Header Ads Widget

قصة حظ عاثر بقلم الكاتبة سمر إبراهيم حصريه وجديده وكامله جميع الفصول

 قصة حظ عاثر بقلم الكاتبة سمر إبراهيم حصريه وجديده وكامله جميع الفصول 



قصة حظ عاثر بقلم الكاتبة سمر إبراهيم حصريه وجديده وكامله جميع الفصول 


كأنني خُلِقتُ لأتعثر في كل طريق،


أمشي بخطًى حذرة، فيسبقني السقوط.


أمدُّ يدي إلى الفرح، فينكمش كطيفٍ بعيد.


تلاحقني المصادفات العاثرة،


كظلٍّ لا يفارقني،


وكأن الحظ قرر أن يكون خصمي الأزلي.



❈-❈-❈


تسللت خيوط الشروق الأولى من بين فتحات النافذة، كأصابع من ذهب تمتد في رفق، تنثر دفئها على وجهها النائم. 


أخذ الضوء يتسرب على ملامحها النائمة، يلامس جفونها المغلقة برفق، ويغمر شعرها المتناثر على الوسادة بلون العسل، لم يرحمها دفء الأشعة من خدر النوم، بل أخذ يلح عليها كزائر عنيد حتى اضطرها أن تفتح عينيها ببطء، لتجد النهار قد تسلل إلى غرفتها، وأجبرها على استقبال يوم جديد رغمًا عنها، لكن بحفاوة نورانية لا تُقاوَم.


جلست على  الفراش وهي تتمطأ مرتسمة على وجهها ابتسامة مليئة بالسعادة والأمل فاليوم هو يومها الأول بل خطوتها الأولى لتحقيق حلمها التي لطالما حلمت به منذ أن وعت على هذه الحياة.



قطع ابتسامتها صوت والدتها الصاخب تصيح باسمها من خارج الغرفة:



- رنااااا، اصحي يا زفتة هتتأخري على ميعاد القطر.



زفرت بقلة حيلة وتمتمت وهي تنهض متجهة نحو باب الغرفة:


- زفتة! بتحبني أوي ست الحبايب دي.


تمتمت بكلماتها بصوت منخفض خشية أن تسمعها والدتها ولكن سرعان ما تحول صوتها لصياح مشابه لما سمعته منذ قليل:


- جاية يا نبع الحنان خلاص صحيت.


اقتربت منها متحدثة بجدية مصطنعة وهي تحيط كتفيها بذراعها:


- هي دي صباح الخير با دكتورة رنا اللي المفروض أسمعها منك النهاردة زي كل الأمهات اللي بتحب بناتها؟


قالت جملتها وقلبت شفتيها بتأثر زائف وهي تستأنف حديثها:


- انتي أكيد مش أمي قولي إنك خطفتيني من مامي وبابي الحقيقين وحبستيني هنا زي جوثيل ما عملت مع رابونزل.



أنهت جملتها وهي تزم شفتيها وتحرك رأيها يمينًا ويسارًا بأسفٍ مصطنع ليأتيها صوت أمها المتهكم:


- آه يختي أومال إيه خطفتك من قدام فيلا مامي وبابي جيت راكبة عرابية كارو وخطفتك وجريت.


خبطت على جبهتها بخفة وهي تعطيها ظهرها بحركة درامية مقتبسة جملة من أحد الأفلام الكوميدية الشهيرة:


- كنت متأكد كنت متأكد مع إني كنت شاكك.


نظرت إليها والدتها من أعلى لأسفل وحدثتها وهي تشير بسبابتها نحوها:


- بالذمة دا منظر دكتورة؟ أقطع دراعي إن ما كنتي دخلتيها بالغش قال دكتورة قال.


قالت كلماتها وهي تلوي شفتيها مستأنفة حديثها بسخرية:


- خلاص يا بت علشان دخلتي كلية الطب محدش هيعرف يكلمك ولا إيه؟ طب استني لما تروحي الأول بدل ما ترجعي من أول أسبوع مدلدلة ودانك وجارة خيبتك وراكي.


