رواية وصية حب الفصل السابع والعشرين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين والاخير بقلم نسرين بلعجيلي Nisrine Bellaajili حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية وصية حب الفصل السابع والعشرين والثامن والعشرين والتاسع والعشرين والاخير بقلم نسرين بلعجيلي Nisrine Bellaajili حصريه وجديده
_الفصل السابع والعشرون_
الليل كان تقيل.. تقيل لدرجة إن كل حاجة في المستشفى كانت بطيئة، حتى عقارب الساعة.
روان قاعدة على مقعد قصاد باب غرفة سارة، إيديها معقودة في بعض والقلق عامل زي إيد بتخنق صدرها.
ياسر واقف جنب الشباك، مش قادر يقعد، مش قادر يهدى. كل شوية يرفع عينه على الجهاز جوه الغرفة كأنه مستني معجزة.
وفجأة…
الجهاز عمل صوت مختلف، مش “بيب… بيب” العادي. كان في رفعة، نبرة أعلى، كأن حد بيحاول يرجّع نَفَس قديم.
الممرضة جريت :
– استنّوا برة لحظة.
روان مسكت إيد ياسر من غير ما تقصد، هو حسّ بنفسه اتشدّ ناحيتها.
والباب اتقفل.
دقايق… نصف دقيقة… ثواني تقيلة… وبعدين الممرضة فتحت الباب، عينيها واسعة :
– هي فاقت، بس بوعي ضعيف. حد منكم يدخل حالًا.
ياسر مشي جوه الغرفة رجليه بتترعش، كأن كل خطوة بترجّع سنين لورا.
سارة كانت فاتحة عينيها، نصّهم، بس مفتوحة. مش سارة اللي كانت بتضحك، ولا اللي بتحضن، ولا اللي عندها مليون كلمة. كانت سارة الضعيفة، بس واعية.
وعينيها، أول ما شافت ياسر، نزلت دمعة واحدة.
قرب، مسك إيدها وقال بصوت مكسور :
– يا سارة، يا حبيبتي أنا هنا.
سارة بحروف متقطعة ونَفَس ضعيف جدًا :
– يا… يا… سر…
عينه دمعت، حطّ جبينه على إيدها :
– الحمد لله، الحمد لله.
سارة حاولت تحرك شفايفها :
– ملك… فين…؟
روان اللي كانت واقفة على الباب قربت شوية.
ياسر قال بصوت واطي :
– ملك في البيت، هجيبها بكرة. إنتِ لسه تعبانة.
سارة هزّت راسها “لأ” بصعوبة :
– عايزاها... دلوقتي.
الممرضة قالت :
– ممكن تشوفوها دقيقة مش أكتر.
بس بسرعة.
ياسر خرج يجري ورجع بعد نص ساعة شايل ملك نايمة على كتفه. دخل بيها وقربها من سارة. سارة مدّت إيدها الضعيفة ولمست خد بنتها.
ملك صحيت من اللمسة :
– ماما…؟ إنتِ صحّيتي؟!
سارة دمعت :
– حبيبتي… بابا… و… روان…
هيفضلوا معاكِ… على طول.
نسرين بلعجيلي
ملك حضنتها، وسارة اتألمت بس ما قالتش حاجة.
ياسر قاعد جنبها وروان واقفة الناحية التانية، مش لاقية نفسها.
سارة لفت عينها ناحية روان، نظرة واضحة، نظرة ستّ فاهمة كل اللي حصل، نظرة موافقة.
سارة مدّت إيدها لروان، روان قربت ومسكتها بحرص.
سارة قالت بصعوبة :
– روان… أمانة… خلي بالك… من بنتي.
دمعة نزلت من روان غصب عنها :
– حاضر، والله حاضر.
سارة بصّت لياسر :
– خلّي… بالك… من… من بعض.
ياسر اتجمّد، روان اتصدمت. النظرة كانت "عارفة"… "مسامحة"… "مبارِكة".
وبعدين قالت أهم كلمة :
– ده… قدر… مش خيانة.
روان غطّت بقها بإيدها تبكي، وياسر دموعه نزلت من غير صوت.
سارة تنفّست بصعوبة، نَفَس إتنين، وبعدين همست :
– ملك… أنا… مش… راجعة.
ملك صرخت :
– لأ!! لا يا ماماااا!!
سارة جمعت آخر قطرة قوة من جسمها وبصت للثلاثة معًا :
– حافضو على وصيّة… حب.
ونزلت دمعة هادية… والجهاز عمل صوت طويل :
"بييييييييييب——"
الممرضة جريت، الدكتور دخل، ياسر وقف مذهول، ملك بتصرخ وروَان ماسكة إيد سارة بتحاول تهزّها، لكن… كان خلاص. كانت النهاية. نهاية هادية، ومختارة، نهاية أم سلّمت بيتها.. وحُبها.. وقدَرها.. ومشِيت.
Nisrine Bellaajili
الغرفة كانت فجأة واسعة، واسعة أوي، لكن ولا نفس بيعلى فيها.
الممرضة بتوقف جهاز التنفس والدكتور قال كلمات محدش سمعها. كل اللي اتسمع، هو صرخة ملك، وانهيار ياسر، وصوت قلب روان وهو بيتقطع.
روان كانت أول واحدة تقع على الأرض، ركبها ما استحملتش الوجع. مسكت طرف السرير وانهارت عليه :
– سارة… قومي… قومي بالله عليك… قومي.
صوتها كان مبحوح، مكسور، ضعيف زي وحدة فقدت ركن من روحها مش صاحبتها بس.
ملك كانت بتخبط في ياسر :
– بابا.. صحّيها، إنت بتعرف تصحيّني، صحّيها بقاااا.
ياسر وقع على الارض، خدّه على طرف السرير، وعينه ما بترمش. إتكلم بصوت ماكانش صوته :
– يا سارة… لا… لا… مش دلوقتي… مش كده… ده مش معادك… ده مش معادك يا سارة… قومي.
إيده كانت ماسكة إيدها اللي بدأت تبرد، وبيحاول يدفيها بنَفَسه كأنه بيحاول يرجّع الروح للجسد.
روان مسكت ملك، قربتها لحضنها. ملك اترفعت عنها وضربت صدرها :
– لاااا… ما تسبينيش، إنتِ السبب، إنتِ السبب.. لو ماكنتيش هنا ماما كانت هترجع.
الصوت ده طعن روان في قلبها. ما حاولتش تدافع. ما حاولتش تهدي، سابت الطعنة تخترق، لأن الطفلة موجوعة ومش عارفة حق ولا كلمة توجع .
روان بصوت مرتعش :
– عندك حق، هاتي كل اللي جواكِ، أنا مش هزعلك.
ملك فضلت تضرب فيها، تشدّ في هدومها وتعيّط بقهر :
– روحي من هنا، رجّعيني لماماااا.
ياسر ما قدرش يستحمل، قام وهو بيترنّح وأخد ملك من حضن روان :
– ملك، تعالي.. تعالي يا روحي أنا هنا، بابا معاكِ.
ملك وقعت على صدره، بتعيط زي النار. وهو قاعد يطبطب عليها، لكن عينه كانت على روان.
روان وقفت، تحس إن رجليها واكلة الأرض، قلبها بينزل، وعينها على سرير سارة اللي خلاص فاضي.
مسكت طرف السرير، وبكت بصوت مكسور :
– أنا ماجيتش آخد مكانها، يا ريت كانت رجعت حتى لو أخدت قلبي معاها.
الدكتور قال بهدوء :
– لازم نخرج من الغرفة، لازم نجهّز الجثمان.
الجملة دي كسرت الدنيا.
ياسر وقف بالعافية وشايل ملك اللي جسمها بيتهز من العياط. روان ماقدرتش تتحرك، فضلت ماسكة طرف ملاية السرير مش قادرة تسيب إيد سارة في خيالها.
الممرضة قربت :
– معلش لازم تطلعي.
روان بصت لها وقالت كلمة مكسورة :
– دقيقة… دقيقة بس.
قربت من سارة وهمست جنب ودنها :
– سامحيني.. سامحيني لو ضايقتِك يوم، سامحيني لو حسّيتِ إني شبعت من مكانك، أنا عمري ما كنت غير واحدة بتحاول تحمي بنتك وتحافظ على بيتك.
متخافيش بنتك في امان معايا
لمست شعرها وقالت بأضعف صوت :
– روحي في سلام، روحي وإنتِ مطمنة، أنا ماقدرتش أرجّعك، بس هحافظ على كل اللي بتحبيه وكل اللي وصّيتِ عليه.
وقفت، وخرجت. رجليها كانت بتخونها، بتتهز، قلبها بينزف، بس دموعها خلصت.
نسرين بلعجيلي
في الممر.....
ياسر كان واقف شايل ملك، ملامحه مش راجل، ملامحه حدّ اتكسر، حدّ اتسحبت روحه من صدره.
روان وقفت قصاده، بينهم متر بس، لكن المسافة كانت زي جبل.
ملك نامت من كتر البكاء، راسها على صدر ياسر وإيده بتربّت عليها تلقائيًا.
روان قالت بصوت ضعيف :
– هي كانت بتحاول، كانت بتحاول ترجّع نفسها عشان تشوفكم.
ياسر رفع عينه لها، ولأول مرة من يوم ما دخلت حياته، كان شايفها بوضوح، شايف إنها موجوعة زيه. شايف إنها ما كانتش عايشة حياة، كانت عايشة حرب. و قالها :
– شكراً.
كلمة بسيطة، بس طالعة من آخر نقطة صدق في قلبه.
روان هزّت راسها :
– ماتشكرنيش، أنا فشلت، ماقدرتش أرجّعها.
– لأ، ما فشلتيش.
قرب خطوة، وجسمه كله بيترعش :
– إنتِ كنتِ سند لملك، وللبيت وليا.
إنزلقت دمعة مفاجئة من عين روان.
هو بصوت خافت :
– ماكنتش أقدر أعدّي ده لوحدي.
روان اتنفست بوجع :
– وأنا كمان، بس ده وجعها هي، مش وجعنا.
قرب خطوة كمان، لكن وقف فجأة. بصّ في الأرض :
– روان، إحنا.. إحنا دخلنا مرحلة جديدة. مرحلة مش مفهومة ومش سهلة، بس لازم.. لازم نعدّيها.
هي قالت بصوت يقطع القلب :
– ياسر، أنا مش عايزة أكون بديلة. ولا عايزة حد يحس إني السبب، ولا عايزة ملك تكرهني، ولا عايزة الناس تقول كلام.
قرب نظره منها، نظرة هادية بس محروقة :
– وإنتِ مش بديلة ولا هتبقي.
رفعت عينها والدموع رجعت :
– طيب إحنا إيه؟
سؤال واحد، بس وقع على صدره زي الحجر :
– مش عارف، مش قادر أقول حاجة غلط، ولا أوعدك بحاجة، ولا أظلمك، ولا أظلم سارة، بس إحنا لازم نكمّل علشان ملك، وعلشان وصيتها، وعلشان إحساس مش قادر أتجاهله.
القلبين اتكسروا.. لكن اتقرّبوا.
لحظة مليانة خوف، ومليانة صدق، ومليانة بداية لشيء أكبر من الخوف نفسه.
عربية الإسعاف..
جهزوا سارة، غطّوا وشّها،وخرجت عربية الموت.
ملك كانت نايمة، ما شافتش، بس روان وقفت ورا الزجاج بتبكي من غير صوت. وياسر وقف جنبها مش عارف يحضنها، ولا يبعد، بس حسّ إن وجودها جنبه الشيء الوحيد اللي مانعه ينهار.
