رواية أرض الدوم الفصل الثامن بقلم الكاتبه رحمه نبيل حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج
رواية أرض الدوم الفصل الثامن بقلم الكاتبه رحمه نبيل حصريه وجديده
الفصل الثامن [ ثمن الآمال غالٍ]
الفصل إهداء للجميلة آلاء اسماعيل و العزيزة Reem Elkhoudary بمناسبة يوم مولدهم.
صلوا على نبي الرحمة.
* تنويه قبل القراءة *
بعض احداث الفصل قد تكون شديدة بعض الشيء على بعض الأشخاص، ليس كثيرًا، لكن ربما لن يتحملها البعض لذا وجب التنويه .
قراءة ممتعة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بداية يوم جديد، ومع مشارف فجر جديد، كانت تجلس جوار النافذة وهي تضم قدميها لصدرها، تنظر الخارج بأعين دامعة، تحاول أن تنام، لكن الخوف مما ينتظرها في ظلمة أحلامها حال ما دون ذلك .
أصوات تتكرر في أذنها، وهمسات خافته ولمسات تجعل جسدها يرتجف .
" هنروح نشتري شوكولاتة ونرجع بسرعة متقلقيش "
وليتها فعلت، ليتها شعرت بالقلق، ليتها فهمت ما يحدث، لكن حتى حينما كان يتلمسها بشكل غير مناسب لم تكن تفهم ما يحدث ولم تبعد عيونها عن قطعة الحلوى التي أحضرها لها، لم تفهم ولم تدرك ما يحدث لها، أدركت ما حدث فقط بعد سنوات طويلة، سنوات طويلة كانت تتنقل بين أيادي كثيرة وكأنهم اتفقوا على تشارك غفلتها، وصغر عمرها وقلة معرفتها بما يفعلونة، اتفقوا خفية على استغلال كل براءة داخلها لينالوا متعة لحظية تمنحها لهم فتاة صغيرة لم تتخطى الخامسة من عمرها .
ارتجفت يدها وهي تستند على الجدار جوارها تنهض بصعوبة وقد أخذت قدمها ترتجف وهي تتحرك في ظلام منزلها، ظلام كان أشد رحمة عليها من نورهم، عتمة اخفت ندوبها .
تتحرك بقدم مرتجفة صوب مطبخها تفتح الثلاثة تخرج منها بعض الطعام تجذبه بين أحضانها وهي تجلس ارضًا، قبل أن تنقض عليه تتناول دون توقف، تتناول كل ما تقع يدها عليها، وهي تمسح دموعها .
كان الطعام منذ طفولتها وسيلة جيدة لتفريغ كامل الضغط في نفسها، تأكل وتأكل حتى تصل لمرحلة لا تقدر فيها على التنفس .
هرولت صوب المرحاض وهي تدفع أصابعها في فمها تجبر نفسها على التقيأ، وقد رفض جسدها كمية الطعام التي تحاول سحقها داخل معدتها .
واخيرًا انهارت ارضًا ترتجف وهي تضم نفسها تحاول أن تزحف بعيدًا عن أرضية المرحاض، لكنها في النهاية يأست لتستقر هناك وهي تحدق في السقف بأعين شاخصة .
تهمس كلمات خافتة غير واضحة وصوت كان يخرج بنبرة باكية، ودموع تتسابق على وجهها .
_ سقفي للعصفورة....سقفي للعصفورة .
كانت تردد الكلمات وهي تتذكر صوت ذكوري يتردد في أذنها بنبرة لاهثة يشير على عصفورة صغيرة في قفص معلق في السقف، يشير عليها مبتسمًا :
" يلا يا سافا، سقفي للعصفورة"
ونعم كانت تفعل بكل براءة، وكيف لا وهي جاءت خصيصًا معه لمنزله الذي خلى من سواه لأجل رؤية العصفور الذي لا ينفك أن يزقزق كلما صفقت له، تصفق ويغرد، لتدرك لاحقًا أنه لم يكن يغرد سعادة بالتصفيق، بل حسرة على اغتيال براءتها بلمسات صاحبه .
حتى العصفور كان يدرك ما يحدث وهي كانت جاهلة .
ظلت ساعات حتى شعرت أن جسدها تيبس من جلستها، لذا نهضت بصعوبة وهي تتحرك صوب غرفتها تحاول التماسك، تنظر للقمر الذي كان ينير غرفتها على استحياء وكأنه يخجل من كسر عتمة قلبها .
دارت بعيونها في المكان، قبل أن تلقي نفسها على الفراش تجذب الغطاء على جسدها، تتنفس بصوت منخفض مرتجف وصوتها كان يخرج باكيًا بكلمات غير مفهومة، لكنها وبعد ليلة صعبة اخيرًا سقطت في غفوة طويلة، وكم تمنت ألا تستيقظ منها ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويبدو أن الليل لم يكن قاسيًا فقط على سافا، فعلى جانب آخر كانت تجلس رايانا على الفراش وهي تبكي تنادي اسم والدتها، والدتها التي لم تبصرها ولم تشعر بحنانها .
لكنها كانت تدرك داخلها أنها ربما، ربما كانت متواجدة لم تكن لتقبل بما ينالها من ظلم، ربما لم تكن لتفعل، أو ربما هي أوهام تتمسك بها لتحيا، لتكمل .
_ ماما ....يا ماما .
كان جسدها ما يزال يأن من الضربات التي وجهها لها عز الدين، ضربات لم تمس جسدها فقط بل كبريائها، أن تُضرب من عز الدين على مرأى ومسمع من والدها، حطمها كما لم يفعل شيء .
شعور أن والدها لن يحرك ساكنًا وهي تُضرب أو حتى تُقتل أمام عيونه، جعلها تبكي بصوت مرتفع وشهقات أخذت ترن في المكان .
إن لم يكن والدها جدار حماية فأنى لها من ضربات الحياة من منفذ ؟؟
تضم قدميها لصدرها وصوت بكائها كان يصدح في المكان ترفض أن تجيب على أحد أو أن تسمح لأحدهم بالدخول، حتى سمعت صوتًا خافتًا ضعيفًا يهمس لها من الخارج :
_ رايانا يا بنيتي، افتحي لجدتك، لا توجعي قلبي يا بنتي .
سقطت دموع رايانا أكثر هي تزيد من بكائها، تأبى أن تواجه جدتها بهذه الحالة، والجدة في الخارج تحاول أن تجبرها على فتح الباب، تنظر لولدها بغضب :
_ الله ينتقم منكم كلكم، الله ينتقم منكم كلكم، البنت هتموت بسببكم، وربي اغضب عليك ليوم الدين، البنت لو حصل ليها حاجة اغضب عليك ليوم الدين ولو بينك وبين الجنة رضايا ما أنا راضية عنك يا عزيز .
ختمت حديثها الذي ألقته في وجه البارو تتحرك تاركة الأخير يحدق فيها بصدمة كبيرة وجواره شيما التي كانت تراقب من يحدث بحزن وقلب منفطر على صوت بكاء رايانا .
نظرت لزوجها بغضب وضيق شديد، قبل أن تركض تاركة إياه وحده يواجه باب غرفة ابنته المكسورة .
اقترب منه ورفع يده ولم يكد يطرق على الباب حتى استمع لصوت بكاء رايانا وهي تنادي والدتها، أبعد يده عن الباب بغضب من كل ما يحدث حوله وقد استنفذ كل ما يحدث طاقة صبره على عز الدين ووالده .
ابتعد عن الباب بحزن من صوت بكاء طفلته، وهو يتحرك بعيدًا بتعب وقد شعر أن كل شيء حوله يستنزفه .
أما عن رايانا في الداخل شعرت بنفسها تختنق، لذا نهضت عن الفراش وهي تتحرك صوب الشرفة الخاصة بها تجلس بها تحاول التنفس بشكل طبيعي وقد وقعت عيونها على منزل عمها لتزداد دموعها، لكن هذه المرأة لم تكن دموع انكسار، بل كانت دموع غضب .
تراقب المنزل بعيون باكية شاردة بشكل غريب، قبل أن تبعد عيونها صوب السماء تراقبها وقد شعرت للحظات باليأس، اليأس من كل شيء، ظنت أنه ربما يومًا ما، ربما يومًا ما تخرج من هذا السجن، لكن يبدو أنه قُدر لها الموت به، بلا منفذ ولا منقذ ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أنت اتجننت ؟؟ مسلم أعقل أنت حصل ليك ايه؟؟ هتروح ليهم ازاي لوحدك ؟! دول ممكن يخلصوا عليك .
ضغط مسلم على الحقيبة بيده وهو ينظر صوب أحمد يدرك أنه محق، لكنه ومنذ علم من نورهان ما حدث وقد اشتعلت نيران داخل صدره، تنفس بصعوبة وهو يرفع عيونه بالجميع :
_ عايز اعمل ايه ؟؟ نبات برة انهاردة عشان خايفين نروح نكلمهم في بيتهم ؟؟
كانت حجة حقيرة ليتحرك صوب المنزل يتفقدها، وقد بدا أن لا نوم له اليوم إن لم يطمئن عليها .
