رواية قرية الزمهرير الفصل الاول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم مصطفى محسن حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية قرية الزمهرير البارت الاول والثاني والثالث والرابع والخامس
رواية قرية الزمهرير الجزء الاول والثاني والثالث والرابع والخامس
رواية قرية الزمهرير الحلقه الاول والثاني والثالث والرابع والخامس
رواية قرية الزمهرير الفصل الاول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم مصطفى محسن حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
اسمي عاصم، عندي أربعين سنة وبشتغل محاسب في شركة خاصة في القاهرة. حياتي هنا هادية جدًا، شغل الصبح وبالليل أرجع شقتي أقعد لوحدي زى كل يوم. الناس هنا فاكرين إني من القاهرة، لكن الحقيقة إني من الصعيد، من قرية صغيرة أغلب الناس عمرهم ما سمعوا عنها. اسمها قرية الزمهرير. قرية بعيدة عن الطريق العمومي شوية، ومحاطة بجبلين من الناحيتين. في النهار كل حاجة فيها طبيعية، فلاحين رايحين الغيط وعيال بتجري في الشوارع الضيقة. لكن أول ما الشمس بتغيب، الناس بتقفل أبوابها بدري والشارع بيبقى فاضي بسرعة. زمان وأنا صغير كنت فاكر إن ده عادي، لكن لما كبرت فهمت إن في حاجة غلط في القرية دي. السبب الحقيقي اللي خلاني أسيب الزمهرير ومارجعش لها تاني كان في ليلة واحدة بس. الليلة دي كنت راجع متأخر وعديت جنب الترعة، سمعت صوت رجالة بيتكلموا بصوت واطي، فخبيت نفسي ورا شجرة. كانوا ستة من كبار البلد، ومعاهم كشافات وبيحفروا حفرة في الأرض. في الأول افتكرتهم بيدوروا على كنز، لكن لما قربوا الحاجة اللي معاهم للنور شفت الحقيقة… كانوا بيدفنوا راجل. الراجل ده كان متربط، وجسمه كله تراب، لكن اللي خلاني أتجمد مكاني إن الراجل ده فتح عينه وبص حواليه… وكان لسه عايش.
-
أنا اتجمدت مكاني ومقدرتش أتحرك، كنت سامع صوت نفسي عالي كأن كل اللي واقفين سامعينه، واحد منهم قال بسرعة خلصوا قبل ما حد يعدي من هنا، والتاني رد عليه وقاله متخافش مافيش حد من اهل القرية يقدر يخرج من بيته بعد الوقت ده، بعدها واحد فيهم نزل جوه الحفرة وشد الراجل من هدومه ورماه فيها كأنه بيرمي شوال، الراجل كان بيحاول يتحرك بس واضح إنه كان ضعيف جدًا، وسمعته بيقول بصوت مبحوح حرام عليكم سيبوني… أنا معملتش حاجة، ساعتها واحد من الرجالة ضربه برجله وقال اسكت خالص، وبعدين بدأوا يردموا التراب عليه وهو لسه بيتحرك، وأنا واقف مستخبي وقلبي بيدق بطريقة عمري ما حسيت بيها قبل كده، كنت عايز أجري أو أصرخ أو أعمل أي حاجة، لكن جسمي كله كان تقيل كأني مربوط في الأرض، وبعد دقايق قليلة التراب غطى الحفرة تماما وكأن مفيش حاجة حصلت، واحد منهم بص حواليه وقال كانكم محدش شاف حاجة، واللي حصل هنا يفضل هنا، ساعتها أنا فهمت إن اللي شوفته الليلة دي لو حد عرف إني شوفته… أنا كمان ممكن ادفن زي الراجل ده بالظبط.
-
فضلت مستخبي ورا الشجرة ومستنيهم يمشوا، قلبي كان بيدق لدرجة إني حسيت إنهم ممكن يسمعوه، بعد شوية واحد فيهم قال يلا نمشي من هنا، وفعلاً بدأوا يتحركوا ناحية الطريق الترابي. وأنا فاكر إنهم مشيوا خلاص، كنت لسه هطلع من مكاني… لكن فجأة واحد فيهم وقف. وقف كأنه افتكر حاجة. بص حواليه في الضلمة وقال بصوت واطي: استنوا… انا شايف اثار رجل على التراب غيرنا؟ الدم جمد في عروقي، وماقدرتش أتنفس. الراجل قرب خطوتين ناحية الشجرة اللي أنا مستخبي وراها، وكان النور الضعيف بتاع الكشاف بيقرب مني شوية شوية. ساعتها بس فهمت إن خطوة واحدة زيادة منه كانت كفيلة إنه يشوفني. فضلت ثابت مكاني، عيني على الأرض ومش قادر حتى أرفع راسي. بعد ثواني طويلة حسيتها ساعات، واحد من الرجالة نده عليه وقاله: يلا يا راجل مفيش حد، خلصنا ومحدش شاف حاجة. الراجل وقف لحظة كأنه متردد، وبعدين لف ومشي معاهم. استنيت لما صوتهم اختفى تماما، وفضلت مكاني شوية كأني مش مصدق إني لسه عايش. بعدها طلعت ببطء من ورا الشجرة وبصيت ناحية الحفرة اللي دفنوا فيها الراجل. المكان كان هادي جدًا، نفس السكون التقيل اللي كانت القرية بتغرق فيه كل ليلة.
-
لكن وأنا واقف هناك… سمعت صوت خفيف جاي من تحت التراب. صوت ضعيف جدًا… كأنه حد بيخبط بإيده من تحت الأرض. وقتها بس عرفت إن الراجل… لسه عايش فعلًا. وأنا كنت الشخص الوحيد اللي عارف إنه مدفون هنا. المشكلة إن الستة اللي شفتهم الليلة دي… كانوا من أقوى الناس في قرية الزمهرير. ولو عرفوا إني شوفتهم… هكون فى الحفرة اللي جنب الترعة وهيكون ليا مكان فيها أنا كمان.