روان قالت :
– هتصعّب عليّا ده، لما ملك تصحى
وتسأل.
ياسر مسح دموعه :
– هنقول سارة ارتاحت.
روان هزّت راسها :
– هتكرهني.
– لأ، مش طول ما أنا واقف.
الصبح ما طلعش، إتسلّل زي يوم مابيحبّش يبان. البيت كان كأنّ الموت قاعد فيه، مش لأن سارة ماتت بس، لأن كل روح جوا البيت اتشقّت من النص.
ملك صحيت عينيها منفخة وشعرها لسه فيه ريحة حضن سارة اللي ماودّعتهاش.
أول كلمة قالتها :
– بابا، هنروح لماما؟
ياسر اتجمّد وروَان وقفت في المطبخ، ماسكة الكوباية بإيد بتترعش.
البنت قربت :
– ماما فين؟
روان ماقدرتش ترد، بصّت لياسر كأنها بتسأله : "قول… ولا أهرب؟"
ياسر قعد على ركبته قدّام ملك، صوته كان مش صوت، كان وجع :
– ماما راحت عند ربنا يا ملك.
ملك اتسمرت، بقت تمثال صغير بيتنفس بصعوبة :
– يعني… مش هترجع؟
– لأ، مش هترجع يا حبيبتي.
ملك صرخت صرخة تخوّف البيت :
– لاااااااااا! إنت بتكذب، إنت دايمًا تقول إنها هترجع، إنت كذاب.. كذاب يا بابا، رجّعهااااا.
فضلت تضرب في صدره وهو سايبها، وكل ضربة بتخبط في قلبه.
روان جريت تشيل البنت من حضنه،
لكن ملك صرخت فيها :
– إبعديييي، إنتِ السبب، لو ماكنتيش هنا ماما كانت هترجع.
الكلمة كانت خنجر، خنجر حقيقي. روان وقفت ساكتة عينيها اتغرقت دموع، بس ما ردّتش.
ياسر صرخ لأول مرة :
– ملك، ما تقوليش كده، روان ماعملتش حاجة، روان ساعدتنا.
ملك رجعت تبكي :
– ماما ماتت.. ماما ماتت ومش هترجع، وإنتم بتسيبوني لوحدي.
وقعت على الأرض زي ورقة شجر اتقطعت من جذورها.
روان قعدت جنبها، قريبة، لكن مش لامساها :
– ملك، أنا هنا يا روحي وهفضل هنا حتى لو زعلتِ، حتى لو ضربتيني، حتى لو كرهتيني، أنا مش هسيبك.
ملك بكت بصوت عالي، بصوت يوجع السما نفسها. وياسر مسح دموعه وقرر وقتها :
– لازم نروح الدفنة سوا.
نسرين بلعجيلي
السماء كانت رمادي كأنها حزينة معاهم. المقابر ماكانتِش زحمة، سارة كانت وحيدة في الدنيا مالهاش حد غيرهم.
حتى عماد مكانش موجود
عربية الإسعاف وصلت، والتابوت نزل. ياسر وقف، مش راجل ولا زوج، كان طفل كبير فقدّ أول حب في حياته. إيده كانت على التابوت مش قادر يشيله، ولا قادر يسيبه.
ملك كانت حضناه من وسطه بتعيّط وبتقول :
– بابا، قل لها ترجع، قل لها ماتسبنيش، قل لهااا!
ياسر نزل لجنبها وحضنها جامد :
– أنا، أنا مش قادر يا ملك، هي راحت بس مش هتسيبك، ربنا هيحفظك.
روان كانت واقفة بعيد مش متدخلة، مش عايزة تبقى جزء من وداع مش بتاعها، لكن قلبها كان بينزف عليهم هما الاتنين.
بعد الدفن…
الناس بدأت تمشي. فضل ياسر واقف عايز ينزل معاها. ملك ماسكة إيده ورجليها مش ثابتة، وروان بتبص لهم ومش قادرة ترفع رجلها خطوة.
حد من الناس قال بصوت عالي متعمد يسمّع :
– عيب اللي بيحصل، مراته ماتت وصاحبتها عايشة معاه. يا ناس! ده زمن وحش.
ناس تانية بصّت لروان بنظرات كلها شك وغلّ.
وحدة قالت :
– دي اللي كانت معاه في المستشفى؟ أهو كله باين.
التريقة.. الشك.. الكلام السخيف.
روان اتسمرت، عينيها دمعت. سابت راسها لتحت. لكن قبل ما أي كلمة تكمّل، ياسر قرب منها، وقف جنبها، مسك إيد ملك وقال بصوت عالي :
– روان جزء من وصية سارة، ومحدّش ليه كلام علينا، ولا هي هتمشي ولا أنا هسمح لحد يعيّرها.
روان مراتي وساره هي اللي جوزتنا قبل ماتموت الله يرحمها
الناس سكتت، والمقابر نفسها سكتت.
روان بصّت له، مش مصدّقة إنه أعلن كده قدّام الناس. ملك مسكت إيد روان أخيرًا، ولأول مرة من غير رفض، وقالت بصوت صغير مكسور :
– ماما روان ما تسيبينيش.
بعد الدفنه
الشقّة كانت مليانة ستات ريحة بخور، ريحة قهوة مرة وأصوات بكا مكتوم، وأصوات همس عالي.
ملك قاعدة في حضن روان، رأسها مدفونة في كتفها مش بتبصّ لحد. كل شوية شهقة صغيرة بتطلع منها، وتسكت.
روان كانت قاعدة ساكتة، ملامحها هادية بس عيونها بتهرب من الناس.
الستات بقى؟
كانوا قاعدين يقطعوا زي السكاكين.
وحدة قالت وهي تبص ناحيتها :
– دي؟ هي دي اللي كانت قاعدة في بيته؟ مش عارفة تستحي.
والتانية ردّت :
– أصل الزمن اتقلّب، الرجالة بقت تتجوز صاحبات مراتاتهم وهما لسه عايشين.
ضحكات خبيثة.. همسات حقيرة.. وكلام زَيّ السم.
روان سمعت والكلمة جرحتها، بس ما ردّتش.
قدريّة دخلت بصّت على روان من فوق لتحت وبصوت عالي متعمّد :
– الله يرحمك يا سارة، كان قلبك أبيض. لو كنتِ شايفة اللي بيحصل في بيتك ما كنتيش رضيتِ.
سلوى جنبها، قاطعة في الكلام :
– وأنا مالي؟ أنا انظلمت، اترمى بيا عشان الغريبة دي،يستاهلوا بعض.
الكلام كله كان رايح ناحية روان. الستات اتجمّعوا حوالين بعض، عيونهم بتاكلها أكل.
ياسر واقف، وشه بيولّع غضب، لكنه ماسك نفسه علشان العزاء.
ملك بدأت تبكي تاني بصوت عالى :
– ماما روان، انا خايفه ، الناس بتبصّ لي وحش.
روان حضنتها وبصوت خافت :
– ماتخافيش، أنا معاكِ.
اللحظة دي كسرت قلب ياسر، بس قبل ما يفتح بقه، الباب اتفتح فجأة.
الشيخ “عبدالمنعم” إمام المسجد، والشخص اللي كتب الكتاب دخل بخطوة تقيلة وشه فيه غضب واضح.
الناس كلها سكتت.بصّ حواليه ثم بصّ على ياسر، ثم على روان. وقال بصوت عالي وواضح :
– محدش يجيب سيرة الست دي تاني إلا بالخير. اللي ما يعرفش يعرف دلوقتي.
النسوان اتجمّعوا حواليه :
– ليه يا شيخ؟ مش حرام اللي حصل؟
رفع إيده وقال بحزم :
– أنا اللي كتبت كتاب ياسر وروان. وكتبت الكتاب بوصية واضحة من المرحومة سارة.
القعدة كلها اتصدمت.
الشيخ كمل :
– المرحومة سارة قبل ما تدخل الغيبوبه الأخيرة نادتني، وقالت :
“يا شيخ، لو حصلّي حاجة، عايزة بنتي ملك ما تترباش مع حدّ غريب، وتعيش مع واحدة بتحبّها بجد. ووصّيت جوزي إنه يتجوز صاحبتي روان. أمانة، كمل الجواز.”
الستات اتسمروا. سلوى صوتها خرج متقطع :
– يعني… هي اللي قالت يتجوز صاحبتها؟
الشيخ قال بحزم :
– أيوه. أنا شاهد ومعايا العقد، ومعايا وصيتها الصوتية. ولو حدّ هيفتري أو يتكلم بالباطل، يبقى بيفتري على واحدة ميتة، وعلى وصية أم لطفلة يتيمة.
قدريّة اتلخبطت، اتوترت وبصت لياسر :
– الكلام ده… صحيح؟
ياسر رفع راسه :
– أيوه… صحيح.
الشيخ كمل :
– وبعدين، عيب في عزاء تتكلموا على ستّ شايلة بيت مش بيتها وتربي طفلة مش بنتها، وتسهر في المستشفى أكتر من أهلها؟
سلوى بصت للأرض وقدريّة وشها احمرّ من الخجل.
الشيخ قال :
– لو ليكم كلام غير كده خلوه عندكم. دي وصية سارة، وده جواز شرعي، وهما تحت ستر الله. والله ما يرضاش بالغيبة والافتراء.
العبرة مسكت المكان كله. روان دمعت، مش من الحزن، من الإنصاف من أوّل مرة حدّ يشيل عنها كلمة ظُلم قالتها الناس.
ملك رفعت وشّها.ومسحت دمعها بإيدها الصغيرة وقالت بصوت خافت :
– ماما… كانت بتحبّك يا ماما روان.
روان حضنتها وكل اللي في العزاء اتلخبط، لأن الحقيقة إعلنت قدّام الكل.
وسارة… حتى وهي ميتة، كانت لسه بتحمي روان.
العزاء بعد كلام الشيخ إتحوّل. الوشوش اللي كانت بتاكل في لحم روان من شوية اتلمّت، الهمسات اختفت، والكلام البايخ وقف فجأة كأنه اتحشر في زُور الناس.
سلوى بصت في الأرض، قدريّة مسكت طرحتها، مش لاقية تبرير. الستات اللي كانوا بيغيظوا، بقوا ساكتين زَيّ الأطفال اللي اتكشف كذبهم.
الشيخ بص على روان وبصوت هادي :
– ربنا يعينك ويعين البيت ده. اللي بتعمليه مش سهل، واللي شيلتيه مش أي حد يقدر يشيله.
روان نزلت عينيها، مش قادرة تبصّ له من التأثر.
ملك مسكت إيدها بقوة، ومن غير ما حد يلاحظ قربت راسها على كتفها.
أول مرة من موت سارة، تحس بالأمان شوية.
بعد ما الناس بدأت تمشي وقدريّة وسلوى خرجوا من غير ولا كلمة، فضل الجو هادي، هدوء تقيل، بس مش مؤذي زي الأول.
الشيخ قبل ما يمشي، بصّ لياسر :
– يا بني، الوصية مش كلمة، الوصية مسؤولية وربنا اختارك واختارها، فخلي بالك من البيت، وخلي بالك من القلوب اللي جواه.
ياسر هزّ راسه باحترام وصوته منخفض :
– حاضر يا مولانا.
الشيخ مشي. والباب اتقفل.
السكون اللي بعد العاصفة
ملك راحت أوضتها تعيط شويّة، وترسم شويّة، لحد ما نامت. الطفلة اللي كبرت يوم كامل في ساعة.
