مفتاح الخزنه
مفتاح الخزنه
بعد تلات شهور سفر وشغل بره، رجعت بيتي لقيت مراتي خاسة أكتر من عشرة كيلو.. بس اللي جمد الدم في عروقي بجد هو اللي عرفت إنه بقى عايش جوه بيتي.
اسمي إياد فوزي.
من تلات شهور، سيبت القاهرة وسافرت أسوان عشان مشروع تأمين وحراسة كبير هناك. الصبح اللي سافرت فيه، مراتي نور كانت زي الورد. هادية، ملامحها مرتاحة، والضحكة اللي على وشها كانت دايماً بتحسسني إن مهما الدنيا ضاقت، البيت هيفضل أماني لما أرجع.
بس لما رجعت.. والله ما عرفتها.
كانت مستنياني في المطار، وللحظة افتكرتها واحدة تانية خالص. كانت لابسة تيشيرت قديم وبهتان.. عضم رقبتها بارز.. وشها شاحب وخاسس جداً.. وعينيها كان باين فيها سهر وتعب بقاله أسابيع.
ابتسمت لي بوجع وقالت حمد لله على سلامتك يا إياد..
صوتها كان واطي، مخنوق، طالع بالعافية.
حسيت بوجع في صدري وقتها نور.. إيه اللي حصل لك؟ إيه اللي عمل فيكي كده؟
بصت في الأرض بسرعة وقالت مفيش.. تلاقيني بس مجهدة شوية من قلة النوم.
كنت عارف إنها بتكذب، بس مكنتش متخيل الكذبة واصلة لفين. الحقيقة خبطت في وشي أول ما دخلنا فيلتنا في التجمع.. أول ما خطيت عتبة الباب.. دمي اتجمد.
فيه ناس غريبة عايشة في بيتي!
تلات عيال بيجروا في الصالة، بيتنططوا على عفشي وكأنه مِلكهم. راجل غريب ممدد على الكنبة وحاطط رجله بالجزيرة على ترابيزة الصالون، وماسك الريموت بيقلب في التلفزيون وكأنه هو اللي دافع تمنه. وست حاطة مكياج تقيل وقاعدة على الكرسي بتبص في أركان البيت بنظرات فاحصة، كأنها بتسعّر العفش.
وقفت مكاني مذهول.. ونور حتى مكنتش قادرة تبص في عيني. قالت لي بسرعة اتفضل ادخل.. وجريت على المطبخ.
مشيت ورا صوت خبط الحلل والزعيق.. المطبخ كان عامل زي الساحة، دخان في كل حتة، دوشة وتوتر يخنقوا. وفي وسط كل ده، كانت أمي واقفة بتزعق
يا نور! فين صوص الصويا؟ كام مرة هقولك الحاجه تفضل في مكانها؟
غمضت عيني لحظة.. أمي طول عمرها مكنتش بتنطق اسم مراتي أبداً، كانت دايماً بتعاملها بجفاء. ودلوقتي بتناديها باسمها عشان بس تديها أوامر وتشخط فيها؟
بصيت ل أبويا، كان قاعد بيمزمز في كوباية شاي وكأن الموضوع عادي جداً. سألته بذهول مين الناس دي يا بابا؟
رد ببرود دول قرايبنا.. جُم من البلد يقضوا كام يوم.
بصيت له بصدمة.. إحنا ملناش قرايب بالشكل ده، ولا عمرهم اتذكروا، ولا ليهم أي حق يقعدوا في بيتي ويحتلوه كده.
على العشا، قعد تسع تنفار على السفرة. تسعة.. ومراتي؟ مراتي كانت قاعدة على كرسي صغير في ركن المطبخ زي الخدامة. طبقها مكنش فيه غير شوية رز وخضار،
وملمستش أي حاجة من الأكل الأساسي.
واحد من العيال الصغيرين داق حتة فراخ وراح راميها في الطبق وقرفان دي طعمها وحش!
والست اللي كانت قاعدة في الصالة قالت ببرود والشوربة ملحها زيادة.
أمي صوتها علي فوراً سمعتي يا نور؟
نور ردت بصوت مكسور حاضر يا ماما.. حاضر.
الليلة دي منمتش. لما نور نامت، سحبت نفسي ورحت المكتب. فتحت نظام المراقبة بتاع البيت.. النظام اللي أنا مجمعه ومصممه بنفسي. جبت تسجيلات اليوم اللي سافرت فيه.
اليوم التالت القرايب وصلوا. الراجل دخل وبدأ يتفحص البيت.. وقف قدام الخزنة اللي في الحيطة.. الست ابتسمت وقالت كلمة قريت حركت شفايفها فيها البيت ده يساوي ملايين.
من اليوم ده، حياة نور اتحولت لسجن. صحيان من الفجر.. طبخ.. تنضيف.. غسيل على الإيد.. تربية عيالهم.. أوامر من أمي ومن الست الغريبة.
يوم 25 أنا كنت بتصل بيها. اسمي ظهر على شاشة موبايلها حبيبي إياد. نور مدت إيدها بلهفة ترد.. راحت أمي سحبت الموبايل منها وكنسلت المكالمة وقالت لها مترديش.. هو مشغول. وشفت أمي وهي بتعمل تحويل مكالمات لرقمها هي عشان تضمن إن نور متعرفش توصل لي!
كنت لسه هقفل الشاشة، لما شفت آخر فيديو اتسجل.. إمبارح الساعة 1152 بليل.
نور كانت لوحدها في الصالة بتمسح في صمت.. الباب الخارجي اتفتح والراجل القريب ده دخل. بص يمين وشمال يتأكد إن مفيش حد.. وطلع من جيبه مفتاح الخزنة بتاعتي!
بص لنور بابتسامة خبيثة وقال جملة خلت دمي يبقى تلج اصبري بس شوية.. خلاص، الوقت قرب.
قمت من مكاني والكرسي وقع ورايا.. عشان الخزنة دي ملهاش غير نسختين مفاتيح بس. نسخة معايا.. والنسخة التانية كانت أمانة مع أمي!
بقلم انجي الخطيب
قمت من مكاني بسرعة لدرجة إن الكرسي اترزع في الحيطة ورايا.
للحظة، مكنش فيه نور في الأوضة غير ضوء شاشة المراقبة اللي حامي عيني من العتمة. على الشاشة، الراجل اللي أبويا قال عليه قريبنا كان واقف في مكتبي وكأنه صاحب البيت، بيقلب النسخة التانية من مفتاح خزنتی بين صوابعه، ونور بتمسح الصالة في صمت. بص لها وابتسم وقال هانت.. مكنش فاضل غير القليل.