_ طب ما نكسر السلسلة اللي محطوطة على الباب .
كان جملة أحمد الذي تعجب مقدار الشر النابض من ملامح مسلم، أجاب حاتم وهو يتحسس السلسلة بهدوء والتي كانت غليظة وبقوة :
_ ما بظن هالسلاسل المعدنية ممكن تنكسر، ما إلها حل غير الصهر .
مسح يحيى وجهه بضيق وهو يجلس على الدرج الخاص بالمنزل :
_ أو نروح البيت ليهم نـ..
صمت وهو ينظر لنورهان التي كانت تجلس جواره يتحدث بجدية :
_ سدي ودانك.
_ ده على أساس أنك مكسوف تشتم قدامي ؟؟
_ لا بس عشان مسلم مش بيحب اجرح مشاعر البنات بلساني .
قلب مسلم عيونه بضيق وقد انتهى من كل هذا يتحرك صوب البوابة وقد شمر اكمامه دون كلمة، والغضب المستعر في عيونه، ولم يكد حاتم يتحرك خطوة خلفه حتى صاح بصوت مرتفع دون الالتفات له حتى :
_ لا تلحق بي حاتم .
ومن ثم تركه يتقدم صوب المنزل بقلب مثقل بالغضب والضيق، وإن سأله أحدهم ما الذي يشعره بالغضب، قفل منزلهم بهذا الشكل وكأنهم اليد العليا، أم ضرب الخسيس لفروشكا، فسيقول أن كلاهما، فهو لا يرتضي لامرأة أن تُمس بسوء وخاصة بسببه .
لكنه يعلم في أعمق نقطة داخله، نقطة صغيرة جدًا ينكرها، أن الأمر ليس كذلك، وأن غلق المنزل لا يعينه بقدر ما أصابه ضرب الفتاة بالجنون، يمكنه تحطيم الباب بالكامل ولا يهتم .
كان يعلم أن هذه الفتاة ومنذ أول مرة لمح وجهها أنها ستسبب له الكثير من المشاكل، لكنه ورغم معرفته هذه لم يستطع تجنبها أو تجاهل نظراتها التي تتوسل حمايته .
كانت عيونها تتوسله العطف والمساعدة، رغم حركات جسدها المتمردة والتي تشعرك أنها على وشك الهجوم عليك .
تنفس بحدة يتوقف أمام منزل البارو ينظر للحقيبة بيده والتي أحضرها لها خصيصًا يشعر بالغباء والضيق من نفسه وقد تجاوز حدوده بكثير من الخطوات، وشيء داخله يخبره أنه يرتكب خطأ كبير، لكن ذلك الشيء لم يتمكن من صفعه الصفعة التي ستوقف جنونه .
استقام بجسده أمام منزل البارو ينظر له بأعين غائمة، قبل أن يتحرك بكل هدوء الداخل دون الاهتمام بأحد، هذه المرة دخله من الباب الأمامي، يتوقف أمام الباب الذي كان مفتوحّا على مصراعيه كالعادة، ولم يدخل قبل أن يطرق بابه بقوة .
وفي المنزل المجاور حيث يسكن عز الدين ..
تحركت والدته داخل المنزل بسرعة كبيرة بعدما كانت جالسة في الساحة الأمامية للمنزل مع بعض النسوة، تهتف بلهفة :
_ عز يا عز ...
خرجت زوجة عز الدين من الغرفة وهي تنظر لها بعدم فهم لهذه اللهفة :
_ خير يا أمي، فيه حاجة ولا ايه ؟!
صرخت المرأة في وجهها بفظاظة :
_ وأنت مالك، انجري جوا ونادي جوزك.
والفتاة نظرت لها بكره شديد، وكأنها تبتغي انقضاضًا على رقبتها تخرج روحها بين يديها، لكنها رسمت الطاعة رغم ذلك وابتسمت تتحرك بهدوء للداخل، وما هي إلا ثواني ووجدت عز يخرج بملامح متأففه :
_ خير مصيبة ايه تاني اللي جاية بيها ياما ؟!
انكمشت ملامح والدته بضيق شديد من فظاظته وتحدثه معها وكأنها شيء لا يستحق الاحترام، وكل ذلك منذ اليوم الذي منعته به من التقدم والحصول على رايانا حينما جاءهم بلهفة يخبرهم برغبته في الزواج بها .
_ خير يا قلب أمك، بس وانا برة شوفت واحد من أحفاد المريدي داخل بيت عمك وشكله مش ناوي خير .
أسود وجه عز الدين بعدم فهم :
_ واحد من أحفاد المريدي ؟!
_ أيوة يا خويا نفس الجدع اللي كسر دراعك .
وعند هذه الكلمة كانت كما لو أنها تنتقم منه وقاحته معها، لكنه لم يهتم وهو يدفعها جانبًا يركض خارج المنزل بسرعة دون حتى أن يتوقف لأرتداء الحذاء .
وصل لمنزل عمه الذي كان يجاوره .
ليجد مسلم قد دخل بالفعل لمنتصف البهو حيث كان يجلس عمه مع جدته وزوجته الثانية .
_ أنت بتعمل ايه هنا يا جدع أنت ؟! ايه البجاحة اللي تخليك تيجي لغاية بيتنا بالشكل ده .
ومسلم لم يحرك ساكنًا وهو يضغط على الحقيبة قبضته حتى كادت البلورة في الداخل تتهشم تحت وطأة ضغطه، لولا خوفه من ذلك .
ظلت أنظاره معلقة على البارو دون أن يهتم بوجود عز، يهتف بجدية وبهدوء شديد :
- مش جاي اعمل مشاكل ولا أفزع نساء يا بارو، بيتك ليه حرمته، وانا بحترمه مش زيكم، عشان كده بهدوء محتاج مفتاح القفل اللي على باب بيت جدي .
رفع البارو حاجبه بضيق وقد تذكر ذلك اليوم الذي ذهب فيه يسأله الرحيل بهدوء وسخر منه هو ومن معه، لا يزال يتذكر وقاحة بعضهم، لذا ابتسم بسخرية :
_ ولو معملتش كده هتعمل ايه ؟؟
_ افضل متوصلش معايا للنقطة دي، أنا لغاية دلوقتي بتعامل بتربية اهلي ليا، بلاش توصلني لمرحلة تربيتي لنفسي .
رفع البارو حاجبه بسخرية :
_ ويا ترى ايه هي تربيتك دي يا ابن المريدي ؟!
_ نفس تربيتكم بس على اسود كده، تربية زبالة يا بارو .
ختم حديثه في اللحظة التي هجم فيها عز الدين عليه وهو يصرخ بجنون :
_ أنت فاكر نفسك مين يا ....
وقبل إكمال كلماته أبعد مسلم الحقيبة بعيدًا عن مرمى يده وكأنه يحميها من لمسات عز القذرة، ثم رفع قدمه يضرب معدة الأخير مسقطًا إياه ارضًا لتتعالى صرخاته في المكان .
كل ذلك يحدث على مرأى ومسمع الجميع وقد ارتفع صوت مسلم بتحذير :
_ أنا قولت مش عايز اعمل حاجة احترامًا لنساء بيتك يا بارو، بس الواضح أنكم اساسًا لا تعرفوا حرمة ولا بتحترموا نساء .
ختم حديثه وهو ينظر لعز الدين بغضب وقد خمن أنه هو نفسه الرجل الذي ذكرته نورهان، طويل البنية نحيف بعض الشيء مع أعين ملونة وملامح حادة ولحية كثيفة بعض الشيء، كل مواصفات ذلك القذر تنطبق على عز الدين وهذا يذكره أن يضعه على قائمة أولوياته بعدما ينتهي من هذا ويحضر مفتاح المنزل ....ويطمئن عليها .
وبالحديث عنها، كانت تجلس في الشرفة وهي تضم نفسها في أرضيتها ترفض الخروج أو السماع لأحد، حتى فجأة قفزت ضربات صدرها بشكل غريب حين تناهى لمسامعها صرخات وصوت تعلمه جيدًا .
انتفضت من مكانها بشكل مرعب وهي تركض خارج الغرفة بسرعة وقد كان الخوف هو سيد المشاعر التي تتصارع داخلها، وصوت وسوس لها أن عز الدين والرجال أمسكوا بمسلم واذوه .
تحركت صوب السور الخاص بالدرج والرعب يسكن عيونها قبل أن يتلاشى ببطء وتتسع عيونها بشكل كبير وهي تبصر مسلم يمسك رقبة عز الدين، والأخير يتحرك بين يديه بشكل مريع كدجاجة تلفظ آخر أنفاسها بعد الذبح .
