Header Ads Widget

رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثاني بقلم الكاتبه آيه العربي حصريه وجديده

رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثاني بقلم الكاتبه آيه العربي حصريه وجديده 



رواية صياد النايا آل حانا الفصل الثاني بقلم الكاتبه آيه العربي حصريه وجديده 


 بسم الله ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم 

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُون فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِكَ وكُن مِنَ السَاجِدِينْ واِعْبُد رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينْ .


اللهم إنا نستودعك أهل غزة وكل فلسطين وأهل السودان وسائر بلاد المسلمين ، اللهم

كن لهم عونا اللهم إنا لا نملك لهم إلا الدعاء فانصرهم وثبتهم ووحد صفوفهم يارب العالمين 


الفصل الثاني من رواية ❤♡♡صيّاد النـايـا * آل حـانَـا *♡♡❤ بقلم آية العربي 


كعُمرٍ يَمُر بِمُرٍ فلا مَرَّ ولا مَرَّرَ الكِرام، كذَنْبٍ لا يُغْتفَر وقعَ فيه الغُلام، كعَيْن… لا تَنام، كحِلمٍ يُجاهد ليَسطع بين الظَلام، كألَمٍ مَلَّ من كَثْرةِ الآلامِ. 

أنا العَفيفُ ارتَدى ثَوْب الذَنبِ، وكُلما أتى الليل خَلعت ثَوْبي، فرَأتني النجوم على حَقيقتي، واعترف السُكون بأنني.. أُحبكِ بصدقٍ.. يا حَبيبتي. 

بقلم آية العربي 


❈-❈-❈


أنهى شرح محاضراته للتو، وخطى يسير في باحة الجامعة بخطوات ثابتة، يحمل حقيبته، ويرتدي نظارته، ويتحرك بثقة، وهو يدرك أن العيون تلتفت إليه،اعتاد ذلك ولكنه لا يفضل استغلال هذه النظرات،بل يضع كل واحدةً منهن في مكانة شقيقته ريم. 


حاولن الطالبات كثيرًا معه، ولكنه يلتزم بآداب مهنته التزامًا صارمًا جعلهن يتلهفن للحديث معه أكثر  . 


ربما وسامته وحفاظه على روتينه الرياضي كانا سببًا في انجذاب الطالبات إليه، ولهذا فهو اتخذ من الجدية والصرامة مبدأ يسير عليه طوال فترة عمله هنا. 


ولكن إحداهن تراه بعينٍ أخرى، ربما لأنها تفتقد في حياتها ما يملكه من مسؤولية وجدية محكمة الغلق على عاطفة مدخرة إلى أجلٍ مسمى، كلما رأته دقت السعادة جدران قلبها،وشعرت بأنه مخلصها، ولكنها تظل مقيدة بالخجل على عكس الأخروات اللاتي حاولن مرارًا التودد إليه. 


أما هي فتكتفي بنظراتٍ خافتة وحبٍ صامت يواري صرخاته واحتياجه عنه، تصرّح بها فقط مع نفسها عند الليل حينما تضع رأسها على الوسادة . 


توقف حينما نادته إحدى الفتيات لذا التفت يطالعها بجدية فابتسمت ونطقت بحجة واهية: 


- يادكتور نوح أنا مابجتش أفهم المحاضرة زين ولا اكتب الشرح، لو سمحت خلينا على الأجل نكمل الشرح أون لاين، كله بيعمل إكدة  ، بليز وافج . 


نظر لها قليلًا ثم ابتسم مجاملًا ونطق بمغزى : 


- بس أنا شرحت ووضحت كويس جدًا، لو إنتِ مافهمتيش كلامي تقدري تحضري محاضرات أون لاين مع دكتور تاني. 


زفرت سجود بنزق واسترسلت : 


- بس إنت دكتور المادة دي والمفروض تتابع ويانا ، حتى لو وجت المراچعات بس،يالا بجى يا دكتور نــــــــوح وافق مستقبلنا في خطر .


قالتها بدلال مفرط فتنفس ورفع رأسه ينظر للبعيد بضجر، فوقعت عينيه على مودّة التي كانت تتطالعه خلسةً وحينما لمحها هربت بنظراتها وتوترت وأسرعت تغادر مبتعدة عن مجرى بصره، لذا وقف يفكر سريعًا في أمرها واختلافها عن غيرها من البنات هنا ولينتبه مجددًا إلى سجود التي استرسلت بصياح مُلحة : 


- هاااا جولت إيه؟ أبلغ الدُفعة؟ 


زفر بقلة حيلة برغم أنه يمتلك صرامة الصعيد إلا أنه شعر بمسؤوليته تجاه طلابه لذا أومأ بقبول يجيبها : 


- ماشي يا سچود بلغي الدُفعة وأنا هظبط معاد واقولكم. 


صفقت بحماس نسبةً لنجاحها في إقناعه، بينما تحرك يغادر الجامعة وانشغل عقله بشقيقته، فهو لا يستطيع أن يخطو خطوة تجاه نفسه إلا بعدما يطمئن عليها، هي ليست شقيقته فقط وإنما ابنته التي تعهد أمام والده وهو على فراش الموت بأن يحافظ عليها ويؤمنها ويسلمها لرجلٍ أمين . 


مشاعره جدية نحو مودّة، وهو ذلك الرجل الذي إذا شعر بشيءٍ ما يقدم عليه بشجاعة، ولكنه مجبر بألا يتخذ خطوة نحو مستقبله إلا بعد الاطمئنان على شقيقته ريم  . 


غادر ووقفت سجود ابنة نجوى تطالعه وتتعهد لنفسها بأنها ستسعى وتجذبه إليها بأي طريقة،فهي لا تضمن الزواج من جابر كما ترغب والدتها،لذا عليها أن تؤمن نفسها برجلٍ تُحسد عليه . 


❈-❈-❈


كانت ريم في طريقها إلى مكتب مديرها معتز النعماني الذي طلب رؤيتها، ربما أراد أن تخبره بقبولها السفر معه لذا فهي تتجه إليه بملامح محبطة، طرقت الباب فسمح لها فدلفت توميء بترحاب فابتسم لها وتعمق في عينيها متسائلًا بترقب : 


- مالقتكيش چيتي تبلغيني عملتي إيه قولت ابعتلك، بس واضح كدة من ملامحك إن أخوكي ماوفقش. 


أومأت بخيبة تجيبه بقلة حيلة وهي تبتسم بمهنية  : 


- فعلًا يا مستر معتز ده اللي حصل، وأنا ماقدرش أخالف قراره حتى لو كنت بتمنى السفرية دي. 