وقتها بس اتأكدت إن الموضوع ملوش أي علاقة بكرم الضيافة.
ولا هو مساعدة قرايب جايين من البلد، ولا هو صلة رحم، ولا حتى إن أمي طبعها صعب زي ما كنت دايماً ببرر لنفسي. ده كان تخطيط.. ومؤامرة. وأي حاجة هما مستنيينها، كانت جوه الخزنة الحديد اللي متثبتة في الحيطة ورا برواز لوحة جدي.
دمي هرب من جسمي، بس مكنش بسبب الخوف، ده كان غل.
لأني عارف بالظبط إيه اللي جوه الخزنة دي. أصل عقد الفيلّة
اللي في التجمع. عقود شركة فوزي للأنظمة الأمنية اللي بنيتها من الصفر بعد عشر سنين شغل. الختم الرسمي للشركة، توكيل الصرف البنكي، ورق عربيتي، ساعات جدي الدهب، مبلغ طوارئ متشال، ووصية جدتي اللي كتبت لي البيت ده باسمي أنا تخليص حق، مش لأبويا ولا لأمي ولا ل العيلة.. ليا أنا بس.
وأمي كانت بتكره الحقيقة دي بقالها أربعتاشر سنة.
رجعت التسجيل عشرين ثانية لورا.
الراجل دخل من باب الجنينة، مش من أوضة الضيوف، يعني كان بره بيعمل مكالمة أو بيشيك على حاجة مش عايز حد يشوفها. بص لكاميرا الطرقة، وبعدين ناحية المكتب، وطلع المفتاح من جيبه كأنه بيطمن نفسه إن المستقبل خلاص بقى في إيده. نور ماردتش عليه، ضغطت على حتة القماش اللي في إيدها وفضلت تمسح ترابيزة الصالون وكأن الصمت هو آخر حيطة بتتحامى فيها.
قربت من الشاشة أكتر.
الراجل قال حاجة تانية، المرة دي أبطأ. نور هزت راسها بالرفض. خطى نص خطوة ناحيتها.. مالمسهاش، وده كان أبشع.. لأنه كان واثق من سيطرته لدرجة إنه مش محتاج يلمسها.
خبطة على باب المكتب كانت هتخليني أكسر الشاشة بإيدي.
لفيت بسرعة.. كانت نور.
واقفة على الباب ب تي شيرت قديم من بتوعي، وشورت واسع عليها جداً. رابطة شعرها بإهمال كأن مفيش طاقة حتى تسرحه. في ضوء المكتب الضعيف، شفت الهالات السودة تحت عينيها أعمق بكتير من اللي شفتها في المطار، وعضم إيدها بارز بشكل يوجع القلب.
إياد؟ قالتها بصوت واطي.. أنت صاحي ليه؟
لثانية، مكنتش عارف أرد أقول إيه.
لأن الحقيقة إني لو قلت لها أنا شفت إيه، السيطرة اللي ماسك بيها أعصابي هتنهار. كان نفسي أنزل دلوقتي، أسحل الغرباء دول في جنينة البيت، وأخلي أمي تنطق وتبرر اللي عملته قدام الناس. بس تلات شهور سفر علموني حاجة واحدة الناس دي راهنت على غيابي، وعلى ثقتي العمياء. لو اتحركت بغباء دلوقتي، هديهم فرصة يهربوا.
قفلت اللابتوب نص قفلة وقلت مجاليش نوم.
بصت لي، وحسيت برعشة خوف في عينيها.. مش خوف مني، ده خوف إني أكون عرفت حاجة. الوجع ده كان أصعب من اللي شفته في الكاميرا.. إنها تكون اتعودت تعيش في بيت كله كذب لدرجة إنها بقت تخاف من الحقيقة نفسها.
قربت منها براحة، كأني خايف أي حركة مفاجئة تكسر الباقي من هدوئها، وقلت لها حد فيهم مد إيده عليكي؟
نور نزلت عينيها في الأرض فوراً.
ودي كانت إجابة كافية.
الصمت اللي بينا اتملى بكل مكالمة أمي قفلتها، وبكل رسالة اتمسحت، وبكل لحظة كنت فاكر فيها إنها نايمة أو مشغولة. الإحساس بالذنب خبطني خبطة قوية، بس الذنب ملوش لازمة لو ماتحولش لفعل، والنهاردة
أنا مش هسمح بالعجز.
تعالي هنا، قلت لها.
ترددت ثانية وبعدين رمت نفسها في حضني. أول ما إيدي لفت على كتافها، الحقيقة اللي كنت خايف أواجهها بقت ملموسة.. نور خست جداً لدرجة إني حسيت إن روحي بتنسحب مني. مش بس عشان الوزن اللي نزل، لكن عشان معنى ده.. إن فيه حد كسرها وصغرها جوه بيتي، وهو بياكل على ترابيزتي.
خبت وشها في صدري، ولأول مرة من ساعة ما رجعت، حسيت بيها بتترعش.
أنا آسفة، همست بصوت مخنوق.. مكنتش عارفة أوقفهم إزاي.
غمضت عيني بقوة.
لا، رديت بصوت حاد ومكتوم. إنتي متعتذريش ليا أبداً على اللي اتعمل فيكي.
كانت بتعيط من غير صوت. العياط المكتوم ده بيرعبني أكتر من الانهيار.. ده الصوت اللي بيتعلمه البني آدم لما يفقد الأمل إن صراخه هيغير حاجة. فضلت حاضنها لحد ما رعشتها هديت، وبعدين قعدتها على الكرسي الجلد ونزلت على ركبتي قدامها.
اسمعيني كويس، قلت لها.. كل اللي بيحصل في البيت ده هينتهي دلوقتي. بس محتاج منك الليلة دي بس.. الليلة دي عشاني.. تقدري؟
هزت راسها وهي بتمسح عينيها.
وبصوت ضعيف، زي الأطفال، قالت مامتك كانت بتقولي لو ضايقتك وأنت شغال هتفتكرني ضعيفة.. كانت بتقولي الست الأصيلة هي اللي تشيل عيلة جوزها.. وإنك لو عرفت إني بشتكي، هتعرف إني مش قد إني أكون من عيلة فوزي.
بصيت لإيدي، لأني لو بصيت في وشها أكتر من كده هفقد قدرتي على التفكير بعقل.