ابتسمت بسمة واسعة وقد كان هذا مشهد تحب رؤيته لتنام نومة هنئية بدل النوم باكية .
أما عن مسلم فضغط ضغطة إضافية على رقبة وهو يبتسم له بسمة واسعة كانت بسمة مجنون في لحظات اعترافه باكثر جرائمه ترويعًا :
_ أنت لو استمريت بالقذارة دي كتير فصدقني محدش هيدفنك غيري، بلاش تختبر صبري لأنه مش موجود، وبلاش تختبر كرمي لأنك مش هتلاقيه .
أخذ عز الدين يحاول التحرك بين يديّ مسلم، في اللحظة التي اقترب بها البارو وهو يصرخ به أن يتركه قبل أن يلفظ أنفاسه بين قبضته، لكن مسلم رفع عيونه للبارو بهدوء وبرود شديد وفي خلال ذلك ابصرها .
تقف وهي تحدق فيه بعيون منبهرة كالعادة وكأنها ترى في اذيته لعز الدين أسمى افعاله، لكن إلى جانب الدموع لم يغفل عن علامات وجهها التي تدل أنها لم تتلقى مجرد صفعة كما ذكرت نورهان .
ودون شعور ضغط أكثر على رقبة عز الدين وقد اسودت نظراته، وعز الدين يصرخ والجميع ينوح حوله أن يتركه، لكنه فقط كان ينظر لرايانا وكأنه ينتظر منها هي الصفح، ينتظر منه هي كلمة واحدة تخبره أنها تسامحه ليتنفس يومًا اضافيًا في هذه الحياة .
وهي فقط كانت تراقب بجمود لا تفهم ما يحدث فقط تتنفس ودموعها تهبط بقوة قبل أن تتغير نظراتها لخوف حينما بدأت حركة عز الدين تخمد شيئًا فشيء فصرخت وهي تركض للاسف .
وعند هذه النقطة تركه مسلم بقوة لدرجة اصطدمت رأسه فى الارض بعنف، ليسقط عز الدين يتلوى ارضًا وهو يسعل بقوة وقد حال لون وجهه للأزرق، أبصر لتوه الموت بعيونه قبل أن ينجو بصعوبة .
أما عن مسلم نظر للبارو نظرة باردة يبعد عيونه بهدوء عن رايانا وكأنه لا يعرفها :
_ المفتاح .
نظر له البارو بغضب وقد اشتد كرهه لذلك الرجل يهتف بصوت قوي وجنون :
_ اللي بتعمله ده مش هيعدي بالساهل .
ومسلم لم يهتم بالرد فقط ظل ينظر له، قبل أن يتحرك البارو صوب المكتب الخاص به ليحضر المفتاح وطواحين عقله تدوي بقوة .
أما عن مسلم فنظر صوب رايانا بعيون باردة بعض الشيء :
_ أنتِ كويسة ؟!
ارتجفت وهي تنظر حولها للجميع وهو يتحدث معها دون أن يحاول إخفاء الامر، وفي الواقع لم يكن أحد منتبه لما يحدث فقد انشغلت شيما في محاولة مساعدة عز الدين الذي كان شبه فاقد للوعي، بينما كان المستمع الوحيد لهم هي جدتها التي راقبت ما يحدث بهدوء غريب وبسمة صغيرة .
هزت رايانا رأسها بهدوء وقبل قول كلمة، وجدت حقيبة ملونة بين أحضانها وقد دفعها لها دون كلمة واحدة، وقد كانت هذه أغرب طريقة يمنح بها أحدهم آخر هدية .
تلقتها بين أحضانها بعدم فهم، تفتحها بتسائل قبل أن تشهق بصوت شبه مسموع ولم تكد تتوجه له بكلمة حتى جاء والدها يلقي له بالمفتاح .
ليلتقطه مسلم وهو يبتسم له :
_ كان ممكن نوفر كل الدراما دي على أهل بيتك يا بارو، بس الواضح إنك مستبيع .
ختم حديثه بنبرة حادة، قبل أن يستدير ويرحل بكل بساطة دون كلمة إضافية ولا حتى نظرة، بينما رايانا تقف في الخلف وهي تضم الحقيبة بحرص لصدرها وقد التمعت عيونها بدموع، ولأول مرة لم تكن دموعها حزنًا، بل كانت سعادةً .
تراقب رحيله بأعين دامعة قبل أن تتساقط دمعة صغيرة تهمس بصوت منخفض تدرك أنه لن يصل له :
_ شكرًا يا مسلم .......
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجلس بعيدًا تاركًا لهم حرية التحدث مع اختهم وقد احتل بجسده المقعد أسفل الشجرة التي تحيط المنزل بفروعها الضخمة، تلك الشجرة التي قاومت طوال سنوات رغم كل الذبول الذي كاد يتمكن منها .
ينظر بهدوء صوب الجميع يراقب نورهان التي كانت مستقرة بين أحضان احمد يربت عليها بهدوء .
_ يعني خلاص هيطلقني يا أحمد ؟!
نظر لها احمد ثواني قبل أن يتحدث بهدوء يترك لها الإختيار حتى اللحظة الأخيرة :
_ أنتِ حابة ايه يا نور ؟!
سقطت دموع نورهان بقوة وهي تطلق شهقة صغيرة جعلت حاتم يبعد عيونه بسرعة ينظر ارضًا متظاهرًا بتأمل الأرض أسفل أقدامه، وصوتها يصله متقطعًا :
_ حابة لو ترجعلي سنيني اللي ضيعتها عليه يا أحمد، صعبان عليا حياتي واللي عملته فيها ...
ضغط حاتم على الغصن الذي كان يتلاعب به ارضًا، يرفع عيونه ببطء صوبها يراقبها تستكين بين أحضان أحمد بهدوء شديد رغم انتفضاض جسدها ببكاء هادئ.
وأحمد ابتسم بسمة صغيرة :
- يعني ضيعتي نص عمرك بقرار غلط، هتضيعي باقيته بالعياط على القرار ده ؟! هتفوقي امتى لنفسك وحياتك يا نور ؟؟
رفعت لها نورهان عيونها الباكية تتساءل بأمل:
_ تفتكر فيه أمل ؟؟
_ طول ما أنتِ مترددة كده لا، لكن لو رجعتي نور أختي اللي محدش يقدر عليها هيكون فيه أمل، بعدين الحياة مش هتقف وخاصة لو بسبب واحد زي ده، فوقي كده يا نونو وبكرة يجي اللي ينسيكِ الحيوان ده وكل اللي قبله .
ابتسمت نورهان بحسرة وسخرية لاذعة :
_ يجي ايه بس يا أحمد أنا كبرتي خلاص، أنا هتم الـ ٣٣ كمان شهرين .
أبعدها احمد بضيق وهو ينظر لها من أسفل رموشه :
- قصدك ايه يعني ؟! بتلقحي عليا ؟؟ ده انا لسه مدخلتش دنيا وتميت الـ ٣٥ سنة من شهر .
امتص يحيى شفتيه وهو يستند على درجات المنزل خلفه ينظر للسماء :
_ كان زمانك دلوقتي عندك عيلين قد عيسى لو كنت اتربيت وطاوعت ابوك واتجوزت .
_ ولا خليك في نفسك، بعدين عيسى ايه اللي اجيب عيلين قده ؟!
تدخل عيسى في الحديث بضيق وقد ظن أنه يسخر منه :
- ماله يعني عيسى مشرفش ولا ايه ؟!
_ يابني تشرف ايه هو انا هتقدم ليك ؟! ده أنت ١٩ سنة اجيب اتنين قدك امتى ؟؟
ابتسم يحيى يخمن بسماجة :
_ يمكن توأم .
رماه أحمد بضيق ولم يعلق يتنهد بصوت مرتفع وهو يمسح وجهه :
_ يارب توب عليا من عيال خالتي سنية، حتى الوحيد اللي كان فالح فيكم فسد في الغربة .
نظر فجأة صوب حاتم الذي كان يلعب شاردًا بشكل غريب، يخرجه من شروده يجذبه للحوار معهم متسائلًا .
_ هو مسلم كان بيتشغل ايه يا حاتم في الغربة عشان يرجع بالمنظر ده ؟؟
رفع له حاتم عيونه وكأنه لم يدرك أن الحديث له سوى الآن حينما شعر بجميع العيون عليه .
وعلق يحيى بإدراك:
_ تقريبا كان قال شغال في شركة هندسة مش كده ؟!
ابتسم لهم حاتم بسمة صغيرة حاول أن يخفي بها سخريته من براءة أفكارهم حول مسلم، يهز رأسه بهدوء وهو يفرك خصلاته بحيرة :
_ آه، آه صحيح، كان يشتغل مهندس بشركة، بس بيئة الشغل كانت قاسية شوي، فغيّرت مسلم شوية.