-
وقفت مكاني لحظة ومخي كان بيجري في ألف اتجاه، الصوت اللي جاي من تحت التراب كان ضعيف بس واضح، كأن الراجل بيحاول يخبط بإيده عشان حد ينقذة. بصيت حواليّا بسرعة، الطريق كان فاضي والدنيا سكون، لكن كلامهم كان لسه بيرن في ودني: محدش شاف حاجة. ساعتها حسيت إن قدامي اختيارين مفيش غيرهم، يا إما أجري وأنسى اللي شوفته كأن الليلة دي ماحصلتش، يا إما أحفر بإيدي وأطلع الراجل قبل ما يموت. قلبي كان بيقول اهرب… لكن رجلي اتحركت ناحية الحفرة لوحدها. ركعت على الأرض وبدأت أزيح التراب بإيدي بسرعة، التراب كان تقيل وإيدي بتترعش، وكل شوية أبص ورايا خايف حد يكون رجع. بعد شوية ظهرت إيد الراجل من تحت التراب، كانت بتتحرك ببطء. مسكتها وشديت التراب حواليها لحد ما ظهر وشه. كان بينهج بصعوبة وعينيه مقفولة من التراب. قربت وشي منه وقلت له بصوت واطي: متخافش… أنا هطلعك. الراجل فتح عينه بالعافيه وبصلي كأنه مش مصدق إن في حد واقف جنبه. وبعد ما أخد نفس طويل قال كلمة واحدة خلت الدم يجمد في عروقي… قال: اهرب يا ابني… لو عرفوا إنك شفت اللي حصل… هيقتلوك أنت كمان. وفي اللحظة دي بالظبط… سمعنا صوت موتور عربية جاي من بعيد ناحية الترعة. نفس الطريق اللي الرجالة الستة مشيوا منه من شوية. وقتها بس فهمت إنهم… ممكن يكونوا راجعين.
-
اتجمدت مكاني لحظة وبصيت ناحية الطريق، نور العربية كان بيقرب، ومفيش وقت أفكر، مسكت الراجل من كتفه وحاولت أرفعه، كان تقيل ومش قادر يقف على رجله، بس مكنتش أقدر أسيبه، سندته بالعافية وجرجرته بعيد عن الحفرة ناحية الزرع اللي جنب الترعة، دخلناه جوه الغيط واستخبينا ورا زرع القصب، نور العربية وقف قريب جدًا من المكان، وسمعنا صوت باب العربية وهو بيتفتح، واحد منهم قال بحدة: أنا قولتلكوا كان في حد هنا، في حاجة مش مظبوطة، والمصيبة انهم شافوا الحفرة، اتحركوا بسرعة ناحيتها، وأنا واقف حابس نفسي بإيدي عشان مايتسمعش، الراجل اللي معايا كان بيحاول يتنفس بالعافية، قربت من ودنه وقلت له اسكت خالص مهما حصل، خطواتهم قربت من الحفرة، وفجأة واحد فيهم شتم وقال: الحفرة مفتوحة! في حد كان هنا، ساعتها قلبي وقع، راجل منهم قال: دوروا حواليكم، اللي عمل كده لسه مبعدش عن هنا، سمعت صوت خطوات داخلة ناحية الغيط، القصب حوالينا بدأ يتحرك، وأنا عارف إنهم لو دخلوا أكتر هيلاقونا، بصيت للراجل لقيته بيبصلي بخوف، ساعتها خدت قرار من غير تفكير، سيبته بهدوء على الأرض وقولت له ماتتحركش وغطيتة بعشب القصب، وخرجت من مكاني وجريت الناحية التانية من الغيط، واحد فيهم شافني وقال بصوت عالى: استنى عندك! وجري ورايا، والباقي جري وراه، وأنا بجري بكل قوتي ومش شايف قدامي من الضلمة، كنت عارف إنهم لو مسكوني يبقى انتهيت، بس في نفس الوقت كنت متأكد إنهم سابوا الراجل ورايا، وبعد دقايق جري دخلت في سكة ضيقة بين البيوت وفضلت مستخبي لحد ما صوتهم بدا يختفى، فضلت قاعد على الأرض بانهج ومش مصدق إني نجيت، لكن الحقيقة إن اللي حصل بعدها هو اللي خلاني أسيب قرية الزمهرير كلها… لأن الراجل اللي أنقذته في الليلة دي… ماكانش شخص عادي خالص.
-
الثاني
لقد أرسلت
وبعدها رجعت بهدوء ناحية الغيط، قلبي كان بيدق وأنا خايف يكونوا رجعوا أو يكون الراجل مات، دخلت بين القصب وأنا ببص حواليّا بحذر، وشلت العشب بتاع القصب لاقيته مكان ما سيبته، كان بيتنفس بصعوبة، قربت منه وقعدت جنبه وقلت له بصوت واطي: إنت كويس؟ فتح عينه بالعافية وبصلي كأنه بيحاول يركز في ملامحي، وبعد ثواني قال: إنت مش من هنا صح؟ سكت لحظة وبعدين قولتله: أنا من هنا بس ساكن بعيد، المهم دلوقتي نطلع من المكان ده، حاولت أساعده يقوم لكنه كان تقيل جدًا، فقال لي: اسمعني كويس… لو فضلت هنا هتموت، وأنا كمان هموت، لازم تمشي حالًا، سألته: هما مين؟ ليه كانوا عايزين يقتلوك؟ ساعتها بص حواليه بتوتر وقال: الناس اللي شفتهم مش مجرد كبار بلد زي ما أنت فاكر… دول اللي ماسكين كل حاجة هنا، وكل واحد فيهم وراه سر أسوأ من التاني، وأنا… أنا كنت شغال معاهم، الكلمة دي وقعت عليا زي الصدمة، قولتله: شغال معاهم في إيه؟ رد بصوت مبحوح: في دفن الحاجات اللي ماينفعش حد يعرفها، حسيت جسمي كله قشعر، وبدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد جريمة واحدة، كملت وسألته: يعني إيه حاجات؟ ساعتها بصلي نظرة غريبة وقال: بني آدمين… وورق… وأسرار لو طلعت… البلد كلها هتولع، سكت شوية كأنه بيجمع نفسه، وبعدين قال: أنا غلطت لما حاولت أهرب… عشان كده قرروا يخلصوا مني، سألته بسرعة: وإنت مين أصلًا؟ ساعتها خد نفس طويل وقال بصوت تقيل: الناس دى واحده حقوق كتير مش حقوقهم ومناصب كبيرة مش بتاعتهم الكلمة دي خلت كل حاجة تربط ببعضها، حسيت إن اللي قدامي مش مجرد واحد هربان… ده مفتاح لكل اللي بيحصل في قرية الزمهرير.