ياسر وقف في الصالة، مبسوط؟
لأ، مكسور؟ كمان لأ. كان واقف كأنه بيحاول يفهم نفسه ويفهم اللي حصل.
روان كانت في المطبخ بتشيل كوبايات العزاء وبتلمّ المكان لوحدها. مش من واجب، من عادة ومن هروب.
ياسر مشي ناحيتها، قرب خطوة وبعدين وقف، مش عارف يروح ولا يرجع :
– روان.
وقفت، ما لفتّش بس الصوت وضّح إنها سامعة :
– نعم؟
– شكراً على اللي وقفتيه وعلى اللي استحملتيه. والكلام اللي اتقال في العزاء ما تستاهليهش.
روان قالت بصوت هادي، هادئ لدرجة توجع :
– مش مهم. إتعودت الناس تفهم غلط وتتكلم غلط.
ياسر قرب أكتر ورفع صوته شوية :
– لأ، مهم، لأنهم جرحوكِ وأنا واقف،
جرحوكِ وملك بتعيّط، وإنتِ ما قلتيش ولا كلمة.
سكت ثواني.. وبعدين قال جملة خرجت منه من غير حساب :
– وإنتِ ما تستاهليش حدّ يوجعك ولا كلمة تكسر قلبك.
روان اتجمدت، إيديها اللي كانت ماسكة الكوباية وقفت في الهوا، لفّت عليه ببطء وعينيها كانت فيها دمعة، بس دمعة قوية مش ضعيفة :
– أنا.. مش عايزة أكون حمل عليك. ولا عبء في وسط وجعك ولا سبب كلام لحد، أنا هنا بس لو وجودي بيأذيك أمشي.
الجملة وقفت قلبه كأنها ضربته بشيء ما توقعهوش :
– تمشي؟ روان، مافيش تمشي. إنتِ جزء من البيت، سارة اختارتك، وملك محتاجاكِ، وأنا…
سكت.....
الكلمة الأخيرة وقفت في زوره كأنها تقيلة، ولا لسه مش جاهز يقولها.
روان حسّت وقطعت الصمت :
– وإنت…؟
هو رفع عينه فيها لحظة صدق كاملة، مالهاش هروب.
– وأنا… محتاج وجودك حتى لو مش عارف أقول ده بصوت عالي، حتى لو خايف، بس وجودك مش عايز يخوّفك.
روان قلبت نظرها بعيد، دمعة نزلت، هي مش عايزة تنزل :
– ياسر.. إحنا لسه خارجين من موت، مش وقت الكلام اللي يكسر حدّ فينا.
قرب خطوة.. خطوة بس، قريبة كفاية يبان الصدق في صوته :
– مش هكسرك ولا هسمح حد يكسرِك، ولا هسمح ليكِ تفكّري تمشي.
الجملة كانت زي وعد، ومافيهاش صوت غصب.. كان فيها خوف..
وخسارة وأول بداية للاعتراف.
روان مسحت دمعتها وقالت بصوت مكسور :
– خلّينا نعدّي الليلة وميحصلش حاجة تانية.
هزّ راسه :
– زي ما تحبي، بس إوعي تفكري تمشي من البيت ده، إوعي.
وبعدين سابها ترتّب الكوبايات وهو راح يطّمن على ملك. بس قبل ما يدخل أوضتها وقف ثواني وبص عليها من بعيد، هي وهو… إثنين موجوعين،.بس قدرهم اتربط من جديد.
وهو كان عارف :
اللي جاي، أقوى بكثير.
وصيّة حب
الفصل التامن والعشرون
بقلم نسرين بلعجيلي
الليلة نزلت بدري…
والبيت حسّ بيها قبل ما تدخل.
الهدوء كان تقيل…
تقيل لدرجة إن النفس نفسه بقى صعب.
روان خلّت ملك تنام بالعافية…
بعد ما فضلت تبكي لحد ما صوتها راح.
والصالة كانت فاضية…
إلا من ظلّ ياسر.
مش واقف…
ولا قاعد…
هو “واقع واقف”.
قاعد على الكنبة…
وشه في الأرض…
وإيده ماسكة كوفيّة سارة اللي لقاها في دولابها.
ماكانش بيعيّط…
الرجالة اللي بتتكسّر قوي…
دموعهم ما بتنزلش بسهولة.
بس صوته؟
كان نفسيّته متكسّرة كلها في نفس واحد.
روان وقفت من بعيد…
مش عارفة تقرّب ولا تبعد.
قربت خطوة…
خطوتين…
لحد ما وصلت عند طرف الكنبة.
كانت هتتكلم…
بس ياسر سبقها.
قال بصوت مبحوح…
صوت مايشبهش صوت راجل اتعرفت عليه يوم:
– أنا…
مش قادر.
رفعت عينها عليه:
– عارفه… ومتوقعة ده.
هزّ راسه…
بحركة بطيئة…
تقيلة:
– مش قادر أعدّي اليوم.
ولا اللي بعده.
ولا اللي بعد بعده.
ولا قادر أدفن ريحتها من البيت…
ولا من قلبي.
مسك الكوفيّة أكتر…
شبّكها في صوابعه:
– كانت… ستري.
كانت ضهري…
كانت أول بني آدم حبّني بجد.
الصمت خنق الغرفة.
روان قربت كرسي صغير…
وقعدت جنبه…
من غير ما تلمسه.
قالت بهدوء:
– محدّش يقدر يا ياسر…
محدّش بيتجاوز موت حد كان روحه.
هزّ راسه…
عينيه بدأت تلمع:
– أنا… خايف.
خايف من البيت من غيرها.
خايف أقعد على السرير…
خايف أشوف هدومها…
خايف حتى أنام.
روان غمضت عينيها من شدّة الوجع اللي سامعاه:
– الخوف طبيعي…
بس البيت مش هيفضل زي ما هو…
وملك محتاجاك.
نسرين بلعجيلي
قلبه اتوجّع أكتر من جملتها.
بصّ لها…
ولأول مرة من يوم ما ماتت سارة…
عينيه دمعت بجد.
– ملك؟
ملك لما بتقولي “ماما”…
بحسّ روحي هتطلع.
وبحسّ إني…
خُنت سارة…
لما خليت الكلمة تطلع.
روان عضّت على شفايفها…
وقلبها وقع.
– ياسر…
ملك اتعلّقت بيا لأن سارة نفسها وصّتني عليها.
وانت…
ما خُنتهاش.
انت بتكمّل اللي هي طلبته.
هو هزّ راسه بعنف:
– بس أنا…
مش جاهز.
مش جاهز أبقى راجل…
ولا أبقى زوج…
ولا أبقى حتى واقف على رجلي.
سكت لحظة.
بعدين قال جملة كسرت قلبها:
– ومش عايز أظلمِك.
ولا أظلم نفسي.
ولا أظلم سارة…
اللي لسة ريحتها في البيت.
روان دمعت…
مش من الكلام…
من صدقه.
– وأنا…
مش عايزة منك أي حاجة دلوقتي.
ولا بكرة.
ولا بعده.
بصّ لها…
نظرة ضعف…
وخوف…
وتوهان:
– طب… انتي عايزة إيه؟
قالت بهدوء:
– عايزة تعدّي الحزن.
وبعدين نعرف هنوقف فين.
سكت.
قربت جملة صغيرة…
هدّت حاجة جواه:
– وأنا هنا…
مش علشان أخد مكان حد.
أنا هنا… علشان البيت مايقعش.
وبعدها…
ربنا يكتب اللي فيه خير.
ياسر غمض عينه…
ونَفَسه اهتزّ:
– أنا… مش مصدّق إنك واقفة جنبي بعد كل اللي اتقال عليكى النهارده.
– لو كنتِ مشيّتى من البيت…
كنت هبقى لوحدي بجد.
والبيت كان هيقع.
روان قامت…
غطّت ملك كويس…
وبعدين رجعت تقف جنبه.
قالت له آخر جملة الليلة:
– الحزن ده… مش ضعف.
ده وفاء.
بس الوفاء الحقيقي…
إنك تكمّل.
عشانها…
وعلشان بنتها.
ياسر حطّ إيديه على وشّه…
وانفجر في أول بكا حقيقي من يوم موتها.
وروان…
ما قربتش.
ما حضنتهوش.
ما لمستوش.
كل اللي عملته…
إنها فضلت واقفة جمبه.
ساكتة.
صامدة.
ومن غير ما تاخد مكان حد.
وكان ده أعظم دعم…
وأصدق حب…
من غير كلمة
الليل نزل أكتر…
الساعة عدّت 2 بعد نص الليل…
والبيت بقى شبه قبر كبير بس من غير تراب.
روان كانت في أوضتها…
قافلة الباب نص قفلة…
مش نايمة…
ومش قادرة حتى تقعد.
كانت حاسة إن البيت بيصرّخ من الوجع…
والصمت مش سايبها تتنفس.
وفجأة…
اتسمع صوت.
مش صوت زعيق…
ولا حاجة وقعت…
ده كان صوت بكاء راجل.
بكاء مكتوم…
لكن واضح…
جاي من أوضة ياسر.
روان اتلبخت…
وقفت.
إيدها على الباب.
قلبها بيخبط.
تردّد؟
تسيب؟
ولا تخبط؟
بس الصوت زاد…
وصار يكسر الحيطان.
كان بكاء حدّ اتحرّمت روحه…
بكاء وجع مش طبيعي…
مش دموع…
ده انهيار.
روان فتحت بابها بهدوء…
مشيت على أطراف صوابعها…
كل خطوة كانت بتوجعها أكتر.
وقفت قدّام أوضته.
الباب مفتوح شق صغير.
النور خافت…
وهو قاعد على الأرض…
ضهره للسِّرير…
ووشّه مدفون في كفّه.
إيده التانية ماسكة صورة قديمة لسارة…
صورة هما الاتنين…
واقفِة في يوم جوازهم…
وهي بتضحك.
الصورة كانت بتترعش مع يده.
صوته طالع متقطّع:
– يا سارة…
ليه…
ليه سبتيّني؟
أعمل إيه من غيرك؟
أقول إيه لملك؟
أعيش إزاي…
وانتي كنتّي حياتي كلها؟
دموعه كانت نازلة…
مش دموع راجل قوي…
ده بكاء طفل…
طفل فقد أمه، زوجته، ضهره، ستره.
روان حسّت قلبها بينفطر جوا صدرها.
عجز…
وجع…
رحمة…
ومكان مش من حقها.
كانت هتمشي…
كانت هتسيب له خصوصيته…
nisrine bellaajili
لكن ملك فجأة فتحت باب أوضتها وهي نايمة نص نوم…
ماشية نايمه…
وفركت عينيها لحد ما شافت باب ياسر مفتوح.
ملك همست:
– بابا…؟
روان بسرعة راحت تركع قدام ملك…
حضنتها من غير ما تصحّيها:
– تعالي… تعالي يا روحي… بابا تعبان.
لكن ملك قالت بصوت خفيف:
– بابا بيعيّط؟
روان قلبها وقع:
– شوية بس… تعالي عندي.
لكن ملك نزلت من حضنها…
وراحت ناحية الباب…
بهدوء الطفل اللي فاهم الوجع رغم سنه.
قربت من ياسر…
قعدت جنبه…
حطّت راسها على كتفه.
وقالت أجمل جملة…
وأقسى جملة في نفس الوقت:
– بابا…
أنا هنا.
ماتخافش.
ياسر اتشلّ.
اتجمّد.
وبعدين حضنها…
حضن طفلته…
حضن روحه اللي فضِلت.
وبكى أكتر.
روان وقفت بعيد…
دموعها نازلة…
بس مش بتتدخل.
