رواية أرض الدوم الفصل التاسع والعاشر والحادى عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر بقلم الكاتبه رحمه نبيل حصريه وجديده
رواية أرض الدوم الفصل التاسع والعاشر والحادى عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر بقلم الكاتبه رحمه نبيل حصريه وجديده
الفصل التاسع [تصرفات غير محسوبة ]
كان الصمت يعم المكان لا شيء غير صوت قطرات المياه التي تصطدم بالارضية أسفل جسد ساڤا، وصوت انفاس احمد، وصوت صراخ والده على الطرف الآخر وقد رسم له شيطانه اسوء وأكثر المشاهد القذرة التي يمكن أن ترتسم في عقل إنسان بعد سماع صرخة أنثوية تصدر أثناء حديثه مع ولده .
_ أحمد أنطق فيه ايه !!
وعلى هذه الكلمات استفاق أحمد وهو يستدير بسرعة يعطي ظهره لسافا التي ركضت وهي تلتقط معطفها الذي جاءت به، تنظر له نظرة مرتعشة وقد ارتفعت مرارة داخل حلقها تخفي جسدها بالمعطف بسرعة .
_ أنت...هنا ...بتعمل ايه ؟؟ وهنا من امتى ؟؟
وصوت والد أحمد هو ما أجاب عليها :
_ تعمل ايه وفين ؟؟ أحمـــــد ..
وأحمد يحاول أن يتمالك نفسه وهو يهتف بصوت منخفض :
_ مفيش حاجة يا بابا هو بس ...حصل سوء فهم .
- سوء فهم ايه، ده سوء تربية وأنت الصادق، النهاردة يا أحمد الاقيك أنت وأختك قدامي واتفضل روح شوف بلاويك وشوف هتستر عليها ازاي .
ختم حديثه يغلق الهاتف بقوة وقد شعر به أحمد وكأنه يصفعه بكلماته تلك، ينظر للهاتف بصدمة :
_ استــ...استر ايه ؟؟
كان يراقب الهاتف بصدمة وقد خشي حتى الاستدارة ليقرر الرحيل دون حتى الاستدارة بفضول لينظر خلفه لما آلت إليه الأمور، يتحرك بسرعة بعيدًا عنها وقد قرر الرحيل من أمامها بسرعة .
لكنها فجأة أوقفته بسرعة وهي تهتف بجدية :
_ أنت بتهرب ليه ؟؟ اقف مكانك .
توقفت أقدام أحمد وهو يغمض عيونه يجاهد نفسه كي لا يستدير، وصوت تنفسه أصبح واضحًا :
_ آسف مكانش قصدي، أنا مكنتش اعرف أنك موجودة في المكان اساسًا .
_ أنت هنا من امتى وبتعمل ايه ؟؟
اغمض أحمد عيونه بضيق وقد كره الوقوف بهذا الشكل يعطيها ظهره مخافة الاستدارة .
أما عنها ابتسمت بسمة بسمة صغيرة وهي تتحدث بجدية :
_ مش مكسوف لما تقف وتفضل تتفرج على البنات بالشكل ده ؟!
اتسعت عيون أحمد بصدمة وهو يستغفر ربه من كلمات هذه المرأة التي يبدو أنها لا تراقب ما يخرج منها ولا تدرك ما تقوله :
_ لا مش مكسوف لأني ببساطة معملتش اللي أنتِ بتقولي عليه دلوقتي، ده بس في خيالك المريض .
رددت سافا الكلمة ببسمة متعجبة :
_ خيالي المريض !؟
ابتسم على نبرتها التي خرجت وكأنه للتو سبها أو ما شابه، لكنه لم يهتم وهو يهز رأسه ومازال يعطيها ظهره، لتقرر هي أنها اكتفت من هذا العبث تتحرك دون كلمة واحدة تقف أمامه بلا مقدمات لينتفض هو للخلف يطلق صرخة مرتفعة متسع الأعين، قبل أن يهدأ حينما أبصرها وقد ارتدت ثوب علوي فوق ثوبها المبتل تقف متخصرة مبتسمة بسخرية :
_ أنت عندك فوبيا من البنات ولا ايه ؟؟
نظر لها بعدم فهم وهي اقتربت منه بسرعة خطوات تراجع هو ضعفها للخلف بسرعة، يشير لها بيده محذرًا :
_ مكانك ومتقربيش خطوة كمان لو سمحتي، ثم الغلط هنا غلطك أنتِ ده مش مكان ممكن حد ينزل يعوم فيه بالشكل المستهتر ده، احتمالية أي راجل يجي ويشوفك كبيرة و...
قاطعت كلماته وهي تغمز له ببسمة صغيرة :
_ بتغير ولا ايه؟؟
وأحمد توقف عن الحديث بصدمة كبيرة من طريقتها وكلماتها:
_ نعم !!
اقتربت منه وهي تنظر له بمزاح حاولت أن تخفيه خلف نظرات لطيفة جادة :
_ لو وعدتني بحمام سباحة في بيتنا بعد الجواز مش هاجي اعوم هنا تاني .
_ نعم ؟!
_ ها هتيجي امتى ؟!
_ اجي ؟!
_ تطلب ايدي .
_ اطلب ايدك ؟!
ابتسمت وهي ترى نظراته وقد شعرت أنها إن ضغطت عليه ثواني قد ينفجر من الاحراج من الموقف برمته، لذا تراجعت للخلف تحرر وثاقه الذي كانت تكبله بنظراتها، تمسك خصلاتها الحمراء وهي تنفضها بقوة في المكان، ومن ثم رفعت رأسها له :
_ على العموم يعني أنا بكون فاضية كل يوم العصر حدد ميعاد وهات الحاج وشرفني، تحب اسيبلك عنواني ولا تعرف توصلي ؟!
كانت هذه طريقة رائعة لتخفي بها خوفها الفطري من نظرات الرجال .
نظر لها أحمد بضيق شديد من طريقتها في الحديث وقد شعر بصدره ينبض بالغضب منها وملامح الصدمة ما يزال أثرها ظاهر على وجهه :
_ أنتِ بتقولي ايه ؟؟
- هترجع في كلمتك يا أحمد ولا ايه ؟!
نظر لها أحمد بغضب ولم يكد يتحدث، حتى انتزعت هي الهاتف الذي كان يمسكه بين كفه منذ ثواني تضغط على بعض الأزرار بسرعة، ومن ثم صدح صوت رنين يأتي من حقيبة معلقة في شجرة جانبهما، لتتحرك صوب الهاتف تخرجه تبتسم وهي تغلق الرنين :
_ هسجلك، ابقى سجلني بقى عندك، فاكر اسمي ؟!
نظر لها برفض لما تتحدث به، ينظر بطرف عيونه لرقمها الذي يعلو هاتفه، ومن ثم نظر لها ببرود شديد، وهي ابتسمت له بسمة بسيطة :
_ أنت طيب اوي يا أحمد تعرف كده ؟؟ عمري ما شوفت رجالة طيبين زيك كده في حياتي كلها .
ابتسم بسخرية شديدة من كلماتها وهو يدس الهاتف داخل بنطاله يؤجل التفكير في حديثها في هذه اللحظة :
_ وده عرفتيه بقى من مشيتي ولا من وقفتي ؟؟
ابتسمت على سخريته وهي تقترب منه تهمس بجدية مشيرة بطرف عيونها لجيبه حيث يستريح هاتفه :
_ لا من تليفونك، مفيش راجل دلوقتي مش بيعمل باسوورد على تليفونه يا أحمد، بجد طيب وعلى نياتك، اتمنى الحياة متغيركش يا بني .
تشنجت ملامح أحمد وهو ينظر لها من طرف قدمها لجذور شعرها، قبل أن يردد برفض وسخرية :
- ابنك ؟؟
ابتسمت له بهدوء ولم تتحدث بكلمة وهي تحمل الحقيبة تنظر في ساعة الهاتف الخاص بها :
_ كان نفسي استمر في الحوار الجميل ده كتير، بس بعتذر مشغولة حاليا، اشوفك على خير، ابقى كلمني لو احتجت حاجة، سجلني متنساش، سيڤو، أو ساڤ اللي تشوفه .
ختمت حديثها بغمزة وهي ترتدي الحقيبة تهرول بسرعة بعيدًا عنه ببسمة واحدة ولو جاء أحدهم وواجها بسؤال بسيط " لماذا فعلت هذا وتحدثت معه بهذا الشكل " ستقول أنها...لا تعلم ببساطة.
فقط شعرت ...وفعلت .
أما عنه فظل ينظر لاثرها بتعجب وصدمة من افعالها، يتنفس بشكل غير منتظم يحرك يده بخصلاته وهو يلتفت حول نفسه مغمضًا عيونه وكأنه يتحضر لمعركة .
_ يارب خرجنا من المكان ده بعقلنا .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ شو ذنبي أنا؟ كنت بس بحاول أساعدك وأفوقك.
كان مسلم يمسك ثوب حاتم بغضب وضيق لا يدرك كان من نفسه أو من حاتم أو من أفعاله ولؤمه مع فروشكا ؟!
_ مش أنت اللي قولت أبعدها عني ؟!
_ولك، أنا بدي أتحمّل مصايبك؟ قلتلك تأكّد من مشاعرك، شو دخلني فيك أنت وياها ؟؟
تدخلت نورهان في هذه اللحظة بعدما خرجت من المطبخ لتبصر ما يحدث منذ الصباح، لا تفهم سبب غضب مسلم بهذا الشكل الغريب :
_ مسلم فيه ايه ؟؟ مالك ماسك صاحبك كده ليه ؟؟
اعتدل حاتم بسرعة وهو يدفع يد مسلم عنه بضيق، قبل أن يستدير صوب نورهان يتحدث بجدية مطلقة :
_ أخوكي يا آنسة مجنون، بنصحكم تلحقوه بالمساعدة بسرعة.
رفع مسلم حاجبه وهو يجلس على الأريكة خلفه، بينما شعرت نورهان بالغضب والشرارات التي كانت منتشرة في المكان بأكمله، تقترب من مسلم بعدم فهم :
_ مسلم مالك ؟؟ أنت كويس ؟!
ومسلم فقط تحدث بكلمة واحدة وصفت كل ما يعصف برأسه:
_ فروشكا .
ورغم أنه من داخله كان يدرك أن ما فعل كان الصحيح، وأن هذا ما كان يجب أن يحدث منذ البداية، لا يمكنه تعليق فتاة لا ذنب لها به لأجل أمراضه النفسية وشعوره القذر بالذنب تجاه أي امرأة مقهورة .
تنفس بصوت مرتفع بينما نورهان نظرت صوب حاتم الذي جلس على الأريكة بعيدًا عن يد مسلم .
_ لا تطّلعي فيّ هيك، هو مجنون من حاله، أقسم بالله هاد بدون أي تدخّل بشري.
ابتسمت نورهان وجاهدت ضحكتها وهي تقترب من مسلم أكثر تربت عليه بحنان :
_ مالك بس يا مسلم أنت ايه اللي معصبك دلوقتي ؟!
اشاح مسلم بيده في ضيق واضح :
_ مش متعصب ولا حاجة .
_ لا واضح فعلا .
مسح مسلم وجهه، يتنفس بصوت مرتفع، دافنًا وجهه بين يديه وصمت طويلًا وكأنه يفكر في شيء، يحاول الوصول لهدوء يجعله يستمر .
بينما نورهان تعجبت من جدية الموقف وهي من كادت تمازحه ظنًا أن الأمر لا يتعدى مجرد شجار مع حاتم.
حركت عيونها بهدوء صوب الأخير الذي تفاجئ من نظرتها، لكن المفاجأة التي أوقفت قلبه لثواني هي نطقها لاسمه مجردًا وبهدوء :
_ حاتم ؟؟؟
اعتدل حاتم ببطء وكأنه يرفض أن يتلقى اسمه منها منحنيًا على عقبيه، يرفع عيونه لها ببطء يحاول أن يظهر لها بمظهر محايد متجاهلًا قلبه الذي كان يرتجف كما المشرد في شتاء ديسمبر.
_ نعم ؟!
_ ايه اللي بيحصل بالظبط؟! مسلم ماله ؟! حصل حاجة ؟!
ظل حاتم ينظر لها ثواني قبل أن يستفيق على ما يفعل يبعد عيونه عنها ببطء ومن ثم هز رأسه بهدوء وهو ينظر لمسلم :
_ لا تخافي، بكثير من الأحيان بحتاج قعدة صمت طويلة مع حاله عشان يعيد التفكير بشغلة معيّنة، رح يكون بخير إن شاء الله.
ظلت تنظر له ثواني وكأنها لا تثق بكلماته، لكنه اكتفى من أن يكون تحت مجهرها ينهض من مكانه يتحرك صوب مسلم بعدما أبصر ابتعادها عنه بهدوء، يجلس القرفصاء أمام مسلم يتحدث بصوت هادئ :
_ مسلم ما الذي تريده أنت الآن ؟! إذا كان الأمر يحزنك بهذا الشكل يمكنك الذهاب لها واخبارها أنك لم تقصد ما قلته .
ومسلم استمر بالصمت، وكل ما كان يوجعه في هذه اللحظة، ليس كلماته التي نطق بها، بل نظراتها عقب كلماته، لماذا كان من الصعب رؤية نظرتها هذه ؟؟
نظرت له وكأنه....خذلها، حطمها ؟ وهل فعل حقًا ؟!
يحاول إقناع ذاته أن هذا أفضل شيء لهما، كي لا تجرفه شفقته بعيدًا، ولا يجذبها تعلقها أكثر، هذا أفضل لهما .
لذا أبعد يده عن وجهه ينظر لوجه حاتم، الوجه ذاته الذي كان يبصره بعد كل موجة غضب تتملكه، كل انكسار يمر به، نفى وهو يبصر خوف حاتم في عيونه :
_ لا، فقط ...كرهت...كرهت أنني بدوت للحظة كما لو أنني...خذلتها .
وتفهم حاتم ما يريد فما أقسى من خذلان شخص كان يتوسم بك خيرًا .
_ لا تقلق سينتهي كل هذا وتنسى .
_ نعم وبخصوص هذا، أين الجميع ؟! نحتاج لرؤية ما سنفعله لقد تعطل الأمر بشكل كافي بالفعل .
رفع عيونه صوب نورهان التي بدا أنها أدركت ما يقبع خلف حزنه، تهز كتفها بعدم علم :
_ معرفش، أحمد راح يجري بيقول هيفرغ طاقة، ويحيى ...
صمتت وهي لا تتذكر سبب خروج يحيى فهي لم تبصره على أية حال .
ابتسم مسلم بقلة حيلة :
_ راح يفرغ صبري أكيد .
ابتسمت له بقلة حيلة، بينما مسلم، نهض وتحرك صوب الداخل يردد بكلمات هادئة:
_ هروح اصحي عيسى، وأنت يا حاتم روح شوف يحيى فين خلينا نخلص من اللي بيحصل ده .
هز حاتم رأسه وهو يراقبه يتحرك صوب الداخل وقبل التحرك للخارج كي لا يظل وحده معها، سمعها تردد بهدوء :
_ شكرًا ليك .
رفع حاتم عيونه لها بعدم فهم فابتسمت بسمة صغيرة جعلته يشرد دون شعور، قبل أن تفيقه صفعة حقيقة ما هو وما هي وما وضعهما يهز رأسه بهدوء .
_ كنت قلقانة طول السنين دي على مسلم أنه لوحده، أنت متعرفش كان هادي ازاي والكل بيخاف عليه حد يأذيه، لأنه مكانش بيرد الأذى بأذى وكان بيعديها، كنا خايفين يكون لوحده .
ابتسم حاتم بسمة ساخرة، ليس من وصفها لمسلم القديم فهو بدأ يتقبل تلك الصورة وإن كانت لا تتفق مع شكل مسلم الحالي، لكنه قد يتماشى مع الأمر يومًا ما .
لكن تلك البسمة الساخرة كانت لقولها، تشكره هو لانه كان بجوار مسلم .
_ بالحقيقة، إنتِ لازم تشكري مسلم، لأنه كان معي طول الوقت. هو اللي كان يحميني منهم، وكان جنبي مش العكس. لو إني واقف قدّامك هلّق وحيّ، فهالفضل للله أولًا، وبعدين لوجود مسلم معي. عشان هيك… الشكر أنا بوجّهه لمسلم.
ابتسمت له نورهان بسمة واسعة جعلته يبتسم بدوره بسمة شبه ملحوظة، وهي فقط رددت بجدية :
_ ربنا يديمكم لبعض يارب .
_ آمين .
_ هروح اشوف أكل اجهزه، تحب شيء معين؟؟
ابتسم بسمة مؤدبة وهو يتحرك صوب الخارج وقد رأى أن وقوفه معها قد طال بشكل غير مقبول :
_ أي إشي منك بكون طيب، وتسلم إيديك سلف، اسمحيلي أستأذن وأروح أدوّر على يحيى.
ويبدو أنه كان معتادًا على الجمل المجاملة لدرجة أنه لم يستوعب حتى ما نطق، تاركًا جملته في الهواء تحدث صدى داخل عقل نورهان، تلك المرأة التي تلقت لتوها ...قطرة من غيث اهتمام .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تجلس في غرفتها وما تزال صدمة ما أخبرتها به شيما يتردد في أذنها، لا تصدق أن والدها فعلها، بعد كل ما حدث فعل الأمر دون إرادتها .
لكن هل تغضب منه ؟! والله تخطت هذه المشاعر السطحية منذ زمن طويل، تحديدًا منذ أدركت أن والدها مغلول اليدين أمام عمها وعز الدين، والدها لم يكن بهذه القسوة هو فقط كان ...سلبيًا، ويا ليته كان قاسيًا عليها، فالقاسي يلين احيانًا، لكن السلبي يظل طوال حياته تابعًا لغيره، وفي حالتها ورغم رفض والدها الذي يقفز من نظراته، وخاصة بعد ما تلقته البارحة من ضربٍ، إلا أنه خضع مجددًا لرغبة عمها وعز الدين .
_ رايانا...
كانت كلمة مترددة خرجت من فم شيما التي نظرت لها بخوف وعدم ثقة للقادم، تمسك بين يديها ثوب من اللون الأحمر مع بعض الخيوط الذهبية، ثوب يضيق من الخصر ويتسع من التنورة :
_ عز الدين بعتلك الفستان، وأكد تخرجي بيه اليوم .
نظرت صوب الثوب وشعرت به يخرج لسانه لها، بالطبع سيخاف عز الدين من إعادة ما حدث سابقًا في آخر عقد قرآن لهما، حينما افلتت منه بفضيحة كارا التي دبرت لها، واليوم كيف السبيل للنجاة من قيده ؟!
_ أنا...قلبي واجعني عليكِ يا بنتي يشهد ربنا إني بعتبرك بنتي، بس نعمل ايه، البارو قال كلمته، لو فيه أي شيء أقدر اساعدك بيه أو...
قاطعتها رايانا وهي ترفع عيونها لها وقد هبطت دمعة على خدها دون شعور تهتف بصوت منخفض وهي تتحرك صوبها :
_ قولي للبارو إني هجهز على الموعد يا شيما، وشكرًا ليكِ لوقفتك معايا، بس من هنا مفيش حد هيقدر يساعدني من اللي هيحصل .
ختمت حديثها تأخذ الثوب بهدوء وهي تتحرك صوب المرحاض الصغير الذي خصصته في ركن غرفتها تغلق الباب بهدوء وهي تستند عليه بظهره وقد شعرت بكره أكثر وغضب يتضخم داخل صدرها، تكره عز الدين، بل تمقته، وفكرة أن تحيا معه المتبقي من حياتها، كانت مرعبة .
لثواني ثواني فقط شعرت برغبتها على الموت أهون لها من لمس عز الدين لها تحت مسمى زوجته.
أغمضت عيونها وقد ازداد انهمار دموعها أكثر وأكثر، حتى شعرت أنها لم تعد قادرة على البكاء أكثر، تنهض من أرضية المرحاض تتحرك صوب المرآة الصغيرة تنظر لوجهها ساخرة.
هل ظنت أن الابتسامة تلك كانت لها، بل كانت الحياة تضحك عليها في الواقع .
سمعت صوت شيما من الخارج يهتف بهدوء :
_ رايانا تليفونك بيرن يا بنتي، مش عارفة مين رقم غريب ...
رفعت رايانا عيونها صوب الباب، تتحرك للخارج وهي تفكر فيمن يمكن أن يتصل بها في هذا الوقت وقد كان القليل فقط يمتلك رقم هاتفها، وحين أبصرت الرقم أدركت هوية صاحبه والذي كانت لا تحتفظ به على هاتفها مخافة أن يقع بين يدي والدها .
استقبلت المكالمة بسرعة ولهفة وهي تهتف بصوت متقطع :
_ ساڤا ...البارو هيجوزني لعز الدين اليوم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان نائمًا بعمق شديد وهو يتحرك على الفراش مبتسمًا وكأنه يرى اجمل أحلامه تتحول لواقع، كان هذا قبل أن يشعر بيد تربت على خصلاته بلطف وحنان، وفي الواقع لم يكن ليشك ثواني أن هذه يد يحيى .
بل كان مسلم وقد صدق حين سمع صوته يصدح بهدوء :
_ عيسى، عيسى اصحى أنت مصلتش الفجر امبارح، قوم صلي .
فتح عيسى عيونه بصعوبة وهو ينظر حوله ثواني، لتعود له ذاكرته في ثواني ويتذكر ما يحدث، ينتفض عن نومته ينظر حول نفسه :
_ فيه ايه ؟؟ حد هجم تاني ؟!
ابتسم له مسلم بسمة حنونة وهو يربت عليه بلطف :
_ متقلقش حتى لو حد هجم مش هسمح ليهم يقلقوا منامك يا عيسى، يلا فوق عشان تصلي ونشوف هنعمل ايه .
ولم يكد يتحرك حتى أمسك عيسى يده بسرعة وهو يتحدث بصوت خافت وكأنه وجد أخيرًا فرصته لنطق ما أراد قوله منذ أبصر مسلم ذلك اليوم أمام المنزل يدافع عنه .
_ مسلم .
توقف مسلم بعدم فهم وهو يعود مرة أخرى للجلوس على الفراش أمامه:
_ نعم يا عيسى، فيه حاجة ولا ايه ؟!
ابتسم عيسى بسمة صغيرة مترددة، قبل أن يرفع عيونه له يتحدث بصوت خافت وكأنه يجد مشكلة في التعبير عن مشاعره بسهولةء يخجل من الأمر ربما .
_ أنا....يمكن كنت صغير لما مشيت بس .... أنا عمري ما نسيتك وعمري ما حسيتك غريب في يوم، دايمًا كنت موجود بينا، ودايمًا كنت بقول لصحابي إني عندي اخويا مسلم اكبر من الكل واحسن حد في الدنيا، من صغري كنت قدوة ليا ولسه نفس الشيء، يمكن لما جيت مرحبتش بيك زي يحيى بس ....أنا عمري ما نسيتك يا مسلم .
امتلئت عيونه بدموع وهو يبتسم بسمة صغيرة حزينة :
_ أنت طول الوقت كنت معايا في المدرسة وفي كل مكان، كل كلمة كنت بنطقها كانت فيها اسمك، بلاش تمشي تاني يا مسلم .
تأوه مسلم من كلمات عيسى الصغير والذي تركه طفل في التاسعة من عمره، وغفل عن مراحل كثيرة في حياته كان يمكنه التواجد بها معه، ضمه له بحب شديد وهو يقبل رأسه بحنان شديد :
_ يا عيسى أنت عمرك ما كنت اخويا، من صغرك وأنت ابني، من أول ما كنت بتتشعلق بيا عشان اشتري ليك أي حاجة حلوة، ولما كنت بتستخبى فيا من ابوك عشان متنضربش .
سقطت دموع عيسى وهو ينفجر في بكاء حار يردد من بين بكائه في محاولة للخروج من شجنه وكأنه لا يصدق أن مسلم قد عاد بالفعل :
_ من وقت ما أنت مشيت ملقيتش حد استخبى فيه من ابوك، يحيى كان بيسلمني ليه عشان مينضربش.
ابتسم مسلم وهو يزيد من ضمه بيد مرتجفة، يحرك يده صعودًا وهبوطًا، يعتصر قلبه حسرة على سنواته التي اضاعها وحياته التي فقدها، فلا هو حقق شيئًا بغربته، ولا هو عاش حياته مع عائلته، ويقسم بالله حتى لو كان عاد من غربته ناجحًا، فلا الغربة ستغنيه عن عائلته، ولا الأموال ستعوض حياته ...
_ متقلقش خلاص محدش هيقرب منك تاني يا عيسى.
_ حتى يحيى ؟!
كانت كلمة ممازحة خرجت من بين دموعه، ليضحك مسلم بصوت خافت :
_ حتى يحيى، لو رفع صباع في وشك تاني تعالى قولي .
_ والله وده على أساس أن يحيى ده ابن مرات ابوك أنت وهو، ولا ابن جوز امكم ؟؟
وبالطبع لم يكن أحدهم بحاجة لرفع رأسه ليدرك المتحدث، فلا أحد سوى يحيى قد يخرج هذه الكلمات أو يقتحم جلستهم بهذه الطريقة .
_ طب تعرف أنت وهو، والله خسارة فيكم الطعمية السخنة اللي جبتها ليكم .
رفع عيسى عيونه صوب يحيى وقد كانت ملتمعة بالدموع، ليعتدل يحيى بتعجب وهو يقترب منهم يحضر ما أمسك جانبًا :
_ ايه ده ؟؟ عيسى أنت بتعيط عشان ابوك بيلسوعك"يضربك" بتوكة الحزام وأنا مش بدافع عنك ؟!
رماه عيسى بغضب، ليبتسم له يحيى باستفزاز ولم يكد يتحدث بكلمة إضافية حتى اصمته مسلم وهو يضربه على رأسه بضيق :
_ بلاش ترخم على اخوك يا يحيى، أنت عايش حياتك تقرف اللي حواليك، والله العظيم أنا مشفق على بنت الناس اللي هتضطر تعيش معاك أنت ولسانك في بيت واحد .
رفع يحيى حاجبه بتشنج، ثم سحب قرطاس " الطعمية " التي حصل عليها بصعوبة من البائع الذي كان يرفض بيعه أي شيء .
ألقى القرص الساخن في فمه بتلذذ :
_ اللي هترضى بيا، ترضى بيا زي ما أنا كده بلساني، بعدين لساني ده مش هيبقى ليها، هيبقى لأي ابن...
صمت حين أبصر نظرات مسلم المحذرة من نطق أي كلمة خارجة وقد كان يكره أن شقيقه لا ينفك ينطق كلمة دون إهانة، ليتراجع يحيى بضيق :
_ استريح يا مسلم لأن اكيد مش هعمل حاجة لمراتي، لساني ده هيكون لأي واحد تسول ليه نفسه يقرب منها .
_ وأنت بقى هتحميها بلسانك ؟؟
كانت جملة مسلم بعدما نهض وهو يتحرك للخارج ساخرًا ويحيى يلقي الجملة في أعقابه بضيق :
_ سيبنا ليك العضلات يا حبيبي، ابقى أضرب اللي هيقرب من مراتك .
توقف مسلم ينظر له من فوق كتفه مبتسمًا:
_ ده اللي هيحصل فعلًا، و يا ريت تيجي على قد الضرب يا يوحا.
_ ايه هتقتله ؟!
_ أمنية بعيدة عنهم يا حبيبي .
ختم حديثه يخرج من المكان تاركًا يحيى ينظر لاثره بصدمة من كلماته، ويبدو أنه كل ثانية يعيش الصدمة ذاتها لتغير مسلم بهذا الشكل .
_ اخوك ده مش مظبوط من وقت ما رجع تحسهم كده بدلوه، تفتكر ابوك هيرضى لو اقترحنا عليه يحلل لمسلم DNA و....ولا سيب قرص الطعمية يا حيوان .
كانت كلمات قاطع بها أفكاره حول مسلم حينما وجد يد عيسى تمتد لقرطاس " الطعمية " الساخنة بين يديه، ليلتقطها عيسى بسرعة وهو يهرول خارج الغرفة ويحيى يتبعه وصوت صرخات الاثنين تصدح في المكان وقد أقام يحيى قيامتهم جميعًا في هذه اللحظة لأجل قرص طعمية ساخن ...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت للمنزل بسرعة تنظر له ولم تكد تخطو داخله حتى سمعت صوتًا في الخلف يصدح بنبرة مشمئزة :
_ اقفي عندك، أنتِ فاكرة نفسك رايحة فين ؟!
أغمضت ساڤا عيونها وهي تتنفس بعمق تحاول أن تهدأ، كان هذا اسوء من تقابله في هذه اللحظة، كانت قادمة لرايانا تخشى الاصطدام بعز الدين ويا ليتها اصطدمت به، على الأقل كانت ستصمته ببضع كلمات وينتهي الأمر، لكن هذه ....لا قبل لها بالتحدث مع أمثالها الذين ينحدرون اخلاقيًا أكثر من الراقصات .
_ خير، تم تعيينك حارس لبيت البارو ومحدش بلغنا ؟!
ابتسمت والدة عز الدين وهي تنظر لها من أعلى لاسفل باستحقار :
_ بتعملي ايه هنا يا ساڤا، معتقدش إن ليكِ حاجة تخصك هنا .
مالت ساڤا على عقبيها وهي تنظر في عيون المرأة بنظرة مرعبة، قبل أن تهمس :
_ سُكينة، عشان تعيشي في القرية دي بسمعتك اللي بتحاولي تفرضيها بين الناس عشان ينسوا اصلك، هما حاجتين المفروض تعمليهم، أول شيء تستمري في سحرك لزوجك، وتاني حاجة تتلاشي التعامل معايا، لأن يا سُكينة مبروم على مبروم ميلفش .
ختمت حديثها تعتدل في وقفتها وقد تركت رسالة واضحة للمرأة التي ارتجف جسدها بقوة من الكلمات، تحاول أن تتماسك، ترفع عيونها صوب ساڤا تهمس بصوت خافت محذر :
_ صدقيني اللعب معايا مش آمن يا ساڤا، اللي بتعمليه ده مش هيقدم من مكانتك ولا يأخر من مكانتي.
ابتسمت لها ساڤا بسمة مرعبة وقد بدا أن السواد بينهما لم يكن وليد اللحظة أو اليوم، بدا أن هناك غيمة سوداء قديمة تحلق فوق الرؤوس .