-
بصيت له وأنا متوتر وقلتله نقدر نمشي دلوقتي؟ الراجل قال: لو مشينا على الطريق هيشوفونا، لازم نمشي جوه الغيط لحد ما نطلع من الناحية التانية، سندته تاني وقمناه بالعافية وبدأنا نمشي بين القصب، كل خطوة كانت بصعوبة وصوت الكلاب فى كل مكان، وفجاة سمعت صوت حد بيمشى ورانا كنت حاسس إنهم خلاص قربوا يوصلوا لينا، فجأة الراجل وقف ومسك في دراعي بقوة وقال: استنى… لو كملنا سوا هنتمسك إحنا الاتنين، بصيت له وقلتله يعني إيه؟ قال: اسمعني كويس، أنا كده كده ميت، بس إنت لسه قدامك فرصة، الكلام ده ماينفعش يضيع، طلعت بسرعة وقلتله مش هسيبك، لكنه شدني وقال بحدة: اسمع! اللي معايا أهم من حياتي وحياتك، ومد إيده في هدومه وطلع كيس بلاستيك صغير متغلف كويس، حطه في إيدي وقال: ده فيه كل حاجة… أسماء… حسابات… حاجات لو وصلت بره البلد هتفضحهم كلهم، مسك إيدي جامد وقال: اهرب بيه وما ترجعش هنا تاني، كنت لسه هتكلم لكن صوت رجالة قرب جدًا وواحد منهم قال: هما هنا قريب، ساعتها الراجل زقني بعيد عنه وقال بصوت واطي: اجري يا المرة دي أنا جريت فعلًا، جريت وأنا مش ببص ورايا، وصوتهم عليّ بيعلى، لكن بعد خطوات قليلة سمعت صوت ضربة قوية ورايا، وبعدها صوتهم وقف فجأة، واحد منهم قال: خلاص… خلصنا عليه، رجلي وقفت غصب عني للحظة، فهمت إنهم مسكوه، وفهمت إنه مش هيخرج لانه خلاص مات، لكني ماقدرتش أرجع، كملت جري لحد ما خرجت من الغيط ووصلت لطرف القرية، وقفت وأنا بنهج وبصيت للكيس اللي في إيدي، ساعتها بس استوعبت إن اللي معايا ده ممكن يوقع ناس كبار جدًا… بس المشكلة الحقيقية ماكنتش في اللي معايا، المشكلة إن الناس دي عرفت إني شفت كل حاجة… وعرفت كمان إن أنا لسه عايش.
-
وصلت البيت قبل الفجر بشوية، كنت تعبان وهدومي كلها تراب وإيدي بتترعش، قفلت الباب ورايا كويس وسندت ضهري عليه كأني خايف حد يكون ورايا، فضلت واقف شوية أحاول أستوعب أنا وصل البيت إزاي ولسه عايش، وبعدها بصيت على الكيس اللي في إيدي، حطيته على الترابيزة وفضلت باصص له كأنه حاجة ممكن تدمّر حياتي، قعدت وفتحته بهدوء، لقيت جواه شوية ورق متطبقين وفلاشة صغيرة، مسكت الورق الأول وبدأت أقرا، أول ورقة كانت عبارة عن كشف حسابات بأرقام كبيرة جدًا، تحويلات فلوس بأسماء ناس من القرية وناس تانية من بره، لكن اللي شدني بجد كانت ورقة تانية فيها أسامي، أسامي ناس أنا أعرفهم كويس… عمدة القرية، وواحد من أكبر تجار الأراضي، واسم شيخ المسجد، كلهم مكتوب قدامهم أرقام وتواريخ، قلبي بدأ يدق أسرع وأنا بقلب في الورق، لحد ما وصلت لصفحة مكتوب فيها تواريخ قديمة وتحت كل تاريخ جملة قصيرة… "تم الدفن"، حسيت بقشعريرة في جسمي، دي ماكنتش حسابات عادية… دي كانت سجلات لحاجات حصلت واتغطت، بني آدمين اختفوا واتدفنوا وكأنهم ماكانوش موجودين، إيدي بدأت تعرق وأنا بكمّل، لقيت ورقة تانية فيها خريطة بسيطة للقرية وعليها علامات على أماكن مختلفة حوالين الترعة والجبل، بس واضح إنها كانت مستخدمة لدفن الناس، وقفت عند نقطة معينة متعلم عليها بدائرة حمرا، وتحتها مكتوب تاريخ قريب… نفس تاريخ الليلة اللي حصلت فيها كل حاجة، ساعتها فهمت إن الراجل اللي كنت هنقذه كان مجرد واحد من سلسلة طويلة، لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما شغلت الفلاشة على اللاب، فتحت ملف صوتي، وكان صوت الراجل نفسه… بيقول فيه كل حاجة، بيحكي بالأسماء والتفاصيل إزاي كانوا بيختاروا الناس اللي لازم تختفي، وإزاي كانوا بيقسموا الفلوس، وإزاي كل حاجة كانت ماشية بشكل منظم كأنها شغل رسمي، لكن في آخر التسجيل سكت شوية وبعدين قال جملة خلتني أقفل اللاب فورًا وأنا جسمي كله بيترعش… قال: لو التسجيل ده اتفتح، يبقى أنا غالبًا مت… ولو اللي بيسمعني من قرية الزمهرير… يبقى الدور عليه جاي.