كانت شايفة مشهد بين أب وبنته…
مشهد مكسور…
لكن فيه بداية لعلاج…
ولو صغير.
بعد دقايق…
ملك نامت على كتفه.
وهو شايلها…
شالها بحنان عمره ما استخدمه قبل كده.
روان قربت تساعده:
– أساعدك؟
هو هزّ راسه بهدوء:
– لأ…
أنا…
قادر.
دخل أوضة ملك…
غطّاها…
باس راسها…
وخرج.
ولما خرج…
لقى روان واقفة في النص.
واضح إنها كانت مستنياه.
عينه كانت حمرا…
وشه منهار…
وصوته مش صوت راجل…
كان صوت واحد اتكسرت روحه نصين.
قال لها بصوت ضعيف…
أضعف مرة في حياته:
– أنا…
مش هعرف أعدّي ده لوحدي.
هي ما ردّتش.
قربت خطوة صغيرة…
مش حضن…
ولا لمسة…
ولا كلمة زيادة.
وقالت:
– وأنا…
مش هسيبك تعدّيه لوحدك.
بس من غير ما نستعجل…
ومن غير ما نجرح حد…
ومن غير ما ننسى مين كانت سارة.
اتنفس…
نَفَس طويل…
موجوع…
بس كان أول نَفَس صادق من يوم ما ماتت.
قال:
– شكراً…
يا روان.
الجملة كانت بسيطة…
بس وراها كل حاجة:
حزن.
حيرة.
امتنان.
خوف.
و…
بداية صغيرة…
مش حب.
لكن ارتباط.
ارتباط روحه بروح حد شايفاه…
وبتقف جنبه…
من غير ما تاخد مكان حد.
وهو…
لأول مرة…
سمح لحد يشوفه وهو من غير قوة.
وسابها.
ودخل أوضته.
وروح البيت…
اتغيرت.
قليلاً.
ببطء.
لكنها اتغيرت.
نسرين بلعجيلي
ست شهور عدّوا…
مشيوا ببطء شديد،
زي واحد ماشي شايل جبل على ضهره.
ست شهور من غير سارة.
ست شهور كان البيت فيهم…
عايش بس مش حيّ.
ياسر ما اتغيّرش…
ولا عدى الحزن.
ولا حتى حاول.
يرجع من الشغل يقعد في أوضته،
يقفل الباب،
يسيب النور مطفي،
ويفتح الشباك على الهوا البارد…
كأنه محتاج يعاقب نفسه شوية.
ملك كبرت سنة كاملة في 6 شهور.
الطفلة اللي كانت بتجري وتضحك…
بقت هادية…
بتتكلم قليل…
وبتنام في حضن عروستها بدل حضن أمها.
ولسه…
كل ليلة تسأل:
– بابا… ماما راحت الجنة؟
وهو يرد بإيماءة…
يخاف يفتح بقه عشان لو اتكلم، هينفجر.
أما روان؟
كانت أكتر حد اتغيّر.
دخلت البيت ده بـ"وصيّة".
دلوقتي… بقت "وحدها".
الأوضة اللي كانت بتقعد فيها بقيت ضيقة عليها.
كل ما تبصّ على سريرها…
تفتكر سارة.
كل ما تشوف طبق ملك…
تفتكر سارة.
حتى صوت ضحكة قديمة في ودنها…
بيخلي قلبها يتخنّق.
هي عايشة في بيت…
بس مش ليها.
وسط ناس…
بس مش منهم.
بتضحك مع ملك،
تطبخ،
تشيل البيت،
تحافظ على النظام…
بس جواها؟
غريبة.
غريبة جدًا.
كأن الست اللي وصّت بيها…
ماتت وسابت لها حمل أكبر من طاقتها.
ياسر ما قربش منها.
ولا هي قربت منه.
مش زعل…
ولا جفاء…
لكن "حزن بينهم".
حاجز سميك…
اسمه:
سارة.
روان كانت بتحاول تعيش طبيعي…
بس كل يوم تصحى تسأل نفسها:
– أنا لسه هنا ليه؟
خايفة أسيب ملك.
وخايفة أكمل.
وخايفة أقرب.
وخايفة أعيش حياتي كبديلة.
وأسوأ شعور؟
هي بتحس إنها قريبة من ياسر…
لكن مش قريبة بما يكفي.
وبعيدة…
بس مش بعيدة بما يكفي.
هي في منطقة رمادية…
توجع أكتر من السواد نفسه.
ياسر من ناحيته… شايفها.
شايف إنها بتتعب…
وبتشيل…
وبتحاول…
بس كل يوم يفتح عينه…
يشوف الفراغ اللي جنب السرير،
يشم ريحة سارة اللي لسه ما راحتش،
يسمع ضحكتها اللي محفورة في ودنه…
ويقول لنفسه:
– أي قرب… خيانة.
– وأي بُعد… موت.
– أعمل إيه؟
البيت بقى "حيطة واقفة على حيطة".
ملوش روح.
مفيهوش بداية…
ولا نهاية.
هو مجرد وقت…
وقت تقيل…
بيتمدّ.
لحد ما في يوم…
الحاجة اللي كانت مخبيّة جوا كل واحد فيهم…
هتطلع.
وهنا…
هيبدأ قلب ياسر يتحرك لأول مرة من موت سارة.
وهيبدأ قلب روان يخاف لأول مرة…
من حقيقة مشاعره.
النهار ده ماكنش شبه الست شهور اللي فاتوا.
النهار ده كان في زائر…
زائر هي الوحيدة اللي روان مش مستعدة تتعامل معاه.
منى… أمها.
ياسر فتح ليها الباب وراح اوضته
دخلت البيت باندفاعها المعتاد،
من غير ما تحسّ بالدنيا المتشققة تحت رجلين بنتها.
– السلام عليكم…
وبصّت حوالينها بقلق ودهشة:
– إيه ده؟ البيت كئيب كده ليه؟!
روان طلعت من المطبخ وهي ماسكة فوطة،
صوتها هادي… أهدى من الطبيعي:
– وعليكم السلام يا ماما… اتفضّلي.
منى قربت منها،
بصّة واحدة على شكلها…
على الهالات…
وعلى الهدوم الواسعة…
كانت كفيلة تكشف التعب.
– إنتي مالِك؟
خسّيتي ليه؟
وشّك أصفر ليه؟
هو البيت ده مافهوش شمس ولا إيه؟
روان حاولت تبتسم:
– كله تمام يا ماما… أنا بخير.
منى رفعت حاجبها:
– بخير إيه؟
ده انتي باين عليكي نايمة لوحدِك في أوضة…
ومش فاهمة انتي لسه هنا بتعملي إيه أصلاً!
الكلمة جرحت.
قوية… سريعة…
زي إبرة دخلت في مكان لسه ملتهب.
روان أخدت نفس واطي:
– أنا موجودة علشان… ملك.
منى ضحكت ضحكة مستفزة:
– ملك؟
يعني إنتي جاية تربي بنات الناس؟
ده انتي لسه في عزّك يا بنتي!
ليه الحوارات الغم دي؟
ليه الجواز اللي مافيهوش جواز؟
ليه تعيشي في بيت راجل مش جوزِك أصلًا؟
روان اتوترت:
– ماما… مش وقته.
منى قربت ووشّها شدّ:
– لأ… وقته!
ست شهور وانتي لسه نايمة في أوضتك؟
وهو نايم في أوضته؟
وبتعملي شاي وأكل وغسيل…
ومستنية إيه؟
يقولّك “شكراً”؟
يكتب لك شهادة تقدير؟
روان حسّت قلبها بيتخنّق:
– ماما… إحنا في بيت فيه حد مات…
مش معقول نتكلم كده.
منى رفعت صوتها:
– هى ماتت؟ آه… الله يرحمها.
بس إنتي؟
هتفضّلي ميتة معاها؟
ما تفوقي!
الناس كلها بتتكلم!
وبيقولّوا إنك ساكنة في بيت راجل…
ومن غير جواز حقيقي…
ولسه “بتبيتي” لوحدِك!
واللي حصل بعدها…
كان بالصدفة.
باب أوضة ياسر اتفتح.
واقف… بيسمع كل كلمة.
وشه اتغير.
إيده اتشدّت.
وعينيه ولّعوا غضب.
منى كملت ومش شايفة إنه واقف:
– والنبي بقى… انتي بنتي!
مش هسيبك تعيشي خدامة عند حد!
لو هو راجل… كان بصّلك من بدري!
ولا الجواز كان “كلام على ورق” علشان البنت؟!
روان اتجمّدت…
مش عارفة ترد.
لكن صوت ياسر قطع الجو:
– منى.
صوته واطي…
بس فيه تهديد صريح.
منى اتفزعت، اتلفتّت عليه:
– هى! إزيك يا ياسر… أنا بهزر!
هو مشي خطوة… واحدة بس…
لكن كفاية ترجّعها لورا:
– بهزر؟
إوعي تهزّري في بيت فيه حرمة…
وفيه جنازة لسه ريحتها موجودة.
منى قالت بعصبية:
– أنا أمها!
وبخاف عليها!
مش عاجبك؟
ياسر رد ببرود مخيف:
– الكلام اللي اتقال… مايتقالش.
لا هنا… ولا برّه.
وروَان… مش خدامة.
ومش غريبة.
ومش قاعدة عندي بجميل حد.
ده بيتها.
وزي ما سارة قالت قبل ما تموت…
هي أمانة.
منى رفعت صوتها:
– أمانة؟
طب والأمانة دي نايمة لوحدِها ليه؟
وإنت نايم لوحدك ليه؟
وهي عايشة وسطكم كده ليه؟
الناس تقول إيه؟
ده لعب عيال!
روان قالت بسرعة:
– ماما بس خلاص!
ياسر بصّ لروان…
ثم لأمها…
وقال الجملة اللي سكّت منى:
– اللي بيني وبين روان…
مش لعب.
ومش من حقك تفسريه.
ومش هقبل كلمة عليها.
ولو تاني دخلتي أو ضايقتيها…
مش هتدخلي البيت ده.
منى اتصدمت…
واتجرحت…
لكن ماقدرتش ترد.
بصّت لروان:
– خلاص… أنا ما جيتش.
وخدت شنطتها… وخرجت.
الباب اتقفل.
روان واقفة…
عينها في الأرض…
وشّها أحمر…
وإيديها بترتعش.
ياسر فضل يبصلها…
مش عارف يقترب…
ولا يبتعد.
وقال بصوت واطي…
أقرب لاعتذار…
وأقرب لاعتراف:
– آسف…
إنك اتوجعتي بسببي…
حتى من أمك.
روان رفعت عينيها له…
نظرة وجع…
ونظرة خوف…
ونظرة حاجة جديدة بتتولّد جواها:
– مش ذنبك يا ياسر…
بس…
أنا تعبت.
هو قرب خطوة صغيرة…
وقال بحزن واضح:
– وأنا كمان…
تعبت يا روان.
المسافة بينهم؟
اتقلّصت لأول مرة من ست شهور.
وبداية التغيير…
بدأت من لحظة غضب أمّك.
وصيّة حب –
الفصل التاسع و العشرون
بقلم نسرين بلعجيلي
اليوم كان مايل…
يوم ريحته بتقول إن وجع جديد داخل البيت.
روان كانت بتكنّس الصالة،
وملك بتلوّن في الكراسة…
لما فجأة جرس الباب رنّ.
روان فتحت…
وبصوت عالي وراحة مفاجئة:
– إزيكم يا ولادي؟
أنا جيت!
قدريّة…
أم ياسر.