تعمق فيها قليلًا ثم تساءل بهدوء نسبةً لحزنها : 


- تحبي اتكلم معاه؟ يمكن اعرف اقنعه! 


هزت رأسها بلا تجيبه بجدية : 


- لا يا مستر معتز، نوح مادام قال لاء يبقى لاء، معلش تتعوض. 


تنفس مطولًا وأردف بنبرة لطيفة: 


- تمام، وكدة كدة أنا هبقى مطمن على الشركة وانتِ فيها طول الأسبوع ده، فتحي عينك كويس يا ريم علشان كل ما هننجح أكتر ونتعاقد مع شركات أكتر كل ما المنافسين هيحاولوا يوقعونا زي المحاولة الأخيرة، لازم نفتح عنينا كويس أوي ومانسمحلهمش يهدوا اللي بنبنيه. 


أومأت بقناعة ونطقت بجدٍ وعزيمة امرأة صعيدية تمتلك عقلًا ذكيًا يغلبه قلبًا عطوفًا : 


- اطمن يافندم، أنا مفتحة عينية كويس أوي معاهم، ماحدش هيقدر علينا بإذن الله . 


أومأ مبتسمًا بإعجاب تجلى في نظراته فنطقت بجدية : 


- عن اذنك، أنا هروح أكمل شغلي . 


تحركت تغادر بعدما سمح لها، ليفرد ظهره على مقعده ويتنفس مبتسمًا ومتباهيًا بما وصل إليه من انجازات وتعاقدات مع شركات كبرى بفضل موظفيه وأهمهم ريم، فهي ورقته الرابحة التي يستهدفها منافسيه، تمتلك ذكاءً بارعًا في هذا المجال ومن حسن حظه أنه من نصيبه. 


لقد علم أمس بعودة جابر آل حانا من روسيا، وبالتأكيد ينتظر منه تحديات ومبارزات كثيرة، ولكنه على مدار أربع سنوات يعد نفسه لمحاربته، نجاح جابر وتفوقه في الجامعة آنذاك لن يشفع له ليلحق به الآن، لن يسمح بأن يسطع اسم جابر في هذا المجال وسيحاربه بالجنود الذين أعدهم لهذه المعركة،يكفيه ما أخذه منه في الماضي .... 


❈-❈-❈


في المقابر.. 


جاءت إليه كعادتها، جاءت لتتحدث معه وتشكي له ما يعتليها، فكلما شعرت بالوحدة والضيق زارته، كلما احتاجت للبوحِ بما يؤرقها استهدفت مقبرته  . 


دلفت تلقي دعاء دخول المقابر واتجهت تقف أمام قبره وتنظر له بحنانٍ كأنها تراه، حملت زجاجة مياة وبدأت تروي الورود المزهرة حول قبره، ثم جلست تملس بيدها عليه وتتساءل بقلبٍ مهموم : 


- عامل إيه ياخوي؟ عارفة إنك زعلان مني، بس غيابي عنيك مهواش بكيفي، كان نفسي ازفلك خبر موت اللي غدر بيك ونيمك إهنة بعيد عنينا، بس لسة في عمره بجية، لو الأمر بيدي كنت خلصت عليه من تاني ليلة بعدك يا غالي، ماتخدش على خاطرك مني يا حبيبي، سامحني يا مؤمن. 


لم تكن تبالغ في حديثها معه، فهو لم يكن مجرد أخٍ بالنسبة لها، بل كان أسطورة وقدوة، لم يكن يسمح لأحدهم أن يؤلمها بكلمةٍ واحدة، كان يتباهى بها في نجع الحوامدية خاصةً وباقي النجوع عامةً، هو بنفسه حسها على التعلم وتحدى جده في جعلها تلتحق بالجامعة وليتها لم تفعل، فربما لو لم تذهب إلى تلك الجامعة لكان اليوم بينهما، لذا فهي لم تكمل دراستها بعد السنة الثانية، وبعد أن رحل عنها تاركًا داخلها ندبة لا تلتئم أبدًا،والعجيب أنها رفضت الزواج رفضًا قاطعًا، وتعهدت أمام الجميع أن ليلة قتل عمار ستكون ليلة زفافها على أحد الراغبين في الزواج منها . 


تنفست بعمقٍ ثم استرسلت حديثها تقص له ما يحدث معها في القصر ولم تترك تفاصيل إلا وسردتها، تبتسم وتتجهم مع المواقف كأنه يجلس يستمع لها ،ولكنها تفتقد لعناقه لها حينما كان يحتويها ويغطيها بجلبابه الصعيدي فتشعر بدفءٍ لم تكن تظن أنه نعمة تلاشت من قلبها حتى تجمد واحترق كشمعة مضيئة داخل مكعب ثلجٍ تتنافى مع كل قوانين الفيزياء والطبيعة،لذا فهي لا ترتاح ولا تهدأ . 


❈-❈-❈


في شركة آل حانا للسياحة 


جلس مهران خلف مكتبه يريح ظهره ويغمض عينيه سابحًا في أفكاره، لو عاد الأمر له لاتخذ من مكتبه هذا منزلًا كي لا يعود إلى القصر، تنجح دومًا في استقطابه إلى علاقة متبادلة بالمشاعر ولكن هذه المشاعر تؤرقه بعدها، وكأنه يخلف وعده لنفسه بألا يحبها، عناده وصل لزروته فلن ولن يتخطى إجباره على الزواج منها ونظرة الانتصار التي التمعت في عيني عمه آنذاك . 


ذنبها الوحيد أنها ابنته، تحمل دمه، وبعض صفاته الابتزازية في التعاطف معه، ربما الفرق بينهما أنها صادقة وهو كاذب، ولكن هذا لا يشفع له ليتقبلها،فهو يكرهه منذ الصغر،ولن يزحزح أحدهم هذا الكره بل تركوه ينمو حتى جعل بينه وبينها سدًا منيعًا . 


طرق الباب فسمح للطارق بالدخول، ظنًا منه أنه شقيقه عمار لذا فُتح الباب وانتظر مهران أن يسمع صوتًا فلم يسمع لذا فتح عينيه ليتفاجأ بـ سميّة سكرتيرة مكتبه تقف تحدق به وتبتسم وحينما قطب جبينه مستفهمًا تحدثت مبررة : 


- سوري يا مستر مهران، كنت چاية أبلغك إن الفوچ السياحي هيتحركوا بكرة من الفندق ع الساعة 3،بس واضح إنك مچهد، تحب اطلبلك قهوة؟ 


تحمحم واعتدل في جلسته يجيبها بهدوء محيدًا أنظاره عنها : 


- لاء متشكر يا سُمية، چهزي نفسك بكرة إن شاء الله علشان تطلعي وياهم. 


