Header Ads Widget

رواية حين_تنفس_القلب شارع_خطاب_الجزء_الثاني الجزء الأول كان بعنوان "عذرا لقد نفذ رصيدكم"بقلم fatma_taha_sultan الفصل العاشر والحادى عشر والثاني عشر حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج

رواية حين_تنفس_القلب شارع_خطاب_الجزء_الثاني الجزء الأول كان بعنوان "عذرا لقد نفذ رصيدكم"بقلم fatma_taha_sultan الفصل العاشر والحادى عشر والثاني عشر حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



رواية حين_تنفس_القلب شارع_خطاب_الجزء_الثاني الجزء الأول كان بعنوان "عذرا لقد نفذ رصيدكم"بقلم fatma_taha_sultan الفصل العاشر والحادى عشر والثاني عشر حصريه وجديده 


اذكروا الله.

دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية.


____________


أعـرفُ عـن الحب شيئاً واحد .. 

أنك تُقرر أن تستقيل العالم وتعتكف داخل جسد إنسان...


#مقتبسة


‏كانَ البقاءُ بجانبكَ أمرًا حَنونًا و دافئاً ڪ وشاحٌ في فصلِ الشتاء...


#مقتبسة


في أوّل الحبّ ترتجفُ اليدان بلا سبب،

ويخفق القلبُ كأنّه تعلّم النبض من جديد،

تسري قشعريرةٌ خفيفة في الجسد

كنسمةٍ مرّت على الروح فأيقظتها،

فأدركتُ أن شيئًا جميلًا بدأ

دون أن يستأذن العقل.


#مقتبسة


‏البسيط من العُمر، أن تشرب الشَّاي في رحابة البيت مع مَن تُحب...


#مقتبسة


_______________


من وسط الكئابة التي تعيش فيها منذ أشهر..


منذ أن انقطعت رسائلة وقام بحظرها من كل المنصات حتى أن محاولاتها للحديث معه عبر حسابات جديدة وجدت نفس النتيجة وهي الحظر....


كان الشيء الوحيد الذي يسعدها رده عليها، حتى ولو كان لا يستخدم أي عبارات تدل على أن هذا الرجل معجب بها أو بمعنى أصح مازال يكن لها المشاعر....


لكنها كانت تكتفي برده عليها بين الحين والآخر حتى ولو كانت رسالة قصيرة كانت كفيلة بأن تعيد الأمل لقلبها بأن طريقًا ما قد يجمعهما من جديد.


كانت راضية بأي شيء قد يجعلها قريبة منه....


حتى ولو كانت ستظل الدمية الخاصة بوالدتها التي توجهها كيفما تشاء.....


صدع صوت هاتفها...


في المرة الأولى لم تتحرك، لم تهتم، حتى أنها لم تلتفت نحو الهاتف الموضوع فوق الكومودينو، لكن في المرة الثانية التفتت ثم مدّت يدها ببطء، ارتجفت أصابعها حينما قرأت اسمه....


 كان المتصل دياب لا أحد غيره....


لا تصدق!!

هل ألغى الحظر بها؟؟!!!

لكن متى؟؟؟


حتى بالأمس حاولت الاتصال به وكان مازال يحظرها......


هل هذا حلم جميل أم أن عقلها البأس هو من يتخيل؟!.


أجابت على الفور قبل أن تضيع الفرصة من يدها قائلة بنبرة متألمة:


-ايوة يا دياب، أخيرًا اتصلت وسمعتني صوتك، أنتَ كنت عاملي بلوك ليه؟ أنا عملتلك إيه يا دياب؟..


جاءها صوته باردًا، حادًا:


-عملتي إيه، أنتِ لسه بتسألي؟؟..


قبل أن يمنحها فرصة للرد كان يتابع حديثه:


-أنا عملتلك بلوك اه وهعملك تاني ودي أخر مرة هتسمعي فيها صوتي، ولو بتسألي عملتي إيه هقولك حاجة بسيطة جدًا من اللي عملتيها، أنك روحتي بعتي لمراتي صور علشان تخربي بيتي، عرفتي عملتي إيه؟.


شهقت ليلى وحاولت الدفاع عن نفسها:


-أنا كان...


قاطعها بغضب واضح:


-أنا مش متصل علشان اسمعك، أنا متصل علشان أنتِ اللي تسمعيني..


بالفعل صمتت ولم تجرؤ على الحديث وعلم بأن الرسالة وصلت إليها جيدًا فواصل وهو يعلم أن كل كلمة تصيبها في الصميم:


-كانت أخر حاجة اتوقعها منك أنك تعملي كده، أنا غلطت في حق مراتي لما رجعتي تكلميني ورديت عليكي، وعلشان تعرفي أنا مكنش في نيتي أي حاجة غير إني اطمن عليكي وعلشان كنت حاسس إني ممكن أكون ظلمتك زمان، أنا بحب ريناد وموضوعنا اتقفل من زمان.....


وتابع، كأن كل جملة سكين:


-أنا عمري ما فكرت أخون ريناد ولا اتجوز عليها ولا أي حاجة أنتِ عاملة حسابك عليها أو بمعنى أصح أمك اللي عملت حسابها عليها وحطتها في دماغك، زي ما راحت اتفقت مع حسين اللي شغال في الجراج...


ابتلع ريقه ثم أضاف:


- بالمناسبة صاحب الجراج مشاه وكان ممكن أخد إجراء اكتر من كده بس مردتش علشان امه اللي جت واتحايلت على صاحب المكان، وكنتم السبب في قطع عيشه..


أكمل بانفعال:


-طول المدة اللي فاتت وأنا عمال أفكر، ازاي اتصورتي في العربية لغايت ما بدأت اجمع وأعرف أن الأيام اللي كنت فيها ببات هنا وبركن العربية في الجراج كنت بسيب المفتاح فيه وده المكان الوحيد اللي تقدري توصلي ليه أنتِ وأمك.....


كان بالفعل الأمر أتخذ معه وقتًا طويلًا يدقق في الصور برفقة نضال، ويحاول عصر دماغه حتي يصل إلى حقيقة الصور...........


-دياب أنا بحبك ومكنش قصدي أنا بس...


قاطعها دياب فورًا:


-مبتحبنيش لو بتحبيني فعلا زي ما بتقولي مكنتش حاولتي تخربي بيتي، والغلط من عندي أنا؛ لأن مكنش ينفع أرد عليكي من البداية وأديكي أمل، أنا غلطت وأنتِ غلطتي بس دي أخر مرة هكلمك بالطريقة دي لأني لسه عامل حساب للعشرة...


ثم قال بنبرة أخف، لكنها موجعة وهي تحمل تهديدًا واضحًا:


-لو حاولتي أنتِ او أمك تعلموا أي حاجة تاني أو تقربوا من ريناد بأي شكل من الأشكال وحاولتوا تخربوا بيتي أنا مش هكلمك بالهدوء ده ساعتها ولا هعمل حساب حاجة وهتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه، سيبك من أمك أحسن وربنا يوفقك في حياتك بعيد عني، سلام.


هكذا أنهى المكالمة..

أنهارت....

بكت بهستيريا....


كأن روحها تُسحب منها فجاءت والدتها على صوت بكائها، التي كانت منذ المكالمة التي وصلتها من حسين صامتة، تفكر، تخطط، تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لذلك لم تخبر ابنتها وكانت تحاول البحث عن خطة جديدة.


-مالك يا ليلى؟.....


قالت ليلى من بين شهقاتها:


-دياب لسه قافل معايا...


ابتلعت والدتها ريقها وسألت بتوتر:


-رجع يكلمك يعني؟..


صاحت ليلى في وجهها:


-لا بيهزقني، دياب عرف كل حاجة وعرف الصور اتاخدت ازاي وبيهددني إني مقربش منه ولا من مراته....


ثم انهارت أكثر وهي تقول:


-كل حاجة راحت خلاص..


لكن والدتها التي لا تقبل الهزيمة أبدًا لذلك قالت ببرود مخيف:


-اهدي وبطلي عبط، وفهميني كده قالك إيه؟..


صرخت ليلى في وجهها:


-أنتِ لسه عايزة تفهمي إيه؟.


اقتربت منها وقالت بحزم:


-عايزة اعرف قالك إيه كلمة كلمة، وبعدين أحنا مش هنخاف منه، ولا الموضوع بمزاجه.......


__________


في اليوم التالي...


جاءت إيناس اليوم لزيارة والدتها، تحمل بين ذراعيها طفلها الرضيع "يزن" بينما أطفالها الثلاثة الآخرون في المدرسة، ونسمة (شقيقة جواد) كانت قد خرجت مع منيرة لحضور إحدى الندوات التي تحبها، تلك الندوات التي كانت إيناس ترافقها إليها أحيانًا قبل ولادة يزن،

أما الآن…...


فالأمومة سرقت وقتها نوعًا ما، حتى صارت زياراتها إلى عائلتها أصبحت نادرة، ولا تأتي إلا على فترات، رغم شوقها الدائم...


والدتها من تأتي إليها مع حور أكثر.....


في النهاية هي أصبحت أم لأربعة أطفال حتى ولو كان هناك من يساعدها، مسؤوليات الأم لا تنتهي تحديدًا لو كانت أمرأة مثل إيناس.....


أما موضوع اليوم..


كان عريسًا جديدًا إلى حور..


أتى لها من المنطقة وفاتحت والدته "حُسنية" في الأمر تخبرها قبل أن يتدخل الرجال أو يكن الأمر رسميًا...


قد تُطلق عليه النساء " جس نبض" معرفة ما إذا كانت الفتاة وعائلتها على استعداد بأخذ خطوة كهذه في الوقت الحالي ويرحبون بها أم لا؟!.


تمتمت حُسنية وهي تعد لها المزايا التي تراها في الشاب، كونها تراها صفقة مضمونة:


-الواد مهندس، معاه عربية، وعنده شقة وسنه مناسب ومحترم وهو وأهله نعرفهم من زمان يعني مفيهوش غلطة علشان حتى متحاوليش تديله فرصة..


كان الانزعاج ظاهرًا على وجه حور، لا تدري لماذا شعرت فجأة أن صدرها يضيق، وأن الدموع قريبة على غير عادتها....


ليست المرة الأولى التي يُفتح فيها هذا الموضوع لكن هذه المرة مختلفة بالنسبة لها، ربما لأنها منذ عودته، فلم تعد هي كما كانت، تشعر بتخبط غريب، كأن قلبها خرج عن السيطرة:


-يعني أنا قليلة؟ ولا بصمجية، هو ميطولش يتجوزني أصلا....


ثم أضافت بجدية:


-وبعدين أنا مش بفكر في الجواز على الأقل لغايت ما أخلص الجامعة..


تمتمت حُسنية بهدوء لن يستمر طويلًا وهي تحاول اقناعها:


-يعني هو هيجي يتجوزك بكرا؟ ما في تعارف وبعدين خطوبة يعني، أنتِ ليه مش عايزة تدي حد فرصة؟.


نهضت حور فجأة، كأن المكان لم يعد يتسع لها، وتحت أنظار إيناس التي كانت تتابع الحوار بصمت، وهي تهدهد طفلها النائم بين ذراعيها...


هتفت حور بانفعال:


-كده علشان ببساطة مش عايزة اتجوز بلغيهم زي كل مرة، أنا مش عايزة اتجوز لسه عندي حاجات كتير محتاجة اعملها في حياتي...


صاحت حُسنية خلفها بحدة، بعدما رحلت إلى الحجرة:


-هتعملي إيه يا فيلسوفة يعني؟؟.


تمتمت إيناس محاولة أن تهدئه والدتها:


-خلاص يا ماما مضايقيش نفسك ولا تضغطي عليها، حور لسه صغيرة يعني على الإصرار ده ولسه الحياة قدامها سبيها براحتها؛ لسه نصيبها مجاش.


ردت حُسنية بتلك الجملة التي تسكن عقل كل أم:


-يا بنتي أنا عايزة أطمن عليها زي ما اطمنت عليكي، واطمن على دياب، صحيح هو زعلان من مراته ومصيره هيرجعوا وهيرجع تاني بيته وهو راجل في الأول والآخر، لكن لو أنا حصلي حاجة، حور هتكون لوحدها؛ وأنا عايزة اطمن عليها واجوزها....


تمتمت إيناس بخوف حقيقي وقد شحبت ملامحها عند هذا الاحتمال، يكفي الخوف والرعب التي تعيش به هي والعائلة عند كل فحص تكرره والدتها كل بضعة أشهر خوفًا من أن يعود لها هذا المرض اللعين مرة أخرى:


-بعد الشر عليكي يا ماما، متتكلميش كده ولا تقولي الكلام ده..


ابتسمت لها حُسنية ثم غمغمت:


-يا بنتي ده حال الدنيا محدش دايم لحد..


-ربنا يطول في عمرك يا حبيبتي ويخليكي لينا وتفرحي بيها يارب، بس بلاش تفكري بالطريقة دي تاني.


تمتمت حُسنية بهدوء حتى لا تحزن ابنتها في الساعات القليلة التي جاءت حتى تجلس فيها معهم:


-ماشي..


ثم تابعت وهي تقوم بتغيبر الموضوع:


-طمنيني جوزك عامل إيه والعيال؟..


ردت عليها إيناس بنبرة هادئة:


-الحمدلله، هو سافر امبارح في مؤتمر وهيرجع كمان أسبوعين، والولاد كويسين الحمدلله..


-يرجع بالسلامة يا حبيبتي..


ثم سألتها حُسنية باهتمام:


-بتكلمي هدير؟..


هزت إيناس رأسها بهدوء:


-اه بكلمها، بصراحة مش كل يوم بس بكلمها يعني ودايما بسألها لو محتاجة حاجة، حتى كنت هقولك لو نجيب ليها هدية أو حاجة قبل ما تسافر...


-نفكر يا بنتي وهحاول أسال حور لو هي محتاجة حاجة معينة، ما أنتِ عارفة طول النهار هي ماسكة التليفون يا بتكلمها يا بتكلم وفاء يا بتكلم ريهام....


ضحكت إيناس بخفة وكان طفلها قد نام في أحضانها تقريبًا..


قالت حُسنية وهي تفكر:


-دياب كان بيقول طارق بعد ما أخته تسافر بيفكر أنه يستقر بقا ويتجوز وأنا كنت بفكر في نرمين بنت فتحي العجلاتي ارشحها ليه، مناسبة ليه في السن وحاجات كتير وبت محترمة ومتربية وهادية كده تحسيها تليق لطارق.....


قبل أن تعلق إيناس على حديث والدتها كانت جاءت حور التي على ما يبدو تسترق السمع وقالت بعصبية:


-إيه يا ماما اشتغلتي خاطبة رسمي في المنطقة ولا إيه؟..


انحنت حُسنية بسرعة، وخلعت حذاءها المنزلي وألقته نحوها، في حركة تلقائية ومعتادة على فعلها، لم تصبها مع الأسف، لكن الرسالة وصلت.........


قالت حُسنية وكأن يلزمها شاهدًا على أفعال حور:


-شايفة قلة أدبها؟..


قهقهت إيناس محاولة كتم ضحكتها:


-دي حور يا ماما، هي جديدة عليكي يعني؟ أنتم طول النهار بتتخانقوا وبتسمعوا الناس صوتكم وفي الأخر هتلاقيها قاعدة في أخر الليل في حضنك وبتلعبي في شعرها.....


___________


لم تتوقف حور...


اتصلت بـريهام صديقتها من الجامعة وأخبرتها بمحادثتها مع والدتها، وكان تبريرها بأنها لا ترغب في الزواج......


شعرت بأنها لا تستطيع التوقف...


فاتصلت بـوفاء "التي جاءت من السفر ليلة أمس" تخبرها بما حدث معها، ولكن التبرير هنا اختلف كونها هي الوحيدة التي تعرف نوعًا ما بعد "جواد" مشاعرها تجاة طارق والتخبط التي تشعر به....


وقتها وفاء أخبرتها بأن الأمر لا يستدعي هذا كله، ليست المرة الأولى التي تتحدث فيها والدتها عن أمر الزواج، أما مشاعرها تجاة طارق كانت وفاء تراها واهية لا تدري ما الذي حدث لها....


لكنها لم تعد تصدق أو تؤمن بالحب..


تحديدًا مشاعر حور بل تحاول اقناعها بأن تتوقف عنها وتهتم بدراستها فقط.....


لقد خذلها الحب مرة قبل حمزة...


وحمزة خذلها وأفقدها ثقتها في الرجال بما فعله معها، وما فعله بابنة عمها.......


لذلك لا تجد أن الحب قد يأتي بتلك الطريقة التي تشعر بها حور.......


رُبما يأتي بالعشرة ومرور الوقت والسنين لا أكثر...


هي تفضل الاحترام عن الحب.....


لذلك مكالمتها مع وفاء لم تجعلها تتوقف عن التفكير......

وبعدها اتصلت بها هدير...


جاءت في وقتها ولكن أخبرتها القصة بما يجب أن تعرفه فقط......


كان رد هدير عليها عاديًا:


-مكبرة الموضوع والله يا حور، دي مش أول مرة، مش هيجوزوكي بالغصب زي المسلسلات اللي بنتفرج عليها يعني....


تمتمت حور بجدية:


-أنا غلطانة إني بحكيلك أو بحكيلكم بعد كده أنا هحتفظ بكل حاجة لنفسي ومشاعري لنفسي..


ضحكت هدير وهي تقوم بغسل الصحون:


-ماشي ماشي هعمل نفسي مصدقة، أنتِ أصلا مبتعرفيش تقفلي بوقك يا حور علشان تحتفظي بالحاجة وتسكتي....


قالت حور باستسلام:


-معاكي حق، خلاص هروح اخد دش وأرش بدي سبلاش واذاكر وخلاص وهبطل دراما...


-ماشي يا عروسة..


سمعت صوت حور تصيح عبر الهاتف:


-متقوليش عروسة، أنتِ اللي عروسة وستين عروسة..


ضحكت هدير أكثر وهي ترد عليها:


-أنتِ ليه بتتكلمي كأنها شتيمة؟ أنتِ عبيطة؟...


-سلام يلا وقتك خلص معايا.


-سلام لما تكون عاقلة كلميني.


هكذا انتهت المكالمة بينهما وفي تلك اللحظة وهي تغلق الصنبور سمعت هدير صوت شقيقها:


-بتكلمي مين؟..


يسأل كأنه لا يعلم!!

أو رُبما يرغب في أن يتأكد......

فبدأت تشعر بأن هذا السؤال يتكرر كثيرًا منذ عودتهما على عكس عادة طارق...


ردت عليه هدير بتلقائية:


-بكلم حور هو في غيرها، جايلها عريس وعاملة مناحة.....


شيئًا تغير بداخله عند سماع تلك الجملة لكنه لم يظهر على وجهه فحاول الحديث بنبرة جادة:


-طيب مبروك إيه المشكلة؟.


قالت بجدية:


-مبروك إيه؟ ما هي مش عايزة، عريس جايلها من المنطقة عن طريق طنط حسنية..


ثم تابعت:


-المهم هنأكل إيه؟.


قال طارق بلا شهية ويبدو أنه فقدها للتو:


-اللي أنتِ عايزاه اعمليه، اعملي أي حاجة سهلة وخلاص..


____________


....بعد مرور ثلاثة أيام.....


....في فيلا عز الدين.....


كانت حُسنية تجلس في الحديقة بصحبة ابنتيها، بينما جاءت نسمة وألقت عليهما التحية سريعًا، ثم ما لبثت أن تركتهما ودخلت إلى الداخل فور وصول مُدرسها الخاص......


ففي تلك الفترة بدأت تتعلّم العزف على البيانو، موهبة شعرت أن بذورها موجودة بداخلها منذ زمن، وأرادت أن تمنحها فرصة حقيقية....  


احتضنت حُسنية حفيدها الصغير يزن، بينما لم يكن الأطفال الثلاثة قد عادوا بعد من المدرسة؛ فقد جاءت إلى إيناس مبكرًا مراعاةً للمسافة الطويلة في الذهاب والعودة........


وقد حضرت هي وحور بسيارة عبر أحد التطبيقات، على أن يأتي دياب لاحقًا ليصطحبهما ويُلقي التحية على شقيقته، في الأيام الماضية كان لديه مشكلة كبيرة في عمله جعلته يقضي الأيام الماضية هناك برفقة نضال وطارق......


راقبت إيناس ملامح والدتها بقلقٍ واضح، ثم تمتمت:


-مالك يا ماما، حضرتك كويسة؟ شكلك مرهقة أوي.........


قاطعتها حور بنبرة مرحة وسطحية:


-بس بقا أحسن تقولك حور السبب، مهوا أي حاجة بتجيبها في حور..


ردت حُسنية بحزمٍ رغم الإرهاق الذي لا تخطئه العين:


-اتلمي يا بت.


ردت حور ببساطة:


-حاضر اتلميت..


ابتسمت إيناس لكن هذا لم يمنعها من تكرار السؤال مجددًا لأنها لم تحصل على إجابة وتشعر بأن والدتها ليست على ما يرام، ورُبما هي تهتم أكثر من الطبيعي منذ أن أصابها هذا المرض:


-أنتِ كويسة يا ماما؟؟.


تنهدت حُسنية وقالت بإرهاق:


-مش عارفة يا إيناس مصدعة أوي من الصبح وحاسة أن عيني مزعللة شوية..


نهضت إيناس فورًا، والقلق يتسلل إلى ملامحها:


-طب وساكتة ليه من الصبح يا ماما؟.


ثم تابعت وهي تأخذ الطفل من بين يدها حتى لا ترهقها:


-هروح اجيب جهاز الضغط اقيسلك الضغط، والسكر كمان؛ ولا أقولك نروح المستشفى.


رغم أن حُسنية تشعر نفسها ليست على ما يرام لكنها رفضت ذلك كعادتها وهي تلوح لها:


-يا بنتي متكبريش الموضوع.....


القلق تسلل إلى قلب حور أيضًا، ذهبت إيناس وجاءت بتلك الأجهزة المنزلية، ثم قامت بقياس الضغط، فكان مرتفعًا بشكلٍ ملحوظ، وبدت والدتها شاحبة أكثر من اللازم.....


 لم تتردد لحظة، سلمت الطفل للمربية وغيرت ملابسها بسرعة، وأخذت والدتها وشقيقتها متجهةً إلى المستشفى الخاصة بجواد، هذا بعدما اتصلت به وأخبرته بما حدث..


فأخبرها بأن تأخذها إلى المستشفى وهناك سوف يقومون باستقبالهما فهو لم يعد من سفره بعد، لكنه سوف يتابع الأمر ويبلغهم في المستشفى.....


بالفعل تم استقبالهما في المستشفى، وأخذوها على الطوارئ وخضغت إلى بعض التحاليل، ورسم قلب وفحوصات أولية...


كان تشخيص الطبيب المبدئي هو أزمة ضغط مفاجئة، فتم حجزها تحت الملاحظة عدة ساعات، إلى أن استقر الضغط تدريجيًا......


وكان دياب قد وصل سريعًا بعد اتصال من حور.....


جلست حور إلى جوار والدتها على الفراش، وقالت بنبرة خافتة:


-نفسي يا ماما لما تحسي بحاجة تقولي بلاش تسكتي...


ردت عليها بحسنية جملتها المعتادة:


-هما هنا بيكبروا الموضوع، عادي أن أي حد ضغطه يعلى.


تمتمت إيناس مستنكرة:


-أنتِ بتتكلمي بجد يا ماما؟ أنتِ عارفة ضغطك كان كام؟ ولسه بتقاوحي..


زفرت حُسنية بضيقٍ:


-متقعديش بقا تصدعيني، شوفي الدكتور فين علشان نمشي، هو قال هيقيس الضغط ليا تاني بعدين يمشيني أنا عايزة اروح البيت...


بالفعل...

بعد دقائق، جاء الطبيب، طمأنهم على نتائج التحاليل التي كانت مطمئنة في المجمل، مع نقصٍ بسيط عوّضه ببعض الفيتامينات، غادروا المستشفى، وركبت حُسنية السيارة الخاصة بـ دياب، وجلست حور في الخلف......


وقف دياب إلى جوار إيناس أمام السيارة وقال:


-هتعرفي تسوقي في الجو ده؟ سيبي العربية هنا وأوصلك أحسن...