دخلت البيت وهي شايلة شنطة كبيرة،
وبصّت لروان من فوق لتحت…
بالنظرة اللي فيها حكم وإدانة واتّهام…
وكل ده من غير كلمة.
– اتفضلي يا طن…
قصدي يا ماما.
ردّت بحدّة:
– ماما؟
أنا مش أمّك يا بنتي.
أنا أمّ سارة…
وأمّ ياسر.
نسرين بلعجيلي
سكتت ثواني…
وبعدين رمت جملتها التقيلة:
– وجاية أقعد فترة…
لحد ما أفهم إيه اللي بيحصل في البيت ده.
روان اتكتم صوتها،
وحست الأرض تهتزّ تحت رجلها.
ياسر طلع من أوضته على صوتها:
– أهلاً يا أمي…
خير؟
قدريّة رمت الشنطة جنب الكنبة:
– خير؟
ده بيت بقى فيه اتنين…
واحد وواحدة…
ومحدش فاهم هما إيه لبعض!
الجملة دخلت قلب روان زي مسمار.
وياسر خد نفس طويل…
واضح إنه بيلمّ أعصابه بالعافية.
قدريّة قعدت وقالت:
– يا ابني…
انت راجل!
والبيت له حرمة!
والله لو كانت سارة عايشة…
ما كانتش هترضى اللي بيحصل ده.
ياسر قال بهدوء متحفّظ:
– أمي…
روان في البيت بوصية سارة…
وانا مسؤول عنها وعن البنت.
قدريّة زفرت بضحك مستفز:
– مسؤول؟
دي كلمة جديدة.
طب ما المسؤولية دي ليه ما عملتش منها زوجة؟
ليه لسه كل واحد في أوضته؟
ولا هي قفلته؟
ولا انت اللي مش قادر تبُصّ لها كستّ؟
روان اتسمرت.
ماتحركتش.
بس وشّها ولّع…
وحست قلبها الإجابة لوحده:
“فعلاً… هو مش شايفني ست؟”
ملك قربت من روان…
مستخبية في رجلها…
وروح البيت بقيت أتقل من الهوا.
قدريّة كملت:
– وبعدين؟
عايشين كده لحد إمتى؟
يا تتجوز واحدة تانية زي سلوى…
يا ترتّب أمورك…
يا البيت ده هيفضل معلق!
ياسر شدّ نفسه:
– أمي…
رجاءً…
مش قدّام ملك… ولا قدام روان.
ردّت بصوت عالي:
– روان إيه؟
هي اللي ماشيّة في النص…
لا متجوزة…
ولا مطلّقة…
ولا أم…
ولا ضيفة…
وعايشة كأنها “ممنوعة اللمس”!
روان سابت الكوباية اللي في إيدها…
ووقفت ثابتة…
مش قادرة ترد.
كل كلمة كانت نار.
ملك قربت منها زيادة…
وبصوت خافت:
– ماما روان… انتي زعلانة؟
روان طلعت ابتسامة مش ابتسامتها:
– لأ يا روحي… أنا بخير.
لكن الحقيقة؟
كانت بتتكسّر.
Nisrine Bellaajili
الليل… وأول ليلة بوجود قدريّة
قدريّة قررت من دماغها:
– أنا هنام في أوضة روان.
وهي تنام في أوضة ياسر.
لحد ما ربنا يفرّجها.
الجملة خلت قلب روان يقع.
روان حاولت تعترض:
– بس أنا…
قدريّة قطعتها:
– مفيش بس.
ده الصح.
ده البيت لازم يترتب…
مش يفضل هنا وهنا.
اضطرت روان تنفّذ.
ودخلت أوضة ياسر…
أوضة ريحتها سارة…
وجدرانها شايلة ذكريات مش بتاعتها.
وقفت في نص الأوضة…
زي غريبة.
دخل ياسر بعدها بخمس دقايق.
وشه مش مفهوم…
صمت تقيل…
عينه مش قادرة تبصّ عليها.
– آسف… على كلام أمي.
روان قالت بصوت هادي… مكسور:
– حقها…
من حقها تقول اللي هي شايفاه.
– لأ… مش حقها.
هي جرحتك.
روان بصّت للأرض:
– أنا مش فارق معايا…
فارق إنها…
اتوقفت.
مش قادرة تكمل.
هو قرب خطوة…
مش قريب قوي…
بس مش بعيد.
– روان…
أنا…
مش عارف أتعامل.
الليل…
وجودك هنا…
ملخبطني.
روان قلبها وقع من الجملة.
قالت بهدوء:
– ممكن… أنام على الكنبة.
– لأ.
انتي تنامي على السرير.
الجملة طلعت من غير قصد…
لكن فيها حماية…
وفيها توتر.
روان نامت على طرف السرير…
وهو على الطرف التاني…
ظهرهم لبعض.
لكن الحقيقة؟
ولا واحد نام.
ياسر كان بيحاول…
كان بيحاول يقرب…
يشعر…
يستجيب…
كان بيحاول يكون “راجل طبيعي”…
زي ما أمه قالت.
لكن…
إيده اتشنجت،
قلبه اتقل،
نَفَسه وقف.
“مش قادر.”
مش قادر ينسى سارة.
مش قادر يشوف حد غيرها.
مش قادر يكون مع امرأة تانية.
حتى لو قلبه بيتحرّك ناحية روان…
جسمه مش قادر.
هو بعد شوية قال بسمة وجع:
– أنا… آسف.
مش قادر…
مش دلوقتي.
الجملة دي…
كسرت روان.
مش لأنها كانت عايزه حاجة.
لأ.
لكن لأنها…
اتأكدت.
هو مش شايفها “ستّ”.
ولا شايف إنوثتها.
ولا شايف وجودها.
شايفها…
“مسؤولة عن بنت”.
“أمانة”.
“ظلّ حد تاني”.
روان وشّها ولّع…
دمعتها نزلت على المخدة…
بسرعة خبّتها.
وهمست:
– ولا أنا جاهزة…
ولا كنت عايزة ده.
بس…
شكراً إنك قلت.
هو لفّ ضهره أكتر.
كأنه بيهرب من الحقيقة.
روان نامت؟
لأ.
كانت بتبكي في سكات…
على شعور جديد:
إنها رغم قربهم…
لسه بعيدة.
بعيدة أوي.
تاني يوم…
الصبح ماكانش صبح.
كان “وجع جديد” داخل البيت.
ياسر صحى وأول كلمة طلعت منه:
– يا رب… ليه؟
كان باين عليه الزعل من بعيد،
وشه تعبان
وعينه حمراء
وصوته متكسّر كأنه قضّى الليل كله بيحارب حاجة جواه.
روان صحيت هي كمان…
مش عارفة تبصّ في المراية.
حست إنها غريبة في جسمها…
وغريبة في البيت…
وغريبة قدّام نفسها.
النوم الليلة اللي فاتت ماكانش نوم.
كان “طعنة”.
قدريّة كانت في الصالة،
قعدة على الكنبة…
وبصّالتهم بعين أمّ فاهما،
شايفة الغضب في وشّ ياسر،
وشايفة الانكسار في وشّ روان.
قربت من ياسر وسألته:
– في إيه يا ابني؟
مالك؟
وشّك مش مظبوط.
هو ردّ بحدة متضايقة:
– مافيش… صباح الخير وخلاص.
قدريّة بصت لروان:
– وانتي؟
عاملة زي اللي باتت تبكي.
فيه إيه حصل بينكم؟
روان اتحرّكت على طول لجوه المطبخ:
– هعمل الفطار.
هربت…
لأن عينيها ماكانتش تستحمل حدّ يشوفها.
قدريّة قالت لياسر بصوت خافت:
– انتو لسه زي ما انتو؟
ولا… الدنيا لسه بتتقلب؟
ياسر ردّ بنفَس غاضب:
– سيبيني يا أمي… بالله عليك سيبيني.
قدريّة فهمت إن مافيش “حاجة حصلت”…
وسكتت.
نسرين بلعجيلي
الليل… اللي البيت كله كان مستنّيه
قدريّة قضّت طول اليوم كلام…
تلمّح…
وتضغط…
وتهوّي على نفس الفكرة:
– البيت لازم يستقر.
– البنت مش هتعيش طول عمرها تشوفكم متغربين.
– أصل الجواز مسؤولية ومشاركة.
– انتي ستّ يا روان… مش حِرمة معلّقة.
– وهو راجل… لازم يعيش حياته.
الكلام كان داخل زي المسامير في روح روان.
وياسر…
كان بيهرب من الكلام
بس مش قادر يهرب من أمه.
ولما الليل دخل…
قدريّة قالت:
– خلاص… كل واحد على أوضته.
وأنا مش طالعه من البيت غير لما أتطمن إن الدنيا رجعت تتظبط.
الجملة دي كانت زي الباب اللي اتقفل على الاتنين جوه أوضة واحدة.
عدت الايام و روان و ياسر بنامو في نفس الغرفه اتعودو شويه
اللحظة اللي اتكسّر فيها الاتزان
روان دخلت الأوضة…
مشية بطيئة
زي واحدة داخلة على حُكْم مش على سرير.
ياسر دخل بعدها.
سكت.
قعد على طرف السرير.
نفَسه كان مضطرب…
مش مبسوط…
مش مشتاق…
ده كان راجل تايه بين ألم قديم… ووجود جديد.
روان قالت بصوت هادي:
– لو مش مرتاح…
أنا ممكن… أنام مع ملك .
هزّ راسه:
– لأ.
سكت…
وبعدين قال جملة غريبة:
– أمي عندها حق…
البيت لازم يقف.
ملك لازم تشوفنا…
مش كده.
روان قلبها وقع.
حست إن الجملة مش رغبة…
دي “تأدية واجب”.
وبعد لحظات…
اللي حصل حصل.
من غير مشاعر.
من غير نبض.
من غير دفء.
كان اقتراب صامت… ثقيل…
زي واحد بيحاول يعبر حفرة وهو مغمّي عنيه .
وبعد ما خلص…
أول كلمة قالها:
– إنتِ…
إزاي وافقتي؟
إزاي؟؟
روان اتصدمت.
اتلخبطت.
سكتت لحظة طويلة.
هو وقف فجأة…
زي اللي لقى نفسه في كابوس:
– ليه… وافقتي أقرب منك؟
ليه ما قلتيش لأ؟
ليه ما بعدتيش؟
إزاي…
إزاي تعملي كده؟
ده…
ده خيانة لسارة!
خيانة!
إزاي انتي قبلتي تبقي جزء من ده؟!
الكلام نزل عليها زي الرصاص.
زي حد بيجلدها.
زي حد بيقول لها:
“إنتِ غلط… وإنتِ مش ست محترمة.”
روان وقفت…
رجلها بتترعش.
عينها اتملت دموع من غير ما تنزل.
قالت بصوت مكسور، أهدى من إنها تصرخ:
– أنا؟
أنا اللي خنت؟
إنت اللي قربت يا ياسر… مش أنا.
إنت اللي مددت إيدك…
مش أنا.
إنت اللي…
كنت بتدور على هروب…
مش على حب.
دمعة نزلت…
فنزل معاها كل جرح السنين.
– وأنا؟
كنت حسابات؟
كنت “حلّ”؟
كنت “بديل”؟
ولا كنت ستّ سهلة يتقال عليها إنها السبب؟
ياسر قرب منها بسرعة…
مش غضب…
صدمة:
– لا!
ما قصدتش كده!
لكن الجملة اللي بعدها قتلتها:
– أنا…
حاسس بذنب…
وإنتي قبلتي الذنب ده.