-
قعدت مكاني شوية مش قادر أستوعب الجملة الأخيرة، وبعدين رجعت فتحت اللاب تاني وأنا متردد، كملت التسجيل والراجل صوته كان أهدى كأنه عارف إنه بيحكي آخر كلام ليه، قال: الموضوع مش فلوس بس… الفلوس كانت مجرد ستارة، أنا في الأول كنت فاكر زيك إنهم بيخلصوا من ناس ليها مشاكل أو عايزين يغطوا على جرايم، بس الحقيقة طلعت أوسخ من كده بكتير، سكت لحظة وبعدين كمل: الناس اللي كانت بتتدفن ماكنتش عشوائي… كانوا بيختاروا ناس معينة، ناس محدش بيدور عليهم، غُرب، عمال، أو حتى ناس من البلد بس مالهمش حد، بس في شرط واحد… لازم يكونوا لسه عايشين، قلبي وقع وأنا بسمع، وكمل: لأن اللي بيعملوه ماينفعش يتم على ميت، لازم النفس يكون لسه موجود، عشان "العمل" يتم، الكلمة دي خلتني أقرب من اللاب من غير ما أحس، قال بعدها: في الجبل اللي ورا القرية في مغارة قديمة محدش بيقرب لها، المغارة دي من زمان قوي، وقبل ما إحنا نعرف البلد أصلًا، والستة دول ورثوا اللي بيحصل فيها من اللي قبلهم، كل فترة لازم "قربان" يتقدم… مش عشان أساطير ولا حكايات… لكن عشان يحافظوا على اللي معاهم، ساعتها حسيت إن نفسي تقيل، وكأنه بيحكي عن حاجة حقيقية مش خيال، كمل: الأرض هناك مليانة آثار ودهب قديم، محدش يعرف يوصل له غيرهم، وكل ما القربان يتقدم… بيلاقوا أماكن جديدة، وفلوس أكتر، ونفوذ أكبر، الناس فاكرة إنهم كبار البلد عشان فلوسهم… لكن الحقيقة إن فلوسهم دي جاية من حاجة أقدم وأخطر، سكت شوية وبعدين قال بصوت واطي: أنا شفت بعيني… اللي بيرفض يكمل معاهم بيبقى هو القربان اللي بعده، وأنا حاولت أهرب… عشان حسيت الدوري عليا، التسجيل وقف لحظة، وبعدها رجع صوته وهو بيقول جملة أخيرة: أوعى تفتكر إنك بعيد عنهم… لأن اللي يعرف سرهم… بيبقى جزء منه، قفلت اللاب ببطء وبصيت حواليّا في الشقة، لأول مرة حسيت إن المكان مش آمن، وإن اللي بدأ في قرية الزمهرير… ممكن يكون لسه هيكمل معايا أنا.
-
الثالث
قعدت ساكت شوية وببص حواليا كأني مستني حد يطلعلي من الضلمة، حاولت أقنع نفسي إن اللي سمعته مجرد كلام، وإحساسي بيبالغ، قمت بسرعة وقفلت الشبابيك كويس وقفلت الباب بالمفتاح، بس أول ما قعدت حسيت بحاجة غريبة… حسيت ان الشقة اتسحبت مني وبقت مكان تاني، فضلت سامع صوت تكتكة الساعة بس، وفجأة تليفوني رن، الرقم كان غريب، رديت بتردد، سكت شوية ومحدش اتكلم، كنت لسه هقفل، لكن سمعت نفس الصوت الراجل اللى كنت هنقذه… بيقول بنبرة صوت تقيلة: أنت فتحت الكيس… صح؟ قلبي وقف لحظة، قمت واقف ومش عارف أتكلم، الصوت كمل: أنا قولتلك… اللي يعرف سرهم… بيبقى جزء منه، قفلت المكالمة وإيدي بتترعش، حاولت أقول لنفسي إن ده اكيد تسجيل مش مكالمة، لكن قبل ما أفكر أكتر، باب الشقة خبط خبطة واحدة تقيلة خلت جسمي كله ينتفض، وقفت مكاني مش قادر أتحرك، الخبطة اتكررت تاني بس المرة دي أقوى، وبعدها الصوت سكت تماما.
-
كنت واقف قدام الباب وجسمى كله بيترعش، حاولت اقنع نفسى ان اللى بيحصل ده مش حقيقى بس أنا فعلاً فتحت الكيس وشوفت كل حاجة، يعني الموضوع حقيقي مفيهوش شك، بس فكرة إن نفس صوت الراجل يكلمني في التليفون وهو المفروض مات خلت عقلي يكون مشتت، حاولت أقنع نفسي إن اللي سمعته ممكن يكون تسجيل معمول بطريقة ذكية أو حد بيقلد صوته عشان يخوفني، خصوصًا إن الناس دي واضح إنها منظمة وعندها إمكانيات، فجاة الباب خبط تانى بس كانت أقوى وقطعت أي تفكير، وصوت الراجل من بره قال: عارفين إنك جوه… بلاش نضيع وقت، بصيت حواليا بسرعة وأنا بفكر أتصرف إزاي، عيني راحت على الفلاشة والكيس، جريت بسرعة اخدتهم وحشرتهم في المطبخ تحت حاجات قديمة، وبعدين قربت من الباب من غير ما أعمل صوت وبصيت من العين السحرية، كان في راجلين واقفين، لبسهم عادي جدًا، بس نظراتهم ثابتة بشكل مريب، واحد فيهم بص ناحية الباب كأنه حاسس إني ببص عليه، وقال بهدوء: احنا عارفين إنك جوه يا عاصم… وزي ما إنت شوفت، إحنا كمان بنوصل لأي حد بسهولة، قلبي كان بيدق جامد، بس حاولت أتماسك وسألت من ورا الباب: عايزين إيه؟ رد التاني بسرعة: عاوزين الحاجة اللي معاك، وساعتها اتأكدت إنهم عارفين كل حاجة، لكن اللي خلاني أقلق أكتر إن واحد فيهم قال جملة خلتني أفهم إن الموضوع أكبر مما كنت متخيل: قال… الراجل اللي إنت حاولت تنقذه… ماكنش أول واحد يحاول يهرب… وإنت مش أول واحد يوصل له الكلام ده.
-
سكت لحظة وأنا واقف بحاول أقرر، لو فتحت الباب معناه إنى انتهيت، والهروب لازم يكون دلوقتي حالًا قبل ما يكسروا الباب، بصيت حواليا بسرعة وحددت القرار، اتحركت على أطراف صوابعي ناحية المطبخ ومنه للمنور بصيت لتحت لقيت مواسير صرف نازلة جنب الحيطة، مسكت فيها بإيدي ونزلت بحذر، إيدي كانت بتتزحلق وقلبي في رجلي، وفي نفس اللحظة سمعت صوت خبط جامد على الباب من جوه الشقة، واضح إنهم بدأوا يحاولوا يفتحوه بالعافية، نزلت بسرعة أكبر لحد ما وصلت الأرض، أول ما رجلي لمست الأرض جريت على طول من غير ما أبص ورايا، دخلت في شارع جانبي ضلمة ومشيت بسرعة وأنا بحاول أهدى نفسي، كنت عارف إنهم مش هيسيبوني بسهولة، وقفت عربية من أول الشارع، ركبت وقلت للسواق أتحرك بسرعة بعيد عن هنا، وأنا قاعد ببص في المراية كل شوية، حاسس إن في حد ورايا، لكن الشوارع كانت فاضية، حاولت أستوعب أنا هعمل إيه، افتكرت انى نسيت الكيس والفلاشة فى البيت، بس أنا لسه حافظ كل اللي شوفته، وبعد شوية السواق وقف عند منطقة بعيدة، نزلت ومشيت شوية على رجلي ودخلت قهوة قعدت في ركن بعيد، وأنا بحاول أفكر، لأول مرة من ساعة ما خرجت من القرية حسيت إني مطارد بجد، مش مجرد شاهد… لا، أنا بقيت هدف، وساعتها بس فهمت إن الهروب من البيت كان مجرد بداية… لكن الهروب الحقيقي لسه ما بدأش.