_ الغريب أنك فاكرة إن مكانتك اتغيرت عشان بس اتجوزتي أخو البارو، لكن يا سُكينة، في مهنتنا الرقاصة هتفضل طول عمرها رقاصة، والـ....
صمتت وهي تنظر لها من أعلى لأسفل لتشعر سُكينة برجفة على عمودها الفقري، وتراجعت شاحبة الوجه، لتبتسم لها سافا بسمة صغيرة :
_ أعتقد أنتِ فهمتي قصدي، مش محتاجة اوضحكلك مين تاني ممكن افهمه قصدي لو لمحتك قريبة مني، أو فكرتي تقربي من رايانا .
رفعت سُكينة حاجبها بعدم فهم :
_ رايانا ؟! أنتِ مالك برايانا ؟؟
_ ميخصكيش، اتعدلي لأحسن تلاقي نفسك بكرة شغالة تلمي النقطة من تحتي يا سُكينة .
ختمت حديثها تتحرك بسرعة داخل منزل البارو دون اهتمام لأحدهم، فالبارو لا بد أنه خارج المنزل في هذه اللحظة لأجل ترتيبات عقد القرآن المزعوم اليوم، وداخل المنزل لا خطر سوى البارو .
رحلت تاركة سُكينة تقف مكانها وهي تتنفس بصوت مرتفع تحاول أن تتجاوز ما قيل منذ ثواني، وقد اسودت عيونها بشكل مرعب تلاحق ساڤا بنظراتها وقد بدا أنها في هذه اللحظة قادرة على إحراقها حية .
ـــــــــــــــــــــــــــ
_ مش فاهم أنت عايز مننا ايه ؟!
نظر مسلم صوب يحيى والذي بدى أنه المتحدث الرسمي للجميع هنا، فكلما أرادوا الاعتراض على شيء كان هو أول من يصرح به من الجالسين .
_ ولا حاجة أنا مش عايز منكم غير أنك تسكت والله يا يحيى .
انكمشت ملامح يحيى بضيق من كلمات مسلم، ينظر صوب أحمد وكأنه يشكو له بصمت، ليجد أن أحمد شارد بعيدًا عن الجميع، فنسيّ أمر مسلم وتحول صوب أحمد يضيق عيونه وهو يتحدث بجدية :
_ ولاا انت بتحب يا أحمد؟!
انتفض أحمد ينظر له بصدمة بينما نورهان اتسعت عيونها وهي تنظر صوب شقيقها بتسائل :
_ بيحب ؟! بجد يا أحمد ؟!
كان الأمر صدمة فشقيقها الذي انعزل وزهد النساء منذ سنوات طويلة ها هو الآن يحب امرأة أخرى.
_ بحب ايه ؟؟ أنتِ هتصدقي يحيى ؟!
ختم حديثه وهو يهبط بكفه على رقبة يحيى الذي انتفض يصرخ بعصبية، وقبل احتدام الموقف، تدخل مسلم بسرعة :
_ بس أنت وهو، مالك يا احمد فيه ايه ؟؟
_ ابويا أتصل النهاردة وعرف كل حاجة حصلت ومصّر نرجع أنا ونورهان القاهرة انهاردة .
نظرت له نورهان بخوف شديد، بينما مسلم نظر له ينتظر أن يخبره ما حدث بالتحديد، فأخبرهم بالفعل كل شيء وقد تجاهل ذكر ما حدث مع ساڤا .
تنهد مسلم بصوت مرتفع وهو يخرج هاتفه، ينهض من المكان :
_ أنا هكلم جوز خالتي وأنتم اهدوا شوية ..
وبالفعل اختفى تاركًا إياهم جالسين وحدهم، وكلهم ينظرون لبعضهم البعض بصمت، نورهان تشعر بالريبة والخوف من العودة الآن.
تخشى الاصطدام بطليقها، ليست مستعدة بعد، وتخشى مواجهة أهلها بفشلها في الاختيار الوحيد الذي اتخذته بنفسها .
بينما كان هو يجلس بعيدًا ينظر ارضًا يحاول ألا يتدخل في حديثهم، يبصر بطرف عيونه خوفها وارتجافة يدها، ورغم أنه لم يشارك في ضرب زوجه كي لا يظهر أي اهتمام بالأمر، فهو من المفترض أنه لا يعنيه، إلا أن ضربه بالسيارة اطفأ الكثير من نيرانه .
دقائق مرت قبل أن يسمع الجميع صوت مسلم وهو يتحرك للداخل :
_ حاضر يا عمي، متقلقش كلهم في عيوني، هنخلص الحوار ونرجع، كلها ايام بس وهتلاقيهم قدامك، في أمان الله مع السلامة .
ختم حديثه يغلق الهاتف وهو ينظر للجميع وقد حلقت العيون صوبه، وأحمد يراقبه باهتمام :
_ عملت ايه ؟!
_ خلاص الموضوع انتهى، قولتله تفضلوا هنا لغاية ما الدنيا تهدى ونخلص الموضوع .
_ واقتنع عادي ؟!
_ أيوة لأني بلغته إن الحوار خلاص خلص .
نظر له الجميع بعدم فهم :
_ وهو فعلا خلص ؟!
كانت جملة عيسى التي نطق بها بعدم فهم ليجيبه مسلم بهدوء شديد وقد جلس أمامهم، ينظر لهم يستدعي كل لحظة انتباه حتى نطق واخيرًا .
_ اليوم هندخل بيت البارو، بس المرة دي غير، ولهدف تاني خالص ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تراقبها بصدمة وهي تمسكها عن التحرك خطوة واحدة لا تصدق أن رايانا قد استسلمت للأمر الواقع بالفعل، لا تصدق أنها الآن تقف أمامها ترتدي فستان عقد قرآنها على عز الدين .
_ رايانا أنتِ بخير ؟؟
_ لا .
كانت كلمة نطقت بها وهي تراقب نفسها في المرآة، لا تصدق أنها صبرت كل ذلك وحاربت لأجل نفس النهاية التي فُرضت عليها منذ البداية .
لا تدري أكان العيب بآمالها العالية، أم الخطأ في القتال لأجل شيء سيحدث في كل الأحوال، كانت معركة خاسرة منذ البداية لكنها اختارت الاكمال بها .
_ هو ممكن حفيد المريدي الـ...
_ لا، لا يا ساڤا، دي مش معركة حد غيري وانا خلاص خسرتها، ثم هيعمل ايه حفيد المريدي؟! هيجي يوقف زواجي ده منطقي يعني ؟!
ترددت ساڤا ولم تكن تدرك ما يجب فعله في الواقع، كان الأمر معقدًا، وكان عز الدين خنزير لا كرامة له .
_ ممكن يخطف عز الدين أو يخطفك، أو يقتل عز الدين .
ابتسمت بسخرية وهي تنظر لنفسها بحسرة، وقد تذكرت كلمات جدتها حينما أخبرتها أن عز الدين ليست اليد التي ستعتني بها، عز الدين ليس الشخص الذي سيعتني بنبتتها، لكن اتضح في النهاية أن مصيرها كان الذبلان منذ البداية.
_ طيب ....طيب هتسيبي روحِك وتسلّمي؟ هترمي حالِك فـ نار عزّ الدين بإيدِك؟
نظرت لها رايانا بعدم إدراك لما ستفعل، لكنها تدرك من داخلها أن هذه معركتها هي، وأن انتظار فارس أو أمير ليخرجها من هذا المأزق هو مجرد مشاهد في التلفاز أو الروايات، هنا في الواقع هي المنقذ الوحيد لنفسها، لكن ماذا تفعل وقد وضع الجميع قدرها بين قبضة عز الدين .
_ هخوض معركتي للنهاية، وهتكون محاولتي الأخيرة.
_ أنا ممكن أتدخل واخرب الجواز على دماغهم لو تحبي ولو هضرب عز الدين بالنار بين الكل .
ابتسمت رايانا وكم تمنت أن يحدث ما قالته ساڤا، لكنها ليست حقيرة لتقلب كبار عشيرتها على ساڤا وهي تدرك أنهم سيحيلون حياتها لجحيم إن فعلت ما تقول .
_ لا يا ساڤا الموضوع المرة دي هينتهي للمرة الأخيرة، المرة الأخيرة اللي هيحاول فيها عز الدين يقرب مني، ويا يبعد عني للأبد، يا تنتهي الليلة وأنا زوجته .
_ مش فاهمة رايانا متخوفنيش ناوية على ايه ؟!
ابتسمت رايانا بغضب شديد وحسرة والحزن كان أقرب لها من الغضب، تحاول أن تهدأ:
_ هعمل الحاجة الوحيدة اللي بعرف اعملها .
ستحيل الليلة لجحيم على الجميع وأولهم عز الدين .
اليوم ستكسره أمام الجميع وتحرم نفسها عليه، وإن كان عز الدين يمتلك ذرة رجولة، فاليوم ستكون نهاية محاولاته للحصول عليها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في ظلام الليلة وحينما بدا أن أهالي أرض الدوم خلدوا لنومهم، تحرك مسلم وحده مع أحمد وحاتم صوب منزل البارو، تاركين خلفهم يحيى مع نورهان وعيسى تحسبًا لتعدي أحدهم عليهم، وقد كان جنون يحيى في القتال كافيًا ليحمي الجميع إلى جانب عيسى بالطبع .
توقف أمام المنزل بتعجب حينما أبصر الكثير حول المنزل والتجمعات تملئ المكان .
_ عشان هيك كانت القرية شبه خالية، الكل مستنّينا هون.
تحدث أحمد بعدم فهم للوضع الحالي :
_ طب ايه نرجع ونيجي يوم تاني ؟!
ومسلم الذي كان يرافقهم مرتديًا الأسود بالكامل مع قبعة تخفي نصف ملامحه وعلى ظهره حقيبة بها كل ما يمكن أن يحتاجه لليوم .
- بالعكس، دي فرصتنا .
_ إزاي لا مؤاخذة ؟!
_ واضح إن فيه مناسبة والكل مجتمع فسهل ندخل .
صمت يستدير صوبهما يغمز لهما بجدية وبسمة واسعة :
_ الاندماج أسهل من التخفي .
ختم حديثه وهو يخفض القبعة يتحرك صوب الباب الأمامي للمنزل تحت أعين الاثنين المتسعة من جنون مسلم، حتى أن أحمد نظر صوب حاتم بتسائل ليحرك الأخير كتفه :
_ لا تطلّع عليّ هيك، هاد أخوك.
ختم حديثه يلحق بمسلم يدعو ربه أن يخرجوا سالمين دون خسائر، وأحمد لم يجد بد من اللحاق بهم .
وبالفعل وبسبب كثرة الاعداد لم يلحظ أحدهم تقريبًا دخول الثلاثة، والذين بمجرد أن وطئوا للبهو حتى ابصروا الاضواء في كل مكان ونصف القرية تقريبًا مجتمعة للاحتفال بمناسبة ما، ولم يهتم أحدهم بالتفكير في سبب اجتماعهم، وقد أشار مسلم بعيونه لهم أن ينتشروا لتنفيذ الخطة .
وبالفعل تحرك كل واحد منهم في اتجاه لذرع كاميرات المراقبة ومسجلات الصوت، فهم لن يغامروا بالدخول هنا والتفتيش بين أوراقهم، بل سيعلمون قبلًا أين يخفي ذلك الرجل ما يخصهم قبل الهجوم .
كان أحمد يتحرك في المكان وهو يبحث عن مكان يزرع به أول ميكرفون مع كاميرا، ليبصر بطرف عيونه تجمع الرجال في أحد الأركان وتحدثهم بحماس حول راقصة اليوم وكأنهم على وشك الحصول على وليمة ينهالون عليها .
وفي الحقيقة لم يهتم أحمد بالأمر كثيرًا وقد نبذ منذ مراهقته هذه الأمور المثيرة للاشمئزاز، لكنه توقف فجأة حينما تناهى لمسامعه اسمًا خُيّل له أنه يعلمه جيدًا .
_ ساڤا ؟؟
أبعد عيونه عن المكان الذي ذرع به الميكرفون، وهو يحركها بهدوء صوب منتصف الساحة حيث تقدم في هذه اللحظة امرأة تتزين بثوب طويل بدى تقليديًا مع تنورة من ألوان متعددة، ورغم أن الثوب كان يبدو ساترًا ليس كما ألف عن الراقصات، إلا أنها كانت .....ترقص بحركات غريبة خمن أنها رقصات تخصهم.
أما عن ساڤا فهي لم تكن تقبل الذهاب لإحياء أي زفاف ولم تكن تقبل بالرقص خارج المقهى، لكنها اليوم تحديدًا قبلت عرض عز الدين الذي هدف به لإذلالها، فقط لتكون جوار رايانا التي لا تعلم حتى الآن ما تنتوي عليه .
لذا ومع انطلاق صوت الموسيقى الفلكلورية تحركت بين الجميع وقد صدح صوتها القوي الساحر يرن بنغمات احتفالية بين الجميع وهي تدور في حركات سريعة، كانت راقصة غجرية ترقص كما يرقص الغجر في القوافل عادة، حركات رشيقة خفيفة لكنها كانت كافية لإثارة بعض الرجال الذين لا يفكرون سوى في شهواتهم القذرة .
توقفت في منتصف الساحة وهي تحرك كتفها بخفة كبيرة، تنظر بنظرات ربما ظنها الجميع مغرية صوب عز الدين الذي كان يتوسط البهو كملك ينتظر جاريته لتركع أمامه .
ابتسمت وهي تتحرك صوبه وهي ما تزال تغني بصوت مرتفع وتحرك كتفها وقدمها بحركات معروفة، حتى وصلت أمامه ترفع قدمها تضعها على الطاولة أمامه بشكل جعل أعين الأخير تلتمع وهو يميل للمس قدمها، لكنها رفعتها تضرب بها يده في حركة مهينة أخفاها هو بإطلاق ضحكة صاخبة حاول إظهارها مستمتعة .
بينما هي تجاهلته والغضب والاحتقار ينمو داخل صدرها تكمل عرضها تنتظر حضور رايانا لمعرفة الخطوة التالية، وبينما كانت تدور راقصة في المكان ابصرته يقف في أحد الأركان وهو يراقبها مصدومًا مما تفعل، لتتوقف ثواني فقط قبل أن تتجاهله بهدوء وتكمل فقرتها .
أما عن أحمد فابتسم بسخرية لاذعة، وهو يتحرك في المكان بسرعة ينتهي مما جاء لأجله .
وعلى الطرف الآخر كان حاتم يدور بين الجميع يبتسم لهذا وذاك وهو يدس يده يضع ميكرفون تحت طاولة، وكاميرا في ركن بعيد جوار مزهرية .
ومسلم كذلك كاد أن ينتهي وهو يتحرك صوب ممر يمتد جوار الدرج لينتهي كما جاء لاجله، لكن فجأة توقفت أقدامه حينما سمع صوت المرأة يصدح في المكان :
_ العروس وصلت .
ومن ثم انطلقت الزغاريد في المكان بأكمله، كان زفافًا إذن، حسنًا هذا يبرر هذه الزينة والأضواء المبالغ بها، وكاد يتحرك غير مهتمًا بما يحدث لولا أن أبصرها تهبط الدرج بهدوء والنساء يحفونها .
توقف قلبه فجأة وشعر بعدم قدرته على التنفس وهو يحاول فهم ما يحدث، هذه ....هذه ...العروس ...هي العروس ...العروس كانت .
_ فروشكا ؟؟؟؟
ورايانا في هذه اللحظة كانت كما لو أنها تقاد لحبل المشنقة، ترى القاضي والجلاد ينتظرونها لتنفيذ حكم الاعدام .
اقتربت وهي تهدأ ضربات قلبها التي بدأت تصم جميع الاصوات حولها، الموسيقى والغناء والتصفيق والزغاريد، كل شيء اختفى ولم يبقى سوى صوت المأذون الخاص بالقرية الذي هتف بصوت قوي بمجرد أن ابصرها.
" الحمدُ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾
﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفسٍ واحدة﴾
﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا﴾
أما بعد… فقد قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج…»
كانت جمل متقطعة تصل لها وهي تتحرك صوبهم ببطء وكأنها تؤخر موتها فقط، لكنه كان حتميًا في النهاية .
جلست واخيرًا أمام عز الدين وصوت المأذون يصدح في المكان بكلمات جعلت أعين مسلم تتسع أكثر بجنون لا يصدق أنها تفعلها، تتزوج الرجل الذي كانت تردد قبل أيام قليلة فقط أنها تكرهه، أنها في صف من يكرهه.
الآن يجبرونها على الزواج منه ؟!
نظر لوجهها وابصر جمود ارعبه، تسليم بما يحدث، كانت ...تشبهه أكثر مما ظن .
_ عز الدين هل قبلتَ الزواج بـ رايانا بنت عزيز على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى الصداق المسمّى بينكما.
ابتسم عز الدين وقد شعر في هذه اللحظة أنه أمسك بنجمة من السماء حلم طفولته ومراهقته وشبابه وحياته بأكملها يتحقق، رايانا ستصبح زوجته، خرجت كلماته مرتجفة محبة :
_ أقبل.
تراجع مسلم للخلف وقد شعر بأنه على وشك الاختناق مما يرى، كانت الفتاة مستسلمة بشكل مرعب، نفس الاستسلام الذي أظهره حينما أدرك أن لا مفر من العذاب .
ارتجفت يده وهو ينظر حوله بعجز يبحث عن شيء يوقف به ما يحدث، لا يمكنها، لا يمكنها أن تفعل، أن تتزوج به، أن تُجبر عليه، أن...لا يمكن لفروشكا أن تكون زوجة لهذا الرجل الذي لا تبغض شخص آخر بقدره .
لا يمكنها أن تستسلم كما فعل هو مسبقًا، لا يمكنها أن تقتل نفسها بهذه الطريقة .
_رايانا هل قبلتِ الزواج بـ عز الدين على كتاب الله وسنّة رسول الله، وعلى الصداق المسمّى بينكما؟!
صمت وصمتت كل الأصوات حولهما، تجمدت عيونها وهي تحدق في الأرض أمامها دون كلمة واحدة .
الجميع ينتظر منها كلمة، مسلم وساڤا، والدها وعز الدين والجميع فقط يترقب الموافقة .
حتى نطقت أخيرًا وبكل هدوء :
_ لا، مش موافقة يا شيخ .
وفي ثواني ارتفعت الهمسات في المكان وقد على الاستنكار وانتفض عز الدين وهو يصرخ بجنون لا يصدق أنها تفعلها للمرة الثانية، ترفضه صراحة هذه المرة أمام الجميع .
_ أنت اتجنيتي بتقولي ايه أنتِ، رايانا مش وقت هزارك البايخ، ردي على الشيخ اخلصي .
نظرت رايانا للشيخ بهدوء وبرود شديد :
_ وأنا رديت عليه، مش موافقة على الجواز من عز الدين يا شيخ، هل هتقبل على نفسك تجوزني ليه بالغصب زي ما هو قبل على نفسه يتجوزني غصب .
استغفر الشيخ بصوت خافت وهو ينظر للجميع، لينتفض البارو وقد بدأت العيون تتحرك صوبه، يتحرك صوب ابنته، وقد شعر بالعار يملئ نظرات الجميع صوبه .
_ رايانا يا بنتي ايه اللي بتقوليه ده ؟!
_ اللي سمعته والكل سمعه، ولو لسه محدش سمعه فخليني اسمع الكل .
صمتت تحرك عيونها بين الجميع قبل أن تصيح بصوت قوي وقد أدركت أن لا منقذ لها من هذا سوى نفسها :
- أنا برفض الزواج من عز الدين، ولو هو هيقبل على نفسه يعيش مع ست كرهاه وكارهة شوفته، والشيخ هيقبل على نفسه يزوج بكر دون رضاها فكملوا في الجواز لأن على جثتي اتجوز عز الدين برضايا.
ختمت حديثها وهي تخرج بسرعة من ثوبها سكينها المفضل توجهه صوب رقبتها وهي تصرخ :
_ على جثتي اكون زوجة ليه يـــا بــــارو .
أما عن مسلم فكان يتابع ما يحدث وقد اهتز قلبه داخل صدره بقوة مما أبصر منذ ثواني، لقد فعلتها، فعلت ما عجز هو عنه قديمًا اعترضت مصيرها الذي وضعه لها الجميع .
شعر بارتجافة صدره، هذه المرأة كانت مبهرة أكثر مما ظن يومًا، يتابعها ببسمة فخورة وكأنه يبصر ابنته تخطو أولى خطواتها، حتى أبصر السكين الذي وضعته على رقبتها فانتفض برعب وكاد يتحرك صوبها بتهور لولا يد أحمد الذي امسكه يتحدث بحدة :
_ أنت رايح فين ؟؟ مسلم اتجنيت؟! خلينا نخرج من هنا قبل ما حد يشوفنا .
ومسلم فقط كان يحدق بها، برعب لم يدركه سوى في هذه اللحظة، يراقب يدها التي ورغم نظراتها الجامدة كانت ترتجف .
ابتلع ريقه يحاول الإفلات من يد أحمد لا يعلم ما سيفعل، لكنه لن يتركها تهدد حياتها لأجل شخص كعز الدين .
تقدم حاتم حينما أبصر ما يحدث يهتف بصوت منخفض :
_ مسلم بالله عليك لا تفعل، هيا لنرحل ودعهم يحلون مشاكلهم .
ومسلم فقط استدار ينظر لحاتم بشر يهمس من أسفل أنفاسه وقد كان فكرة ترك الفتاة تواجه الجميع وحدها شيء يمكن أن يفعله ميتًا فقط:
_ لن اتركها وحدها بينهم حاتم.
اتسعت عيون حاتم من الشر الذي سكن وجهه مسلم، في اللحظة التي أعلن بها الشيخ أن الأمر انتهى .
_ وأنا مش هخالف شرع ربنا وازوج واحدة دون رضاها، الزواج هيكون باطل، عن اذنك يا بارو ولما تتأكد أن العروس موافقة يبقى لينا كلام تاني .
ختم حديثه يرحل وقد كان رحيله بمثابة إعلان صامت لانتصار رايانا، أما عن عز الدين فنظر لرايانا نظرة جعلتها تدرك أن عز الدين سيقتلها بعدما تنتهي هذه الليلة .
وبالفعل رفع عز الدين ذراعيه وهو يصرخ في الجميع حوله :
_ رفضتي الزواج مني يا رايانا، ماشي براحتك بس قسمًا بالله ما هتكون لغيري، رايانا من اليوم متحرمة على أي راجل فيكم، وأي حد هيتجرأ ويقرب بس منها هعتبره بيعاديني .
تشنجت ملامح أحمد بصدمة من الهراء الذي سمعه، لا يصدق أن أحدهم قد يصل بالدناءة لهذه المرحلة، والغريب أن الجميع صمت ولم يجادله أحد في كلماته، حتى والدها.
أما عن عز فنظر لرايانا التي كانت ترتجف بصدمة ودموعها متجمدة في عيونها يهمس لها بشر :
_ عيشي وحيدة حقيرة مفيش راجل هيقرب منك يا رايانا، دي كانت فرصتك الأخيرة، بس اقسم بالله ما هقرب منك تاني ولا هيقرب منك راجل، خلاص يا رايانا، خلصنـــا .
ارتجفت يد رايانا التي تحمل السكين وقد سقطت دموعها دون شعور، ليس حزنًا على رجال تنبذهم من الأساس، بل قهرًا على مستقبل ضاع منها فقط لأنها وُلدت بينهم .
اقترب منها عز الدين لترفع السكين بسرعة تهدده بها، فتوقف مبتسمًا بسخرية :
_ مصيرك بقى اسود من الليل يا رايانا هتتمني لو كنتِ وافقتي تتجوزينـ...
وقبل إكمال جملته انطلقت رصاصة تستقر في ذراعه في ثواني، هدر بصرخات متوجعة على إثرها وهو يسقط ارضًا صارخًا وقد على الهرج والمرج من حوله والجميع يركض في كل مكان .
أما عن رايانا فقد أطلقت صرخة مرتفعة وهي تلقي السكين بسرعة مرتعبة، تتراجع للخلف بصدمة تتحرك بعيدًا عنه للخلف، لتقع عيونها فجأة عليه .
اتسعت بصدمة تدرك وجوده هناك، جوار الدرج يحمل مسدسه وتعبير أسود غطى وجهه وهو ينظر لجسد عز الدين، قبل أن يسحبه من معه بالقوة للخارج، وكان آخر نظرة موجهة لها، نظرة شعرت بها ...وعدًا وعهدًا صامتًا .
وفي هذه اللحظة تنفست رايانا وقد شعرت أن اليد التي كانت تخنقها، قد شُلت .
حركت عيونها للمنزل حولها، تراقب الجميع يركض ويصرخ وقد حدث ما توعدت به، تحول زفافها لكارثة وللمرة الثانية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنت اتجننت، اتجننت يا مسلم ايه اللي هببته ده، بتضرب على الراجل نار ؟؟ ضربــــــتــــه رصــــاصـــة ؟! عشـــــان ايــــه ؟!
كانت صرخات أحمد بعدما استقر الجميع داخل المنزل، بينما مسلم فقط يجلس على المقعد بهدوء يستند بيديه على قدمه، ينظر أمامه دون كلمة، وقد سأل نفسه السؤال ذاته، لأجل ماذا ؟!
والإجابة في الواقع لم تكن مجهولة، بل كان يدركها جيدًا، لكنه خشي الاعتراف بها بصوت مرتفع .
ولم يدرك أنه بالفعل نطقها وانتهى الأمر:
_ كان بيبص ليها بشكل مش كويس، كان هيأذيها بعد كده .
جُن جنون أحمد وهو يصرخ بعدم فهم لطريقة تعامل مسلم التي لا تشبههم :
_ فقولت تشغله عنها برصاصة، يا زين ما فكرت فيه يا ابن خالتي .
ومسلم لم يهتم بالرد، يعلم أنه أخطأ وتهور، للمرة الأولى يتخذ خطوة دون تفكير، لأجلها، لكنه لو عاد به الزمن يقسم أنه لم يكن ليغير شيئًا، هو وإن كان قد رحل بهدوء بعدما رفضت فروشكا الزواج به، يدرك يقينًا أن ذكر بصفات عز الدين لن يوقفه شيء عن ضربها، لم يستطع المغامرة بذلك .
_ مسلم أنت واعي باللي عملته ؟!
وكانت تلك الجملة من يحيى الذي يبصر شقيقه لأول مرة بهذه الملامح السوداوية، بدا أن هذه نسخة لم يكن أحدهم مستعد لرؤيتها عن قرب، الجميع _ عدا حاتم_ ينظرون له باستنكار .
لذا نهض مسلم من مكانه دون كلمة واحدة يتركهم وهو يتحرك خارج المكان بسرعة تاركًا إياهم يحدقون في أثره بصدمة وعدم فهم .
وأحمد يحرك خصلاته بجنون :
_ هنعمل ايه في المصيبة دي؟؟ ده لو كان حد لمح مسلم يبقى خلاص ركبنا كلنا الغلط وبقى عندهم حجة يرمونا في السجن كلنا .
تحدث حاتم بصوت منخفض وهو يحاول تهدئة الأوضاع .
_ لا تخاف، ما رح يصير شي.
نظر له الجميع وقد حلقت الأسئلة واضحة فوق رؤوسهم ليتنفس هو بصوت مرتفع :
_ الموضوع بسيط لا تعقدوها، ما رح يصير شي .
ولم يفهم أحدهم سبب هذا الهدوء والثقة وكأنه يتحدث عن شيء مألوف وليس رصاصة أخرجها مسلم من مسدس لا يعلمون من أين احضروه، نعم لم تكن الرصاصة الأولى وقد أصاب قبلًا أحد المعتدين على منزلهم رصاصة سطحية لإنقاذهم، لكن وقتها كانت الرصاصة مبررة، ماذا عن الآن ؟؟
أما عن حاتم فكان يراقب خروج مسلم بصدمة كبيرة وفي عيونه نظرة فزعة مما رأى في نظرات مسلم .
_ يارب سلّم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبينما كان السكوت يسبق العاصفة في منزل مسلم، كانت العاصفة نفسها تضرب بمنزل البارو ومن به .
التوتر يعلو في المكان وصرخات عز الدين تهز ارجاء المنزل، الهرج والمرج في كل مكان، والحكيم يحاول إخراج الرصاصة، والبارو يشاهد بصدمة ما يحدث، لا أحد يفهم ما حدث فجأة وكأن سحابة سوداء اصطدمت بالمنزل لتفسد الاحتفال بكارثة .
بدأ الجميع يخرج من المنزل ويرحل برعب شديد مخافة أن يمسهم سوء وكأن الاقتراب من هذا المنطقة يعني هلاكهم .
وهذه كانت تمامًا أفكارها، إذ اندفعت سُكينة فجأة صوب رايانا ترفع كفها لصفعها بقوة وهي تصرخ :
_ الله يحمينا منك يا شوم، ابني ..ابني كان هيموت بسببك، خلصتي على جوزك الأول والدور على ابني .
ولم تكد ترفع يدها لتصفعها الصفعة الثانية حتى تلقت هي الصفعة في المقابل، رايانا والتي كانت ما تزال في صدمتها لم تحرك إصبعًا واحدًا، بل راقبت بصدمة ساڤا التي انقضت عليها بالصفعات وهي تصرخ بوجهها :
_ الشوم دي تبقى الدجالة اللي سحرت لراجل غبي عشان يتجوزها وينسى أصلها الزبالة يا سُكينة .
ختمت حديثها ليعم الصمت فجأة في المكان وقد شحب وجه سكينة وهي ترى نظرات زوجها والجميع عليها، ارتجفت يدها وهي تحرك عيونها بتوتر بين الجميع قبل أن تصرخ :
_ الرقاصة ...الرقاصة دي تبقى أنتِ، ومفيش رقاصة غيرك في المكان كله، كلنا في القرية عارفين أصلك وعارفين أنكِ بتبيعي نفسك للي يـ....
ومجددًا اصمتتها صفعة عن إكمال الحديث، وهذه المرة لم تكن ساڤا، بل كانت رايانا التي جذبتها من حجابها بجنون وهي تهمس في وجهها بنبرة منخفضة مرعبة :
_ خدي ابنك وامشي من هنا، بدل المرة دي والله ما هتكون أرضكم بس اللي هتولع يا مرت عمي .