تمتمت إيناس بنبرة هادئة وهي تربت على كتفه:


-متقلقش، وبعدين المطرة هتقف يعني مش هطول وهي أقل من ربع ساعة وهكون في البيت ان شاء الله، المهم أنتَ خلي بالك على نفسك وأنتَ سايق وخلي بالكم من ماما، لما تحسوا أنها مش كويسة متسكتوش أنتم عارفينها بتقعد تطنش..


ثم أضافت في نهاية حديثها وهي تخبره:


-بكرا ان شاء الله هجيب الولاد واجي....


-ماشي يا حبيبتي متقلقيش.


أردفت إيناس بمعاتبة:


-مش هتبطل بقا الفلوس اللي بتحولها ليا كل شهر دي؟ كفايا عليك يا دياب أنتَ عندك بنت وعندك ماما وحور ومسؤوليات كتير وأنا مش محتاجة ده..


ابتسم دياب ثم أخبرها بنبرة جادة:


-دي حاجة بسيطة، حتى لو كان جوزك كويس ومش محتاجة حاجة برضو هفضل ابعتلك علشانك وعلشان جواد وجنى في النهاية هما مش عياله، عارف أنه بيعاملهم زي عياله يالظبط بس برضو لازم يكون ليهم فلوس تانية.


صمتت ولم تعقب...


فهي تحدثت معه على مدار سنوات بالعديد من الأساليب ولم يقتنع يرى بأن هذا واجبًا عليه تحديدًا جنى وجواد، لديهما معزة خاصة بقلبه ويرى بأن من واجبه إرسال مصاريف لهما شهريًا، حتى ولو كان لديهما الأكثر لكنه لا يتوقف عن فعل هذا........


احتضن شقيقته ثم ترك قُبلة على رأسها وغادر....

كان المطر يشتد.....

قد أقترب من المنزل....


فسمع صوت شقيقته تتحدث في الهاتف، لم يكن منتبه لها في البداية فكان يحاول التركيز في القيادة التي تصبح صعبة نوعًا ما في هذا الوقت، غير الازدحام المزعج......


أنهت حديثها:


-خلاص تعالي على البيت أحنا قربنا نوصل، سلام..


سألها دياب بفضول:


-مين دي اللي جاية هدير؟.


ردت عليه حور بعفوية وهي تخبره بينما والدتهما تتابعهما في صمت:


-بكلم ريناد، كلمتني لما كنا لسه في المستشفى وكانت جاية على هناك بس خلاص دلوقتي هتيجي على البيت......


عاتبتها حُسنية قبل أن يتحدث هو:


-طب ليه يا بنتي قولتلها؟؟ الجو وحش، مكنش لازم تقلقيها.


أردفت حور بغيظٍ وشعور بالانزعاج:


-معرفش بقا، أهو اللي حصل هي سألتني صوتي عامل كده ليه وأنا فين لما كانت بتكلمني هي وليان ومعرفتش أحور عليها أنا مبعرفش أكدب.......


قالت حُسنية وهي توجه حديثها إلى ابنها:


-كلمها يا ابني وقولها بلاش تيجي في الجو ده وخلاص.


ثم تابعت:


-أو هاتي موبايلي أنا أكلمها الشنطة معاكي ورا.


تمتم دياب بهدوء:


-خلاص يا ماما أنا هكلمها ارتاحي أنتِ.


بالفعل بعد ثواني كان وضع السماعات في أذنيه واتصل بها لتجيب عليه:


-ايوة يا دياب، ألف سلامة على طنط..


رد عليها دياب بهدوء:


-الله يسلمك، متتعبيش نفسك بلاش تسوقي في الجو ده، المطرة بقالها ساعة مش عايزة تفف أصلا وهي كويسة دلوقتي.


قالت ريناد بلهجة لا تقبل النقاش:


-أنا خلاص في الطريق يا دياب، كنت في المول مع صحابي بجيب حاجات لـ ليان، ومينفعش منشوفش طنط وهي تعبانة، لو كنت أعرف من بدري كنت جيت على المستشفى.


تنهد دياب وقال:


-ماشي على مهلك طيب، أنتِ فين دلوقتي؟.


______________


منذ أن أرسلت لها "نورا" طلب صداقة وقامت بقبوله بعدها نوعًا ما بدأ عقلها يربط الخيوط ببعضها وينسج حكاية من الممكن جدًا أن تكون هي الأقرب للحقيقة..


 هي ليست بخير.....

تفكر في الأمر كثيرًا....

تحاول جاهدة ألا تفكر....


لكن الأمر لا يذهب من عقلها بالرغم من محاولاتها....


تُجبر نفسها على تجاهل الفكرة.....

تخبر عقلها أن ما يحدث مجرد مصادفة...


وأن الشك طريق مُتعب لا يؤدي لشيء سوى الخراب....


لكن لم تتوقف نورا عند هذا الحد!!


أو رُبما هناك من جعلها لا تتوقف....


لذلك بشكل دوري ترسل لها رسائل يوميًا تطمئن على أحوالها وصغيرها بشكل جعلها أشبة بفتاة سخيفة ترغب في التقرب منها رغمًا عنها وهي كانت ترد عليها ردود مقتضبة.......


كما لم تتوقف نورا عن الإعجاب بكل المنشورات التي تقوم بمشاركتها تقريبًا.....


مما جعلها تخفف نشاطها نوعًا ما على مواقع التواصل الإجتماعي...


تتمنى سامية منذ ذلك الحين بألا تكن شكوكها صحيحة.......


انتهت من حجوزات اليوم أخيرًا، فكان يومًا مرهقًا، لذا قررت أن تغادر مبكرًا عن المعتاد، لتعود إلى صغيرها

وتستعيد شيئًا من دفء البيت الذي تفتقده طوال اليوم........


ارتدت معطفها ثم أمسكت حقيبتها، وخرجت من الغرفة الخاصة بالتصوير التي تستخدمها مع العارضات والعرائس على حدٍ سواء، سارت في الرواق، وقبل أن تصل إلى الاستقبال، اصطدمت بإحدى الفتيات قادمة إليها......


-خلي بالك..


خرجت تلك الكلمات من فم سامية بتلقائية لترد عليها الفتاة:


-معلش أسفة..


سألتها سامية بنبرة مرهقة:


-كنتي جاية عندي في حاجة ولا إيه؟.


ردت عليها الفتاة:


-في واحد مستنيكي برا..


ضيقت سامية عيناها وهي تسألها:


-مين مقالش اسمه؟...


تمتمت الفتاة بلامبالاة:


-قال اسمه حمزة.....


هنا أسودت الدنيا في وجهها...

خرجت على الفور من المكان لتجده واقفًا وهو يحمل الأكياس البلاستيكية التي تعود إلى المحلات الخاصة والمعروفة ببيع ملابس الأطفال والألعاب، وكان المطر قد بدأ في الهبوط...


المساعدة المادية التي حصل عليها من شقيقته تلك المرة لم تكن من ابتزازها لكنها شعرت بالفعل بأنه يحتاج فرصة ثانية كما يحتاج أي انسان من أجل تصليح علاقته بطفله وأن يبدأ عمله من جديد....


اقتربت سامية منه، وشرارة الغضب تتطاير من عينيها:


-أنتَ بتعمل إيه هنا يا حمزة؟.


رد حمزة بنبرة هادئة:


-جاي أسلم عليكي وجايب حاجات لريان فقولت تاخديها بما أنه بقعد كتير علشان أقابله بسبب ظروفي وعقبال ما أنتم تحددوا ميعاد يناسبكم....


أردفت سامية بنبرة مختنقة:


-كان ممكن تستنى عادي الدنيا مش هطير أنا مش كل شوية هلاقيك في وشي، هو أنا علشان مبقولش لعمي ولأهلي على تصرفاتك دي هتستحلى الموضوع؟ ولا أنتَ عايز مشكلة وخلاص؟..


حاول أن يتمسك بهدوئه وهو يتحدث معها:


-أنا محتاج منك بس يا سامية فرصة، ووالله أنا ما قصدي حاجة وحشة ولا في نيتي حاجة، أنا فعلا بحاول أصلح كل حاجة عملتها عايز نرجع لبعض وبحاول أكون انسان كويس وشخص غير اللي كنتي تعرفيه زمان...


قالتها بلا تردد:


-لو بقيت إيه يا حمزة مش هرجعلك..


تمتم بتوسل حقيقي:


-كل انسان يستحق فرصة ثانية..


ابتسمت بسخرية ثم غمغمت:


-أي انسان عمل حاجة غير اللي عملتها يستحق فرصة ثانية، ياريت تفهم أن خلاص مبقاش ينفع مهما حاولت ومهما عملت، احنا مفيش بينا خلاف في وجهات النظر، ولا حد دخل بينا، ولا أنتَ مريت بنزوة والمفروض اسامحك، ولا عَندنا مع بعض فاطلقنا والموضوع ينفع يتحل ويبقى في فرصة ثانية.....


ثم ارتفع صوتها وهي تكمل:


-أنتَ كسرت ثقتي بيك كراجل، الست علشان تدخل بيت واحد لازم تكون متأكدة أنه راجل بجد، وينفع يتقفل عليهم باب واحد لأنه هو الأمان والسند والستر وأنتَ ولا حاجة من دول يا حمزة، اللي عملته مينفعش يتعدى، أنتَ مش راجل في نظري أصلا علشان ارجعلك.........


ابتلع ريقه بصعوبة وكلماتها ألمته:


-اديني فرصة يمكن اقدر اكسب ثقتك من تاني..


هدرت سامية بانفعال حقيقي وهي واقفة في الشارع أمام المركز الخاص بها:


-قولت خلاص، أنتَ ليه مصمم تعصبني؟.......


-في حاجة يا سامية؟.


لم يكن هذا صوت حمزة...


بل كان صوت "كريم" الذي معتادًا بعدما ينتهي من يومه الدراسي ومن الدروس الخصوصية به، يصطف بسيارته ثم يسير بلا هدف حتى يقف بعيدًا ويراقبها بهدوء......


نظرت سامية إليه بذهول.....

لم تعرف أيهما أربكها أكثر....

وجود حمزة…

أم ظهور كريم في تلك اللحظة تحديدًا.


هذا ما كان ينقصها بالضبط......

نظر حمزة إلى كريم بعدم فهم، يتفحصه من أعلى لأسفل بنظرة رجل لا يحب أن يُفاجأ، ثم سأله بحدة:


-مين أنتَ؟..


قبل أن ترد سامية، وقبل حتى أن يلتقط كريم أنفاسه،

خرج صوته خشنًا، مشحونًا، كأن الغضب كان ينتظر إشارة منه، إشارة واحدة فقط:


-وأنتَ مالك هو حد وجهلك كلام؟؟؟..


ثم التفت إليها، وعيناه عليها وحدها، لا يرى غيرها وسط الشارع والناس:


-في حاجة يا سامية عمل حاجة ضايقتك؟..


هزت سامية رأسها بارتباك وهي تخبره رغم دهشتها الشديدة ورغم ذلك قامت بتعريفه على الرغم من أنها شعرت من عيناه بأنه يعرفه جيدًا:


-لا مفيش حاجة، ده والد ريان....


لم يحتج حمزة لأكثر من ثانية لينفجر جنونه:


-مين ده يا سامية؟ وبتعرفيه عليا بصفته إيه؟ مين ده؟؟؟..


في تلك اللحظة، كريم لم يعد يسمع جيدًا ولا حتى يعقل، كل ما سمعه كان نبرة التملك، السؤال الوقح، والطريقة التي يتحدث بها كأنها ما زالت تخصه، وكأن السنوات التي كان فيها واقفًا بعيدًا يراقب، ويكتم غيرته ليست أي شيء...


فلم يشعر بنفسه إلا وهو يخطو خطوة سريعة، قبضته ارتفعت، ولكم حمزة لكمة قوية، مباشرة، كأنها كانت محفوظة من زمان، تحت شهقة خرجت من سامية وهي تحاول استيعاب ما يحدث، عيناها اتسعتا بذهول........


أمسكه كريم من ياقته وصوته خرج أقرب لزمجرة:


-أقولك أنتَ مالك تاني يا حمزة الـ *** ولا إيه؟....


لم يكن يرى الشارع، ولا الفتيات اللي بدأوا يتجمعوا،

ولا حتى سامية اللي كانت تحاول الوصول له.......

ففي تلك اللحظة كانت خرجت بعض الفتيات من المركز بسيي الأصوات وهنا حاولت سامية سحبه من ذراعه بمساعدة رجل ما أقترب كان يشاهد الواقعة من بعيد....


الأمر على وشك أن يصبح فضيحة حقيقية.......


قالت سامية بصوت مرتعش، وشحوب وجهها كان واضح:


-خلاص يا كريم، مفيش داعي لكل ده سيبه لو سمحت هتحصل مشكلة والناس هتتلم، احنا كنا بنتكلم عادي.


ثم تابعت:


-سيبه علشان خاطري.


صدقًا لم تكن تفهم في لحظتها لماذا تبرر أو تتوسل له؟!!

لكنها ترغب في فك النزاع بأسرع ما يمكن....


بينما قال الرجل:


-خلاص يا شباب، حصل إيه لكل ده؟.


ابتعد كريم عن حمزة رغم أن نيرانه لم تهدأ لكن من أجلها وحتى لا تحدث مشكلة أو فضيحة لها.......


وقفت سامية هي وفتاة أخرى بينهما ومازال الرجل واقفًا، عاد حمزة يسأل، لكن صوته هذه المرة كان أخطر والدماء تهبط من أنفه:


-مين ده يا سامية؟ هعمله محضر علشان عمله ده...


كريم كان على وشك الانقضاض عليه مرة أخرى، كل عضلة في جسده مشدودة، وكل خلية فيه تصرخ في تلك اللحظة وصدقًا كان على وشك أن يدفع سامية حتى يمسك بياقته مرة أخرى لكنه تمالك نفسه بصعوبة جدًا وهو يقاطعه بجنون:


-لسه بيسأل الـ***..


صرخت سامية صرخة خرجت حادة، مرتعبة:


-كفايا....


ثم وجهت حديثها نحو حمزة بتحذير:


-امشي يا حمزة لو سمحت كفايا لغايت كده ولو عملت محضر أو فكرت تعمل مشكلة أكتر من كده والله ريان ما هتشوفه تاني، ونتقابل في المحاكم، من فضلك امشي.....


كان الدخان يتصاعد في تلك اللحظة من الاثنان...

حمزة، رأى شيئًا لم يكن يتوقعه، خوف لا إراديًا في عينيها، لكن ليس على نفسها.....


بل عليه.....

هو يعرف سامية جيدًا خير المعرفة.......

أما كريم كانت أسباب غضبه معروفة جدًا.....


تمتم حمزة:


-أنا ماشي علشان خاطر ريان بس، بس لينا كلام تانية يا سامية وهعرف مين ده......


غادر باتجاه سيارته المؤجرة وفي ذات الوقت كان غادر الرجل متوجهًا إلى متجره الذي يتواجد بالقرب من مكان سامية بعدما انفصل الاثنان وعاد يباشر عمله......


أما كريم كاد يلحق به، خطوة واحدة فقط، لكن يد سامية أمسكت بسترة معطفه الثقيلة بقوة:


-استني هنا رايح فين؟؟..


توقف لكن عينيه ظلتا معلقتين برحيل حمزة، كأنه يحفظ شكله جيدًا.....


وجهت سامية حديثها إلى الفتيات التي خرجن من المكان:


-روحوا يلا على شغلكم خلاص الموضوع خلص....


دخلن بهدوء، وبقي الاثنان وحدهما.....


هنا تحدثت سامية بانفعال حقيقي:


-أنتَ إيه اللي عملته ده وإيه اللي دخلك في الموضوع أصلا؟؟ وإيه اللي بتعمله ده بجد....


ثم سألته بانفعال شديد ولكنها تحافظ على نبرتها أن تكون منخفضة برغم انفعالها وهي تنظر له:


-بعدين أنتَ تعرفه منين وازاي تضربه كده؟ لولا انه مشي كانت الناس هتتلم علينا.....


صوته خرج منخفضًا، لكنه مشدود:


-يعني اسيبه يضايقك؟.


انفجرت وهي ترد عليه:


-عرفت منين أنه بيضايقني؟ ولا تعرف إيه أصلا؟؟ وبعدين مهما حصل مكنش ينفع تمد إيدك عليه وتعمل مشكلة لنفسك وليا خصوصًا أنه محصلش حاجة، زي ما قولتلك ده طليقي..


نظر إليها، وعيناه ثابتتان كأنه لم يعد يخشى شيء:


-عارف ده أنه زفت طليقك من غير ما تقولي...


ضيقت عيناها وهي تسأله بارتباك:


-تعرف منين؟...


صمت، صمت طويل، ثقل، كأن الإجابة أكبر من إنه يقولها.....


فقالت سامية بجدية:


-على فكرة أنا هقول لعمي على كل حاجة حصلت وساعتها فسر له بقا تعرف كل حاجة منين، والصدف الغريبة بتاعتك دي....


أجاب بهدوء مخيف كأنه لم يعد يخشى شيء في هذه اللحظة:


-اعتقد المفروض يشكرني وساعتها هفسر له متقلقيش......


نظرت إليه، غير قادرة على فهم هذا الرجل الذي ظهر في حياتها فجأة وكأنه كان موجودًا من قبل دون أن تراه......


عقلها لا يستوعب ما يحدث ونظراته كانت مخيفة، متحدية وغاضبة في الوقت ذاته........


تمتمت سامية بنبرة مختنقة وهي تشير له:


-اتفضل امشي بقا وكفايا لغايت كده؛ وياريت تفهم أنك انسان غريب ومكنش المفروض تدخل لأن مكنش في حاجة أصلا لده وأنا كفيلة أن لو في حاجة أتصرف لوحدي و...


قاطعها قبل أن يكمل، صوته انفعل، لكنه صادق:


-لا كان المفروض ادخل ولو حصل تاني هدخل، مع السلامة.......


وتركها واقفة......

برجفة واضحة في قلبها ومشاعرها كلها... 

لا تصدق ما يحدث....


أما هو...


 حينما رآها واقفة مع ماضٍ لا يستحقها يقف أمامها مرة أخرى، فلم يحتمل، رغم أنه كان ينوي عدم التدخل لكن الأمر لم يكن بيده.....


كانت مازالت واقفة في مكانها تراقب الأمطار الغزيرة التي بدأت في الهبوط، فأخذت تسير نحو سيارتها سريعًا، تهرب من المطر ومن مشاعر لا تقوي عليها.......


غضب كبير....

وبصيص من السعادة ينكرها الأحمق....


تلك السعادة التي تأتي في الوقت الغريب......

تسعدك وتغضبك.....


____________


-حمدالله على سلامتك يا طنط..


قالت ريناد عبارتها وهي تجلس في منزل عائلة دياب، بينما كانت ليان بالداخل مع حور، التي تحاول تسخين الطعام وإعداد أشياء سريعة تتناسب مع الجو البارد والمطر الذي لا يهدأ، غير إعياء والدتها.....


ابتسمت حُسنية ابتسامة دافئة، وقالت بنبرة هادئة:


-الله يسلمك يا حبيبتي، تعبتي نفسك والله يا بنتي، كنت خايفة عليكي وأنتم جايين المطرة مش بتقف ولو وقفت خمس دقائق بترجع تاني برضو شديدة....


ردّت ريناد بهدوء صادق:


-مفيش تعب ولا حاجة، وبعدين أكيد هتقف دلوقتي، المهم إني كان لازم أطمن عليكي، اهتمي بصحتك يا طنط شوية عن كده...


تدخل دياب بنبرة جادة وهو يجلس إلى جوار والدته:


-مصر كلها قالت ليها نفس الكلام النهاردة...


ضحكت حُسنية بخفة، ثم قالت:


-حاضر يا ولاد، أنا هقوم أغير هدومي وأشوف حور بتعمل إيه، واجي تاني يا بنتي؛ أنتِ أصلا وحشاني جدًا.....


ردت عليها ريناد بنبرة مهذبة:


-وحضرتك كمان يا طنط...


غادرت حُسنية، وبقي دياب وريناد في صمتٍ قصير، قطعه هو قائلًا:


-على فكرة لولا اللي حصل النهاردة أنا كنت هاجي علشان اتكلم معاكي الأيام  اللي فاتت كنت مشغول شوية في الشغل..


نظرت إليه وسألته بنبرة مباشرة:


-هتتكلم في إيه؟


كاد أن يجيب، لولا ليان التي جاءت تركض وهي تمسك بقطع تفاح مقطعة على شكل نجوم، وقالت بحماس:


-نينا هتعملي رز بلبن...


ليان تعشق "الرز بلبن" رغم العديد من الحلويات الغربية والشرقية التي رأتها وتناولت مذاقها إلا أنها تحبه كثيرًا وكانت دومًا تعده حُسنية وترسله مع دياب لها؛ وحينما تأتي هنا لزيارتها تعده من أجلها...


عدلت ريناد من ملابس ابنتها وأغلقت سترتها بإحكام، فالجو كان شديد البرودة:


-متتعبهاش يا ليان أحنا قولنا إيه؟..


ردت ليان بعينين بريئتين:


-هي اللي قالت مش أنا، وقالت أنه مش هيتعبها....


بعد مرور ساعة تقريبًا...


جلست خلالها ريناد على الغداء معهما رغم رغبتها في الرحيل، لكنها كانت تراقب المطر الذي لا يهدأ؛ يتوقف لدقائق ثم يعود بغزارة، وكأنه يرفض أن يمنحها فرصة للمغادرة.......


أعدت حور مشروبات ساخنة، بينما جلست ريناد تراقب ابنتها وهي تتناول الرز بلبن الذي صنعته حُسنية سريعًا من أجل حفيدتها الغالية، رغم رفض الجميع بأن ترهق نفسها لكنها أصرت على صنعه سريعًا.....


على شاشة التلفاز...


كانت النشرة الإخبارية تعلن عن توقف حركة المرور، وحادثٍ مروّع أدى إلى شللٍ مروري في عدة مناطق......


تنهدت حُسنية بضيق وهي ترتدي نظارتها الطبية:


-يارب سلم، المطرة مش عايز تقف، ده كويس أننا رجعنا قبل ما الدنيا تقف كده خالص.....


ثم نظرت إلى ريناد وقالت بعفوية:


-متمشيش يا ريناد خليكي قاعدة يا بنتي، مينفعش تروحي ولا تسوقي في الجو ده...


تمتمت ريناد باعتراض خافت:


-مينفعش أنا....


كان دياب يعلم بسفر والدها لذلك قاطع حديثها:


-خليكي يا ريناد، متعنديش وخلاص، أديكي شايفة الجو عامل ازاي، والأخبار قدامك....


أنهت ريناد الجدال بآخر حل توصلت إليه:


-أنا هكلم بابا أشوف رأيه إيه......


نهضت وتوجهت إلى غرفة حور، وأجرت مكالمة قصيرة مع والدها، تشرح له الوضع....


مالت حُسنية نحو دياب بعد دقائق من رحيلها حينما  شعرت باندماج حور مع ابنه أخيها، فهمست بجدية:


-قوم اتكلم مع مراتك متقعدش زيك زي الحيطة كده، صالح مراتك وطايب بخاطرها مهما كانت الأسباب اللي مش عايزين تقولوها....


نهض دياب، ودخل إلى الغرفة فوجد ريناد تنهي المكالمة وهي تقف بجوار النافذة، فقال:


-هو أنا خلاص ماليش رأي؟.


لم تكن راغبة في الدخول في جدال  ويرتفع صوتهما أمام العائلة وابنتها، وهو شعر بذلك أيضًا، فسألها بهدوء:


-قالك إيه طيب؟.


أجابت ريناد:


-كنت بقوله يشوف لو يبعتلي حد بحيث مسوقش أنا بعدين حسيت برضو أن المشكلة هي هي عليا أو على الشخص، هستني شوية لو الدنيا هديت هخليه يبعتلي حد لو مهديتش هفتح شقة نينا بهية أنام فيها أنا وليان.


عاد الصمت يفرض نفسه من جديد، لا يقطعه سوى صوت المطر وهو يضرب الزجاج بإلحاح، وكأنه يشاركهم ثقل اللحظة.......


وقفت ريناد قرب النافذة، عيناها معلقتان بالخارج، تتابع خيوط المطر المتشابكة، بينما كانت قبضتها تشتد حول هاتفها دون وعي....