-
فضلت قاعد لحد ما الدنيا بدأت تنور، كنت محتاج أفكرهعمل ايه، مفيش مكان أقدر أرجع له غيرانى اسافرالقاهرة، هناك أقدر أختفي وسط الزحمة وأبدأ من جديد، قومت من مكاني وخدت أول مواصلة على القاهرة، طول الطريق كنت سرحان وبفكر في اللي حصل وفي اللي جاي، أول ما وصلت دورت على مكان أبات فيه، لفيت شوية لحد ما لقيت شقة صغيرة في حارة، إيجارها مناسب، دفعت وقعدت فيها على طول، المكان كان بسيط جدًا بس كان كفاية إني أبقى بعيد عن أي حد يعرفني، نمت شوية من التعب، وتاني يوم صحيت بدري وقررت أنزل أدور على شغل، لازم أعيش طبيعي، فضلت ألف على شركات ومكاتب لحد ما لقيت شركة طالبة محاسبين، دخلت سألت وقدمت، قعدت مستني دوري وأنا بحاول أبان هادي، دخلت للمسؤول وقدمت الورق واتكلمت بشكل طبيعي جدًا، وهو سألني شوية أسئلة بسيطة وبعدين قال لي استنى برا، خرجت وقعدت وأنا مستني الرد، وبعد شوية ندهوا عليا وقالوا لي هتبدأ شغل من بكرة، وأنا لأول مرة من يومين حاسس إن في حاجة بدأت تستقر، بس وأنا نازل على السلم، سمعت صوت حد ورايا بيقول اسمي: عاصم… وقفت مكاني ولفيت ورايا.
-
وقفت مكاني وبصيت ورايا، لقيت شادي صاحبى واقف، بيابتسم وقال: عاصم؟ معقول! سلمنا على بعض وكأننا رجعنا سنين ورا، قال لي: إنت فين يا بني من زمان مش عارف عنك حاجة؟، ضحكت ضحكة خفيفة وقلت له: الدنيا سحلتني بس، إنت عامل إيه؟ قالي: الحمد لله، انا شغال هنا بقالي فترة، بس إنت جيت القاهرة امتى؟ سكت لحظة وبصيت حواليّا وقلت له بصوت واطي: مش هينفع الكلام هنا، شادي ركز في وشي كأنه فهم إن الموضوع أكبر من مجرد كلام، وقال: خلاص، تيجي معايا البيت ونتكلم براحتنا، هزيت راسي ووافقته من غير تفكير، خرجنا سوا وركبنا مواصلة لحد ما وصلنا شقته، بس أول ما دخلت حسيت بحاجة غريبة، نفس الإحساس التقيل اللي كان بييجي مع غروب الشمس في قرية الزمهرير، كأن المكان فيه حاجة مش باينة، حاولت أتجاهل الإحساس وقعدت، شادي عمل قهوة وقعد قدامي وقال: احكي، إيه اللي حصل؟ سكت شوية وبعدين بدأت أحكيله كل حاجة، من ليلة الترعة لحد اللي حصل في الشقة والناس اللي جتلي، كنت بتكلم وهو ساكت مركز في كل كلمة، بس كل شوية كان يبص ورايا أو ناحية باب الشقة كأنه سامع حاجة، ولما خلصت، فضل ساكت ثواني وبعدين قال: أنا كنت عارف، بصيت له بصدمة وقلت: عارف إيه؟ قال: إن الموضوع مش بس ناس بتختفى وتدفن… الموضوع أقدم من كده، وأصعب، سكت لحظة وبعدين قام وراح ناحية المكتبة وفتح درج وطلع منه ملف، حطه قدامي وقال: أنا بقالى سنين بجمع في ده، كل حاجة ليها علاقة بقرية الزمهرير، الناس اللى اختفت، حوادث غريبة، وحتى حكايات قديمة، فتحت الملف وأنا متردد، لقيت قصاصات جرائد قديمة، وصور لأماكن حوالين الترعة والجبل، وفي نصهم ورقة مكتوب عليها نفس الجملة اللي كانت في الورق اللي لقيته: "تم الدفن"، قلبي دق جامد، بصيت له وقلت: إنت عرفت منين ان فيه حاة غلط؟ رد بصوت واطي: من واحد قبل ما يختفي: بس في حاجة أهم، مد إيده وطلع ورقة تانية، كانت رسمة لمكان شبه المغارة اللي اتقال عليها في التسجيل، بس حواليها دايرة كبيرة وعليها كلام غريب، رموز وكلمات مش مفهومة، وقال: المكان ده مش مجرد مغارة… ده مكان معمول له طقوس من زمان، واللي بيحصل مش بس عشان فلوس أو دهب، في حاجة تانية بتتغذى على اللي بيحصل، حسيت بقشعريرة في جسمي وافتكرت كلام الراجل عن إنهم لازم يدفنوا الناس وهي عايشة، قبل ما أتكلم، سمعنا صوت خفيف جاي من جوه الشقة، صوت خبطة بسيطة كأن حاجة وقعت لوحدها، أنا بصيت لشادي وهو بصلي، الصوت جاي من الأوضة اللي جوه، شادي قام ببطء وقال: إنت سمعت؟ هزيت راسي وأنا حاسس إن نفسي تقيل، مشينا ناحية الأوضة، أول ما قربنا الباب كان مفتوح سنة صغيرة، وشادي زقه بإيده، الأوضة كانت فاضية… بس الحاجة اللي كانت على الحيطة خلتني أتجمد مكاني.