نظرت لها سُكينة برعب شديد من نظرتها، ارتجفت وقد تراجعت للخلف بسرعة تنظر صوب زوجها بخوف كبير:
_ خلينا ...نمشي من هنا، أنا مش ...مش قادرة اقف في البيت ده اكتر من كده، خلينا نمشي .
وبالفعل تحركت بسرعة صوب زوجها تجذب يده وتشير له بمساعدة ابنها وتتحرك معه للخارج، وعز الدين لم يكن ينتبه لكل ما يحدث ولم يهتم بشيء سوى التخلص من الوجع بكتفه، لكن والده لم يكن كذلك، كانت نظراته لسُكينة مريبة وغريبة .
وبمجرد أن فرغ المنزل إلا من أهله وساڤا، نظرت الأخيرة لهم وتوقفت نظراتها على وجه رايانا التي هزت لها رأسها لترحل.
لذا تنهدت بصوت منخفض وهي تحرك خصلاتها بهدوء :
_ أعتقد الليلة انتهت، اعتبروا الرقصة هدية لرايانا، ليلة سعيدة يا بارو .
وهكذا رحلت بكل بساطة وكأن لا شيء حدث، كانت لليلة بمثابة كارثة على الجميع تقريبًا .
رحل الجميع ولم يتبقى سوى أصحاب المنزل، وكل ذلك والبارو صامت لا يتحدث بكلمة، لكن هل تلومه رايانا ؟؟ بل تلوم ضعفه وقلة حيلته أمام عمها وابنه .
نظرت له بخيبة أمل قبل أن تتحرك بهدوء خارج المنزل ليوقفها البارو بصوت ميت وكأنه قادم من بئر سحيق :
_ على فين ؟!
_ أي مكان اقدر اتنفس فيه يا ....بارو.
ختمت حديثها وهي تتحرك بسرعة خارج المنزل تاركة الجميع في صمت قاتل، حاولت شيما التحدث لكسر هذا الصمت، تتحرك صوب زوجها تشفق عليه من نفسه :
_ بارو تحـ
لكن قاطعها صوت الجدة وهي تبتسم بسمة متحسرة :
_ اتمنى تكون ليلتك انتهت النهاية اللي استنتها يا بني .
نظر لها البارو بأعين شاردة وقد بدا أنه ليس في هذا العالم معهم، يفكر في سؤال واحد، ما الذي جناه الليلة ؟؟
هو البارحة ذهب بالفعل لعز الدين ليخبره عن رفضه صراحة لهذا الزواج ويقطع أي سبيل له، هذا كان قبل أن يلقي عز الدين اوارقه بقذارة مهددًا بمستقبله مقابل زواجه من ابنته .
نهضت الجدة وهي تتحرك ببطء صوب باب غرفتها تردد بصوت مرتفع :
_ أوكلت امري لله في أولادي، ربي يهديكم لنفسكم قبل أولادكم، ربي يهديكم، ربنا ياخدني قبل ما أغضب عليكم ليوم الدين .
تبع حديثها صوت اغلاق الباب بقوة، وشيما تراقب البارو بتردد قبل أن تقرر التحرك لتنظيف المنزل بصمت، تاركة إياه وحده مع أفكاره وضميره ..
جلس بقلة حيلة ارضًا ينظر حوله في المنزل يبحث عن شيء، لا يدرك ما هو من الأساس، لكنه في النهاية استسلم أن ذلك الشيء الذي يبحث عنه قد أضاعه هو كما أضاع كل شيء في حياته .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تقف أمام المنزل مع جارتها تسمع آخر أخبار القرية، لا تصدق ما حدث .
ابتسمت بسمة واسعة تردد بحماس شديد :
_ يعني الزواج محصلش ؟؟ عز الدين متجوزش رايانا بجد ؟
_ أيوة، الزواج كله من أوله خرب فوق دماغهم، اساسا الكل عارف إن ده مصير أي شخص يفكر يقرب من رايانا، ربنا يسترها علينا و.....
صمتت الفتاة عن الحديث وهي تتحدث بعدم فهم :
_ أنتِ مبتسمة وسعيدة ليه ؟؟ معقولة لسه بتحبي عز الدين يا كارا ؟؟
رفعت كارا حاجبها بسخرية لاذعة :
_ لسه بحب عز الدين ؟؟ أنا محبتش عز الدين من البداية، الله يجحمه مع أمثاله، أنا سعيدة إن رايانا مدخلتش جحيم عز الدين .
رفعت الفتاة حاجبها بضيق من كلمات كارا، لكنها أرجعت الأمر ربما لما سبق وحدث بينهما في نهاية زواجهما، لذا لم تهتم كثيرًا واكملت حديثها بفضول شديد :
_ بس تعرفي الرصاصة اللي صابت عز الدين في الاحتفال دي غريبة، اراهنك أما كان واحد من أحفاد المريدي اللي عمل كده عشان يفسد الاحتفال، اصل مين يتجرأ ويوقف زواج بالشكل ده غيرهم في القرية ؟!
كادت كارا تقلب عيونها بضيق من الأقاويل التي تتمحور حول اولاد المريدي وقد بدا أن بالقرية منافس لرايانا لينسبون له أي كارثة تحدث حتى لو كانت كارثة طبيعية، لكنها فجأة أدركت شيء وجملة جارتها تتردد في أذنها بقوة جعلتها تفكير في شيء بصمت.
_ مين يتجرأ ويوقف جواز في القرية غيرهم ؟؟!
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أمام منزلهم وقد كانت تعلم أن وجودها الآن في هذه اللحظة خاطئًا خاصة بعد النظرة التي تلقتها في منتصف صدرها حينما كانت تتراقص في حفل الزفاف .
نظرت للهاتف بين أصابعها بتردد، هي تدرك أن هذا الهاتف ما هو إلا حجة غبية فقط لتأتي وتراه، ولا تعلم السبب لكنها بدت كما لو كانت تتطلع لرؤية نظرة شفقة أو اشمئزاز في عيونه .
طرقت الباب بهدوء وقد كان البهو بالكامل ظاهرًا أمامها بسبب الباب المفتوح على مصراعيه، تحركت جميع الأنظار نحوها في ثواني، لتفرد ظهرها وهي تنظر لهم ببسمة صغيرة :
_ آسفة لو ازعجتكم في وقت غير مناسب .
نظر لها الجميع بعدم فهم وقد كان التوتر الذي تركه مسلم ما يزال قائمًا، لكن أول من استفاق كان نورهان التي نهضت تتحدث ببسمة صغيرة :
_ لا ابدًا اتفضلي، فيه حاجة نقدر نساعدك فيها ؟!
كانت نورهان تتعامل كما لو أنها تجلس في منزلها في القاهرة وجاءتها جارة تطلب مساعدة .
مسح أحمد وجهه بضيق شديد مما يحدث، وقد أصبح المكان بمن فيه كصخرة مستقرة على صدره، لذا تحرك يجذب نورهان للخلف يقف أمامها مخفيًا عنها ساڤا، وهو يتحدث بصوت هادئ بارد بعض الشيء وعيونه التي تشبه خاصة شقيقته كانت تلتمع بنظرة لم تفهمها ساڤا ولم تتعب نفسها في تفسيرها :
_ اتفضلي، نساعدك ازاي ؟!
ابتسمت ساڤا بسمة صغيرة وهي ترفع حاجبها :
_ تساعدني ؟؟ وأنا لو محتاجة مساعدة هجيلكم ليه ؟!
تشنجت ملامح أحمد وقد شعر الجميع باندلاع شرارات وشحنات مجهولة في الهواء، كانت النظرات تتقازف بين الاثنين.
_ ايه السبب اللي يخليكِ تشرفينا في وقت زي ده في الليل ؟؟ معتقدش فيه بنات محترمة تخرج في وقت زي ده .
كانت كلماته الأخيرة مبطنة بسخرية لاذعة ولا يدرك السبب في نطقها، لكنه لم يستوعب ما نطق به إلا بعدما خرج من فمه، فاتسعت عيونه وهو ينظر للجميع خلفه، يتنحنح يحاول تحسين ما قال :
_ قصدي يعني مش ...
لكن هي قاطعته وهي تتحرك صوبه تمسك كفه ليشعر أحمد برعشة في يده يحاول جذب يده بسرعة لكنها غافلته وهي تضع هاتف بين يديه بسرعة كبيرة تبتسم له وهي تقرب وجهها بعض الشيء منه :
_ لما تعملوا مصيبة مرة تانية، ابقى بص وراك يا أحمد.
نظر أحمد ليده يبصر هاتف عرفه في ثواني وقد كان هاتف مسلم، ربما سقط أثناء جذبهم العنيف له للخارج .
أما عن ساڤا فحررت يده بهدوء شديد وهي تستقيم مبتسمة :
_ كنت سعيدة بوجودكم في الزفاف انهاردة وقت عرضي بالمناسبة، وشكرا على اللي عملتوه مع عز الدين .
ضغط أحمد على الهاتف بقوة غاضبًا من برودها ووقاحتها في التحدث عن عرضها بهذه البساطة أمام الجميع الذين لا يفهمون ما تتحدث عنه، حتى حاتم الذي لم يلتفت للراقصة ولم يبصرها حتى .
رفع عيونه لها وهو يهمس بصوت منخفض :
_ العفو، واحنا مشوفناش عروض ولا غيره، معلش أصل احنا مش من مشجعي الرقص .
كانت الجملة الأخيرة لها فقط بالكاد وصلت لمسامعها، لتبتسم له بسمة باردة موجوعة جعلته يشعر بالحقارة فجأة، لذا أخفى الهاتف في جيبه يبعد عيونه عنها :
_ شكرًا عامة على مساعدتك .
توقف عن الحديث وقد شعر بالتوتر من نظرتها وهو يقول أول ما خطر في رأسه في هذه اللحظة بعدما أبصر نظرتها له :
- تحبي اوصلك ؟؟
رفعت ساڤا حاجبها بصدمة من كلماته، وهو نفسه صُدم بما قال منذ ثواني، وقد ادرك أنه لا يصلح بأي حال من الأحوال في التحدث مع النساء .
وساڤا التي تفاجئت بعرضه هزت رأسها بسخرية شديدة، لكنها ابتسمت ببراءة جعلته يراقبها متسع الأعين:
_ يعني أنا مش حابة ...مش حابة ازعجكم، لكن لو تكرمت يعني ممكن بس توصلني لمركز البلد لأن المنطقة اللي قبل البيت دي فاضية وانا بنت لوحدي في الوقت ده وخايفة على نفسي .
ختمت حديثها وهي ترمش له بشكل جعله يكاد ينفجر ضاحًكا لولا صدمته التي عرقلت الضحكات في حلقه .
مسح وجهه لا يصدق ما تقول، لا يصدق ...يقسم بالله أنه صدقها لثواني .
نظر خلفه ببسمة غير مصدقة، لكن لا أحد كان يبصر ما يبصره هو، وقبل التحدث بكلمة انتفض يحيى يعرض بكل رجولة وفداء :
_ لا طبعا ازاي ميصحش أنا هروح اوصل القمر دي وبالمرة اشوف مسلم و....
قاطعه أحمد وهو يستدير مشيرًا له بإصبعه:
_ اقعد ...اقعد، خليك هنا مش ناقصين قرف منك أنت كمان .
رفع يحيى حاجبه وارتفع طرف شفتيه بتشنج :
_ قرف مني أنا كمان ؟؟ ليه قولتلك تعالى غيرلي البامبرز ؟؟
ضحكت ساڤا بصوت مرتفع ليستدير لها أحمد يتحدث بعصبية من تصرفات يحيى اللامسؤولة، يشير لها بصوت خرج غاضبًا دون إرادته :
_ اتفضلي قدامي .
نظرت له ساڤا ببسمة صغيرة لا تصدق أنه وافق بالفعل، يبدو أن الرجل كان يمتلك من الأخلاق أكثر مما تعتقد هي .
مالت برأسها تنظر له ببراءة :
_ مش هتعبك معايا كده ؟؟
_ اتفـــضـــلي .
كانت كلمة خرجت من أسفل أسنانه، لتهز رأسها بهدوء وهي تتحرك أمامه، بينما هو تبعها وهو يزفر بصوت مرتفع ينظر للسماء يطلب العون من ربه على هذه الحياة التي سقط بها بعدما كان يحيا بهدوء في عالمه الخاص ....
وبمجرد خروجهم تحدثت نورهان ببسمة واسعة :
_ هي دي اللي أحمد بيحبها ؟؟؟؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت تتحرك بشرود ورأسها لا ينفك يعيد عليها نظراته الأخيرة لها، كانت تشعر برجفة قوية في جسدها بالكامل، ورغم كل أفكارها السوداء انتهت الليلة نهاية ...جيدة نوعًا ما .
توقفت واخيرًا عند البحيرة التي كانت تحب الاختلاء بنفسها عندها، ولأول مرة تقترب منها مساءً بعدما كانت تخشى التواجد جوارها في ذلك الوقت .
لكن الآن بدت البحرية أكثر أمانًا لها، تنفست بصوت مرتفع وهي تفتح ذراعيها تغمض عيونها بهدوء شديد تحاول أن تُهدأ ضجيج عقلها وكلمات حادة تتردد داخل أذنها .
" عيشي وحيدة حقيرة مفيش راجل هيقرب منك يا رايانا، دي كانت فرصتك الأخيرة، بس اقسم بالله ما هقرب منك تاني ولا هيقرب منك راجل، خلاص يا رايانا، خلصنـــا ."
"مصيرك بقى اسود من الليل يا رايانا "
" رفضتي الزواج مني يا رايانا، ماشي براحتك بس قسمًا بالله ما هتكون لغيري، رايانا من اليوم متحرمة على أي راجل فيكم، ولي حد هيتجرأ ويقرب بس منها هعتبره بيعاديني ."
شعرت بدموعها تهبط دون شعور منها وقد بدأت شهقاتها ترتفع، والله لا تحزن عليهم، والله لا تعترض على قدرها، لكنها فقط حزينة أن حكم عليها بالوحدة فقط لأجل افكار وأوهام لا يد لها بها .
أما عنه ..
يجلس وهو يحدق بها دون أن يصدر صوتًا يقدر لحظات صمتها ورغبتها بالانعزال ذاتها، لذا صمت وظل يراقبها ولا يدري السبب في عدم ذهابه من المكان بأكمله، لكنه فقط يرفض ....
يرفض تركها في هذا الليل وحدها، وبهذه الحالة، لم تكن تبدو له متزنة و...
وقبل أن تكتمل أفكاره في عقله حول ماهية قدومها في هذا الوقت شعر بجسده يتجمد فجأة والحياة تتوقف حوله، وانفاسه توقفت كذلك داخل صدره حتى شعر بأنه سيختنق، كانت لحظة ارتجف بها كامل جسده قبل أن ينتفض يصرخ بجنون وهو يركض صوب المياه يرى جسدها الذي سقط لتوه فيه .....
ــــــــــــــــــــــــ
الفصل العاشر [ ويلي من مشاعر مسلم ]
في العادة لا أتحدث عن التفاعل، لكنه ابسط صور تقديركم للفصل، إن أعجبكم أن يكلفكم تفاعل بسيط بالتصويت على الواتباد ( الضغط على علامة النجمة في الاسفل ) أو لايك فيس، الأمر بسيط وبيساعد الرواية توصل لغيرك ليس إلا، فلا ربح لي من الأمر، لكنه مجرد مساعدة لي وللرواية في الانتشار، لذا التفاعل ذوق منكم، فمقارنة بتفاعل الحلقة الخاصة لسفيد من ثلاث أيام، مع الفصل السابق من ارض الدوم من ستة أيام، نجد أن التفاعل يفوق تفاعل الفصل .
الفصل ويشهد الله بكتبه في أيام اجازتي بدل الراحة وبيتم مراجعته في ساعات ليُقرأ في دقائق ربما، لذا ابسط شيء تفاعل مرضي، ستكون المرة الأولى والأخيرة التي أتحدث بها عن تفاعل، وشكرًا مقدمًا.
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس وهو يحدق بها دون أن يصدر صوتًا يقدر لحظات صمتها ورغبتها بالانعزال بذاتها، لذا صمت وظل يراقبها ولا يدري السبب في عدم ذهابه من المكان بأكمله، لكنه فقط يرفض .
يرفض تركها في هذا الليل وحدها، وبهذه الحالة، لم تكن تبدو له متزنة و...
وقبل أن تكتمل أفكاره في عقله حول سبب قدومها في هذا الوقت شعر بجسده يتجمد فجأة والحياة تتوقف حوله، وانفاسه توقفت كذلك داخل صدره حتى شعر بأنه سيختنق، كانت لحظة ارتجف بها كامل جسده قبل أن ينتفض يصرخ بجنون وهو يركض صوب المياه يرى جسدها الذي سقط لتوه فيه .
كابوسه يُعاد أمام عيونه في هذه اللحظات باسوء شكل ممكن، فجأة ودون تفكير كان يلقي بجسده خلفها وهو يصرخ باسمها خوفًا :
_ لا لا لا بالله عليكِ لا ...لا لا ...لا .
أصابته هيسترية لثواني وهو يشعر باطرافه ترتجف لدرجة أنه لم يتمكن من السباحة، شعر بأن أطرافه قد شُلت من الرعب، وذكرياته القديمة تعود له بطريقة أشد شراسة، مياه، ظلام، برودة، وجثة فقدت حياتها بين ذراعيه .
عند هذه النقطة سقطت دموعه دون شعور وهو يصرخ بصوت مرتجف يحاول الوصول ليدها وهو يبصر جسدها ساكنًا في المياه امامه، نفس السكون الذي أبصر به الفتاة حينما وصل بها للشاطئ، ارتجف كامل جسده وشعر باختناق شديد وكأنه هو من يغرق، قاوم كل نوبات الهلع التي كادت تصيبه وهو يقترب بسرعة منها :
_ لا ...لا بالله عليكِ، لا تفعلي ذلك، تمسكي بي، أرجوكِ تمسكي بي، فروشكـا أرجوكِ .
كان يتحدث وهو يتحرك صوب جسد رايانا التي كانت تهوى ببطء للاسفل لولا شعورها فجأة بيده تجذبها لسطح المياه، وقبل أن تستوعب من قطع محاولتها لتهدأه جسدها، وجدت نفسها تُطحن ضد صدر أحدهم، ويد تضم رأسها وصوت ينطق برعب مرتجف صارخًا بنبرة باكية :
_ ستكونين بخير، لن يحدث شيء، أنا آسف... أنا آسف، اقسم لم أقصد، أنا آسف، لم يحدث لكِ شيء، سنخرج من هنا، أنا حقير اقسم أنني حقير، أنا آسف.
ارتجف جسد رايانا وهي تحاول إدراك ما يحدث تعلم هوية المتحدث بالفعل، لكنها لا تفهم ما حدث، همست بصوت منخفض مرتجف من البرودة والموقف بأكمله:
_ مسلم ..
لكن مسلم رفض تركها أو حتى الاستماع لعقله، وهو يتحرك صوب الحافة، وما زال يضمها بقوة بين ذراعه يضم رأسها لصدره وهو يصرخ بصوت خرج بغصة يعافر المياه، رافضًا تسليمها له، لن يسمح بفقدان آخر، وخاصة هي ..
_ اهدأي لا تخافي، ستكونين بخير، سنخرج من هنا، أنتِ بخير فروشكا، أنتِ بخير .
حاولت رايانا التحدث، لكنه توقف فجأة وهو يستدير لها أثناء السباحة، ينظر لها جيدًا من أعلى لاسفل وكأنه يخشى أن يصل للحافة مع جسدها فقط دون روحها، ينظر لها بشكل مرتعب يهتف بصوت منخفض مرتجف النبرة :
_ متغمضيش عينك، أرجوكِ، بلاش تغمضي عينك، احنا قربنا نوصل .
أما عن رايانا حاولت التحدث مرتجفة من البرودة :
_ أنت....فيه ايه ؟؟
ومسلم لم يهتم بمحاولة الرد عليها وهو يجذبها أكثر له، ولم يكن يعي في حالة الهيسترية هذه لا بمسافات أو حدود، لحظة إبصار جسدها ساكنًا في المياه، جعل كل ذرة رعب تصرخ داخل جسده، ورغم كل ما مر به في حياته، كانت هذه هي أولى خساراته وأقواها، وهو ليس مستعدًا ليحيا نفس الشعور، ليس معها على الأقل.
في لحظة إدراك علم أن الفتاة هذه ستكون نهايته، واقترابه منها أصبح حاجة ومرضًا، وهو لا يشتكي .
رفع جسدها بسرعة على الجسر وهو يتحدث بصوت مرتجف :
_ تمسكي به فروشكا، تمسكي به .
ورايانا التي لم تكن من تلتقط كلماته الأجنبية سوى اسمها، فعلت الشيء المنطقي الوحيد في هذه اللحظة، وهي أنها تمسك بالجسر تسحب نفسها للخروج، تجلس عليه ومددت رجلها للاسفل تتنفس بصعوبة مما حدث، لا تفهم ما يحدث، تنظر له بترقب وهو فقط أخذ ينظر لها من المياه جيدًا يقنع عقله أنها بخير، لقد خرجت من المياه.
أما عنها فتعجبت نظراته هذه، لكنها رغم ذلك مالت قليلًا تمد يدها له ببسمة صغيرة مرتجفة، لا تنسى مساعدته لها منذ وقت قليل في الزفاف فالله وحده يعلم أنها كانت لتكون ميتة الآن أسفل عز الدين لولا فعلته .
_ اطلع من المايه .
نظر لها مسلم ثواني، ثم ليدها، وهو يحاول أن يهدأ نفسه، يحاول أن يصفع وجهه ليستفيق من حالة الرعب التي ما تزال آثارها في جسده .
تنفس بصعوبة، ينظر حوله وكأنه يحاول البحث عن شيء، قبل أن يتحدث بسرعة وهو يشير لها بتحذير :
_ متتحركيش من هنا، متتحركيش هرجع بسرعة .
ولم تفهم مقصده، إذ بدأ يسبح بعيدًا عن الحافة صوب منتصف البحرية وفجأة اختفى وغطس داخلها تاركًا بعض المياه التي تتحرك على سطح المكان وعيون رايانا متسعة وهي تراقبه تحاول فهم ما يحدث حولها .
لكنها رغم ذلك صمتت وأخذت تراقب البقعة التي نزل بها مسلم واختفى على أمل ظهوره قريبًا لتفهم ما يحدث حولها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ قول اللي في نفسك عادي .
كانت الجملة التي قطعت بها سافا الصمت المحيط بهم، بينما أحمد نظر لها بعدم فهم بعدما كان يسير بهدوء محفضًا رأسه يتلاشى الحديث معها أو النظر حتى، وقد أشعرها ذلك أنها أحقر من النظر لها وتلويث أنظاره بها .
رفع عيونه بعدم فهم :
_ اقول ايه مش فاهم ؟؟
_ اللي بتفكر فيه من وقت ما شوفتني في الفرح .
رفع أحمد حاجبه وهو يتوقف فجأة وقد توقفت هي أمامه، ليبتسم بسمة صغيرة هادئة :
_ بصفتي ايه يا استاذة ؟!
نظرت له بعدم فهم هذه المرة، ليهز رأسه ببساطة يشرح لها وجهة نظره في الأمر، وهي تراقبه بصدمة من كلماته :
_ حاولي متديش لحد فرصة يكلمك بأسلوب أنتِ مش قبلاه، ولا تفتحي لحد النقاش معاكِ في حياتك طالما ملوش صفة فيها، فباختصار، أنا هقولك ايه وليه ؟!
وهي فقط أخذت تنظر له وقد كانت هذه المرة التي يحاورها أحدهم كامرأة عادية، وليس مجرد فاسقة تتراقص في المناسبات لهم، يعاملها أحدهم كشخص له الحق في الاعتراض على نظرات وكلمات الغير وليس مجرد ذليلة تقبل ما يقدمونه لها بلا كلمة واحدة .
وهذه الفكرة جعلتها تفكر جديًا، ماذا لو كان لذلك الرجل صفة في حياتها، هل كانت وصلت لهذه النقطة يومًا ؟!
رجفة أمل وتمني مرت بها وهي تنطق دون شعور ولأول مرة يخرج صوتها خافت منكسر بعض الشيء :
_ ولو كنت ...
صمتت تترك له باقي الجملة ليدركها، وهو فقط نظر لها بعدم فهم لتبتسم بسمة صغيرة، تهز كتفها ببساطة شديدة وكأن الأمر لا يعينها وكأنها لا تتمنى لو امتلكت أحدهم يدافع عنها .
_ ولو كان ليك صفة في حياتي ؟!
ابتسم أحمد بسمة صغيرة وهو ينظر لها نظرة قصيرة مستهزئية أو هكذا شعرت بها هي، قبل أن يبعد عيونه عنها، يجيبها بنفس بساطة طرحها السؤال وكأن الأمر مستبعد أن يكون ذا صفة في حياتها :
_ مكنتيش هتبقي واقفة معايا عشان تسألي السؤال ده اساسا .
_ ايه هتمنعني اخرج من البيت ؟!
_ امنعك ليه ؟! بس اكيد مش هخلي راجل غريب يقف معاكِ نفس وقفتي دي، ولا يكلمك زي ما أنا بكلمك كده، ولا هسمحلك تحتاجي لحد يستجدع معاكِ، ولا كنتِ هتكوني أنتِ .
اتسعت عيونها بصدمة من آخر جملة، وهو فقط بلل شفتيه بهدوء يدرك السؤال الذي يدور في رأسها، ساخرًا ببساطة :
_ متسأليش أسئلة اجابتها مش هتسعدك .
التمعت عيونها بشكل غريب وهي تبتسم له بسمة مرتجفة بعض الشيء تخفي خلفها ضيق وقهر .
وقد فكرت لوهلة لو أنها يومًا امتلكت شخصًا في حياتها يقيها شر الدنيا، ربما ...ربما فقط ربما كانت لتكون في منزلها الآن نائمة بأمان وراحة دون أي شيء يؤرق مضجعها .
صمتت فجأة وقد ضربتها فكرة وجود رجل معها بنفس المنزل في مقتل، لتبتعد خطوة للخلف وقد تبدلت نظرتها في ثواني بشكل أذهل أحمد، لكنه فقط لم يهتم وهو يبعد عيونه عنها بهدوء :
_ خلينا نكمل الطريق .
_ لا .
_ لا ؟؟
_ أنا هكمل لوحدي، ارجع أنت، شكرًا ليك أنا ممكن أكمل للبيت عادي .
ولم تكد تتحرك حتى أوقفها هو تابعًا إياها:
_ أنتِ مجنونة ؟! هتمشي في الوقت ده لوحدك بالشكل ده ؟!
_ بالشكل ده ؟!
تعجبت وهي تنظر لنفسها وقد كانت ترتدي معطفًا فوق فستان الرقص الخاص بها، وهو فقط أبعد عيونه عنها :
_ لو الموضوع ليكِ عادي، فهو مش عادي أبدًا، تخرجي في الوقت ده وبالشكل ده، افرضي حد اتعرض ليكِ ؟!
رفعت حاجبها وهي تضم ذراعيها لصدرها في حركة اعتراضية له، وحركة حماية لها، تحاول أن تتماسك أمام عيونه :
_ مفيش حد يقدر يتعرض ليا، إلا لو كان غبي أو....
_ مخمور..مسطول...راجل ؟؟
كان يبدو كما لو أنه يكمل جملتها بنبرة متهكمة، أما عنه اقترب منها دون شعور يردد ببسمة غير مصدقة لعقلها الغبي هذا :
_ منظرك ده وفي وقت زي ده أي راجل مش واعي اكيد هيحاول يستغله، فوقي لنفسك أنتِ مش عايشة في المدينة الفاضلة، ومن ثم اذكري ليا السبب اللي يخليكِ متأكدة أن مفيش حد هيقدر يتعرض ليكِ ؟!
نظرت له وربما كانت كلماته عادية له، لكنها لم تكن لها كذلك، هو محق فإن كان حديثها صحيحًا ما وصل بها الحال لما هي عليه الآن.
رفعت عيونها له وقد ظهر وميض انكسار فجأة، اختفى في ثواني وهي تتحدث بنبرة حاولت أن تظهرها عادية تبتسم له بسمة صغيرة أصابته في مقتل :
- عشان مش هيعملوا اكتر من اللي سبق واتعمل بالفعل، أنت مش هتقدر تكسر كوباية هي مكسورة اساسا .
ختمت حديثها وهي تتركه واقفًا بصدمة يحاول تحليل معنى كلماتها، وقد ضربته موجة رعب مما بدأ عقله يرسمه لها .
أما عنها فلم تهتم أنها للتو رسمت صورة حقيرة لها في عقل الرجل الوحيد الذي عاملها بآدمية، أنها اعترفت أنها لم تنجو من الزمان على مسامع رجل لم تعلم اسمه سوى منذ يومين، رجل لا تعلم حتى أصله أو أخلاقه .
رحلت وهي تهرول تحاول أن تبعد ضباب الدموع عن وجهها، وقد بدأ صدرها ينتفض برعب من بداية موجة هلع جديدة، حتى أن خطواتها بين الطرقات كانت سريعة بشكل مخيف لولا أن معظم الطرقات كانت فارغة في هذا الوقت .
بمجرد أن دخلت منزلها حتى هرولت بسرعة لثلاجتها، تفتحها تخرج منها الكثير والكثير من الأطعمة ومن ثم انهارت بينهم ارضًا تحاول كتم نشيجها بصوت مضغاتها، تأكل وتأكل حتى انفجرت فجأة في البكاء بشكل هيتسيري، تنهار في أرضية مطبخها بين الأطعمة وقد بدا أن ذلك هو قدرها، ربما سيكون نهايتها يومًا ما.
جثة باردة بين الأطعمة وحدها في منزلها، وربما إن كانت محظوظة ستكتشف رايانا موتها قبل تعفن جثتها بالكامل .
تجمد جسدها من الفكرة، ولسبب ما لم تحزنها تلك الصورة التي ارتسمت لها، تمددت في الأرض بين الأطعمة وهي تشرد في السقف .
ربما كان الموت نهاية مستحقة لها، ربما كان كما يدعوه البعض ...راحة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"وما تخفيه الكلمات تفضحه العيون "
وهو عيونه كانت ورغم كل جهوده تفضحه، وهو ينظر لها دون إرادة منه، دون تحكم في مشاعره، ينظر ارضًا كلما تحركت عيون أحدهم صوبه، يشعر بالنذالة والحقارة لأجل ما يفعل، لذا فجأة انتفض يعتذر من الجميع بكلمات مقتضبة وهو يخرج من المكان بأكمله صوب الشجرة أمام المنزل .