تقدمت خطوة من مكتبه تتساءل باستفهام فضولي : 


- وانت؟ مش قولت إنك هتكون مع الفوچ ده علشان الشخصيات المهمة اللي فيه؟ 


زفر بقوة ثم أردف بتريث : 


- ححاول يا سمية، بس أني حاسس حالي مش مظبط ، بفكر ارتاح بكرة . 


تقدمت من المكتب أكثر وأظهرت اهتمامًا مبالغًا فيه تردف بنبرة متلهفة وعينيها تجوب على ملامحه : 


- قلتلك يا مستر مهران بلاش تضغط على نفسك أوي كدة في الشغل، إنت فعلًا محتاچ تفصل شوية، علشان كدة لازم تيچي معانا، صدقني هتغير جو وهتچدد طاقتك. 


رفع نظره يطالعها فأومأت له مبتسمة تغيريه بكلماتها مستطردة : 


- إنت عارف كويس رحلاتي شكلها إيه، هنروح أسوان بالمركب ونرچع بعد جولة ممتعة ، صدقني مش هتندم . 


دومًا تسعى سمية لفرد بساط الراحة أمامه، وهو المتعب عاطفيًا وفكريًا لذا تنجح في جعله يفكر في عروضها، وها هو يبتسم ويوميء مردفًا بهدوء : 


- سبيها بظروفها يا سمية. 


كادت أن تتحدث وتواصل إقناعه ولكن قطع حديثها طرقات الباب ودخول عمار الذي وجدها تلتصق بالمكتب لذا حدجها بنظرة غاضبة، فتحمحمت تبتعد وتستأذن مغادرة فهي لا تحب عمار ونظراته الحادة . 


غادرت وتركتهما ليردف عمار مشيرًا على أثرها : 


- مالها لازجة في المكتب إكدة؟ جلتلك جبل سابج حط حدود وياها يا مهران، أو مشيها ونشوف واحدة غيرها. 


هز مهران منكبيه يعترض قائلًا وهو ينفرد بأريحية : 


- نمشيها ليه عاد؟ واحدة شايفة شغلها زين وعارفة تتعامل مع السياح صُح، يبجى أمشيها ليه ؟ 


جلس عمار أمام شقيقه يحدق به قليلًا ليجيبه بمغزى : 


- هي من جهة بتعرف تتعامل فهي ذكية جوي في الحتة دي، علشان إكدة خد بالك ياخوي، مامرتاحش لتصرفاتها وياك، واخاف تفسر طريجتك معاها تفسير تاني. 


نهض مهران يستل جاكيته من فوق العليقة، وتحرك خارج المكتب يردف بنزق : 


- جوم يا عمار خلينا نروح، ولا تفسير تاني ولا تالت ماتخافش، أخوك ماعيكررش نفس الغلط مرتين  . 


زفر عمار ونهض يتبعه ويغادران سويًا بعدما انتهى عملهما،ولكنه يخشى أن يختار شقيقه اختيارٍ خاطيء نسبةً لعناده وعدم تقبله لمحبة نهاد ومحاولاتها إرضائه . 


❈-❈-❈


في قصر آل حامد 


أغلق يونس أحد كتب علم النفس الذي يقرأهم،فهو اعتاد إدارة أعمال أراضيهم من بعد الفجر حتى الحادية عشر،ثم يذهب للمسجد يصلي الظهر بالناس،ثم يعود للمنزل يتناول غداؤه ويجلس في غرفته إلى اقتراب موعد أذان العصر، وهذا هو روتينه الصباحي  . 


نظر في ساعته ليجدها الثانية مساءًا، فنهض يمدد عضلاته المتشنجة، ثم أطلق زفرة حادة وقرر أن يذهب ليرى والدته كما اعتاد قبل أن يتجه إلى المسجد الذي تولى إدارته بتعيين من وزارة الأوقاف،حيث دراسته الأزهرية . 


تحرك خارج غرفته وتقدم من الدرج ينزله بجسدٍ رشيقٍ وثبات ، ليرى والدته تجلس في البهوِ شاردةً، يشغل عقلها شيئًا ما  . 


جلس يتفحص شرودها، حتى أنها لم تنتبه له، لذا رفع يده يلوح بها أمام عينيها ويستفسر بترقب  : 


- الموضوع كنه كبير يا حاچة منصورة. 


التفتت تحدق به وابتسمت ثم تنهدت وقررت مشاركته ما يعتليها كما اعتادت ، خاصةً بعد زواج ابنتها يُسر ورحيلها من القصر إلى منزل زوجها . 


نطقت بنبرة خافتة خوفًا من أن يسمعها أحد : 


- أني حلمت عشية بخالك عبد الوهاب يا يونس، چاي وچهه حزين ومهموم، نفسي أشوفه يا ولدي، اتحرم عليا شوفته وشوفة عياله وإن رچلي تخطي النچع كله، بس حعمل إيه ، نار بعدهم عني ولا إن حد يتمس منيهم بأذى، أني خايفة جوي من أيوب وفرحة، مهماش حيسكتوا يا ولدي، لولا ستر ربنا كان زمان فرحة بيت أخوي اتجلبت لعزا، الحمدلله إنك لحجته . 


ربت يونس على كفها بحنانٍ بالغ ونطق بنبرة يشع منها الايمان : 


- يا حاچة منصورة ماتحمليش فوج طاجتك عاد، جولي يارب وربك بيدبرها بمعرفته، أني ماخبرش الحجيجة فين ولا حد خابر إيه اللي حُصل من خمس سنين وليه عمار عمل إكدة، بس اللي مكتوب ليه حاچة حيشوفها، وماحدش هيمنع الجدر، أيوب وفرحة نارهم ماحتبدرش غير لما ربنا يئذن، واللي حماه خمس سنين منيهم أكيد عنديه حكمة ماحدش فينا فاهمها زين، خلينا ناخد بالأسباب ونشوف الحكاية دي رايحة على فين، إنتِ بس جولي يارب واتحدتي مع أبوي واجعدو ويّا چدي وشيعوا للكبار يدخلوا، والموضوع يتحل من غير دم، أكيد فيه مخرچ من الحكاية دي. 


أومأت بقناعة وتنفست بعمقٍ ثم استرسلت : 


- حعمل إكدة يا ولدي، بس إنت أمانة عليك حاول تجنع أيوب وتكلمه تاني وتالت،خدو وياك الچامع وعرفه إن دم عمار هيبجى ذنب في رجبته لو طلع مظلوم .