لوح يحيى ساخرًا :
_ شويّ؟؟ شويّ ايه يا ابو الشباب؟! أنت شكلك مشوفتش مسلم اخويا كان عامل ازاي زمان ؟؟
وهذه كانت حقيقة، لم يكن لحاتم الفرصة لرؤية أو التعامل مع مسلم القديم اللطيف، لم يبصر منه سوى الجزء الذي صنعته المنظمة، الجزء المظلم من روحه بعدما تخلصوا من كل ذرة شفقة وبراءة في جسده، لا يزال يتذكر أول مرة أبصر مسلم في قفص قتال، كان وقتها مختلًا، وهذه لم تكن كلمة مجازية، فلقد تسبب مسلم في ذلك القتال يومها في أصابة نصف الرجال بالاشمئزاز، وقد بذل هو شخصيًا الكثير ليحتفظ بغدائه داخل معدته ذلك اليوم .
كان مسلم مرعبًا وما يزال، رغم أنهم ومنذ عاد لمصر أصبح...طبيعيًا .
_ لا، ما سبق إلي وتعرّفت عليه قبل، من أول ما عرفته وهو هيك زي ما هو.
امتص يحيى شفتيه بحسرة امرأة عجوز تُشهد النساء على ولدها الحبيب قبل أن تغيره زوجته الشريرة عليها .
_ مسلم ده حبيب قلبي كان عامل زي النسمة، مكان ما تحطه بتلاقيه، في أي تجمع يقعد ساكت مبتسم وهادي، تقوله كلمة يقولك حاضر، تشتمه يقولك الله يسامحك، تشكر فيه يقولك والله ابدا أنت احسن مني .
كان يصف مسلم وهو يشعر بالحسرة على ذلك المسلم القديم :
_ كان رفيع ومفيش فيه عضلة واحدة زي....زي عيسى كده .
ختم حديثه وهو يشير على عيسى الذي كان يجلس وهو يستمع بهدوء، قبل أن يجد نفسه مضرب مثل ليحيى، عيسى والذي كان طويل القامة أكثر من يحيى ونحيف بعض الشيء رماه بنظرة غاضبة، لكن يحيى لم يهتم وهو يكمل .
_ كان أكثر إنسان مسالم في الحياة، يلا الله يمسي ولاد الـ ...اللي علموا عليه وخلوه كده .
وحاتم شعر أنهم يتحدثون عن شخص آخر، فهو لا يستطيع تخيل مسلم كما يخبره يحيى بأي شكل من الأشكال، مسلم والذي حتى كان يتخيله في طفولته بعضلات وملامح قاسية باردة، الآن يأتي يحيى ليحطم كل ذلك .
_ بس مسلم طول الوقت كان معصّب وبارد، زي ما هو هسا.
_ يا معصب ايه، بقولك نسمة، نسمة .
ختم حديثه في اللحظة التي أبصر بها الجميع اقتراب مسلم منهم، بملامح غاضبة وجسد مشتد وأعين سوداء وكأنه على وشك قتل أحدهم .
يتحرك صوب الباب دون كلمة واحدة يخرج المفتاح يفتح الباب ببساطة ومن ثم اندفع للداخل بهدوء وهو يردد :
_ بيا ادخلوا .
وهكذا انتهى النقاش بالنسبة له وترك الجميع خلفه يحدق بأثره بعدم فهم قبل أن يتحدث حاتم معلقًا على وصف يحيى السابق لمسلم قديمًا .
_ متأكد إنك كنت تحكي عن مسلم؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أغلقت كافة مخارج ومداخل غرفتها وكأنها ترفض ضمنيًا أن يبصر أحدهم كنزها، قلبها ينتفض بشوف وحماس، حماس لم تشعر به منذ أول مرة أبصرت تلك البلورة في فيلم قديم مع جدتها .
ابتسمت بسمة صغيرة تراقب الحقيبة تتحرك بسرعة لتغلق نور غرفتها بالكامل تفسح المجال أمام ضوء البلورة لينطلق في المكان بحرية .
وضعتها على الفراش وجلست أمامها تراقب الحقيبة ببسمة تخرج ما بها ببطء وحرص تخشى خدش صغير، تراقب البلورة بهدوء قبل أن تحرك أصابعها تتحسس الجزء السفلي حتى عثرت أناملها على الزر الخاص بالتشغيل .
ضغطت عليه لينتشر بعدها ضوء ملون في المكان وقد بدأت ذرات الثلج الصناعية في الداخل تتحرك، وفتاة صغيرة ترتدي فستان مزهر تحمل فراشة بين كفيها تدور في المكان وصوت موسيقى هادئ يخرج من البلورة .
وهي فقط تجلس القرفصاء على فراشها تراقبها دون لحظة ملل، دورة خلف الثانية وهي تحدق في البلورة بسعادة قبل أن تهبط دموع لم تكن تشعر أنها تملئ عيونها، دموع حسرة وهي تتلمس البلورة بسعادة وقهر، كانت شيء طلبته وبكت لأجله قديمًا .
شيء تمنته وكانت على استعداد لدفع كل ما تمتلك من القروش التي خبئتها لأجله، لا تزال تتذكر ركضها صوب والدها وهي تتوسله بكل عزيز وغالي أن يحضر لها هذه البلورة، وصراخه في وجهها وقتها بضيق .
" رايانا انضجي شوية، مش كل حاجة تشوفيها تبكي عشانها، قولت لا يبقى لا، خلصنا ."
ورحل ...رحل قبل أن تبرر له ببراءة أن هذا كان أول شيء تطالبه به، وسيكون الأخير، لكنه رحل قبل أن تفعل .
ضمت البلورة وهي تميل على فراشها تبكي بحزن، تبكي شفقة على نفسها، وهي ترتجي من غريب شيء كانت تتمناه من والدها، غريب لم ينس طلب طلبته منه في لحظة يأس .
ضمت البلورة وكأنها تضم لها رايانا الصغيرة، تلك التي كانت تبصر في والدها بطلًا، في عز سندًا، في قبيلتها عائلة، في العالم املًا .
لكن أيًا من ذلك لم يحدث، فهل تخونها نظرتها مجددًا بعدما أبصرت في " مسلم " حلمًا ومنقذًا، وهل تأمل للحصول على اكثر من مجرد بلورة منه؟؟
هل الأمر بسبب أنها لأول مرة تبصر رجلًا، يحمل من الصفات ما يفتن النساء وخاصة النساء المحرومات من كل معاني الحنان والدعم، نساء مثيرات للشفقة مثلها؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ شو فيك يا مسلم؟ من وقت ما رجعت وإنت ما مبين على بعضك.
ترك مسلم ثوبه على الفراش وهو يستدير لحاتم ينظر له بصمت، قبل أن يجلس على الفراش المقابل لخاصة حاتم، بعدما ترك الغرفة لعيسى بحجة أنه يحتاج التحدث مع حاتم قليلًا، وفي الحقيقة كان يهرب من شقيقه مخافة أن يبصر ظلامه .
هو حتى هذه اللحظة لم ينم يومًا مع أحدهم بسبب كوابيسه التي يصرخ بها أو يستيقظ منها لاهثًا مشوشًا قد يتسبب في أذية من حوله رغم أنه لم يفعلها يومًا ولم يدع ظلامه يتحكم به، لكنه يخشى أن تكون مرته الأولى مع عزيز.
_ لا شيء حاتم كل شيء بخير .
ونعم اختار مسلم التحدث بالإنجليزية، إذن المتحدث لم يكن مسلم في هذه اللحظة، بل كان نفس الرجل الذي دفنوه قبل ترك الجحيم .
_ لا تبدو لي بخير الآن مسلم .
_ كل ما في الأمر أنني لا أحب ما يحدث و... أريد الانتهاء من كل ذلك بأسرع وقت، هؤلاء الأشخاص لا يروق لي التعامل معهم .
_ هؤلاء الأشخاص، أم هذه المرأة ؟!
رفع مسلم عيونه في وجه حاتم يرمقه بنظرات محذرة، ليتحرك الأخير وهو يقترب منه بتحذير وقد بدا أنه يفهم ما يحدث :
_ مسلم أنت لن تحييها بمساعدتك لكل امرأة تقابلها، لن تحيــــيّ المـــرأة بمساعدتك لكل فتاة تحتاج المساعدة، أفق مسلم ولا تدفعنك الشفقة صوب فتاة قد تسييء فهم دوافعك وتجرحها قبل جرح نفسك .
نظر مسلم لحاتم وقد ظهر العذاب واضحًا على ملامحه، ارتجفت يده وهو يمسح وجهه يدفن رأسه بين كفيه، يحاول أن يمسح ذكرى موتها بين ذراعيه .
لحظة وصوله للشاطئ يحمل جثة فتاة لا يعلم لها من اسم أو هوية أو جنسية حتى، فتاة ماتت بسببه ربما .
_ ربما لو ...لو تركتها متشبثة بالمركب آنذاك...ربما كانت حية الآن، ربما ...كان عليّ ألا أجبرها على المحاولة، ربما كانت المحاولة موتًا في حالتها، والجبن نجاة.