وبمجرد أن فعل تعجب يحيى وهو ينظر لعيسى بنظرة غامضة، قبل أن يحرك عيونه صوب نورهان التي كانت تتابع هاتفها بانتباه شديد تتابع اخبار انهيار زوجها، أو بالأحرى زوجها السابق تبتسم دون شعور .
ليرفع يحيى حاجبه بضيق من كل ذلك، لكنه لم يتحدث بكلمة وقد عزى كل أفكاره لأوهام ربما، بالإضافة أن مسلم يثق في حاتم، وهو يثق في مسلم ومن يثق بهم، وحاتم لم يصدر منه للحظة واحدة شيء يجعله ينتبه لوجوده معهم، بل كان طوال الوقت هادئًا محترمًا عاقلًا أكثر حتى من مسلم .
لذا تنهد وهو ينهض من مكانه يتحدث بجدية :
_ هدخل اغسل شعري لغاية ما مسلم يخلص على سكان القرية ويرجع، وأحمد يوصل البنت ويرجع .
نظر صوب نورهان ينتزع منها الهاتف باستفزاز مشيرًا صوب المطبخ :
_ روحي أعملي ليا كوباية شاي بلبن .
نظرت له نورهان باعتراض ولم تكد تتحدث بكلمة حتى أشار لها بءقنه بتحذير صوب الهاتف :
_ هدخل أبعتله كوبليه خالد سليم بتاع ولا اقولك بلاش الملامة، لو متحركتيش .
فهمت نورهان دون شرح ما يردده يحيى، وطوال سنوات معرفتها به، تدرك أنه من الجنون الذي يجعله يفعل ذلك، لذا نهضت ترميه بنظرة متوعدة لحين عودة مسلم أو أحمد.
أما عن عيسى نظر ليحيى بضيق وهو ينتزع منه هاتف نورهان بغضب، ثم لحق بنورهان دون كلمة تاركًا يحيى ينظر لاثرها بعدم اهتمام :
- خلي بالك أنا سيبته ليك بس عشان أنت الطويل.
تحرك بعدها صوب غرفته يبتسم بتسلية، يخرج الغسول الذي اختاره سابقًا، لتضرب ذكراها رأسه، تلك الفتاة الغريبة والمستسلمة بشكل مريب .
ابتسم بسمة صغيرة وهو يمسك الغسول يحدق به ثواني قبل أن ينفجر بالضحك على ملامحها حينما انتزع منها عبوات الغسول، يهز رأسه بيأس وهو يتحرك صوب المرحاض .
بينما في الخارج .
كان يجلس أسفل الشجرة وهو يستند عليها بهدوء يشعر بقلبه يرتجف مما يحدث له، لقد اقسم قديمًا ألا تطأ المرأة رأسه، ليس وهو يرفض أن تُمس حرمة صديقه الذي استأمنه على أخته ولو حتى بمجرد نظرة منه .
يتمنى فقط يتمنى لو يعود به الزمن لتلك اللحظة التي ابصرها بها للمرة الأولى ..
قبل خمس سنوات تقريبًا .
بلغ حاتم مكانة ثقة لدى مسلم لم يكن أحد يحلم بالاقتراب منها ولو بخطوات معدودة حتى، مسلم والذي كان يعامل الجميع كما لو أنهم أعداء يستحقون السحق، آمن جانب حاتم، بل وسمح له بدخول منزله الذي ينعزل به عن الجميع .
لم تكن المرة الأولى التي يدخل منزله، بل ويبيت به مع مسلم، لكنها كانت المرة الأولى التي يخفض بها مسلم دفاعاته بهذا الشكل ويترك شيء يخص عائلته على مرأى الجميع .
طاولة صغيرة جوار الحائط الزجاجي الخاص بشقته، صورة صغيرة جعلته يقترب بتردد وفضول وهو يلتقطها دون أن يتحكم في نفسه .
كانت صورة لأربعة أطفال في أعمار متباينة، منهم المراهق ومنهم من كان طفلًا، حتى أنه كان هناك رضيعًا بين يدي مراهق عرف أنه مسلم لاحقًا، وقد كان الأربعة هم أحمد ومسلم ويحيى ونورهان، والرضيع كان نفسه عيسى .
كانت الصورة تنطق بالطفولة والحب، الجميع يضم بعضهم البعض وينظرون ببسمة متسعة صوب الكاميرا وكأنهم يبصرون مستقبلًا مشرقًا قادم .
ابتسم حاتم دون شعور لما يرى وقد شعر فجأة براحة كبيرة وهو يراقب تعابير سعادتهم، وضع الصورة جانبًا بهدوء، ولم يكد يبتعد عن الطاولة بالكامل حتى توقف وتوقفت أنامله، وقع نظره عليها ..
فتاة بهية الملامح مشرقة الوجه مبتسمة الثغر، في إحدى الصور تضم لها شاب بقوة وهي تضحك بصوت يقسم أنه تردد في أذنه.
رفع الصورة الثانية ببطء وتردد دون شعور كما المسحور وشرد بهذا الوجه، فتاة تبدو في العشرينات من العمر، تضم شاب علم من ملامحه أنه مسلم قبل أن يتحول لذلك الرجل الذي عرفه .
كانت الصورة تبدو كما لو أنها احتفال بالتخرج، الفتاة ترتدي زيّ التخرج وهي تضم مسلم لها، ومسلم يرتدي قبعتها، ارتجف صدره وهو يتأمل ملامحها، كانت ....
_ أنا طلبت لينا بيتزا، وطلبت ليك بيبروني و...
صمت صوت مسلم الذي اقتحم المكان فجأة ليترك حاتم الصورة فجأة بصدمة ورعب من سهولة سقوطه في تأمل غير مشروع .
أما عن مسلم فنظر له بشكل وهو يتحرك ببطء صوبه يتحدث وهو يضيق عيونه :
_ بتعمل ايه ؟؟
ارتجفت يد حاتم وهو يحاول أن يفيق من حالة الافتتان التي أصابته بصاعقة غير متوقعة .
_ أنا بس… بس كنت… يعني… لقيت الصور على الطاولة، وما كان قصدي أتجسّس، مجرد فضول. سامحني.
نظر له مسلم ثواني قبل أن يبتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك صوب الطاولة يلتقط صورتهم التي نجت بصعوبة خلال رحلته لهنا :
_ دول اخواتي، ده أحمد اكبرنا، وده يحيى اخويا الصغير والبيبي ده عيسى سيبته وهو طفل تسع سنين، ودي تبقى نورهان اختي، المدللة بتاعتنا كلنا ماعدا يحيى .
ختم حديثه بنبرة حنين وقد وثق بحاتم بشدة لدرجة أن يعرفه بأفراد عائلته، لكن حاتم من بين كل الاسماء لم تلتقط أذنه سوى اسم واحد .
نورهان ...
الاسم الذي لاحقه في صحوته ونومته لخمس سنوات، خمس سنوات تطارده ويهرب منها ويجلد ذاته وقد قرر أن يحاول نسيانها بالكامل، فلو اجتمع المشرق والمغرب فإن اجتماعه مع صاحبة البسمة تلك كان أصعب.
لكن وحينما أخبره مسلم خطته للعودة لوطنه وعرض عليه العودة، عارض لثواني، لكنه وافق لاحقًا لأجل مسلم اولًا وقد كان عائلته الوحيدة، ولأجل أن يلتقيها واخيرًا وجهًا لوجه .
ليأتي ويكتشف أن صداقته وضميره كان اهون الحدود بينهما، المرأة كانت متزوجة ....
_ اتفضل.
انتفض جسد حاتم وهو ينظر جواره لها، بأعين متسعة وكأنه للتو اصطدم بخياله، كانت تقف على بُعد صغير وهي تنظر له ببسمة بسيطة :
_ شاي بلبن، مش عارفة بتحبه ازاي بس خليته ليك مظبوط .
نظر لها دون شعور وكأن ذكرياته أحيت له عشق خمس سنوات لامرأة ابصرها مرة واحدة في صورة، أحب امرأة قبل الكلمة الأولى حتى .
أحبها من مجرد صورة وبسمة، أعين ملتمعة جعلته يقضي ليالٍ طويلة مخافة النوم والحلم بها سهوًا .
_ تسلم إيدك، يكفي إنك تعبتي حالِك وافتكرتيني.
ابتسمت له بلطف وهي تعطيه الكوب، بينما هو ضمه بين كفيه بقوة وكأنه يستمد منه طاقة، ينظر بعيدًا عنها وقد بدا في اللحظة يتجاهلها، لكنها لم تهتم في الواقع بل فقط قالت بهدوء :
_ ادخل جوا، الجو هنا ساقعة .
هز رأسه بنعم :
_ أكيد رح أعمل هيك، بس خلّيني أستنى مسلم يرجع وأطمنّ عليه.
_ ربنا يخليكم لبعض، واضح أنكم قريبين من بعض اوي، تعرفه من كام سنة ؟؟
رفع عيونه لها بهدوء مبتسمًا :
_ من تمان سنين، مسلم هو عيلتي الوحيدة .
ابتسمت بسمة صغيرة وهي تراقبه ولاول مرة تبصر ملامحه وتتوقف لتأمله، لتتحدث بفضول كبير وقد نست نفسها :
_ أنت من فين كده ؟! لهجتك شامية .
حاول أن يحتفظ بملامحه محايدة يجيب بهدوء ونبرة عادية :
- أنا أردني من أصل فَلسطيني .
_ يعني ايه ؟؟ أنت ايه بالضبط ؟!
ضحك ضحكة صغيرة وهو يشرح لها شجرة عائلته ببساطة شديدة :
_ انولدت بالأردن، وجدّتي أمّ أبوي أردنية الأصل، وجدّي (أبو أبوي) فلسطيني، وأمّي كمان فلسطينية.
عشان هيك انولدت بالأردن وحامل الجنسية الأردنية، بس من أصل فلسطيني.
_ يعني أنت فلسطيني ؟!
_ هيك وهيك، معي الجنسيتين، مؤخرًا حصلت على الجنسية الأمريكية، بس رميتها بالزبالة.
اتسعت عيونها بانبهار وقد أثرت به النظرة، لكنها ابتسمت بسمة واسعة وهي تقول بفضول يقتلها من محادثتها لشخص لا ينتمي لعالمها أو بلادها :
_ عمرك زرت فلسطين ولا بس كنت عايش بالأردن ؟!
ومضت عيونه بلمعة غريبة جعلته يبعد كل تلك الأفكار السوداء عن رأسه بعدما بدأت الذكريات تتكالب وتشحذ أسنانها للهجوم، لكنه فقط هز رأسه وكأنه ينفض الأفكار السيئة من عقله قبل أن تسحبه مجددًا، ليس أمامها على الأقل.
_رجعت على فلسطين بعد ما وصلت عمر عشر سنين، وما طلعت منها إلا وأنا شاب، يوم سافرت على أمريكا.
ولم يذكر لها حالته التي خرج بها، كانت اشياء لا يجب أن تعلمها، لا ينبغي عليها معرفة مقدار السواد داخله .
_ أنا فرحانة إن مسلم كسب شخص زيك في غربته .
رفع عيون مشوشة لها، وقد كان ما يزال يتعارك مع أفكاره، ينظر لها بعدم فهم لتبتسم بسمة صغيرة :
_ كلنا كنا خايفين مسلم يسافر ويصاحب ناس مش شبهنا، ولا يعرفوا حياتنا، بس هو كان محظوظ أنه كسب صديق زيك، اتمنى تكونوا دايما سوا .
شرد بها ثواني قبل أن تتحرك هي وتدخل للمنزل تختفي به دقائق وهو بصعوبة أبعد نظراته عن أثرها ينظر لكوب المشروب الذي بدأ يبرد بالفعل، لكن رغم ذلك رفعه لفمه يرتشفه بنهم، مبتسمًا بسمة صغيرة .
قبل أن يبصر غطاء أمام عيونه .
رفع عيونه ببطء ليجد نورهان تراقبه بلطف وحنان فطري بها لاتدرك لمن توجهه أو كيف تفعل :
_ عشان الجو برد وممكن مسلم يطول .
ارتجفت يد حاتم وهو يقاوم رفعها، لأنه يخشى أن رفعها لن يكون الغطاء هو ما سيضمه .
ابتلع ريقه ولم يكد يتحدث بكلمة أو يشكرها، حتى وجد يد تنتشل الغطاء بقوة وصوت يحيى يتحدث بجدية :
_ هاتي وادخلي جوا يا نور.
نظرت له نورهان بعدم فهم لهجومه تبرر بحسن نية :
_ الجو سقعة وهو مُصر يستنى مسلم فقولت اجيب ليه غطا.
نظر لها يحيى بسخرية لغباء أخته يهمس بصوت لا يسمعه سواها :
_ ايش حال ما أنتِ لسه متعلم عليكِ بسبب غبائك ده يا غبية، انجري على جوا بلاش اتغابى عليكِ يا نور .
_ أنا عملت ايه ؟! أنا كنت بس بـ
عض يحيى على شفتيه بضيق يجذب منها الغطاء يرفع يده وكأنه على وشك ضربها :
- يا بت اخفي من وشي مش ناقصة تخلف على المسا.
رمته نورهان بغضب قبل أن تصرخ في وجهه بضيق شديد :
- أنت بتتكلم كده ليه أنا الكبيرة على فكرة، والله لما يجي أحمد يا يحيى أما شاف ليك حل هو ولا مسلم أنا اللي هتصرف .
ختمت حديثها وهي تتحرك صوب الداخل بعنف وغضب، بينما يحيى يتابعها بسخرية وقد كانت هذه عادة لهما تقريبًا .
لم يهتم وهو يستدير صوب حاتم الذي رفع حاجبه بضيق وغضب واضح وقد بدا أن الحديث لم يعجبه، لكنه لم يكن له الحق ليتحدث، أما عن يحيى فاقترب يضع الغطاء على كتف حاتم وهو يربت عليه ببسمة مغتاظة :
_ اتدفى يا حبيبي اتدفى عشان لسه عايزينك .
رفع له حاتم حاجبه، ولم يتحدث سوى بكلمات مقتضبة :
_ مسلم كان على حق بخصوص هالموضوع .
_ موضوع ايه يا عنيا ؟؟
_ إنك ما تربّيت .
ختم حديثه وهو يرتشف من مشروبه البارد تحت أعين ويحيى الغاضبة والذي كان يحدق به بتحفز، وحاتم لأول مرة يستمتع باستفزاز أحدهم، والمشكلة أن هذا الأحدهم لم يكن سوى يحيى .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كان الصمت هو الرفيق الثالث لهم، منذ خرج من البحيرة وهو يجلس على الجسر جوارها، مع وضع مسافة آمنة بينهما، ولا أحد تجرأ على التحدث بما حدث منذ دقائق .
_ أنتِ كويسة ؟!
كانت أول كلمة تصدر منه بعد كل شيء، أما عنها حركت نظراتها له قبل أن تهمس بصوت منخفض :
_ أنا....كويسة ...مكنتش هعمل حاجة، أنا بس ...لما بتضايق بعوم مش اكتر .
أبصرت ارتجاف يد مسلم قبل أن يرفع الأخير عيونه لها وقد مرت لمحة رعب عبرها، أخفاها ببراعة وهو يتحدث محاولًا تبرير ما فعل منذ ثواني بشيء منطقي، غير أن قلبه كاد يتوقف لانه ظنها غارقة .
_ كويس .
صمت وشعر أن تلك الكلمة الباردة كانت تدهور الأوضاع أكثر من تصليحها لذا أضاف:
_ متعمليش كده تاني، أنا فكرتك ...بتغرقي، ده خطر خاصة بليل كده ولوحدك.
رفعت عيونها صوب السماء وقد كانت تشعر بالهدوء بعد كل شيء :
_ ليه عملت كده ؟!
نظر لها بعدم فهم لتوضح له ما تقصد وهي تنظر في عيونه مبتسمة بسمة صغيرة :
_ قولتلي أنك عمرك ما كنت أمير وعلى طول الشرير، ليه عملت كده في عز الدين ؟!
أبعد مسلم عيونه عنها بسرعة يحاول ايجاد إجابة منطقية لما فعل، شيء لا يثير اعتقادات حول سببه الحقيقي والذي حتى الآن لا يجد له تفسير، لكنه في النهاية وجد نفسه يتحدث دون تحكم بنفسه :
_ كان هيأذيكِ .
وكانت كلمته كافية لتثير عاصفة داخل رايانا التي نظرت له بعيون ملتمعة بالدموع، تبتسم بسمة صغيرة وهي تنظر لكفها بتوتر :
_ كنت ...كنت هتصرف، بس شكرًا ليك، أعتقد كده أنا متداينة ليك بمرة و...
قاطعها وهو يستدير لها ينظر لها بهدوء شديد، قبل أن يقاطعها ببسمة جانبية وقد بدا أن موجة الهلع تلاشت جانبًا حينما تأكد أنها بخير جانبه :
_ طب أنا ضربت واحد رصاصة عشانك هترديها ازاي ؟!
مال برأسه وهو يتأمل ملامحها وعيونها البنية التي اتسعت بقوة من كلماته وقد تحدث عن الأمر بكل بساطة :
_ هتضربي حد عشاني بالنار ؟!
ابتلعت ريقها وهي تستشف نبرة لأول مرة تسمعها في صوته، نبرة مرح ولين، وقد شعرت أنه ربما يحاول أن يطيب خاطرها مشفقًا لما حدث معها .
_ مش بعرف اضرب نار، بعرف بس اولعها، لو تحب اولع ليك في حد ممكن اساعد .
ونعم كانت تلك آخر إجابة قد يتوقع سماعها من هذه الفتاة الهشة جواره، لدرجة أنه تراجع بعض الشيء مصدومًا وبسمة صغيرة غير مصدقة تملئ وجهه، لتهز
الحادي عشر [ ليتها كانت شفقة ]
صلوا على نبي الرحمة.
الفصل إهداء لأفضل شخص بيعمل كوميكس على الفصل من سنوات، اهداء" لاحمد طارق Ahmed Tarek.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تجمد كل شيء وتوقف الزمان وهي تبصر ما يحدث أمامها، لا تشعر بشيء سوى بضباب أجساد يعبرون من أمامها، وأصوات شبه مكتومة تتردد في أذنها، حاولت التنفس بشكل طبيعي، هي لم تكن لتهتم بمن يحكم هذه القرية، لكن أن يكون ذلك الرجل هو عمها والذي تعلم أنه يفوق قذارة عز الدين دون أن يشعر به أحدهم، هذا ما قتلها .
حركت عيونها بين الجميع تنتظر اعتراضًا من أي رجل تابع لوالدها، اعتراض من أي أحد، رجل لربما قدم له والدها خيرًا يومًا، أي شخص تركها والدها لأجل مساعدته قديمًا، لكن يبدو أن عمها قد احكم قيده على الجميع .
ومن النظرة المصدومة على وجه عز الدين كذلك يبدو أن ذلك لم يكن الاتفاق بينهما، هي تعلم أن عز كان يأمل في القيادة لنفسه، لكنها لم تهتم وهي تحاول أن تعلم مصيرهم، وقبل التساؤل حول ما سيحدث اتسعت عيونها وهي تركض بفزع صوب والدها تصرخ باسمه:
_ بـــــابـــا .
وفي ثواني استقر جسد والدها الذي انهار بين ذراعيها ساكنًا وكأنه غادر الحياة، ليشحب وجهها وهي تطلق صرخة مرتفعة مرتعبة تضمه له برعب :
_ بارو ...بارو ...بابا .
ارتجفت بخوف وهي تنظر حولها للجميع بعجز تنتظر أن يحرك أحدهم ساكنًا، لتُصدم بالجحود يملئ الوجوه، لتطلق صرخة مرتبعة :
_ أنتم بتعملوا ايه ؟؟ حد يكلم الحكيم بسرعة، البارو بـ..
ومعتز فقط ابتسم بسمة صغيرة يصحح حديثها ليس وكأنها تتحدث الآن عن شقيقه الذي سكن بين يديها بشكل مريب شاحبًا :
_ مبقاش يا رايانا، ابوكِ مبقاش البارو، وياريت لما الحكيم يجي ويطمنك عليه، تبدأوا تجهزوا نفسكم عشان تفضوا بيت البارو لينا .
رفعت رايانا عيونها لعمها بصدمة كبيرة، تراقب الجحودالذي ملئ نظراته.
اشتعلت نظراتها بقوة وتنفسها ازداد ونيران ملئت جوفها حتى بدا أنها على وشك نفث النيران في وجوه الجميع، اقتربت شيما منها وهي تردد بنبرة مرتجفة باكية :
_ الحكيم في الطريق يا رايانا ساعديني ننقله للاوضة بسرعة .
ورايانا فقط صمتت ومازالت نظراتها تطلق سهامًا على عمها، تساعد والدها، وغصة تستحكم حلقها، رغم أن والدها لم يكن داعمًا لها يومًا، لكنه لم يكن في النهاية يومًا قاسيًا، لم يرفع يدًا لضربها، ولم يمنع أي يد أخرى لفعل ذلك، لكنه ورغم كل شيء كان والدها، الذي وقف يومًا أمام الجميع كي لا يقتلونها بجهلهم في طفولتها ظنًا أنها نذير شؤم، كانت المرة الأولى والأخيرة التي يدافع عنها، لكنها كانت تكفيها .
ساعدته ليتحرك صوب أول غرفة قابلتهم، تساعده ليتسطح على الفراش وقد كان والدها صامتًا بشكل مريب ومرعب، لا يحرك ساكنًا ينظر صوب سقف الغرفة بلا كلمة .
وهي فقط رفعت عيونها صوب شيما تتنفس بخوف وشيما تبكي مرتعبة مما سيحدث لهم، سقط البارو واجتمعت السكاكين حوله.
ورايانا شعرت أنها وُضعت فجأة أمام المدفع، تنظر صوب شيما تبصر بها رعبًا على أنفسهم، ووالدها بلا حول ولا قوة، وجدتها، وعمها ذلك الخسيس لن يرحم ضعفهم .
ابتلعت ريقها وهي تنظر صوب شيما بهدوء تحاول إخفاء ضعفها وخوفها وارتجافة صوتها وهي تخرج كلماتها بنبرة خافتة تحاول أن تحافظ عليها هادئة:
_ شيما خليكِ مع البارو لغاية ما ارجع .
_ رايحة فين يا رايانا، سمعتي اللي قاله عمك و....
قاطعتها رايانا وهي تخفي ارتجافتها، الآن وقد سقط والدها لم يعد لهم من حامي بعد الله سواها :
_ خليكِ بس معاه لغاية ما ارجعلك .
ومن ثم تحركت بسرعة صوب الخارج تفتح الباب الخاص بالغرفة تستند عليه وهي تتنفس قبل الخروج للبهو مرة ثانية، تبتلع غصة البكاء، تؤجل انهيارها لوقت لاحق .
وبعد نفس عميق أبعدت به رغبتها في البكاء، تحركت صوب البهو وهي ترفع رأسها تبتسم بسمة صغيرة، تبصر عمها يدور بعيونه بين طرقات المنزل وكأنه يقرر في أي ركن يعلق خيبته بعدما يحصل على المنزل، وجواره زوجته التي لا تدري كيف لم تتطلق منه حتى الآن بعد فضيحة ساڤا لها، وعز الدين الذي يبدو أنه مايزال مصدومًا من عدم كونه البارو بعد والدها .
ابتسمت وهي تفتح ذراعيها تتحدث بصوت ثابت والله وحده يعلم كيف أخرجته من بين امواج البكاء الوشيكة :
_ نورتونا يا جماعة في بيتنا المتواضع، لكن صاحب البيت مش في صحة تسمح ليه يستقبلكم، شرفتونا .
ختمت حديثها وهي تشير صوب باب المنزل بدعوة صريحة لا تقبل الجدال للرحيل، ليرفع عمها والجميع حاجبهم ولم يتقدم أحدهم للحديث، سوى سكينة التي قالت بجدية واستنكار :
_ مسمعتيش اللي قاله البارو، البيت ده هـ
قاطعتها رايانا بكلمة واحدة مرتفعة رنت في أرجاء المنزل وقد قررت أن تستعمل كل خرافة اطلقوها عليها ضدهم، وصوتها يصدح في المكان بنبرة مرعبة :
_ شــــــرفتــــــونـــــا .
انتفضت الأجساد، لتكمل دون اهتمام وبنبرة قوية :
_ وبعد كده أي حد فيكم يفكر ينور بيتنا مرة تانية، يبقى يستأذن مش تكية هي، اتفضلوا .
نظر معتز لابنه وزوجته وقد شعر أن رايانا تقلل منه وهو لتوه استلم قيادة القرية، لذا تقدم خطوة يوضح موقفه والصورة والوضع الحالي :
_ أعتقد مسمعتيش كويس اللي قولته يا رايانا، دلوقتي أنا البارو بتاعك وكلمتي تمشي عليكِ و....
توقف عن الحديث في اللحظة التي تحطمت بها مزهرية أسفل قدمه مباشرة بشكل مخيف، وصوت رايانا رجّ جدران المنزل بأكمله وهي تصرخ بالجميع تحمل مزهرية ثانية في رسالة واضحة لعدم ترددها في استخدامها عليهم :
_ بـــــــــــرة، كلكـــــــم بـــــــرة بيتـــــــــــي .
وبالفعل بدأت الأجساد تتحرك للخارج بخوف من جنون رايانا التي لم تكن تفكر بأفعالها بالمرة وكانت على استعداد تام لتقطيعهم بأناملها حتى .
أما عن عائلة عمها فظلت مكانها برفض للتحرك، عز الدين يراقبها من أعلى لأسفل وغصة الرفض ما تزال تستحكم حلقه :
_ أنتِ مفكرة نفسك مين عشان كلامك يمشي على البارو و....
صمت في اللحظة التي التفتت له رايانا ترمقه بنظرة مشتعلة مخيفة، تبتسم بسمة غريبة تهتف بصوت مريب مرعب :
_ تفتكر ممكن أصبر عليك قد ايه قبل ما اقتلك يا عز الدين ؟!
اتسعت عيون عز الدين واشتد رعب والدته وهي تقترب منه تجذب ذراعه بعيدًا عن رايانا، التي ابتسمت وهي تهتف للمرة الأخيرة :
_ برة بيتي ...حالًا، والبيت ده اللي هيخطيه منكم تاني بدون أذني، أنا هطلع عليه جناني .
ولم يكد أحدهم يتحدث بكلمة حتى سمعوا صوت ضربة قوية ارضًا لتتحرك الرؤوس صوب الصوت يبصرون الجدة التي نهضت بصعوبة وحدها بعد محاولات عديدة فاشلة، تنظر لولدها بغضب مشتعل جعله يبعد عيونه عنها، لتهتف بصوت قوي رغم اهتزازه بسبب العمر :
_ ايه يا معتز خلاص، كبرت وهترمي أمك وبت اخوك ومرات اخوك في الشارع عشان الرقاصة اللي اتجوزتها لينا ؟؟
انتفض جسد سكينة برفض وهي تنظر لوالدة زوجها بكره شديد وقد كان كره العجوز لها شوكة في حلقها منذ تزوجها معتز .
أما عن معتز فتحدث بصوت يحاول به تبرير ما يفعل :
_ يا أما ما عاش اللي يبهدلك، أنتِ هتعيشي معايا ورايانا ومرت اخوي وأخوي نفسه بشوف ليهم بيت في البلد يكون كويس، بس البيت ده هو مركز القرية وبيكون البارو و....
قاطعته والدته وهي تضرب الأرض بعكازها بغضب :
_ البيت ده بيتي أنا يا معتز، مش بيت البارو، بيتي اللي أبوك كتبه ليا عشان خايف عليا من عميالكم، وأنا كتبته لرايانا، يعني أنتم في ملك رايانا، وهي مش حابة تستقبلكم، يبقى تسحب مراتك الغازية وابنك الخمورجي وتمشي منه .
ختمت حديثها وهي تنظر لهم بقوة وقد كانت في هذه اللحظة حائط صد لهم، ورايانا تنظر لها بصدمة كبيرة، هذه كانت معلومة تجهلها، جدتها كتبت المنزل باسمها هي ؟!
ارتجف صدرها من الفكرة .
أما عن معتز فهز رأسه بصدمة شديدة من الخبر، يهتف قبل الرحيل :
_ أكيد يا أما، حقك طبعًا، بس اعرفي إنك كده بتخالفي شرع ربنا في ....
_ لما تبقى تعرف ربنا يا معتز، ابقى تعالى بجح في وشي وكلمني عن شرعه، يلا غور من وشي .
وكانت هذه الأخيرة وهو يسحب عائلته ويتحرك من المكان، تاركًا البهو فارغ إلا من رايانا التي نظرت في أثره وجدتها التي تحركت لتقترب منها تربت عليها بحنان، ورايانا فقط تنظر حولها بشرود تفكر في القادم، سقط والدها وتركهم للمدفع، وعمها بنظراته الأخيرة لم يكن ينتوي لهم خيرًا البتة .....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت كلمات كارا ما تزال ترن في الفراغ حولهم، والجميع يحدق بها بصدمة وتشنج مما نطقت به، ماذا تقصد بخطفها من زفافها .
ابتلعت نورهان ريقها وهي تهمس لعيسى :
_ هو اخوك عشم البنت في حاجة عشان كده عايزة تهرب معاه ؟!
_ معرفش بس ده يحيى، يعني شوفي ايه الغلط وهو هيعمله .
أما عن يحيى فقد نظرة لكارا برفض لما نطقت به :
_ نعم يا ختي ؟؟ عايزاني اخطفك ؟؟ أنا مش فاهم هو مين مفهمك إني سوابق وممكن اعمل كده ؟!
هزت كارا كتفها وهي تردد بجدية كبيرة :
_ أصل مين ممكن في القرية يعمل كده غيركم ؟!
_ واحنا نعمل كده ليه اصلًا ؟؟ بت أنتِ متخلفة صح ؟؟
زفرت كارا بصوت مرتفع وهي تتجاهله، تنظر خلفه صوب الرجل الذي خمنت أنه ربما يكون العقل المدبر لهم، وقد كان هو من تولى الحديث مع البارو في يومهم الأول، لذا خمنت أنه ربما يساعد :
_ لو ساعدتني هقولك على اللي ممكن يساعدكم في أنكم ترجعوا حقكم .