أومأ وشرد قليلًا يفكر،الأمر ليس هينًا،ومن يصب الوقود على نيران أيوب هي شقيقته فرحة، فإن حاول إقناعه هدمت محاولاته بكلماتها المسمومة التي تبثها لأخيها دومًا، ولكنه لن ييأس وسيحاول بالقدر المستطاع . 


زفر ونظر في ساعة يده مجددًا، ليجد الوقت قارب على موعد أذان العصر، لذا نهض وأردف وهو يستعد للخروج : 


- خير إن شاء الله يا حاچة منصورة، أني حطلع دلوك ع الچامع علشان العصر جرب، ولو أيوب چه خليه يحصلني . 


- ربنا معاك يا ولدي ويعمر جلبك بطاعته كمان وكمان . 


أمّن خلفها وتحرك متجهًا إلى مسجد النجع، وجلست هي تدعو ربها بألا يحدث مالا تحمد عقباه، منذ خمس سنوات وهي تضع يدها على قلبها تخشى أن يُقتل ابن شقيقها في أي لحظة ويتحول ثأر الدم إلى سلسال لا ينتهي. 


لمحت فرحة تدخل من باب القصر وترتدي جلبابها الأسود وحجابها المشابه فنادتها تردف بهدوء وقلبٍ قلقًا منها برغم حبها لها  : 


- تعالي يا فرحة. 


نظرت لها وأجبرت على التوجه نحوها، كانت تكن لها احترامًا وحبًا كبيرًا ظنت أنه لن يتزعزع، خاصةً وأن منصورة هي من تكفلت برعايتهم والاهتمام بهم منذ موت والديهم، ولكن بعدما قتل عمار شقيقها أدركت أن منصورة لا شيء تخشاه سوى أخذ الثأر من عائلتها، أظهرت وجهها الحقيقي واتضح في أي جهة يميل قلبها لذا حملت ضغينة نحوها لا تظهر سوى من خلال عينيها  . 


وتقرأها منصورة جيدًا لذا تجاهلت نظراتها وأردفت حينما وقفت فرحة أمامها تنتظر حديثها  : 


- اجعدي يابتي، هتحدتت وياكي كلمتين. 


زفرت فرحة وجلست تجاورها بتجهم، فتتابعت تتساءل  : 


- إنتِ كنتِ في المجابر؟ 


أومأت ونطقت بمغزى ونظرات ثاقبة  : 


- أيوة يا مرت عمي، كنت بزور أخوي مؤمن، فكراه؟ 


لامتها بنظراتها ونطقت بنبرة لينة وهي تميل عليها بتودد : 


- لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، وهو مؤمن يتنسي يابنتي؟ إنتِ خابرة زين أنه كان عندي كيف يونس ولدي  . 


صاحت فرحة بقهرٍ تهز رأسها وتردف استنكارًا  : 


- لاء يا مرت عمي مهواش كيف يونس، لو كان كيف مابتجولي كنتِ انتِ بنفسك خلصتي على ولد اخوكي وجتها، بس انتِ حمتيه منينا، مع إن جتله ده عدل ربنا. 


تحلت منصورة بالهدوء التام ولم تظهر غضبها من كلمات فرحة بل نطقت بتروٍ  : 


- أني مش هتناجش معاكي في اللي ولد أخوي يستحجه يابتي، ربنا وحده اللي يشهد ويحكم في الجضية دي، أني بس رايدة أنك تفكري زين لأجل ماتندميش بعد إكدة، أيوب مهواش عاجل وانتِ خابرة زين إنه مندفع وعصبي وطباعه دي ممكن لا سمح الله تحرج العيلتين، نارك مش هتبرد لو حُصله حاچة، ومش إنتِ شيفاني خايفة على ولد أخوي! بس الحجيجة واللي أني متوكدة منيه إن لو عمار صابه حاچة عيلتنا ماحتستناش ساعة واحدة وهياخدوا بتاره، ووجتها هتجولي ياريتني سمعت حديت منصورة. 


جعلتها تتخبط وشردت تفكر في اليوم التالي للانتقام، لذا هزت رأسها تنفض أي فكرةٍ تعطلها عن ثأرها ونهضت تردف بحدة لتكمم صوت عقلها : 


- ريحي بالك يا مرت عمي، كيف ما جولتي، ربك هو اللي يحكم في الجضية دي، عن اذنك. 


تحركت تغادر مندفعة نحو المطبخ وتاركة خلفها منصورة تطالعها بنظرات يائسة من عودة فرحة السابقة التي كانت تنثر بهجتها وضحكتها في القصر،فهي محبوبة، خاصةً بطباعها الجريئة وكلماتها الثاقبة دون تجمل أو مبالغة،ورحمتها التي كانت ترتدي رداء القوة،ويراها كل سكان النچع حتى النمل في جحوره، ولكنها قتلتها منذ ذلك اليوم، وغمست قلبها في النار والدم حتى تشبع بالقسوة . 


❈-❈-❈


بعد أيامٍ


في قصر آل حانا 


وبعد تناولهم لوجبة الغداء 


جلسوا جميعهم في مندرة القصر بعدما ناداهم والدهم ليتحدث معهم، نظر لزوجته التي تحسه على الحديث فنطق بنبرة ثابتة مترقبًا بنظراته ردود أفعالهم  : 


- خلاص إكدة يا چابر إنت حتفتح شركتك جريب والأمور تمام، خلونا نفرح بجى ونچوزك إنت وعمار. 


تجهمت تعابير وجه عمار، لم يكف والده عن هذا الأمر، يكرره دومًا عنوةً عنه لذا نطق بضيق : 


- يا أبوي أني جولتلك جبل سابج ماريدش اتچوز واصل، أني مرتاح إكدة. 


نطقت صابحة مستنكرة : 


- وه؟ كيف عاد يا عمار؟ جولت مش رايد دلوك وجولنا نستنى لما أخوك يرچع من السفر ونعملكوا ليلة كبيرة سوا، يعني ايه مارايدش تتچوز؟ هو فيه إكدة يا ولدي؟ 


نظر لوالدته باستغراب ورفع يده يشير على الحراس ويصيح بقهرٍ مستنكرًا  : 


- واللي هناك دول ايه يا أمي؟ بجالي خمس سنين ماشي بيهم وماعتحركش خطوة من غيرهم وشايل روحي على كف عفريت، رايدني اتچوز واظلم بنت الناس معايا؟ أخلف عيال ويتيتموا؟ أني اكدة مرتـــــــــــاح . 