لم تكن تنظر إلى شيء بعينه، فقط تهرب من نظراته.....


أما دياب فكان يقف غير بعيد، يراقبها بصمت....

عيناه ثابتتان عليها، محمّلتان بأشياء كثيرة لم تُقال بعد؛ شوق، وندم.....


غادرت الغرفة حتى يتوقف هذا الصمت المهلك......

التي عاشت فيه لأشهر.......

لكن في وجوده الصمت يصبح أصعب......


_____________


المطر لا يتوقف.....

كانت ليلة غريبة......

درجة الحرارة منخفضة جدًا أكثر من المعتاد.....

وتعلو فيها أصوات قطرات المطر رغم إغلاق النوافذ بإحكام.........


 ليلة من الليالي التي نادرًا ما تأتي.....

غريبة....

تعبر عن انفجار...

قسوة....

برد....


ونيران داخل الصدر تكسر حدة البرد، نيران قد تكون شوقًا أو غضبًا، وكلاهما وجهان لعملة واحدة........


بسبب تلك الأحداث.....

لم يكن له مكان في المقهى اليوم...

 

لذلك جلس كالزوج الصالح في منزله على الأريكة؛ الغطاء السميك فوقه بينما زوجته ومنذ أن عادا من السفر لا تفعل شيء سوي وضع الملابس والمفروشات في الغسالة ثم وضعها حتى تجف وبعدها تقوم بطيها ووضعها في مكانها.....


هكذا منذ أيام وهي تعيد ترتيب المنزل رويدًا

رويدًا..........


تعيد له الحياة بعد غياب أيام....


قلب نضال في قنوات التلفاز، إشارته تضعف وتعود بفعل الأمطار....


لاحظ اختفاء سلمى لذلك نادى عليها:


-سلمى، بتعملي إيه ياست هانم، أكيد مش بتغسلي هتنشري فين على الكنبة؟ ولا أنتِ مش شايفة المطرة اللي مش عايزة تقف..


جاءه صوتها من الداخل، مرتفعًا قليلًا:


-بكلم صاحبتي يا نضال وجاية...


-طب اعمليلي قهوة وأنتِ جاية معاكي اما تخلصي...


-ماشي....


بعد نصف ساعة، أنهت مكالمتها، أعدت القهوة الساخنة،

وجلست بجواره تحت الغطاء، البرودة غير طبيعية،

والمطر يهبط بغزارة، بينما تتابع النشرة الإخبارية المسائية وحركة المرور المتوقفة.......


لاحظ عبوسها فتمتم بمزاح:


-سيبت القهوة وقاعد في وشك اهو ومش عاجبك وقاعدة مكشرة مش عارف ليه؟ أكيد علشان مش لاقية غسيل ولا مكان تنشري؟ اهي مطرت علشان تهمدي وتسيبي الغسالة في حالها....


ابتسمت ابتسامة سريعة، لم تصل لعينيها ثم ردت عليه سلمى ساخرة:


-على أساس أنك سايبها بمزاجك، دي ظروف قهرية يا حبيبي، غير كده كان زمانك قاعد تحت والدومنة في إيدك.....


ضحك نضال ثم أخذ رشفة من القهوة، وهو يسألها:


-بجد مالك؟ وبقالك ساعة بترغي مع صاحبتك مش عادتك يعني....


أردفت سلمى بنبرة منزعجة:


-بواسيها، جوزها خانها وهي طالبة الطلاق وفي مشاكل كتير وأنا زعلانة علشانها....


قال بعفوية اعتادت أن تزعجها، كما تزعج النساء من الرجال:


-ربنا يصلح الحال، بس برضو فكي وشك شوية، مش أنتِ اللي اتخانتي علشان تقلبي وشك يا حبيبتي...


جحظت عيناها وهي تنظر له وهنا أدرك نوعًا ما....

ما خرج منه...


فعقبت سلمى على حديثه:


-احمد ربنا أنه مش أنا يا حبيبي علشان ساعتها مش هتكون قاعد كده تحت البطانية وبتشرب القهوة والدفاية شغالة قدامك بكل هدوء كده...


سألها نضال بتسلية:


-اومال؟ هيحصل إيه هكون بعمل إيه؟..


نظرت له بعمق وهي تخبره:


-معرفش، ساعتها مش هكون معاك، وهتخسرني ببساطة....


ثم أضافت بسخرية:


-وأكيد ساعتها هتقعد على القهوة براحتك كالعادة يا حبيبي، وتلعب دومنة للصبح....


-وليه النكد ده؟.


تمتمت سلمى ساخرة:


-مش أنتَ اللي سألت؟؟.


-حقك عليا ياست سلمى.


أنهى قهوته دفعة واحدة، وجذبها إلى أحضانه، بينما عينه تتابع الشريط الإخباري أسفل الشاشة:


-هي المطرة مش ناوية تقف ولا إيه؟ دي الطرق وقفت خالص.....


ردت سلمى على حديث زوجها:


-مش عارفة بقالها كتير ممطرتش كده عندنا، ربنا يسلم على الناس اللي في الطرق دي...


ضمّها أكثر وهمس:


-يارب، أنا الحمدلله لما كنت تحت كان كلهم رجعوا من الشغل واتصلت بدياب قالي انه البيت وبرضو طارق في البيت...


تمتمت سلمى بجدبة:


-ده كويس أنك قولتلي مننزلش النهاردة نجيب طلبات البيت لما بدأت تمطر...


رد عليها نضال يوضح سبب اعتراضه مرة أخرى:


-ما قولتلك بيحذروا في الاخبار أن في مطرة وأنتِ قعدتي تقولي لا وإني بكسلك علشان مننزلش...


غمغمت سلمي بعفوية وهي ترفع رأسها وتنظر له وهي بين أحضانه:


-وأنا أعرف منين يعني؟ ما هما ساعات كتير بيقولوا في مطرة ومش بتمطر ولو مطرت مبتكلمش نص ساعة وبتقف...


ثم تابعت:


-الحمدلله وخلاص أننا منزلناش كان زمانا في الطريق قاعدين بالعربية مش بنتحرك...


قال نضال بفخر:


-اسمعي كلام جوزك بعد كده يا حبيبتي، جوزك دايما فاهم وباصص لقدام، بطلي أنتِ سطحية بس.....


هتفت سلمى باعتراض:


-أنا سطحية؟؟؟؟..


ثم تايعت بنبرة مختلفة:


-احنا لسه راجعين من العمرة يا نضال بلاش تستفزني........


ضحك نضال بسبب حجتها، ثم سمعها وهي تقول:


-قوم نقف في البلكونة شوية شكلها لسه بتمطر تعالى نـ...


قاطعها نضال بنبرة جادة:


-نقوم فين؟ أنا مثلج مش متحرك من على الكنبة أنا، اقعدي مكانك أحسن تاخدي برد ومش ناقصة العملية....


في النهاية استجابت له واستقرت بين ذراعيه من جديد،

وتلاشت الكلمات واحدة تلو الأخرى، لم يبقى سوى صوت المطر بالخارج، مع صوت النشرة الإخبارية......


_____________


نامت ليان بعمق في فراش جدتها، محاطة بذراعي حُسنية التي استلقت بجوارها محاولة أن تلحق بها إلى النوم.....


 كان جسد الطفلة دافئًا، أنفاسها منتظمة، وملامحها ساكنة......


وقفت ريناد عند باب الغرفة، تراقبهما بصمت، عيناها معلقتان على ابنته، انتبه دياب لاختفائها بعدما خرجت من المرحاض، فتبعها حتى رآها واقفة هنا:


-واقفة ليه كده؟.


قالت بهدوء تخفي خلفه ترددها:


-عايزة اصحي ليان علشان ننزل...


تحركت مبتعدة عنه باتجاه الصالة وكأنها تحسم قرارها، لكنه سبقها بالكلام:


-سبيها يا ريناد، هي نامت خلاص وادفت؛ هتخرجيها في البرد ده، وتقوم من تحت البطانية؟.


ردت عليه ريناد بهدوء:


-تصحى علشان متصحهاش في نص الليل وتضايقكم....


قال دياب باستنكار:


- أنتِ قولتي أنها صاحية من بدري أوي فسبيها تنام براحتها.


قالت ريناد باعتراض حقيقي:


-حتى مغيرتش هدومها، أنا معايا هدوم ليها في العربية من اللي جبناه النهاردة تغير هدومها على الأقل وتنام تاني...


أضافت حور بعدما التقطت طرف الحديث:


-سبيها يا ريناد مش مهم وبعدين لو صحيت هتقريف، أنا أكتر حاجة كانت بتضايقي لما كنت صغيرة أن حد يصحيني من النوم..


أضاف دياب إلى حديثها:


-وأنتِ كبيرة كمان..


قالت حور بمنطقية:


-معاك حق والله..


ثم تابعت حديثها وهي توجه إلى ريناد:


-سبيها يا ريناد.


تمتمت ريناد برفض خافت:


-مينفعش اسيبها ليان بتصحي وبتقلق كتير وهي مش متعودة تنام هنا ولو صحيت ملقتنيش جنبها هتعيط....


قالت حور ببساطة محببة:


-متقلقيش لو عيطت هنزلها ليكي، وبعدين متنزليش أنتِ كمان خليكي وباتي معايا، أنا حتى مش بشخر وأنا نايمة زي دياب..


اتسعت عينا دياب باستنكار:


-أنا بشخر وأنا نايم؟.


أجابته حور بجدية خالية من الرحمة:


-أيوة ساعات، هي مش غريبة أكيد سمعت شخيرك كتير.....


ضحكت ريناد بخفة رغمًا عنها، ضحكة سريعة هاربة، ثم قالت:


-نامي براحتك يا حور، أنا وحشتني شقة نينا بهية الله يرحمها؛ ومحتاجة أقعد فيها شوية واهي جت فرصة........


ابتسمت حور بحزن، وقالت مع دياب في صوت واحد:


-ربنا يرحمها يارب...


ثم أضافت حور:


-ماشي مدام مصممة هنزل معاكي أكيد الدنيا متبهدلة شوية من القفلة نروقها شوية علشان تعرفي تقعدي.


في الحادية عشر مساءًا....


قُرب منتصف الليل....


توقفت الأمطار لنحو نصف ساعة، ثم عادت أشد وأعنف، كأن الليل قرر أن يطيل إقامته......

ليلة غريبة، ثقيلة، لا تشبه سواها......


ساعدت حور ريناد في ترتيب الشقة سريعًا؛ غرفة النوم، المرحاض، بعض التفاصيل الضرورية، وحين انتهتا رفقت ريناد بحالها وطلبت منها بأن تصعد وتنم فهي أرهقت اليوم بما يكفي، ولم تعارض حور فهي بالفعل كانت تحتاج إلى الراحة، فكان اليوم طويلًا جدًا.....


كانت ريناد تحمل مشاعر مختلفة عند دخولها شقة بهية....


لقد اشتاقت لها...


تغيرت شخصيتها معها إلى الأفضل، تعلمت منها الحنان الأمومة، المسؤولية، حتى الحب تعلمته منها، كان فصل بهية في حياتها لا يشبه الفصول الآخرى أبدًا ورغم قصره إلا أنه تلقت فيه دروس في الحياة كثيرة فترك أثرًا بداخلها لا يُمحى....


جلست على الأريكة......

التلفاز لا يعمل، لكن صوت القرآن ينبعث من الراديو القديم…


 راديو بهية المفضل، الذي كانت ترفض استبداله، وتُصر على إصلاحه كل مرة....


أثرها حاضر في كل زاوية.....


تنهدت ريناد، أغمضت عينيها قليلًا، بعدما استلقت على الأريكة، وتمنت أن يغلبها النعاس…


لكن رنين الجرس قطع سكونها، ففتحت الباب وكانت متوقعة بأن الطارق أما حور، أو هو.......


وكان هو الطارق...

 لا أحد غيره....


وقف دياب يحمل لحافًا وبطانية:


-حور قالت أن الحاجة متربة فبعتتلك دول...


كانت حور ترغب في أن تهبط بنفسها، لكن منعها هو...........


-ماشي هاتهم...


أخذتهما  منه ثم أغلقت الباب بقدمها، وضحكت رغمًا عنها وهي تتخيل ملامحه خلف الباب......


وضعت الأغطية على الفراش، ثم عادت إلى الأريكة مرة أخرى...


كانت الذكريات لم تهدأ؛ مع بهية… 

ومعه أيضًا....


في كل لقاء بينهما كان عبثي وغير عبثي جمعهما في تلك البناية.....


بعد مرور دقائق...

رن الجرس مرة أخرى..


فنهضت ريناد من مكانها وهي ترتدي بنطال جينز وكنزة من الصوف لونها أسود بعدما خلعت معطفها حتى تستطع التحرك بحرية...


فتحت الباب لتجده يحمل كيس بلاستيكي موضوع فيه ملابس نظيفة تعود إلى حور أختارها بنفسه ومناشف أيضًا......


تمتمت ريناد بنبرة جادة:


-خير؟.


أردف دياب موضحًا وهو يمد يده:


-دي هدوم من عند حور علشان تغيري هدومك وتقعدي براحتك...


أخذت منه الحقيبة وقالت:


-قول شكرًا لحور..


كادت أن تغلق الباب مرة أخرى لولا أنه منعها بذراعه:


-على فكرة حور أصلا نامت من التعب انا اللي جبتهم.


-ماشي برضو شكرًا لحور مش ليك، لما تبقى هدومك ان شاء الله هشكرك...


ثم أغلقت الباب في وجهه للمرة الثانية.....


..بعد منتصف الليل تقريبًا..


أخذت حمامًا ساخنًا، بدلت ملابسها، جففت شعرها بالمنشفة حتى صار رطبًا فقط.....


وقفت قليلًا عند الشرفة قبل أن تغلقها، المطر لم يتوقف، والبرد قارس حتى أن أطرافها كانت مثلجة.......


كانت بالفعل تحتاج إلى تبديل ملابسها لحسن الحظ أنه فكر في ذلك...


كانت ذكرياتها في تلك الشرفة كثيرة جدًا، وتقريبًا كانت كلها معه.....


جلست على الأريكة مرة أخرى...


تحدثت مع والدها وأخبرته بأخر التطورات.....

وبعدما انتهت المكالمة بينهما أخذت تقلب في هاتفها وتتابع الأخبار ثم أخذت تتصفح قليلًا فيه، إلى أن انتهى شحنه فزفرت بضيق وجلست وحيدة.....


إلى حين سمعت صوت الباب....


كانت تلك المرة الثالثة نهضت وفتحته لتجده أمامها يحمل صينية موضوع عليها أكواب شاي لهما وعلب بلاستيكية بها الأرز باللبن الذي لم تتناوله ولم تمسه....


لم تكن تحب الشاي إلا حينما عرفته وبالأخص تزوجته.......


-ممكن نتكلم شوية...


هزت رأسها بإيجاب فهي بالفعل كانت تشعر بالاختناق، وأفسحت له الطريق حتى يدخل، وضع الصنيية على الطاولة فطلبت منه:


-عايزة شاحن.....


تمتم دياب بهدوء:


-ماشي ثواني هطلع اجيبلك الشاحن بتاعي واجي..


ردت عليه ريناد بنبرة عادية:


-اتأكد أن ليان نايمة، لو صحيت هاتها.


-ماشي...


قالت قبل أن يرحل:


-سيب الباب وراك مفتوح أو خد المفتاح بتاعك هو في الباب متعلق علشان مش قادرة أقوم تاني...


كان هو من أعطاها النسخة التي تتواجد معه حتى تفتح الشقة بها......


بعد مرور دقائق....

في الطابق الثاني...

بداخل بناية رقم 14....


كان دياب قد أنهى كوب الشاي الخاص به وهو لا يزال ساخنًا، بينما كانت ريناد تحتضن كوبها بين كفيها، تستمد منه دفئًا قبل أن ترتشفه....


كانت تحب الشاي دافئًا لا حارقًا على مهل، كما تفعل دائمًا مع كل ما يخصها.....


رفعت عينيها إليه، وقالت بنبرة هادئة تخفي خلفها شيئًا من الحذر:


-خلاص شربت الشاي، امشي علشان أنا عايزة أنام..


ضيّق عينيه مبتسمًا بسخرية خفيفة:


-أنتِ دخلتيني علشان الشاحن يعني؟


هزت رأسها بإيجاب ولم تنكر....


تأملها لحظة، ثم قال بصوت أعمق:


-زي ما قولتلك أنا كنت جاي النهاردة علشان اتكلم معاكي، بس طبعا الدنيا اطربقت بس الحمدلله اتقابلنا برضو في نهاية اليوم كان لينا نصيب نتقابل..


تركت الكوب على الطاولة، ثم نظرت إليه تنتظر تفسيرًا منه أو بمعنى أدق تكملة لحديثه....


بالتأكيد إلى حديثه تكملة، فهو لن يرغب في رؤيتها بتلك الطريقة بدون سبب...


لبى رغبتها التي قرأها في عيناها وهو يخبرها:


-عرفت الصور دي اتاخدت ازاي....


سألته ريناد بكبرياء جريح:


-ازاي؟..


حكى لها كل شيء.

دون تهويل، دون نقصان.

ترك الحقيقة تسير كما هي…

عارية، واضحة، موجعة....


أخبرها بأن هذا الاحتمال أتى من نضال نفسه وكان صادقًا في تحليله بعد أيام طويلة فكر بها الاثنان في الأمر.....


أنهى حديثه قائلا:


-طبعا الراجل طرده وكانت هتحصل مشكلة أكبر من كده لولا أن أمه جات واتحايلت علينا، أنا كلمتها النهاردة، ودي كانت المرة الوحيدة اللي أكلمها من شهور والأخيرة علشان اعرفها اني عرفت كل حاجة وأني مش عايزة تكلمني لأي سبب من الأسباب.


ابتلع ريقه وهو يخبرها بما حدث حقًا:


-كنت عايز اعملها مشكلة بس نضال قالي لا، في النهاية هي واحدة وليها سمعة.


لم تُعلق....

كانت تستمع فقط…

 بعينين ثابتتين وقلبٍ مثقل...


فقال حينما لاحظ صمتها:


-مش هتقولي حاجة؟ هتفضلي ساكتة....


تنهدت، وعدلت خصلة شعر خلف أذنها:


-عرفنا حقيقة الصور بس ده ميلغيش أنك غلطت في حقي، وردك عليها اللي خلاها تتجرأ تعمل كده وتقولي أدور في موبايلك وهعرف أنها على حق هي كانت عارفة أن في أكتر من حاجة هتجيب الناهية بس الصور بتاعتها كملت الشكل....


نظر لها دياب متأسفًا وهو يخبرها:


-أسف، غلطت وحقك عليا بس كفاية يا ريناد بُعد أكتر من كده، سامحيني أنا مبحبش غيرك وأنتِ عارفة ده.......


ابتسمت ابتسامة غامضة، ثم قالت:


-فاكر لما عرفنا إني حامل في ليان؟.


لم يفهم سر السؤال في هذا الوقت تحديدًا....

لكنه أومأ برأسه فقالت:


-ساعتها أنتَ قولت أن ليان هتربطنا ببعض وأننا كبرنا مع بعض وهنكون ثلاثة وقولت كلام كده أنا مش فكراه بس ده كان مضمونه، فاكر ساعتها أنا قولتلك إيه؟.


صمت لثواني ثم ردد كلماتها التي تذكرها على الفور:


-قولتي أن مفيش حاجة بتربطك بيا غير أنك بتحبيني.....


هزت رأسها بإيجاب ولم تظهر دهشتها من أنه يتذكر حديثها بل ظنت بأنها هي من سوف تقوم بتذكيره بهذا الأمر والجدال الغريب الذي قام بينهما وقتها من دون سبب حقيقي.....


ابتلعت ريقها، وتابعت بنبرة صادقة:


-الحاجة الوحيدة اللي خليتني اتجوزك وخليتني أكون معاك لغايت دلوقتي بعد السنين دي، هي أنك بتحبني وأنا بحبك، واللي مخليني أكمل معاك لغايت دلوقتي هو نفس السبب، مفيش حاجة هتربط ما بينا ولا سنين جواز ولا أطفال ولا حاجة.....


ابتلعت ريقها وهي تحدثه بطريقة لأول مرة تتحدث بها:


-مطلبتش منك حاجة من ساعة ما عرفتك، كنت كل حاجة بقولك أعمل اللي يريحك، حتى الشقة اللي اتجوزنا فيها قولتلك بلاش علشان ايجارها غالي عليك لكن أنتَ صممت عليها، يعني أنا مفيش مرة طلبت منك حاجة فوق طاقتك، كان كل اللي أنا عايزاه هو إني أكون معاك بأي شكل وبأي طريقة لأني متأكدة أنك راجل بيحبني وأنا بحبه..


كانت عقلانية...

كلماتها عميقة جدًا...

نادرًا ما تستخدمها....


كان ينظر لها نظرات تحمل أكثر من معنى؛ اشتياق، ولهفة وأسفٍ لأنه تسبب في جرحها، كانت تتحدث وأصوات المطر لا تتوقف وهي ترتطم بالنافذة المتهالكة والشرفة....


تابعت ريناد حديثها وهو يعطيها مساحتها الكاملة:


-ممكن كلامي لو حد غيرك سمعه يفتكر إني شخصية تافهة، لكن أنتَ لا فاهم أنا قصدي إيه، لأني كنت زوجة زي ما بتتمنى وكنت أم مازالت بحاول أكون أم كويسة، بس أنا اللي رابطني بيك وأرجع اقوله تاني هو حبك، ومطلبتش منك من ساعة ما عرفتك غير حبك ده، مش حب أفلاطوني ولا حب مجنون بس طلبت انك تكون بتحبني ودي أقل حاجة........


رفع يده وضعها على وجنتيها مغمغمًا بنبرة خافتة:


-وأنا بحبك يا ريناد وأنتِ أحلى حاجة حصلت في حياتي وأياكي تشكي في غير كده.


ابتلعت ريقها وهي تنظر لها نظرات ثابتة وقوية:


-أنتَ اللي لازم تتأكد أن لو عدى سنين على جوازنا، خمسة أو عشر أو عشرين سنة ولغايت أخر يوم في عمري، لو حسيت أنك مبقتش تحبني أو عملت أي حاجة تحسسني أني خلاص مش في قلبك أنا مش هكمل معاك ولو كان إيه السبب، مفيش حاجة هتجبرني أكمل معاك ساعتها.....


تابعت حديثها وكانت لا تتوقف فهي تتحدث بالنيابة عن شهور طويلة من الكتمان، كتمان كل مشاعرها، حبها، شوقها، حزنها، غضبها وخذلانها:


-طول الشهور اللي فاتت كنت بفكر اللي عملته ده معناه أنك مبقتش تحبني ولا لا، مكنتش بفكر هقدر اسامحك ولا لا..


ابتلعت ريقها ثم تابعت  الحديث مؤلم جدًا بالنسبة لها:


-لو بعاملك أنك مجرد راجل أنا متجوزاه أو أنك أبو بنتي أنا كنت عديت الموضوع من بدري، لكن أنا كنت بفكر في الراجل اللي بحبه وبيحبني ازاي يعمل كده فيا علشان كده كان وجعي منك أكبر من أي حاجة....


كانت صادقة في مشاعرها..

تعي جيدًا ما تقوله لأول مرة.....


ريناد لم تكن أمرأة متطلبة معه هو تحديدًا، كانت محبة فقط، لا تدري هل هذا نابع من تغييرها أم كونها لا تحتاج منه شيء...


لديها كل شيء هي فقط كانت ترغب في محبته وعشقه.......


أردف دياب بنبرة خافتة لا يسمعها سواها:


-أسف اني جرحتك، بس والله أنا ما بحب غيرك يا ريناد ويمكن الفترة اللي فاتت أكدت ليا ده أكتر، مفيش حاجة تسوي أنك تكوني بعيدة عني، أصلا حياتي قبل ما تدخلي فيها حاجة وبعد ما دخلتي فيها حاجة تانية....


لا تدري لما ابتسمت رغمًا عنها وتذكرت أول لقاء مر بينهما، اللقاء الكارثي التي لا تذكره كثيرًا:


-فعلا حياتي قبل السموزي اللي اخدت شاور بيه غير بعدها خالص برضو...