أمسك حاتم رأس مسلم بين يديه وهو ينظر في عيونه بتحذير من الانجراف في تلك النقطة مجددًا، ليس بعدما تجاوزها بالفعل مرات ومرات :
_ مسلم اسمعني وتوقف عن تلك الكلمات، لقد فعلت ما املاه عليك ضميرك وقتها، كانت ستموت في كلا الحالتين، الفرق أنها وجدت يابسة تُدفن فيها، بدلًا من أن ينتهي بها الحال كوجبة للأسماك، فلا تحمل نفسك ما لا يد لك به، ولا تسارع للعب دور البطولة في حياة كل امرأة مظلومة .
نظر له مسلم بأعين ضبابية بينما حاتم كان يدرك أن مساعدة مسلم لتلك الفتاة، وحمايته لها لم يكن إلا لأنه يشعر بالذنب، يسعى لمساعدة كل امرأة وكأنه يساعد تلك الفتاة التي ماتت بين ذراعيه .
أما عن مسلم كان عقله في نقطة بعيدة، تلك الفتاة، بسمتها لأبسط الاشياء، رقتها وهشاشتها، رغم كل ما تفعله، كانت هشة بشكل جعله يخشى أذيتها إن اقترب، هل كانت كل تلك الحمائية التي اندفعت لاوردته، وكل ذلك الغضب الذي أصابه لأجل رؤية جروحها مجرد شعور بالذنب كما يقول حاتم ؟!
ونعم كان ذلك أكثر التفسيرات المقبولة لما يحدث معه منذ جاء، فلا يعقل أنه سقط في حبها منذ النظرة الأولى.....
ابتسم بسمة صغيرة على سخافة الفكرة التي بدأت تنخر بعقله، يرفع وجهه صوب حاتم الذي ما يزال يمسكه بين كفيه وكأنه يأبى تركه كي لا تهجم تلك الأفكار مجددًا لعقل مسلم .
لكن وقبل تحرك أحدهم خطوة، سمعوا صوتًا آتيًا من جهة الباب ونبرة خبيثة تصدح في الغرفة :
_ أنا برضو قولت المشاعر الجياشة اللي بينكم دي لا يمكن تكون صداقة صافية، اكيد فيه حاجة شوائب بتعكر الصفو ده.
استدار له حاتم بعدم فهم :
_ شو ؟؟
_ شو ايه هتعملي فيها شامي ؟! ما كله بقى واضح، اصلا مسلم من صغره كان ضعيف من ناحية اللهجة الشامية وكان نفسه في واحدة شامية بس واضح أنها جات فيك .
اتسعت عيون حاتم حينما فهم فجأة ما يقصد ينتفض بعيدًا عن مسلم صارخًا بنبرة جهورية جعلت المكان يهتز من حولهم :
_ ولــــــــــك، شو مفكّرني؟ إنت قاعد بتحكي مع رجل وسيّد رجال، رجل مستقيم، والحمد لله رب العالمين.
رمش حاتم بعدم فهم وهو ينظر صوب مسلم الذي هز رأسه بيأس وقد بدا أن حاتم لم يلتقط مزاح يحيى الخشن، يتحرك صوبه يرفع إصبعه في وجه يحيى الذي تراجع خارج الغرفة بعدم فهم :
_ إذا كنت حاسبني من هالنوع، فأنت غلطان غلطة عمر، أنا رجل كـ...
_ هو فيه ايه ؟؟
فجأة عم الصمت في المكان حينما صدح صوت نورهان في المنزل والتي كانت تقف جوار عيسى في البهو تحدق فيهم بعدم فهم، لتتسع عيون حاتم وهو يرفع عيونه لها يدعو ربه ألا تكون قد سمعت شيئًا .
أما عن يحيى فقد نظر لها دون فهم :
_ معرفش أنا كنت بهزر معاهم و.....
وباقي الكلمات لم تجد لها مفرًا من كف حاتم الذي كبتها قبل خروجها وهو يزجر يحيى وقد خرجت كلماته وهو يضغط على أسنانه محذرًا :
_ مش كل الحكي بينحكى.
أبعد يحيى يد حاتم وهو ينظر صوب مسلم الذي انفجر في الضحك على فراشه في الخلف :
- هو صاحبك ده عبيط ؟!
لكن مسلم لم يستطع الرد بسبب ضحكاته التي كانت ترن في المكان بأكمله، وأحمد لا يفهم ما يتحدث به الجميع .
_ هتفهمونا فيه ايه ولا هنفضل زي عواجيز الفرح كده ؟!
تماسك مسلم نفسه وهو يتحرك صوب حاتم يجذبه بعيدًا عن يحيى، يتنفس بصوت غير مستقر بسبب بقايا الضحك التي تسكن صوته :
_ ولا حاجة سيبكم منهم وركزوا معايا عشان نشوف هنعمل ايه في اللي جاي .
_ بدك تحكي هيك ؟!
لم يفهم مسلم تعليق حاتم لينظر لنفسه ليجد أنه نسي ارتداء قميصه بعد خلع ثوبه، لكنه هز رأسه بهدوء :
_ وايه يعني محدش غريب .
نظر حاتم صوب نورهان التي تحركت لتجلس على الأريكة بهدوء ودون كلمة، يدفع مسلم للغرفة بحدة :
_روح والبس شي أحسن وأكثر حشمة، استحي يا زلمة.
نظر له مسلم دون فهم وقد دفعه حاتم الغرفة يغلقها بقوة، بينما يحيى ابتسم بسمة خبيثة وهو يرى نظرات حاتم المترددة صوب نورهان، يميل على عيسى يهتف بصوت خافت متحفز لضرب حاتم ربما :
_ شكل فيه حاجة بتحصل من ورانا يا عيسى .
_ مين ؟؟ هو مسلم قالك هيعمل ايه مع البارو ولا ايه ؟!
رمقه يحيى بغيظ وهو يدفعه :
_ مسلم ايه وبارو ايه ....غور يلا غور من هنا، غلطتي اني بكلم واحد زيك .
صمت وهو ينظر صوب الباب وفي عقله يفكر في القادم، ويبدو أن هذه لم تكن فقط أفكار يحيى، بل شاركه بها جميع المتواجدين .
مسلم قد حرك مياه البارو الراكدة، والله وحده يعلم علاما ينتوي لهم ؟! .
ـــــــــــــــــــــــ
لا يعلم حتى سبب استيقاظه صباحًا بهذا النشاط، لكن الأمر أنه شعر بالملل الشديد ولم يعتد على هذا الخمول لوقت طويل من قبل، كان يخرج ويذهب لأي مكان يخطر على رأسه في القاهرة، أما هنا فقد كانت اماكن الترفيه محدودة، تتمثل في محل العم رجب الذي لا ينفك يبصر وجهه حتى يلتوي بالضيق ويتأفف ويذكر ربه مئات المرات في الثانية الواحدة .
أخذ يسير بين طرقات القرية وقد كان الوقت مبكرًا حتى أن لا أحد من اخوته استيقظ سوى مسلم الذي يعتقد أنه لم ينم لحظة .
تنهد بصوت مرتفع وهو يربت على خصلات شعره التي بدأت تستغيث من إهماله لها، لكن يده كانت مغلولة ومنتجات العناية بخصلاته لم تكن متوفرة .
وها هو في رحلة أخرى لمحل العم رجب ليحصل له على أي شيء يصمت به أنين ضميره الـ " كيرلي" .
دخل منذ الصباح يرفع كفه في الهواء يلقي تحية للرجل الذي كان يحمل سبحته بين أنامله يردد اذكاره :
_ صباح الخير يا عم رجب .
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفر الله .
_ اللهم قوي ايمانك يا عم رجب والله، الوحيد اللي بيذكر ربه في المكان ده.
ختم حديثه ولم يتوقف ثانية وهو يتحرك بين ممرات المحل يبحث بعيونه عن شيء ربما ينفعه، منتجات بمكونات معينة، لكنه لم يصل لشيء، لذا عاد مرة أخرى صوب العم رجب يردد بجدية وهو يشير للمحل خلفه :
_ بقولك يا عم رجب الاقيش عندك أي شامبو أو بلسم يكون خالي من السلفات ؟!
رفع الرجل عيونه ليحيى بعدم فهم لما نطق به :
_ خالي من ايه ؟!
_ السلفات .
_ هما بقى يحطوا السلفات¹ في الشامبو ؟؟ بيعملوها ازاي دي ؟!
ابتسم له يحيى بسمة واسعة على كلماته، يهز رأسه وهو يجذب رأس العم رجب عبر المكتب يقبلها ومن ثم ربت على كتفه وكأنه يتعامل مع عيسى :
_ قولي فين قسم الصابون السايل يا عم رجب ؟!