نطق عبد الوهاب بنوعٍ من الحكمة المبطنة بالحزن على حاله : 


- مابتتحسبش إكدة يا ولدي، الأعمار بيد الله وماحدش فينا ضامن عمره، الموت ماعيرفجش بين راچل عليه تار وراچل تاني محداهوش مشاكل مع حد ، شوف حياتك وافرح واتچوز وعيش وطلع نفسك من الحالة المغفلجة دي . 


نطق جابر يؤيد كلام والده عن شقيقه بنبرة ممتعضة : 


- أبوك معاه حج يا عمار، شوف نفسك يا اخوي، وبعدين ماحدش يجدر يجرب عليك من الحنانوة، اللي هيجرب هندفنه مطرحه، بزيادة اللي المحروج مؤمن عمله زمان، اسمع كلام أبوك هو أكيد مختارلك عروسة زينة. 


أومأ عبد الوهاب يستطرد بهيمنة : 


- ولاء بت عمك. 


- يا زين ماختارت يا حاچ. 


قالها جابر مرحبًا حيث أنه يكن لعمه حسنين حبًا كبيرًا له ولأولاده ليتابع عبد الوهاب قاطعًا حبل بهجته : 


- وانت يا چابر عتتجوز سچود بت عمتك نچوى . 


- نچوى مين يابوي؟ ولا نچوى ولا فضيحة أني ماعتجوزش غير اللي جلبي يريدها. 


نطقها جابر منتفظًا فحدجه والده بنظرة محذرة بألا ينفلت لسانه، بينما صاح مهران الذي يجلس مجاورًا لزوجته يستمع بصمت إلا أن فاض متألمًا : 


- ماتچبرهمش على چوازة مش رايدينها يا حاچ، سيبهم يختارو هما،ده چواز ولازما يكونوا مرتاحين . 


نظر عبد الوهاب لإبنه وفهم مغزى حديثه وفهمت نهاد أيضًا لذا تعالت وتيرة أنفاسها بحزنٍ ولفت وجهها عنهم ونظرت إلى نوارة التي ابتسمت لها كمأزرة والتزمت الصمت شاعرةً بالخمول كعادتها مؤخرًا، بينما نطقت صابحة معترضة : 


- لو عمار مش رايد ولاء  مش مشكلة ، يشاور بس على اللي جلبه يميل لها وأني هروح من بكرة أطلبهاله، بس چابر لاء، أبوك معاه حج يا مهران، الواد ده حيتعبنا وياه، لو سبناه يختار اللي جلبه رايدها يبجى الجصر هيتملي علينا صبايا، ده جلبه كيف حبة الرمان مدكن كَتير جوي . 


نظر عبد الوهاب ومهران إلى جابر وضحكا فهي محقة في ذلك لينطق الأخير متباهيًا : 


- وهو فيه أحلى ولا أفيَد من الرمان يا صبوحة؟ أني مش طالب كتير، هما اربعة بس كيف ما الشرع حلل،واديني أهو حفتح شركتي والخير هيبجى كتير،طب عليا النعمة أني اللي حسعد جلبكم عن ولادهم الحزانة دول  . 


قالها يشير على أشقائه الذين يباغتوه بحذرٍ، بينما استرسل عبد الوهاب متجاهلًا مزاح جابر وموجهًا حديثه إلى عمار المتجهم : 


- كيف ما أمك جالت يا عمار، لو مش رايد ولاء جول يا ولدي، لكن موضوع إنك ماعتتچوزش واصل ده مهواش عندينا، فكر زين وعرفني جرارك . 


هو لن يجبره على ابنة شقيقه ولاء، لأنه يدرك طباعها المتناقضة مع شقيقتها نهاد، لذا سيجعله يقرر ويختار ولكن يكفيه أن يقبل بالزواج  . 


أثناء ترقبه لجواب ابنه اقتحمت نجوى مجلسهم بشكلٍ مفاجيء كعادتها، فقد اعتادت أن تأتي من منزلها بشكلٍ يومي إلى قصر شقيقها لتستمتع بالراحة ولتتلصص على الأخبار ولتنثر خبثها وشرها الذي ستحقق به رغبتها ، لتصيح بعلو بعدما استمعت إلى كلام شقيقها الأخير : 


- مين ده اللي ماعيتجوزش؟ عمار؟ كيف يا أخوي؟ 


نطقتها وهي تصعد إليهم وتجاورهم بتطفل، ليزفر عمار بضيق لذا نهض يتحرك للداخل مبتعدًا عن هذا الحديث الخانق، بينما نطقت صابحة بحدة قاطعة عنها التدخل وهي تشير بيديها وأصوات أساورها تصدح رنانة  : 


- مالكيش صالح يا نچوى، خليكي في اللي إنتِ چاية عشانه . 


نظرت لها نظرة حقدٍ سريعة، ثم نظرت لشقيقها عله يوقفها ولكنه لم يفعل لذا ضحكت ضحكة صفراء وأردفت وهي توزع نظراتها بين جابر ونوارة : 


- صُح يا مرت أخوي،خليني في اللي چاية علشانه ، أني جولت مادام چابر رچع يبجى آچي ونتحدت عن موضوع سچود وچابر وراضي ونوارة . 


ارتعشت نوارة كأن هاجمها وحشًا واستباح جسدها فجأة،وتعلقت نظراتها بوالدها ليرفض حديثها من أساسه ، بينما نطق جابر باستنكار ولا مبالاة : 


- خير يا عمة؟ هو أني طولت جوي إكدة في روسيا والعادات اتغيرت إهنة ولا ايه؟ مش كان الراچل هو اللي بيطلب يد البنية؟ عتجوزيني لبتك غصب؟ 


شهقت وتعالت نبرتها وهي تشكي لأخيها وتشير عليه قائلة : 


- عاچبك حديت ولدك الماسخ ده يا عبد الوهاب ؟ هو أني چاية أرمي بتي؟ ماتجوله ان ده كان حديتك ليا وهو مسافر . 


زفر عبد الوهاب وأردف محذرًا ابنه : 


- حتجعد محترم ولا تجوم وتسيبنا نتحدت؟ 


احترم جابر كلمات والده ولكنه لن يقبل بها ولن يصبح نسخةً من مهران الذي يجلس ويحتسي شايه ويستمع بصمت كأنه اعتاد ، بينما استطرد عبد الوهاب بهيمنة : 


- دلوك يا نچوى إحنا اتحدتنا صُح، وجلتلك لما چابر يرچع هنجوله، وافج وافج ماوفجش يبجى خلاص، وبالنسبة لموضوع راضي أني سألت بتي وهي مش موافجة . 