-
الرابع
على الحيطة كانت الجملة مكتوبة… نفس الجملة بالظبط: "تم الدفن" بس بشكل أكبر وأوضح، وكأن اللي كتبها كان مستعجل بس متعمد يسيبها واضحة، قربت خطوة وأنا مركز فيها، حسيت ببرودة غريبة في المكان، بصيت على الارض لقيت تراب متبعتر، والغريب نفس ريحة تراب الترعة، وآثار إيدين باينة كأن حد كان بيزحف لحد نص الأوضة ووقف فجأة، قلت بصوت واطي: ده نفس التراب الترعة، شادي ما ردش، كان واقف جنبي بس مركز على الجملة بطريقة غريبة، ناديته: شادي… رد بعد ثانيتين كأنه سرحان وقال: دي مش صدفة، دي رسالة، سألته: رسالة لمين؟ بصلي وقال: لينا، وقبل ما أفهم قصده، سمعنا صوت خبط خفيف جاي من تحت الأرض، صوت مكتوم كأن حد بيخبط بإيده من تحت البلاط، اتجمدت مكاني وبصيت لشادي، هو كمان كان سامع، الصوت اتكرر تاني بس أقوى، بيحذرنا، رجعت خطوة لورا: شادي قال بصوت واطي: الخبط تحتنا، بصيت للأرض تاني، البلاط كان ثابت بس الصوت واضح جدًا، خبط… خبط، نفس الإيقاع اللي سمعته عند الترعة، نفس الإحساس، قلبي بدأ يدق بسرعة، وفجأة الصوت وقف مرة واحدة، سكون تام رجع للمكان، بصيت لشادي وقلت: معنى اللى حصل ده ايه؟ ما ردش، كان باصص ناحية باب الأوضة، لفّيت، الباب كان بيتقفل ببطء لوحده، من غير صوت، لحد ما اتقفل خالص، وفي اللحظة دي… سمعنا نفس الصوت... من تحت الارض، كان واضح جدًا، وبيهمس بنفس الكلمة: تم… الدفن.
-
بصيت لشادي وهو باصص ناحية الباب وعينه فيها خوف واضح، وفجأة قال: إحنا لازم نمشي بسرعة، من غير ما نفكر، جريت على الباب وفتحته بسرعة، وخرجنا من الشقة، نزلنا السلم بسرعة وخرجنا للشارع، وقفت وأنا بنهج وبصيت له وقلت: إيه اللي حصل ده؟ إيه معنى اللي سمعناه؟ شادي بصلي وقال: معنى كده إنهم وصلوا لنا… الرسالة واضحة، هم عايزيننا نختفي، زي غيرنا… يعني من الآخر، عايزين يدفنونا، الكلمة نزلت عليا تقيلة، قلت له: إنت مش هينفع ترجع شقتك دلوقتي خالص، المكان بقى مكشوف، انت تيجي معايا، أنا مأجر شقة صغيرة محدش يعرفها، هناك نقدر نفكر براحتنا، وافق من غير جدال، مشينا شوية وركبنا مواصلة لحد ما وصلنا شقة عاصم، كانت أمان أكتر، أول ما دخلنا قفل الباب كويس وقعدنا قدام بعض، بدأنا نربط الأحداث ببعض، من القرية لحد اللي حصل هنا، كل حاجة كانت بتقول إنهم سابقينا بخطوة، فجأة شادي سكت وبصلي وقال جملة خلتني أتجمد مكاني: إحنا لازم نرجع القرية، قلت بسرعة ومن غير تفكير: مستحيل، إحنا لو دخلنا هناك مش هنخرج تاني، شادي هز راسه وقال: ولو ما رجعناش، هما اللي هيجوا لحد عندنا وانت شوفت بنفسك، وساعتها مش هيبقى عندنا أي فرصة، سألته: نرجع ليه أصلًا؟ قال: الكيس… اللى فيه الورق والفلاشة، ده الدليل الوحيد اللي ممكن يوقفهم، سكت شوية وبعدين قوتله والملف اللى عندك برضه مهم شادى رد: الملف ده انا كاتبه ومجمع معلومان لكن الفلاشة والورق اللى معاك منهم هما فا اكيد اهم، فكرت فى كلامه كان منطقي بس مرعب، قلت له بتردد: طب ندخل إزاي؟ القرية اكيد المكان كله تحت عيونهم، شادي قال: لازم نفكر صح، مش ندخل كأننا راجعين بلدنا، ندخل كأننا ناس تانية، قلت له: يعني إيه؟ قال: يا إما ندخل من الجبل، من ناحية محدش بيروحها، يا إما نستنى ليل متأخر ونعدي من الترعة، أو… نتفق مع حد من جوه البلد يساعدنا، قلت له بسرعة: محدش هيساعدنا، محدش هيصدق لاننا بنتهم كبارالبلد وحتى لو حد عارف حاجة هيخافوا، شادي سكت لحظة وبعدين قال: يبقى ندخل من نحية الترعة، بصيت له وقلت: وأنا شايف إن أخطر حاجة هي الترعة، شادي قال: يبقى مافيش غيرالجبل أأمن… بس أطول، سكتنا الاتنين لحظة، وكل واحد فينا بيحسبها في دماغه، لأن القرار ده… يا إما ننجو بسببه، يا إما يكون آخر حاجة نعملها في حياتنا.
-
فجأة رفعت راسي وبصيت لشادي وقلت: استنى… في فكرة، شادي بصلي وقال: قول، قلت: إحنا مش لازم نستخبى منهم… إحنا ممكن ندخل وسطهم عادي، شادي رفع حواجبه وقال: إزاي؟ قلت: ندخل القرية متنكرين، نلبس نقاب ونبقى كأننا تجار قماش معديين على البيوت، محدش هيدقق، خصوصًا لو دخلنا بالنهار، الناس كلها بتبقى في حالها، وشكلنا هيبقى عادي جدًا، شادي سكت لحظة وبعدين بدأ يستوعب، وقال: يعني هنلف على البيوت ونبقى بنبيع؟ هزيت راسي وقلت: أيوه، وده هيدينا فرصة نتحرك جوه القرية من غير ما حد يشك، نقدر نوصل لكل مكان احنا محتاجينه بهدوء، شادي ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: الفكرة دي أحسن حاجة قولناها من ساعة ما بدأنا، وكمل: كده نبقى وسط الناس ومحدش هيلاحظنا، بس لازم نكون حذرين، قلت له: أكيد، وأهم حاجة ما نقربش من أي حد نعرفه، ولا حد يعرف صوتنا، شادي قال: تمام… يبقى نجهز من دلوقتي، نجيب هدوم ونرتب كل حاجة، بصيت له وقلت: بكرة الصبح نتحرك، تانى يوم دخلنا القرية في هدوء، بس جوايا إحساس غريب إن الفكرة دي رغم إنها ذكية… إلا إن في حاجة ممكن تحصل تقلب كل حاجة، لأن قرية الزمهرير… عمرها ما كانت بتسيب حد يدخلها بسهولة، ولا يخرج منها بسهولة.