والرجل لم يفهم فعلة يحيى، وقد كانت هذه عادة لدى الأخير، لكن الرجل لم يراها إلا حركة احترام وتقدير، لذا أصابه بعض الرضا وهو يشير صوب جزء صغير في نهاية المحل :
_ الرف اللي في آخر الممر اللي هناك ده هتلاقي كل الصابون السايل والشامبو اللي عايزه .
هز يحيى رأسه وهو يتحرك يضرب كف بكف يهمس بحنق وضيق :
_ يارب توب علينا يارب ونخلص من الهم ده .
تحرك بين الارفف يبحث عن أي منتج قد ينقذ ما يمكن إنقاذه من خصلاته التي فسدت بالكامل، لكن كل ما وجده كان بعض الصابون السائل والقليل من المنتجات الكميائية التي كانت ستدمر شعره أكثر من مساعدته، لكنه تنهد بضيق وهو يلتقطها عن الارفف بلا شعور يضعها أسفل ذراعه، يتحرك يلتقط العديد من المنتجات الأخرى التي ربما يحتاجها الباقيين .
وأثناء ذلك وصل له صوت شبه مسموع من الطرف الآخر للممر، صوت بدا غاضبًا حانقًا.
اقترب بهدوء من الصوت، وهو ما يزال يحمل ما يريد بين يديه وأسفل ذراعيه، حتى وصل لمكان يبصر به المشهد الغريب .
رجل كبير في العمر ربما في عقده الخامس، يتحدث مع الفتاة نفسها التي ابصرها قبل أيام في نفس المكان، ويبدو أن الحوار بينهما لم يكن وديًا على الإطلاق.
استمع بهدوء وهو يلتقط عبوة تسالي من الرف جواره يقلبها بين كفيه قبل أن يراقب بفضول شديد .
_ لو سمحت أبعد عن طريقي وبلاش شوشرة في المكان، أنا مش فاهمة أنت بتراقبني ولا ايه ؟!
_ كارا افهمي أنا فعلا بحبك، ومش شايف استجابة من جهتك لمحاولاتي؟!
رفعت كارا عيونها له تتأمل تجاعيد وجهه التي بدأت تظهر على أطراف عيونه، وخصلاته التي بدأت تتلون بالشيب، لا تكرهه ولا تلومه فالعمر ليس بيده، لكن أوليس القبول أساس الموافقة، هي لا تستطيع إرغام نفسها على حبه .
_ للاسف مش قادرة افكر فيك، غير راجل كبير لو شوفته في الطريق هحترمه وهناديه يا عمي .
اتسعت عيون الرجل وقد أدركت أنها أصابت وترًا حساسًا لديه، لكنه هو من ضغط عليها وقد كان تقدمه لها أشبه بإجبارها عليه، لم يتفهم كل تلميحاتها بعدم القبول وأصر على المواصلة .
مد الرجل يده وهو يمسك مرفقها بقوة يجذبها له بتحذير :
- كلها أيام قليلة ولما تشوفيني هتناديني بجوزي يا كارا، الموضوع مش بمزاجك تـ
_ ايه القرف ده ؟؟
كانت كلمة قاطعت هذا الجو المشحون بينهما، بتدخل سريع من يحيى الذي اعتدل حينما أبصر مسك الرجل لها بهذه الطريقة التي أوضحت ملامحها أنها لم تكن مريحة كليًا.
_ قدك دي عشان تكلمها كده يا حاج ؟؟
استدار الراجل ليحيى الذي تحرك صوبهما وهو يرفع حاجبه للرجل :
_ سيب البنت واتكسف على سنك يا عم .
نظر له الرجل بنظرات حادة غاضبة ولم يكد ينفجر في وجهه، حتى تحدثت كارا وهي تحاول جذبه ذراعها من بين يديه :
_ أبعد عني بقى، اوعى سيب ايدي .
_ كارا أنا...
لكن يحيى لم يدع له الفرصة وهو يخرج المنظفات من أسفل ذراعه يمدها لكارا :
_ أمسكي كده يا مودمزيل .
نظرت له كارا بعدم فهم ومن ثم نظرت ليدها التي ما تزال بين أنامل الرجل وكأنها تخبره " أمسك بماذا ؟؟"
وهو أجاب سؤالها الصامت بضيق :
_ بأيدك التانية بلاش استهبال .
ومن ثم دفع المنتجات لها لتمسك بالفعل بيدها الحرة بصدمة، وهو ترك عبوة التسالي على الرف جواره، رفع أصابعه ينفض يده من فتات الطعام في ثوبه، ومن ثم مد يده يمسك يد الرجل يضغط عليها بقوة لدرجة أنه أطلق تأوهًا مرتفع يترك يد كارا، التي تراجعت بسرعة للخلف تضم اغراض يحيى بسرعة لصدرها وكأنها تحتمي بها .
أما عن يحيى وقف بينهما وبين الرجل قبل أن يقرر الأخير أخذ خطوة أخرى تجاهها .
_ مش عيب لما تعامل واحدة قد عيالك بالشكل ده ؟!
نظر الرجل له نظرة محمومة غاضبة وكأنه على وشك الانقضاض عليه، لكنه وبحسبة سريعة أدرك أن لا مجال له أمام هذا الشباب والذي عرفه بمجرد رؤيته ...حفيد المريدي .
_ أنت متدخلش في اللي ملكش فيه، وأنتِ يا كارا حوارنا لسه مخلصش .
ختم حديثه ينفض ثوبه بغضب قبل أن يتحرك بسرعة بعيدًا عن الجميع وقد قرر أن اليوم إما أن يضع البارو حدًا لوجود هؤلاء الغرباء أو يضع هو حدًا لهم بنفسه .
أما عن يحيى فقط راقبه يتحرك بسخرية قبل أن يستدير صوب كارا ينظر لها وهو يضيق عيونه عليها، أما عنها فكانت تضم المنتجات لصدرها بفزع، اقترب منها خطوات قليلة اخذت هي تعود مثلها للخلف، قبل أن يتوقف أمامها ينتزع عنها أغراضه:
_ ايه يا امي مكلبشة في الشامبو كده ليه، الرف مليان زيه .
نظر لشعرها ثواني قبل أن ينظر لها مجددًا :
_ أنتِ بتستخدمي الشامبو ده ؟!
وهي فقط لم تكن تفهم عبثية الحوار ولا ما يتحدث به، لكنها فقط هزت رأسها بنعم ليتنهد هو بضيق وهو يحدق بالعبوات في يده كأنها ستهجم عليه :
_ هو اللي خلى شعرك مزيت كده ؟!
اتسعت عيونها بصدمة وهي ترفع يدها تتحسس خصلاتها برعب من تلك الفكرة، وقد غسلته قبل خروجها ووضعت عليه بعض الزيوت الطبيعية.
ولم تكد تصرخ فيه على كلماته حتى هز رأسه بيأس وكأنه يودع خصلاته العزيزة:
_ الله يبشرك بالخير، صدقيني لو العداوة وصلت لشعري، أنتِ وكل قبيلتك هتزعلوا مني جامد، واولكم عم رجب اللي قاعد هناك ده .
ختم حديثه ومن ثم نظر لها نظرة سريعة يردد بجدية :
_ اه صحيح بلاش تبقي تجادلي كبار السن كتير، عشان عقلهم ساعات بيفلت منهم .
تحرك بعد كلماته بعيدًا عنها تاركًا إياها تراقب حركاته بصدمة كبيرة، قبل أن ترتسم بسمة غير مصدقة على فمها :
_ مجنون ده ؟!
أما عنه تحرك بهدوء بعيدًا عن المكان، قبل أن يعود لها فجأة بشكل افزعها، ينتزع باقي عبوة التسالي عن الرف يتناول منها بهدوء وهو مايزال يرمقها بتقييم .
ومن ثم رحل مجددًا وهي ما تزال واقفة تناول التفكير فيما يمكن أن يكون داخل عقل هذا الشاب الغريب .....
*سلفات¹ (السليف): هي زوجة أخ زوجك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
"يحدُثُ أحيانًا أن ندفع الثّمن مرّتين، مرّة للحصول على الشيء، وأخرىٰ للتّخلص منه".
هرولت من المنزل قبل استيقاظ احدهم، تدرك أن والدها سيحرم عليها أن تخطو خارج المنزل بعد المشهد السينمائي الذي قدمه عز البارحة .
وعند ذكر عز الدين ابتسمت وهي تتذكر حركاته بين قبضة مسلم، شفي صدرها واجبر كسرها بما رأته، ابتسمت أكثر وهي تبصر منزل المريدي يقترب منها، تقبض على حفنة أموال تحتفظ بها منذ سنوات ولم تفكر يومًا في تبذيرها على شيء، ببساطة لأنها لم تشتهي شيئًا يومًا.
والشيء الوحيد الذي ابتغته جاءها، وها هي في طريقها لتسدد ثمنه بكل امتنان و ....خجل .