ومش عارف…
مش عارف أتعامل مع اللي حصل.
روان عضّت شفايفها عشان صوتها ما يتهزش:
– وأنا؟
أنا مش عارفة أتعامل مع اللي قلته.
ولا مع نظرتك.
ولا مع إحساس إنك بعد كل ده…
لسه مش شايفني “ستّ”.
مش شايفني إنسانة تستحق احترام.
لفّت…
وباب الأوضة اتفتح بإيدها المرتعشة.
– ياسر…
أنا مش غلط.
ومش رخيصة.
ومش بديلة.
لكن اللي قلته…
خلّاني أحس إني…
ولا حاجة.
خرجت .
وما استنّتش يبصّ لها.
ولا سمع وراها إلا نَفَس تقيل…
وباب اتقفل عليها من جوّا.
وهي…
باتت تبكي لحد ما صوتها راح.
وهو…
بات يكره نفسه لحد الفجر.
البيت بعد خناقة الليلة اللي فاتت…
مكانش بيت.
كان “ساحة حرب” هادية…
لكن كل ركن فيها بيصرّخ.
روان ما نِمتش.
قعدت في أوضه ملك تبكي لحد الفجر.
الكرامة اتكسرت…
القلب اتقطع…
والصوت اللي جواها كان بيقول:
"أنا إزاي قبلت ده؟
أنا إزاي سمحت لنفسي أتوجّع بالشكل ده؟
أنا رخيصة؟
ولا أنا ستّ محترمة اتاخد منها حقها؟"
نسرين بلعجيلي
قبل ما الشمس تطلع…
كانت لابسة هدومها، ماسكة شنطتها،
وخرجت من البيت…
من غير ما تبصّ وراها.
قدريّة كانت صاحية…
وشافت روان ماشية.
ابتسمت ابتسامة صغيرة…
النوع اللي يخوّف.
– ماشي يا بنتي…
أهو ربنا بيسهّلها…
يمكن دي علامة إنك تطلّعي من حياة ابني بقى…
وأهو اجوزه لسلوى ونرتاح.
وقالت بصوت مسموع:
– ياسر!
روان مشييييت!
ياسر فتح باب أوضته بسرعة…
وشه كان متلخبط…
وعنيه باينة فيها ليلة كاملة من عذاب:
– رااااحت فين؟!
قدريّة قالت ببرود:
– الله أعلم.
بس بصراحة؟
كان لازم تمشي من زمان.
انتهينا.
ياسر ما سمعش كلمة.
قام بسرعة…
بس متأخر.
روان كانت سابت البيت بالفعل.
Nisrine Bellaajili
روان… في حضن أمها
منى أول ما فتحت الباب وشافت بنتها…
اتخضّت:
– يا نهار أبيض!
إيه اللي حصل؟!
عيّانة؟!
اتضربتي؟!
روان ماقدرتش تمسك دموعها…
قعدت على الأرض عند رجل أمها:
– يا ماما…
أنا…
أنا اتكسرت…
حاسّة إني قليلة…
حاسّة إني مش ستّ نظيفة…
حاسّة إنه…
إنه شافني غلط.
منى حضنتها جامد:
– هو قالّك كلمة؟
هو قلّل منك؟
ده أنا … أعلّمه الأدب!
روان تبكي:
– لأ…
بس…
قالِّي:
“إزاي وافقتي تقربي مني؟
إزاي ما رفضتيش؟
ده ذنب…
وخيانة…
وإنتي قبلتي الذنب."
حطّت وشّها في حضن أمها:
– يا ماما…
أنا مش قليلة…
صحّ؟
منى مسحت على راسها:
– قليلة إيه؟!
ده راجل موجوع وبيطلع وجعه في أي حد.
انتي ستّ محترمة…
وما عملتيش حاجة غلط…
ده جواز…
مش خطيّة.
روان هزّت راسها:
– طب ليه حاسّة إني وحشة؟
إني غلط؟
إني… أقل؟
منى قالت كلمة كسرت مشاعر روان:
– لأنه لسه بيحب مراته.
وانتي…
جرّحتي قلبك مع حد لسه قلبه مش ملكه.
ياسر… قرر يروح عند الشيخ عبدالمنعم
ياسر ما راحش شغله.
لبس هدومه وطلع على المسجد.
الشيخ كان بيقفل بعد صلاة الضهر.
– يا مولانا…
ممكن دقيقة؟
الشيخ بصّله:
– تعالَ يا ياسر… شكلك شايل همّ.
ياسر قعد قدّامه…
وحكى.
حكى كل حاجة…
وجُمله كانت بتقطع:
– أنا…
قربت من روان…
وبعدها حسّيت بذنب…
صرخت فيها…
جرحتها…
كسّرتها.
الشيخ سأل سؤال واحد:
– هي أجبرتك؟
– لا…
أنا اللي قربت…
هي ما قالتش كلمة…
ما طلبتش…
ما تكلمتش…
كانت محترمة…
وبعدها أنا…
اتهمتها إنها “قبلت الذنب”.
الشيخ نفخ نفس ضيق:
– يا ياسر…
إنت ظلمتها.
ياسر رفع عينه بسرعة:
– ظلمتها؟
– أيوه.
باسم الدين كمان…
وده أخطر ظلم.
ياسر اتشدّ:
– بس دي… كانت ليلة غلط.
الشيخ بصّله بحدة طيبة:
– غلط؟
ده جواز يا ياسر.
دي مراتك.
وحقّك الشرعي…
وحقّها هي كمان.
وسكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي ضربت قلب ياسر:
– إنت اتعصّبت…
مش لأنها غلطت…
لكن لأنك حسّيت مع روان
بحاجة أكتر من اللي كنت بتحسه مع سارة.
وده رعبك.
ياسر اتجمد.
الكلمة كانت صاعقة.
الشيخ كمل:
– إنت خايف من السعادة.
فاكر إن لو حبيت روان…
تبقى خنت ذكرى سارة.
وآديك بتعاقبها…
وبتعاقب نفسك.
– يا مولانا…
أنا…
أنا مش قادر أحب حد بعد سارة.
– ومين قالّك إن الحب الثاني خيانة؟
يا ياسر…
سارة ماتت وهي راضية.
كانت شايفة الخير في روان.
وانت…
بتاخد وصيتها وترميها في الأرض.
– أنا… جرحتها.
جرحت روان جامد.
قولتلها كلام…
حرام ينقال.
– يبقى قوم…
قوم وخد خطوة الرجولة:
تروح تعتذر.
تعالج اللي كسرتُه.
الست دي ما عملتش حاجة غلط.
انتا اللي جرحت قلبها…
وبعدين شيلتها و شيلت نفسك ذنب مش موجود نهائي .
ياسر دموعه نزلت:
– أعمل إيه طيب؟
الشيخ قرب منه:
– قول لها الحقيقة.
مش حقيقة كلامك…
حقيقة قلبك.
قول لها إنك خوفت…
وتلخبطت…
وإنك…
حسّيت بيها.
وحسّيت إنك لسه عايش.
ياسر قام…
وقف قدّام الشيخ:
– هروح.
مش هسيبها زعلانة.
الشيخ ابتسم ابتسامة كلها رضا:
– روح…
وافتكر:
روان مش بديلة.
روان اختيار قدر…
وسارة كانت فاهمة ده قبلك.
الطريق من بيتهم لبيت منى…
كان أطول طريق مشي فيه ياسر في حياته.
إيده كانت بتترعش…
وصدره مقبوض…
وكل خطوة كان يحس إنه رايح يشوف “الغلطة اللي عملها بإيده”.
وهو واقف تحت بيت منى…
وقف ثواني قبل ما يخبط.
اتجمّد.
لو ما فتحتش؟
لو رفضت تسمعني؟
لو ماتت جواها الكلمة اللي قولتها؟”
تنفّس…
وخبط.
منى فتحت الباب…
ولما شافته، وشّها اتقفل فورًا:
– إنت عايز إيه؟
ياسر بلع ريقه:
– عايز روان.
– مش هتشوفها.
– لو سمحتي يا منى …
دا موضوع لازم يتقال قدامها.
– لأ.
مش لازم.
بنتي اتكسرت بسببك…
وانا مش هسلّمها لحد يكسّرها تاني.
ياسر نزل راسه.
ما حاولش يرد.
ما حاولش يزق.
قال بس بصوت هادي…
صوت مش راجل…
صوت إنسان مكسور:
– حقّك تزعليني…
بس بالله عليك…
قولي لها إني هنا.
مش هروّح…
إلا لما تقبل تسمعني.
منى كانت هتقفل الباب…
بس صوت خافت جالهم من جوّه الصالة:
– مين…؟
روان خرجت.
عينها حمرا…
وشّها باين عليه ليلة كاملة بكاء.
ياسر لما شافها…
وقف كأن الهواء اتسحب من صدره.
روان وقفت ورا أمها…
ما قرّبتش.
ما قالتش كلمة.
نسرين بلعجيلي
ياسر بصّ مباشرة ليها:
– روان…
لو دقيقة بس…
دقيقة واحدة.
أشرحلك.
هي ما ردّتش.
بس منى قالت:
– ما فيش شرح…
كفاية اللي حصل.
روان رفعت إيدها لأمها…
إشارة بسيطة:
سيبيني.
منى اتنحت…
واترجعت ورا شوية.
روان خرجت لباب الشقة…
وقفت قدّامه.
مش قريبة…
ولا بعيدة.
وقالت بصوت مكسور…
بس ثابت:
– عايز تقول إيه يا ياسر؟
هو خد نفس طويل…
نَفس واحد هزّ صدره كله…
وقال:
– أنا غلطت.
غلطت جامد.
وأنا عارف.
وأنا…
مش هسامح نفسي بسهولة.
سكّت ثانية…
وكمل:
– أنا…
ما كنتش شايف.
ما كنتش قادر أفهم مشاعري.
كنت خايف…
خايف من اللحظة اللي حسّيت فيها إني…
إني عايش.
إني راجل…
مع ستّ مش أي ستّ.
معاك إنتِ.
روان دمعت…
بس ما كلّمتش.
ياسر قرب خطوة…
ووقف:
– لما قربت منك…
ما كنتش شايف غير إنتي.
وده خوّفني…
لأن دي أول مرة أحس بحاجة زي دي بعد سارة.
فبدل ما أعترف…
بدل ما أفرح…
هاجمتك.
وجرحتك.
وقلت كلام…
عمري ما كنت أقصده.
صوته اتكسر:
– إنتي مش رخيصة.
وما غلطتيش.
وما وافقتيش على حاجة غلط.
إحنا متجوزين…
وإنتي مراتي…
وملك أمانة في رقبتنا…
وسارة…
وصّت عليكي قبل ما تموت.
دموع روان نزلت…
والكلمة اللي حرّكتها كانت:
– طب… ليه صرخت فيّا؟
ليه حسّستني إني وحشة؟
ياسر مسك راسه بإيده:
– علشان…
حسّيت بحاجة جديدة.
حاجة خوفتني.
حسّيت إني…
لو بصّيتلك ثانية…
مش هعرف أوقف.
وحسّيت إني بخون ذكرى سارة.
مع إن الحقيقة؟
إني ما خنتش حد.
ولا إنتي خنتي حد.
إحنا…
اتلخبطنا.
روان سابت دموعها تنزل:
– أنا… حسّيت إني قليلة يا ياسر.
هو قرب خطوة…
وقال بصوت هادي وصادق:
– وانتي…
أغلى ستّ في الدنيا.
وآخر واحدة تستاهل تتكلم عليها كلمة وحشة.