رفع مسلم حاجبه بسخرية لاذعة :
_ وايه اللي يخلينا نثق فيكِ اساسا، ثم مش دي قريتك، أنتِ مدركة أنك بتساعدينا نخرجكم من بيوتكم ؟؟
ابتسمت كارا بعدم اهتمام لكل ما سيحدث :
_ متشلش همي، ثم دي مش قريتي اساسا ولا بطيق اللي فيها، أنا والدتي من الاقصر اساسا، بس والدي من هنا، وأنا بمجرد ما تخلصوا عليهم هرجع لبلد امي .
همس احمد بسخرية وهو يضم يديه لصدره يراقب الفتاة بحاجب مرفوع :
- ماشاء الله حتى أهل القرية نفسهم محدش طايق المكان، تحس أنهم مجبورين يقعدوا فيها .
ومسلم صمت ثواني قبل أن يتحدث بجدية وهو يوجه لها الحديث :
_ وأنتِ ليه مترفضيش الجواز ببساطة، ليه اساسا مجبورة على الجواز ؟!
تنهدت كارا وهي تمسح وجهها بضيق :
_ العريس أكبر مني بكتير، ومقدرش ارفض عشان بابا .
لكنها فعلت، فروشكا فعلتها، وقفت ليس فقط أمام والدها، بل أمام جبروت عز الدين، والقرية جميعها ورفضت، لماذا لا تستطيع هي فعلها ؟؟ هل لأن فروشكا خاصته مختلفة عن مثيلاتها أم لـ....
مهلًا فروشكا خاصته ؟؟ حقًا ؟؟ متى أصبحت خاصته ؟؟ ومتى أصبحت مقياسًا له لجميع النساء، ابتسم بسمة غير مصدقة على مرأى الجميع الذين تفاجئوا بنظراته المصدومة وهو ينظر ارضًا بأعين متسعة من الأمر.
بينما حاتم يراقبه ويكاد يقسم بالله أن سر هذه التعابير ليس إلا الفتاة نفسها، فروشكا التي أصبح مدمنًا عليها تقريبًا وهذا يخيفه فمسلم يومًا لم يكن شخصًا هوائيًا بهذا الشكل .
ومسلم ذاته لم يكن يفهم ما يحدث، فقط ابتلع ريقه، يحاول جذب أفكاره من تلك النقطة صوب كارا التي وضحت بهدوء :
_ اللي أنتم بتدوروا عليه مش عند البارو، هو مع اخوه، وكمان فيه حاجة تانية محتاجين تعرفوها عن معتز .
نظر لها الجميع بعدم فهم وقد تحدث أحمد قبل الجميع بفضول :
_ مين معتز ده كمان ؟!
_ اخو البارو الصغير وأبو عز الدين .
تحدث مسلم بصوت منخفض وهو يعلم أنه لو ساعدها سيكون لأنه لا يرتضي لها ذلك كما لا يرتضي الأمر ذاته لنورهان .
_ عايزة نساعدك ازاي بالضبط ؟؟
نظر له يحيى بجنون لا يفهم تصرفات شقيقه، يتحرك صوبه وهو يهمس بعدم فهم مشيرًا لكارا :
_ أنت هتساعدها في الجنون ده ؟! هتخطفها من فرحها ؟!
تدخلت كارا بسرعة وهي تتجاهل يحيى :
- أي حاجة المهم الجوازة متكملش .
استدار لها يحيى وهو يهتف بضيق منها ومن سلبيتها تلك :
_ بت ما تروحي تقولي لابوكِ مش هتتجوزي ويضرب دماغه في الحيط .
_ اياكش تكون مفكر كل الناس متربتش زيك ؟؟
وكانت تلك جملة كارا التي أجابت بها يحيى بضيق وهي تتخصر أمامه، بينما الأخير اشتدت نظراته وأحمد همس بضيق :
_ جايب الكلام لخالتي حتى من الغريب اللي ميعرفهاش .
أما عن يحيى فمعلون هو إن صمت عن إساءة كهذه في حقهؤ حتى وإن أقرها الجميع :
_ متربتش احسن ما اعيش حياتي كلها مع واحد قد ابويا، عشان مكسوفة أقوله لا والله مش عايزة اتجوزك.
نظر مسلم صوب شقيقه بضيق من حديثه بهذه الطريقة مع الفتاة، يسحبه للخلف وهو يهمس له :
_ ممكن تتربى شوية يا حبيبي، مش طبيعي حتى الغريب عارف أنك مش متربي، بعدين ترضى أنت على اختك تنجبر على حد هي مش عايزاه لأي سبب ؟!
رفع يحيى عيونه صوب نورهان التي كانت تتابع ما يحدث بحزن وشفقة على كارا، وقد تأثر بنظراتها، ثم عاد لمسلم يتنهد بجدية، ومن ثم قال :
_ وهي اختك دي حد يقدر يجبرها على حاجة ؟! دي هي اللي مطلعة عين خالتك وجوز خالتك، بتمد أيدها في الزبالة تطلع برجالة عشان تتجوزهم .
ونعم كان حديثه الأخير مسموعًا للجميع، حيث انتفض جسد نورهان وهي تنظر له بشر :
_ طب خليك في نفسك لأحسن المرة الجاية مش هخرج رجالة من الزبالة، لا ده أنا هرميهم فيها .
ابتسم لها باستفزاز :
- كنتِ اتشطرتي عليه يا ختي .
نظرت نورهان لمسلم بضيق وشكوى من يحيى :
_ مسلم شوفت ؟؟ أنا والله العظيم زهقت منه ومن قلة أدبه، شوفوا ليكم صرفة معاه، يا تربوه يا تتبروا منه ؟!
تنهد مسلم بصوت مرتفع وهو يستغفر ربه، بينما حاتم يتابع ما يحدث بضيق وقد كره ذكر يحيى لزوج نورهان السابق ولو بشكل عرضي ساخر كل ثانية .
أما عن أحمد فقد ارتفع صوته الغاضب وهو يشير لكليهما بالصمت :
_ ممكن تخرسوا منك ليها، مش هننشر غسيلنا قدام الناس .
كل ذلك وكارا تتابع ما يحدث، لتدرك أن الأمر مع يحيى لم يكن شخصيًا، ولم تكن معاملته لها لأجل ضغينة أو ربما كره موجه لها خاصة، أدركت أن الأمر فقط لأنه لم ينل أي تربية منذ طفولته وهذه كانت مشاكل عائلية لا تحب الخوض بها، لذا ابتسمت تردد :
_ اللي تشوفوه اعملوا أي شيء بس الجواز ميكملش .
فكر مسلم ثواني قبل أن يهز رأسه :
_ أكيد مش هنخطفك لأن ده ممكن يأثر بالسلب على سمعتك خاصة إن الناس هنا مجانين، بس ممكن نشوف طريقة تانية .
نظرت له بفضول فابتسم بسمة صغيرة لها مطمئنة يقنع نفسه أنه فقط يساعدها لوجه الله ليس إلا:
_ خليني افكر واشوف الدنيا وبإذن الله تتيسر .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلسون أمام عزيز والصمت يحفهم من جميع الجوانب، لا أحد تجرأ وتحدث بكلمة، وعزيز فاقد لجميع الاحاسيس تقريبًا منذ ما حدث، صامتًا دون كلمة واحدة .
تحركت له شيما تقترب من فراشه بينما تجلس الجدة على الأريكة أمامه ورايانا تراقب من الباب بهدوء .
_ بارو أنت كويس ؟؟
لكن لا شيء منذ أن أعلن معتز نزعه من منصبه وعد استحقاقه، ونظرات من كان يؤيده قد تحولت لسخرية وهو فاقد للنطق بشكل تام دون أن يحرك حتى اصبع، وكأن شللًا أصابه.
وكل ما يسمعه هو حواره مساء الأمس مع شقيقه وعز الدين بعدما خرب الزفاف، وابصر ابنته تعود من الخارج دون أن تنظر له حتى.....
بعد خروج الجميع من منزله جلس وحده وهو يتأمل المكان أمامه بصمت، حتى وصل لمفترق طرق، وهذه المرة اختار أن يتجاهل الطريق الذي يسلكه كل مرة وقف بنفس المفترق، وخاض الطريق الآخر الذي يوصل لابنته، ولأول مرة يفكر بها .
نهض ببطء يتحرك صوب منزل شقيقه وكلمات كثيرة تتصارع على طرف فمه، وصل ليجد الباب مفتوح والحكيم يحاول إخراج رصاصة عز الدين الذي كانت صرخاته تكاد تحطم الجدران من حولهم .
ابتلع ريقه يقف وهو يستهل حديثه بكلمات بسيطة :
_ خير يا حكيم ؟؟ إن شاء الله مفيش شيء خطير ؟؟
ابتسم الحكيم بعملية شديدة وهو يجيب بينما يخرج الرصاصة :
_ مفيش شيء خطير، هو بس عز باشا مزودها شوية .
رماه عز الدين بغضب وهو يصرخ في وجهه :
- مزودها شوية ؟؟ تعالى اضربك رصاصة في دراعك واجيب مشرط افضل احفر في دراعك عشان أخرجها .
رفع الحكيم حاجبه بسخرية ولم يتحدث أو يخبره أنه خدر ذراعه بالفعل، بينما البارو تنحنح وهو يبحث عن مدخل لحديثه، عز الدين بالفعل أنهى كل شيء مع ابنته منذ دقائق، لكنه هنا لينهيه بشكل لائق وبشكل نهائي .
_ تمام، عز الدين بخصوص اللي حصل انهاردة واللي عملته و...
صمت بسبب اندفاع معتز وهو يصرخ بجنون :
_ اللي حصل انهاردة وليك عين تيجي تتكلم فيه ؟! في وسط بيتك وابني يتصاب ؟؟ لما أنت مش قادر تحمي بيتك هتحمينا ازاي يا ...بارو ؟!
نطق كلمته الأخيرة ساخرًا من شقيقه وقد وجد واخيرًا مدخلًا له لتنصيب مبكر، أما عن عزيز فتعجب كلمات شقيقه يتحدث بعدم فهم :
_ مش فاهم أنت تقصد ايه يا معتز ؟؟ دول أهل القرية إيه يعرفني إن حد فيهم هيعمل كده ؟؟ ايه هفتش اهلنا قبل ما يدخلوا بيت البارو بتاعهم .
ضحك عز الدين ضحكة صاخبة يتحدث بصوت متهدج من الوجع، وهو يحاول التماسك :
_ أهل القرية ؟؟ اياكش تكون فاكر اللي عمل كده هما أهل القرية يا بارو ؟؟
نظر له البارو بعدم فهم ليبصق عز كلماته بغضب شديد وقد أصبح المكان حوله احمر بالكامل :
_ اللي عمل كده يبقى عشيق بنتك اللي اكيد مستحملش اني أسرق منه بنتك يا بارو .
اتسعت عيون عزيز وهو يهدر بصوت غاضب وقد استفز عز الدين كل ذرة هدوء وتعقل برأسه، يدفع تعقله جانبًا بعنف وهو يمسك برقبة عز الدين صارخًا بجنون :
_ أنت اتجننت ؟؟ دي بنتي اللي قاعد تتكلم في شرفها، عشيق ايه يا مخبول أنت اللي بتتكلم عنه ؟؟
اندفع معتز وهو يحاول إخراج ولده من أسفل يد اخيه، وبصعوبة فعل وهو يصرخ في وجه شقيقه :
_ بدل ما تيجي تطلع جنونك على ابني روح لم بنتك اللي رايحة جاية مع حفيد المريدي في القرية، وتلاقيه هو نفسه اللي ضرب ابني في الفرح، اصل مين غيره هيتجرأ يعمل كده ؟!
تنفس عزيز بجنون وهو ينظر لهم برفض لمثل تلك الاتهامات التي يوجهها لابنته، ولم يكد يعارض حتى تحدث عز الدين بتشفي بملامح عمه :
_ ولو مش مصدق نجيب اللي شافهم بعيونه، ولا ايه يا جميلة ؟؟
ختم حديثه وهو ينظر لزوجته التي كانت تقف في الخلف تتابع بكل هدوء وصمت، سعيدة أن زواج عز الدين خرب، قبل أن تحاول أن تخربه هي بنفسها حينما اخبرته برؤيتها لرايانا مع رجل بدا لها حفيد المريدي، وقد أظهرت أنها لم تبصرهم حتى .
تقدمت وهي تتحدث بخجل وصوت منخفض :
- من شوية لما عرفت اللي حصل في كتب الكتاب رجعت بسرعة عشان جوزي، وانا راجعة، شوفتهم مع بعض من وقت قليل كده .
ابتسم عز الدين وهو ينظر بتشفي لوجه عمه الذي شحب يردد بجدية :
_ احمد ربك إن الجوازة مكملتش وإلا كنت غسلت عاري بايدي، روح بقى شوف هتداري فضيحة بنتك ازاي، وأنا اللي كنت فاكر أنها بتبوظ كل مرة الجواز عشان حاجة تانية، طلعت خايفة تتفضح .
اشتعلت عيون البارو وهو يحدق بهم جميعًا برفض قبل أن يفرد هامته :
_ كويس أنها جات منك يا عز لأني كنت جاي أبلغك نفس الشيء بنتي خلاص ملكش أي علاقة بيها، لغاية هنا وحتى تقرب منها مش مسموح، خلاص خلصنا لهنا .
ولم يكد يتحرك خطوة حتى صرف معتز الحكيم حينما انتهى، يتحدث بجدية :
_ تمام ابني قالها كلمة ومش هيقرب من بنتك، في المقابل أنت كمان مبقاش ليك علاقة بالقرية .
استدار لهم ببطء وهو يتحدث بعدم فهم :
- قصدك ايه ؟!
ابتسم عز الدين يفصح عما قرره هو ووالده :
- اللي ميقدرش يحمي عرضه وبيته من حتة عيل، هيحمي قرية ازاي ؟! خلاص يا بارو عصرك انتهى، ومن بكرة القرية دي مش هتكون على اسمك ....
شعر عزيز بيد تضغط على كتفه تفيقه من افكاره، ينظر ببطء لصاحبة اليد ليجد أنها شيما التي ظلت معه بالغرفة بعد رحيل الجميع، تربت على كتفه بهدوء :
- رايانا بعتت للحكيم يجي يطمنا عليك .
أبعد البارو عيونه عنها ببطء وقد شعر أن كامل جسده أصبح ثقيلًا حتى أنه لا يقدر على تحريك إصبعه أو أي عضلة بجسد، لذا استكان للعجز وسلم له .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ مسلم، تعال لهون وشوف شو بصير.
كانت تلك الجملة التي سمعها مسلم في منتصف اليوم بينما كان الجميع يقرر ما سيفعلون في أمر تلك الفتاة كارا، ويحيى يجلس بضيق يرفض كل ما يحدث ...
استقام مسلم يتحرك صوب حاتم وهو يراه يحمل حاسوبه يراقب ما يحدث وقد أوكل له مراجعة تسجيلات منزل البارو لحين إيجاد شيء يدلهم على ما يريدون .
اقترب بعدم فهم :
- فيه ايه ؟؟
لف حاتم الحاسوب ببطء وهو يتحدث بجدية وبصوت مصدوم مما يسمع :
_ عزلو البارو، وصار أخوه هو البارو.
اتسعت عيون مسلم بعدم فهم يجذب الحاسوب له يضعه أمامه على الطاولة بسرعة يراقب ما يحدث يعيد التسجيلات واحدة خلف الثانية، ومن وسط كل ذلك لم يهتم سوى لها وهي تقف عاجزة بين الجميع تراهم يوزعون ما تملك عليهم، ضيق ما بين حاجبيه بنظرة غريبة، يضغط على طرف الطاولة تحت يده وملامحه تزداد شراسة، قبل أن يلين انقباض ملامحه شيئًا فشيء حينما أبصر رايانا تثور بالجميع وتطردهم من المنزل وتواجه عمها وعز الدين بجنون .
يتابع ويلاحظ ما يحدث حتى عم صمت غريب في المنزل وآخر ما ابصره بالبهو هو خروج رايانا بملامح غير مفسرة .
اغلق الحاسوب بغضب شديد يمسح وجهه والجنون يعلو عيونه، والجميع صمت لا يعلمون ما سيحدث .
حتى تحدث أحمد بتخمين :
- يعني ايه !! دلوقتي المفروض ده هيأثر ازاي علينا ؟!
تحدث مسلم وهو ينظر أمامه بشرود :
_ البنت دي كان عندها حق، البارو أضعف من أنه يخفي حاجة، اكيد كل اللي محتاجينه مع عز الدين وأبوه .
تحدث أحمد وهو يجلس يراقب ما يحدث حوله بعدم رضا، يتنهد بصوت شبه مرتفع :
_ مسلم .
رفع مسلم عيونه لأحمد بترقب ليردف الأخير بجدية :
_ أنت بجد هتساعدها ؟؟ احنا كده بنورط نفسنا في حوارات جانبية ملناش دخل فيها، احنا بنغرز يا مسلم .
رمش مسلم وهو يرفض حديث أحمد ضمنيًا، يعلم أنه لا يستطيع أن يشهد ظلم امرأة في يده المساعدة، نظر صوب حاتم الذي أبصر نظرة الشفقة والعجز في عيونه، ليتدخل في الحديث بسرعة يساعد رفيقه .
_ أحمد، إنت سمعت بنفسك، هاي البنت معها إشي رح يساعدنا ويسهّل علينا اللي بندوّر عليه، يعني الموضوع مش تضييع وقت.
ابتسم مسلم وقد وجد حجته في حديث حاتم يهز رأسه بموافقة، يود مساعدة الفتاة يرفض أن تكون نورهان مكانها، تمامًا كما يساعد فروشكا، أو هذا ما يحاول إقناع نفسه به .
فهو في داخله للحظة صنع مقارنة بين الفتاة وبين فروشكا، والمقارنة كانت مخيفة له .
فروشكا لم يفكر وهو يضرب الرجل رصاصة والله وحده يعلم مقدار السيطرة التي فرضها على نفسها كي لا يضعها في صدره، أما هذه الفتاة فأخبرها أنه سيفكر وسيتأني، لماذا لا يجد هذا الهدوء والتفكير حينما يتعلق الأمر بالأولى ؟؟
ربما لأنه....
صمت بسبب سؤال يحيى :
_ طب والمفروض نعمل ايه ؟؟ هنخطفها زي ما قالت ؟! عامة لو عايزين أنا ممكن اخطفها اتاويها في أي حتة لغاية ما الدنيا تهدى .
رفع مسلم عيونه لشقيقه بحنق :
_ مينفعش اساسا سمعتها هتبوظ .
ابتسم أحمد بضيق مما يحدث :
_ حضرتك تقترح ايه يا مسلم باشا ؟!
نظر له مسلم ثواني قبل أن يبتسم بسمة واسعة جعلت الجميع يقلق منها وهو يردد بجدية :
_ تيجي منه هو...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ آسف مسلم .
كانت كلمة نطق بها حاتم بمجرد أن انعزل بنفسه مع صديقه بغرفتهما، ليرفع له مسلم عيونه بعدم فهم من سبب اعتذاره، أما عن حاتم فاقترب منه يضع يده على كتفه ببسمة صغيرة معتذرة، ينظر حوله سريعًا يتأكد أن يحيى لن يخرج لهم من أي ركن في المكان .
_ آسف لماذا حاتم لا افهمك ؟!
_ لتحريضي لك سابقًا على الابتعاد عن الفتاة لأنني ظننت بكل غباء أن ما يحدث مجرد شفقة لأجل ماضيك كما يحدث معك عادة .
هز له مسلم رأسه وهو يمسك ثيابه بين يديه وقد كان على وشك الذهاب لأخذ حمام دافئ، يحدق في وجه حاتم بعدم فهم، لكنه كان يهز رأسه على أي حال .
_ حسنًا هذا جيد....على ما أعتقد.
صمت وهو يتحرك صوب الباب وحاتم مايزال واقفًا يتابعه بصمت، جعل مسلم يتوقف فجأة وهو يستدير له بفضول :
_ بالمناسبة ما سبب تفكيرك بهذا الشكل فجأة هكذا ؟؟
هز حاتم كتفه ببساطة يجيب بصوت هادئ وكأنه اكتشف ما سيريحه :
_ لأنني أدركت اليوم حينما رأيت نظرتك للفتاة التي جاءت تستغيثك، أن ما تفعله لفتاتك لم يكن شفقة مسلم، للاسف الشديد لها .
رمش مسلم لا يفهم ما قيل منذ ثواني هل كان هذا شيئًا جيدًا، هل لاحظ حاتم ذلك أيضًا ؟؟
لكن عقله توقف عند كلمة يهتف بعدم فهم :
_ فتاتي؟؟
_ نعم لا اتذكر اسمها جيدًا، لذا عمدت لذكر شيء يمكنك به معرفة عمن أتحدث ويبدو أنني نجحت فكم فتاة تمتلك أنت ؟؟
_ حاتم هل تمزح ؟! أي فتاة امتلكها ؟؟ هذه الفتاة هي فتاة اساعدها فقط، ربما ليس شفقة لكنني اساعدها لي
الثاني عشر [ عصابة الأفراح]
قبل القراءة رجاء نتفاعل على الفصل بالتصويت أو اللايك على الفيس ورأينا للتشجيع مش أكثر.
صلوا على نبي الرحمة .
قراءة ممتعة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
" جوليان "
كان مجرد اسم نطق به حاتم بأحرف مرتجفة وهو يحدق بالشاشة أمامه، يشعر برعشة قوية مرت بعموده الفقري، هذا ..جوليان !! جوليان يرسل رسالة لهاتف مسلم .
يعلم أن مسلم وبالتالي هو أحياء، يعلم وهذا يعني أن المنظمة كذلك تعلم، تنفس بصعوبة وهو يترك الهاتف بسرعة يمسك كوب ماء بيد مرتجفة يشربه دفعة واحدة تحت أعين مسلم المتسعة بصدمة وقد شعر فجأة أن المكان حوله أصبح فارغًا من أي اكسجين، ابتلع ريقه بصعوبة يبتسم بسمة صغيرة وبصعوبة وهو يسمع صوت نورهان تتساءل بجدية :
_ مين جوليان دي ؟؟
ابتسم لها مسلم بسمة صغيرة مهتزة، وهو يتحرك بسرعة صوب مقعده، يحاول التظاهر بأن لا شيء حدث يتمالك نفسه بصعوبة ونهاية حياته التي سعى لها عشر سنوات تلوح له في الأفق، فهو إن عاد سيُقتل، وليت الأمر يتوقف عليه :
- ده مش دي، ده راجل يا نور، وده كان زميلنا في الشركة في امريكا .
هزت رأسها باقتناع وهي تكمل طعامها بلا اهتمام كبير بما يحدث، لكن يبدو أن أحمد ويحيى لم يشاركوها نفس عدم الاهتمام، فالرعب الذي مر في ثواني على ملامح كلٍ من مسلم وحاتم كان واضحًا، لكن لم يتحدث أحدهم بكلمة وهم يكملون طعامهم.
بينما مسلم شعر فجأة وكأن الطعام تحول لمسامير تنزلق في حلقه، وقد كاد رعبه ينفجر على ملامحه، والمخيف في الأمر، أن رعبه لم يكن على نفسه بقدر ما كان على من يحيطه، من عمل على إبعادهم عن أعين المنظمة لعشر سنوات، لن يأتي الآن ويضيع كل ذلك فجأة ويعرضهم لخطر لن يكون هو أو غيره قادرًا على رده .
والله وحده يعلم كيف مرت هذه الوجبة الطويلة على الجميع وقد شعروا بها دهرً، وبمجرد انتهاء كل شيء استأذن مسلم بهدوء :
_ هدخل اغير والبس حاجة مريحة تكونوا خلصتوا لمّ الاكل وقعدتوا عشان نشوف اللي هنعمله بكرة .
ومن ثم تحرك بسرعة للداخل وحاتم ابتسم بسمة صغيرة وهو يتحرك خلف مسلم :
_ اسمحولي أستأذن شوي، بدي أعمل مكالمة تلفون وبرجع بسرعة.
ومن ثم تحرك بسرعة خلف مسلم تاركًا الجميع _ عدا نورهان _ ينظر في أثره بصدمة كبيرة، وأحمد يتحدث بعدم فهم :
- هو ايه اللي بيحصل ؟!
_ معرفش مرة واحدة حسيت الاتنين اتوتروا كده تحديدًا من وقت موضوع جوليان ده .
كانت كلمات يحيى الذي نظر بتقييم صوب غرفة مسلم وحاتم، بينما عيسى شعر بالخوف على شقيقه :
_ تفتكروا مسلم في مشكلة ومش حابب يقولنا عشان منقلقش ؟؟ ممكن يكون مثلا مستلف من حد فلوس ومتداين ليه ؟!
شهقت نورهان من حديث عيسى وقد بدا كما لو أنها تأخذ حديثه مسلمًا به :
_ يا خبر .
دفعها يحيى بضيق في كتفها :
- يا خبر ايه أنتِ كمان ؟؟ يستلف ايه ويتداين ايه ؟؟ ده أقصى أفكاركم في المصايب ؟؟
_ آمال يعني هيكون عمل ايه اسود من أنه يتداين ؟!
_ قتل مثلًا.
وكانت هذه المرة أحمد هو من تحدثت بشرود وكأنه يفكر فيما يقول، الأمر ربما يكون مبالغًا به، لكن مسلم حينما حمل المسدس كان هادئًا بشكل مرعب وكأنه معتاد على إمساكه والقتل به .
_ ممكن يكون مسلم متورط في حوار هناك وعشان كده نزل بالشكل ده مرة واحدة بدون تمهيد و.....
قاطع يحيى حديث أحمد وهو يلوح بيده في وجهه بسخرية وضيق وهو يدافع عن شقيقه :
- ايه يابا حيلك حيلك، عملت فيلم عربي في دماغك فجأة وماشي فيه وناقصلك بس تجيب الممثلين، مسلم مين ده اللي يقتل ؟؟ أنا اخويا عمره ما يعمل أي حاجة من اللي بتقول عليها دي .
رفع احمد حاجبه بسخرية كبيرة، يردف بجدية :
_ اه وأمي اللي كانت ماسكة المسدس وماشية تضرب بيه خلق الله صحيح ؟!
- دي مشاكلك مع خالتي تفيدة تحلها معاها، إنما أنا اخويا برة كل ده، مسلم عمره ما يوصل بيه الموضوع أنه يقتل، يهدد اه، يتسبب في إصابة زي ما عمل للراجل الحقير ده ماشي، إنما يقتل؟؟ ليه شايفه رد سجون ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ماذا ستفعل ؟!
_ سأقتله، إن فكر في الإقتراب من اسرتي، هل ترى حل آخر؟؟
كانت جملة خرجت منه بصوت لا يشبهه بالمرة، جملة بصوت خافت مظلم وقد اسودت نظرات مسلم في ثواني وشردت عيونه وكأنه يتخيل بأي الطرق سيقطع جسد جوليان لأشلاء .
ظهر جوليان اسرع مما توقع، كان يعلم أن ذلك الحقير لن يكون كما الباقيين، لن يكون من السهل خداعه كالجميع، جوليان كان وغدًا وسخًا ليعلم ألاعيب الاوغاد أمثاله، لذا لعبته لم تنطلي عليه، لكنه لم يدرك أنه سيجده بهذه السرعة، ليس بهذه السرعة وليس الآن بعدما بدأ.... بدأ يشعر أنه يمتلك حياة .
_مسلم ارجوك دعنا نفكر بشكل عقلاني، نحن هنا نحاول البحث عن حل يخرجنا بأقل الخسائر، قتل جوليان ليس حلًا، ثم ما ادرانا أن ذلك جوليان، أو أنه حتى علم مكاننا؟! ربما ...ربما فقط ...شعر بالوحشة فأرسل لك هذه الرسالة لإحياء ذكراك .
تشنجت ملامح مسلم بقوة وهو يضغط على الهاتف وقد كاد يحطمه تحت ضغطته، يبتسم بسخرية شديدة، حاتم لا يعلم جوليان كما يعلمه هو، أو هو من لم يدع له الوقت الكافي ليعلم جوليان .
رفع هاتفه أمام عيونه يفتح الرسالة بهدوء شديد وهو يتأمل اسم جوليان وصورته التي تعلو الهاتف، يبتسم بسمة واسعة ميتة وعيونه تمر على احرفه.
" إلى الصديق الساكن في الجانب الآخر في العالم، لم تخبرني من قبل أن أجواء مصر بهذه الروعة، استمتعت كثيرًا بتجربة الطعام الخاص بكم، ونعم لم تكذب الفطائر هنا تفوق الكرواسون روعة.
مع حبي من مصر .
رفيقك أو بالأحرى رفيقك السابق : جوليان "
ومن ثم صورة صغيرة لجوليان جوار الاهرامات مبتسمًا باتساع، أبعد عيونه عن الرسالة يرفعها في وجه حاتم، الذي بمجرد أن قرأها أطلق سبة نابية قذرة وهو يجذب خصلات شعره .
_ حسنًا على الأقل لم يصل لمكاننا هنا، نحن هنا آمنون صحيح ؟!
تنفس مسلم وهو ينظر حوله، ونعم كان حاتم محق، هذا المكان كان نجدته المؤقتة من مخالب جوليان الذي لن يصمت عن فعلتهما، لذا هو آمن مؤقتًا، فهذا المكان خارج حدود الاختراق والمراقبة، لا شيء يمكن أن يصل جوليان له منه سوى هاتفه، لذا نظر للهاتف ثواني قبل يلقيه في الجدار بقوة ويحطمه لأشلاء تحت أعين حاتم المتسعة بصدمة .
لكن مسلم لم يهتم بالتفكير وهو يتحرك صوب حاسوبه بسرعة كبيرة ليجد الثغرة التي عثر جوليان بها عليه .
وحاتم يراقبه يدرك أن الأوان قد حان لتحرير شياطين مسلم، أو بشكل أدق Muss.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن ضيفة مرحب بها في الواقع، ولم تكن حتى ضيفة مرغوبة خاصة على بابها، كانت سُكينة هي آخر إنسان قد تسمح ساڤا لها بأن تطأ منزلها، لذا دفعت الباب بقوة في وجهها بمجرد أن أدركت وجودها عليه، ولم تكد تصفعه بالكامل في وجهها، حتى اوقفتها سكينة وهي تدفع الباب بقوة تقتحم المنزل مغلقة الباب خلفها بسخرية :
_ مش استقبال ضيوف ده يا ساڤا .