ضحك هو الأخر وهو يخبرها ومازالت يده تحاوط وجهها والأخرى موضوعة فوق يدها اليمنى الموجودة على فخذها وتلقائيا ووضعت هي فوق يده يدها اليسرى:


-يعني كان سموزي اهو بس بتنكري.


أبعدت يده عن وجهها وكأنها أدركت خطر قُربه، قائلة:


-كان عندي بُعد نظر فيك.


ثم تابعت:


-المطرة مش عايزة تقف، بعت لناس كتير صحابي أطمن عليهم، في البيت ولا لا؟.


قال دياب بنبرة سعيدة لن ينكر بوجودها:


-اليوم كان مترتب أننا نشوف بعض ونتكلم.


ساد الصمت بينهما...


صمت ثقيل لكنه دافئ بالرغم من العواصف الرعدية التي بدأت ترافق الأمطار، كأن الكلمات قالت كل ما يمكن قوله وتركتهما وحدهما أمام الحقيقة........


كان قريبًا منها أكثر مما انتبهت، أو ربما انتبهت ولم تعترض......


أنفاسهما تشابكت، ونظراته توقفت عند عينيها، ثم شفتيها، ثم عاد إليها وكأنه يخشى أن يخطئ......


مد يده ببطء، لم يلمسها فورًا، وكأنه يمنحها فرصة للانسحاب…

 لكنها لم تفعل....


قال دياب بنبرة مترددة:


-سامحيني يا ريناد..


لم ترد عليه...

كأن الكلمات من الصعب شرحها..

تشعر بتخبط غريب تلك المرة...


هل سامحت؟

هل غفرت؟.


لا تعلم سوى بأنها تصدق حبه لها وليس الآن فقط بل على مدار أشهر وهي تحاول أن تتأكد من أن مشاعره كما هي، وأن تلك الرسائل التي حدثت بينهما ما هي إلا خطأ وأن حبه لها مازال مستمرًا............


همس بصوت خافت:


-أنا عايز نرجع يا ريناد، أنا بحبك ومش متحمل أنك تبعدي عني أكتر من كده، خلينا نرجع....


رفع يده ببطء، لمس أطراف أصابعها أولًا، لمسة خفيفة بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتُربك ثباتها.......


حين لم تسحب يدها، شد أنفاسه، واقترب أكثر، حتى صار الدفء بينهما أوضح من صوت المطر بالخارج..............


وضع كفّه على وجنتها برفق، نظرة واحدة كانت مليئة بكل ما لم يستطع قوله، مال عليها ببطء، جبينه لامس جبينها أولًا أنفاسهما اختلطت، رفعت يدها وضعتها على كتفه تلقائيًا وهي تنظر له......


قبلها وقد اشتياق إليها أكثر مما تظن بكثير....

قبلها على مهل في البداية....


وكأن اللحظة بينهما تُختبر قبل أن تُمنح.......

فلم تتراجع، ولم تتقدّم…


فقط تركت نفسها داخل اللحظة......

بين ذراعيه كان الصمت أصدق من أي اعتذار، والدفء أبلغ من ألف كلمة، فتركت رأسها يستسلم، لا تفكر، لا تُحاسب، لا تُقرر فقط تشعر.....


خارج المنزل....

كان المطر ما زال يهطل بلا توقف، يطرق الزجاج بإصرار، والبرد يحاول التسلل، لكنه لم يصل إليهما........


كان هناك دفء آخر…

وفي تلك الليلة…


لم تُحلّ كل العقد، لكن القلوب التقت بعد زمن، ونامت بلا خوف......


_____________


بعد الانفجار الذي كان يدرك جيدًا أنه لن يمرّ على خير، ظل يدور في الشوارع بلا هدف، غير آبه بالأمطار التي لا تتوقّف ولا ببرودة الجو التي تنخر في العظام.....


تجاهل اتصالات والدته المتكررة، توسلها له بالعودة، فالطقس لا يحتمل…...


وهو أيضًا، لم يعد يحتمل.......


جلس أخيرًا بداخل المقهى...


محاطًا بعددٍ قليل من الزبائن، صمت ثقيل، ودخان أفكاره أثقل......


حتى ضاق به المكان… 

فعاد....


دخل شقته ثم أغلق الباب خلفه وملابسه مبتلة نوعًا ما، خلع حذائه وشعر بخطوات في الداخل فغمغم:


-أنتِ هنا يا نورا؟...


ثم أضاف بسخرية:


- إيه مبقاش عاجبك تحت ولا إيه....


خلع سترته السميكة، لكن الخطوات اقتربت…

حتى ظهرت له...

فتجمد في مكانه...


كانت الصدمة بأنها لم تكن شقيقته نورا التي تتواجد في شقته بل ابنة خالته...


هـالـــة....


________يتبع________


لو ووصلتم لغايت هنا دمتم بألف خير...

نتقابل في فصل جديد ان شاء الله❤️❤️


متنسوش الفوت والكومنت وتفاعل لأن الفصل طويل جدا جدا.....🫣❤️❤️


بوتو يحبكم.....


الفصل الحادي عشر 

اذكروا الله.

دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية.


____________


هل تدِرك مَا

مَعنى أن يَحبك 

شَخص مَثلي

مُتعب جدًا

أنتهت رغبتهُ

فِي تَكوين علاقَات

جدِيدة ، لكنهُ اسَتثناك

مَن بَين الجمِيع...


#مقتبسة


دعنّي أحبك

كي أتخلّص من فائض الحزن في داخلي 

وكي أتحرّر من زمن القُبح والظُلمات 

و دعنّي أنام بجوف يديك قليلًا

أيا أعذب الكائنات

بالحُب، يُمكنني أن أقاوم هذا الشتات .


#مقتبسة


إنّ الحُب في نظري هو التَعويض العادِل عن كل بَشاعات هذا العالم، وحَماقاته، وجَرائمه . 


- نزار قباني


__________


دخل شقته ثم أغلق الباب خلفه وملابسه مبتلة نوعًا ما، خلع حذائه وشعر بخطوات في الداخل فغمغم:


-أنتِ هنا يا نورا؟...


ثم أضاف بسخرية:


- إيه مبقاش عاجبك تحت ولا إيه....


خلع سترته السميكة، لكن الخطوات اقتربت…

حتى ظهرت له...

فتجمد في مكانه...


كانت الصدمة بأنها لم تكن شقيقته نورا التي تتواجد في شقته بل ابنة خالته...


هـالـــة....


لحظة صامتة مرت ثقيلة، كأن عقله يرفض الاعتراف بما تراه عيناه....


 شد كريم فكه، واستعاد صوته بصعوبة وهو يغمغم بغضب كبير منها ومن تلك الليلة التي لا تريد أن تنتهي:


-أنتِ بتعملي إيه هنا يا هالة؟ ودخلتي إزاي أصلا؟؟ 


ثم أنهى كلمته بانفعال واضح:

-إيه اللي طلعك شقتي؟؟؟.


كان الغضب واضحًا، لا في صوته فقط، بل في نظراته المشحونة بالشك والنفور، أما هي فكانت تدرك تمامًا أنها تجاوزت حدًا لم يكن يجب الاقتراب منه....


لا تدري حتى ما الذي نوت فعله بصعودها؟

وهل هي تجرؤ على تنفيذ ما تريده؟....

الحقيقة أنها لم تكن تمتلك هذا الحد من الشجاعة أو بمعنى أصح الوقاحة....


فحاولت تبرير موقفها واختلاق حجة على الفور كونها صعدت بالطعام ووضعته في المطبخ:


-خالتو قبل ما تنام قالتلي أطلع احطلك الأكل في المطبخ علشان نورا نامت وداخل عليها دور برد..


لم يلتفت كريم لما قالت، ثم توجه مباشرة نحو باب الشقة وفتحه على مصراعيه، ثم قال بحدة:


-أنا قولت لماما مش جعان ولو جعان هاجي أخد الأكل أنا متتعبيش نفسك ولا تطلعي الشقة هنا لأي سبب، حتى لو أمي اللي قالت أو مين قال....


أقتربت هي من الباب أيضًا وهي تقول محاولة تبرير موقفها وتدافع عن نفسها تحت نظراته الشائكة:


-هو حصل إيه لكل ده يعني؟؟ أنا طلعت أحطلك الأكل ونازلة؛ ده بدل ما تقولي شكرًا...


التفت لها فجأة، عينه تقدح شررًا، وأشار للخارج بيد، بينما قبض بالأخرى على مقبض الباب:


-انزلي يا هالة ولا شكرًا ولا غيره، أنا على أخرى أساسًا والعملية مش مستحملة..


صرخت وهي تمر بجواره:


-اصلا دي أخرة اللي يعمل فيك جميل...


قال ببرودٍ قاطع وهو يغلق الباب خلفها:


-جدعة متعمليش تاني بقا.


ثم دخل إلى الشقة يغلق النوافذ جيدًا، كأنه يحاول أن يعزل العالم كله خارجه ثم بدل ملابسه ببطء، لكن رأسه كان يعج بأسئلة لا تهدأ......


هل كان يجب عليه أن يلكمه؟.

هل كان من المفترض أن يتحكم في نفسه؟؟.

لكن كيف؟.

لقد تمالك نفسه بصعوبة في المرة الأولى لكن في الثانية لم يتحمل قلبه أبدًا......


لقد تعب من المراقبة والانتظار...


إلى متى سوف ينتظر؟!!!...

نعم هو يشعر بالارتباك...


فلم تكن معرفته بطليقها صدفة، ولا ظهوره المفاجئ عبثًا.....


سأل، بحث، استعان بمن يعرف…

عرف عنها وعن حمزة أكثر مما ينبغي، حتى القضية التي سُجن بسببها، فهو يعرف جيدًا سبب طلاق سامية من حمزة أو بمعنى أدق "قضية الخلع" التي رفعتها عليه..........


كل ما عرفه لم يوقفه..

لم يجعله يمل حتى من المراقبة....

ومن حبه لها منذ سنوات...


حبه من طرف واحد.......

لكن على ما يبدو أن اليوم كان إنذارًا بانفجار من الممكن أن يأتي في أي وقت وأن قلبه لم يعد يتحمل المزيد...


هو يحبها...

عليها أن تدرك هذا...

كما أنه مستعد ألا يتخلى...


وإن اضطر…

سيحارب من أجلها.......

إذا استدعى الأمر.......

فقط لأنه يحب ليس لأي سبب أخر...


___________


في اليوم التالي....


هبط نضال في الصباح الباكر على غير عادته، اتصال واحد فقط من دياب كان كافيًا ليجعله يغادر على الفور......


استيقظت هي في ميعادها الطبيعي....

نهضت، ثم رتّبت المنزل بحركات آلية، ثم أعدت فطورًا خفيفًا لها، وعادت لتجلس أسفل الغطاء السميك، تحدق في الفراغ، تفكر في الغداء....


تحاول إيجاد أكله سهلة وسريعة لا يتبعثر المطبخ بعدها وأثناء تفكيرها هذا، جاءها زائر....


ولم يكن سوى سامية.........


استقبلتها "سلمى" بترحاب، ثم وضعت أمامهما الشاي والكعك التي أعدته وهي تتناول فطورها صباحًا......


 كانت سامية تخبرها بتطورات الشارع:


-الشوارع تحت حالتها صعبة جدًا الصبح نزلت أجيب حاجة من العربية وراجعة نص بطلوني طينة رغم إني ممشيتش، الحمدلله أن الوزير امبارح طلع قرار وخلاه أجازة رسمية النهاردة، أصلا مين كان هيودي عياله المدرسة في الجو ده؟.


هزت سلمى رأسها موافقة، وقد بدت عليها آثار الإرهاق:


-والله معاكي حق أنا أصلا مثلجة من امبارح، الجو كان صعب أوي، كل ما أقول خلاص هتهدي وهتبطل مكنتش بتقف، بقيت بدعي للناس اللي في الشارع ربنا يقويهم بجد في الجو ده..


-يارب...


ثم تابعت سامية حديثها بتردد:


-نضال نزل بدري النهاردة يعني؟، أنا كنت عايزة اطلع من بدري لغايت ما عمو قال أنه نضال مش هنا ومشي فطلعت...


رفعت سلمى حاجبها باستغراب خفيف:


-معرفش في مشكلة حصلت في الكهرباء في فرع *** ****** بسبب المطرة، ومجرد ما دياب اتصل بيه نزل، وحتى من ساعتها كل ما أكلمه يقولي أنه مشغول ولما يخلصوا الموضوع هيكلمني....


ثم نظرت إليها بتمعن، وكأن شيئًا ما لفت انتباهها:


-بس غريبة يعني ليه عايزة تطلعي من بدري؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟..


ترددت سامية للحظة....

لحظة قصيرة، لكنها كانت مليئة بالصراع...

ثم أومأت برأسها ببطء....

ولم يكن عليها بعدها سوى أن تخبرها كل شيء حدث...


بداية من خروجها من مكان عملها ورؤيتها إلى حمزة وبعدها كيف ظهر كريم أمامها من العدم، ليس هذا فحسب، بل قام بضرب حمزة، غير معرفته أياه....


أردفت سلمى حينما انتهت سامية من سرد ما حدث:


-حاجة غريبة أوي، وعمو زهران معاه حق والله صدف كريم دي كتيرة أوي لدرجة مش منطقية....


ثم تابعت وهي تفكر بصوتٍ عالٍ:


-وأصلا ممكن حد غيره حتى لو شافكم بالصدفة يعمل نفسه مش شايف وعادي، هو يعرف منين انه طليقك ويعرف منين أنه مضايقك وجوده؟ كل ده عليه علامات استفهام كتيرة أوي.....


زفرت سامية ببطء ثم غمغمت:


-في حاجة غلط، بس كل ده مش صدفة أكيد.


مالت سلمى للأمام قليلًا، وقالت بتلقائية وكأنها وصلت للاستنتاج الوحيد المنطقي:


-يمكن معجب بيكي يا سامية، مش يمكن ده شكله أكيد يعني، أصله بيعمل كل ده ليه؟ وبيظهر منين؟ وعارف طليقك منين؟ ده دليل أنه متابع حاجات كتير، يعني أنه سأل وعرف حاجات محدش يعرفها أصلا في المنطقة وهما جم المنطقة بعد طلاقك أصلا.......


ثم أضافت:


-معتقدش أنه حاجة غير أنه معجب بيكي ويمكن أكتر من كده، يمكن لو حد تاني غير صاحب نضال وغير أنه جارنا، وغير أنه يعرف كويس أنتِ من عيلة مين كنت هقولك عايز يتسلى ويلعب شوية بس أنا مستبعدة الحوار ده يعني....


حديث سلمى تشعر به هي الأخرى ورُبما لديها الدلائل إلا أنها تحاول نكران تلك الحقيقة، وذلك التخبط التي تشعر به......


منذ أن أنفصلت عن حمزة لم يأتي في عقلها فكرة أن يعجب بها أي شخص، لم يكن محيطها يسمح لها بذلك، بيئة عملها في الغالب مع النساء والفتيات، وكانت ترمم ما يتواجد بداخلها ومازالت تشعر بأنه من المستحيل أن تدخل في علاقة مجددًا، وطفلها هو الأولى بها وبرعايتها.........


كيف تثق من الأساس حتى ولو أرادت...


لكنها لم تستطع كتمان الأمر...

كانت ترغب في الحديث مع سلمى...


وأن تخبر أحد بما يحدث معها حقًا...

فهي تشعر بالتخبط والقلق الشديد...


تمتمت سلمى بتساؤل:


-قولتي لعمو زهران اللي حصل؟.


هزت سامية رأسها نافية ثم قالت:


-هقوله، لازم أقوله أن حمزة جه...


ضيقت سلمى عينيها وهي تسألها باستغراب:


-مش هتقولي أن كريم جه وضربه؟.


تنفست سامية بعمق: 


-كان نفسي مقولش، بس أنا عارفة كويس أني لما أقوله أن حمزة جه وهو كلمه، حمزة مش هيسكت وهيعرفه طبعا اللي حصل، فلازم أقوله....


أثنت سلمى على تفكيرها:


-معاكي حق.....


 ترددت سلمى قبل أن تضيف:


-ما تدي لـ كريم فرصة يا سامية، شكله معجب بيكي بجد، أكيد مش كل...


قاطعتها سامية ولم تدعها تستكمل حديثها الذي لامسها وبشدة:


-أول مرة وثقت في مشاعري، أنتِ عارفة حصل إيه، وبعدين حتى لو هو معجب بيا ممكن تكون عادي مشاعر مش حقيقية أو انجذاب ناحية حد، يعني مشاعر وهتروح لحالها، أنا منفعش لأي راجل ولا هثق في أي راجل..


قالت سلمى بهدوء:


-صوابعك مش زي بعضها يا سامية....


ابتسمت سامية ابتسامة خافتة تخفي مرارة:


- لو هو كويس زي ما بتقولي، فهو يستحق حد أحسن، وحد في نفس ظروفه، ده على افتراضًا يعني أنه بيفكر فيا...


نظرت إليها سلمى نظرة جادة وختمت حديثها:


-ده مش افتراض كل اللي حصل بيقول أن دي الحقيقة والموضوع بقا واضح....


بعدها ظل الصمت بينهما…

صمت امرأة تكابر، تخاف، وتنكر…


بينما قلبها يدرك الحقيقة جيدًا، لكنه لا يجرؤ على الاعتراف بها بعد، أو لا يرغب في التصديق.....


______________


أنهت "حور" غسل صحون الفطور بعدما فرغت والدتها وابنة شقيقها، وجففت يديها ثم وضعت السماعة في أذنيها، حتى تتحدث مع وفاء بينما المياة لا تزال تتقطر من الحوض........


قالت حور بنبرة عفوية:


-هو بصراحة الجو غير ملائم للفرح خالص ولا الشوارع كمان، بس يعني لازم تروحي يعني..


ثم تابعت بضحكة خفيفة، وكأنها تحاول أن تُخرجها من مزاجها:


-وبعدين أنتِ ليه عدوة الفرحة كده؟ ما تروحي أفراح الناس يا بنتي كده علشان تلاقي حد يجيلك في فرحك ويعبرك....


جاءها صوت ضحكة وفاء من الهاتف ثم قالت:


-كفايا عليا أنتِ يا حبيبتي تكوني في فرحي، معرفش أنا مش لاقية حد يروح معايا، وبجد فكرة الافراح دي بضايقني ومش عارفة البس إيه كمان...


فكرت حور للحظة ثم قالت:


-في فستان عندك كان لونه بينك كده ولا درجة مش عارفة احددها، اللي جبناه مع بعض وأنتِ تقريبًا ملبستهوش...


أجابتها وفاء بعد لحظات حاولت تذكر فيها هذا الفستان:


-ايوة ملبستهوش فعلا، بس مش عارفة هو فين الدولاب عندي مقلوب على بعضه، وحساه هيكون خفيف أوي بجد في الجو ده..


قالت حور ببساطة:


-طيب الحقي دوري عليه كده علشان لو عايز يتكوي أو في حاجة عايزة تتظبط وخدي معاكي جاكت وهتروحي بالعربية وخلاص يعني.


تمتمت وفاء بعد تنهيدة خرجت منها:


-ماشي لما اقفل معاكي هدور عليه في دولابي ولو ملقيتهوش بقا هشوف حاجة غيره، ولو سامية كانت موجودة بليل ومنزلتش هخليها تحطلي الميكب علشان أنا أخر حد ممكن يحط ميكب أصلا...


ضحكت حور ثم غمغمت:


-ايوة هي تحطلك أحسن؛ والله لولا ماما تعبانة ولولا أن ريناد هنا كنت جيت معاكي علشان متكسليش بس لازم تعتمدي على نفسك بقا.....


-ألف سلامة عليها المهم صحتها وتتعوض مرة تانية، وأنا هشوف هستقر إيه على اللبس وهبعتلك برضو على الواتساب إيه الدنيا، بس ركزي معايا...


-اوك متقلقيش ولو طولت في الرد رني عليا...


في الطابق الثاني…


كانت ريناد ترتب الشقة بهدوء، بعدما بدلت ملابسها وارتدت ما جاءت به ليلة أمس....


ليلة أمس…


كانت أطول مما توقعت، وأقرب مما حسبت......


ليلة لم تُرتب لها لم يكن في نيتها أن تاتي لكن الوعكة الصحية الخاصة بحسنية هي من جعلتها تأتي إلى هنا ولم تكن تعرف أن الطقس سوف ينقلب إلى تلك الدرجة....


 كانت ليلة لم تُحسب خطواتها، لكنها جاءت دفعة واحدة، كأنها انفجار مشاعر ظل مؤجلًا طويلًا.......


لكنها كانت رائعة ومختلفة إلى الحد الذي سيجعلها تتذكر كل تفصيلة بها، ليلة لم يعد للكلام معنى ولا للعتاب مكان، فقط سكون اللحظة حين هدأت الدنيا كلها بين ذراعيه، وكأن العالم توقف عند تلك المساحة الصغيرة التي ضمّها إليه فيها......


لا تتذكر كيف ومتى غفيت...


لكن الشيء الوحيد الذي تتذكره هو أنها نامت بين أحضانه ولم تستيقظ إلا معه على صوت هاتفه يرن بإلحاح، وكانت اتصالات متتالية من أحد العاملين.....


وقتها نهض على عجل، قبّل جبينها في صمت، وهمس لها أن تُكمل نومها وألا ترحل قبل عودته فمازال الوقت باكرًا جدًا........


بعد أن غادر، عادت للنوم مرة أخرى....

 كأن جسدها كان يحتاج تلك الطمأنينة، استيقظت لاحقًا على صوت أذان الظهر يتسلل من المسجد القريب، نهضت بهدوء، أخذت حمامًا دافئًا، استعارت عباءة وخمارًا من ملابس بهية، وأدت فرضها.....


قررت أن ترتب المنزل قبل أن تصعد لهما، حتى تأخذ ابنتها وترحل، فهي تشعر بالخجل لن تنكر، غير أنها غاضبة في الوقت ذاته، مازالت غاضبة منه لكن الأكثر من نفسها....


أخذت تفكر كثيرًا...

بسبب التردد الذي كان يتملك منها....


هل تظل جالسة في انتظاره أم ترحل؟..


ظلت في حيرة إلى أن قاطعها صوت رنين الجرس.....


فتحت الباب ووجدت أمامها حور مبتسمة وهي ترتدي خمار والدتها المنزلي فوق ملابسها المنزلية.


قالت حور بنبرة دافئة: 


-أنتِ صاحية؟ أنا افتكرتك لسه نايمة لدرجة أن ليان كانت عايزة تنزلك وأنا وماما مرضيناش قولنا نسيبك تنامي براحتك..


دخلت ريناد إلى الداخل وهي ترد عليها وبعفوية دخلت حور خلفها:


-صحيت من بعد الضهر كده حاولت اروق الدنيا...


ثم أشارت ناحية الأريكة:


-دي اللحاف والبطانية أنا طبقتهم اهم ابقي خلي اخوكي يطلعهم ليكي، ودي الشنطة فيها الهدوم اللي دياب جابها من عندك أنا للأسف مش عارفة اشغل الغسالة علشان اغسلهم...


تمتمت حور بجدية:


-ياستي متكبريش الموضوع أنا هغسلهم.


قالت ريناد بتساؤل:


-ليان عاملة معاكم إيه؟.


-زي الفل قاعدة مع ماما هي مبسوطة بيها جدًا، وفطروا سوا وأنا أخرت نفسي لغايت ما أنتِ تصحي علشان نفطر مع بعض..


رفعت ريناد حاجبيها وقالت مبتسمة غير مصدقة:


-بجد ليان فطرت؟ فطرت إيه؟ ده أحنا كل يوم بنتخانق مع بعض في مرحلة الفطار من كتر ما مش بيعجبها حاجة ومزاجية جدا في الأكل..


سردت عليها حور ما حدث:

-دياب جاب جبن الصبح وقال أنك بتأكليهم أنتِ وليان وصحاني قبل ما يمشي أنه جاب حاجات للفطار، بس هي فطرت عادي وكلت مع ماما من البيض وكذا حاجة، ماما كانت قاعدة بتحمسها علشان الرز باللبن...


ثم أضافت:


-يلا نطلع علشان العصر أذن؛ يدوبك الفطار بقا غداء، المهم نلحق نأكل ونحضر الغداء، ماما هتتوصى بيكم النهاردة وكمان إيناس هتيجي هي والولاد رغم الجو وحش بس هي قالت جاية ومصدقتش أنك هنا...