أشارت نحو نفسها بسبابتها وهي تعيد كلمات والدتها بغضب زائف:


- بقى أنا، أنا هرجع مدلدلة وداني، الدكتورة رنا بجلاله قدرها هترجع جارة خيبتها وراها شكرًا يا نبع الحنان شكرًا هي دي ال positive energy اللي بتديها لبنتك في أول يوم كلية شكرًا جدا با أمي شكرًا.


قالت ذلك وهي تمسح دموع وهمية فعضت سعاد نواجزها من الغيط وهي تطالعها بتوعد فاستشعرت رنا الخطر فهي تعلم ما هي الخطوة التالية فلسوف تجد خفها يطير ملتصقًا بوجهها فهرعت نحو المرحاض وهي تصيح:


- اهدي يا سوسو أني بهزِر إمعاكي ماتبجيش جفوشة إكده عاد.


وقبل ان يصلها خف والدتها كانت قد اغلقت باب المرحاض سريعًا ليصلها صوتها من خلف الباب:


- ماشي يا بنت مصطفى إن ما وريتك، يعني هتفضلي في الحمام طول اليوم.


❈-❈-❈


أنهت فطورها وارتدت ملابسها وهمت بالخروج لكي تلحق بالقطار فهذا هو يومها الأول في الجامعة ولأول مرة تترك مدينتها الصغيرة في محافظة الغربية وتذهب إلى القاهرة فهي تنتمي إلى الأزهر الشريف ولا توجد كلية للطب للفتيات سوى هناك.


صممت أن تذهب بمفردها فلقد تكبد والدها العناء كثيرًا وهو يسافر معها أكثر من مرة للتقديم في المدينة الجامعية ولكي يريها طريق الجامعة واليوم وللمرة الأولى تسافر بمفردها حتى صديقاتها سافرن منذ الأمس أما هي فلقد فوتت ميعاد القطار فلم تستطع السفر معهن لذلك ستغادر اليوم في قطار السابعة والثلث صباحا.


ربت والدبها على كتفيها بحنان وحدثتها أمها بابتسامة باهتة تحاول إخفاء دموعها لفراق فلذة كبدها:


- خدي بالك من نفسك يا رنا متكلميش حد ومتناميش في المواصلات زي عادتك يا خم النوم لحسن تتوهي.


ابتسمت بخجل فور سماعها لكلمات والدتها فهي بالفعل لا تستطيع مقاومة النوم في المواصلات العامة ما أن تطأ قدميها الحافلة أو القطار حتى تغط في نوم عميق ولكم فوتت محطتها أكثر من مرة:


- متخافيش يا ست الكل أنا هتفرج على أي حاجة عالتليفون علشان منامش دي القاهرة مش طنطا لو توهت هناك يلا السلامة.


ما أن همت بالوصول إلى باب الشقة حتى استمعت لصوت والدها المعاتب:


- مش كنتي سيبتيني آجي معاكي يا بنتي بدل القلق ده:


أمسكت بيده مقبلة إياها وهي تتحدث بامتنان:


- متقلقش يا حاج بنتك بميت راجل وبعدين انت هتفضل توصلني لحد امتى دول ٧ سنين وانت تعبان والمشوار بيتعبك لازم أعتمد على نفسي.


ربت على ظهرها بحنان محاولًا تجاهل كل شعور سيء بداخله:


- ربنا معاكي يا دكتورة توصلي بالسلامة متنسيش تكلمينا أول ما توصلي.


أومأت برأسها بموافقة:


- حاضر يا حبيبي متقلقش يلا سلام.


قالت كلمتها وهي تغادر الشقة وسط نظراتهما القلقة ويأسهما من عنادها ورأسها اليابسة فلقد رفضت حتى أن يوصلاها إلى محطة القطار  داعين المولى عز وجل أن يحفظها لهما وتصل سالمة.