أمي ملهاش حق تقرر التمن اللي العيلة بتدفعه، قلت لها.. مش بعد النهاردة.
نور بصت لي وكأنها نفسها تصدقني، بس معندهاش أمل كفاية يخليها تطمن.
وبعدين قالت الجملة اللي غيرت شكل الليلة كلها هما عايزين اللي في الخزنة.
رفعت راسي بسرعة.
هزت راسها وقالت سمعتهم.. من تلات أسابيع.. مامتك والراجل ده.. كانوا فاكرين إني نمت على الكنبة بعد ما العيال بطلوا دوشة. قالت له إن الأصول جوه.. عقود البيت.. ورق الشركة.. وحاجة عن التوكيلات وتخليص كل حاجة قبل ما أنت ترجع وتشك.
الهوا في الأوضة كأنه اتسحب.
قالت اسمه؟
كريم، نور قالت.. أو رامي.. الست التانية نادته مرة ب كيمو وهما في المطبخ. دي مش مراته يا إياد، دي مجرد واحدة بتخلي العيال ينادوها ماما لو فيه حد غريب شايفهم.
رجعت لورا على كعبي من الصدمة.
يعني دول مش بيمثلوا إنهم قرايبنا وبس، دول أدائهم جوه البيت أسوأ من تخطيطهم براه! نصابين.. مش ولاد عم ولا ضيوف. محتلين، بشنط وعيال وسيناريو مرسوم عشان يبانوا طبيعيين قدام الجيران.
نور شبكت إيديها في بعض وبصت للسجادة.
مكنتش عارفة أوصلك إزاي، قالتها بكسرة.. خدوا تليفوني. مامتك بقت ترد على مكالماتك من أوضة تانية. وبعدين قالت للكل إني أعصابي تعبانة وبدلع ومش قادرة أدير
البيت في غيابك. وبعد فترة.. حتى باباك بطل يستغرب اللي بيحصل.
الجملة دي نزلت زي السكينة.
أبويا كان قاعد في الصالة النهاردة بيشرب شاي وكأنه بيتفرج على النشرة. لا مصدوم ولا حاسس بالذنب. هادي. القسوة السلبية بتفضل قسوة، وساعات بتدمر أكتر لأنها بتدي تصريح للكل إن الظلم ده مسموح بيه. كنت عايز أصدق للحظة إنه بس ضعيف.. بس التسجيلات بتقول غير كده.
فتحت اللابتوب تاني واديتها كوباية ماية، وكملت تدوير في التسجيلات. لو دي عملية نصب، أنا محتاج أكتر من الشك والغضب. محتاج تواريخ، وشوش، حركات متكررة، وأدلة مفيش محامي ولا ظابط يقدر يجادل فيها. مراتي قاعدة متلفة في التي شيرت بتاعي بتشرب الماية، وأنا برجع 90 يوم لورا، وببني القضية اللي محدش في البيت يعرف إن حبل المشنقة بتاعها بدأ يلف حوالين رقبتهم.
على الساعة 213 الفجر، كانت الخيوط كلها اتجمعت في إيدي.
اليوم السادس أمي دخلت كريم المكتب، في الوقت اللي أبويا كان ملهي نور بره بعيلين بيصرخوا وحوار وهمي عن حوض الحمام اللي اتسد. كريم صور الحيطان، مكان الخزنة، وأدراج المكتب.
اليوم ال 14 الست المتزوقة دي سلوى، زي ما عرفت كانت بتفتش في دولابي وبتقيس غوايش نور قدام المراية وبعدين ترميهم في الدرج كأنهم كراكيب.
اليوم ال 31 أمي ادت لكريم ملف فيه إشعارات ضرايب العقارات وورق قديم ملهاش أي حق تلمسه.
اليوم ال 47 كان أبشع.
كاميرا المطبخ جايبة أمي ماسكة تليفون نور وبتبعت رسالة لحد وبتضحك. بعدها ب 30 ثانية، كريم دخل المطبخ، بص للطرقة، وقالها حاجة خلتها تضحك بصوت عالي. سلوى فتحت التلاجة، طلعت علبة الفراخ اللي نور كانت عملاها لنفسها، وادتها لواحد من العيال. التلاتة واقفين بيتكلموا عادي جداً، في الوقت اللي نور باينة من باب أوضة الغسيل بتغسل الملايات على إيديها زي الخدامة في البيت اللي بفلوسي!
وبعدين جه اليوم ال 53.
نور قاعدة بتدفع الفواتير.. أمي حطت قدامها ورقة وشاورت لها بضفرها على مكان الإمضاء. نور قرأتها، جسمها اتخشب وهزت راسها بالرفض. أمي خبطت على الترابيزة.. كريم ظهر في الكادر ثواني بعدها، ساند على الباب ومكتف إيده. ملمسهاش.. مش محتاج. الرجالة اللي من النوع ده عارفين إزاي يوصلوا التهديد في شكل صبر.
نور بصت للشاشة وهمست ده كان التوكيل العام.
لفيت لها.
كملت قالوا إنه مؤقت.. وإنك محتاج حد يمشي أمور البيت وأنت في أسوان، وإنك موافق على ده. بس التوكيل كان فيه تصرف في الفلوس والبريد والأملاك. قلت لهم إني لازم أسألك الأول.
وبعدين؟
بلعت ريقها مامتك قالت لي لو بحبك بجد، أبطل غباء.
للحظة، مكنتش قادر
أنطق.
التسجيلات تقدر تثبت الإجبار.. بس اللي متقدرش تبينه هو التراكم. الساعات.. نبرة الصوت.. إزاي شهية الواحد بتقفل لما كل وجبة بتبقى تحت المراقبة. إزاي النوم بيطير لما البيت اللي بتسكن فيه يتحول لأرض عدو. مراتي مكنتش بتحارب وحش واحد، دي كانت بتحارب نظام كامل من الإهانات الصغيرة المعمولة مخصوص عشان تخليها تشك في حقها إنها ترفض.
على الساعة 251 الفجر.. لقيت المحادثة اللي عرت كل حاجة لدرجة القرف.
كانت في أوضة الفطار، بعد نص الليل. نور مكنتش باينة، ولا العيال. بس أمي، أبويا، كريم، وسلوى قاعدين على الترابيزة. الصوت كان ضعيف بس مسموع، لأني كنت مركب مايك دقيق هناك من سنين بعد حادثة سرقة في الشارع.