_ وهما فين الضيوف يا سكينة ؟؟
ابتسمت سكينة بسمة واسعة وهي تحرك عيونها في منزل العزيزة ساڤا والذي كان فخمًا رغم صغر حجمه :
_ عندك حق، أنا مش ضيوف، أنا صاحبة بيت، في النهاية البيت ده من خيري ولا ايه ؟؟
ارتسمت بسمة سوداء على وجه ساڤا وقد شعرت بالنيران تندفع لصدرها، تدرك تحديدًا إلى ماذا تلمح سكينة تحديدًا، لكنها فقط أجابت وهي تحتفظ ببسمتها رغم احمرار عيونها لشدة كبتها دموعها الغاضبة :
_ قصدك من هز وسطك يا أبلة سكينة، خيرك دي تقوليها لما تكوني بتشتغلي ممرضة ولا أبلة في مدرسة، مش عالمة في الكازينوهات ولا أنتِ رأيك ؟؟
اتسعت عيون سكينة بقوة وفي ثواني كانت تخرج سكين من حقيبتها وهي تندفع بشكل مفاجئ صوب ساڤا والتي كانت في هذه اللحظة في أشد لحظاتها ضعفًا، ووالله لو طعنتها سكينة في هذه اللحظة ما رفعت إصبعًا واحدًا للدفاع عن نفسها، لذا استسلمت وهي تراقبها ترفع السكين أمام عيونها تصرخ بجنون :
_ أنا سكتلك مرة واتنين يا ساڤا، لكن والله لو حصل ونطقتي في يوم اللي سبق ونطقتي بيه قدام عيلتي انا هـ....
اتسعت بسمة ساڤا بشكل مستفز وقد شعرت بالانتشاء وهي تبصر ارتعاش يد سُكينة، تميل برأسها وهي تراقبها باستفزاز :
_ ايه هو الدجال مش شايف شغله ومعتز اتمرد وخرج من تحت طوعك ولا ايه ؟!
فجأة شعرت ساڤا بوجع مرعب يخترق رقبتها حينما دفعتها سكينة بقوة للجدار تكاد تقطع رقبتها بالسكين الذي يضغط على جلدها أكثر وأكثر وصوت الاخيرة يهتف بنبرة خافتة :
_ لو محطتيش لسانك جوا بؤقك، مش هيكون معتز بس اللي تحت طوعي يا بنت شادن.
اشتد جسد ساڤا كوتد متصلب وهي تنظر لوجه سكينة بكره ومقت شديد تهمس بكره شديد وحقد :
_ شادن دي تبقى ستك يا بنت الـ*** .
ختمت جملتها وهي تبصق بوجه سكينة التي اتسعت عيونها بصدمة من فعلة ساڤا وقبل الرد عليها بكلمة أو حتى ترفع اصبعها، شعرت فجأة بشيء قوي يضرب رأسها من الخلف كما لو أن سقف المنزل سقط أعلى رأسها.
أطلقت صرخة متألمة وهي تبتعد بسرعة عن ساڤا تنتفض برعب مستديرة للخلف وهي تتمسك بمؤخرة رأسها تحاول أن تستوعب حجم الألم والدوار الذي أصابها فجأة.
لتجد أمام عيونها رايانا التي كانت تمسك عصا غليظة تحتفظ بها سافا خلف باب منزلها، وهي تلوح بها في الهواء وقد وصلت قبل دقائق تفتح الباب بمفتاحها لتطمئن على ساڤا قبل العودة للمنزل لتفاجئ بما يحدث، فتحركت بسرعة دون تفكير تمسك العصى وتهبط بها فوق رأس سكينة .
وفجأة ارتفع صوتها وهي تحرك العصى بتهديد واضح والجنون يسكن عيونها وقد كانت على أتم الاستعداد لقتل سكينة في هذه اللحظة دون أن يرف لها جفن :
_ اطلعــــي بــــرة البيـــت ده، وياويـــلك يا سكينة لو لو لمحتك قدام عتبتها تاني، قسمًا بربي احسرك على نفسك وبيتك وابنك وحياتك كلها .
كانت سكينة تتابع كلمات رايانا بصدمة كبيرة وهي تتمسك برأسها تشعر بها وقد بدأت الدماء تسيل بها، لا تصدق أن تلك المجنونة وصل بها الخبل لهذه المرحلة المخيفة، ورايانا فقط تنتظر أن تختفي من أمامها، وحينما طال صمتها وصدمتها تحدثت بصوت ارسل قشعريرة باردة لجسد سكينة :
_ اطلعـــــــي بــــــــرة .
وفي ثواني اختفت سكينة تركض من المكان وهي تتنفس برعب مما حدث، تقسم بالله أنها أبصرت منذ ثواني جنون بعيون رايانا وقد كانت جادة حينما قالت أنها ستقتلها، الفتاة أُصيبت بالجنون .
ورايانا راقبتها حتى رحلت، ومن ثم تحركت صوب الباب تغلقه خلفها بقوة، واستدارت تلقي العصى ارضًا تتحرك بسرعة صوب ساڤا تتحدث بحنان وخوف :
- أنتِ كويسة يا قلبي ؟؟
كانت تتحدث وهي تتحسس رقبة ساڤا التي أصابها جرح بالغ من سكين تلك المعتوهة سكينة، وساڤا تراقبها بأعين دامعة قبل أن تنفجر في بكاء عنيف وتلقي بنفسها بين أحضان رايانا ..
ورايانا لم تفعل سوى أنها استقبلتها بكل حب تربت عليها بحنان شديد وقد كانت في هذه اللحظة وكأنها والدتها وليست رفيقتها التي تصغرها .
تربت على ظهرها بحب شديد وهي تهمس لها بلطف :
_ ما عاش اللي ينزل منك دمعة يا سيڤو، والله ابيتهم متفحمين هي وابنها وعمي .
ضحكت ساڤا بصوت متقطع بين بكائها، تحاول تمالك نفسها، ورايانا فقط تعطيها كامل الوقت لذلك دون الحديث بكلمة إضافية أو الضغط عليها بأي شيء .
تعطيها كامل الوقت لتتماسك، لتعود ساڤا التي تعلمها بعد انهيار قوي ليلة البارحة، وما تزال حتى الآن تجهل تحديدًا سبب ذلك الإنهيار، لكنها ستعلم على أية حال حينما تتمالك ساڤا نفسها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت أيام بعد ما حدث، قضى بها مسلم لياليه كلها فقط يحاول أن يصنع جدار حماية حول هواتف جميع أفراد عائلته، رافضًا أن يكونوا لقمة سائغة أمام جوليان، أيام لم يخرج من غرفته تقريبًا سوى لتناول الطعام، أو للسير ليلًا في هدوء القرية والجميع نيام .
أيام لم يبصرها بها، ولم تغادر هي خياله، أيام كان يجلس بها ليلًا أمام حاسوبه يعمل ظاهرًا أمام عيون حاتم حول جدار الحماية، يعمل بها حارسًا ليليًا لمنزل الفروشكا باطنيًا .
كان يراقب المنزل بأعين حريصة وكأنه يخشى إن غفل ثانية عن مراقبة المنزل أن يقتحم ذلك الحقير المنزل ويصيبها بأذى .
ونعم ربما هذه كانت عادة عنده، الهوس بكل ما بدأه حتى ينهيه بنفسه، ونهاية كل ذلك هو حصوله على ما يريده والرحيل من هذا المكان بالكامل .
زفر بصوت مرتفع وهو يفكر فيما حدث لها، على مدار الأيام السابقة كانت تعتني بوالدها طوال اليوم بشكل مبهر بعد كل ما حدث لها على يده، ومن ثم تختفي باقي اليوم وتعود في المساء للاهتمام بالجميع .
لكن اليوم وفي أثناء نوبة الحراسة الليلة الخاصة به وبينما كل شيء يسير بهدوء وبشكل طبيعي تحرك لخزانته يخرج من ثوبه لتبديله لآخر مريح كي ينام ساعاته القليلة ومن ثم يرى ما يفعل .
لكن فجأة توقفت يده عن العبث في خزانته حينما تناهى لمسامعه صوت خطوات في المنزل، استدار ببطء صوب الحاسوب يتابعه بأعين مدققة، ليبصر جسدها يتحرك في المكان وهي تهبط الدرج بسعادة لم يبصرها عليها منذ أيام، تقريبًا لم يبصرها عليها بالمرة إلا حينما جاءته ذلك اليوم لتشكره على الكرة الثلجية قبل أن يحطمها بكل غباء بسبب كلمات الاحمق حاتم .
وعلى ذكر الاحمق حاتم، رفع عيونه صوب فراشه ليراه يغرق في نومة عميقة، فأعاد بصره صوب الحاسوب يتابعها دون شعور وهو يغرق في تقاصيلها يراها ترتدي فستان واسع وطويل يتحرك حولها وهي تتحرك فيما يشبه الرقصة، وقد كانت تمسك الهاتف بين يديها موصول بسماعة أذن تقيد حركاتها الراقصة لاضطرارها لحمل الهاتف قريبًا منها بسبب السلك الذي يربط السماعة بالهاتف .
تتحرك بنشاط وحيوية وبسمة واسعة ترتسم على وجهها وكأنها للتو ألقت همومها خلف ظهرها .
وحسنًا هنا أدرك مسلم أن هناك في هذا العالم مشهد أجمل وأروع من رؤية تلك المنظمة اللعينة مشتعلة .
سعادة فروشكا .
على الجانب الآخر.
كانت تتحرك صوب المطبخ وقد عاد لها مزاج القراءة والهدوء والصفاء مرة أخرى بعد أيام من الأحداث المشحونة والشد والجذب بينها وبين عمها والذي كان يحاول إجبارها على التخلي عن منزلها .
أيام طويلة قضتها بين العناية بوالدها صباحًا، والعناية بساڤا _ التي ما تزال تلتزم المنزل والصمت _ ظهرًا، والاعتناء بجدتها وتدليلها ليلًا خاصة بعدما اشتد عليها التعب آخر مرة .
والليلة وبعدما كانت غارقة في نومة عميقة استيقظت من منتصفها سعيدة مع شعور قوي بالراحة بعد ذلك الحلم، قررت أن تعيد لياليها رفقة بطل روايتها تاركة بطل أحلامها صاحب الملامح الضبابية في الوقت الحالي .
وضعت سماعة الأذن تسمع الأغنية التي لطالما احبتها، الأغنية الوحيدة التي استمعت لها يومًا تقريبًا، وقد كانت الملجأ الثاني لها والامل الأخير أنها ربما تحيا قصة مشابهة لها، كلماتها كانت تشعرها بالأمل.
وضعت الهاتف أسفل ذراعها وهي تحمل طبق كبير تضع به بعض الطعام والحلوى، وتوقفت يدها فجأة حينما أبصرت بعض الفروشكا جانبًا لتبتسم وهي تشعر أنها تتذوق الكلمة بصوته، لم تعد تستطيع سماع كلمة فروشكا سوى بصوته .
شردت وهي تضع القليل منها تدندن بصوت خافت كلمات الأغنية بتأمل .
ابتسمت حينما سمعت الصوت يتردد في أذنها بهدوء ( هكون لها طبعًا أمير)، وحسنًا هنا سيختلف الواقع قليلًا فلا أمير لها، ولن يكون .
مر مسلم في خاطرها في لحظات، لكنها كانت تعلم أن مسلم هو أبعد ما يكون عن أمير حكايات، مسلم بكل ما فيه يشبه الاشرار أكثر، وهي لم تحب يومًا شرير رواية، بل كانت من الحمقاوات اللواتي يهمن على وجوههن في عشق البطل قبل البطلة نفسها ..
لكن هي تدرك أكثر من الجميع أنه...حسنًا لنكون واقعيين، حياتها هذه لن تلائم أميرًا، أهالي قريتها لن يناسبوا أميرًا، لن يستطع الأمير بكل رقيه ولطفه أن يتعامل مع قومها .
ابتسمت وهي تهمس :
_ يبقى ناخد الشرير .
ومسلم الذي كان يجلس على الجانب الآخر يراقبها لا يسمع ما تردد بشكل جيد بسبب الصوت المنخفض، لكنه لم يهتم يراقبها ببسمة يراها تضع الحلوى التي أحبها وبشدة في الطبق وهذا ذكره بوعدها له اليوم .
ابتسم دون شعور وكأن بسمتها معدية، فجأة وجدها تتمايل بخفة وهي تغني وتدندن مغمضة العيون، ظل ينظر لها دون شعور ثواني قبل أن يغلق فجأة الحاسوب بفزع، ينظر حوله بصدمة لما يفعل .
بدا كما لو أن عاصفة إدراك ضربته بشكل قوي ليدرك في هذه اللحظة أنه يجلس الآن يتلصص على فتاة، مرارة استحكمت حلقه وقد شعر أنه حقير بشكل يفوق حقارة الغجر حينما سلبهم أرضهم.
أبعد الحاسوب عن جسده وهو يلقي جسده على الفراش ينظر للسقف يشرد به، ليرى صورتها ترتسم عليه وهي تبتسم، زفر بغضب شديد وهو يصرخ :
_ دي مبقتش عيشة والله .
اعتدل من مكانه يخرج من الغرفة بسرعة وقد كان حله الوحيد في هذه اللحظة هو أن يهلك جسده بتمارين جسدية حتى ينهار من التعب .
تاركًا حاتم خلفه منتفضًا عن فراشه برعب وهو ينظر حوله بأعين شبه مغلقة .
_ شو اللي صار؟ غارة جوية ولا إيش ؟؟
لكن كل ما قابله كان صمت قاتل بعد خروج مسلم، ليدرك أنها لم تكن غارة جوية، بل كانت أرضية بقيادة مسلم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
"شروق يوم العملية "
كانت جملة رنت في صباح اليوم التالي في منزل المريدي بواسطة يحيى الذي خرج من غرفته يبصر الجميع في الخارج يجلسون في تأهب غريب وكأنهم ينتظرون شيئًا هام .
رفع له مسلم عيونه يبتسم بسمة واسعة له، يشير له :
_ وهو ده عشانا يا يوحا ؟؟ ده عشانك يا قلبي ؟!
_ عشاني ؟؟ ده ليه إن شاء الله ؟!
_ هو ايه اللي ليه ؟؟ احنا رايحين ننقذ مراتك المستقبلية من ضياعها من ايدك .
كاد يحيى يجلس حتى توقف في منتصف الطريق يرفع عيونه صوب مسلم ليجد بسمته واسعة تشق وجهه بالكامل، ليبتسم له بسمة بالمقابل وهو يحرك كتفه بهدوء يرد عليه بكل هدوء :
_ اصيل يا عم العيال، مردودة ليك يوم تحرير الفروشكا يا خويا .
ونعم هذا كان هدف صده يحيى بكل احترافية وهو يجلس يضع قدما فوق الأخرى، يستمتع بتلاعبهم معه، حسنًا هو لا يمانع ولا يهتم بما يفعلونه فحديثهم لن يزيده حنقًا ولا يضره .
_ ها قررتم هتعملوا ايه ؟؟
كان يتحدث وهو يتناول كوب الشاي من أمام نورهان قبل أن تلتقطه الاخيرة، ليعلو الحنق وجه نورهان التي صرخت بضيق :
_ يا أحمد ما تشوف الجدع ده بيرخم عليا على طول هو مفكر نفسه ايه ده ؟؟
وضع يحيى قدم فوق الأخرى مجددًا بعدما كان قد اعتدل من البداية، وهو يرتشف الشاي بمزاج صافي وبرود شديد :
- يحيى المريدي يا قمر .
وقبل اكمال جملته وجد كوب الشاي بالكامل يسقط فوق ثوبه بعدما ارتطمت به يد حاتم أثناء تحركه لتسليم الحاسوب لمسلم .
ابتسم حاتم بصدمة واعتذار مصطنع وهو ينظر ببراءة صوب يحيى :
_ سامحني يا أخوي، ما انتبهت لإيدي.
ارتفع طرف شفاه يحيى بقوة وهو يسمع ضحكة نورهان التي انطلقت ويبصر التشفي الخفي الذي التمع في عيون حاتم، لترتسم بسمة صغيرة على وجهه وهو يرفع بقايا الشاي في الكوب يلقي به على حاتم الذي انتفض قبل أن يهتف :
_ ولا يهمك يا توما إحنا اخوات برضو، متقولش كده .
ختم حديثه وهو ينهض يتحرك لغرفته مرة ثانية يتحدث بصوت مرتفع :
_ هغير لبسي وارجع بسرعة تكونوا شوفتوا هتنيلوا الفرح على دماغ اللي فيه ازاي .
تابعه مسلم بعيون هادئة قبل أن يعود بنظرات متساءلة باردة صوب حاتم الذي هرب من نظرات مسلم وهو يضع الحاسوب أمامه بهدوء، ومسلم ابتسم بسمة صغيرة وهو يهز رأسه لحاتم وكأنه يتوعد بتحقيق طويل لا فرار منه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ايوة واحنا هنا بنعمل ايه ؟!
كانت كلمات ساڤا التي تحدثت بها وهي تراقب منزل محفوظ الذي كان يتزين بالاضواء والزينة لأجل زفاف ابنته الثاني بعد نكبتها الاولى من عز الدين .
استدارت لها رايانا والتي تزينت كما لو أن الزواج يخصها هي، ترتدي ولأول مرة ثوب بلون غير الاحمر والأسود، ثوب من اللون الاخضر الفاتح مع زينة رقيقة وبعض زينة الوجه .
_ بقولك البنت مجبورة على راجل عجوز .
_ ايوة احنا مالنا ؟؟ احنا حتى مش على معرفة بيها .
قلبت رايانا عيونها بضيق وهي تسحب معها يد ساڤا بالاجبار تتحرك بها داخل المنزل الذي كان يعج بالمنظمين والمحتفلين وقد اجتمعت الفتيات في غرفة بعيدة منفصلة يغنين ويباركن للعروس المنكوب .
ورايانا لم تهتم وهي تسحبها من عزلتها صوب المنزل تخترق الجموع التي تحتفل، ويبدو أن لا أحد قد انتبه لوجودهما، فها هما أكثر النساء نبذًا في القرية .
رايانا الشؤم والساحرة، وساڤا الراقصة المنبوذة من النساء والمطلوبة من الرجال .
تحركت بها صوب قاعة النساء تتذكر تحدثها مع كارا منذ يوم حول زواجها لتبكي لها الأخيرة نفورها من هذا الزفاف ورفضها له، وحسنًا هي كانت تتوقع حينما علمت هوية الزوج.
اقتحمت رايانا قاعة الاحتفال ليتوقف الجميع عن الرقص والغناء حينما لمحوها وساڤا بثياب احتفال وبسمات واسعة .
اتسعت عيون كارا بصدمة من وجود رايانا وقد كانت آخر شيء تتوقعه في هذا الزفاف.
لكن رايانا لم تهتم وهي تسحب ساڤا خلفها ببسمة واسعة، بينما ساڤا لم تبذل حتى جهدًا لتخفي حنقها من الجميع .
أطلقت إحدى النساء ضحكة وهي تنظر للفتاتين بسخرية لاذعة تهمس بصوت حانق متعالي :
- والله بنت حلال يا كارا، جايبة لينا رقاصة ليه مش هنعرف نفرحلك ولا ايه ؟!
توقفت اقدام رايانا في منتصف الطريق لكارا، بعدما شعرت بتصلب جسد ساڤا التي رمتها بنظرة تقييمية من أعلى لاسفل، ثم نظرت لعيونها تهمس بجدية تامة :
_ عشان تتعلمي ترقصي لجوزك بدل ما كل يوم يسحبوه من تحت رجل رقاصة شكل .
تلاشت ضحكات المرأة فجأة وشحب وجهها على وقع كلمات ساڤا التي ابتسمت بسمة صغيرة تبتلع مرارة ما تسمع، بينما رايانا جذبت يد ساڤا وهي تردد بهدوء :
_ معلش يا ساڤا أصل هما مفكرين أن أي ست زبالة لازم تكون مختلفة عنهم، ميعرفوش إن هما من أكبرهم لاصغرهم عالم معفنة .
ختمت حديثها وهي تنظر في عيون المرأة طويلة لتبعد الأخيرة عيونها بسرعة مرتعبة من نظرات رايانا والتي تعلم عنها كما الجميع ما يتم تناقله حول أفعالها المخيفة .
أما عن رايانا فقد اقتربت من كارا التي نهضت بمجرد أن ابصرتها تنظر له بأعين دامعة، نفس الأعين التي نظرت بها لها يوم ذهبت تتوسلها الخلاص من عز الدين، لتضعه رايانا شرطًا للزواج بها سابقًا قبل أن تفسد زواجها هي الأخرى
ابتسمت لها رايانا بسمة واسعة وهي تضمها بحب، وهي تربت على ظهرها :
_ لو مش عايزة الجوازة تكمل بس قولي .
ابتسمت كارا بسمة صغيرة وهي تهز رأسها تهمس لها :
_ فيه حوار كده لو مكملش هقولك أكيد.
نظرت لها رايانا بعدم فهم لتبتسم كارا بسمة صغيرة وهي تحرك عيونها صوب ساڤا التي هزت رأسها بتحية صامتة باردة بعض الشيء، قبل أن ترتفع اصوات الموسيقى في المكان بأكمله، وينظر الجميع صوب ساڤا نظرة المترقب .
اتسعت عيون كارا باحراج من زوجة عمها التي نهضت تبعد الجميع عن الساحة لأجل الراقصة التي تظن أنها احضرتها :
_ وسعوا يلا يا بنات، يلا قربي يا ساڤا وشوفي شغلك .
ونعم كان الجملة ومضحكة ومهينة بالقدر الكافي لتركض ساڤا من الزفاف أن تصفع تلك العجوز، لكنها لم تفعل هذا أو ذاك، بل ظلت تناظر المرأة بسخرية.
أما عن كارا تقدمت وهي تهتف بضيق :
_ مرت عمي هي مش جاية هنا تـ....
لكن ساڤا لم تمنحها الفرصة لتكمل حديثها وهي تتحرك صوب الساحة تقول ببسمة واسعة تحرك خصلاتها تحررهم بشكل يعطي لها حرية الرقص كما اعتادت :
_ خلاص يا عروسة، اعتبريها هدية فرحك، وكمان بلاش انيم تيتة زعلانة عشان منالتش شرف أنها تشوفني برقص.
وبالفعل توسطت الساحة وهي تراقب الجميع بأعين لامبالية بأي شيء، تفتتح الرقصة وهي ترفع يديها في الهواء وتميل بنصف جسدها للخلف .
وبمجرد أن بدأت الموسيقى تحركت رايانا بسرعة صوب منتصف الساحة وهي تشارك رفيقتها الرقص تخفف من حدة الأجواء تحاول اظهار الأمر وكأنه شيء ودي مقدم لكارا، وليس شيء تحط به من قيمة ساڤا .
وبالفعل بدأت تتمايل مع ساڤا على إيقاع الموسيقى بكل احترافية، وكأنها عاشت حياتها تمتهن الرقص وليس ساڤا .
وفي الواقع كل ما تعلمته بالرقص كان بإشراف ساڤا نفسها والتي جعلت من رايانا ماهرة بكل ما يخص الرقص .
ساڤا امتهنت الرقص، ورايانا كانت تجد به سلواها في بعض الأحيان .
وكعادة ساڤا بدأت تغني مع ارتفاع صوت الموسيقى، ورايانا تشاركها الغناء والرقص بتناغم شديد والجميع حولهم يراقبون بانتباه شديد، البعض أظهر إعجابه، والأخر باستهانة.
اجتمع الجمال والمهارة في ساڤا، والدلال والرقة في رايانا لينتجوا عرضًا مبهرًا جعل الأعين تتسع من حولهم .
وفي الواقع لم تكن الأعين فقط ما تراقب هذا العرض، بل كانت هناك عدسات أخرى تسجل كل
الثالث عشر [ الجانب المظلم منه ]
صلوا على نبي الرحمة .
نتفاعل على الفصل قبل القراءة رجاء .
ــــــــــــــــــــــــــــــ
تنهدت بعدما انتهت من كل شيء وتحركت لتناول الطعام مع جدتها، لكن بمجرد خروجها من المطبخ تحمل صينية الطعام ابصرته يقف على باب منزلهم من الداخل ؟!
رفعت حاجبها بضيق وتحفز :
_ خير يا عمي منورنا على المسا كده ؟!
لكن عمها لم يتحدث بكلمة واحدة وهو يراقبها بشكل غريب جعلها تضيق ما بين حاجبيها وهي تعتدل في وقفتها تحاول الثبات أمام عيونه المتفحصة، لكن فجأة وقبل أن تصدر منها أي حركة تستفسر بها عن وقوفه بهذا الشكل ومراقبتها وكأنها خطيئة تسير على قدمين، كان عمها يندفع بجنون صوبها يطلق سبة مرتفعة وهو يجذبها من خصلاتها بقوة صارخًا :
_ هو أنتِ فاكرة يا بنت الـ*** عشان ابوكِ بقى عاجز انك تدوري في الافراح ترقصي مع الغوازي ؟؟ ايه ملكيش حاكم ؟!
وقبل أن تستفسر رايانا عن مقصده، كانت صفعات عمها تتوالى على وجنتها وهي تصرخ بجنون تحاول الإفلات منه وصوتها يصدح باكيًا :
_ أبعد عني أنت اتجننت، أنت ملكش حكم عليا اساسا .
لكن عمها لم يتوقف عما يفعل وهو يجذبها من شعرها بجنون يصرخ وقد وجد واخيرًا فرصة يخرج بها كامل حنقه منها وحقده عليها وعلى والدته التي تخلت لها عن كل ما تمتلك .
كان غضبه وضيقه يحركانه لتحطيم عظامها واحدة تلو الأخرى، وهي تصرخ تحاول الإفلات منه، ولم ينجدها من يده سوى شيما التي فزعت على صرختها وخرجت من غرفة عزيز تطلق صرخات متتالية تحاول أبعادها عن يده :
_ أبعد عنها الله ياخدك يا شيخ، روح اتشطر على مراتك وابنك بدل ما تتشطر عليها .
كانت تصرخ وهي تدفعه بعيدًا عنها تصرخ بأحدهم أن ينجد الفتاة من بين يديه، وصرخاتها كانت ترج الجدران حولهم، لكن ما من مجيب .
عزيز بالداخل يحاول التحرك ولا يستطيع تحريك إصبع واحد، ووالدته تتحرك بصعوبة عن فراشها وهي تصرخ بعجز تتمسك بالعكاز :
_ ربنا ياخدك يا معتز يا ابني، ربنا ياخدك، غضبي عليك ليوم الدين يا معتز، غضبي عليك يا بني روح ربنا يردلك أفعالك الضعف يا معتز .
كانت تتحدث وهي تحاول التحرك صوبه بسرعة لتنقذ رايانا من بين يديه، لكن في طريقها خانتها قدمها وارتخت أسفلها فجأة لتسقط سقطًا مدويًا في الأرض وقد كانت السقطة هي ما أوقف معتز عن قتل رايانا، يتركها خالية من الروح ساقطة ارضًا وقد حطم كامل جسدها، للمرة التي لا تدري عددها يستبيح أحدهم حرمتها ويعطي لنفسه حق ضربها دون أن يكون له حق فعلي .
سقطت دموعها بقوة وهي تشعر بجسدها بالكامل يصرخ بالوجع وعيونها مثبتة بالسقف تحاول التحرك لكنها فشلت، ورأسها يدور، تحاول النهوض لتساعد جدتها، لكن كان آخر ما سمعته هو صوت عمها يصرخ باسم جدتها ومن ثم الظلام.....
تحرك معتز بسرعة وصدمة صوب والدته، يراقبها بعجز يمد يدها ليساعدها في النهوض لكن والدته صرخت في وجهه بجنون :
- إياك تنجسني بايدك، روح اغتسل من ذنوبك الأول يا معتز، امشي من وشي وإياك المحك أنا اتبريت منك ومن معرفتك، البيت ده مبقاش ليك فيه حد، لا اخ ولا أم ولا غيره، إنسانا وعيش مع عيلتك ومتخلنيش اشوف وشك تاني، روح ربنا لا يوريك راحة في حياتك على اللي عملته فينا .
اهتز معتز في مكانه وهو يراقب والدته بصدمة يحاول التحدث بصوت مرتجف :
- هي ...فيه فيديو ليها ...هي اللي كانت بترقـ...
_ اطلع من البيت يا معتز اطلع من البيت مش عايزة المح وشك لا أنت ولا حد من بيتك، وبكرة هاخد عزاك .
اتسعت عيون معتز بصدمة من نظراتها، وتراجع للخلف قبل أن يندفع للخارج بسرعة وكان آخر ما نظر إليه هو جسد رايانا الساقط في بركة من الوجع.
وشيما تجلس في المنتصف ويلها الجدة وويلها رايانا تبكي وتصرخ أن يساعدهم أحدهم، والجدة تراقب جسد رايانا الساكن برعب تهمس بنبرة مرتجفة :
_ رايانا يا بنيتي ؟! رايانا؟؟ رايـــــــانـــــــــا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحرك من أمام الحاسوب حينما أبصر بكاميرات المراقبة ما يحدث حتى توقف جسدها عن المقاومة وكأن روحها غادرتها.
أبصر الموت مجددًا، بل يكاد يقسم أنه اشتم رائحته، لقد ابصره لكن هذه المرة في عيون لم يكن ليتمنى أن يبصره بها .
تحرك وهو يهرول صوب باب المنزل، لولا يد أحمد الذي اوقفه برعب لما يمكن أن يحدث له، وفكرة تدخل مسلم بين عائلة لأجل فتاة كانت مخيفة، مرفوضة، الفكرة بحد ذاتها كانت غريبة .
_ رايح فين يا مسلم أنت اتجننت ؟!
شعر مسلم بجسده يدخل بمراحل تجمد وقد توقفت أطرافه عن العمل بشكل غريب، ولم يكد يتحدث كلمة واحدة يقاوم بها أحمد، حتى سمع صرخة قضت على بقايا وعيه وتعقله .
انتفض جسده على صرخة صدرت من الحاسوب خلفه، صرخة تردد صداها في المكان وتوقف الحديث من بعدها، أحمد الذي كان يحاول منعه من الذهاب مع يحيى، لا يفهمون ما يحدث .
وحاتم يتابع ما يحدث بأعين متسعة وقد ارتجف صدره لما رأى، أما عن نورهان فقد كانت تبكي بخوف وهي تتوسل أحمد:
- يا أحمد سيبه خليه يروح يلحق البنت لتموت في أيد الراجل ده .