توقفت حين أبصرته جانب الشجرة كما اعتادت، يتدرب بعنف شديد وكأنه يبتغي الانتحار من قوة حركاته .
توقفت بعيدًا بعض الشيء تنظر له بتردد تخشى أن تقاطع تمارينه الصباحية، لكن الوقت لم يكن في صالحها .
لذا اقتربت بتردد وهي تتحدث بصوت خافت :
_ صباح الخير .
توقفت يد مسلم في الطريق بعدما كان يقوم بتمارين الضغط على الأرضية أسفله، يرفع عيونه لها ببطء وقد كاد العرق يسقط داخل عيونه ويخفي الرؤية عنه .
لكن رغم ذلك اعتدل وهو يمسح العرق عن وجهه، ينظر لها بصمت وكلمات حاتم تترد في أذنه منذ البارحة، حتى أصبح لا يدرك الحقيقة.
هل كانت رغبته القديمة هي ما يدفعه لمساعدتها، أم كان شيء آخر يجهله ؟!
نظرتها وبسمتها اللطيفة هذه اصابوه في مقتل وشعر بشعور مرّ في حلقه، هذه الفتاة هشة لدرجة يخشى عليها من الاقتراب أكثر وهو حاد من كل الجهات .
_ صباح الخير .
خرجت جافة باردة بعض الشيء، لتصبيها في مقتل وهي ترفع عيونها له بتردد تردد بصوت خافت بعض الشيء :
_ أنا...بضايقك ؟؟
_ اممممم
همهة بسيطة لم تفهم منها إن كانت إجابة أم مجرد إعلام أنه يستمع لها، لكنها أكملت بهدوء واحراج وقد شعرت نفس الشعور الذي كان يؤرق مضجعها طوال الوقت .
شعور أن وجودها ثقيل على من حولها وخانق..ومرفوض .
مسلم ودون أن يعلم حتى وبينما كان يحاول أن يجنبها الاقتراب منه، جرحها بدفعها لنقطة مظلمة كانت تهرول منها .
قاومت دموعها بصعوبة ولم تدري حتى سبب شعورها برغبة البكاء لأجل الضيق من وجودها على ملامحه، ربما لأنها... لأنها شعرت لمرة في حياتها أن هناك من يتقبلها ويثق بها، أن هناك من يحنو عليها، وهذا الشخص كان مسلم، لكن يبدو أن حالتها كانت مثيرة للشفقة لتشعر بهكذا مشاعر من شخص لم تبصره إلا منذ أيام قليلة فقط .
اخرجت الأموال وهي تحاول التسلح ببرودها وجمودها الذي تغطي به نفسها على مرأى قومها لكن مسيرتها خرجت مهتزة بشكل مثير للشفقة :
_ أنا بس حبيت ادفعلك تمن البلورة واشكرك، تعبتك معايا .
ختمت حديثها وهي تمد يدها له تنتظر أن يلتقط الأموال لترحل، لكنه فقط نظر للمال بين أناملها ثواني، قبل أن يرفع عيونه لها برفض وضيق شديد .
_ تدفعي تمنها ؟!
_ اكيد يعني مش هاخد شيء منك مجانًا .
اشتعل الغضب في صدره من نبرتها، لكنه ابتلع ريقه بهدوء وهو يتحرك صوب المقعد أسفل الشجرة يمسك بزجاجة المياه يرتشفها كلها دون توقف حتى انتهى منها، ثم تنفس بصوت مرتفع يجيبها ببرود دون أن يستدير لها :
_ مبارك عليكِ البلورة، اعتبريها رد جميل على مساعدتك لينا، وأنك اخدتي بالك من نور في غيابنا، وبكده نكون خالصين .
_ خالصين ؟!
اخرجت نبرتها موجوعة مكسورة دون شعور، وهو فقط اغمض عيونه بضيق شديد يضغط على الزجاجة بيده، يرفض الخوض في هذا الأمر، الفتاة خلفه ابنة عدوه، غريبة، هشة، لا يمكنه السماح لها بالانغماس في هذا، التقرب منه أكثر من ذلك، هذا خاطئ .
هو تعهد لنفسه ألا يرف بجفنه لامرأة هنا، هو لن ينخرط في مثل تلك الأمور .
استدار بهدوء يبتسم لها بسمة صغيرة وقد رأى أن ينهي هذه اللعبة من بدايتها يرفض أن يخوض علاقة ولو كانت صداقة وود مع امرأة.
_ أيوة يا فروشكا، أنتِ ساعدتيني وأنا رديت ليكِ مساعدتك، وبكده خالصين .
كانت تراقبه بعيونها التي امتلئت ضبابًا ودموع ابت أن تهبط أمام عيونها وقد كان أكثر ما جرحها، أنها وبكل حمق ...تمنت لو يكون منقذًا لها من كل ذلك .
تمنت وليتها لم تترك للأمل سبيلًا في صدرها .
ابتسمت له بسمة باردة تجيبه بنفس النبرة التي حرص هو على التحدث بها :
_ لا ما هو لو هنمشيها واحدة واحدة، فأنت لسه ليك عندي دين، أنا بس ساعدت مرتين وأنت ساعدتني اكتر، عشان كده ...
ختمت حديثها وهي تقترب منها ترفع كفه وهي ما تزال تنظر داخل عيونه بشر ولم تعلم هل تلومه على أحلامها وآمالها التي تحطمت، أم تلوم نفسها على شعورها بالأمل في حياة كحياتها.
أمسكت يده تفتحها وهي تدس بها الأموال تردف بهدوء :
_ شكرًا على البلورة بالمناسبة ذوقك حلو، وبكده بقى نكون فعلًا خالصين .
تركت يده ببطء وهو ما يزال ينظر لها بجمود، أما عنها فابتسمت بسمة صغيرة، تقول بجدية :
_ ابقى خلي بالك بس وأنت بتعامل غيرك متحاولش تظهر بصورة الأمير وأنت مش شبه الأمراء في شيء .
_ أنا عمري ما كنت أمير يا فروشكا، أنا طول عمري كنت الشرير، بس الواضح أنك كنتِ مستنية الأمير في حياتك لدرجة معرفتيش تميزيه صح .
ابتسمت له بسمة واسعة تخفي خلفها انكسارًا .
_ مين قالك اني شوفتك في يوم أمير ؟! مترسمش لنفسك صورة أنا محطتكش فيها، أنا لو في يوم هحلم بأمير مش هيكون أنت.
ختمت حديثها تتحرك بعيدًا عنه وهي ما تزال تنظر له، قبل أن تستدير وترحل بهدوء، جاءته بالأمل ورحلت بالخيبة .
وهو راقب رحيلها بغضب يتحدث دون وعي :
_ فروشكا .
توقفت ولم تستدر تسمعه يردد بصوت خرج منه خافتًا حتى شعرت أنه يتحدث لنفسه، وهو فقط نطق بقلق أن تُترك أمام مدفع قومها دون حصولها على مساعدة فقط لأجل كلماته الغبية وكلمات حاتم الحقيرة التي تصدح في رأسه :
_ لو ....لو في يوم احتاجتي أي شيء أو...مساعدة.. أنتِ عارفة طريق بيتنا .
ارتجفت شفاهها وهي تتحدث بجدية تستدير له نصف استدارة تبتسم له بسمة ضربته في منتصف صدره، حتى شعر بالاختناق وهي تهمس بجدية :
_ معتقدش إن هيكون فيه مقابل معايا وقتها، أنا عيشت سنين من غير مساعدتك.
صمتت ثم رددت ببساطة وهي تحرك كتفها مبتسمة له بسمة صغيرة بسيطة :
_ Na manvis in aishib baqi jiv heek yekun mashkal, delvi manvis law marra yanjhu.
"ولا أعتقد أن عيش باقي حياتي بنفس الشكل سيكون مشكلة، في الحقيقة اتمنى لو ينجحون ذات مرة ..."
ومن ثم اختفى آخر أثر لها، تاركة إياه يقف في منتصف الساحة يراقبها باختناق وقد شعر فجأة أنه ليس قادرًا على التنفس بشكل صحيح، يضغط على الأموال بين قبضته، رفع يده الأخرى يمسح وجهه وقد ارتجفت لثواني وهو يحاول تمالك نفسه .
هذا أفضل لهما، هو لا يرتضي أن يستغل حاجتها لشخص جوارها ويجذبها لظلمته، وهو لن يتمكن من منحها سوى مجرد شفقة وشعور حمائية تلقائي .
نظر للأموال بيده بحزن وكأنه يعتذر لصاحبتها على تصرفه بلؤمه، لكنه في النهاية استقر أن هذا أفضل لهما ...
أو هذا ما تمناه في الواقع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
توقفت أقدامه في منتصف الطريق يستند بكفيه على ركبتيه وهو مايزال يتنفس بصوت مرتفع، استيقظ منذ ساعات وقد كان ثقل يعلو صدره، لذا لجأ للشيء الوحيد الذي يريحه، الركض .