كريم قال أول ما الأصول تطلع من الخزنة، هنتحرك أسرع.
سلوى سألت والزوجة؟
أمي ردت بهدوء يخلي الجلد يقشعر على ما إياد يفهم حاجة، هيكونوا بيتخانقوا. هي طالعة مجنونة قدام الكل دلوقتي.. مابتاكلش، مابتنامش.. أنا مفهمة الناس كلها إنها مش مستحملة الضغط وإن أعصابها تعبانة.
أبويا منطقش بكلمة.
كريم ضحك ولو وقف لنا؟
أمي هزت كتفها مش هيعمل حاجة.. إياد طول عمره بيحب يلم الفضايح في السر.
الأوضة سكتت لدرجة إني كنت سامع صوت التلاجة في التسجيل.
نور حطت إيدها الاتنين على بوقها.
وقفت الفيديو، مكنش فيه داعي تسمع أكتر من كده.
غمضت عينيها، ودمعتين نزلوا في صمت. أنا شفت مراتي دي بتضحك لحد ما نفسها بيتقطع.. شفتها بتتعصب في الزحمة، بتفرح بالكلاب الضالة، بتعاند في ألوان الدهانات، وحنينة مع بنت أختي. بس عمري ما شفتها مطفية ومستنزفة كده. وده يفرق كتير.. مش عشان بيخليها هشة، لأ.. عشان بيأكد لي قد إيه اللي اتعمل فيها ده كان ممنهج ومدروس.
مسكت تليفوني.
الساعة 307 الفجر، كنت بكلم حازم، المحامي بتاعي. حازم مبيردش تليفونه بالليل غير ل 3 أشخاص، بس أول ما سمع كلمة تشكيل عصابي وتزوير فاق تماماً. سمعني من غير مقاطعة وأنا بلخص له الفيديوهات والمكالمات ومحاولة التوكيل ومفتاح الخزنة المنسوخ.
قال لي جملة واحدة ماتواجههمش دلوقتي. ارفع كل حاجة على سحابتين تخزين وهارد خارجي. الصبح هكون عندك ومعايا قوة من المباحث. لو فتحوا الخزنة دي متصورة، أو حاولوا يسرقوا الورق بعد ما نثبت إنهم متعمدين، القضية دي هتتحول من مجرد قرف عائلي لجناية تزوير وسرقة.
بعدها كلمت طارق، صاحبي اللي شغال في تحريات الأموال العامة.
رد من أول رنة بصوت واحد متعود إن مفيش مصيبة بتيجي بعد 3 الفجر إلا ووراها شغل تقيل. لما حكيت له، سكت 10 ثواني وبعدين قال لو والدتك جايبة نصابين عقارات، دول مش هيقفوا عند
الفيلّة.. دول عينهم على ورق الشركة. ابعت لي أساميهم وأرقام عربياتهم وكل الفيديوهات.. التحريات هتكون عندي قبل ما الشمس تطلع.
التلات ساعات اللي بعد كده كانوا زي التخطيط لحرب.
أنا ونور قاعدين على الأرض في نور الشاشة، بنصدر الملفات، بنرتب التواريخ، وبنبني تسلسل زمني دقيق يقف في أي محكمة.
الساعة 426 الفجر، طارق بعت لي أول خيط
كريم الصاوي.. نصاب عقارات، عليه بلاغات نصب في تلات محافظات، بس مفيش حبس لأن الضحايا كانوا بيتنازلوا في السر لتسوية الأمور.
سلوى الجندي.. سوابق تزوير أختام، القضية اتحفظت لعدم كفاية الأدلة. العيال ولادها، بس كريم مش أبوهم وملهمش أي محل إقامة رسمي على عنوانك.
أمي مجبتش قرايب عندهم مشاكل.. أمي جابت تشكيل عصابي.
الساعة 502 الفجر، بصيت لنور لقيتها هادية جداً.. ساكتة بتبص للسجادة بنظرة حد جسمه بيحاول يخدر نفسه عشان ميحسش بكل الوجع ده مرة واحدة. قفلت اللابتوب، مسكت إيديها وندهت عليها لحد ما بصت لي.
إحنا هنسيب البيت كام ساعة الصبح، قلت لها.. هنروح للدكتور الأول، وبعدين هتقعدي في مكان أمان لحد ما أنصب المصيدة.
بربشت بعينيها مصيدة؟
هزيت راسي.
لأني طالما عرفت إنهم مستنيين الخزنة، يبقى أأمن حاجة دلوقتي مش إني أحرسها.. أأمن حاجة إني أسيبهم يمدوا إيدهم عليها والشهود واقفين يتفرجوا. أمي فاكرة إني بلم الفضايح في السر.. وكريم فاكر إنه أذكى من أصحاب البيوت.. وسلوى فاكرة إن دوشة العيال بتخلي الناس تغض بصرها. أنا هديهم فرصة أخيرة يصدقوا نفسهم.
وبعدين هدفنهم في نفس الثقة دي.
بقلم انجي الخطيب
الساعة 810 الصبح.. الفطار كان شكله طبيعي، ده لو إنت بتكره نفسك كفاية عشان تتقبل المنظر.
العيال عاملين دوشة، وسلوى حاطة مكياج كامل من بدري، وكريم قاعد بروب الحمام بتاعي بيشرب قهوة بكل بجاحة في مج مكتوب عليه مصر أمان، كأن السخرية دي جزء من وظيفته. أمي بتوزع أوامر على نور عشان تقف على البوتاجاز قبل حتى ما أنا أقعد، وأبويا عامل نفسه مندمج في قراية الجورنان وكأن القضية الأخلاقية كلها محصورة في صفحة الحوادث.
على فكرة، قلتها بهدوء كان كفيل يسكت الأوضة كلها.. نور جاية معايا الصبح.
أمي لفت بسرعة على فين؟
عند الدكتور.
صمت لثانية، وبعدين أمي ضحكت بتمثيل ناعم.. ضحكة الستات اللي بيحاولوا يقنعوا اللي قاعدين إن الموضوع تافه قبل ما حد يفكر فيه يا حبيبي دي تلاقيها مجهدة شوية، إحنا كلنا شايلينها في عينينا هنا، وأنت عارف مراتك بتدلع إزاي وبتتحسس لما بتسافر.
نور اتنفضت.
أنا مابصيتش لأمي خالص وإنا برد. بصيت لنور بس وقلت بحسم هاتي شنطتك.