❈-❈-❈


جلست في محطة القطار منتظرة قدومة حتى استمعت إلى صوت الميكروفون الجهوري:


"يصل على رصيف رقم ... القطار رقم 3008 (مكيف روسي)، المتجه إلى القاهرة وأسوان،  يرجى من السادة الركاب التوجه إلى الرصيف الرئيسي المخصص لقطارات الوجه القبلي."


ارتجف قلبها وهي تسمع النداء، لم يكن الصوت مجرد إعلان آلي، بل كان أشبه بجرس بداية لمرحلة جديدة من حياتها، الجميع من حولها يتحرك بخطوات متسارعة نحو الرصيف، رجال يحملون حقائب ثقيلة، نساء يودعن أبناءهن بدموع خفية، وأطفال يركضون بين الأرجل، كانت تراقب المشهد بعينين يتنازع فيهما الفضول والرهبة.


هي تعرف أن القطار سيأخذها إلى القاهرة، إلى عالم آخر لا يشبه دفء طنطا ولا مألوف شوارعها، لكنها لا تعرف ما الذي تخبئه المدينة الكبيرة لها؛ هل ستجد فيها أحلامها تتفتح مثل زهر نادر؟ أم ستكتشف أن كل شيء أثقل مما تصورت؟


وقف القطار عند الرصيف، وصوت عجلاته يصرخ على القضبان كأنه يعلن أنه لا ينتظر أحدًا، وأن كل متردد سيظل واقفًا مكانه، عندها فقط خطت هي إلى الأمام، حاملة حقيبتها الصغيرة، وكأنها تسلّم نفسها لمصير مجهول.


خطت درجات السلم المعدني الصغير بتردد، ومع كل خطوة كانت تسمع صوت قلبها أعلى من ضجيج المسافرين.


دخلت العربة، فاستقبلتها رائحة خليط من الحديد والزيت والعرق البشري، رائحة السفر الطويلة التي لا تخطئها أي محطة.


المقاعد كانت متجاورة في صفوف طويلة، مكسوّة بقماش أخضر باهت يحمل آثار مئات المسافرين قبلها. 


بعض الركاب جلسوا بالفعل، يحملون وجوهًا شاحبة من تعبٍ قديم، وآخرون بدت في أعينهم لهفة الوصول، والكثير من الطلبة أمثالها ممن يحملون أحلامهم فوق أكتافهم يملأهم الأمل في تحقيقها.


على النافذة الزجاجية، انعكس وجهها الصغير مرتبكًا، كأنها ترى نسخة جديدة من نفسها، نسخة لم تختبرها من قبل.


جلست قرب النافذة، وأحاطت حقيبتها الصغيرة بذراعيها كأنها درع وحيد. خلفها أصوات الباعة يتسلّلون بين المقاعد ينادون على شاي وقهوة وبسكويت، وأمامها أفق جديد يمتد على القضبان.


تحرّك القطار ببطء أول الأمر، حتى ارتجفت النوافذ واهتزّت الأرضية تحت قدميها، ومع ازدياد سرعته، أحست أن طنطا تنسحب من حياتها شيئًا فشيئًا، وأن القاهرة تقترب كقدرٍ محتوم.


لم يكن بداخلها سوى سؤال واحد يلحّ بلا جواب:


- هل ستعود يومًا كما غادرت، أم أن هذه الرحلة ستغيّر كل شيء؟


حين هدأ ضجيج الركاب وتحوّل إلى همسات متقطعة، أسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد، القطار يندفع إلى الأمام في عناد، يهتز بجسدها كأرجوحة حديدية، حتى تداخل صوت العجلات المنتظم مع أنفاسها المتسارعة، فانسلت إلى نومٍ ثقيل متناسية جميع نصائح والدتها.


مرّت الساعات عليها كلمح البصر، لكنها على القضبان كانت دهورًا؛ عبر فيها القطار مدنًا وقرى، محطات تصحوا مع وهج الشمس الساطع، وحقولًا تبدو وكأنها سجادة ملونة تتدرج من الأخضر للذهبي، من الأحمر للأبيض، تحت سماء زرقاء صافية تتخللها أسراب طيور تحلق ببطء.