ركض بعيدًا عن المنزل وعن القرية، يركض صوب طرف القرية يتجنب الاصطدام بشخص يعكر صفو أفكاره في هذه اللحظة .
تنفس بصوت مرتفع وهو يتنفس براحة وقد كان صوت المياه المتحركة أمامه وصوت الطيور في المكان يجلب سكينة لصدره لم يتخيل يومًا أن يمتلكها .
جلس على صخرة أسفل إحدى الأشجار الوارفة على طرف البحيرة، يراقب المكان بعين غائمة قبل أن يسمع صوت رنين هاتفه .
رفع الهاتف أمام عيونه بهدوء وهو يبصر اسم والده ينير الشاشة، وها هي لحظة المواجهة حانت .
سارع بالرد على المكالمة وقد حاول بالفعل التواصل معه سابقًا ولم يفلح، حتى حينما توجهوا للقاهرة للتخلص من ذلك القذر عادل، أعادهم مسلم بسرعة بسبب ما أخبرتهم به نور .
_ السلام عليكم يا حاج .
_ أحمد ايه اللي حصـــــل ده ؟! اللي سمعته ده صح ؟!
أبعد أحمد الهاتف وقد كاد صراخ والده يصم آذانه وهو لا يلومه، بل يعطيه كامل الحق وقد تناسى الجميع في غمرة غضبهم بالأمس اخبار الجميع بما حدث .
_ اسمع بس يا بابا هشرحلك اللي حصل ...
_ تشــــرح ايه ؟! تشــــــرح ايه يا محترم ما أنا خلاص مبقاش ليا قيمة، بقيت طيشة في حياتكم، أختك تطلق ومعرفش غير من ورقة الطلاق اللي وصلت البيت، وأختك..... أختك نفسها فين يا استاذ أحمد يا محترم ؟؟
تنفس أحمد وهو يمسح وجهه يحاول التحدث بكلمة لكن صرخات والده لم تكن تتوقف، إذ أخذ يصرخ بجنون حتى شعر أنه سيصاب بالمرض في أي لحظة، ولم يعطه حتى فرصة التحدث، وجواره والدته تحاول التحدث معه وتهدئته، وهو مستمر بالصراخ :
_ دلوقتي تجيب اختك وتجيلي أما نشوف الهبل ده، و...
_ بابا نورهان مش هينفع ترجع دلوقتي القاهرة هي نفسيا اساسا مش جاهزة ترجع ولا تواجه .
_ أنت يا بني هتجنني، بقولك ارجع مع اختك وإلا والله يا أحمد لاجيلك أنا بنفسي، أنا خلاص جبت أخري منكم ومن تصرفاتكم، أنا تعبت منكم ومن كل اللي بتعملوه فيا و....
كان يصرخ ويصرخ وأحمد يستمع له وهو يضغط على عيونه يحاول أن يتدارك غضب والده، وصوت تنفسه هو ما يصدر منه مقابل صرخات والده .
فتح عيونه ينظر للسماء يحاول أن يتحدث بكلمة لشرح له ما حدث، لكن فجأة توقفت الكلمات في حلقه وغص بها حتى كاد يختنق وهو يبصر مشهدًا أمامه جعل وجهه يشتعل وعيونه تكاد تخرج من محاجرهما .
فجأة ومن العدم، وجد جسد يخرج من المياه أمامه لامرأة ترتدي ثوب أصفر ملتصق بجسدها وهي تصعد على درجات الجسر بعدما كانت تسبح بعيدًا عن أعين القوم، أو هذا ما كانت تظنه، قبل أن تبصر أحمد أمامها مباشرة وتصدح صرخة لها في أرجاء المكان بأكمله وكأنها للتو أبصرت وحشًا .
وأحمد تجمد ولم يستطع تحريك اصبع وهو يسمع صرخة والده على الجانب الآخر:
_ أحمد ايه الصـــــــوت ده ؟؟ أنت بتعمـــــــــل ايــــــــــه ؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
دخلت منزلها بخطوات مهرولة وقد كانت عيونها تحرقها من كبت بكائها، لا تلومه والله لا تفعل، فماذا كانت تتوقع من رجل لا تعرفه وهو لا يعرف عنها سوى أنها ابنة الرجل الذي سلبهم أرضهم .
والدها وابن عمها وعمها ورجال قومها، لم يمنحوها ذلك الأمان الذي تبحث عنه، لتتوقع الحصول عليه من غريب .
هل كانت تتوقع منه مساعدة أكثر مما قدم بالفعل ؟! هو كان من الكرم ليساعدها فيما سبق وساعدها به من الأساس، فلا تستطيع لومه .
بل تلوم نفسها لما فعلت بها، دفعت بنفسها صوبه بكل يأس، تبحث به عن منقذ لها من قومها، تبحث عنه عند شخص هو أبعد ما يكون عن منقذ أو فارس أو أمير، كان الشرير كما قال، الرجل الذي جاء ليدمر حياتهم أجمعين، لكنها لم تهتم .
دخلت غرفة جدتها التي كانت تجلس كعادتها على فراشها ترتشف من أشعة الشمس ما يعيد لبشرتها إشراقة وصحة، تمسك بين يديها مصحفًا تقرأ منها .
ورايانا فقط تحركت صوبها تصعد على الفراش دون كلمة تضع رأسها على فخذ جدتها بصمت تلعق جروحها بهدوء .
وجدتها ابتسمت تربت على رأسها تهمس بحب :
_ مين طفى شمسك يا رايانا ؟!
رفعت رايانا عيونها صوب جدتها وقد امتلئت بالدموع تجاهد لتكبتها بصعوبة :
- شمسي عمرها ما طلعت بيوم يا جدة لأجل ما تنطفي .
_ وشمس البارحة يا بنيتي ؟؟
نظرت لها رايانا بعدم فهم لتبتسم جدتها وهي تردد بصوت حنون وأمل :
_ أول ما شوفته، شوفت نورك يا رايانا .
هنا ولم تتمكن رايانا من كبت دموعها لتنفجر باكية، لا تدري السبب لكن خيبة الأمل كانت أكبر مما يمكنها التحمل :
_ نوري مطفي من يوم ولادتي يا جدتي، نوري مطفي ومعتقدش حد ممكن ينوره، هفضل في العتمة ليوم دفني، يمكن يكون قبري أحن عليا منهم.
ابتسمت الجدة وهي تداعب خصلاتها بلطف شديد :
_ طول عمري لما بشوفك في احلامي بشوف وشك منور، نورك موجود يا بنيتي محتاج اللي يضلل عليه زي الشمعة لأجل ما ينطفي، ومين يدري مش يمكن الأيد اللي بتضلل عليكِ تتمد ليكِ قريب ؟!
ابتسمت رايانا بسمة حزينة وكم تمنت لو كانت كلمات جدتها حقيقة، لو كان العالم يمثل وردية وإشراقة كلماتها.
لكنها لم تكن، جدتها كانت متفائلة طوال الوقت، هي ستظل في العتمة حتى تموت وقد أدركت ذلك منذ لحظة ولادتها .
صمتت وهي تغمض عيونها تستكين بين أحضان جدتها وقد سلمت أمرها لله، هي ستحيا كما كانت تحيا قبل وجوده، ستحيا لأجل البقاء بعقلها بين قومها .
وعلى ذكر قومها، فُتح الباب وسمعت صوت خطوات شيما تقترب من الفراش وهي تتساءل بخفوت :
_ رجعت ؟! كنت بدور عليها في كل مكان .
فتحت رايانا عيونها وهي تنظر لزوجة والدها، كانت الشخص الثاني الذي يعاملها بحنان في هذه الحياة بعد جدتها، المرأة التي لم يرزقها الله بطفل من صلبها، لتتخذ من الصغيرة المنبوذة طفلة تعوض بها حاجتها للأمومة .
_ خير يا شيما ؟!
كانت تتحدث بإرهاق وقد شعرت أن مواجهة الصباح استنفذت كل طاقتها، قبل أن تسمع صوت الأخيرة الذي خرج متردد بشدة وهي تهمس بصوت خافت :
_ رايانا ابوكِ طلب مني اساعدك تجهزي.
_ اجهز لايه ؟!
كانت كلمة تلقت عليها رصاصة بدلًا من ردًا وهي تسمع صوت شيما الذي خرج مختنقًا بغصة بكاء وضيق لأجلها، وقد شعرت أنها خسرت في الدفاع عن ابنتها التي لم تلدها.
_ عز الدين اقنع ابوكِ بعد اللي حصل امبارح أنه مينفعش يسيبك كده، و.....جايين بعد الضهر عشان كتب كتابك عليه ........
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"إنَّ الكلمةَ لتبكي بكاءً يُرى،
وإنَّ الحرفَ لَيَئِنُّ أنينًا يُسمَع!"
- الرافعيّ.
يتبع
لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇
اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇
❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺


0 تعليقات