نقلة السيطرة كانت مفاجئة لدرجة إن كريم اتعدل في قعدته وشد ضهره. سلوى بصت لي من فوق كوباية القهوة بتحاول تقيم إذا كان ده مجرد غضب ولا خطر حقيقي. أمي فتحت بوقها عشان تتكلم تاني، بس أنا لفيت لها المرة دي، وأياً كان اللي شافته في وشي.. خلاها تسكت. مكنش غضب.. الغضب هي بتعرف تتعامل معاه. ده كان يقين.
في عيادة الدكتور في التجمع
وزن نور كان 53 كيلو.. كانت 60 كيلو لما سافرت.
الدكتورة مكنتش عمياء. شافت علامات الضغط النفسي، الجفاف، قلة النوم، والنزول المرعب في الوزن. سألتها بحذر عن إحساسها بالأمان جوه بيتها، ونور كانت بتفرك منديل في إيدها. أول ما الدكتورة قالت هل حاسة إن فيه حد بيتحكم فيكي في البيت؟، مراتي بدأت تعيط من تاني.
عياط مش بصوت عالي.. بس عياط حد روحه مكسورة.
قعدت جنبها وسبتها تتكلم لأول مرة من غير ما حد أكبر أو أعلى صوتاً يقاطعها. اتكلمت عن التليفون، الأكل، الشغل اللي مبيخلصش. عن إزاي أمي كانت بتخليها تخدم تسع تنفار وبعدين تذلها لو قعدت ترتاح. إزاي سلوى كانت بتنتقد كل أكلة كأنها دافعة تمنها في أوتيل. وإزاي كريم كان بيقف قريب منها بزيادة كل ما يحب يجبرها على حاجة. ملامح الدكتورة اتحولت للحياد المهني الصارم.. الحياد اللي الدكاترة بيلبسوه لما بيقرروا يوثقوا الجريمة في الروشتة.
الساعة 1045 الصبح
نور كانت قاعدة في أوضة في فندق هادي متأمن عن طريق حازم المحامي. مكان مش للاستخبا، ده للحماية.
في الأول كانت خايفة ورافضة لو مشيت هيعرفوا إن فيه حاجة.
هما أصلاً عارفين إن فيه حاجة اتغيرت، قلت لها.. خليهم.
وبعدين مسكت وشها بإيدي الاتنين واتأكدت إنها سامعة وعينها في عيني إنتي مش هترجعي البيت ده تاني وأنتي مش متأمنة. لا عشان أمي، ولا عشان المظاهر، ولا عشان أي حد مسمي نفسه عيلة.
غمضت عينيها وسندت على كف إيدي. كان فيه إرهاق، بس تحته ولأول مرة من ساعة ما رجعت، كان فيه إحساس بالراحة. راحة حقيقية هدت حيلي أنا شخصياً.
الضهر
البيت كان متلغم زي ما أكون بأسس شبكة تجسس.
شيلت كل الورق الأصلي من الخزنة، وسبت نسخ مختومة طبق الأصل، وعقدين مضروبين حازم المحامي جهزهم في ساعتين، وتلات رزم فلوس باينة من بره بس من جوه ورق أبيض. ركبت كاميرا دقيقة جداً فوق البرواز موجهة دايركت على باب الخزنة. النقيب مروة ظابطة مباحث نظرتها تقطع في الحديد كانت قاعدة في عربية التموين اللي راكنة على ناصية الشارع بتابع البث المباشر.
سبت الخزنة شغالة. سبت مكان المفتاح الاحتياطي شغال. وسبت الباسوورد زي ما هو، لأن نور قالت لي إن أمي عرفته من سنين. الغرور له فوايد.. والتوقع كمان.
الساعة 220 الضهر، اتأكدت إن الكل سامعني وأنا بكلم واحد زميلي
وبزعق إن فيه مصيبة في موقع أسوان وممكن أضطر أطير الفجر. كريم كان في الطرقة. أمي كانت في المطبخ بتعمل نفسها بتقطع ليمون وسكتت عشان تركز في المكالمة.
بالليل
الجو على العشا كان مختلف.. حذر بزيادة.
أمي كانت لطيفة بشكل مقرف. سلوى بتمدح في الأكل. كريم قالي يا أخويا وهو بيبتسم ابتسامة تليق بنصاب عربيات مستعملة. أبويا كان باصص في طبقه. العيال بس هما اللي اتصرفوا بطبيعتهم.. يعني بأدب معدوم.
مأكلتش تقريباً.
الساعة 910 بالليل، قلت لهم إني هلكان وطالع أنام عشان مكالمة أسوان الفجر. أمي هزت راسها بسرعة. كريم ضحك وقال البيزنس مابينامش يا بطل.
طلعت السلم، قفلت باب أوضتي، نورت نور الحمام، ودخلت من دولاب الهدوم على الممر السري بتاع الخدمات اللي كنت مصممه في البيت عشان الصيانة والأسلاك. ومنه.. نزلت لأوضة المراقبة في البدروم.
طارق كان هناك، ومعاه النقيب مروة وأمين شرطة بملابس مدنية. حازم المحامي كان فاتح اللابتوب بتاعه بيراجع التسلسل القانوني للأدلة زي جلاد أنيق. محدش كان بيتكلم بصوت عالي.
الساعة 1141 بالليل أمي عدت من قدام المكتب مرتين.
الساعة 1152 بالليل كريم دخل من باب الجنينة زي إمبارح بالظبط. سلوى دخلت وراه حافية. أبويا دخل بخطوات تقيلة وعينه في الأرض. وأخيراً.. أمي دخلت وفي إيدها المفتاح التاني لخزنتي.
على الشاشة، الصورة واضحة ألوان. أمي قفلت باب المكتب.
كريم بص في الطرقة يتأكد إن مفيش حد. سلوى حركت الكرسي من قدام الخزنة. أبويا وقف جنب المكتب، مش بيراقب الطريق، بس كأنه شخص يئس من إنه يعمل نفسه ملوش دعوة. أمي رفعت برواز جدي، وظهر باب الخزنة الحديد.
النقيب مروة قربت من الشاشة وهمست شوف الثبات.. دي مش أول مرة ليهم.
الصوت كان واضح لدرجة توجع البطن.
كريم قال أول ما أستلم الأصول، هنبعت الورق بالبريد السريع.. على ما يفهم إن القرض اللي اتسحب مش عشان تجديد البيت، هيكون الفلوس دخلت الحساب.