-
قضينا باقي اليوم نجهز نفسنا، جبنا قماش، نقاب يخفي وشنا كنا بندرب على تغير الصوت لانثى، وكل واحد فينا حافظ الدور اللي هيقوله، تاني يوم بدري اتحركنا على القرية، الطريق كان طويل بس كل ما نقرب قلبي كان بيدق أسرع، أول ما دخلنا قرية الزمهرير كنت حاسس بسكون غريب رغم إن الشمس طالعة والناس فى الشوارع، بدأنا نلف بين البيوت وكأننا بنبيع، محدش ركز معانا، كله مشغول، وده خلانا نتحرك براحتنا، شادي كان ماشي جنبي وواخد باله من كل تفصيلة، وأنا عيني على الطريق ناحية بيتي القديم، بعد لف شوية وصلنا للناحية اللي فيها الشقة، قلبي كان هيطلع من صدري، بصيت حواليّا واتأكدت إن محدش مركز، وفتحنا الباب بسرعة ودخلنا، أول حاجة جريت عليها كان المطبخ اللي خبيت فيه الكيس، كنت بدور وإيدي مرتعشة… الصدمة المكان اللى كنت حاطط فيه الكيس كان فاضي، قلبي وقع، قلبت في المكان كله بسرعة، قلبت الشقة كلها، مفيش أي أثر، لا ورق ولا حاجة، وقفت وأنا مش مصدق وقلت: مستحيل… أنا حطيته هنا بإيدي، شادي قعد على الكرسي وقال بصوت مهزوز: يبقى سبقونا، خلصت… إحنا اتأخرنا، حسيت الدنيا بتضيق حواليا، كل اللي عملناه راح في لحظة، كل حاجة ضاعت، سكتنا إحنا الاتنين لحظة، وبعدين فجأة سمعنا صوت الباب بيتفتح بهدوء، لفّينا راجل كبير في السن، لابس جلابية ووشه مليان تجاعيد، بس عينيه كانت ثابتة بشكل غريب، بص علينا وقال بهدوء: كنتوا بتدوروا على الكيس… صح؟ اتجمدت مكاني وأنا ببص له، شادي قام وقف بسرعة وقال: إنت مين؟ الراجل قفل الباب وراه وقال: أنا اللي كنت مستنيكم ترجعوا… أنا الحج عبد الرحمن، سكت لحظة وبص لنا نظرة تقيلة وقال: واللي معايا… هو بداية الحكاية كلها، قلبي بدأ يدق جامد وأنا حاسس إن اللي جاي أقوى بكتير من اللي فات، الراجل قرب خطوة وقال: بس قبل ما أديكم أي حاجة… لازم تعرفوا إن اللي داخلين عليه ده… مفيش منه رجوع.
-
الخامس
وقفنا قدامه وإحنا مش فاهمين هو مين ولا إزاي دخل ولا عرف إحنا بندور على إيه عاصم قال: إنت تعرف إيه عن الناس دى الحج عبد الرحمن ابتسم وقال انا الموضوع نفسه، أنا بصيت له وقلتله إنت مين بالظبط ساعتها وشه اتغير وقال أنا كنت واحد منهم الكلمة خبطت في دماغي، عاصم قال بسرعة يعني إيه واحد منهم قال كنت من الستة اللي بيدفنوا الناس وبيشتغلوا في الجبل وبيحافظوا على العهد سكتنا إحنا الاتنين وهو كمل بصوت تقيل الموضوع مش فلوس ولا دهب بس الموضوع عهد قديم متسلم من جيل لجيل وكل واحد فينا ليه دور وأنا كنت واحد من اللي بينفذوا الدفن كنت بشوف بعيني الناس وهي بتتحط في الأرض وهي لسه عايشة عشان "القربان" يتم زي ما هما بيقولوا قلبي اتقبض وأنا بسمع كمل وقال بس الفرق بيني وبينهم إني فوقت لما فهمت إن اللي إحنا بنعمله مش بيحافظ على القرية زى ما كانوا بيقولوا ويكذبوا علينا… ده بيغذي حاجة تانية حاجة تحت الجبل حاجة مش طبيعية عاصم قال طب وليه سابوك تعيش لحد دلوقتي الراجل ابتسم وقال ما سابونيش هما حاولوا يخلصوا مني زي ما عملوا مع غيري بس أنا سبقتهم يومها عملت نفسي ميت ووقعت قدامهم من على الجبل ومشيوا وفكرونى مت بس انا حصلى شوية كسور وهربت واختفيت وغيرت اسمي وشكلي وكل حاجة عشان محدش يعرف يوصل لي ومن يومها وأنا مستني الوقت المناسب عشان أرجع وأخلص عليهم واحد واحد وقدرك انك دخلت اللعبة غصب عنك من اللحظة اللي شفت فيها اللي حصل ولما فتحت الكيس بقيت جزء من الموضوع سواء عايز أو لا عاصم قال طب وإيه حكاية الجبل بالظبط الراجل قال: الجبل ده مدخل المغارة أعمق بكتير من اللي تتخيله في حاجة هناك بتتغذى على الدم وعلى النفس الأخير للناس عشان كده لازم القربان يكون حي مش ميت سكت لحظة وبعدين كمل الستة دول مجرد حراس مش أصحاب المكان هما بيقدموا القربان مقابل إنهم ياخدوا قوة والدهب والآثار اللي بتطلع لهم من جوه الجبل وكل ما القربان يزيد المكان بيفتح لهم أكتر ويديهم أكتر شادي قال طب فى حد تاني معاهم غير الستة قال العدد أكبر بكتير من اللي تتخيل في ناس في البلد وفي ناس بره البلد كمان في دكاترة بيساعدوا يحددوا الناس اللي محدش هيدور عليهم وفي موظفين فى الدولة بتساعدهم، كلهم داخلين في نفس السلسلة وأنا كنت جزء منها لحد ما قررت أهرب أنا قولتله طب الكيس؟ مد إيده وطلعه من تحت عبايته وحطه قدامنا وقال أنا استنيت السنين دي كلها عشان اللحظة دي بالذات عشان ألاقي حد زيكم مستعد يساعد اهل القرية الطيبين، لو مش هتقدروا تكملوا يبقى تسيبوه وتمشوا وتنسوا كل حاجة بس لازم تعرفوا حاجة واحدة قبل ما تقرروا وساعتها قرب شوية وقال بصوت أوطى الناس دى مش هتسيبكم ابدا لان اللى دخل الدايره وكشف سرهم… عمره ما بيخرج منها غير وهو ميت.