نظر لها أحمد بعجز، هو ليس نذلًا، لكن ذهاب مسلم ليدافع عنها سيفتح عليهم نيرانًا، أولهم عن كيفية معرفته بما حدث، وثانيًا عما يربطه بالفتاة ؟؟
مسح وجهه بكف مرتجف يحاول التفكير في شيء يساعد به قبل أن ينظر بجدية صوب عيسى يتحدث بنبرة حادة :
_ عيسى خد نورهان وروحوا شوفوا البنت وقولهم أنك بس كنت بتوصل نورهان ليها عشان تطمن عليها بعد ما ساعدتها في القرية، شوف أي حجة تدخلك للبنت وطمنا.
نظر عيسى صوب نورهان التي نهضت بسرعة تجذب ذراعه وهي تردد باكية بنبرة مرتجفة :
- تعالى معايا يا عيسى البنت ...
صمتت وهي تنظر صوب مسلم الذي كان كما لو أنه نُحت من جرانيت لا يتحرك ولا يظهر أي شيء على وجهه، فقط صامت بشكل مريب .
حتى أنه لم يشعر بخروج نورهان مع عيسى، فقط ظل واقفًا بشكل مخيف يراقب الجميع دون كلمة وأحمد يحاول التحدث بنبرة حادة :
_ أنت من النهاردة ملكش أي علاقة بمراقبة البنت دي أنت سامع، حاتم اللي هيتابع مراقبة البيت ده، يا توقف كل ده يا مسلم مش هتضيع نفسك عشان ناس متعرفهمش .
رفع مسلم عيونه صوب أحمد وهو لا يبصره ولا يسمعه حتى، كل ما يراه صفعات معتز لرايانا وصوت صرخاتها وهي تحاول الإفلات منه، حتى سكن جسدها، ولم يبصر ما بعد ذلك، ولم يدري ما حدث، لكن صرخة أحدهم باسمها " رايانا"، اسمها رايانا .
جعله يرتجف ويتجمد وقد شعر فجأة أن الهواء فرغ من حوله .
نظر صوب أحمد والجميع قبل أن يتحرك بهدوء وحركات ميتة صوب غرفته دون كلمة واحدة، ويحيى يتابعه بخوف يتحدث بنبرة مرتجفة وخائفة:
_ مسلم ... أنت....متزعلش نفسك من أحمد والله نورهان هـ...
لكن مسلم لم يكن يستمع له، بل تحرك بهدوء شديد صوب الغرفة يغلقها خلفه، ثم تحرك لركنها يجلس به دون كلمة واحدة وقد سحبته ظلمه لأعماقها بلا عودة .
وفي الخارج شحب وجه حاتم يركض بسرعة خلف مسلم صوب الغرفة يحاول أن يلحق به، لكن كان مسلم قد أغلق جميع الأبواب في وجهه، ليرتجف حاتم وهو يصرخ يطرق الباب بجنون :
_ لا ....لا ...مسلم بالله عليك لا تفعل، ليس مجددًا، مسلم لا تفعل هذا بنفسك، لا تدمر كل ما بنيته مسلم أتوسل إليك.
كان يصرخ بشكل هيستري جعل يحيى يشعر بالريبة وهو يقترب من حاتم يتحدث بصوت مرتاب مرتجف وقد شعر أنه سينهار في أي ثانية من نظرات حاتم المرتعبة:
- حاتم فيه ايه ؟! هو مسلم ماله ؟! اخويا فيه حاجة ؟؟
نظر لهم يحيى وقد امتلئت عيونه بالدموع ينفجر فجأة في بكاء وهو يصرخ بعجز يحاول تحطيم الباب قبل أن يخسر مسلم مجددًا :
_ مسلم ....مسلم بيعاني من ذهان وانفصال عن الواقع، وهاد بوادر نوبة جديدة .........
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتفضت عن فراشها حينما وجدت أحدهم يرسل لها رسالة، وفي العادة كانت تتجاهل الرسائل من أرقام غريبة فهي بالتأكيد من بعض الرجال الذين يحاولون العبث بحياتها .
لكن أن تصل لها رسالة من شخصٍ لا تعلم له هوية يثني على اخر عرض لها ويرفق فيديو مصور لها مع رايانا وهما ترقصان في زفاف كارا، هو ما جعلها تنتفض وهي تجيب على الرجل بضيق
" الفيديو ده معاك ازاي اساسا ؟؟"
دقيقة .
دقيقتان
ثلاثة .
ولا رد من ذلك الرجل لتشعر بالغضب الشديد وهي تسبه بعنف شديد، من هذه الحقيرة التي صورتهما بهذا الشكل، هي لا تهتم لنفسها فهي معتادة، لكن رايانا؟ تدرك أن عائلتها لن تمرر ...
صمتت فجأة حينما وصلت بأفكارها لتلك النقطة، رايانا؟
أمسكت هاتفها بسرعة وهي تتصل بها، لكن رنين ثم الآخر ثم الآخر ولا رد، شعرت بالرعب وهي تحاول أن تهدأ، ربما هي مشغولة بقراءة الرواية أو ربما مع والدها أو جدتها، أو ربما نائمة...
مئات الاحتمالات لتفلت به من افكارها السوداء حول أذية أحدهم لها، ثم والدها حسب ما علمته مريض لا يحرك إصبعًا، لذا لن يستطيع أن يمسها بسوء صحيح؟!
وأثناء افكارها كانت تخرج رقم شيما بصعوبة والتي لم تتصل بها يومًا، لكن لكل شيء مرة اولى، وهي لم تكن سعيدة أن المرة الأولى في موقف كهذا .
انتظرت الرد ولم تتلقاه من المرة الأولى، بل بعد ثلاث مرات سمعت صوت شيما التي أجابت عليها بنبرة مرتعشة وصوت بدا باكيًا، حاولت أن تهدأ وهي تقول بصوت منخفض :
- الو يا شيما، أنا ساڤا، رايانا عندك ؟؟ بكلمها مش بترد .
لكن كل ما وصل لها في هذه اللحظة هو صوت بكاء شيما أكثر وهي تبكي بعجز وصوت صراخ الجدة في الخلفية تصبح باسم رايانا:
- ساڤا هاتي أي حكيم وتعالي بسرعة الله يكرمك، رايانا مش بتنطق .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت كلمات نطق بها حاتم قبل أن ينهار يحيى وهو يركض يطرق باب غرفة مسلم برعب يهتف بصوت مرتجف لا يفهم نصف الكلام الذي نطقه حاتم، لكن كل ما فهمه أن شقيقه الآن يضيع من بين أيديهم:
_ مسلم يا حبيبي افتح الله يكرمك، تعالى أنا هروح معاك وملكش دعوة باحمد هنروح نشوفها و نرجع على طول يلا افتح، هتصل بنورهان دلوقتي يا مسلم تطمنك .
كان أحمد يتابع ما يحدث متجمدًا وعيونه متسعة بصدمة وقد امتلئت دموعًا، قبل أن يركض بسرعة خارج المنزل يتحرك بسرعة كبيرة صوب الساحة الخلفية يبحث عن نافذة الغرفة الخاصة بمسلم وحاتم، ومن ثم دفع النافذة بسرعة يحشر جسده بها، يدخل للغرفة المظلمة يبحث بعيونه عن مسلم، حتى أبصر جسده في ركن الغرفة ساكنًا بشكل مرعب .
_ مسلم ؟؟
ومسلم حرك رأسه بهدوء شديد صوب أحمد يراقبه بأعين ضبابية وكأنه ليس في هذه الحياة، اقترب منه أحمد بتوتر ولا يعلم كثيرًا عن هذا المرض الذي تحدث عنه حاتم، لا يعلم سوى أنه اضطراب نفسي قد يتسبب في هلوسات وانعزال عن المحيط وانفصام ربما، ابتلع ريقه يجلس ارضًا على بُعد صغير من مسلم يبتسم له بحنان يحاول الحديث ليجذب انتباه الأخير:
_ مسلم أنت...زعلان مني عشان منعتك تروح ؟! اقسم بالله ما عملت كده غير عشان خايف عليك، أنت اخويا يا مسلم ومش هرضى حد يأذيك واللي بتعمله ده ممكن يأذيك، الناس دي هتأذيك لو اتدخلت في حياتهم بالشكل ده ومحدش هيقدر يقول ليهم ليه .
كان مسلم ينظر له بشكل غريب وكأنه لا يبصره، فقط صامت بشكل غريب يراقب المحيط بجمود يسمع أصوات أخرى أشد حدة من صوته، يبصر خيالات حوله، وهذه الحالة تسببت في إصابة أحمد بالرعب .
نظر مسلم لأحمد الذي كان يراقبه بعدم فهم، يشعر بالعجز لينهض بسرعة يفتح الباب لحاتم وهو يهمس بنبرة مهتزة مرتعبة :
- حاتم اتصرف، ده....ده مش بيرد و... كأنه مش شايفني.
وحاتم لم يهتم وهو يدفعه جانبًا بعنف ويدخل الغرفة ينظر لمسلم الذي كان يجلس ارضًا شاردًا بشكل مريب، يجلس أمامه وهو يهمس بصوت منخفض :
_ مسلم ؟؟
ومسلم فقط نظر له بهدوء وحركة آلية كما فعل مع أحمد، بينما يحيى يراقب شقيقه بأعين متسعة باكية، لا يصدق ما يحدث أمامه، كيف ومتى ولماذا .
همس حاتم بصوت منخفض :
_ أنت بخير حسنًا ؟؟
ومسلم لم يتحدث بكلمة واحدة فقط ظل ينظر له، اقترب منه حاتم بهدوء يهمس له بكلمات لم تصل للباقيين، قبل أن يساعده لينهض عن الأرضية ويحركه صوب الفراش ويتحرك بسرعة صوب خزانته يخرج منها شيئًا سريعًا وهو ينظر صوب يحيى يهمس له برجاء :
_ مايه اذا سمحت .
ركض يحيى بسرعة يحضر اول قارورة مياه تقع يده عليها ويعود لحاتم الذي ساعد مسلم لتناول بعض الحبوب، ومن ثم أخذ يربت عليه، وفي ثواني اغمض مسلم عيونه باستكانة مخيفة ولم يتحرك، رفع حاتم عيونه للجميع يتحدث بهدوء :
_ خلّينا نطلع ونتركه يرتاح لحاله.
عاند يحيى ورفض ولم يكد يجادل حتى جذبه أحمد بالقوة للخارج ومعهم حاتم والذي بمجرد أن أغلق الباب حتى سحب يحيى يده من أحمد بعنف يلكمه دون تفكير صارخًا :
_ إياك تلمسني تاني أنت فاهم، وملكش دعوة باخويا يعمل اللي عايزه وأنت ملكش فيه، أنت مش ولـــــــي امرنــــــا يا أحمد، مش ولي امرنــــــا سامـــع ؟؟
كان أحمد مجمدًا من كلمات يحيى ولم يستطع الرد عليه فقط راقبه بصدمة كبيرة، بينما يحيى أبعد عيونه عنه يهتف بغضب لحاتم :
_ أنت دلوقتي هتنطق وتقول يعني ايه اللي حصل جوا ده ؟؟ اخويا ماله ؟؟ ده كان بيبصلي كأنه.....مش شايفني، ويعني ايه مصاب بالذهان؟؟ ايه اللي حصل لاخويا ؟؟
بلل حاتم شفتيه وهو يحاول الحديث، يبتلع ريقه بهدوء يحاول شرح الأمر ببساطة لهم فجزء من ماضي مسلم بدأ يعلن عن نفسه بالفعل :
_ مسلم مصاب بالذُّهان، وكان متعالج منه من قبل، لكن أحيانًا بتيجيه نوبات خفيفة، مش حادّة، خصوصًا لما يمرّ بموقف بضغط عليه وبيحفّز عقله ينفصل عن الواقع. زي اللي صار قبل شوي؛ مسلم تأثّر باللي صار مع البنت لدرجة إنه لما انمنع يساعدها، انفصل عن الواقع للحظة.
صمت يتابع ردات الفعل على عيون الإثنين وقد شعر يحيى أنه سينهار وهو يتخيل ما قد يوصل شقيقه لهذه المرحلة، ما الذي حدث أو ابصره ليصل لهذه اللحظة ؟!
تنهد حاتم وهو يهتف بجدية :
_ مسلم ما بينتكس… بس بنهار لحظيًّا لما يصطدم عقله بوجع ما بقدر يصلّحه.
كان أحمد صامتًا بشكل غريب وهو يفكر أن الأمر أشد مما ظن، وحاتم مايزال يكمل حديثه :
_ لما يصحى مش رح يتذكّر إشي، فلو سمحتوا لا تذكّروه بحالته، خلّوها كأنها ما صارت.
_ وأنت... أنت...هو اخد دلوقتي منوم ؟؟
نفى حاتم ما قيل يوضح لهم الأمر ببساطة وقد رأى أن ذلك حقهم فبعد كل ما تعرض له مسلم ابسط الامور أن يعلم من يحيط به كيف ينتبهون له :
_ لا، بس مجرد أدوية بيلتزم بيها، بس عشان ما تتأزم حالته .
أنهار يحيى على الأريكة وهو يضع يده على رأسه وهو يكتم دموعه بصعوبة، يحاول التنفس بشكل طبيعي، وأحمد راقبهم دون كلمة وهو يندفع للخارج لولا كلمات حاتم :
_ لوين يا أحمد ؟؟
توقف أحمد قليلًا قبل أن يردد بصوت منخفض :
_ لو كانت البنت دي مهمة لمسلم لدرجة يحصل فيه كده بسببها، فأنا لازم أتأكد أنها بخير، هروح وأشوف نورهان وعيسى وصلوا لفين .
ومن ثم تحرك لأجل السبب الذي ذكره ولأجل الهرب من الذنب الذي التف حول رقبته يحاول التنفس بشكل طبيعي، يا الله يقسم أنه لم يفعل كل ذلك عن قصد، هو فقط كان يحمي أخيه منهم ومن شرهم ..
أما عن حاتم فقد القى بجسده على الأريكة جوار يحيى يربت على الأخير بهدوء، يحاول أن يعينه ويتذكر ما مر به مسلم ليصل لهذه الحالة، كم الصدمات التي مر والتي يقشعر جسده لتخيلها، مصير كاد يواجهه هو كذلك لولا مسلم ...
ذلك اليوم حينما سُحب مسلم من السجن بسبب قتله أحد الرجال، وضع في غرفة كان الجميع يسميها غرفة الهلاك، هناك حيث تلقى مسلم أشد أنواع الإذلال والعذاب التي قد يمر بها إنسان يومًا، وقد أوشك هو أن يتعرض للمثل لولا أن أنقذه مسلم يومها، والله وحده يعلم ما كانت ستصل حالته له .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصلت مع عيسى أمام المنزل وهي تراقبه بتوتر وجوارها عيسى كان فقط يمسك يدها ويجذبها بهدوء صوب المنزل، ولولا حالة الفتاة وحالة مسلم الذي تعلم أنه يهتم لها لما فكرت بالمجئ للمكان بالمرة .
طرق عيسى الباب ليجد الباب قد فُتح دون ضربة إضافية، والسبب أنه ومنذ خروج معتز لم يغلق أحدهم المنزل، وفي العادة كانت ابواب البارو مفتوحة طوال الوقت عدا وقت النوم .
نظر عيسى لنورهان بتردد ولم يكد يتحدث بكلمة حتى فزع الإثنان على صوت صرخات امرأة في الداخل وبكاء عنيف لتقتحم نورهان المنزل بسرعة تبصر رايانا ممدة ارضًا فاقدة للوعي وامرأة كبيرة في العمر مع أخرى في منتصف العمر يبكون جوارها بعجز .
اتسعت عيونها ودون تعريف عن نفسها أو تفكير نظرت لعيسى وهي تهتف بسرعة :
_ عيسى تعالى ساعدني ناخدها أي مستشفى بسرعة.
وعيسى الذي تألم من مظهر رايانا هرول بسرعة يميل حاملًا إياها وكان على وشك الخروج بها خلف نورهان التي لا تعلم حتى مكان مشفى أو كيف تسير الأمور، لكنها لم تكن تحسن التفكير في مثل هذه الحالة .
وشيما التي لا تصدق أن أحدهم يساعدهم هتفت بصوت مرتجف :
_ تعالى الله يكرمك دخلها الاوضة دي، الحكيم في الطريق .
نظرت لها نورهان بعدم فهم لكنها أشارت لعيسى أن يفعل ما تريد وبالفعل تحرك عيسى معهم صوب أول غرفة ضيوف فتحتها لهم شيما ووضع رايانا الفاقدة للوعي على الفراش .
نورهان شرعت تدفئها وهي تنظر لشيما الباكية :
- فيه هنا اسعافات أولية ؟! قطن وشاش ؟؟
هزت شيما رأسها بنعم تتحرك بسرعة لتحضر ما طلبت المرأة التي لم تكلف نفسها عناء سؤالها عن هويتها، بينما الجدة كانت تتحرك بصعوبة للغرفة، ليتحرك لها عيسى بسرعة يمسك بيدها يعينها، ويجلسها لتبتسم له بحنان وهي تربت على كفه تبصر في وجهه شبهًا لذاك الشاب الذي ابصرته ذلك اليوم .
ابتسمت له بسمة مقهورة متعبة وهي تهمس له :
- عشت يا ولدي .
ابتسم لها عيسى باحترام، بينما عادت شيما بسرعة بما تريد نورهان التي أخذت تطبق كل ما تعلمته في دورات الاسعافات الاولية والتي كانت قديمًا أحد شروط توظيفها في الشركة السياحية التي تخلت عنها لأجل زوجها العزيز .
أبعدت مرارة غبائها عن رأسها وهي تندمج فيما تفعل.
في اللحظة التي اقتحمت بها ساڤا المكان وهي تجذب خلفها رجل تصرخ باسم شيما، وقد كادت تنهار من رعبها :
_ شيما ...شيما .
خرجت شيما من الغرفة وهي ترحب بها بلهفة، ولم تكد تتساءل عن الحكيم حتى أبصرت ساڤا تجذب الرجل بعنف شديد داخل الغرفة وقد بدا أن الرجل سُحب من فراشه بملابس نومه وهيئة رثة .
دفعته ساڤا صوب الفراش لتبتعد نورهان بسرعة تأخذ جوار عيسى وهي تراقب وتسمع حديث ساڤا :
- شوف شغلك بسرعة، خليها تصحى دلوقتي .
نظر لها الطبيب بضيق شديد وهو يحاول أن يتمالك نفسه ولا ينفجر بساڤا فقط لأنه يحترم كونها امرأة، وايضًا لأنها جارته التي لم تقصر يومًا في مساعدته وزوجته :
_ أنتِ جايبة طبيب مش ساحر يا ساڤا .
رفعت ساڤا حاجبها وهي تردد بصوت مرتفع :
_ تحب تشوف مين الساحر بعد ما أخفيك عن وش الأرض لو معملتش اللي قولت عليه ؟؟
زفر الطبيب بصوت مرتفع وهو يردد بضيق :
- والله أنا استاهل اني لسه قاعد في المكان اللي كل سكانه مجانين دول .
أما عن ساڤا تابعته وهو يساعد رايانا، ويفحصها حتى مر تقريبًا نصف ساعة والجميع يتابع بهدوء بعدما طمئنهم الطبيب أنه يعالج إصابتها .
نظرت ساڤا صوب شيما التي كانت تراقب رايانا باكية بقلة حيلة :
_ مين اللي عمل كده يا شيما ؟! عز الدين ؟!
نظرت لها شيما تنفي برأسها باكية :
_ لا ده اللي ينشك في أيده عمها، الله ياخده هو واللي زيه، ده يا حبة عيني كان بـ...
وساڤا لم تمنحها الفرصة لتتحدث بكلمة إضافية وهي تتحرك بسرعة خارج المنزل دون كلمة واحدة ووجهتها أمام عيونها معروفة، لقد كتب معتز نهايته هو والدجالة التي تزوج بها .
أما عن شيما شعرت أن كارثة على وشك الحدوث وأنها نطقت بما لا يجب أن تنطق به، لذا نظرت حولها بعجز وكادت تلحق بساڤا لمنع الكارثة الوشيكة، لكن فجأة توقفت حينما سمعت صوت ارتطام قوي في غرفة عزيز، لتستدير للخلف تنظر صوب نورهان تردد باستنجاد :
_ بالله عليكِ الحقيها قبل ما تعمل مصيبة يا بنتي .
ومن ثم خرجت تاركة نورهان تنظر لاثرها بجهل، لا تفهم ما يحدث لكنها كل ثانية تجد نفسها تقتحم جزء من هذا الأمر دون إرادتها، لكن رغم كل ذلك تحركت بسرعة خلف ساڤا، وعيسى يلاحقها بنظراته يتساءل هل يتبعها، أم ماذا يفعل، لكنه في النهاية استقر على اللحاق بأخته ليتأكد أنها بخير .
أما عن ساڤا فتحركت صوب المطبخ دون أن تبصر شيء أمامها، ومن ثم هرولت للخارج، وهي تتوعد لمعتز بالويل، تركض دون أن ترى أمامها شيئًا حتى شعرت بأن دمائها تكاد تنفجر من رأسها، تركض صوب منزل معتز وهي تقسم بقتله لما فعله .
في اللحظة التي خرجت نورهان من المنزل بسرعة تحاول إيقافها وهي تتنفس بصعوبة، لتبصر فجأة جسد احمد الذي كان يقترب بحذر يحاول التخفي كي لا يبصره أحدهم ويتهمه بشيء، فقط يتأكد أن كل شيء بخير ويأخذ أخته وعيسى ويرحل ليطمئن مسلم .
لكن فجأة ارتفع صوت نورهان وهي تصرخ من بين أنفاسها اللاهثة بمجرد أن أبصرت شقيقها :
_ أحمد الحقها، البنت هتقتل الراجل .
وأحمد تجمد في وقفته بصدمة وهو لا يفهم ما تقصد شقيقته حتى أبصر خصلات نارية تتحرك من أمامه كالمدفعية صوب المنزل المجاور، ولم يكد يستفهم حول ما يحدث حتى أبصر فجأة نصل سكين يلتمع بين قبضتها، ليطلق صرخة مرتعبة وهو يهرول خلفها بجنون :
- يا بنت المجانين.
ومن ثم ركض دون تفكير، يبصرها تقف على عتبة منزل معتز وهي تصرخ بصوت مرتفع :
_ معتز يا عرة الـ ....
لكن باقي كلماتها لم تجد لها متنفس بعيدًا عن كف أحمد الذي كبت صرخاتها وهو يجذبها بسرعة بعيدًا عن المكان وهي تصرخ في كفه تقاوم ذلك الذي تجرأ واحبط انتقامها من معتز وزوجته .
حاولت المقاومة وهي تتحرك بغضب بين ذراعيه تبعد يده عن فمها وهي تصرخ بجنون :
_ أنت اتجنيت، أبعد عن وشي احسن اقسم بالله لكون غزاك أنت.
اتسعت عيون أحمد بصدمة:
- غزاني ؟؟
وفجأة وجدها بتحرك السكين صوبه، ليبعدها بسرعة عنه حتى أنها سقطت ارضًا بقوة تشعر بالصدمة من ردة فعله، هل ظن أنها ستطعنه فعلًا .
أما عنه نظر لها بجنون وهو ينظر حوله للمكان شبه الفارغ يهتف بصوت حانق :
_ أنتِ عقلك ده ماله ؟؟ مش واعية بتعملي ايه ؟؟ رايحة تهددي واحد في بيته بسكينة يا مجنونة، دي فيها سنة حبس على الأقل .
صمت وهو يرفع عيونه صوب المنزل ثم عاد لها يتحدث بجدية، يرفع إصبعه في وجهها محذرًا وكأنه يتعامل مع فتاة صغيرة :
_ سنة سجن، سمعتي ؟؟ يعني الموضوع مش هزار وعبط وخلاص، المفروض تكون عاقلة ومسؤولة أكثر من الطيش ده و ..
قاطعته ساڤا وهي تهز رأسها بجدية شديدة تفكر في الأمر:
_ سنة سجن عشان اقتله ؟! طب والله يا بلاش، ولو قتلت مراته وابنه معاه نفس السنة ولا هتزيد ؟؟
اتسعت عيون أحمد بصدمة من تفكيرها، يصرخ بعدم فهم :
- سنة سجن ايه اللي تدخليها في قتل يا مجنونة أنتِ ؟؟ السنة دي بس عشان التهديد، القتل ده اعدام أو مؤبد .
انكمشت ملامح ساڤا بضيق وكأن أملها قد خاب في الأمر، ربما كان رجاء منها أن تقضي سنة واحدة بعد قتل معتز وعائلته، ربما سيتفهم القاضي دوافعها ويشفق عليها .
_ طيب ولو قتلت التلاتة نفس العقوبة برضو ؟؟ أكيد يعني مش هتعدم تلات مرات .
وضع أحمد يده على وجهه وهو ينظر لها بصدمة من افكارها وبساطة حديثه، قديمًا قرأ مقالة حول أن أصحاب الشعر الأحمر يتميزون بالاشتعال والغضب السريع، وقد ضحك وقتها، لكن لم تذكر أي مقالة أنهم اغبياء كذلك .
_ أنتِ متخلفة اقسم بالله .
وقد كانت جملة نطق بها وهو يرمقها بضيق، لتتسع عيونها بصدمة من سبته وقد شعرت بالخزي من نظرته لها، تنهض وهي تنفض ثيابها تقف أمامه بغضب شديد :
_ أنت اللي متخلف وستين متخلف، أنت مالك بيا اساسا ؟؟ ايه علاقتك بيا ولا بتدخل ليه في اللي بعمله ؟!
- أنا محامي ومن واجبي أبلغك بس عواقب أفعالك .
ابتسمت بسخرية وهي تنظر له بحنق :
_ محامي ؟؟ أنت اخرك مدرس جغرافيا بشكلك وتصرفاتك دي .
_ وماله مدرس الجغرافيا، على الأقل راجل عنده علم وفاهم، مش جاهل زي البعض .
اقتربت منه ساڤا بالسكين وهي تتحدث بتحفز شديد :
- قصدك ايه أنت ؟!
- بتهدديني؟؟ العقوبة هتزيد كده لأني وقتها هتأكد أنك تاخدي اكتر من سنة عشان حوار التهديد ده .
_ لو بجد استمريت في تصرفاتك دي مش هتقدر تترافع بنفسك وأنت جثة ومش هيكون وقتها سنة واحدة .
ارتفع حاجبه بتحدي، ثم ابتسم لها باستفزاز شديد :
_ جربي حظك .
عضت أسنانها ولم تكد تصرخ في وجهه حتى أبصرت الطبيب يخرج من المنزل، لتدفع أحمد جانبًا وهي تصرخ بصوت مفزع :
- أنت ...استنى هنا رايح فين ؟!
راقبها أحمد وهو يمسح وجهه بحنق شديد يستغفر ربه :
- ربنا يعين عقلك عليكِ، ويعين اللي حواليكِ عليكِ وعلى عق
الرابع عشر [ ربما غيرة ]
غيرة أم مجرد مشاعر غير مفهومة الهوية لا يهم، المهم أنها خفقة قلب شاذة عن ضرباتي المعتادة .
صلوا على نبي الرحمة .
تفاعل على الفصل رجاء .
ــــــــــــــــــــــــــــ
صمت الجميع وتحركت جميع الأعين صوب كارا التي ألقت كلماتها وصمتت وكأنها تنتظر أن تنل صداها من الجميع وقد نالت ونصف حينما حرك الجميع عيونهم بين بعضهم البعض بصدمة كبيرة، وقد كانت كلمة القتل كلمة ثقيلة في نفوسهم، يقرأون عنها في الأخبار فقط، لكن في حياتهم البسيطة الهادئة سابقًا، لم يصلوا من المصائب لمرحلة القتل، هذا في حال استثنينا مشاهد حمل مسلم للسلاح وإطلاق النيران على اثنين منذ خطا للمكان هذا ..
وحين القول أنهم لم يصطدموا يومًا بمثل هذه الأفعال، لم يكن الحديث يشمل كلٌ من مسلم وحاتم الذي اعتدل في جلسته يردد بهدوء مرعب :
_ قتل ؟؟؟
وهذه كانت أول ردة فعل بعد حديث كارا، لتشرح لهم الأخيرة ما تعلم عن الأمر:
_ سمعتهم بيتكلموا في يوم عن الموضوع ده، البارو متورط في جريمة قتل وخيوطها كلها بين ايد معتز وابنه والمحامي، يعني لو عايزين توصلوا لأرضكم لازم توصلوا للمحامي ده لأن اللي فهمته أنه طول ما هو موجود مش هتوصلوا لحاجة، وإلا كان جدكم وصل قبل كده .
نظر الجميع لبعضهم البعض وقد بدا أن كل شيء يصبح أكبر وأكبر، الأمر لم يعد مقتصرًا على البارو أو أهالي القرية الاغبياء، ولم يعد الأمر مجرد ورقة يحصلون عليها .
_ طب وتعرفي ايه اللي مخلي المحامي ده يعملهم كل ده؟ ماسكين عليه ذلة هو كمان ولا ايه ؟!
وكانت هذه كلمات أحمد الذي بدأ عقله يعمل سريعًا، لتجيبه بالنفي :
_ معرفش والله، بس معتقدش أنهم ماسكين عليه ذلة، اللي زي ده بتشتريه بمصلحة مش بتهديد .
ونعم كان حديثها مقنعًا للغاية، ويحيى يتابع كل ذلك بهدوء وشيء واحد لفت انتباهه من حديثها :
_ أنتِ بتقولي سمعتيهم، سمعتيهم ازاي ؟! وعرفتي ده كله منين بالظبط مش فاهم؟ أنتِ بتشتغلي عندهم ولا ايه ؟!
رفعت حاجبها بعدم فهم :
_ بشتغل عندهم ؟! لا أكيد.
- امال عرفتي منين كل ده ؟؟ ضربتي الودع ؟؟
أجابت ببساطة شديدة وهي تهز كتفها وكأنه لا شيء :
_ لا عادي عرفته عشان كنت عايشة معاهم طبيعي طول فترة جوازي .
تشنجت ملامح يحيى بقوة وهو يهمس بعدم فهم بعدما انتفض جسده جزئيًا :
_ جوازك ؟!
_ ايوة عز الدين طليقي .