سلوى سألت ورق الشركة؟
أمي ردت ببرود يرعب خدوا أي حاجة عليها ختم.. ولموا الفلوس اللي جوه، ده بيشيل طوارئ هنا.
أبويا نطق أخيراً كده كتير أوي.
كريم بصله بحده كتير ده كان من شهر ونص.. إحنا دلوقتي بنقفل الشغلانة.
وأمي معترضتش.
أمي دخلت الباسوورد.. الخزنة فتحت.
كريم فتح الباب على آخره، ولثانية.. الأربعة وقفوا متنحين قدام النور الأزرق الخفيف اللي طالع من الرفوف، باصين لرزم الفلوس والملفات اللي عليها أختام بارزة. الطمع ده أكتر تعبير سهل تميزه في الدنيا.. بيخلي الكبار شكلهم زي العيال اللي اتطمنت إن محدش شايفهم وهما بيسرقوا الحلاوة.
كريم مد إيده سحب أول ملف، فتحه، وابتسم بشراهة أهو
جه.
وهنا.. أنا دخلت عليهم.
أنوار المكتب كلها ولعت فجأة بأقصى قوة لأنني شغلتها من تليفوني قبل ما أدخل ب 5 ثواني. كريم اتنفض لدرجة إن الملف وقع من إيده. سلوى شتمت. أمي لفت ناحيتي وإيدها لسه جوه الخزنة، ووشها كان عليه ملامح إدانة واضحة لدرجة إنها كانت هتبقى مضحكة لو كنا في أي موقف تاني. أبويا غمض عينه زي اللي كان عارف إن اللحظة دي جاية وكان بيتمنى الجبن بتاعه يشفعلة.
وقفت على بعد خطوتين من الباب.
ورايا، النقيب مروة وأمين الشرطة ظهروا. حازم المحامي فضل واقف في الطرقة عشان يبان إنه شاهد قانوني مش مفاوض. مزعقتش.. مكنتش محتاج أزعق. الأوضة كلها بقت بتاعتي خلاص.
قلت لكريم اتفضل.. اشرح للظابط أنت بتعمل إيه جوه خزنتی نص الليل.
للحظة محدش نطق.
وبعدين أمي عملت أكبر غلطة وبدأت تتكلم إياد.. أنت فاهم غلط، كريم كان بيساعدنا نرتب الورق
مروة ضحكت باستهزاء.. ضحكة قصيرة مليانة احتقار يا حاجة.. أنا معايا بث مباشر لآخر 40 دقيقة، وتسجيلات صوت وصورة لآخر 90 يوم، وأدلة تكفي أبلط بيها محكمة بحالها. بلاش تستخفي بعقلي قبل حتى ما أكلبش الناس الصح.
وش كريم اتغير أسرع من أي حد.
النصابين دايماً أذكى من الناس العادية في إحساسهم باللحظة اللي اللعبة بتنتهي فيها. رمى الورق الأصلي في الخزنة تاني، رفع إيده نص رفعة وقال مفيش داعي نكبر المواضيع وندخل البوليس.. ده مجرد سوء تفاهم.
لا، قلتها بجمود.. ده شروع في تزوير وسرقة أصول جوه بيتي، بعد تلات شهور من استعباد وذل مراتي.
سلوى بدأت تعيط فوراً. أداء تمثيلي مبهر في سرعته العيال نايمين! أبوس إيدك بلاش بلاش بوليس قدام العيال. مروة حطت إيدها على كتف سلوى بضغطة قوية كفاية تنهي المسرحية من غير ما تسيب كدمة. سلوى سكتت خالص.
أمي كانت لسه بتبص لي وكأنها مستنية الواقع يتغير.
أنت اللي نصبتلنا الفخ ده، همست بصدمة.
بصيت لها وحسيت إن فيه حتة تلج استقرت في قلبي للأبد لا.. أنتي اللي عملتي كده. أنا بس بطلت أكون آخر مغفل في البيت.
أمين الشرطة بدأ بكريم، قراه حقوقه وهو بيتمسك، ومروة كانت بتصور الخزنة المفتوحة والمفتاح اللي في إيد أمي والورق اللي على الأرض ووشوشهم كلهم. أبويا مقومش لما طلبوا منه يقف على جنب. سلوى حاولت تقول إن الورق كان بره الخزنة لما دخلت، بس الكاميرا الدقيقة اللي فوق البرواز مسجلة كل حاجة.. بما فيها إيد كريم جوه الخزنة، وأوامر أمي ليهم يسرقوا الأختام.
مروة لفت لأمي.
يا حاجة، قالتها بحسم.. هاتي المفتاح.
أمي قفلت إيدها عليه أكتر.
للحظة بجد، افتكرت إنها هتبلع غرورها وتديهولها. لكنها فردت ضهرها وقالت بتبجح يعمي البيت ده كان المفروض يبقى
بتاعي أنا أساساً!
أهيه ظهرت.
لا حزن.. ولا صدمة. استحقاق أعمى ومقرف.
سكت شوية لأني كنت لسه بحاول أستوعب إزاي الكره ده عايش جواها بقاله السنين دي كلها. من قبل نور.. ومن قبل أسوان.. ومن قبل النصابين دول. يمكن من يوم ما جدتي ماتت وكتبتلي البيت ومسابتلهاش حاجة، لأن العيلة كلها كانت عارفة إنها ممكن ترهن أي حاجة عشان تعيش دور الهانم لست شهور.
أنا عاملك مصروف شهري بقاله 14 سنة، قلتها أخيراً.. أبويا سدد ديونك مرتين من فلوسي. أنا اللي اشتريت لك شقة المهندسين لما البنك حجز على القديمة. أنا اللي بدفع عملياتك وضرايبك وقسط عربيتك.. وبرضه مش مكفيكي؟
شفايفها اتهزت أنت سيبتني تحت رحمتك.
الكذبة كانت ضخمة لدرجة إنها كادت تكسر الأوضة.
لا، رديت بصرامة.. أنا سيبتك مسنودة. أنتي اللي كرهتي إن السند ده له حدود ومش على مزاجك.
مروة خدت المفتاح من إيدها بالعافية. أمين الشرطة كلبش أبويا هو كمان، لأن سكوته مبرأوش من المشاركة.. والنظرة اللي أبويا بصهالي وهو بيلف مكنتش غضب.. كانت أوحش. كانت عار.. كأن الكسوف مبيظهرش غير لما الفضيحة بيبقى ليها شهود.
كريم خرج الأول.