-
بصيت لشادي وهو باصصلي واحنا ساكتين لحظة كأننا بنحسبها في دماغنا وبعدين أنا قلت خلاص إحنا مش هنرجع ورا شادي هز راسه وقال إحنا دخلنا الموضوع ده للنهاية يا إما نخلصه يا إما نخلص إحنا الحج عبد الرحمن بص لنا وقال كده الكلام دخل فى الجد اسمعوني كويس اللي هقولكم عليه ده هو الفرق بين إنكم تعيشوا أو تبقوا زي اللي قبلكم أول حاجة الناس دي قوتها مش في عددها قوتها في السر اللي بينهم وفي الطقوس اللي بيعملوها في الجبل طول ما الطقوس دي شغالة محدش يقدر يقف قصادهم شادي قال خالص نوقف الطقوس، الحج عبد الرحمن قال: بس الموضوع مش سهل الطقوس ليها وقت محدد كل فترة بيقدموا قربان في المغارة واللي بيحصل جوه هو اللي بيخليهم أقوى ويخلي المكان يديهم دهب وآثار لو الطقس اتكسر في الوقت الصح كل اللي بينهم هينهار، عاصم قال: نكسره إزاي، قال لازم نوصل لقلب المغارة في نفس الوقت الى هيكونوا مجهزين فيه قربان ونمنع الدفن، شادي قال ولو وصلنا متأخر يبقى كل حاجة خلصت الحج عبدالرحمن قال: في حاجة أهم المكان نفسه مش طبيعي في رموز مرسومة على جدران المغارة الرموز دي هي اللي بتخلي "العهد" شغال لو الرموز دي اتكسرت أو اتمسحت الطقس كله بيبوظ عاصم قال طب والستة دول قال دول بيكونوا موجودين وقت القربان كلهم عشان يضمنوا إن الطقس يتم ولو حسوا بأي خطر مش هيترددوا يقتلوا أي حد يقرب أنا قلتله طب نعرف ميعاد القربان أزاى، قال قرب قوي الليلة دي أو بكرة بالكتير لأنهم لقوا القربان جديد من القرية نفسها عاصم شد نفسه وقال يعني لازم نتحرك بلليل على الجبل، الحج عبد الرحمن قال أيوه بس مش هتدخلوا الجبل كده وخلاص لازم تدخلوا من المدخل السرى أنا عارفه لأنه كان شغلي زمان المدخل ده بيوصل لنقطة قريبة من قلب المغارة من غير ما تعدوا عليهم في الأول أنا قلتله طب وإنت هتيجي معانا قال أنا هكون قدامكم لأن اللي جوه ده أنا حافظه بس اسمعوا كويس أول ما ندخل مش أي صوت تسمعوه تصدقوه ولا أي حاجة تشوفوها تثقوا فيها المكان بيلعب بالعقل عاصم قال يعني إيه قال يعني هتشوفوا حاجات من اللي ماتوا وهتسمعوا أصوات ناس بينادوكم لو رديتوا أو وقفتوا هتضيعوا أنا حسيت بقشعريرة بس قلتله وإيه اللي يوقفهم، قال لو الطقس اتكسر والرموز اتمسحت والممر اتقفل عليهم من جوه مش هيعرفوا يرجعوا تاني وهيخسروا كل حاجة سكت لحظة وبعدين قال بس في تمن لازم يتدفع عاصم قال إيه هو قال اللي بيكسر العهد… بيبقى هو آخر قربان، المكان مش بيسيب حد يخرج من غير حساب ساعتها سكتنا إحنا الاتنين وبصينا لبعض حسيت إن القرار صعب بس قلت أحنا معاك الحج عبد الرحمن بص لنا وقال يبقى مفيش وقت نضيعه اتحركوا بليل نحية الترعة.
-
فجأة الشبابيك بدأت تخبط جامد والبيبان بتتفتح وتتقفل لوحدها وصوت الهوا بقى عالي بشكل مرعب وأنا وشادي بصينا لبعض في نفس اللحظة وقلنا فيه إيه إيه اللي بيحصل ده يا حج عبد الرحمن بس هو ما ردش على طول مد إيده بهدوء وطلع لوحة صغيرة خشب قديمة عليها رموز غريبة محفورة وبدأ يتمتم بكلام مش مفهوم خالص صوته كان واطي بس واضح كأن كل كلمة بتتقال بتشد الهوا حواليه وفجأة صرخة طلعت من كل ناحية في نفس الوقت صرخة واحدة بس عالية لدرجة إن وداني صفرت وبعدها كل حاجة سكتت مرة واحدة سكون رجع للمكان كأن مفيش حاجة حصلت بصينا له وإحنا مش فاهمين وقلتله إيه اللي حصل ده قال: ده طبيعي ومتوقع هما عايزين يخوفونا ويلعبوا بعقولنا عشان يوقفونا بس لسه مش عارفين إحنا فين ولا مين إحنا متخافوش محدش يقدر يقرب لنا بإذن الله شادي قاله إيه اللوحة دي، قال دي لوحة حماية من جوه المغارة كل واحد كان شغال معاهم كان معاه واحدة زيها عشان تحميه من شر*هانون* لأن الخطر الحقيقي من هانون مش هما بس، عاصم بص له بستغراب وقاله: مين هانون، عبد الرحمن سكت لحظة وبعدين قال: هانون هو الشر بعينة الناس دى خدام ليه بيعملوا كل حاجة بيطلبها منهم، شادى قال: هو هانون ده بشر؟ الحج عبد الرحمن هز راسه وقال: لا مش بشر، عاصم حاول يغير الموضوع بسرعة وقال: كمل موضوع الوحة، عبد الرحمن قال: الوحة دي بتشتغل طول ما صاحبها عايش أول ما يموت بتفقد قوتها وكأنها ما كانتش، عاصم قال يعني دي ممكن تحمينا جوه الجبل عبد الرحمن قال: وهو بيبص هنعرف قيمتها الحقيقية الليلة ان شاء الله.
-
انتظروا بكرة ان شاء الله الجزء السادس


إرسال تعليق