أطلق يحيى ضحكة غير مصدقة وهو يسمع ما يقال للمرة الأولى على مسامعه وقد شعر أن القصة التي كان يسردها في عقله منذ ثواني، فسدت :
_ نعم ياختي ؟؟
تعجبت كارا من حديثه ترمش بعدم فهم وهي تنظر حولها :
_ ايه ؟؟ قولت حاجة غلط ولا ايه ؟! بقولك إن عز الدين طليقي وعشان كده اعرف عنهم حاجات كتير .
ابتسم مسلم دون شعور على شقيقه وهو يرى صدمته وقد أدرك أن يحيى معجب بالفتاة، ولقد تلقى لتوه ضربة لن يتعافى منها قريبًا، نفس الضربة التي تلقاها حينما علم أن فروشكا كانت متزوجة والآن أرملة.
منح يحيى كارا نظرة جانبية حادة وقد كان يشعر بالغيظ، يحاول التنفس وهي لا تفهم ما يحدث :
- فيه ايه ؟!
_ كل خير إن شاء الله يا ضنايا، والحلوة بقى اتطلقت ليه بيشخر وهو نايم ؟!
_ وأنت مالك ؟؟
اتسعت عيون يحيى بصدمة من كلماتها، وأحمد أطلق ضحكة مرتفعة عليه :
_ لازم يعني تسمع ليك كلمتين ؟؟ ليه تتحشر في اللي ملكش فيه !؟
_ يا شيخة والله ربنا نجده، مش هو حيوان وزبالة ؟! بس ربنا نجده أنه طلقك، اكيد مكانش طايق يقعد معاكِ في مكان واحد أنتِ وبوزك .
انتفض جسد كارا وهي ترفع إصبعها في وجهه لا تصدق مقدار الوقاحة التي أوصلته للتدخل في حياتها وهي لم تقابله سوى مرات معدودة فقط :
_ ما تحترم نفسك يا جدع أنت، أنت مالك نازل تطيح فيا من الصبح كده ليه ؟؟ بعدين أنا اللي أجبرته يطلقني اساسا عشان مش طايقة العيشة معاه .
نهض يحيى يقف أمامها يصرخ بغضب وقهر من خيبة أمل في قصة الاعجاب التي استمرت يوم ونص، كان يأمل لبداية قوية لقصة ملحمية كالتي يقرأ عنها، لكن ربما كُتب عليه عيش قصته بدور ثانوي :
_ أنتِ برضو اللي مش طايقة العيشة معاه يا بجحة ؟؟
_ اهو أنت اللي بجح وستين بجح، بعدين أنت دخلك ايه يطيقني ولا لا ؟؟ ده زحف ورايا عشان بس أقبل اتجوزه .
رفع يحيى يديه في الهواء وهو يصرخ ببسمة غير مصدقة، وغيظ وكأنه يصطاد لها أي كلمة انتقامًا على تخريب قصته، ونعم هو لم يحبها لكنها ...أعجبته وظن أنه ربما ينال قصته الخاصة معها .
_ كمان ؟؟ كمان كسحتي الراجل ؟؟ يا شيخة أنت ايه بجد ؟!
واتسعت عيون كارا من كلماته وهي تندفع صوبها تصرخ بعدم فهم لذلك الرجل :
_ أنت يا بني مالك كده ؟! مجنون أنت ولا ايه ؟!
كانت تتحرك صوبه وقد كانت على وشك نشب كل أظافرها في وجهه لولا نورهان التي امسكتها بسرعة تربت عليها بمراضاة :
- معلش والله ما يقصد، والله لو تعرفيه هتعرفي أنه يحيى مش الراجل اللي تضيعي مستقبلك عشانه .
_ ده ليه إن شاء الله مستقبلها فيه ايه اهم مني ؟؟
رفعت كارا حاجبها بسخرية لاذعة، لكنها لم تتحدث بكلمة تحاول تجاهل نظرات يحيى الذي ما يزال يرمقها بحنق وكأنها فعلت له شيء خاطئ .
ومسلم فقط يستمع، وكل أفكاره تتحرك نحو الوصول لذلك المحامي الذي إن وصل له ربما قد يصل لما ينهي كل ذلك ويحرره من قيد هذه القرية ومن جميع من بها .
ربما إن تمكن من اختراق هاتف عز الدين أو والده أو البارو ربما يستطيع الوصول لذلك المحامي، ربما، لكن كيف ....
_ فروشكا .
كانت كلمة نطق بها حاتم بصوت منخفض وكأنه يقرأ افكار مسلم، استدار له مسلم بعدم فهم ليتحدث حاتم بجدية :
_ الشخص الوحيد اللي ممكن يساعدنا بهالموضوع هو فروشكا، يمكن تقدر توصل لهالزلمة… بالنهاية هي بنت البارو.
تشنجت ملامح مسلم برفض لما يقال يرفض الإطاحة بها في هذا الأمر أو حتى الاقتراب منها بالقدر الذي يسمح له بطلب هكذا طلب :
_ خرجها من الموضوع ده يا حاتم، هي ملهاش علاقة بيه ومش هندخلها فيه، كفاية اوي كده .
_طيب برأيك مين غيرها ممكن يساعدنا؟؟ بدك تقتحم بيته للمرة الثالثة وبلا أي فايدة؟؟
رفع له مسلم حاجبه ولم يكد يتحدث بكلمة حتى سمع صوت يحيى يشتد في الصراخ وقد علم أن الجنون الخاص بشقيقه قد خرج عن تحكمه .
_ يا بنتي هو حد كلمك، مش فاهم ايه رمي الجتت ده ؟؟
هزت كارا رأسها وقد شعرت بالتعب من التحدث مع هذا الشاب والذي للأسف الشديد رغم كل أفعاله هذه إلا أنها انجذبت له، والغبيى ما تزال تراه مبهرًا حتى بتصرفاته الحمقاء هذه، ربما بسبب شخصيته المختلفة عن جميع الرجال حولها، لكن كل ذلك لم يشفع له أمام عيونها في هذه اللحظة، وهي تتنفس بضيق .
_ ربنا يهديك أنا همشي قبل ما اعمل حاجة نندم كلنا عليها .
ابتسم لها يحيى بسمة صغيرة جعلتها تنظر له بعدم فهم وهو ردد ببساطة شديدة يلوح بيده :
- طيب يا ستي طريق السلامة.
رمشت بعدم فهم ولم تكن تفهم هل يسخر منها أم يتحدث بجدية مثلًا .
وعيسى تحدث وهو يحاول انقاذ مستقبل شقيقه الاحمق الذي لا يستطيع التعامل بشكل صحيح مع النساء رغم كل الروايات التي يقرأها طوال الوقت :
- مش قصده، معلش هو يحيى كده، بكرة تعرفي أنه لما بيستريح مع حد بيقل بيه .
ابتسم له يحيى وهو يجذب عيسى من رقبته من الخلف صوب أحضانه يضمه جانبيًا من كتفه متحدثًا من أسفل أسنانه بضيق :
_ اه طبعًا وانت بذات معزتك كبيرة عندي يا عسعوسي .
تنفس عيسى بضيق وهو يحاول الإفلات من يده يصرخ بضيق شديد :
- أوعى يا عم، وبطل الدلع المقرف ده، يا مسلم .
نطق الكلمة الأخيرة وهو يستنجد بمسلم، ليتحرك الأخير صوبهم يحاول أن يفك بينهم، وقد اشتعل القتال بينهم، وكارا تتابع بصدمة ما يحدث لا تصدق تصرفات يحيى أمامها، ذلك الرجل ...غريب ومريب .
_ لا عادي ده يحيى بيعبر عن حبه لعيسى، بكرة تتعودي .
وكان ذلك صوت نورهان التي تقف جوارها تراقب ما يحدث بملل، هزت كارا رأسها وهي ترفع يديها باستسلام تتحدث بضيق وهي تتحرك للخارج :
_ ربنا يعينكم، انا قولت اللي عندي واتصرفوا في الباقي .
ومن ثم رحلت تاركة خلفها حرب طاحنة بين عيسى ويحيى وقد بدأ الشجار يزداد حدة أكثر وأكثر حتى ارتفعت الأصوات في المكان .
تنفس مسلم بقوة وهو يفرك وجهه يحاول أن يتخلص من صداع رأسه وصداع إخوته، لكن فجأة شعر باقتراب حاتم له وهو يهمس بصوت منخفض :
_ مسلم أخدت ادويتك ؟؟
رفع مسلم عيونه له بعدم فهم، فهو تجاوز هذه النقطة منذ فترة طويلة ربما شهور طويلة منذ آخر نوبة له، حتى ادويته كان يأخذها على فترات متباعدة بعدما قلل جرعته :
_ مش فاهم ؟!
_ ادويتك مسلم، شو اللي مو فاهمه ؟؟
_ أدوية ايه يا حاتم ؟! انا مقلل جرعة ولا ناسي ؟!
ولم يكد حاتم يجيبه بكلمة حتى تدخل أحمد وهو يردد بجدية بعدما نجح أخيرًا في فض الشباك بصعوبة :
_ أنا ازاي نسيت الموضوع ده ؟؟
نظر الجميع صوبه بعدم فهم ليهتف أحمد بجدية كبيرة :
- استاذ علاء المحامي بتاع جدك فرج الله يرحمه، اكيد فيه معاه حاجة تساعدنا، اللي اعرفه إن جدي فرج كان معاه ورق مهم جدا، ليه منسألوش ؟!
انتبه له مسلم بجدية :
- معاك رقمه ؟؟
نفى أحمد يردد بجدية كبيرة :
_ بس جدي حليم اعتقد معاه، هكلمه .
وبالفعل اخرج الهاتف وهو يتحرك خارج المكان يتصل بجدهم تاركًا الجميع وقد شعروا بانتعاشة أمل بعد الاخبار الجديدة التي وصلوا لها .
ربما تكون هذه بداية جيدة لهم .
نظر الجميع لبعضهم البعض، ومسلم جلس بهدوء وهو يتنهد بتعب شديد يحاول تصفية ذهنه وكل ما يدور في عقله أنه يحتاج أن يعتزل بنفسه بعيدًا عن الجميع كي يفكر بشكل جيد، فهو منذ الصباح يشعر بتشوش شديد .
لذا نهض وهو يتحدث بصوت خافت :
- هروح اشتري حاجة من الماركت اللي هنا لغاية ما أحمد يوصل للماحمي وهرجع بسرعة .
رفع عيسى عيونه يراقب مسلم الذي هرول من المكان يردد بعدم فهم :
_ تجيب ايه مش فاهم ؟؟
_ هشتري سجاير....
ومن ثم اختفى من أمام الجميع، ولم يلمحه أحدهم لتتحرك الأعين صوب حاتم بسرعة وكأنه يحمل اسرار مسلم، فرفع الأخير عيونه لهم يردد بعدم فهم .
_ والله العظيم إني مش أمّ مسلم، أنا بس رفيقه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنظر لانعكاس صورتها بالمرآة وما تزال تشعر أنها تحلم، نعم تحلم فما حدث ليلة أمس لا يمكن أن يُصنف سوى مجرد حلم..مخيف .
مسلم كان هنا في غرفتها يتصرف بشكل ...غريب، ينظر لها بشكل مخيف، ويتحدث بشكل لا يشبهه، كانت ما تزال في صدمة اقتحام شاب لغرفتها ليلة أمس.
أغمضت عيونها بقوة وهي تقنع نفسها أن كل ذلك كان حلم، كله كان حلمًا، لكن انعكاس لفافات الحلوى في المرآة كانت كما لو أنها تسخر منها وتخرج لسانها لها .
تحركت خارج الغرفة بسرعة وهي تبحث عن شيء تشغل به عقلها عن كل تلك الأفكار، علها تتعثر في شيء يفيقها من كل هذا .
_ نزلتي ليه يا رايانا ؟؟ استريحي لغاية ما تبقي كويسة، يلا اطلعي وهجيب ليكِ أكلك .
تنهدت رايانا بتعب شديد وهي تحاول أن تعدل خصلات شعرها، لكن يدها التي كانت مربوطة لجسدها حالت لما دون ذلك .
- تعبت من النوم يا شيما قولت انزل اطمن على جدتي واشوفها عاملة ايه .
_ جدتك أخدت الدوا من شوية واستريحت، روحي أنتِ كمان استريحي شوية .
زفرت رايانا وهي تنفي برأسها، تنظر لباب غرفة والدها بنظرات جانبية قبل أن تتحدث بجدية :
_ طيب انا هخرج هروح لساڤا لأني حاسة بملل ولو فضلت في اوضتي ثانية هتخنق واموت.
نظرت لها شيما بتردد وقد خافت أن يمسها عمها بسوء إن ابصرها وقد نجت بصعوبة من أسفل يديه البارحة، لكنها رغم ذلك ابتسمت لها بسمة صغيرة :
_ طب خدي بالك من نفسك وابعدي عن بيت عمك .
مرت لمعة خطيرة بعيون رايانا تبتسم بسمة صغيرة وهو تومأ برأسها، كأن شيما ذكرتها للتو أن هناك ثأر لها مع عمها، نظرت ليدها بتردد، تتحرك خارج المنزل بهدوء :
_ متقلقيش مش هتأخر، ساعتين كده وراجعة.
ومن ثم اختفت بسرعة تتحرك صوب الجزء الخلفي لمنزلها، تنظر بعيون ملتمعة صوب شيء لطالما كان محرمًا عليها، شيء لم تكن تجرأ لتقترب منه مخافة أن تخدشه فيغضب والدها، لكن والدها الآن لا يمكنه استخدامه بعد الآن، إذن لتستخدمه هي في شيء نافع .
نظرت للمفاتيح بيدها ببسمة واسعة وقد التقطتها البارحة حينما كان والدها بالمرحاض، تتحرك صوب السيارة الخاصة بوالدها تراقبها باهتمام وبسمة واسعة قبل أن تصعد لها .
إن سألتها هل تستطيع القيادة؟! ستخبرك نعم.
بيد واحدة ؟؟ لا، وهذا المطلوب .
وضعت المفتاح بمكانه بالسيارة وهي تراقب المرآة، ثم رفعت عيونها تحركها لخارج المنزل تحديدًا منزل عمها ..
وفي ثواني وبدون تفكير تحركت بها بسرعة مرعبة من مكانها، وقد كان التحكم بها بيد واحدة صعب، لكنها لم تتوقف، في الثانية التي خرجت بها شيما برعب بسبب صوت الضوضاء .
اتسعت عيونها وهي تبصر ما يحدث أمامها تحاول الصراخ من الرعب، لكنها تجمدت ارضًا وهي تبصر ما جعل عيونها تتسع بصدمة، رايانا تحطم باب منزل عمها بالسيارة وتندفع بها للمنزل نفسه .
أما عند معتز كان محطم الجسد على فراشه لا يعي بما يحدث حوله وعز الدين يراقبه بصدمة، لا يصدق ما حدث، في الصباح سمع أحد الرجال يناديه ليلتقط والده الذي كان محطم الجسد في أحد الأزقة الجانبية بالقرية دون أن يسأل عنه أحدهم وكأنه خرقة بالية .
وسكينة تقف جوار ولدها تتابع زوجها بصدمة كبيرة، تحاول أن تتماسك وتفهم ما يحدث، لكن فجأة انتفضت الأجساد على صوت تحطم قوي.
هرول عز الدين بسرعة صوب الباب وهو يحاول فهم ما يحدث، لكن لم يكد يستوعب شيء حتى وجد سيارة تحطم البوابة الرئيسية لمنزلهم وتتجه بسرعة كبيرة صوب البوابة الداخلية، أطلق صرخة هلعة وهو يبتعد عن الباب .
في اللحظة التي اصطدمت بها رايانا بالسيارة بالباب تحطمه بالكامل، وقد كانت قيادتها صعبة بيد وهذا تسبب في أضرار أخرى جانبية .
تراجعت بالسيارة وهي تطل برأسها تنظر لعز الدين الذي كان ما يزال يحدق بالباب بصدمة كبيرة :
_ ابقى وصل سلامي لعمي وقوله المرة دي جات في الباب الجاية هتكون فيك أنت وهو، وأقسم بالله ما هعديها ليكم تاني أنت وهو .
ومن ثم تراجعت بالسيارة الخاصة بوالدها بسرعة تتحرك بها داخل المنزل تتركها هناك، ومن ثم رحلت بهدوء صوب وجهتها وقد كانت من التعقل الذي يجعلها لا تتحرك بها داخل القرية بهذه الحالة .
كل ذلك وعز الدين يشعر أنه يحلم، رايانا كل يوم يزداد شرها وقد تسبب مرض والدها في زيادة عجرفتها بعدما اطمئنت أن لا رقيب لها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تركت السيارة جانبًا وهي تكمل طريقها على الأقدام تحسبًا لأي حادثة قد تحدث بسبب إصابة يدها، تتحرك بين طرقات القرية بملامح وجه مشوهه ويد محطمة بالكامل .
وفي طريقها لمنزل ساڤا، توقفت أقدامها وهي تسمع صوتًا مصدوم خلفها يهتف بصوت خافت :
_ رايانا ؟؟ ايه اللي حصلك ؟!
توقفت اقدام رايانا وهي تستدير ببطء صوب الصوت لتجد محمد يقف أمامه بصدمة كبيرة وهو يراقب جسدها ووجهها يتحرك صوبها بلهفة ورعب :
- رايانا، مالك ؟! مين عمل فيكِ كده ؟؟ ازاي ....ازاي ...دراعك مكسور ؟؟
نظرت رايانا سريعًا لذراعها وهي تبتسم بسمة صغيرة ترفض أن تبصر شفقة في عيون أحدهم، وخاصة محمد، الوحيد الذي يقدرها في هذا المكان تقريبًا .
_ أنا بس وقعت وقعة جامدة شوية متقلقش مفيش حاجة .
ومحمد اتسعت عيونه بقوة لا يدري كيف وصلت لهذه المرحلة من الجروح يشفق عليها وجعها :
_ مفيش حاجة ؟؟ بتهزري؟ تعالي معايا أنا كنت في طريقي للعيادة، تعالي اشوف دراعك ده بدل ما يكون التواء خطير .
ابتسمت له بتقدير على ذوقه ولطفه تود الهروب لمنزل ساڤا :
_ صدقني مش مستاهلة الدكتور امبارح جه و...
_ رايانا .
وطريقة نطقه لاسمها جعل دون إرادتها تتذكر همسة أخرى بنبرة رخيمة حنونة، همسة لا تقارن بكلمة محمد البريئة، ابتلعت ريقها وقد ارتجف جسده من الذكرى ولا تدري خوفًا أو تأثرًا بما أبصرت من حنان الأمس.
استفاقت على صوت محمد وهو يهمس لها برجاء وقلق :
_ لو سمحتي خليني اطمن عليكِ، العيادة على أول الشارع مش هأخرك صدقيني .
نظرت له بتردد فابتسم لها بسمة التمعت بعيونه السوداء وهو يهز رأسه لها بخفة :
_ خديني على قد عقلي معلش .
ابتسمت له دون شعور تهز كتفها وهي تتحرك معه بهدوء تكره أن تحزنه وهو كان من اللطف ليعرض مساعدته كطبيب :
_ والله تلاقيك زهقان مش لاقي حاجة تعملها فقولت تاخدني تتسلى بجروحي شوية .
ضحك محمد بقوة وهو يتحرك معها صوب العيادة، ينظر لها بطرف عيونه بجدية :
_ ما عاش اللي يتسلى بجروحك يا رايانا .
صمتت رايانا ولم تتحدث بكلمة وهي تتبعه صوب العيادة، لا تفهم ما يفعل محمد وسببه، لكنها تشعر ...بشعور غريب، ولا تستطيع تصنيف إن كان هذا الشعور يعجبها أو يخيفها، هي لا تستطيع تحديد كامل مشاعرها منذ ليلة أمس.
وعلى بُعد صغير كان يقف هو يتابع المشهد الرومانسي الذي نشأ بين الاثنين ببسمة جانبية ساخرة، يضم ذراعيه لصدره، وقد كان لتوه في طريقه صوب البحيرة، ليصطدم بهذا المشهد الشاعري في منتصف الساحة، وحسنًا هو لا يدري السبب لكنه لا يحب أن يتجاوز إعجابه بشخصية الفتاة حدود المنطق لدرجة أن يغضبه مشهد كهذا .
تنفس بعنف وهو يتجاهل ما يحدث، في الأساس هو خرج فقط ليصفي ذهنه، لا ينقصه فروشكا وكل ما تفعله بعقله، هذه الفتاة أصبحت تسبب له إزعاج لا يطاق ويقسم بالله أن أول سبب سيهرب منه من هذا المكان سيكون هي، فقط ليعود لطبيعته بعيدًا عنها .
تنهد وهو يستدير ليرحل بهدوء صوب البحيرة التي قرر أن تكون مسكنه، لكنه وجد نفسه يستدير ويتبعهم صوب المكان الذي لا يعرف له من هوية حتى الآن ولا يهتم، لكنه فقط كان ...فضوليًا ليعلم ما يريد هذا الشاب منها، ربما كان يضمر لها سوءًا من يعلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
تنفس بصوت مرتفع وقد حاول سحب أكثر قدر من الهواء أصدره كي يهدأ، لكن الصوت جواره جعله يحبس أنفاسه حتى كاد يختنق وهو يسمع :
_ ممكن افهم ايه اللي بيحصل هنا ؟؟
فتح حاتم عيونه بقوة وقد زفر أنفاسه وكأنه كان يختنق، ينظر صوب جسد نورهان التي اخفت ضوء الشمس خلفها، ولا تفهمونه بشكل خاطئ فهذا لم يكن لأنها تقف بزاوية تؤثر على وصول الشمس له، بل يبدو أن الشمس توارت خلف بهائها، ونعم كانت هذه جملة جيدة كان يمكن أن يستخدمها في محاولة إثارة اعجاب صديقة له بالاعدادية، وليس امرأة تزوجت وسمعت من الغزل ما يفوق قدرته المحدودة السخيفة .
لكن ماذا يفعل وهو يتجمد أمامها غير مصدقًا حتى الآن أنها حقيقة وليست مجرد وجه مبتسم محبوس في إطار صورة قديمة .
_ شو ما فهمت عليكِ ؟!
_ لا أنت فاهم وكويس اوي كمان، أنت ويحيى وأحمد عارفين حاجة ومخبيين علينا، بخصوص مسلم، ازاي يصحى مش فاكر ايه اللي حصل ؟؟ ده كأن ذاكرته اتمسحت؟؟ هو ماله، اخويا ماله يا حاتم ؟!
_ شو؟ مين ؟!
_ هو ايه اللي مين ؟! بقولك مسلم ماله يا حاتم ؟!
_أولًا وقبل كل إشي، يمكن يفيدنا إحنا الثنين إنّه نحط شوية ألقاب قبل ما ننادي الأسماء… هيك بكون الموضوع أسهل إلنا إحنا الاثنين.
اتسعت عيون نورهان من كلماته وقد شعرت بالإحراج من وقاحته، وحاتم كان يمكن أن يتآكل ندمًا على ما نطق به منذ ثواني، لكنه لا يعلم ما يفعل وهي تستمر في نطق اسمه بهذه الطريقة التي تشتته، وهو ليس احمقًا ليذوب من مجرد نطق اسمه كما الأفلام الغبية، للأمر أبعاد أخرى سيحب الاحتفاظ بها لنفسه .
_ أنا لما بناديك حاتم بيكون لأن ده اسمك وفي النهاية أنت اصغر مني يعني مكنتش اعتقد إن الألقاب هتفرق بالشكل ده، بس تمام، ممكن تقولي يا استــــاذ حاتم اخويا ماله ؟؟
ونعم هذا اغضبه وبشدة، تذكيره أنها تكبره ولو حتى بمجرد أيام يشعره بكم هي بعيدة عن رؤيته كرجل يصلح ليكون رفيقًا لحياتها يومًا ما .
_ شو ماله مسلم؟! منيح الزلمة وما فيو شي .
تشنجت ملامح نورهان بقوة وهي تقترب دون انتباه مرددة بسخرية :
- منيح ؟ والله أنت اللي مش منيح ودماغك مش منيحة، أنت مفكرني عبيط .
- العفو آنسة، بس مو شايف إشي يخليكِ تحسي بالقلق على مسلم، ما شاء الله متل الحصان بيرمح .
تنفست نورهان بصوت مرتفع وقد أدركت أن حاتم يحاول أن يبعدها عن الأمر لتضغط على أسنانها وهي تهتف بضيق :
_ استــــاذ حاتم، لو سمحت قولي ماله اخويا، بدل والله اروح لمسلم نفسه احكيله اللي حصل امبارح واعرف ايه اللي حصل .
نظر لها بشك، فابتسمت له بتحدي وهي تتحرك للخلف :
_ تمام اتفرج بنفسك .
ولم تكد تتحرك حتى اقترب هو بسرعة يصرخ بخوف أن تفعل ما تفعل به :
_ اييه شوي شوي، اهدي عحالك شوي، شو بكِ، الكلام أخد وعطا، ثم اكيد ما بتريدي أنك تتسببي باذية مسلم مو هيك ؟!
_ ايوة ما لو محدش شرحلي ايه اللي بيحصل أنا هأذيه ومن غير ما احس .
نظر لها ثواني قبل أن يتنهد بصوت مرتفع ويبدأ الشرح لها عن حالة مسلم باختصار، وهي تستمع مصدومة وبقوة ودموعها تهبط دون وعي .
_ طب ....طب ...طب ليه ؟! ازاي وليه حصل كده ؟! ايه اللي حصل لمسلم عشان يوصل للحالة دي ؟!
صمت حاتم وقد كان هذا حده الذي يتوقف عنده، يصمت دون القدرة على قول المزيد يراقب انهيار نورهان أمامه، والتي كانت تحاول الاستيعاب، في اللحظة التي سمعت بها صوت رنين هاتفها .
كانت مشتتة باكية لدرجة أنها لم تنتبه لرنين هاتفها إلا بعد ثواني، أخرجت هاتف من جيب سترتها بيد مرتجفة واعين باكية وعقل مشتت، تبحث في السطور أمامهما عن مرسى لعقلها، لا تبصر شيء بسبب دموعها وحينما طردت دموعها بصعوبة، تلاشى الحزن وحلّ مكانه الصدمة التي جعلت وجهها يشحب بقوة في ثواني .
_ شو فيه يا آنسة ؟؟
وهذه كانت المرة التي لا تعلق بها على كلمته وهي تنظر له برعب شديد تشعر بجسدها بأكمله ينتفض، تبتلع ريقها بصعوبة وقد بدأ الجحيم يرتسم في عيونها، وفي ثواني سقطت دموعها بقوة وهي تنظر حولها، ومن ثم هربت دون مقدمات من أمام عيون حاتم الذي شعر بالصدمة لردة الفعل الغريبة .
رمش يحاول فهم ما حدث، قبل أن يعي أن الأمر ربما يكون متعلق بزوجها .
تنفس بصوت مرتفع وهو يهتف بصوت غاضب يلحق بها عله يفهم ما حدث معها :
- ذلك الوسخ لكم اتمنى أن يكون هو السبب وراء صدمتها تلك لأجد لضميري مبررًا لقتله .
أما عن نورهان فتحركت بسرعة صوب أول ركن ابصرته تختفي به وهي تخرج هاتفها بيد مرتجفة تبحث عن رقم زوجها والذي كان في قائمتها السوداء سابقًا قبل أن تعيده لطبيعته وتتصل به وجسدها بالكامل يرتجف، وبمجرد أن وصل لها صوته انفجرت بالصراخ ودموعها تهبط دون قدرة على لجمها:
_ اقسم بالله أنت أكثر راجل حيوان *** شوفته في حياتي يا عادل، أنت ازاي لسه ...ازاي سمحت لنفسك تصورني بالشكل ده واللبس ده وتهددني بيه؟ أنت مفكر نفسك ايه يا حيوان أنت ؟!
_ زي ما أخوكِ ماسك عليا صور وفيديوهات يا سنيورة ولا هو حلال ليكم وحرام ليا ؟!
_ أنت لا يمكن تكون عندك دم، اخويا عمل كده عشان تطلقني وبعدين نسيك اساسا، إنما أنت...
صمتت لا تستوعب مدى الحقارة التي وصل لها زوجها السابق ليهددها بصور لها بثياب المنزل التي كان يلتقطها لها دون علمها ربما وغيرها من الصور التي شعرت بالخجل حينما أبصرتها، رغم أنه كان زوجها منذ فترة صغيرة .
_ اسمعي عشان مش فاضي ليكِ أنتِ وعيلتك، اخوكِ الزبالة ده يمسح كل اللي نزله عني واللي بعته للناس ويرجع كل حاجة زي ما كانت ويقول إن كل ده كان فيك وهو السبب، ووقتها يبقى نتكلم عشان نناقش الــ ...الاوتفيت يا قمر، باي.
ومن ثم اغلق الهاتف تاركًا إياها تقف وهي تسمع صوت طنين حولها وقد شعرت بالمكان يدور بها، وكل ما تخيلته هو وصول تلك الصور لأيادي الجميع والذين لن يضعوا لها عذر أنها كانت لزوجها يومًا .
_ آنسة شو بكِ ؟؟ بخير ؟؟
رفعت نورهان عيونها ببطء شديد تنظر له من بين ضباب دموعها تهمس كلمات بدت له غير واعية :
_ طلع اسوء مما تخيلت .
ومن ثم ظلام أحاط بها وكان آخر ما سمعته هو صرخة حاتم الهلعة باسمها :
_ نــــــورهــــــــان .......
ــــــــــــــــــــــــــــ
تراقبه يتحرك حولها في عيادته الخاصة والتي جهزها بكل ما قد يحتاجه منذ عودته من القاهرة.
محمد الطبيب الهادئ والمسالم، كان واحدًا من القلائل الذين لا يخافونها منذ طفولتهم، يحنو عليها ويعاملها بلطف رغم تحذيرات البعض له، حتى أنه في بعض الأحيان كان يحميها من تنمر الاطفال وينال ضربًا مبرحًا لأجلها لقلة حيلته أمامهم .
من المؤسف أنه لم يعافر لأجلها يومًا كما كانت تعدها عيناه، وهل تستحق أن يفعل أحدهم ذلك ؟!
لا تعتقد أن شخص كمحمد سيتخلى عن مكانته ليقترن في النهاية بامرأة مثلها، خاصة مع وجود والده، وتهديد عز الدين الأخير.
_ اتفضلي .
رفعت عيونها صوب الكوب وهي تراقبه ببسمة صغيرة تحاو
يتبع
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


0 تعليقات