وبعده سلوى، حافية وعمالة تبرطم بأسامي محامين. أمي خرجت التالتة، ضهرها مفرود ووشها أبيض، لسه بتحاول تمشي كأنها الضحية حتى والعسكري ماسك دراعها في الطرقة. المنظر ده هيفضل محفور في ذاكرتي فتره طويلة. مش عشان كاسر قلبي، لأ.. عشان بيعلمني لحد فين ممكن الناس تروح عشان تحمي القصة الكدابة اللي بيحكوها لنفسهم بإنهم يستحقوا حاجة مش بتاعتهم أساساً.
لما أبويا وصل للباب، بص لي أخيراً.
كان المفروض أوقفهم، قالها بصوت واطي.
هزيت راسي مرة واحدة.
أيوه، قلت له.. كان المفروض.
ومشي هو كمان.
التعافي
البيت بقى فيه صمت من نوع جديد بعد ما البوليس مشي.
مش صمت الرعب بتاع التلات شهور اللي فاتوا. ولا صمت العشا المكتوم اللي فيه واحد بيتعذب والباقي بيتجاهله ويسميه عادي. ده صمت نضيف. هوا جديد بيدخل الأوض بعد ما الدخان انقشع.
حازم قفل اللابتوب بتاعه أوامر عدم تعرض هتطلع الصبح. بلاغ التزوير اتقدم خلاص. هنبلغ البنك والمحامي بتاع شركتك قبل الساعة 9.
مروة مدت إيدها بالكارت بتاعها الأدلة دي كافية تحبسهم سنين.. لو بس قلبك محنش وماتنازلتش بعدين.
بصيت للخزنة المفتوحة، والورق الفالصو، والباب الفاضي اللي أمي كانت واقفة فيه تتهماني إني حارمها من حقها.. ورديت بمنتهى الصدق دي مش هتبقى المشكلة خالص.
الساعة 206 الفجر.. رحت الأوتيل.
نور فتحت الباب وهي لابسة شراب وروب الفندق. شافت وشي وعرفت قبل ما أنطق إن الموضوع انتهى. لثانية فضلت ماسكة مقبض الباب بقوة كأن
جسمها مش قادر يستوعب الراحة دي كلها مرة واحدة.
خلصت.. مشيوا، قلت لها.
قعدت على حرف السرير بسرعة كأنها انهارت.
نزلت على ركبتي قدامها زي ما عملت في المكتب، وحكيت لها الحقيقة من غير تجميل. الخزنة، الظابط، الكلابشات، صمت أبويا، واعتراف أمي إن البيت ده من حقها. في نص الكلام، نور حطت إيديها على بوقها وهزت راسها.
كنت طول الوقت بفتكر إني لو فضلت هادية وساكتة.. الكابوس ده هيعدي، قالتها بدموع.
عمره ما كان هيعدي.
عارفة.. بس مكنتش عارفة أعيش بأي طريقة تانية.
نزلت إيديها من على وشها ومسكتهم إنتي عيشتي ونجيتي بامتياز.. ودلوقتي عمرك ما هتحتاجي تعملي كده تاني.
الأسابيع اللي بعدها كانت عبارة عن ورق، تغيير كوالين، وحزن متغلف بمهام روتينية.
العيال اتسلموا لأخت سلوى في منطقة شعبية، وده ضايق نور أكتر ما بينت، لأنها بنت أصول وقلبها واجعها على عيال ملهمش ذنب حتى لو جُم كجزء من نصباية. أمي وكريم اتوجهلهم تهم شروع في تزوير، وتشكيل عصابي، وانتهاك حرمة اتصالات، وسرقة مستندات مالية وورق شركات. سلوى اتضاف عليها قضية تزوير قديمة اتفتحت من تاني.
أبويا جاب محامي وطلب يتعاون مع التحقيقات فوراً.
اعترف إن أمي اتعرفت على كريم في ندوة عن الحلول العقارية عن طريق واحدة صاحبتها. كانوا محتاجين بيت ورقه سليم، صاحبه مسافر، والأصول بتاعته جوه. بيت التجمع مكنش صدفة.. أمي اللي عرضته عليهم! ولما كريم عرف إن البيت لوحده هيجيب قرض ملايين، بدأ يسأل عن ورق الشركة كمان. الفيلّة كانت هتبقى أول ضربة.. مش الأخيرة.
نور مارجعتش تنام في أوضتنا الأساسية علطول.
أول أسبوع نامت في أوضة الضيوف لأنها قالت إن الأوضة الكبيرة لسه ريحتها توتر. معارضتهاش. التعافي بالعافية ده مجرد سيطرة متزوقة. بدال ما أضغط عليها، دهنت أوضة الفطار اللي كانت بتكرهها لون جديد، رميت الكراسي الصغيرة اللي أمي كانت بتجبرها تقف عليها عشان تطول الرفوف، غيرت كراسي السفرة، وغيرت كوالين البيت كله رغم إن النظام الإلكتروني كان كافي، بس التفاصيل بتفرق.
الأكل كمان كان بيفرق.
في الأول كانت بتاكل بحذر.. كأنها بتعتذر للطبق إنها عايشة. كنت بلاحظ كل تردد، كل مرة تسألني أشيلك الباقي؟، وكل خضة لما جرس المايكروويف يرن. فبطلت أعمل للأكل حوار. مفيش كلي عشاني، مفيش وقفة فوق دماغها، بطلت أعامل الأكل كأنه امتحان. بقيت أطبخ فراخ ورز، أعمل جبنة سايحة نص الليل، شوربة طعمها دفا مش طعمها مراقبة، وأسيب البواقي في علب شفافة عليها تاريخ، لأن النظام بيبقى رحمة لما كان في يوم من الأيام سلاح بيعذبوك بيه.
في الأسبوع التالت.. طلبت تغرف تاني.
كنت هعيط في المطبخ وعملت نفسي الكتمة بتاعت الفلفل الأسود دخلت في عيني.
البيت اتغير معاها.
الصالة هديت.
أوضة الغسيل بقت ريحتها صابون مش ريحة بانيك وخوف. في يوم سبت الصبح لقيت نور حافية في المطبخ بتعمل بان كيك ومشغلة مزيكا، شعرها سايب وكتافها مرتاحة لأول مرة من ساعة ما رجعت. لسه خاسة، لسه بتتعافى، ولسه بتصحى مخضوضة من كوابيس مش فاهماها، بس بدأت تاخد مساحتها في البيت تاني.
وده كان عندي بالدنيا وما فيها.. أهم من أي انتقام.