وأنا…
جاي النهارده أقولك:
سامحيني.
وأوعِدي نفسك إنك مش هتشوفي نفسك بعيوني وأنا مكسور…
لكن بعيوني وأنا فايق.
روان بصّت في عينه…
ولأول مرة من أول يوم ماتت سارة…
شافت “الراجل” اللي كان موجود زمان.
مش المكسور.
مش المجروح.
لكن ياسر الحقيقي.
قال لها:
– لو رجع الزمن…
كنت هحضنك…
مش هصرخ.
ولو الزمن هيكمّل…
عايزه يكمّل وإنتي جنبي.
بس…
وقت ما تبقي جاهزة.
مش أنا.
روان مسحت دموعها بإيديها المرتعشة:
– أنا… محتاجة وقت.
هزّ راسه فورًا:
– تاخديه كله.
كله يا روان.
وأنا…
مش هبعد.
ولا هسيبك تتكسّري بسببي تاني.
منى قالت من جوه:
– ها ترجع معاه ولا لأ؟
روان اتلفتّت لياسر…
وبعدين قالت:
– هرجع…
بس مش النهارده.
ولازم…
نعيد حساباتنا.
ياسر ابتسم ابتسامة صغيرة…
أول ابتسامة صدق تطلع منه من شهور:
– زي ما تحبي.
بس أهم حاجة…
ما تبعديش عني أوي.
روان نزلت راسها…
ودخلت الشقة.
وياسر…
وقف قدام الباب دقيقة كاملة…
ثم مشي.
بس كان ماشي وهو أخفّ…
وكأن كلمة “سامحتك”
اتقالت له من غير صوت.
ايه رايكم في اللي حصل ؟؟؟
وصيّة حب – الثلاثون (الأخير)
بقلم نسرين بلعجيلي
البيت كان ساكن…
ساكن لكن مش مكسور زي قبل.
فيه هدوء يشبه نهاية عاصفة،
وهدوء بعدها الدنيا بتتنفّس من جديد.
عدّى يومين بعد ما ياسر اعتذر لروان.
رجعت البيت…
مش لأن الجرح اختفى،
لكن لأنها حسّت إن ربنا بيقول لها:
"لسه في حكاية ناقصة."
ملك أول ما شافتها، جريت وحضنتها…
حضن طفلة لقت أمّها التانية.
دموع روان نزلت، وملك مسحتها بإيدها الصغيرة:
– انتي زعلتي من بابا؟
– لأ يا روحي… أنا زعلت من الدنيا شوية.
– متروحيش تاني.
– مش هروح… وعد.
ياسر كان واقف في الباب،
شايف المشهد…
ولأول مرة من شهور
ظهر في عينيه لمعة أمل.
بس ماقربش…
ادّى المساحة، والوقت، والحق.
نسرين بلعجيلي
روان دخلت المطبخ تعمل شاي.
ده دايمًا أول شيء بتعمله لما تحاول تهدّى.
ياسر دخل بعدها بخطوة هادية…
ما قالش "صباح الخير"…
قال جملة أعمق وأصدق:
– أنا… نفسي أبدأ صح.
روان رفعت نظرها، مدهوشة:
– تبدأ إزاي؟
قرب منها… مسافة محسوبة، محترمة:
– أبدأ إني أكوّن بينا كلام…
مش واجب، ولا وصيّة، ولا خوف.
عايز أكون راجل… مش مجروح.
وعايز أشوفِك…
زي ما لازم أشوفك.
ستّ… مش ظلّ حد.
قلب روان خبط بخوف وراحة مع بعض.
قالت له:
– وأنا… عايزة أشوفك إنسان…
مش ذكرى حدّ تاني.
الكلام وجّعه…
لكنه قوّاه.
– تقدري… تديّني فرصة؟
– أديك… وقت.
والوقت… هو اللي هيقول الحقيقة.
ليل اليوم ده،
ملك نامت بسرعة،
والبيت كان فيه هدوء يشبه السكوت .
ياسر قعد في الصالة،
قدامه صور سارة…
مش علشان ينسى،
لكن علشان "يودّع صح".
روان قربت،
وقعدت قصاده.
قال ياسر:
– كل يوم… كنت بصحى أدور عليها.
حتى بعد ما راحت.
لكن النهاردة…
حاسس إن طيفها مش غضبان مني.
حاسس إنها… بتسامح.
روان دمعت:
– اللي بيحب حد…
ما يحبّش يشوفه ميت وهو عايش.
ياسر مسك راسه:
– أنا كنت ميت بجد.
وإنتي… رجّعتي جزء مني.
روان قالت بهدوء:
– وأنا… كنت بحس إني زيادة في البيت.
بس يمكن ربنا جابني مش عشان أكون بديلة…
لكن عشان أكون حماية.
ليك…
ولملك…
ولذكرى سارة.
سكتت ثم تابعت:
– الجرح مش هيتنسي…
بس مش لازم يقتل اللي بعده.
Nisrine Bellaajili
قبل ما تقوم،
مدّ ياسر إيده…
بس ما مسكهاش،
وقفها في النص:
– أقدر…؟
مش هلمس إلا بإذنك.
اتصدمت روان من طلبه.
الراجل اللي انفجر من أيام…
دلوقتي بيسألها إذن.
هزّت راسها.
مسك إيدها…
مش مسكة حب…
مسكة عهد.
– أنا مش طالب نسامح بسرعة.
ولا ننسى اللي حصل.
ولا نكمّل الليلة اللي وجعتنا.
أنا طالب… بداية.
بداية حقيقية:
من غير بديل…
ولا ظلّ…
ولا ذنب.
دمعة روان نزلت:
– وأنا… موافقة.
بس وحدة وحدة.
من غير استعجال ولا خوف…
ولا مقارنة.
عدّى أسبوع.
يوم جمعة هادي.
ملك ماسكة إيد روان وهما رايحين المسجد.
وياسر ماشي قصادهم…
ثلاث خطوات ماشية على خط واحد لأول مرة.
الشيخ عبدالمنعم شافهم،
ابتسم:
– الظاهر إن الوصيّة… كملت.
روان بصّت لياسر، وقالت:
– لأ…
الوصيّة ما كملتش.
ياسر ارتبك:
– لأ؟
روان ابتسمت:
– الوصيّة… بدأت.
وبدايتها مش لسارة بس.
دي لينا…
ولملك…
وللبيت ده.
علشان نتعلم…
إن الدنيا بتكسر…
بس بتجبر.
وإن الحب مش اللي ييجي بسرعة…
الحب اللي يتبني على وجع…
ويرجع يزهر.
ملك رفعت عينيها:
– ماما روان…
هتفضّلي معانا طول العمر؟
روان بصّت لياسر…
وياسر بصّ لها…
والإجابة خرجت من لسانه:
– طول العمر…
لو ربنا كتب.
روان ابتسمت…
ابتسامة كانت ناقصة من أول كلمة في الرواية.
ابتسامة امرأة…
موجوعة،
قوية،
متصالحة،
وبدأت تحب بوعي…
لا بضعف
خمس سنين عدّوا…
مش بسرعة…
لكن بالهدوء اللي بيجي بعد عاصفة كبيرة.
خمس سنين كانت كفاية إن البيت يتبني من جديد…
على حبّ، وراحة، ونضج.
ملك بقت 12 سنة…
بقت بنت كبيرة، عقلها سابق سنها،
وعيونها لسه فيها لمعة الطفلة اللي اتربت على يد اتنين حَبّوها بصدق.
سارة؟
سارة بنت روان وياسر…
عندها سنتين،
عنيدة، شقية،
وضِحكتها شبه ملك وهي صغيرة.
والبيت؟
بقى دافي…
بقى مليان حياة…
مش شبه البيت اللي كان زمان.
نسرين بلعجيلي
صباح جمعة جلسة عائلية
الشمس داخلة في السفرة،
الريحة ريحة فطار بيتي…
بيض، عيش سخن، عصير برتقال فلافل و طعميه سخنين .
روان قعدت على الكرسي،
سارة في حضنها،
تضحك وهي بتشدّ خصل شعرها:
– لأ يا سارة… هتخربيلي شعري والله.
ملك دخلت من المطبخ…
طولها زاد،
شخصيتها بقت أقوى،
لكن لسه بصة لروان نظرة أمّ تانية:
– ماما روان… انتي شكلك تعبانة شوية.
روان ابتسمت بخفوت:
– عادي يا ملك… يمكن من السخونية امبارح.
ملك قربت منها:
– مش سخونية… ده وش واحدة حامل!
روان فتحت عينيها بدهشة:
– ملك! استغفر الله العظيم… مين قال كده؟
ملك ضحكت:
– يا ماما أنا عندي 12 سنة… مش عيلة.
وبعدين… بابا كان بيبتسم طول الليل امبارح.
أكيد قلتي له حاجة!
ياسر دخل في اللحظة دي…
شايل طبق جبنة…
ولما سمع الجملة… وقف مجمّد.
روان احمرّت:
– ملك… اقعدي بس وما تقوليش كلام زي ده !
ملك بصوت عالي متحمس:
– يعني صح؟!
يعني احنا هنجيب بيبي؟؟
ياسر بصّ لروان…
ضحكة صغيرة ظهرت…
ضحكة راجل فاهم اللحظة كويس:
– قولي لها يا روان…
ولا أقول أنا؟
روان مسكت وشها من الخجل:
– خلاص خلاص…
أيوة…
احتمال…
أكون حامل.
ملك صرخت فرحانة:
– ياااااااه!
أنا هبقى أخت كبيرة… مرتين!
سارة وقفت على رجلينها الصغيرة على حجر روان،
وصوت ضحكتها سبق الكلام.
روان حضنتها:
– وهي هتبقى أختك برضه…
بس اختك الصغيرة دي هتتجنن لو ظهرت واحدة تانية تاخد لعبها.
ياسر قعد…
ومدّ إيده ولمس إيد روان بخفة:
– مبروك يا روان.
ربنا يرزّقنا البيبي ده بالسلام.
زي ما رزقنا بيكي.
روان نظرت له نفس النظرة اللي كان زمان مستحيل يبصّ لها بيها…
نظرة “مراته” مش “وصيّة”.
وابتسمت:
– وإحنا هنستقبل البيبي ده…
بقلب جديد…
وحياة جديدة.
ملك قالت بضحكة:
– طب هنسميه إيه؟
لو بنت نسميها إيه؟
ولو ولد؟
ارحمونا وقولوا!
ياسر ضحك:
– يا بنتي اهدي شويّة الأول…
ده لسه في بطن أمّك هوا لسه بدري .
ملك مسكت سارة اللي وقعت على رجلها:
– مش مهم… المهم البيت بقى عيلة جد!
وأنا أكبر واحدة…
وأكتر واحدة هتدلّع البيبي.
روان بصّت لياسر وقالت:
– شايف؟
هي دي اللحظة اللي استنيناها.
لحظة البيت لما يضحك…
من القلب.
ياسر ردّ بكل هدوء:
– ولحظة… سارة تبقى مبسوطة فوق.
لأن وصيتها… اكتملت.
روان دمعت…
دمعة رضا…
دمعة حب…
دمعة امرأة اتعذبت…
واتحبّت…
واتبنت من جديد.
سارة الصغيرة قربت على خد روان وباستها بوسه صغيره:
– ماااااااام!
ملك صرخت:
– شوفتي؟
هي عارفة إن في بيبي جاي يزاحمها.
ضحكوا التلاتة…
ضحك هادي…
صادق…
مليان حياة.
الليل نزل بدري…
البيت هادي،
وصوت سارة الصغيرة نايمة كان عامل زي موسيقى خفيفة.