استنكرت نجوى قائلة بهجوم جعلها تجلس على ركبتيها وتظهر قلة حيلتها في عينين يختفي وراءهما الشر المأجج : 


- معناته ايه الحديت ده ياخوي؟ وانت كلمتك فين؟ 


هناك شيئًا ما يحاك في عقل عبد الوهاب لا يدركه أحدًا، لذا زفر يجيبها بهدوء شديد يخفي وراء أسواره الكثير :


- أني جد كلمتي وفتحت معاهم الموضوع كيف ما جولتلك،غير إكدة مافيش حاچة اعملها واصل،هما رافضين،عايزاني أغصبهم ولا اضربهم يا نچوى؟


لم تستطع إخفاء وجومها كالعادة لذا نهضت تحدجهم بنظراتٍ حادة ثم نطقت مجبرة بنبرة تبدو متقبلة لقراره  : 


- اللي تشوفه يا أخوي، فوتكم بعافية دلوك  . 


اندفعت تغادر من حيث أتت وتركت نوارة تسرع نحو والدها تعانقه أمامهم قائلة بارتياح  :


- ربنا يخليك ليا يا ابوي،أني كنت خايفة تغصب عليا صُح.


ربت على ظهرها بحنانٍ ونطق مؤكدًا :


- عمري ماغصب عليكي حاچة يا جلب أبوكي.


نطقها بعفوية تحت أنظار نهاد التي تغار من علاقتهما كأبٍ وابنته غيرة لا تؤذي سواها ، وعادت تتذكر قسوة والدها معها وتتألم داخلها، لا تتذكر أنه عانقها ولو لمرةٍ واحدةٍ ، قطع حزنها بكاء صغيرها الذي ينام على ساقيّ جدته التي قالت وهي تهدهده :


- جومي يا نهاد يابتي رضعيه،دلوك چاع يا حبة عيني.


أومأت ونهضت تحمله منها وتحركت داخل القصر مبتعدة عنهم وتبعتها نوارة بسعادة توغلتها بعد حالةٍ لا تحبها.


بينما نظر مهران لوالده نظرة عتابٍ صامتة يتساءل، إذًا لماذا أجبرتي أنا على هذه الزيجة؟ لماذا وجب علي أن أقبل بنهاد زوجة ولم يختارها قلبي؟ لماذا يا أبي؟ هل تختبر قوة حبي لك؟ هل استغليت هذا الحب بينما لم تستطع إجبار أيًّا من أشقائي على فعلها؟


نهض بعدها يخفي أفكاره وحزنه ومعاناته ويردف :


- عن اذنكوا هطلع أريح شوية .


تحرك للداخل وتركهم، بينما نطق جابر الذي أعلن هاتفه عن رسالة نصية وفتحها يقرأها وهو ينهض قائلًا :


- واني كمان ورايا شغل كَتير مع الرچالة، يالا سلام .


غادر هو أيضًا وبقى عبد الوهاب وصابحة تطالعه وتوميء له رابتة على كفه وداعمة أبدية له في جميع قراراته،برغم القلق الذي يلتهما على أولادها  . 


❈-❈-❈


استغل انشغالهم وظنهم بأنه دخل القصر، والحقيقة أنه تحرك بخفةٍ من الباب الخلفي، يريد أن ينفرد بنفسه بعيدًا عن الحرس، خاصة بعد حديث والداه معه عن الزواج. 


لأول مرة يتمنى لو أنهم بالفعل ينهوا عذابه ويقتلوه، باتت الحياة عبئًا ثقيلًا عليه، ما الفائدة من حياةٍ كهذه؟ 


استطاع أن يُفلت من عيون الحراس، وتحرك يخطو بين الأراضي الزراعية بيأسٍ يداهم قلبه، وكأن الموت يناديه، حقًا يتمناه لذا رفع رأسه إلى السماء ونطق برجاءٍ يناجي ربه : 


- هونها عليا يارب، مابجتش جادر اتحمل الحياة دي، خلصني يارب . 


زفر بقوة وأنزل رأسه وعاد يكمل طريقه تاركًا الهواء يصفعه ومبتعدًا بالقدر المستطاع عن عيون الجميع . 


في هذه الآونة اعتادت فرحة أن تنزل أراضيهم لتجمع بنفسها حبات الرمان، تعرف جيدًا الثمرة الجيدة من الفاسدة، فكلما ثقل وزن الرمانة كلما كانت جيدة، وهي عاشقة لهذه الفاكهة، لذا تحركت بمفردها بين طرقات مساحتهم الخضراء ومعها سلتها، تتنفس الهواء العليل الذي يشعرها دومًا بالراحة، تلك الراحة التي تحصل عليها لمدة ساعة في يومها، ولمدة ثلاثة أشهر في العام موعد حصاد الرمان فقط. 


أما عمار؛ فقد امتدت قدميه إلى الأراضي المحرمة حيث تجاوز نجع آل حامد، ظاهريًا ينكر أنه خطى بقدمه إلى هنا ولكن داخله يعلم، بل ويريد أن يتقدم، شيئًا ما يجذبه إلى هنا، هل حقًا الموت يناديه؟ 


كانت قد وصلت إلى شجر الرمان ووقفت تجمع الحبات التي تريدها ولكنها لمحت غريبًا يأتي من بعيد لذا تأهبت وقبضت على خنجرها الذي يلازمها دومًا، وتساءلت بعلوٍ ولم تحدد ملامحه بعد : 


- مين هناك ؟ 


توقف عمار مكانه، وظل يحدق بها من بعيد، في بادئ الأمر ظنها فتاة عادية تجمع الثمار، ولكن حينما دقق النظر تأكد أنها فرحة آل حامد، لذا شعر لا إراديًا بنبضاته تركض، كأنها تحسه على الهرب ولكنه متسمرًا مكانه، لم يجِبها بل ينظر من بعيد ويراها تقترب . 


تُعرف بالجسارة، لا تهاب أحد، ورثت طباعها هذه من عائلتها، لذا تحركت نحوه بشراسة وظنته لصًا، ولكن حينما باتت على بعد عشرون قدمًا منه تجمدت، رأته وعلمت من هو لذا صدمتها ثبتتها مكانها تنطق بعدم تصديق وحجوظ مقلتين يشبهان نجمًا براقًا : 


- إنت؟ 


وقف يحدق بها، وتبادلا النظرات لمدة لا تتجاوز الدقيقة، حتى وجدها ترفع خنجرها وتركض نحوه كأنها نالت فرصة عظيمة، وحينما اقتربت منه وظنت أنها ستغرزه في قلبه وجدته يقبض على كفها ويتحكم بقبضة فولاذية بيدها برغم محاولاتها الشرسة، إلا أنه منعها فصاحت تدفعه بيدها الأخرى قائلة : 


- هجتلك يا عمار يا ابن الحنانوة، هجتلك وحاخد تار أخويا منيك الليلة. 