بدأت تتململ في نومها تشعر وكأنها قد غفت لوقت طويل، تسرب إلى أذنيها صوت بائع جوّال يصرخ:


- شاي، قهوة، لب وسوداني.


فتحت عينيها بارتباك، لتجد نفسها وسط عربة تختلف تمامًا عمّا رأته قبل أن تنام، جلست في دهشة، تدور بعينيها حولها لتجد وجوه غريبة تحيط بها، ملامح لم ترها من قبل، فإذا برجال بجلابيب فضفاضة وعمائم بيضاء يتسامرون بصوت مرتفع، وأحدهم يمدّ يده من النافذة بعصاه ليختبر الهواء، بينما آخر يضع فوق حجره كيسًا يتحرك وكأن فيه دجاجة حية.


ارتبكت؛ شعرت أن القطار قد بدّل ركّابه أثناء نومها. كل شيء صار غريبًا؛ الأصوات، اللهجات، وحتى النظرات الفضولية الموجهة إليها. 


أمسكت بحقيبتها بقوة، والذهول يعلو وجهها، وهي تهمس لنفسها:


- هو فيه إيه؟ هو أنا بحلم؟ ولا دخلت عالم موازي؟


على الجهة الأخرى، جلست نساء يرتدين الزي الصعيدي يحملن أطفالًا ينامون في أحضانهن، ويفتحن علبًا مليئة بالخبز والجبن البلدي، فتملأ العربة روائح المطبخ القروي، مدت إحداهن يدها نحوها لتناولها قطعة خبز وهي تضحك قائلة:


- كلي يا عروسة، السكة طويلة.


شكرتها باقتضاب وأخذت تحدق في الوجوه، ثم تمتمت بذهول لا يخلو من السخرية:


ـ هو فيه إيه هو ده قطر القاهرة ولا سوق الجمعة.


نظرت من النافذة؛ المشهد اختلف. لم تعد بيوت طنطا المتجاورة ولا أضواء القاهرة الصاخبة، بل مبانٍ هادئة متواضعة، ووجوه غريبة لكنها مطمئنة. شعرت وكأن القطار قد ابتعد كثيرًا عن كل ما هو مألوف، وأنها الآن متواجدة في عالم آخر تجهله، عالم له إيقاع مختلف وحكايات أخرى.


شعرت أن النوم الذي أخذها كان أشبه ببوابة؛ غفت وهي بنت تبحث عن مستقبل، واستيقظت لتجد نفسها على أعتاب أرضٍ قد تغيِّر كل شيء.


للحظات كانت تتوهم بأنها لازالت نائمة ما هذا سوى حلم غريب يقارب الواقع ولكن صوت رنين هاتفها حطم كل أوهامها.


أمسكت بالهاتف محدقة بشاشته التي تنير باسم والدها وأجابت بتيه:


- ألو.


أتاها صوت والدها الغاضب:


- انتي فين يا رنا كل ده مبترديش على تليفونك ليه؟


لم تجد ما تجيبه به فهي نفسها لا تعلم ما حدث وكأنها دخلت فجوة زمنية لم تخرج منها سوى الآن فأجابت بتلعثم خشية أن يطول صمتها ويزداد قلق والدها:


- مـ مـ معلش يا بابا حقك عليا التليفون كان في الشنطة ومسمعتوش.


- طب الحمد لله إنك بخير يا حبيبتي انتي روحتي الجامعة ولا لسة في المدينة الجامعية أصلي لما مرديتيش كلمت صحباتك قالوا لسة مجيتيش وده اللي قلقني.


ردت بابتسامة بلهاء:


- جامعة إيه ومدينة جامعية إيه يا حاج صح النوم أنا لسة في القطر موصلتش لسة.