كادت أن تتابع حديثها لولا صوت انثوي قادم من ناحية الشرفة التي فتحتها ريناد حتى تقوم بتهوية الشقة قبل رحيلها.....


-يا دياب......


ضيقت ريناد عيناها ثم غمغمت:


-ده شكله حد من الجيران ولا إيه بينادي..


توجهت حور صوب الشرفة وكذلك ريناد لتنظر حور منها وسمعت صوت أم ليلى وهي تهتف:


-افتحي البوابة يا بت يا حور......


ابتعدت حور عن السور الحديدي بارتباك....


على الرغم من أن ريناد تعرف ليلى وأمها تلك المرأة الفاسدة لكنها لم ترى أم ليلى من قبل لذلك غمغمت:


-مين دي؟!..


تمتمت حور بارتباك طفيف بعدما وجدت بأن الطريقة المثلى لحل الأمر هو قوله بصراحة مطلقة:


-دي أم ليلى...


التوتر والغضب.....

بدأ يزحف من جديد.....


_____________

يضع "حمزة" كيس الثلج فوق الجهة اليمنى من وجهه، حيث التورم لا يزال نابضًا بألمٍ خافت من أثر لكمة كريم.......


 كريم الذي لم ينسَ اسمه حينما نطقته.....


حاول أن يتحمل برودة الثلج رغم قسوة الطقس، لكن البرد كان أقسى من قدرته على الاحتمال، وكأن الشتاء قرر أن يُنهيه على مهل بلا شفقة.....


بعد دقائق أنزل كيس الثلج على الصحن الموجود على الطاولة؛ الشقة التي يجلس فيها الآن هي شقة والده ووالدته أخر ما تبقّى له، شقته الخاصة لم تعد موجودة، وكذلك المقهى الذي كان يملك مفاتيحه ذات يوم.......


كل شيء تلاشى.....

والآن… 

يحاول أن يبدأ من جديد....


دوى جرس الباب فجأة، ارتبك......

فمن الذي قد يأتي إليه؟

لا أحد ينتظره، ولا أحد يسأل عنه.....


لا يتذكر بأن هناك أحد من أصدقائه قد رفع عليه سماعة الهاتف منذ خروجه من السجن، فقط من ابتزها لسنوات هي من اهتمت لأمره، شقيقته.....


نهض ببطء، سار خطوات ثقيلة نحو الباب، وحين فتحه تجمد للحظة، كان المعلم زهران يقف أمامه.....


قال زهران بنبرة مكتومة فهو أتى فورًا بعدما أخبرته سامية بما حدث:


-السلام عليكم.


ابتلع حمزة ريقه، وبرغم الارتباك أفسح له الطريق وهو يغمغم:


-وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته...اتفضل يا معلم زهران اتفضل...


دخل زهران بثقة، وجلس دون تردد، بينما ظل حمزة واقفًا أمامه، متصلبًا كمن ينتظر حكمًا يعرف نتيجته مسبقًا......


تمتم زهران بنبرة ثابتة:


-معلش جيت من غير ميعاد بس الكلام مكنش ينفع في التليفون كان لازم اجي واشوفك...


قال حمزة محاولًا التماسك، بينما زهران في تلك اللحظة فقط كان يدقق في نصف وجهه المتورم: 


-حضرتك تنور في أي وقت، تشرب إيه؟..


تحدث زهران بنبرة صريحة غير مجاملة:


-أنا مش جاي أشرب حاجة؛ اقعد علشان اقول الكلمتين اللي جاي علشانهم، الود بينا بصراحة بيبقى شكله سخيف ودمه سم وباين أوي أنه مش من القلب....


جلس حمزة رغمًا عنه وكأنه لم يستطع أن يكذب حديثه، وأدرك بأن إتيانه ليس علامة خير.......


تمتم زهران بجدية:


-بص يا حمزة أنتَ لما جيت تتجوز سامية وتطلب ايديها مفكرتش كويس ولا سألت علينا....


تابع حديثه وهو ينظر له بأعين حادة لا تهاب شيئًا:


-لو كنت فكرت كويس أو حتى سألت علينا كنت عرفت معلومة بسيطة جدًا فاتتك وقتها أنا متأكد....


قال حمزة بعدم فهم:


-معلومة إيه دي يا معلم زهران؟..


ابتسم زهران ابتسامة بلا دفء وهو يخبره:


-أننا جزارين، جزارين أبًا عن جد، من كبيرنا لصغيرنا لغة حبنا هي القطع والسلخ، ايدينا بتتكلم قبل ما بقنا بيتكلم لو كنت عرفت معلومة زي دي مكنتش دخلت بيتنا ولا عملت اللي عملته..


ثم تابع زهران، وعيناه لا ترفّ:


-رغم أنك مسألتش فأنتَ محظوظ، أننا مستعملناش إيدينا كتير معاك، بقنا اتكلم شوية وكنا ناس متحضرة وبنتنا حاولت تاخد حقها بالقانون، ومتفكرش أن اللي حصل فيك كان كفايا أبدًا لا كنت تستحق الدبح بس اهو النصيب، مش كل حاجة الواحد بيعوزها بتحصل........


ابتلع حمزة ريقه ثم أراد الدفاع عن نفسه:


-مدام حضرتك بتتكلم بالطريقة دي تبقى عرفت اللي حصل امبارح، بس أنا والله ما عملت حاجة، أنا بس جيت وكنت عايز اتكلم معاها، أنا انسان، غلطت اه، بس لسه بحب سامية؛ وكل الناس بتغلط؛ ليه مش عايزين تدوني فرصة اصحح غلطي؟..


رفع زهران حاجبيه:


-أخدت فرص كتير من قبل ما حتى ما سامية تشتكي لينا منك ومن قبل ما نعرف أنها حامل ولما عرفت أنها حامل، أنا حاولت اديلك فرصة تراجع نفسك وتحافظ على بيتك لكن أنتَ معرفتش تتقي الله وتبطل العك اللي أنتَ فيه، واكتشفنا اللي كان هيخلي نضال يدبحك من غير ما يرف له جفن لولا لحقناك من تحت ايده.


صمت لحظة، ثم قال بوضوح قاطع:


-بُص يا ابن الناس أنتَ رجعت وقولت عايز تشوف ابنك واحنا مقولناش حاجة، غصب عننا أنتَ ابوة ومضطرين نتحملك علشان عيون ريان حفيدي مش أكتر، لكن غير كده مفيش حاجة هتربطك بينا، سامية مش هترجعلك ولو كنت بتفكر لدقائق كنت عرفت أن مفيش واحدة هتسجن راجل هي عايزة تعيش معاه يوم كمان.......


ثم قال حديثه:


-وخد بالك حتى لو هي عايزة ترجع ليك أنا مش هوافق لو على جثتي، ولو أنتَ أخر راجل في الدنيا ليها، من البجاحة أصلا أنك تفتكر أنه ليك فرصة....


وختم حديثه بندم حقيقي بسبب موافقته على تلك الزيجة:


-أنا مش هكرر غلطي تاني واسلمهالك، فياريت مشوفكش حوالين سامية تاني لأن زي ما قولتلك كلام البوق ده مش بيجيب معانا سكة كتير ومش هفضل احب اريح دماغي كتير...


حاول حمزة قول أي شيء يشرح له ما يريده حقًا:


-أنا بحب سامية يا عم زهران وندمان على كل حاجة عملتها و....


لكن زهران نهض قاطعًا، فنهض حمزة تلقائيًا وتمتم زهران:


-متقعدش تغني وتبكي على الاطلال وندمك ده تبله وتشرب ميته وكبيرك تسمعلك عليه اغنيتين يواسوك، لكن لو سمعت ولو بالغلط أنك روحت لسامية تانية والله العظيم أنتَ حر ومش هسمي عليك ساعتها أنا جيت علشان خاطر عيون ريان بس اتكلم معاك لأخر مرة..


قال حمزة وهو يحاول أن يكسب تعاطفه:


-كل الناس غلطت ولازم نسامح بعض وأنا متأكد أن سامية بتحبني....


-يابني متنرفزنيش، وبعدين لو كل الناس بتغلط غلطك وبتتسامح يبقى العيب على اللي بيسامح، وسامية مش بتحبك ده وهم في دماغك، أنتَ معرفتش سامية كويس...


ثم سار متوجهًا نحو باب الشقة فأردف حمزة وهو يوقفه:


- طب مين كريم ده؟.


أستدار له زهران قائلًا باستخفاف:


-وأنتَ مالك؟...


ثم نظر زهران إلي وجهه نظرة ذات معنى متمتمًا:


-تسلم ايده..


تجاهل حمزة استفزازه وقال:


-هي سامية بتفكر تتجوز؟!..


فتح زهران الباب وقال قبل أن يغادر:


-ميخصكش في حاجة، لأن مش محتاجين اذنك لأنك مش ولي أمرها، ولا حتى هنعزمك لأنك مش غالي على قلوبنا؛ أعقل لو لسه عايز تشوف ابنك يا حمزة، سلام...........


وأغلق زهران الباب خلفه…

تاركًا حمزة وحده، بين ألم وجهه…

وألمٍ أكبر لا يملك له ثلجًا.....

والأهم ندمه......


___________

جلست ريناد على الأريكة قبالة تلك المرأة، ظهرها مستقيم، وملامحها جامدة على غير عادتها، نظرتها حادة لا تخلو من تحفز، وكأنها تضع حدودًا غير مرئية بينهما......


على الجانب الآخر، كانت أم ليلى تتعمد تجاهل وجودها تمامًا، موجهة حديثها لحُسنية وحدها، وكأن ريناد قطعة أثاث أو ليست موجودة من الأساس، فهي كانت غاضبة من وجودها جدًا، وتشعر بالخوف من أن تكون الأمور على ما يرام......


أما حور، فكانت في الداخل مع ابنة شقيقها، أغلقت الباب عليهما محاولة احتواء الموقف...


قالت أم ليلى بنبرة ودٍّ زائف، وهي تهز رأسها بأسى مصطنع:


-أول ما أم ابراهيم قالتلي أنها شافتك امبارح راجعة من المستشفى تعبانة وأنا كنت عايزة اجيلك علطول والله لولا الجو اللي قلب امبارح كنت جيتلك...


ابتلعت حُسنية ريقها، وعيناها تتحركان بين المرأتين، وكأن عقلها بدأ يرسم صورة لم تكن تريد تصديقها:


-تسلمي يا حبيبتي منجلكيش في حاجة وحشة.


لم تكد الكلمات تستقر حتى خرجت ليان من الداخل، غاضبة، آثار عبوسها واضحة وهي تقترب تخبر أمها:


-ماما، حور خلصت الرز باللبن كلت أخر واحدة....


جذبتها ريناد إليها واحتضنتها تلقائيًا، وضحكت رغم التوتر:


-عادي يا ليان...


جاءت حور خلفها على الفور، تبرر ما تقوله تلك الطفلة:


-والله مخلصتهوش لسه في واحدة في الثلاجة هي اللي مش عايزة تشوفها واتقمصت وأنا بهزر معاها...


قالت حسنية بنبرة لينة وحنونة ونظرات أم ليلى المحتنقة تلاحقهما:


-حتى لو خلص هعملك غيره، أنا عندي كام ليان أصلا؟.


هنا، تكلمت ريناد أخيرًا، نبرتها هادئة، لكنها مباشرة، وعيناها ثابتتان على أم ليلى:


-مش عايزين نتعبك، حضرتك تعبانة والمفروض ترتاحي وتكون الزيارات والمجهود خفيف عليكي......


رفعت أم ليلى حاجبيها وهي تدرك بأن الحديث موجه لها لذلك تحدثت من دون تفكير:


-عايزة اتكلم معاكي في موضوع يا أم دياب لوحدنا..........


فتحت ريناد هاتفها بهدوء، شغّلت كرتون ليان المفضل، وسلّمته لها:


 -ادخلي جوا يا حبيبتي.


تحت تعليق حور:


-هتتكلمي في إيه يا أم ليلى مع أمي لوحدها؟ إيه اللي بينكم يعني ده احنا بقالنا سنين مشوفناكيش إلا بالصدفة في الشارع ده لو افتكر أننا شوفناكي أصلا....


قالت حُسنية بجدية:


-اتكلمي يا أم ليلى دي مرات ابني ودي بنتي هخبي عنهم إيه يعني؟..


لكن أم ليلى ردت باستفزاز واضح:


-الأحسن أننا نتكلم لوحدنا.


أشارت ريناد لحور أن تدخل مع ليان واستجايت لها، ثم التفتت إليها بلا تردد قائلة:


-أنا شايفة أنه من الافضل، أنك تتكلمي وقت تاني لو عندك حاجة عايزة تتكلمي فيه، أنتِ اطمنتي عليها وخلاص، هي لسه راجعة من المستشفى امبارح، وحتى اسمع أن زيارة المريض المفروض تكون قصيرة.


اتسعت عينا أم ليلى بتصنع:


-يعني أنتِ كده بتطرديني؟ عيب لما تقولي كده لوحدة قد أمك....


ثم أردفت بنبرة محمّلة بالسم:


-بس معاكي حق أنا مش هطول على أم دياب لانها تعبانة، بس برضو احنا جيران في الأول والآخر، وعيب أوي لما ولاد الحتة الواحدة يضحكوا على بنات الناس..........


أسترسلت حديثها بنبرة جادة:


-دياب كلم ليلى من كام شهر بعد ما عرف أنها أطلقت وأنا مكنتش موافقة في الأول بس هو فضل يكلمها على أساس أنه هيتجوزها....


خرجت ضحكة ساخرة من ريناد، قصيرة لكنها كافية، تحت نظرات حُسنية المصدومة....


تمتمت أم ليلى بانزعاج:


-كلامي بيضحك؟


هزت ريناد رأسها وقالت بملامح حادة:


-اه بيضحك...


ثم تابعت:


-بصي، أنا مش هحرجك واطلع اسكرينات بنتك وهي اللي بتتحايل عليه يتجوزها، وهو كان ولا بيعبرها اساسا ولا بيرد عليها، هي اللي فضلت تجري وراه بعد ما اطلقت..


قالت أم ليلى بوقاحة:


-لو زي ما بتقولي، لو مكنتش ليه مزاج كان سابها تقول أو يمكن انتِ مش مالية عينه، وعايز يرجعه لحبه الأول.


ضحكت ريناد أكثر ولم تعطها المساحة لاستغلالها أو إظهار ثورتها حتى ولو كانت ترغب في قتلها وقتل دياب معها كونه وضعها في هذا الموقف:


-يمكن لو راجل تاني غير دياب كنت هقولك أي راجل بيحب يتسلى أو يضيع وقت، لكن في الحقيقة هو كان صعبان عليه، بنتك كانت صعبانة عليه وبصراحة معاه حق...


ثم أضافت بحدة صافية:


-كنت الأول مستغرباه بس لما شوفتك دلوقتي جاية تفضحي بنتك أنها بتكلم راجل متجوز، صعبت عليا أنا كمان، أن عندها أم زيك ربنا يكون في عونها والله...


ثم نهضت من مكانها تحت نظرات أم ليلى المندهشة، وسارت بضعة خطوات وفتحت لها الباب مغمغمة:


-الزيارة انتهت يعني المفروض تسيبيها ترتاح زي ما قولنا زيارة المريض واجب بس لازم تكون قصيرة، واديكي قولتي اللي عايزة تقوليه واللي مفرقش مع حد في حاجة.


نظرت أم ليلى إلى حُسنية هاتفة بانفعال بعدما نهضت من مكانها:


-أنتِ موافقة على كده يا أم دياب؟ أنا بطرد من بيتك........


تمتمت حسنية بهدوء حاسم ولم تنهض من مكانها حتى:


-دي بيتي وبيت ريناد برضو وهي واحدة من العيلة زيها زي بناتي اللي هيجي يدخل البيت ومش هيحترم وجودها ويتكلم في كلام ملهوش لازمة، يبقى وجوده مش مستحب عندنا ولا باب بيتنا هيكون مفتوح فيه، شرفتي يا أم ليلى.....


كانت ريناد مصدومة من دفاع حُسنية عنها لم تتوقعه في تلك اللحظة فهي ظنت بأنها تمادت وتتصرف في منزلها في وجودها، لكن حديثها هذا جعلها تكتسب ثقة أكثر.....


-مكنش العشم يا أم دياب دي مش الاصول....


كان هذا رد أم ليلى فأجابت عليها حسنية:


-لما تعرفيها الأول نبقى نتكلم فيها...


خرجت حور وهي تقول بسخرية فهي كانت تسترق السمع بين الحين والآخر ورسم عقلها الصورة التي كانت هي الحقيقة، ليلى هي سبب خلاف شقيقها وزوجته:


-خدي الباب في ايدك يا طنط وافتحي بالاوكرة عادي لسه مركبينها جديد وأهم حاجة متنسيش متسلميش على ليلى علشان خرابة بيوت...


غادرت أم ليلى بغضب كبير، وبعد رحيلها، ساد الصمت......


كانت ريناد تجهز ابنتها في هدوء، ارتدت معطفها، واقتربت لتودعهما.....


تمتمت حُسنية بخجل حقيقي:


-أنا اسفة يا بنتي..


ردت عليها ريناد بنبرة هادئة:


-حضرتك معملتيش حاجة علشان تتأسفي عليها، وبجد مضايقيش نفسك المهم صحتك، مفيش حاجة مستاهلة....


ثم أنهت حديثها:


-الموضوع بيني وبين دياب وطبعا مش زي ما هي قالته، يعني دي حاجة بيني وبينه بلاش تتكلموا فيها معاه ولا حتى تفكري فيه علشان ضغطك ميعلاش......


أردفت حُسنية بنبرة جادة:


-ده ابني ولازم اتكلم معاه لما يغلط...


ثم تابعت:


-وأنتِ خليكي ده ايناس زمانها في الطريق علشان العيال يشوفوا بعض..


-معلش لازم امشي..


لم تستطع حُسنية أن تصر عليها أكثر، لم يكن لها وجه، وأدركت بأن ريناد مجروحة وتحتاج الانفراد بنفسها لذلك ودعتها هي وحور وغادرت مع طفلتها... 


وقلبها أثقل قليلًا....

 لكن رأسها مرفوعة رغم كل شيء.....


____________


تناول الطعام مع عائلته على مضض، بلا شهية حقيقية، امتدت يده إلى الطبق أكثر بدافع العادة لا الرغبة، بينما كانت عيناه شاردتين، وكأن عقله في مكان آخر تمامًا.............


امتنعت هالة عن تناول الطعام بحجة واهية لم يهتم حتى لسماعها كاملة، لم يسأل، لم يلتفت، ولم يكلف نفسه سماع امتناعها......


ما إن هبط والده إلى المتجر الخاص به، حتى التفت إلى والدته قائلًا بنبرة جافة: 


-ماما، عايزك في كلمتين لوحدنا.


دخلت معه إلى الحجرة التي تجمعها بزوجها، وأغلق كريم الباب خلفهما بإحكام، تنفّس بعمق، كأنه يجمع ما تبقى من هدوئه، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه مشحون:


-يعني هو وصل بيكي الحال أنك تطلعيها شقتي يا ماما؟...


الحقيقة بأنه توقع بأن والدته قد تفعل هذا...

وكيف لا يتوقع؟ فهي تصر عليها بإلحاح مزعج، أكثر مما تناقشه في أي شأن آخر يخص حياته.


حاولت صباح التماسك وقول أي شيء مناسب في تلك اللحظة، لكنها لن تنفي التهمة عن نفسها، بل اثبتتها رغم أنها لم تفعل شيئًا ولم تطلب منها شيئًا:


-حصل إيه يعني، ليه عامل حوار بالشكل ده؟ هي طلعت تحط الحاجة وكانت نازلة علشان البية اتأخر وأنا قولتلها تحطلك الأكل فوق وتنزل، يعني مباتتش فوق، أنا مهانش عليا أنك تيجي ومتأكلش وكلنا كنا نمنا من الجو وأنتَ اللي قاعد في الشارع..


نظر إليها كريم نظرة طويلة، صامتة، لم تحمل شكرًا ولا تفهمًا، كان الاستهانة بالأمر تستفزه أكثر من الفعل نفسه......


فقال أخيرًا ببرودٍ متحكم:


-ماشي هعتبر أن الموضوع عادي، بس دي أول وأخر مرة لو هموت من الجوع أو مهما كان السبب هالة متطلعش شقتي، وأنا هغير الكالون علشان ميبقاش في حد يطلع فوق تاني...


ارتسم الاستياء على وجه صباح، وقالت باستهجان:


-اعمل اللي تعمله المهم تبطل تتلكك...


ثم نظرت إليه بعين فاحصة، وسألته بنبرة تشوبها الشك:


-وبعدين امبارح كان الجو تلج والمطرة موقفتش، أنتَ كنت فين في الجو ده؟ ومش عادتك تتأخر لأنك بترجع تنام بدري علشان بتصحى بدري...


رد كريم بنبرة عادية أكثر مما ينبغي:


-عادي كنت زهقان وعايز اتمشى..


رفعت حاجبيها بدهشة وهي تسأله:


-في الجو ده؟.


هز رأسه بإيجاب دون إضافة، ثم فتح الباب وغادر الغرفة، منهيًا الحديث كما بدأه من طرف واحد ثم غادر الغرفة وبقيت هي واقفة في مكانها تفكر، ما يحدث مع ابنها؟...


في الفترة الأخيرة أصبح غريبًا، متحفّظًا، صامتًا أكثر من اللازم، لم يعد يخبرها بشيء، لا عن يومه، ولا عن تفكيره، ولا عن سبب شروده الدائم.......


أكثر من يجلس معه هي نورا…


ونورا، حتى لو كانت تعرف، لن تنطق حتى ولو قتلتها.......


قلبها يخبرها بأن هناك شيئًا مختلفًا يحدث مع ابنها....


_____________


في المساء.


كان المعلم زهران يجلس أمام الجزارة، على مقعده الخشبي المعتاد، كأن المكان لا يكتمل بدونه، أمامه أرجيلته الحبيبة، يضم خرطومها بين أصابعه الخشنة، يسحب نفسًا طويلًا ثم يخرجه ببطء، وكأنه يحاول إخراج ما يثقل صدره مع الدخان........


الهواء بارد، رطب، يحمل أثر المطر الذي لم يجف تمامًا، والشارع، كان زهران يحاول الهدوء، لكن الأمور لا تدعه يهدأ، عيناه تجولان في الشارع بحذرٍ غير معتاد، وكأنه ينتظر شخصًا بعينه  لم يصادف كريم حتى الآن، على غير العادة حركة الشاب اليوم كانت مختلفة، كأن الزمن تعمد أن يُبعده عن مرمى نظره، أو رُبما مر أثناء غيابه لا يعلم.....


جاء نضال وألقى التحية عليه ثم سحب مقعد وجلس متمتمًا:


-مساء الخير يا بابا...


-مساء النور..


-إيه اللي مقعدك في الشارع يا بابا والجو برد كده والشوارع متبهدلة من امبارح...


تمتم زهران بعدما سحب نفس الأرجيلة فهو رجل أعتاد رؤية الطقس باختلاف عواصفه ودرجاته:


-يعني هقعد حابس نفسي في البيت؟ مدام بطلت مطرة الواحد يشوف شغله...


صمت لحظة، ثم التفت إليه أخيرًا:


-عملت إيه صحيح؟.


تنهد نضال، وكأن السؤال فتح عليه باب يومٍ طويل، فحاول أن يسرد له معاناته طوال اليوم:


-الحمدلله اتحلت، عقبال ما روحت كان دياب جاب كهربائي وبعدين اكتشفنا أن المشكلة فيها حاجة عمومية واضطرينا نطلب الكهرباء وقعدنا ساعات كتير علشان الموضوع يتحل، والمكان اتقفل اليوم كله كده...


-الحمدلله، حصل خير أهم حاجة محدش أتأذى.


-الحمدلله.


ساد الصمت بينهما للحظات، لا يقطعه سوى صوت الأرجيلة وحركة الشارع البطيئة، أخرج نضال هاتفه واتصل بزوجته، يسألها إن كانت تحتاج شيئًا قبل أن يصعد، لكنها لم تطلب شيئًا.......


أنهى المكالمة وعاد يضع الهاتف في جيبه.