منذ قليل كان يتمنى الموت، ولكن حينما جاؤه الموت بات متلهفًا للنجاة، وهذه هي حقيقة الانسان، غريزة البقاء تجبره على النجاة مهما تمنى الموت . 


كانت مندفعة وعادت تحاول قتله وتتحرك بغلظة، إلا أنه ظل ثابتًا يمنعها من استهداف قلبه، ولم يتحدث بكلمة بل فقط بنظراته نحوها،وتفحصه لعينيها ، تبادلها هي بأخرى كارهة، لذا أُجبر على دفعها ونزع الخنجر منها،فابتعدت وكادت أن تسقط لولا عزيمتها المختلطة بالغضب والغل، وقفت أمامه تنظر لخنجرها في يده وترفع سبابتها متوعدة : 


- هجتلك بإيديا دول، هجتلك يا عمار لو آخر يوم في عمري . 


انحنت بغضبٍ عاصف تلتقط حبة من الرمان الهشة والملقية أرضًا، ونهضت تعصرها بين كفها وتصيح بغلٍ صريح : 


- دمك حيتصفى في يدي كيف الرمانة دي، وده وعد من فرحة بنت الحوامدية اللي إنت جتلت أخوها وضيعت فرحتها . 


نظر لعصير الرمان المتساقط من بين أصابعها والذي يشبه الدمِ، ثم عاد ينظر لها بصمتٍ كأنه فقد النطق، شيئًا ما بداخله مستمتعًا بشراستها هذه وكأنها تقدم عرضًا مسرحيًا أمامه ولا تهدده، ليأتي صوت شقيقه مهران من خلفه يلهث صارخًا : 


- عمــــــــــار . 


التفت ينظر لشقيقه الذي لحق به حينما لم يجده، ثم عاد يطالعها وأخيرا تحرك لسانه ينطق متوعدًا قبل أن يغادر : 


- ومن دلوك لحد ما تجتليني خنجرك هيبجى معايا يا بنت الحوامدية . 


حدجها بتحدٍ سافر ثم التفت يتحرك أمام أنظارها وعجزها في الانتقام منه، فها هو أمام عينيها دون حراسة، ولكن كيف تفعلها وقد سلب منها خنجرها كما سلب روح شقيقها؟ 


❈-❈-❈


جلس في غرفته يقرأ المعلومات التي أرسلها له أحد أصدقائه، يدقق ويتفحص ، وبنظرة وخبرة درسها في بلد الجليد، استطاع تحديد أهم الشخصيات التي تعمل في شركة منافسه وعدوه اللدود معتز النعماني، وهي ريم البسيوني، لم يقف عند حُسنها فقط بل شغله ذكائها، خاصةً بعدما قرأ ما فعلته مؤخرًا لأجل الشركة، لذا ابتسم ونطق بنظرة لعوب  : 


- كَتيرة عليك دي جوي يا ابن النعماني، متستاهلهاش واصل  . 


استكمل بحثه عنها وشرع يعبث بحاسوبه ليتفحص مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها، وبعد وقتٍ ليس بكثير رفع هاتفه يهاتف أحدهم ليردف بعدما أجاب الآخر  : 


- اسمع زين اللي حجولهولك ونفذه بالحرف الواحد، ماعيزش أي غلطة  . 


❈-❈-❈


يأتي الليل وينسحب كلٍ منهما إلى ملكوته الخاص به، ولكن نوارة حالتها مختلفة ، لم تعد تفضل الجلوس معهم، ولم تعد تشعر بالراحة حتى وهي معتزلة في غرفتها،لذا عادةً ما تفضل الهروب بالنوم  . 


لم يمر على غفوتها خمس دقائق حتى شعرت بثقل يعتليها ويقيد حركتها، لم تستطع حتى أن تتحرك وكأنها مقيدة بقيودٍ صلدة حول الفراش، أنفاسها بدأت تتباطأ، تحاول سحب الأوكسجين الذي بات يشبه الأثقال، وعجز صدرها عن سحبه، شيئًا ما يقترب منها حتى باتت تشعر بأنفاسه على وجهها لذا فتحت عينيها ببطءٍ وخوف وحينما توهمت بملامح وجهٍ شيطاني صرخت بعلوٍ وانتفضت ترتعش وأسرعت تميل قليلًا لتشعل إضاءة الغرفة فلم تجد شيء . 


ثوانٍ مرت واقتحم والدها غرفتها متلهفًا يرنو منها ويتساءل بحنانٍ بالغ  : 


- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، خير يابتي؟ كابوس ولا إيه؟ 


جلس مقابلها فأسرعت ترتمي في حضنه، تبكي وتلف ذراعيها حوله بقوة متشبثة فيه تشكي بنحيب  : 


- حتى النوم يابوي، حتى النوم بجى كَتير عليا. 


هدهدها وبدأ يتلو أيات القرآن الكريم على رأسها فشعرت بثقل ورفعت كفها تكمم فمه وتمنعه من استكمال قراءته فصدم من فعلتها واستمع إلى شكوكه، لذا صمت وعاد يملس على خصلاتها قائلًا باستفسار  : 


- احكيلي يابتي اللي حُصل. 


أبعدت كفيها عن فمه وابتعدت تطالعه بعيون تائهة، لتسمع همس يستهدف أذنها فقط ويهددها بألا تبوح له وتخبره ما يحدث معها لذا ابتسمت تردف بنبرة جعلتها طبيعية  : 


- كابوس يا بوي، ماتخافش عليا حبجى زينة. 


تفحصها بشكٍ ثم تساءل مباشرةً: 


- أومال ليه كتمتي حنكي  ؟ 


نظرت له بريبة تصارع شيئًا ما داخلها ثم هزت رأسها تجيبه  : 


- ماخبراش ، بس لما بتقرأ چنب ودني بتوچعني وبحس براسي تَجيلة. 


أومأ لها بتفهم وابتسم حتى لا يخيفها، ولكنه نهض بقلبٍ منفطر يحدق بها قائلًا  : 


-ماتجلجيش، بكرة إن شاء الله نطلع ع المدينة ونكشف عليكي ونطمنوا زين، ممكن يكون ده بسبب التفكير الكَتير والجاعدة ع النت بردك. 


ابتسمت تجيبه وهي تعتدل في فراشها وقد بدأت تستعيد طبيعتها : 


- بس أني جاعدتي ع النت للمذاكرة يا بوي ومحاضراتي، مهياش رفاهية يعني. 