عقد حاجبيه وهو ينظر إلى ساعة يده معقبًا بتعجب:


- لسة موصلتيش ليه يا بنتي؟ انتي فاتك القطر الصبح ولا إيه؟ ولما فاتك متصلتيش تطمنينا ليه؟


نفت برأسها وهي تجيبه ببلاهه وكأنه يراها:


- لا مفاتنيش ولا حاجة ركبته بس لسة موصلتش.


استشاط غضبًا حتى كاد أن يكسر الهاتف الذي بيده يود لو كانت أمامه الآن حتى يكسر رأسها بدلًا عن هاتفه وتحدث من بين أسنانه:


- لسة موصلش إزاي يا بنتي هو القطر اتعطل بيكي ووقف في الطريق علشان كدا اتأخرتي.


صمتت لتفكر قليلًا قبل أن تجيبه:


- لا متعطلش ولا حاجة، ولا يكونش اتعطل فعلًا؟! مش عارفة استنى كدا أسأل.


وجهت بصرها نحو المرأة الجالسة بجوارها وسألتها ببلاهة:


- هو القطر ده اتعطل بينا في الطريق ولا حاجة يا حاجة.


نظرت إليها المرأة بتعجب وأجابتها وهي تقيمها بنظراتها:


- لاع يا بنيتي متعطلش ولا حاجة ماشي في سكته مظبوط.


عادت للحديث مع والدها مرة أخرى:


- لا يا بابا متعطلش ولا حاجة.


هل هذه بوادر جلطة التي يشعر بها الآن؟ أم أنه سيصاب بالعصب السابع؟ ستقتله هذه الفتاة ببلاهتها يومًا ما، حاول جاهدًا عدم الصراخ بها فتحدث من بين أسنانه بغضب مكتوم:


- هي المسافة من طنطا لمحطة مصر تاخد قد ايه في القطر يا آخرة صبري.


أجابت بتلقائبة:


- بالقطر ده يعني ساعة، ساعة ونص بالكتير أوي.


عض على يده من كثرة الغيظ قبل أن يسألها مجددًا:


- وانتي ركبتي الساعة كام.


- الساعة ٧ وتلت يا بابا ما انت عارف بتسأل ليه؟


أبعد الهاتف عن أذنه قليلًا وتحدث وهو ينظر الى زوجته بوجه محتقن من كثرة الغضب والغيظ:


- بنتك ناوية تشلني يا سعاد هتجيبلي جلطة.


دلكت صدره برفق وهي تتحدث بهدوء تحاول امتصاص غضبه حتى يطمئنوا عليها:


- أهدى بس يا اخويا على ما نطمن عليها وليك عليا أول ما إيدي تطولها هديها علقة مخدهاش حرامي جزم اتقفش في السيد البدوي يوم الجمعة.


كانت تستمع لحديث والديها بتعجب لا تعي سبب غضبهما حتى أتاها صوت والدها الصارخ:


- الساعة معاكي كام يا آخرة صبري.


أبعدت الهاتف عن أذنيها لتنظر في ساعته ولكنها جحظت بعينيها وازدردت برعب لا تصدق ما تراه فالساعة أمامها الثانية عشرة ظهرًا أي أنها بداخل القطار منذ ما يزيد عن الأربع ساعات فأخذت تتلفت بفزع وسألت المرأة الني بجوارها مرة أخرى:


- هو احنا داخلين على محطة إيه يا حاجة؟


أجابتها المرأة بفضول من حال تلك الغريبة الاي بجوارها:


- داخلين عالمنيا يا بنيتي انتي نازلة فين؟


تجمدت مكانها تحاول استيعاب ما سمعته هل قالت المنيا؟ هل غفت في القطار لمدة أربع ساعات متواصلة حتى فاتتها المحطة وأكمل القطار بها نحو الصعيد؟ 


عشرات الأسئلة جالت في رأسها فكادت أن تنسى وجود والدها على الهاتف لولا سماعها لصوت صياحه:


- انتي يا بت انتي روحتي فين؟ أنا اللي أستاهل اني سمعت كلامك انتي وأمك ووافقت تروحي الكلية في القاهرة كان مالها اقتصاد منزلي وحشة واهو كنتي اتعلمتيلك حاجة تنفعك.