 قال زهران بنبرة هادئة:


-ابعتلي رقم الواد كريم ابن عزت كده..


رفع نضال حاجبيه باستغراب:


-غريبة يعني، أنتَ علطول مش طايقه عايز رقمه ليه؟.


تمتم زهران بسخرية بعدما سحب نفس أخر:


-أكيد مش هتصل أحب فيه، واحد كان عايز رقمه عايز ابنه يبدأ معاه في الترم التاني وطلبه مني.


قال نضال بعدم فهم وهو يشير إلى الجهة المقابلة:

-يعني هو الراجل سايب أبوه اللي المحل بتاعه قدامك وجاي يطلب منك أنتَ؟.


انفعل زهران فجأة وقال:


-هو أنتَ هتفتحلي تحقيق؟ ده صاحبي أنا، هروح اقوله أطلب الرقم من أبوه؟ وبعدين ما تبعت الرقم وخلاص هو لازم تحقيقات وكيل النيابة دي؟..


فتح نضال هاتفه ثم أرسل الرقم الخاص بكريم إلى والده منعًا من أن يستمر كلمات والده ثم غمغم:


-بعته اهو.


-كويس.


صمت زهران قليلًا، ثم بدل نبرة صوته كليًا، ودخل في موضوع آخر يثقله:


-بُص بقا أنا بطلت أكلم سلمى في الموضوع علشان متقولش حساسة ومش حساسة وبتزعل ومبتزعلش، مع إني بكلمها لأني عايزة افرح بخلفتكم، بس أنتَ ابني أنا وهكلمك براحتي......


قال نضال بنبرة عادية:


-يعني هنعمل إيه أكتر من اللي بنعمله؟ الموضوع نصيب في الأول والآخر وكل حاجة ليها وقت وميعاد..


ترك زهران خرطوم الأرجيلة، واستدار له بالكامل قائلا بجدية رجل يرغب في رؤية أحفاده، تحديدًا أبناء نضال، فهو ابنه الأكبر:


-ماشي يا حبيبي مقولناش حاجة، اه كل حاجة ليها وقت وميعاد بس المفروض تسعوا عن كده، تروحوا لدكتور وثلاثة وعشرة كمان، لو حكمت تسافروا برا، تعملوا أي حاجة، أنا حاسسكم مطنشين...


تمتم نضال بنبرة هادئة وهو يفسر له:


-بعد رمضان ان شاء الله هنعمل حقن مجهري تاني، ربنا يسهل، كلهم بيقولوا نفس الشيء روحنا كتير والتشتت ده وحش واحنا بنتابع مع حد..


-يارب، أنتم بس كده اتحركوا.


ضحك نضال بمرارة ثم غمغم:


-هنعمل إيه يعني قولتلك....


لكن زهران قاطعه فجأة، بنبرة غاضبة:


-أنتَ أول حاجة تعملها تسيب الصايع اللي بتقعد معاه على القهوة ده وترجع بيتك، وبعدين أنتَ هتخلف ازاي؟؟؟، وهتشوف مراتك امته لما طول النهار في الشغل وبليل قاعدلي على القهوة مع دياب الصايع اللي هيصيعك زيه، اقعدلي في البيت لغايت ما تخلف...


رفع نضال حاجبيه:


-إيه يا بابا اللي بتقوله ده...


قاطعه زهران مرة أخرى بغضب غير مُبرر:


-بلا بابا بلا زفت، اه أنا كلامي واضح مش محتاج أفسره أكتر من كده ولا تناقشني فيه كلكم عيال تجيب الهم..


نهض من مكانه فجأة، سحب الأرجيلة من أمامه، وقال وهو يتجه إلى داخل الجزارة:


-أنا داخل اشوف شغلي أحسن........


ترك نضال مكانه، والبرد يلسع وجهه،

وبقي السؤال معلقًا في الهواء…

هل كان غضب زهران عن الخلفة فقط؟

أم أن هناك شيئًا آخر…


شيئًا أكبر، يثقل صدر المعلم زهران دون أن ينطق ويسرح به؟..


لكنه لا يعلم بأن ما يثقل صدر والده أمر سامية وحمزة الذي لن يشاركه فيه، من أجل حمايته.....


غير كريم الذي ظهر جديدًا....


__________


-حمزة، اصحى يلا....


كان هذا صوت خالد وهو يحاول إيقاظ شقيقه 

"حمزة المغربي"...


بعد اتصالات كثيرة لم يجد منه رد فقرر أن يصعد له ويستعمل نسخة المفاتيح التي تتواجد معه، في البداية كان يشعر بالقلق حينما لا يجب على اتصالاته لكن فيما بعد أدرك بأن حمزة يجعل هاتفه على الوضع الصامت طوال الوقت مدام منفردًا بنفسه حتى يستطع التركيز، كأن العالم كله يجب أن يصمت ليترك للخيال مساحته....


كانت الغرفة تعكس حالته تمامًا.....

فوضى فنية...

لوحات قديمة مكدسة بلا ترتيب، كتب جلبها من سفره الأخير متناثرة على الأرفف، ومشغولات نحتية متفرقة تشهد على شغفه المتقطع بهذا الفن.....


أعتدل حمزة في نومته وفتح عينه ببطئ مغمغمًا بنبرة بها بقية نوم:


-في إيه يا خالد؟..


بدلًا من أن يجيب عليه عقب خالد تعقيب ساخر من الدرجة الأولى:


-أنتَ برضو لابس نص كم في عز الثلج ده؟ ده أنا لو عليا كان زماني طالعلك بالبطانية....


تمتم حمزة بنعاس:


-يعني أنتَ طالع لغايت هنا علشان تشوفني لابس إيه؟؟..


ثم تابع:


-هي الساعة كام على كده؟ أنا لسه ماخدتش كفايتي في النوم، العصر أذن؟...


رد عليه خالد بسخرية:


-عصر؟ ده المغرب أذن والعشاء قربت.....


اعتدل حمزة وجلس في نصف جلسة وهو يفرك عينه بنعاس شديد مغمغمًا بنبرة خافتة:


-أنا نمت تقريبا بعد ما صليت الظهر، كنت سهران...


تمتم خالد بهدوء وهو يجلس بجواره على الفراش:


-طيب فوق كده، وصحصح وشوف هتلبس إيه..


ضيق حمزة عينه مغمغمًا بعدم فهم:


-ليه؟ أنا مش رايح في حتة...


تمتم خالد بانزعاج:


-النهاردة فرح حسام ابن خالك..


أردف حمزة بجدية:


-بس أنا قولتلك مش هروح؛ أنا مبحبش الأفراح ومفيش بيني وبينهم ود يعني أنا أخر مرة شوفت خالك وعيال خالك  ساعة عزاء بابا..


غمغم خالد بتوضيح:


-بس هو كلمك وأنتَ قولتلي أنه عزمك بعد ما خد رقمك مني، لازم تروح يا حمزة شوف أهلك وشوف الناس.....


-مش لازم عادي، قوله إني مسافر وخلاص أو بحضر للسفر وأنا فعلا مسافر كمان يومين...


حاول خالد اقناعه بإصرار:


-هتيجي معانا يا حمزة كل العيلة هتكون هناك، مش هتخسر حاجة أنا نفسي مش هطول هنرجع بدري علشان الجو؛ نص ساعة كده نعمل الواجب ونرجع....


أحيانًا يرى نسخة أخرى من أبيه في شقيقه، نسخة لا تعرف الاستسلام.....


لكنه يتعايش مع تلك النسخة جيدًا، رُبما لأنه لم يعد هناك وقت ليتمرد........


تنهد ثم قال بضيقٍ:


-طيب.....


بعد وقت...


قضى فروضه ثم حاول ترتيب غرفته، وصنع له قهوة حتى تجعله يفيق قليلًا....


ثم حاول أن يرتدي أي شيء على عجالة، ولم يجد سوى المنقذ، البدلة السوداء فأخذ حمامه....


ثم ارتدي ملابسه، والتي عبارة عن بدلة سوداء، وقميص أسود، تركه مفتوحًا عند الزرّين العلويين مما جعله يمنح الإطلالة جرأة تناسبه وأناقة؛ وحذاء جلدي أسود، واكتمل المظهر بساعة يد أنيقة ثم وضع عطره المفضل......


خرج من الشقة ثم انتظر شقيقه بالأسفل والذي جاء مع زوجته وأطفاله..


ذهب معهما حمزة في سيارة شقيقه لم يكن يرغب في القيادة، هو ليس لديه سيارة هنا، حينما يقود يستعمل سيارة والده المرحوم.....


كان تعليق خالد المرح ضحك الجميع عليها، فكان يرتدي معطفًا طويلًا وأسفله قميص صوفي ومع ذلك يشعر بالبرد:


-البرد هيسيبك وهيجي ليا زي كل مرة وأنا راجع هقعد اعطس...


بعد مرور ساعة....


كان وصلوا إلى حفل الزفاف...


صافح حمزة الجميع بعدما فعل خالد، كان الأمر أشبه بأنه طفل يتبع والده ويلقي التحية على أقاربه، لكن لن ينكر تم الترحيب به....


خالد بشخصيته الاجتماعية الرهيبة كان يتنقل بين الطاولات ويتحدث مع المعارف والأقارب بسلاسة أو رُبما لأنه بينه وبينهما ود عكسه تمامًا لذلك ظل جالسًا على طاولة بعيدة عن الجميع يعبث في هاتفه وحينما يأتي ابناء شقيقه يلتقطوا صور معه بهواتفهما بعفوية وسعادة غريبة وهم يركضون مع الأطفال وكأنهما في سباق ما....


حينما أقترب منه نور...


قال حمزة بجدية:


-أنا لو جه يوم واتجوزت، واتجننت وعملت فرح وأنتم لسه صغيرين مش هعزمكم، مفيش مكان للأطفال في الأفراح والله العظيم..


رد عليه نور بعفوية:


-هنيجي حتى لو مقولتش...


هتف حمزة باستنكار:


-أنا مكسوف منكم، امكم فين، ونوح كل شوية قاعد فوق حجر العروسة وبينط على فستانها ليه؟.


تمتم نور بسلام نفسي رهيب:


-بنلعب يا عمو عادي، يلا سلام.


بعد دقائق....


انشغل فيها حمزة مع هاتفه حتى أنه لم يمس الطعام الذي تم وضعه أمامه...


جاء نور وهو يخبره:


-عمو، عمو....


رفع حمزة بصره إليه مغمغمًا:


-إيه هنمشي خلاص؟.


هز رأسه نافيًا وهو يخبره:


-نوح وقع، ووقع الجاتوة والبيبسي على طنط....


ضيق حمزة عيناه مغمغمًا:


-وبابا وماما فين؟.


بسلاسة كان يجيبه الطفل:


-بابا مش موجود معرفش فين وماما عملت نفسها متعرفش نوح، بص هناك اهو...


رفع الصغير يده وأشار بعيدًا...

وهنا أتسعت عيناه....

رُسمت بسمة لم يراها على شفتيه رغم أن الموقف لا يستدعي تلك الابتسامة أبدًا...


-نوح ده ابن اخويا بجد...


نهض حمزة من مكانه وحمل نور ووضعه على المقعد:


-كل الأكل ده عقبال ما اشوف نوح عمل إيه....


سار حمزة بضعة خطوات يتوجه إلى الطاولة التي أشار الصغير عليها، حيث تجلس وفاء غاضبة.....


كانت ترتدي فستانًا طويلاً ناعمًا بلون وردي فاتح، يتّسم بالهدوء، الفستان مُفصَّل بقصّة أنثوية واضحة، حيث ينسدل القماش بخفّة على الجسد، مع ثنيات متداخلة عند الخصر والصدر تمنحه توازنًا جميلًا بين البساطة والأناقة.......


الأكمام طويلة تنتهي برباط ناعم عند المعصم، ما يضيف لمسة رقيقة، ياقة الفستان محتشمة، تتناسق مع الحجاب الذي كان نفس لون الفستان وأخذته من سامية، فجاءت الإطلالة هادئة لكن هذا قبل أن يتلطخ الفستان حينما وقع الصغير وهو يركض وهو يحمل الطبق لسوء حظها وتعثر عندها صدقًا هي على وشك أن تبكي.....


كانت زميلتها تحاول فعل أي شيء لكن تلطخ الفستان وبشدة أما الصغير كان يحاول المساعدة من وجهه نظره لكنه يقوم بتلطيخه أكثر....


حاولت وفاء ابعاده برفق رغم كل شيء فهي تدرك جيدًا الأطفال الصغيرة فهي تعيش معهما:


-خلاص يا حبيبي خلاص..


رد الصغير عليها ببراءة:


-أنا آسف يا طنط.....


كادت وفاء أن ترد عليه ولكن قاطع صوت حديثهما صوت حمزة المغربي:


-مساء الخير يا دكتورة وفاء....


رفعت وفاء رأسها وكذلك صديقتها، لم تكن تصدق بأن هذا الرجل أمامها؛ ظنت بأنها لن ترى الرجل التي دعت له وقت اعتمارها من دون سبب، جاء في عقلها وأرادت أن تدعُ له........


في تلك اللحظة فقط أدركت وفاء أن الليلة لم تنتهِ عند بقعة فستان........


لكن ما لا تعلمه أنه كان أمامها رجل سيعيد ترتيب فوضى مشاعر دفنتها منذ زمن، دون أن تدري إن كانت مستعدة لهذه البداية أم لا.......


بوتو يحبكم🩷🩷🩷🩷🫂


 الفصل الثاني عشر 


اذكروا الله.

دعواتكم لأهلكم في فلسطين والسودان وسوريا ولبنان وجميع البلاد العربية.


____________


" أخترتُ أن أُحصي أفعالك لأُضمّد بها جراحي المثخنة، فوجدتُ أن لك القدرة في تطبيب علّةٍ لست المتسبّب بها ، أعتقد أنّ هذا تأويل محبتي لك "


#مقتبسة


ربما

في حياة أخرى

سنكون معاً

سنحب بعضنا كما ينبغي

سنفعل كل الاشياء التي تمنينا ان نفعلها معاً


ربما

ولكن الان

انت غريب وانا بعيد


#مقتبسة


أتحدث عن الحب بحذرٍ مريب، ليس لأنني لا 

أؤمن به بل لأنني أعرف كيف يُفلس القلب 

حين يثق سريعًا.


#مقتبسة


أنْ يُحاوِلَ أحدُهُمْ مِنْ أجلِكَ حتَّى بِكَلِمَةٍ، 

أنْ تكونَ المُحاوَلَةُ عَنْ حُبٍّ وانتماءٍ،

يُطَمْئِنَ مخاوِفَكَ في المُضِيِّ وحْدَكَ، 

يَنْتَبِهَ لِصَوْتِ قَلْبِكَ قَبْلَ أنْ يَحْزَنَ،

ويُراعيَ هَشاشَةَ خاطِرِكَ، 

هذهِ أسْمَى طُرُقِ المَحَبَّةِ وأكْثَرُها بَهاءً وسِحْرًا...


#مقتبسة


__________


عاد دياب إلى المنزل بقلبٍ يسبق خطواته، متحمسًا، متلهفًا، وكأنه يركض ليصلح ما فسد أو ليطمئن نفسه قبل أي شيء.......


لم يتصل بها؛ لم يكن تجاهلًا بقدر ما كان انشغالًا قهريًا، أزمة سحبت منه الوقت والانتباه، وحين انتهت، عاد مسرعًا، معتقدًا أن كل شيء سينتظره كما تركه لكن وجد ما لم يتوقعه...


هو ذهابها إلى منزل والدها، ليس فقط لأنها أرادت لكن بسبب والدة ليلى...


أخبرته حور بما حدث باختصار، كلمات قليلة لكنها كانت كفيلة بأن تُشعل رأسه، ثم جاءت والدته، لم تنتظر، لم تمهّد، لم تُجمّل، أخذت توبخه في وجود حور ولحسن الحظ رحلت إيناس قبل قليل مع أطفالها، حتى لا يشهد الجميع على توبيخها له....


تمتمت حُسنية بانفعال حقيقي:


-قولي ناقصك إيه علشان تعمل كده؟ مش ريناد دي اللي كنت هتموت وتتجوزها ومحدش كان موافق على جوازتكم علشان الفرق اللي ما بينكم في كل حاجة؟ وقولت أن مفيش حاجة هتمنعك عنها؟!..


ابتلعت ريقها، لكن صوتها خرج أقسى، محمّلًا بخيبة واضحة:


-واديك اتجوزتها، وربنا كرمك كتير في حياتك، وبقى في بينكم بنت، إيه اللي رجعك تتكلم مع ليلى تاني؟ ناقصك إيه علشان تعمل كده؟..


احتقن وجه دياب بالدماء الحقيقة أن مواجهة والدته له لا تقل عن مواجهة حبيبته وزوجته ريناد بل من الممكن أن تكون أصعب وأثقل...


حتى أنه لم يجد رد أو مُبرر...

غير أنه غاضب أساسًا مما حدث.....


هنا حاولت حور أن تدخل حينما شعرت بانكسار شقيقها أمامهما:


-خلاص يا ماما هدي نفسك، وبعدين هما اللي خرابين بيوت يعني، متقعديش تلومي فيه...


قاطعتها حُسنية بصرامة لا تقبل نقاشًا:


-اخرسي أنتِ متدخليش، وحتى لو هما خاربين بيوت هو مش صغير، ومينفعش يفتح ليهم بابا يخربوا بيته، ولا يحرج مراته ويقل منها؛ بعد ما اتنازلت عن حاجات كتير علشانه واقنعت اهلها بيه، ومش بعد ما اتحملوا حاجات كتير علشان يكونوا مع بعض يعمل غلطة زي دي....


ثم تابعت حديثها وهي تنظر له بقسوة:


-الراجل الصح هو اللي ميقلش من نفسه، ولا يقل من مراته ولا يسمح أن تحصل حاجة زي دي، وتيجي واحدة ملهاش لازمة تسمعنا كلام في بيتنا، عيب أوي تكون قليل الأصل يا ابني مع اللي حبتك ووافقت بظروفك ووقفت جنبك...


لم يكن له وجه أو عين حتى للدفاع عن نفسه...

رُبما لأن والدته لم تترك له مجال..

وفي الوقت ذاته هو يفكر في ريناد والهاتف بين يديه يحاول الاتصال بها لكنه لا يحصل على إجابة...


ردت حور على حديث والدتها بندم وغضب:


-والله العظيم لولا أن ليان كانت هنا، أنا كنت مسحت بيها بلاط البيت وكنت فرجت عليها الشارع.....


خرجت من بين شفاه دياب رغمًا عنه:


-ريناد مبتردش..


خرجت ضحكة ساخرة من حُسنية وهي ترد عليه:


-وأنتَ مستنيها ترد عليك ولا تعبرك؟....


خفض رأسه، وكأن الكلمات صفعة أخيرة:


-خلاص يا ماما..


ثم أخذ ميدالية مفاتيحه، وغادر...


حاولت حور أن توقفه لكنها فشلت مما جعلها تعاتب والدتها، فهي تدرك بأن شقيقها قد ارتكب خطأ كبير ولكنه في الوقت ذاته شقيقته وتمتلك شخصية عاطفية تجعلها تشعر بالتعاطف معه نوعًا ما:


-خلاص يا ماما مش كده متحرجيهوش، ده مش عارف يرد عليكي حتى، خلاص اللي حصل حصل، وريناد قالت أنه كان بيرد عليها عادي يعني معملش جريمة، اه غلط بس مش هنعلق له حبل المشنقة، وأنتِ عماله تحرجيه اهو طفش..


ردت عليها حُسنية بجدية فهي تعرف ابنها جيدًا:


-لازم يعرف غلطه علشان ميتكررش تاني ولا حتى يفكر يهد بيته لأي سبب بعد كده، ومتخافيش هو مطفش ولا حاجة هو أكيد رايح لريناد


صمتت حور هنا..

اقتنعت بما تخبرها والدتها به....


____________


بعد رؤيته…

اختلفت المعادلة تمامًا......

لم يكن حضورًا عابرًا، ولا وجهًا مألوفًا يظهر فجأة…


كان ارتطامًا مباشرًا في صدرها، كأن الهواء انقطع للحظة ثم عاد بثقل........


صدقًا، لا تتذكر أنها نطقت بحرف واحد حين أتى واقترب منها.....


لسانها انعقد، وصوتها اختفى، وكل ما شعرت به هو تسارع قلبها بطريقة أزعجتها، رُبما هو لأول مرة يتنفس........


نهضت دون وعي، كأن الجسد قرر الهروب قبل أن يستوعب العقل ما يحدث واتبعتها صديقتها....


دخلتا المرحاض، حاولت "وفاء" إصلاح أي شيء في الفستان بمساعدة الفتيات المتواجدات هناك، لكن البقعة أبت أن تختفي…....


بل ازداد الأمر سوءًا، مبتلّة، أكثر وضوحًا، وكأنها تصر على فضح ارتباكها وضيقها...


نصحتها أحد الفتيات الذهاب إلى داخل الفندق وأنهم قد يجدون حلًا هناك لكن وفاء وجدت بأن هذا الحل سيأخذ وقتًا كثيرًا خلاله قد تكون عادت إلى المنزل من الأساس....


لذلك ذهبت مرة أخرى إلى القاعة حتى تأخذ معطفها، فكانت تركته على المقعد التي كان بجوارها بينما صديقتها ذهبت إلى حيث تقف العروس...


أقتربت وفاء من الطاولة وياليتها لم تفعل..

كان يجلس مكانها....

بكل هدوء...

بكل سلام نفسي...


كأن الفوضى التي أحدثها داخلها لا تخصه.....


لكنها لا تعلم بأنها قد أحدثت الكثير بداخله منذ مدة....


هي حقًا لا تعلم ما العبث الذي يحدث!


نهض "حمزة المغربي" حينما جاءت تسحب معطفها وغمغم:


-أحنا اسفين بجد، يعني نوح طفل شقي والأطفال مكانهم مش الافراح.


كان صادقًا فيما يقوله وصريحًا فاندفعت ترد بسخرية تخفي توترها:


-طب وحضرتك جايب ابنك معاك ليه مدام مكانه مش الأفراح؟..


لم تكن تعلم لماذا افترضت أنه طفله؟!!


ربما لأن عقلها تشبّث بأي تفسير يضعه في خانة مغلقة بالنسبة لها، وربما لأنها تذكرت الصور التي أرسلتها لها حور وتلك المرأة التي ظنتها زوجته كانت السبب أيضًا......


وربما الأصدق لأنها أرادت أن تعرف....


استنكر حديثها وهو يبتسم ابتسامة خفيفة، بينما كانت ترتدي معطفها الأبيض الطويل حتى يخفي تلك البقعة والجزء المبتل من فستانها حتى تشعر بالراحة:


-لا مش ابني طبعًا؛ هو أنا هخلف الأشكال دي؟.


سألته بعدم فهم حقيقي وفضول لن تنكر:


-اومال مين وحضرتك جاي تتأسف عنه ليه؟.


قال بنبرة أخفض:


-ابن اخويا.


ثم أضاف بهدوء:


-أسف مرة تانية يا دكتورة.


تنهدت وفاء، فكان الصوت وطريقة نطقه للقبها، كفيلين بإرباكها أكثر مما تريد فقالت محاولة إنهاء الأمر:


-حصل خير، عن إذنك...


ثم ابتعدت.....

بينما هو ظل يتبعها بنظراته....


لم يعجبه أن ينتهي الحديث بهذه الطريقة وبتلك السرعة مما جعله ينهض وسار خلفها....


خرجت وفاء باتجاه موقف السيارات، تشعر بخطواته خلفها قبل أن تراه.....


التفتت فجأة، وكادت تصطدم به لولا أنها تداركت الأمر وقالت بانزعاج واضح:


-هو حضرتك ماشي ورايا ليه؟.


قال بهدوء يحمل إصرارًا غير معلن:


-يعني حسيت انك لسه زعلانة...


تنهدت، تحاول السيطرة على نفسها وارتباكها وأن تظل لبقة للنهاية:


- مش زعلانة واللي حصل طبيعي وأنا عايشة في البيت مع أطفال وعارفة كويس اللي بيحصل ده.


أخذ يفكر لثواني هل أطفالها هي؟...


لكن بالتأكيد وقتها سوف تصفهما بوصفهما الصحيح ليس مجرد أطفال تعيش معهما...


