول مرة.
مازن دخل بعده ماسك الجيتار.
وقف بعيد
مستني.
نادر ركع على ركبته قدامه
تعزفلي؟
مازن بص له
وفي عينه سؤال
هتقول غلط؟
نادر ابتسم
حتى لو غلط.
الولد بدأ يعزف
النغمة كانت مكسورة
بس حقيقية.
وعيون نادر دمعت.
ليلًا
نادر كان واقف في البلكونة.
روز كانت بترتب المطبخ.
نادى عليها
روز.
طلعت له.
سألها بهدوء
إنتي اتعلمتي ده فين؟
سكتت شوية
وبعدين قالت
في بيت كان ساكت زي ده بس مكنش فيه حد يسمع.
نادر لف لها
تقصدِي إيه؟
روز أخدت نفس
كان عندي ولد بعد ما فقد أبوه، سكت خالص وأنا حاولت أرجعه بالعافية لحد ما سكت أكتر.
الصمت نزل بينهم.
خسرته.
قالتها ببساطة
بس كسرت حاجة جوا نادر.
روز كملت
بس قبل ما يمشي كان بيحب يضرب على أي حاجة صوت أي صوت كان بيخليه يحس إنه لسه موجود.
نادر حس إنه مش قادر يتنفس.
أنا مش بعالج
ولادك أنا بس بسمعهم.
في اللحظة دي
نادر فهم.
مش بس روز
فهم نفسه.
بص للبيت
الصالة اللي كانت من شوية مليانة صوت
وقال بهدوء
أنا كنت السبب في سكوتهم.
روز ما ردتش
بس نظرتها قالت كل حاجة.
تاني يوم
نادر لغى كل جلسات الدكاترة.
لغى الجداول.
لغى خطط الإصلاح.
وقعد على الأرض
جنب ولاده.
وقال
تعلموني أغني معاكم؟
اللحظة كانت بسيطة
بس بداية.
والسر الحقيقي؟
مش روز
السر كان إن أول مرة
حد اختار يسمع
مش يصلّح.
واللي نادر لسه ميعرفوش
إن التغيير ده
مش هيقف عند الضحك بس.
فيه حاجة أكبر
حاجة هتخليه يعيد بناء حياته كلها من جديد.
والحكاية لسه مكملة.
الأيام اللي بعدها كانت مختلفة
مش اختلاف فجائي وصاخب لأ، كانت خطوات صغيرة بس ثابتة.
نادر بقى يرجع بدري.
مش كل يوم بس كفاية إن البيت يبدأ يحس بوجوده.
مازن بقى يقعد في الصالة مستني الجيتار
وياسين بقى يخبط على الطبلة حتى لو لوحده.
وروح البيت رجعت بالتدريج.
في ليلة هادية، نادر دخل الصالة لقى ولاده قاعدين مع روز
بس المرة دي،
ما دخلش متخبي.
دخل وقعد معاهم من غير ما يستأذن.
روز وقفت عشان تمشي، لكنه قال بهدوء
خليكي لو سمحتي.
بصت له لحظة وقعدت تاني.
نادر مسك الجيتار الصغير حاول يعزف
طلع صوت نشاز خلى ياسين يضحك.
ضحك من قلبه.
نادر ضحك معاهم.
وبعد شوية قال
أنا عايز أقول حاجة.
الصالة سكتت.
نادر بص لولاده
ولأول مرة، عينه ما فيهاش خوف ولا ذنب بس فيها صدق.
أنا كنت فاكر إني بحميكم بس أنا كنت بهرب.
مازن بص له
مش فاهم كل الكلام بس حاسس بيه.
نادر كمل
كنت بسيبكم لوحدكم مع الحزن عشان أنا مش قادر أواجهه.
سكت لحظة
وبعدين قال
أنا آسف.
الكلمة نزلت تقيلة
بس صادقة.
ياسين قرب منه
وسأله ببساطة
هتفضل معانا؟
نادر ابتسم
ودموعه نزلت
آه المرة دي مش همشي.
بعدها بشهور
البيت اتغير.
مش في شكله
في إحساسه.
بقى فيه صوت كل يوم
ضحك مزيكا حتى الخناقات الصغيرة.
نادر بدأ ياخد ولاده يتمشوا
يروحوا أماكن بسيطة
مش فخمة بس حقيقية.
وفي يوم
مازن قال له
بابا نعمل حفلة؟
نادر ضحك
حفلة؟ لمين؟
ياسين رد بحماس
لنا
إحنا!
وفعلاً
عملوا حفلة صغيرة في الجنينة.
مش مدعوين كبار
ولا أكل فاخر.
بس في ناس قليلة
وصوت مزيكا.
وفي نص الحفلة
مازن وقف
ومسك المايك الصغير.
بص لروز
وبعدين لنادر.
وقال
الأغنية دي لماما.
الصمت نزل.
نادر قلبه وقف لحظة.
مازن بدأ يعزف
وياسين دخل معاه بالإيقاع.
اللحن بسيط
بس فيه إحساس.
ونادر
وقف مكانه
الدموع نزلت من غير ما يحس.
لأول مرة من يوم ما سارة ماتت
ماهربش من ذكراها.
سمعها
حس بيها
وخلاها تعيش في ولاده مش تختفي.
بعد الحفلة
نادر وقف مع روز.
قال لها
أنا مدين لك بحياتي.
روز ابتسمت ابتسامة هادية
لا إنت بس فتحت الباب.
نادر سألها
هتفضلي؟
روز سكتت شوية
وبعدين قالت
مش لازم أفضل لأنهم خلاص بقوا قادرين يكملوا.
وفي الصبح
روز مشيت.
من غير دراما
من غير وداع كبير.
سيبت ورقة صغيرة على الترابيزة
البيت اللي فيه صوت عمره ما يفضل مهجور.
نادر مسك الورقة
وبص حوالين البيت.
مازن بيغني
وياسين بيخبط
والشمس داخلة من الشباك.
ابتسم.
لأنه أخيراً فهم
إن البيت مش الرخام
ولا
الهدوء
البيت هو الناس اللي فيه
والصوت اللي بيملأه.
قرب من ولاده
وقعد معاهم على الأرض.
وقال
يلا نبدأ من الأول.
والمرة دي
ماكانش فيه خوف من النهاية.
لأن النهاية اتقفلت
واللي بدأ بعدها
كان حياة.


إرسال تعليق