ملك نامت بدري…
والبيت بقى هادي…
روان كانت واقفة في البلكونة،
الهوا البارد بيضرب ضهرها
والليل مفيهوش غير صوت قلبها.
سمعت خطوات…
التفتت.
ياسر واقف…
مش زي كل يوم،
كان في نظرته حاجة جديدة…
طمأنينة يمكن…
أو قرار.
قرب خطوة…
خطوتين…
وقف جمبها من غير ما يلمس،
لكن حضوره لوحده كان لمس.
قال بصوت منخفض:
– عندك وقت… نِتكلّم؟
روان شدّت نفس بطيء:
– عندي.
سكت…
بصلها…
وبعدين قال جملة هي ماكنتش مستعدة لها:
– إنتي عارفة…
إن حياتي اتقسمت نصين؟
نص قبلِك…
ونص بعدِك؟
قلبها وقع للحظة…
بس سكتت…
مستنية.
قرب أكتر…
وصوته بقى أعمق:
– زمان…
كنت فاكر إن سارة… آخر قلبي.
وإن بعد موتها…
مفيش حياة…
مفيش حب…
مفيش نفس.
غمض عينه لحظة…
ثم فتحها:
– لكن إنتي…
رجّعتيلي نفسي.
مش فجأة…
ولا بسهولة…
لكن بالتدريج…
بحنانك…
بالعقل…
بالصبر…
وبالوجع اللي شاركتيني فيه.
روان حسّت دمعة تتحرك…
بس مسكتها.
– ياسر…
هو قطع كلامها:
– اسمعيني بس.
لو في كلمة لازم تتقال قبل ما نبقى أب وأم للمرة التانية…
هي دي.
قرب لدرجة إنها حسّت دقّات قلبه:
– أنا…
بحبّك يا روان.
حبّ نضيف…
حبّ راجل شاف موت…
وشاف حياة…
واختارك إنتي تكمله معاه.
الجملة نزلت عليها زي نور…
زي حاجة بتتقال لأول مرة ومعاها راحة.
عينها دمعت…
لكن الدموع دي ماكنتش وجع…
كانت صدق.
– ياسر…
أنا كمان…
بحبّك.
مش حبّ طفلة…
ولا اندفاع…
ده حبّ بني على خوف…
واحترام…
ومواقف…
وكمية وجع ما يتحملهاش بشر.
وأكتر حاجة بحبها فيك…
إنك صادق.
بتغلط…
وبترجع تعتذر.
بتتكسّر…
بس بترجع تتصلّح.
ياسر أخد نفس طويل…
كأنه مستنّي الجملة دي من سنين.
قرب أكتر…
قال بصوت أوطى:
– في سؤال كان لازم يتسأل…
وانا خايف أسأله.
نسرين بلعجيلي
روان قربت خطوة…
إشارة إنها مستعدة:
– اسأل.
– ليه سارة ماتت يا روان؟
ليه ربنا أخدها؟
هل كان مكتوب لها العذاب؟
ولا كان ليها نصيب تاني فوق؟
روان مسكت إيده…
أول مرة تمسكه بمبادرة منها.
إيده بردانة…
كأنه طفل بيسأل عن حاجة موجعة.
قالت بلطف…
بإيمان…
بصدق معرفش يطلع غير من قلب موجوع اتداوى:
– ياسر…
ربنا ما بياخدش حد علشان يعذّبه.
ولا بموت حد علشان يعاقبه.
اللي بيموت…
بيكمل نصيبه فوق…
وإحنا بنكمل نصيبنا تحت.
سارة…
لو كانت هتتعذّب هنا…
ربنا سترها من تعب يمكن ما نقدرش نشيله.
ولو كانت حياتها قصيرة…
يبقى عمرها اللي اتكتب.
اللي يحبّ ربنا…
يعرف إن الموت مش نهاية…
ولا فراق…
ده انتقال.
دمعة نزلت من عينه…
أول دمعة من بعد سنين.
روان كملت:
– وسارة…
ما ماتتش وسابتك.
سارة…
سابتلك ملك.
وسابتلك وصيّة.
وسابتلك أنا.
ده مش عقاب…
ده ترتيب من فوق.
علشان لما قلبك يتكسّر…
تلاقي حد يلمّه.
ولما أنا أضيع…
ألاقي حد يلقطني.
وإحنا الاتنين…
نكمل اللي هي بدأت.
ياسر قرب…
وحط ايده على خدها…
مش بحزن…
لكن بحنان راجل اختار.
– ربنا كبير يا روان…
وأنا…
شاكر إنك في حياتي.
– وإنتَ…
جبر خاطر يا ياسر.
جبر ربنا بعتهولي.
ضحك بخفوت…
ولأول مرة قلبه ارتاح لفكرة إن السعادة مش خيانة…
لكن قدر.
قال بابتسامة هادية:
– ممكن… أحضنك؟
هزّت راسها…
وهو حضنها.
مش حضن شغف…
ولا هروب…
ولا خوف.
حضن…
“اتنين لاقوا بعض بعد ضياع كبير.”
وفي اللحظة دي…
كانت سارة الصغيرة بتبكي في أوضتها.
ملك خرجت تضحك:
– يا جماعة… بنتكم بتصحّي البيت كله!
ضحكوا الاتنين…
اتحسّ إن الحياة رجعت،
إن الوصيّة اكتملت،
وإن القدَر ما كانش موت…
كان حُب.بعد أسبوع من اعتراف الحب…
قرر ياسر وروان إن في حاجة ناقصة.
حاجة لازم تتعمل…
علشان القلب يستقر تمامًا.
كان يوم هادئ،
السماء صافية،
والهواء فوق التربة ليه ريحة دفا غريبة.
مسك ياسر يد روان،
وملك من يدها التانية،
وسارة الصغيرة نايمة في عربة الأطفال.
وصلوا للمقابر…
المكان اللي شهد آخر وجع،
والنهارده… جاي يشهد أول سلام.
وقف ياسر قدّام القبر،
دمعته نزلت من غير مقاومة…
لكن ما كانتش دمعة كسر،
كانت دمعة حنين.
قال بصوت منخفض:
– يا سارة…
أنا جيت.
وجبت معايا الناس اللي وصّيتي عليْهم.
ملك كبرت…
وروان؟
روان حافظة وصيتك أكتر مني.
روان قربت…
ركعت على الأرض،
ولمست الحجر بحنان:
– يا سارة…
أنا مش واخدة مكانك،
ولا اخدت حقك.
أنا هنا…
علشان أكمل اللي قلبك بدأه.
ملك أمانة…
وياسر أمانة…
وإنتِ…ليكي
دعوة في كل سجدة.
ملك قالت بصوت طفلة بريئة:
– ماما سارة…
أنا كبرت أهو.
ويا رب تكوني فرحانة بيا.
ياسر ابتسم وهو يبكي…
ابتسامة فيها امتنان وألم وراحة.
بصّ للسماء:
– يا رب…
زي ما جمعت بينا على خير…
اجمع روحها بالرحمة،
وخلّي ذكراها نور في البيت…
مش وجع.
روان قالت جملة خلت قلبه يرتعش:
– ياسر…
الحب مش واحد.
الحب رزق.
وسارة كانت رزقك الأول…
وأنا كنت رزقك الثاني.
وإحنا الاثنين…
مش ضد بعض.
إحنا امتداد لبعض.
ياسر مسك يدها…
مسكة كانت عهد… مش مجرد لمسة.
وقال:
– لو كانت سارة شايفة دلوقتي…
كانت هتبتسم.
لأنك…
الرحمة اللي ربنا بعتها لقلبي.
ملك قالت وهي تبوس القبر:
– ماما سارة…
إحنا بنحبك…
وهنفضل نزورك كل جمعة.
طلعوا يمشوا بهدوء…
وروان شايلة عربة سارة الصغيرة…
ياسر بص للبنت وقال:
– الحمدالله اننا سميناها سارة…
مش علشان ننسى،
لكن علشان نفتكر…
إن اللي راح…
ساب أثر جميل في حياتنا.
روان ابتسمت:
– وربنا يبارك في اللي جاي…
ويجمعنا كلنا على الخير.
ومشيو الثلاثة…
مع بعض…
على طريق واحد…
يسيبوا وراهم وجع قديم،
وياخدوا معاهم حب جديد،
ومستقبل مكتوب بقدر أحنّ.
في آخر صفحة من الحكاية…
وفي آخر نفس من رحلة طويلة بدأت بالوجع
وانتهت بالسلام…
نطلع بكلمة وحدة:
الحب رزق… والرزق ما بيغلطش.
سارة…
مشيت من الدنيا، بس ما سابتش الأرض فاضية.
سابت أثر…
سابت بنت…
سابت راجل بيحب من غير ما يعرف إنه لسه قادر يحب…
وسابت وصيّة صادقة…
وصيّة غيرت شكل بيت كامل…
وشكل قلوب كانت مكسورة.
روان…
ما كانتش بديلة،
ولا مسحوبة على وجع،
ولا ستّ اتشالت من مكانها.
كانت الطريق اللي اختاره القدر…
الطريق اللي مشى عليه القلب،
حتى وهو مرعوب… حتى وهو بيقاوم.
وياسر…
اتعلم إن الراجل مش اللي ما يعيطش،
ولا اللي يدفن ذكرى…
الراجل هو اللي يعترف…
ويرجع…
ويحارب…
ويصلّح اللي اتكسر بإيده.
وملك…
البنت الصغيرة اللي فقدت أول أم…
وبقت جزء من يدين أم تانية…
كبرت وهي فاهمة إن الأم مش بس اللي تولدك…
الأم… اللي تحبك كأنك أول وآخر هدية من ربنا.
سارة الصغيرة،
اللي اتسمّت على اسم أمّ عمرها ما شافتها،
هتكبر وتسمع الحكاية…
وتعرف إن فيها قلبين اتحبّوا مرتين…
مرة على الأرض…
ومرة بعد الرحيل.
الحكاية دي قالت لنا حقيقة واحدة:
القلوب اللي تتكسر… ممكن تتلحم.
والبيوت اللي تتهد… ممكن تقوم من جديد.
والحياة اللي توقف… ربنا يبعث لها باب تاني.
مش كل نهاية موت…
ولا كل بداية جواز.
في ناس بتمشي علشان ناس تعيش،
وفي حب بيموت علشان حب أحلى يتولد،
وفي وجع…
بيكون هو السبب إنك تشوف نور محدش شافه غيرك.
هذه ليست نهاية الرواية…
ولا نهاية الحب…
ولا نهاية الرحمة…
دي بداية جديدة…
كتبتها سارة بدمعتها الأخيرة،
وكمّلها ياسر وروان بقلبين اتخلقوا من وجع…
بس عاشوا بصدق.
وصيّة حب… مش قصة.
وصيّة حب… معجزة صغيرة حصلت في بيت صغير،
لكن هزّت حياة كاملة.
وإحنا نغلق الكتاب…
نقول:
اللهم ارزق كل قلب مكسور…
رحمة زي روان،
وحب زي ياسر،
وسلام زي سارة.
وانا كنسرين اقول ليكم شكرا على مشاعركم الصادقه وشكرا على قلوبكم الطيبه اللي حست بي وصيه حب
اشوفكم في قصه و روايه و موضوع تاني
كل سنه و انتم طيبين
اخر حاجه عايزه منكم
تقولو ليا ايه اللي اتعلمتوه من وصيه حب
بقلم نسرين بلعجيلي Nisrine Bellaajili
النهايه .......
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


تعليقات
إرسال تعليق