النهاية والحقيقة الكاملة
القضية الجنائية عملت بالظبط اللي مروة وعدت بيه.
لزقت فيهم.
كاميرا المراقبة الدقيقة، المكالمات المتسجلة، التوكيل المضروب، وتسجيل كريم بصوته وهو بيتفق يخلص قبل ما أرجع، عملوا ملف القضية أسود وميتحلش بكلمة خلاف عائلي. أمي قضت عصر أسود في النيابة والصحفيين بيكتبوا التفاصيل. الجرايد نزلت خبر صغير عن عصابة عقارات وتزوير بتسهيل من العيلة. المحامي بتاعها قالي إنها كرهت جملة بتسهيل من العيلة أكتر من السجن نفسه.
أحسن.. تستاهل.
بعد تلات شهور.. نور زادت 4 كيلو.
مش بس عشان الوزن، بس عشان الصحة رجعت تنور وشها. بقت تنام أحسن. ضحكت من قلبها بجد لما كلب الجيران سرق الجوانتي بتاع الجنينة بتاعي. قالتلي في يوم وإحنا بنتعشى إن أسوأ حاجة مكنتش زعيق أمي ولا
انتقاد سلوى ولا وقفة كريم المقرفة.
أسوأ حاجة، قالتها وهي بتبص في عيني.. إني بدأت أشك إني فعلاً ضعيفة ومستاهلش، لأني مش قادرة أخلص نفسي.
مسكت إيدها ده تكتيك المعتدي.. بيخليكي تفتكري إن قوة احتمالك دي فشل منك.
في شهر ستة، شيلت برواز جدي من قدام الخزنة وعلقت صورة لينا من شهر العسل. مش رومانسية ماسخة، بس الرموز بتفرق. أنا مش هخبي الحديد ورا مناظر طبيعية توريث كأن فلوس العيلة أهم من الحياة اللي أنا ببنيها. الخزنة مكانها، بس مفيش حد يقدر يمثل إن اللي جواها مجرد ورق.. دي بتحمي اختياراتنا، حدودنا، والناس اللي بتتنفس جوه البيت ده.
يوم ما محامي أمي بعتلي إيميل يطلب مني جواب استرحام من العيلة عشان يخفف الحكم، قريته مرتين ومسحته من غير ما أرد.
أبويا بعتلي جواب بخط إيده من الحبس قبل جلسة الحكم بتاعه. كتب فيه إنه عارف إن السكوت خيانة وإنه مكسوف من نفسه. حطيت الجواب في الدرج ومعملتش بيه حاجة. التسامح مش حالة طوارئ لمجرد إن الغلطان خاف من العقاب.
في أواخر الصيف، الفيلّة في التجمع رجعت بيت بجد.
مش عشان نسينا اللي حصل، بس عشان اللي حصل مابقاش هو اللي بيتحكم فينا. أصحابنا بقوا بيجوا يقعدوا مكان
ما الغرباء دول كانوا ممددين. بنت أختي بترسم على ترابيزة المطبخ اللي أمي كانت واقفة عليها زي سجانة السجن. نور زرعت نعناع وريحان في الجنينة اللي كريم دخل منها نص الليل، عشان هو ملوش حق يمتلك الأرض دي لمجرد إنه وسخها لفترة.
في يوم بالليل..
رجعت من الشغل لقيت نور واقفة على باب المكتب.
شاشات المراقبة مطفية. الخزنة مقفولة. شمس الغروب رامية لون دهبي على السجادة. لفت لما سمعت صوتي، وكان لسه في عينيها أثر حذر قديم، بس جنبه حاجة أقوى بكتير.
عايزة أقولك على حاجة، قالتها بابتسامة صغيرة مكسوفة.
قربت منها خير؟
الورق الأصلي؟ أنا نقلته من زمان.
وقفت مكاني.
إيه؟
ضحكت بصوت واطي على شكل وشي المصدوم من حوالي شهر قبل ما ترجع. بعد ما سمعت مامتك وكريم بيتكلموا.. مكنتش عارفة أوصلك ومكنتش عارفة أوقفهم إزاي، بس كنت عارفة إنهم لو فتحوا الخزنة مش هيلاقوا الورق الحقيقي.. أنا شلته وحطيته في كراتين زينة رمضان فوق في المخزن.. تحت فرع النور المقطوع.
لثانية كاملة.. فضلت متنح لها.
وبعدين ضحكت.. ضحكت من قلبي بجد لأول مرة من سنة. مش عشان الفخ مكنش له لازمة ولا عشان الأدلة مكنتش كفاية.. ضحكت لأن في عز ما مراتي كانت
متجوعة، ومحاصرة، ومسكتة، ومتهانة في بيتها.. لقيت طريقة تحمي بيها ضهرنا وتأمن مستقبلنا من غير ما حد يحس بيا. هي مش بس استحملت.. دي قاومت وغلبتهم.
خبيتي أصل عقد الفيلّة والشركة في كرتونة زينة رمضان؟ قلتها وأنا مش مصدق.
رفعت كتفها ببراءة محدش في عيلتك بيطيق كراكيب رمضان.. ومامتك كانت بتقول تراب المخزن بيبهدل لها الجيوب الأنفية.
ضحكت أكتر، وشدتها لحضني. والمرة دي لما حسيت بوزنها اللي رجع، ودفاها، ونفسها الهادي على صدري.. الإحساس اللي ملى قلبي مكنش ذنب.. كان امتنان مخلوط بذهول.
اللي جمد الدم في عروقي أول ليلة كان إني لقيت أغراب جوه بيتي.
واللي وجعني أكتر كان إني عرفت إن الغزو ده جه متخفي في شكل عيلة، وعادات، وافتراض غبي مني إن غيابي هيتعوض بالحب.
لكن اللي أنقذ البيت في النهاية مكنش الكاميرات ولا الظباط ولا كمين نص الليل.
كانت اللحظة اللي بطلت أتعامل فيها مع الأمان كأنه حاجة هتعيش لوحدها من غير ما أدافع عنها.
وكانت مراتي.. اللي وهي خاسة وهلكانة ومرعوبة، كانت أذكى من عصابة بحالها، وخبّت شقى عمرنا في أكتر مكان الطمع عمره ما يفكر يبص فيه.
جوة كرتونة زينة رمضان متربة.. مستنية اليوم اللي أرجع فيه وأشوف الحقيقة كاملة.
تابعووووني


إرسال تعليق