أردف مؤكدًا  : 


- بردك بتتعبك، لو تحبي تجومي تجعدي برا وتشمي شوية هوا في الجنينة، وتعمليلنا اتنين جهوة سادة، يا سلاااام، هتبجي زي الرهوان. 


رحبت بفكرته كثيرًا فهي لا تريد البقاء بمفردها، ليتها لا تدخل غرفتها أبدًا،وليتها لا تختلط بالبشرٍ قط ،حقًا لم تعد تعلم ماذا تريد، لذا ترجلت تبتسم وتجيبه مراوغة لحالتها : 


- عينيا الچوز، واني بديك الساعة لما أشرب جهوتي مع الحاچ عبد الوهاب بنفسه، بس يارب الحاچة صابحة ماتجفشناش. 


قالتها وضحكت فتبعها يصفع رأسها بخفة ويجيبها مشاكسًا بمرح وهو يضع ذراعه حول كتفها ويسحبها معه للخارج : 


- وهو فيه أچمل من غيرة الحاچة صابحة عليا! داني بفكر اتچوز مرة كمان علشان أشوف غيرتها صوح . 


ضحكت نوارة وهي تتجه معه نحو المطبخ وأردفت بتأكيد  : 


- إكدة ماهياش غيرة يا أبوي، إنت كدة رايد تجلبها حريجة في الجصر كله، امي ماعتهزرش فى الموضوع ده بالذات. 


أومأ متباهيًا بحب زوجته له ليجيبها بحبٍ متبادل  : 


- وهو أني أجدر أكسر جلبها بردك، وبعدين لو لفيت الدنيا كلها مالجيش زي صابحة وعيون صابحة وضحكة صابحة، دي ست الستات . 


غزله في زوجته جعل ابنته تشعر بالسعادة وبالراحة والألفة، لم تتذكر يومًا أن والدها أهان والدتها أمامها، أو عنفها، في كل مرة يظهر حبه لها دون قيودٍ أو خوفٍ من مجتمعه الذي يخشى إظهار الحب فيقع في شباك الضعف والاستهزاء من الأخرين، لذا فهو أتخذ من نفسه قدوةً ليوضح لهم أن التعبير عن حب الزوجة الجيدة لا ينقص من رجولته شيء  . 


❈-❈-❈


في غرفة مهران ليلًا .


ينام كلٍ منهما على طرفي الفراش،يواليها ظهره وهي كذلك،يفكر في حياته وهي كذلك،كلماته اليوم لوالده لم تمر عليها مرور الكرام،خاصةً حينما تدمجها مع أفعاله ومعاملته معها،عينيها تبكي حرقةً ولم تعد تعلم ماذا تفعل وكيف تجعله يحبها ويتقبلها كزوجة،تشعر أن قلبها سيخرج من مكانه نسبةً للأحزان المتتالية التي تعيشها.


التفتت تقابل ظهره وتنظر له لبرهة،أيعقل ألا يكون قد أحبها حتى لو بمقدارٍ صغير؟


هذا السؤال جعلها تحرك يدها وتربت على ظهره تناديه بهمس قائلة  :


- مهران؟


اعتصر عينيه فهو يستمع لصوت نهنهتها ولم يجد لديه كلمات تناسبها لذا ظل كما هو ولكنها تناديه،يعلم أنها ستبدأ سرد أحزانها وذكر سيرة والدها وشقيقيها وهذا ما لا يريده لذا زفر وأردف بنبرة خافتة  :


- أني عايز أنام يا نهاد،ورايا شغل كَتير بكرة ومحتاچ ارتاح.


تألمت بشكلٍ مضاعف ولكنها قررت ألا تصمت لذا باحت  :


- ماحترتاحِش يا مهران،لا انا ولا انت حنرتاح طول مابنتچاهل وچعنا إكدة،حتفضل تهرب مني لحد إمتى؟ معجول طول الوقت ده ماحبتنيش واصل؟ مافيش أي مشاعر چواك اتحركت علشاني؟


أُجبر على أن يلتفت ويواجهها وحينما اصطدم بعينيها انعقد لسانه،هو يسعى ألا يجرحها ولكنه لا يدرك أن صمته وتجاهله أشد حدةً من كلماته لذا استرسلت بنبرة مترجية  :


- ساكت ليه عاد؟ طلع اللي چواك،محبتنيش واصل؟مش جادر تنسى إنهم چوزوك غصب؟


زفر مطولًا وآلمه ضميره لما تمر به لذا تحمحم يردف بخفوت  :


- وهو أني لو ماحبتكيش حخلف منك كيف؟كل مافي الأمر إني نفسي تشوفي حالك وتهملي كل اللي بتفكري فيه دي،هونيها على حالك يا بنت الناس.


هزت رأسها تتساءل بحرقة  :


- أهونها كيف يا مهران؟ بيجوله اللي أهلها كارهينا چوزها ماعيشيلهاش من أرضها، أهونها كيف على حالي وانت علطول مش معبرني ولا مهتم بيا؟ ومش بلومك لإني خابرة زين إن الغلطة غلطة أبوي واخواتي،بس أني ماليش ذنب يا مهران،أني بحبك جوي ولما جالو إننا نتچوز حسيت إن ربنا بيچبر خاطري فيك، ماتبجاش زيهم وتجسى عليا أنت كمان، هما السبب في حالتي دي وهما اللي وصلوني لِكْدة ، چرب تساعدني يا مهران يمكن اجدر اتخطى الوچع اللي چوايا وابجى الست اللي إنت عايزها صُوح. 


أطال النظر إليها يفكر هل حقًا يجب أن يساعدها؟ ولكن ماذا إن فعل؟ هل سيصبح مجبرًا على حبها؟ ويغض الطرف عن كرهه لعمه وإجباره عليها  ؟ هل يستطيع أن يفعل؟ أم أنه لا يريد؟ 


زفر بحرارة فوجدها تمد يدها تلتقط كفه وتسحبه إليها لتلثمه ثم احتضنته داخل صدرها وأغمضت عينيها لتغفو عليه بعدما فضفضت بما لديها، وكالعادة أفعالها تزيد من الضغط عليه، ليتها تتوقف عن محاولة استعطافه هذه . 


غفت وتركته ينظر لها ولتفاصيلها ليصبح مشتتًا بين ما يريد ومالا يريد، عاجزًا عن احتوائها.


يتبع.... 


غلاف من ابداع ليمو روح قلبي ليمو فتحي رووووعة يا ليمو رووووعة



بداية الرواية من هنا



لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 



جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحصريه



اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحديثه



❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺 




إرسال تعليق

0 تعليقات

close