أردف حمزة بنبرة جادة:


-أنا حتى كنت لسه هجيب نور اخوه عندك علشان ضروسه..


سألته باستغراب:


-هو اسمه نور؟.


ابتسم وهو يخبرها:


-لا اللي شوفتيه ده نوح، نور ده الكبير والعاقل شوية..


تمتمت وفاء بنبرة عملية كأنها تحتمي بها:


-والله هو ده مش مكان العيادة....


قاطعها حمزة ولم يهتم بطريقتها المستنكرة وقال:


-هتروحي ازاي تحبي أوصلك؟..


كادت تضحك من المفاجأة....

العرض بدا غير منطقي، غير مناسب، وغير مقبول…

وتخيلت للحظة دخولها البيت برفقة رجل غريب...

ماذا سيفعل المعلم زهران وقتها؟!!

التخيل نفسه رهيب...


قالت وفاء بنبرة حازمة:


-مروحة بعربيتي، وحتى لو معيش عربية أكيد مش حضرتك اللي هتوصلني..


لاحظ انزعاجها، فحاول تدارك الموقف رُبما خطرت على بالها العديد من الأفكار التي لم يقصدها، فغمغم وهو يحاول أن يكن الحديث معها طويلًا بأي شكل:


-أنا مش قصدي حاجة أنا بس......


قاطعته وفاء بنفاذ صبر:


-مفيش حاجة، عموما أنا مش زعلانة لو على نور..


صحصح لها بابتسامة:


-قصدك نوح..


-نوح أو نور الاتنين واحد، مش زعلانة ده موقف عادي، وعن إذنك...


قال بصوتٍ عالي نسبيًا وهو يراقبها تتوجه نحو سيارتها: 


-فرصة سعيدة إني شوفتك....


لم تلتفت....

لكنها تعلم جيدًا…

أنها كانت فرصة سعيدة فعلًا......


رغم التوتر…

رغم الغضب…

رغم كل محاولات الإنكار.....


كان حضوره كافيًا ليقلب توازنها…


دون أن يلمسها، ودون أن يقول ما يجب قوله، فقط كل ما خرج منه كلمات عبثية غير مرتبة.....

لكنها كانت كافية....


أخذ يفكر كيف يجتمع بها مرة أخري؟!....


_____________


بعد تفكيرٍ طويل…


ورغبةٍ حقيقية في الذهاب وتحطيم ذلك البيت فوق رأس تلك المرأة....


تراجع في اللحظة الأخيرة، فلم يكن دياب من الرجال الذين يقتحمون بيوتًا تسكنها نساء وحدهن، حتى وإن كانت إحداهن أفعى بكل ما تحمله الكلمة من معنى......


ثم إن تلك الأفعى لم تكن يومًا مأمونة الجانب، فهو يعرف جيدًا أنها قادرة على قلب الطاولة، وإلقاء تُهمة عليه بلا تردّد، فقط لتنجو هي وتنتصر.....


لذلك كان الحل الامثل أن يتصل بها.....

أخذ يبحث عن رقمها ولحسن الحظ وجده...


رغم أنه غير هاتفه أكثر من مرة لكن مازال يحتفظ بأرقام بداخله تعود إلى سنوات....


تمنى أن تكون هي لم تغير رقمها...

لذلك قام بالاتصال بها...


لم تجب في المرة الأولى فأعاد المحاولة، هذه المرة كان غضبه قد بلغ ذروته وجعله يحتاج أن يُفرغه، حتى ولو بالكلمات، وهو يشق الطريق الطويل نحو بيت والد ريناد.


أخيرًا، جاءه صوتها عاديًا وباردًا:


-الو، مين معايا؟..


تمتم دياب بنبرة جادة:


-أنا دياب يا أم ليلى مكنش العشم متكونيش مسجلة رقمي.


سمع صوتها مترددًا لكنه مستفزًا إلى أبعد حد:


-وأنا هخلي رقمك عندي بتاع إيه؟ كفايا أنه متسجل عند بنتي اللي لعبت بيها، مش خايف يقعد ليك في اخواتك؟....


اشتعل غضبه فورًا، وضغط على المقود بقوة: 


-بقولك إيه ولية أنتِ من ساعة ما دخلت بيتكن زمان وأنا مفيش عمار بيني وبينك وكنت بقول أنا مالي بيكي المهم اللي هتجوزها بس الحمدلله أن ده محصلش.....


ثم تابع حديثه بانفعال:


-واياكي تجيبي سيرة اخواتي على لسانك، وبعدين عملت أنا لبنتك إيه؟؟ شوفي أنتِ عملتي إيه، لأن اللي كانت بتبعته ده أفكارك أنتِ أنا متأكد، وبعدين جيتي عندنا وعملتي النمرة بتاعتك استفدتي إيه؟.


جاء ردها ببرود مستفز:


-استفدت أنك تعرف أن دخول الحمام مش زي خروجه، وبنتي مش لعبة في ايدك علشان تعشمها بعدين تخلى بيها....


ضحك دياب ضحكة قصيرة ساخرة:


-والله أنا ولا عشمت ولا نيلت، لو في حد عشمها ولعب بيها طول عمرها فده هو أنتِ....


كادت أن ترد عليه لكنه بتر محاولتها وهو يخبرها:


-اسمعيني كويس أنتِ عملتي اللي عندك، وروحتي لفيتي علشان تعرفي مراتي وبعدين عرفتي أهلي، ناقص مين؟؟ هتلفي بميكروفون في المنطقة تقوليلهم إني كنت بكلم بنتك؟؟ لو ده هيريحك اعملي كده ولا فارق معايا....


ثم أردف بصوتٍ حاسم: 

-اللي هيضر هي سمعة بنتك مش أنا، اللي عندك اعمليه، وعلى بلاطة، شوفيلك صيدة تانية، أو بمعنى أصح بيعة تانية، أصلك من زمان بدوري على بيعة لبنتك مش جوازة، لأنك مش بيهمك الشخص ولا الراجل نفسه بيهمك فلوسه وبس وده اللي خلاكي تزقي بنتك عليا وتستغلي مشاعرها، والغريبة أن اللي بتعمل كده هي أمها...


أنهى حديثه بنبرة قاطعة: 


-سيبي بنتك في حالها واتقي الله، أنا راجل في الأول والآخر ومراتي هترجعلي علشان يكون في علمك والكلمتين اللي قولتيهم قدام امي عادي هتزعل شوية وهتنسى لما تلاقي مراتي في بيتي وحياتي مكملة بنتك هي اللي حياتها هتقف من كتر ما انتِ بتأذيها، سلام واللي عندك اعمليه.......


وأغلق الخط، كانت في تلك اللحظة، أم ليلى تقف في أحد المحال تشتري طلبات البيت، وعادت إلى المنزل بعد هذا الاتصال الذي اغضبها، ألقت الأكياس على الطاولة بعنف، ونادت على ابنتها، ليأتيها صوتها من داخل حجرتها...


سارت بضعة خطوات وتوجهت إلى الحجرة لتجد ابنتها واقفة أمام الخزانة الصغيرة الخاصة بها تحاول إيجاد ملابس مناسبة.....


تمتمت والدتها بعدم فهم وهي تأتي وتجلس على طرف الفراش:


-واقفة قدام الدولاب بتعملي إيه رايحة حتة ولا إيه؟.


ردت عليها ليلى وهي تراقب الملابس التي كانت أغلبها قديمة ومتهالكة، طليقها لم يعطها حتى ملابسها ومازالت هناك قضايا بينهما في المحاكم ولا حتى تستطع الإنفاق عليها:


-بشوف هلبس إيه، قدمت في كذا حاجة علشان اشوف شغل، وحد كلمني من شوية وعندي مقابلة بكرا..


قالت والدتها بتهكم:


-اه شغل، قولتلي بقا، هو ده طموحك يعني تشتغلي بالفين ولا تلات ألاف جنية؟!.


قاطعتها ليلى بانفعال رغم أنها لا تعلم أفعال والدتها كلها:


-ملقتش حد يشغلني بعشرين ألف في الشهر وقولت لا، وبعدين أصلا مش مهم المرتب دلوقتي المهم إني اشتغل، أنا عمري ما اشتغلت ولا عندي خبرة في حاجة ومش أي حد هيقبل يشغلني عنده....


تمتمت أمها بغيظ وهي تخرج من الحجرة:


-هببي اللي أنتِ عايزاه خلاص أنا زهقت منك ومن غبائك...


لم ترد ليلى عليها رغم أن حديثها يوجعها فهي لم تعتد على قسوتها بالرغم من أنها لم تجد غيرها منها.....


بينما كانت أمها بعد مكالمة دياب تشعر بالضيق الشديد ليس من حديثه بقدر من أن جميع خططها معه فشلت، وعلى ما يبدو كان محقًا في حديثه أو بمعنى أصح تهديده.......


فهو لم يعد بوسعها فعل شيء...


لقد جربت حتى الآن كل ما أتى في عقلها لكن فشلت ولم تنجح في شيء......


لكن هل سوف تستلم للأمر الواقع وسوف تلتفت ليلى إلى حياتها ولن تستطع التأثير عليها أم من الممكن أن تظهر خطة جديدة في عقلها؟؟..


____________


بعد طريق طويل..


وصل دياب إلى منزل السيد محمد والد زوجته.......


كان الليل قد أرخى ستاره، والوقت متأخرًا بما يكفي ليجعل الطرقات هادئة على غير عادتها......


يعرفه رجل الأمن، فسمح له بالدخول دون أسئلة كثيرة ثم صعد الخبر إلى الداخل....


فأخبر العاملين بالداخل والسيدة ريناد بإتيانه كونها صاحبة المنزل في غياب والدها.....


نهضت ريناد ببطء من جوار ابنتها النائمة، أزاحت خصلة شعر عن جبين ليان بحنان، ثم وضعت وشاحًا صوفيًا فوق كتفيها كمن يتدثر لا من البرد فقط، بل من هشاشة لحظة تعرف أنها قادمة........


هبطت على السلالم الداخلية في المنزل حتى وصلت إلى الباب الداخلي وفتحت وسارت بضعة خطوات حتى تصل له وكان هو في الجهة الأخرى يسير إليها بعدما ترجل من سيارته.....


حين التقت عيناهما، شعرت ريناد بأن كل الكلمات التي رتبتها داخلها طوال اليوم قد تلاشت فجأة......


وأسطر العتاب الطويلة كأنها تبعثرت في الهواء، ولم يبقَ سوى نظرة طويلة، مثقلة بما لم يُقل.......


اقترب منها ولم ينتظر.....

ضمّها إلى صدره.....


كان عناقًا صامتًا بلا كلمات.....

لم تبادله ولم ترفع ذراعيها، لكنها استكانت.......


تركت جسدها يستسلم لدفء تعرفه جيدًا.....


أغمضت عينيها للحظات.....


كانت تريد أن تبكي، أن تفرغ كل ما بداخلها، وأن تعاتبه

لكنها تماسكت، فليس عليها أن تظهر ضعفها بتلك الطريقة....


ابتعد عنها فحاوط وجهها بكفيه قائلًا بنبرة جادة وصادقة، فكانت كلمات والدته ترن في أذنيه لم تكن جديدة عليه، أو حتى لا يعرفها في أعماقه، لكنها ذكرته بها:


-أنا آسف..


لم تصرخ، لم تبكِ، لكنها ردت بصوتٍ جرحه أكثر من أي غضب:


-أنتَ حططني في موقف وحش ومكان عمري ما تخيلت إني اتحط فيه، حاجة مش شبهي، حتى لو تصرفي كان قوي قدامهم وحتى لو مامتك ردت، لكن ده ميمنعش إني اتأذيت بسببك....


كانت تقصد كل كلمة خرجت منها...


رغم العواصف التي مرت بها في حياتها وحتى رغم العقاب التي تلقته من والدها إلا أنها تألمت وبشدة اليوم حينما تعرضت لموقف هكذا مع أمرأة دون المستوى الأخلاقي بهذا الشكل...


كان ألمًا مختلفًا بحق...


خفض رأسه بخزي وهو يقول:


-حقك عليا، أنتِ معاكي حق....


جلسا جنبًا إلى جنب على أريكة الحديقة......

صمت ثقيل، لكنه ليس فارغًا.....


هواء الليل يمر بين الأشجار، يحمل معه رائحة برد خفيف، وصوت أنفاسهما غير المنتظمة والمضطربة....


قرر دياب أن يقطع هذا الصمت:


-اوعدك أن مفيش اي حاجة هتحصل من دي من تاني، ودي صفحة واتقفلت من حياتنا يا ريناد وحقك عليا في أي حاجة عملتها...


كانت مدينة له باعتذار فهي لن تجمل فعلتها وهي تقول:


-بغض النظر عن اللي عملته واللي لسه بحاول اسامحك فيه، لكن أنا بتأسف إني سافرت من غير إذنك، مكنش ينفع يكون ردي كده..


كانت جادة...


حتى ولو كانت ترغب في تركه أو الطلاق منه..

لم يكن يصح أن تسافر من دون معرفته...


لم يكن هذا حل إلى المشكلة من الأساس...

ولم تأخذ حقها منه بتلك الطريقة.....

لم يكن هناك أي نوع من الاستفادة بفعلتها...


عِنادها في حل الأمور لم يكن له معنى..


كما شفقته ونبشه في بئر الماضي لم يسعد أي شخص بل كان على وشك أن يدمر حياته...


رأمسك كفها قربه من شفتيه وقبله برفق، كأنه يعتذر للمرة الألف، ثم غمغم:


-اللي حصل حصل، كل واحد عرف غلطه وأنا والله ما هعمل أي حاجة تزعلك تاني، ولا هعمل أي حاجة ممكن تبعدك عني من تاني ولا تخلينا نبعد عن بعض...


كانت نظراته صادقة بما يكفي لتُهدئ قلبها قليلًا.................


ثم قال بهدوء، وكأنه يرجو:


-ممكن ترجعي البيت بقا، ترجعي ليا من تاني...


ترك يدها للحظة، وأخرج وأخرج هاتفه من بنطاله وفتح المعرض الخاص بالصور ليأتي بالالبوم المُراد وهو يخبرها:


-من ساعة ما سيبتي البيت وأنا مدخلتهوش تقريبًا غير مرة واحدة أخدت من هناك هدومي، حتى الشقة التانية بقيت اختار الحاجة ونضال يقف وهي بتتعمل، وكنت بروح اطلع شقة طارق واشوفها ومطلعش شقتنا.....


تابع حديثه وهو يمرر الصور أمامها وهو يخبرها أخر التطورات وقد تبقى تفاصيل صغيرة جدًا وتنتهي التشطبيات في منزلهما، الذي كان ملكه وليس إيجار كالسابق في أحدى الأماكن الراقية جدًا والتي كان يدفع أقساطه على مدار سنوات:


- البيت وكل حاجة حلمت بيها من غيرك ملهاش معنى أبدًا ولا ليها لازمة.....


خرجت تنهيدة من صدرها، طويلة، مثقلة ثم ردت عليه بصوتٍ دافئ:


-هرجع...


ترك الهاتف فورًا، كأنه لم يعد مهمًا، وعاد يمسك كفها، وهذه المرة بإحكام خفيف، وابتسامة صغيرة بدأت تتشكل على ملامحه، والأمل دب في صدره لولا أنها قالت:


-ممكن تسبيني فترة صغيرة في اجتماعات كتير الفترة الجاية هحضرها الشغل مع بابا وهكون مشغولة غير

إني محتاجة اتخطى اللي حصل النهاردة؛ اه امبارح كنت حاسة ان كل حاجة اتحسنت ونسيت بس لما صحيت ولقيتها في وشي الوضع اختلف...


كانت تصارحه كما اعتادت معه وتابعت:


-وممكن أنتَ خلال الفترة تخلص اللي ناقص في الشقة ونشوف هنغير أو هنزود حاجة ولا لا وهرجع على الشقة الجديدة وتكون بداية جديدة لينا......


هل مازال هناك وقت جديد سوف ينفصلا فيه؟!

ألم يكفيها البعاد؟!!...

ألم يفترقا بما يكفي؟!...


قرأت أسئلته ورفضه الواضح في عيناه فأخبرته:


-أنا محتاجة لده، واعتبرها أننا بنتجوز من جديد وبنجهز بيتنا...


رفع كفه، ووضعه أسفل وجنتها، وهز رأسه:


-اللي يريحك يا ريناد أنا هقول عليه آمين.


ابتسمت له أخيرًا....

 الابتسامة التي يعرفها..

فغابت هذه الإبتسامة عن وجهها بابتعادها عنه من مدة....


سقط الوشاح الموضوع حول أكتافها، فرفعت يدها تلقائيًا تعدّل من وضعه، لكنه سبقها فلامست أصابعها الباردة أصابعه هو..


رفعه دياب بنفسه ووضعه عليها بحذر مرة أخرى وهو يلفه حولها، كأنه يخاف عليها من نسمة هواء.......


تمتمت ريناد بنبرة هادئة:


-يلا قوم امشي علشان تلحق تروح، وسوق على مهلك...


أقترب منها تاركًا قُبلة على رأسها وأردف:


-أشوف ليان بما إني جيت وبعدين همشي..


أردفت ريناد بنبرة عادية:


-بس هي نايمة...


-هبوس رأسها بما إني جيت واشوفها أنا مشوفتهاش من امبارح والصبح اما مشيت كانت هي لسه نايمة...


ثم أقترب منها تاركًا قُبلة على رأسها مرة أخرى ووجنتيها، أبعدته بخفة، ونبرة متصنعة:


-أنا مش ليان...


ضحك، ثم همس لها بنبرة دافئة:


-انتم الاتنين  تخصوني وحاجة واحدة.


نهضت من مكانها وأردفت:


-يلا علشان تشوفها وتمشي علشان الكل نايم أصلا، مواعيدك تحفة بصراحة....


-حلو أسلوب الطرد الشيك ده.....


___________


في اليوم التالي.....


مكالمة هاتفية من زهران في الصباح، وهو في عمله، قلبت يوم كريم رأسًا على عقب…


لم يقل فيها الكثير، لكن نبرته وحدها كانت كافية لتزرع القلق، وتترك الأسئلة معلقة بلا إجابة....


ظل كريم طوال اليوم يترقب انتهاء العمل، منتظرًا هذا اللقاء الذي لم يطلبه لكنه أدرك أنه لا يملك رفاهية رفضه...


لذلك ذهب إلى زهران كما طلب منه أن يأتي في الفرع الثاني من الجزارة الذي يتواجد في السوق، لأن هذا الفرع نادرًا ما يذهب له نضال وفي الوقت ذاته لن يراهم والد كريم وكانت تلك الحسبة في عقل زهران فقط لم يخبر كريم عنها...


هو فقط أخبره عن المكان....


جاء كريم بالفعل في الوقت الذي حدده زهران وكان مناسبًا له، أصر زهران عليه أن يشرب الشاي معه من دون أن يتحدث في أي شيء، بل رحب به بطريقة ودودة للغاية لا تشبه طريقته معه....


جلسا متقابلين....

 زهران يدخن أرجيلته بهدوء، وكريم يراقب تفاصيل المكان أكثر مما يراقب الرجل أمامه....


 تمتم كريم بنبرة عادية وفي الوقت ذاته ليست مرتبكة:


-خير يا عم زهران حضرتك كنت عايزني في إيه؟؟.


صمت زهران لثوانٍ سحب فيها نفسًا طويلًا من أرجيلته ثم غمغم:


-سامية قالتلي على اللي عملته معاها ومع طليقها، طبعا لازم نشكرك هي دي جدعنة ولاد البلد مع الستات والبنات اللي في حتتهم، الحاج عزت عرف يربي...


لم تخبره سامية كل شيء يخص كريم...


لسبب ما هي قصت الأمر له بطريقة نوعًا ما سطحية....


مثلا هي لم تخبره بأنه كان يبدو أنه يعرف حمزة وأنه يعرف أشياء ليس على الجميع معرفتها....


لكنها بالرغم من السطحية التي أخبرته بها لم تكن تدرك بأن عقل زهران قد جمع صورة مسبقة منذ زمن......


فتح كريم فمه ليتكلم:


-أنا مـ


قاطعه زهران فورًا ولا يترك له أي مجال للرد:


-فاهمك من غير ما تتكلم، سامية زي اختك ولازم طبعا تدافع عنها، بس ده لما تكون بتتعرض لأذى أو في مشكلة لكن مكنش فيه سبب أو حاجة تستدعي تدخل لأنه على حسب كلامها أنه هو كان بيتكلم بطريقة كويسة وفي النهاية في بينهم طفل..


ترك خرطوم الأرجيلة جانبًا، ونظر إليه مباشرة وهو يقول:


-وسامية ليها سمعة زي أي ست مش حلوة أن رجلين يتخانقوا قدام المكان بتاعها....


كاد يتكلم، لكن زهران واصل حديثه:


-أنا طبعًا مقدر اللي عملته وأن ده من حمقتك على بنت حتتك وطبعا حطيتها مكان اختك ولازم تدافع عنها، زي ما قولتلك الحاج عزت عرف يربي....


قاطعه كريم أخيرًا، بصوت واضح:


-عم زهران هو حضرتك جايبني هنا علشان تتكلم بس؟ وأنا متكلمش..


هز زهران رأسه بإيجاب:

-اه...


ثم قال بصراحة لا تحتمل التأويل:


- جايبك علشان اشكرك واعرفك في نفس الوقت حدودك، اللي عملته على عيني وعلى رأسي بس برضو لكل حاجة حدود والراجل مينفعش ايده تسبق دماغه، كان ممكن تدخل عادي وتسألها لو فيه مشكلة، أو تتصل بينا مثلا، لكن ضربك ليه كبر الموضوع ومكنتش حركة حلوة...


الحقيقة أنها اعجبته لكنه ينكر أمامه، تابع زهران حديثه بنبرة هادئة:


-عمومًا حصل خير وأنا مش عايز اعطلك أكتر من كده وياريت نضال ميعرفش حاجة باللي حصل هو موضوع وخلص، شرفت يا ابني.....


كانت تلك طريقته في إنهاء الحديث…


 لا طردًا صريحًا، بل إعلانًا قاطعًا أن الجلسة بينهما انتهت......


فخرج كريم وهو يدرك أن زهران فهم أكثر مما قال…


ولكنه اختار الصمت ليس لأنه غافل أو أحمق، بل لأنه يرى كل شيء بأعين خبيرة، ويدرك جيدًا علة كريم......


لكن الدواء ليس بيده....


وربما ما يمر به كريم الآن، مجرد مرحلة مضطربة،

وإما أن تنتهي وحدها…

أو تجر صاحبها إلى ما هو أبعد.....

أو رُبما قد فعلت هذا منذ زمن.....


____________


وقفت صباح في المطبخ، تُحضر الغداء بهدوءٍ متصنع،

فالوقت اقترب لصعود زوجها من متجره ليتناول الطعام،

وكذلك عودة ابنتها من الجامعة......


أما كريم…


فلم يعد يجلس معهما كما اعتاد، مرة يتناول الطعام معهم ومرة لا يتناولها هكذا ظل الأمر مستمرًا.....


مما جعل زوجها يسألها ليلة أمس:


"في حاجة عملتوها زعلت كريم؟ الواد مبقاش يقعد يأكل معانا زي الأول؟!".


كانت تعلم أن الحقيقة، لو خرجت، ستشعل غضبه عليها،

لذلك أجابت بسرعة تحاول أن تبدو طبيعية:


"لا وهنعمله إيه يعني؟ هتلاقيه مشغول علشان دي فترة امتحانات مش أكثر"..


لم يُقنعه الرد لكنه صمت…

فهو يعرف أن ما يُخفى....

 لا يُخفى إلى الأبد...


ولجت "هالة" إلى المطبخ ووقفت بجوار خالتها التي شعرت بها لكنها لم تلفت لها، فهي غاضبة منها جدًا، وتتجاهلها منذ ذلك اليوم الذي أخبرتها فيه بأنها صعدت إلى الأعلى وأنها قالت بأنها هي من جعلتها تصعد.....


 غاضبة منها رغم أنها لا تعرف نيتها الحقيقية ومع ذلك كان غضبها عظيمًا بالنسبة لها........


قالت هالة بصوت خافت يحمل حرجًا واضحًا:


-أنا أسفة يا خالتو والله حقك عليا، أنا مكنش قصدي حاجة لده كله أنا بس كنت عايزة اسيبله الأكل فوق وابينله إني مهتمة بيه مش أكتر ولا أقل...


استدارت صباح إليها فجأة، وعيناها تحملان انفعالًا مكبوتًا:


-مفيش حاجة اسمها كده يا هالة وفيه مليون طريقة تانية أنك تبيني بيها انك مهتمة غير أن تطلعي فوق شقته بعد ما تاخدي المفتاح من ورايا، تعرفي جوزي لو عرف أنك طلعتي فوق لوحدك  هيحصل إيه، كمان لما يعرف أن المفروض أنا اللي مطلعاكي؟؟...


انسابت دمعة من عين هالة ثم تمتمت بانكسار: 


-أنا أسفة يا خالتو مش هكررها تاني والله، أنا مكنش في نيتي حاجة...


كذبت..

كان في نيتها الكثير لكنها لم تكن تستطع أن تجاري شيطانها، ولم يكن لديها الجراءة الكافية لفعله......


ثم تابعت بصوتٍ منخفض: 


-أنا راجعة البلد، بابا اتصل بيا وقال نرجع وبعدين نبقى نيجي تاني؛ يعني احنا وحشناه..


قالت صباح بنبرة متحفزة:


-أنتِ بتعملي كده يعني علشان في خلاف ما بينا؟.


هزت هالة رأسها سريعًا ثم قالت:


-لا والله، بابا فعلا اتصل وقالنا نرجع كام يوم ولو عايزين نيجي تاني نبقى نيجي، هو بقاله كتير مشفناش، ومتقلقيش مش هطول وهاجي تاني....


تنفست صباح بعمق، ثم قالت بجدية:


-ماشي يا هالة، المهم تخلي بالك من نفسك ومن اخوكي، تروحوا وتيجوا بالسلامة ولو مرات ابوكي عملت معاكم أي حاجة كلميني بس وأنا مش هسكتلها. 


-حاضر يا خالتو..


نظرت لها صباح طويلًا، ثم قالت بصوتٍ أهدأ لكنه أكثر عمقًا:


-أنا لو زعلانة منك يا هالة فأنا زعلانة منك لأنك قليتي من نفسك يا بنتي، ولو قليتي من نفسك لأي سبب وبأي شكل محدش هيحترمك، وخصوصًا لو ده حد بتحبيه وعايزاه يتجوزك.


تمتمت هالة برجاء حقيقي وهي تقترب منها وتحضتنها:


-معاكي حق يا خالتو في كل كلمة قولتيها بس علشان خاطري متزعليش مني..


ربتت صباح على ظهرها واحتضنتها مغمغمة:


-أنتِ زي بنتي يا هالة مفيش أم بتزعل من بنتها إلا وهي عايزة مصلحتها.....


وبين دفء الاحتضان وهمس الكلمات، كان الهدوء الظاهر مجرد غطاء، فالطريق القادم مع كريم لم يبدأ بعد، وكل شيء ينتظر لحظة واحدة ليكشف عن نفسه، فهي لن تتخلَ عنه بتلك السهولة.........


_____________


في اليوم التالي....


كانت "سامية" تجلس في المركز الخاص بها...


كانت قد انتهت لتوّها من تجهيز آخر فتاة من فتيات الزفاف الخاص بشقيقهن، وأغلقت الباب خلفهن بابتسامة مهنية معتادة...


كان يفترض أن ترحل بعدها…...

لكنها بقيت.....


بسبب طلبية تنتظرها منذ أيام..

وأخبرها الشاب المسؤول عن توصيلها بأنه قادم إليها....


كان الصمت المحيط بها في الغرفة يخنقها وهي تقوم بترتيب أدواتها.....


منذ ما حدث وهي ليست بخير...

ما حدث جعلها تشعر بالتوتر والارتباك...


أساسًا منذ خروج حمزة من السجن وهي ليست بخير...

وظهور كريم أمامها وتلك المشاعر الغريبة التي بدأت تشعر به ولن تنكرها أمام نفسها....


وكونها انسانة أخطأت حينما اختارت بقلبها من الصعب أن تتقبل أن تفعلها ثانية ستكون مغامرة..دد.


من وسط أفكارها المتزاحمة...

صدع صوت هاتفها فأخذته من فوق المكتب...


نظرت حتى تعرف هوية المتصل، لكنه رقم غير مسجل عندها..


فظنّت أنه عامل التوصيل، فأجابت فورًا:


-الو.


جاءها صوت كريم من الجهة المقابلة:


-الو..


ثم تابع يعرفها بنفسه:


-أنا كريم.


الغرفة ضاقت فجأة، وكأن الهواء صار أثقل......


تماسكت، أو حاولت أن تكن ثابتة في نبرتها وهي تبتلع دهشتها وردت عليه بنبرة جافة:


-خير؟.


جاءها صوت كريم جادًا إلى أقصى حد:


-أنا حابب أعتذر بسبب اللي حصل لو سببت ليكي أي مشكلة أو حرج من أي نوع.


نعم هو يعتذر لو أخفق وقد تسبب بمشكلة لها مع العاملين أو مع الموجودين حولها...


لكنه ليس أسفًا من أجل حمزة فهو يستحق ما فعل من وجهه نظره..


تنهدت، وكان صدرها ممتلئ بما لا يُقال:


-أنتَ عايز إيه يا كريم؟..


لم تكن الجراءة أو الصراحة صفة جديدة اكتسبتها، بل تتصف بها منذ زمن....


فتابعت حديثها ولم تترك له فرصة حتى للرد على سؤالها:


-مش هقولك جبت رقمي منين لأن دي سهلة عليك، اللي خلاك تعرف طليقي يخليك تعرف حاجات تانية كتير اعتقد الرقم دي أسهل حاجة ممكن تكون معاك..


تردد صوته قليلًا:


-أخدت الرقم من نورا علشان كنت عايز اكلمك واعتذرلك لو كنت ضايقتك، واسف لو اتصلت بالشكل ده...


ضحكت ضحكة قصيرة، بلا روح ثم غمغمت باختناق وهي تصارحه:


-بما أنك جيبت سيرة نورا، أنا عارفة كويس جدًا أن نورا مكلمتنيش ولا حاجة ولا كانت عايزاني يوم خطوبتها يمكن، تقريبًا كل اللي حصل ده كان علشان نضال يوصلكم بيا لسبب مش فهماه ومش قادرة افهم إيه سبب اللفة دي كلها...


ادهشته بجرائتها...

كما ادهشته بما توصلت إليه من نتائج....

لكنه لم ينكر وهو يخبرها:


-كنت حابب اتعرف عليكي بأي شكل من الأشكال واوصل ليكي، ومكنتش لاقي أي طريقة تانية، وكنت بتحجج بأي حاجة ممكن تكون سبب إني أقابلك...


أنهى حديثه بنبرة هزت كيانها حتى ولو ادعت العكس وهو يخبرها بقشرة الأمر ليس بأعماقه ومشاعره الحقيقية التي تخطت فكرة إعجاب رجل بامراة، بل هو يهيم بها:


-أنا معجب بيكي....


كانت جريئة وصريحة.. 

حسنًا لتسمعه هي أيضًا....

وتعرف جزء من الحقيقة....


شعرت بوخزة في صدرها، بفراغ غريب، بخوف لم تعترف به حتى لنفسها.........


تمتمت سامية بنبرة باهتة وشعرت بأن أطرافها تجمدت في تلك اللحظة رغم أن كل التوقعات والدلائل كانت تخبرها بما يقوله لكن أن تسمعها منه شيئًا أخر:


-مدام تعرف طليقي يبقى أنتَ عارف أنا اطلقت ليه وازاي..


لم ينكر معرفته الأمر فرد عليها ببساطة قاتلة:


-عارف..


قاطعته قبل أن يسترسل:


-يبقى لو في أي حاجة من ناحيتك ليا تشيلها وتمحيها مهما كان اللي في بالك، وأنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة ولا أن المكالمة دي حصلت ولا أنك أخدت رقمي وكلمتني لأن دي حاجة ممكن تحصل فيها مشكلة.


كانت تقطع الطريق…

ليس عليه فقط، بل على قلبها.......


سألها، وصوته هذه المرة حمل رجاءً صريحًا؛ فهو لم يعترف لها ولم يتقدم بخطوة رسمية تجاهها لأنه يعلم بأنها لن توافق...


مازالت متألمة بسبب تجربتها السابقة وكل تلك الأسباب التي تجعل الأمر بينهما مستحيلًا لم تجعله أبدًا أن يفقد الأمل؛ بل يتشبث بها أكثر وأكثر....


-ممكن افهم ليه؟..


شدت على الهاتف وهي ترد عليه بقسوة تحاول أن تحتمي بها من مشاعرها ليس منه إطلاقًا:


-أي حاجة تخصني مش عرضة إني اتكلم فيها معاك، أنا بنهي كل اللي بيحصل ده علشان أنتَ متتعشمش، شوفلك حد يناسبك وفي نفس ظروفك..


رد عليها بصدق أوجعها:


-وهي سهلة كده؟ وهو احنا بنختار بمزاجنا؟!.


القلوب ليست عليها سلطان....

الحب ليس قرارًا ولا اختيارًا.....

وهي أكثر من يدرك ذلك فهي أحبت وتمردت لأجل رجل لم يكن يومًا رجلًا معها.......


تدرك ما يشعر به..


لكنه رُبما مثلها يحب أو يعجب بالشخص الخطأ...

هي ليست جيدة أو صالحة من أجله أو من أجل أي رجل.....


تحديدًا لو كان مثله..


قالت سامية بنفاذ صبر ولم تستطع الرد على سؤاله:


-سلام...


هكذا أنهت المكالمة وقامت بحظره...

لم تدعه فرصة للحديث عن نفسه وعن مشاعره، قاطعت كل شيء...


لكن الغريب بأن دموعها قد هبطت في لحظتها...

لا تدري لماذا تشعر بهذا الضعف من دون مبرر حقيقي؟؟؟.


ما المشكلة فيما حدث حتى تبكي؟!!


لماذا قد يهمها رجل تقرب منها في بضعة لحظات من حياتها عن طريق صدفة أو تدبير منه؟....


باب المشاعر قد أغلقته منذ سنوات..

لماذا قد يُفتح الآن؟!!!


مسحت دموعها بعنف،

ووقفت.


الكبرياء أمرها بالتماسك…

لكن القلب كان له رأي آخر....


_____________


أخبرها "زوجها" بأنه سيجلس قليلًا في المقهى، بعد أيامٍ امتنع فيها عن الذهاب، فوافقت دون نقاش.......


لم يكن في صوتها اعتراض، ولا في قلبها ضيق…

فهي تعرفه، وتعرف أن هذا القليل بالنسبة إليه مساحة يلتقط فيها أنفاسه كما تلتقطها هي، وحتى حديثهما عن المقهي في أغلب الأوقات يكون من باب المزاح ليس أكثر.......


أخذت حمامها بتمهل...

وكأن الماء يخفف عنها ثقل اليوم......


عطرت المنزل، وأضافت تلك اللمسات الصغيرة التي لا يلاحظها أحد سواها، لكنها تشعرها بالطمأنينة.....


تفعلها كل مرة بعد أن تنتهي من تنظيف البيت، كطقس خاص يعيدها إلى نفسها......


اتصال من سامية سألتها فيه إذا كان نضال عندها...

فأخبرتها بأنه سيأتي متأخرًا اليوم......


لم تنتظر سامية مقدمات، قالت إنها قادمة إن كانت متفرغة ورحبت سلمى فورًا، وكأنها كانت تشعر أن سامية تحتاجها الليلة، لا كصديقة فقط بل كملجأ...


صعدت لها سامية مباشرًا من دون أن تدخل الشقة التي تتواجد فيها والدتها، عمها وطفلها.....


كانت سامية في حالة غريبة…


عيون محملة، وصدر مكتوم، ودموع تسيل ما إن أغلقت سلمى الباب......


لا تدري إذا كان نضال هنا ماذا سوف تفعل؟!

لحسن الحظ بأنه غير موجودًا..


أعدت سلمى عصير ليمون من أجلها....


وجلست بجوارها ثم أخذت تنظر لها ولم تستغرق سامية في الواقع وقتًا طويلًا ثم أخذت تخبرها بما حدث...


لم يكن هناك أحد أقرب إليها من سلمى حتى تخبره بكل شيء، تحديدًا لأنها هي من أخبرتها كل شيء منذ البداية، ولأنها في بعض الاوقات لا تستطع الانفراد بـ وفاء في وجود الجميع بالأسفل....


كما أنها لأنها في سلمى بأنها وسطية..

ليست أمرأة يتغلب عليها عقلها...


ولا قلبها...

لديها ميزان..


لذلك تحب رؤيتها للأمور..


وتستشيرها في أشياء عدة...


كانت علاقة صداقة غريبة وغير متوقعة..

لكنها كانت في الوقت ذاته نادرة....


قالت سلمى بنبرة جادة، محاولة أن تفهم:


-طب أنتِ بتعيطي ليه؟ مع أنك تصرفك كان صح..


مسحت سامية دموعها بالمنديل الورقي المتواجد بين أصابعها والتي سحبته منذ قليل، أما صوتها خرج مبحوحًا:


-معرفش بعيط ليه؟!، بس أنا مخنوقة أوي وحاسة إني مضغوطة الفترة دي أوي، من ساعة ما حمزة خرج من السجن وأنا مخنوقة ومش طايقة نفسي وظهوره كل شوية قدامي وكريم اللي ظهر مرة واحدة ده معرفش طلعلي منين....


ردت سلمى بهدوء ثابت:


-مطلعش من حتة ولا وجوده غريب، عادي أي واحدة معرضة أن راجل يشوفها ويعجب بيها دي مش حاجة غريبة، ومعرفش ليه مستكترة على نفسك ده...


قالت سامية بجمود، كأنها تحتمي به لكنها كانت حمقاء، ففي تلك اللحظة تظهر هشاشتها إلى الأعمى:


-بس أنا مش زي أي واحدة خصوصًا أنه عارف كل حاجة.


أرادت سلمى أن تمازحها:


-عادي، أنا قبل ما نضال يخطبني كان بيجيلي كمية عرسان متجيش لواحدة عايزة تتجوز، وكانت بتيجي ليا أنا اللي متعقدة..


ابتسمت سامية أثر دعابتها ثم تلاشت ابتسامتها وهي تقول:


- بس أنا مش زي أي واحدة يا سلمى، أنا واحدة مطلقة ومعايا طفل، وخالعة جوزي لا وسجنته، ومشكلتي مع جوزي أنه صورني معاه في أوضة نومنا، أنهى راجل طبيعي زيه ومتجوزش قبل كده وفي ظروفه ممكن يعجب بواحدة زيي، بذمتك ده مش جنان؟؟؟..


نظرت لها سلمى بحدة ممزوجة بالحنان:


-الجنان الحقيقي أنك تشوفي نفسك متستحقيش ده، لا تستحقي أكتر من كده بكتير كمان؛ أياكي تقللي من نفسك...


ثم أضافت بعقلانية:


-الحقيقة أنه معاكي حق في كلامك، بس هي مش قاعدة، وأي راجل يعترض معاكي في اللي عملتيه فهو مش راجل، أنتِ معملتيش أي حاجة تخافي منها ولو هو معجب بيكي بالرغم من ده كله فهو مجرد راجل سوي مش متخلف يعني..


ثم قالت بصوت أهدأ، أعمق:


-ويمكن حبه ليكي خلاه يتنازل عن مقاييس في دماغه، لما الانسان بيحب بيتنازل عن حاجات في دماغه، أفكاره بتتغير وفي حاجات كتير فيه بتختلف وبيقبل اللي مكنش عمره بيقبله...


تذكّرت سلمى نفسها، هي ونضال في تلك اللحظة ورُبما وصفت علاقتهما دون أن تدري....


كم كان كل واحد منهما صلبًا، عنيدًا، واثقًا أن رأيه لا يُكسر.......


ثم جاء الحب فذاب الحجر ولانت تلك الرأس الحديدية......


ارتجفت سامية وهي تخبرها:


-كبرتي الموضوع يا سلمى..


قالت سلمى بثقة:


-لو مكنش كبير مكنتش جيتي وأنتِ معيطة بالشكل ده لغايت هنا وخايفة تدخلي عليهم بالمنظر ده، بلاش تكوني كدابة الموضوع واضح وضوح الشمس، وأنا متأكدة أنه لولا هو عارف حكايتك وعارف أنك مش هتوافقي بالجواز كان خد خطوة رسمي من بدري...


وضعت سامية رأسها بين يديها ثم قالت بحيرة شديدة:


-أنا مبقتش عارفة حاجة..


قالت سلمى بهدوء ونبرة حنونة:


-اشربي الليمون وبعدين قومي اغسلي وشك وفوقي واللي حصل حصل أجلي الكلام لبعدين...


لكن الحقيقة كانت أوضح من أي تأجيل...

القلب كان قد تورط أو بمعنى أدق بدأ يتنفس.......

حتى لو العقل ما زال يرفض الاعتراف....


____________


بعد مرور شهر....


-نضال، نضال..


همهم بصوتٍ مثقل بالنوم قبل أن يفتح عينيه:


-في إيه؟..


ابتسمت سلمى وهي تميل عليه، وأصابعها تداعب وجنتيه بخفةٍ اعتادها منها، لمسة تعرف طريقها لقلبه قبل أن توقظه:


-قوم يلا أنا حضرت الفطار علشان تأكل معايا قبل ما انزل، قوم مش هأكل لوحدي..


فتح نضال عينه ببطئ وهو ينظر لها وقد ارتدت نصف ملابسها تقريبًا يتبقى بها خِمارها فقط:


-من امته يعني واحنا عندنا وجبة اسمها الفطار؟ هو في حاجة مهمة النهاردة، عيد ميلادي ولا عيد جوازنا؟.


ضحكت، ضحكة خفيفة خرجت منها بعفوية كونه يشكك بها:


-لا مفيش صاحية رايقة بس وقولت بلاش كل واحد يعمل سندوتش مع نفسه، قوم يلا خلص قبل ما ارجع في كلامي، علشان نفطر قبل ما انزل اروح الجيم....


منذ أيام بدأت سلمى بشكل فعلي...

بفتح صالة الألعاب الرياضية الخاصة بها...

ويحتاج الأمر منها اهتمام بالغ في البداية حتى تتأكد من أن كل شيء على ما يرام...


لقد تعبت كما تعب زوجها في هذا الأمر..

دعمها كثيرًا..

لذلك تتمنى التوفيق لها في تلك الخطوة.....


نهض نضال، غسل وجهه، ثم جلسا معًا يتناولان الطعام ببطء، كأن الوقت قرر أن يمنحهما استراحة قصيرة من العالم.....


قالت سلمى بنبرة هادئة:


-صحيتك بدري صح؟ معلش كل وكمل نوم...


ابتسم وهو ينظر لها:


-لا هو في حد يفوت فطار مع سلمى؟ يبقى غلطان....


ضحكت سلمى ثم غمغمت:


-بيعجبني فيك أنك بتأكل عيش يا نضال وبتعرف تمشي أمورك معايا..


رد عليها بخفة:


-دي من أساسيات الجواز الناجح...


ثم تغيّرت نبرته قليلًا:


-كويس أنك صحتيني، اوصلك واروح أفول العربية واغسلها علشان هنوصل هدير أخت طارق وجوزها المطار فيدوبك اخلص شوية مشاوير وارجع اغير هدومي واروحلهم....


هزت سلمى رأسها متفهمة..


وبعد أن انتهيا، أعدّت له القهوة، وبدأت تلف خمارها، بينما كان يراقبها بصمتٍ محب، وكأن كل حركة منها مألوفة لكنها لا تفقد سحرها أبدًا.....


تمتمت سلمى ما ان انتهت مما تفعله:


-مش هنروح نجيب طلبات البيت؟ عايزة أبدا بقا تجهيزات رمضان، خلاص بقا على الأبواب.


رد نضال ساخرًا:


-ايوة عارف أنا الفقرة دي اللي بتعمليها كل سنة ونص رمضان اصلا بنأكل معاهم تحت..


كان صادقًا فيما يقوله...


زهران يحب أن يكون الجميع مجتمعًا على سفرة الإفطار، لذلك ينادي على ابنته وزوجته في أغلب الأيام لتناول الطعام معهما...


اقتربت منه، طوقت عنقه بذراعيها، وانحنت حتى صارت عيناها في مستوى عينيه، بنبرة تمزج المزاح بالغيرة:


-خد بالك دي تاني مرة تتهرب من النزول معايا والمرة اللي فاتت نزلت مع وفاء، فدي حاجة من التنين يا جوازنا بدأ يتلخلخ يا....


قاطعها نضال وهو يقبل كف يدها برقة:


-لا هي مش ناقصة على الصبح احتمالات، هننزل ان شاء الله...


تعرف هي تلك الجملة الخاصة بالرجال مما جعلها تعقب بسخرية:


-ما هننزل ان شاء الله بتاعتك دي هتكون على العيد الكبير او رمضان اللي بعد الجاي...


تمتم نضال بنبرة مرحة وهو ينهض تاركًا قُبلة على جبتها:


-بلاش سربعة بقا، ويلا ننزل...


____________


أقام طارق حفل زفاف لشقيقته منذ أيام…


حفلًا بسيطًا، لا يضجّ بالمدعوين، فسنوات الغربة الطويلة جعلت دائرة المعارف أضيق مما كانت.......


زوجها لم يكن مصريًا، ومع ذلك حضر من عائلته من استطاع كان عددهم لا بأس به.......


وبعد الزفاف، سافرت معه عدة أيام إلى إحدى المدن الساحلية....


واليوم…....

 يوم الوداع......

ليلة أمس باتت هدير مع شقيقها....


ربما لأنها الليلة الأخيرة......

ترغب في وداعه...


يبدو أنها اعتادت هي وطارق الفراق، حتى صار جزءًا من قدرهما اختيارًا كان أم إجبارًا.......


كان زوجها وعائلته سوف يذهبون إلى المطار من الفندق وينتظرونها هناك بناءًا على رغبتها....


كان نضال يقف أمام البناية يستند بظهره على سيارته بجواره كانت السيدة حُسنية تقف هي وحور....

بعدما أصرا على توصيل هدير إلى المطار...

مع دياب ونضال...


خرج دياب أولًا من البناية وهو يحمل حقيبتين سفر، ثم هبط طارق بحقيبة أخرى، وخلفه ظهرت هدير، تحمل حقيبة يد كبيرة قليلًا، كأنها تحمل ما تبقى من ذكريات لا تُحزم........


اندفعت حور نحوها واحتضنتها بقوة، فبادلتها هدير العناق فورًا، ولم تستطع كبح دموعها، خصوصًا حين سمعت شهقات حور وبكاءها المكتوم....


ما جعل نضال يهتف محاولًا كسر اللحظة:


-خلاص بقى يا جماعة في إيه لكل ده؟


ابتعدت حور قليلًا وهي تمسح دموعها:


-لو حصل معاكي أي حاجة كلميني ها؟ ولو ضايقك عرفيني..


حاول دياب التخفيف عنهما وهو يبتسم:


-هتعملي إيه يعني؟.


فكرت حور في حديث شقيقها مما جعلها تقول بحزم:


-مش عارفة بس هتصرف أكيد..


ضحك الجميع حتى طارق، رغم الغصة العالقة في صدره....


تمتم نضال بنبرة عملية:


-يلا طيب يدوبك نلحق نمشي علشان متتاخرش....


في تلك اللحظة، اهتز هاتف دياب في يده فأجاب على الفور حينما عرف هوية المتصل:


-الو..


جاءه الصوت من الجهة الأخرى مشدودًا و متحفزًا:


-أنتَ فين يا استاذ دياب؟.


ضيق دياب عينيه، لم يفهم نبرة السؤال:


-موجود؛ في إيه اللي حصل؟


صمتٌ قصير ثم جاءه الرد كصفعة مباشرة، بلا مقدمات، بلا تردد:


- يا تيجي تشوف مراتك وتاخدها بيتكم يا تجيب المأذون وتيجي تطلقها.

لو وصلتم لغايت هنا دمتم بألف خير.بوتو يحبكم❤️❤️❤️



بداية الرواية من هنا




لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 



جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحصريه



اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحديثه



❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺 




إرسال تعليق

0 تعليقات

close