وضعت الهاتف على أذنها وتحدثت وهي تبكي:


- بابا أنا وصلت المنيا.


- نهار أبوكي أسود روحتي المنيا إزاي؟


أجابته بصوت متقطع من كثرة بكائها:


- معرفش أنا كنت نايمة صحيت لقيتني هنا.


صاح بغضب عارم:


- نايمة يا متخلفة يا خم النوم هي مش أمك مأكدة عليكي متنامش في القطر يا بت.


ازداد بكاؤها ولم تعلم بماذا تعقب فلقد حذرتها والدتها مرارا وتكرارا من تلك العادة السيئة ولكنها أبدًا لم تتعظ وهذه هي النتيجة.


رق قلب والدها فور سماعه لصوت بكائها فأخفض صوته وحدثها بلين خشية أن يحدث لها مكروه وهي في هذا المكان البعيد:


- طب اهدي يا رنا ومتعيطيش واسمعي الكلام اللي هقولهولك ونفذيه.


أومأت برأسها وكأنه يراها لتجده يكمل حديثه قائلًا:


- انزلي من القطر في أول محطة واركبي أول قطر راجع ماشي.


أجابت من بين نشيجها:


- حاضر.


عقب بحزم يشوبه القلق:


- أنا هفضل معاكي عالخط لحد ما تنزلي وتركبي لحسن تنامي تاني والمرادي تلاقي نفسك في السودان.


تحدثت بطاعة:


- ماشي يا بابا اقفل دلوقتي بس علشان القطر داخل المحطة علشان اعرف أنزل وهكلمكم أول ما أركب القطر التاني بإذن الله.


- ماشي يا آخرة صبري أمري لله.


أنهت المحادثة مع والدها وأخذت حقيبتها متوجهة نحو باب القطار استعدادًا للنزول مع باقي الركاب، كانت تتلفت حولها بقلق لا تعلم كيف يمكنها التصرف وكيف حدث لها ذلك لتتمتم بتذمر:


- آدي آخرة فتحة الصدر ولاااا أنا هعتمد عل  نفسي وأسافر لواحدي انا strong independent woman وفي الآخر تايهة في بلاد الله لخلق الله، أنا مني لله كان مالها الاقتصاد المنزلي ولا هي الشطارة واخدة حقها معايا قال طب قال هو أنا وش كدا برضه، أرجع بس يارب ومش عايزة حاجة من الدنيا أنا هتستت وأقعد في البيت أستنى ابن الحلال بلا تعليم بلا بتنجان بس أرجع بيتنا.


❈-❈-❈


ترجلت من القطار في تلك المحطة الغريبة، نزلت بخطوات متردّدة، كأن الأرض تحتها ليست مألوفة لها، أحاط بها صمت ثقيل لا يشبه صمت محطتها المعتادة، وجوه عابرة تنظر ولا ترى، وضجيج بعيد يزيد من شعورها بالوحشة. شعرت بأن الهواء نفسه لا يرحِّب بها؛ يثقل صدرها ويضاعف خوفها، كانت حقيبتها الصغيرة بين يديها أشبه بدرع واهٍ، تتشبّث به وكأنّه آخر ما يربطها بعالمها القديم.


تلفّتت حولها، فلا لافتة مألوفة، ولا صوت دافئ يهتف باسمها. بدا المكان متسعًا على نحو مخيف، والناس غرباء عنها، كلٌّ ماضٍ في شأنه، كأنها وحدها العالقة في هذا الفراغ، داخَلها شعور بالتيه، كأنها غريبة في عالم لا يفهم لغتها، والقلق ينهش قلبها بين كل نفس وآخر.


في تلك اللحظة، لم يكن الخوف مجرد ظلّ، بل كائن يتشبّث بروحها، يعزلها عن الأمان، ويتركها في مواجهة وحدتها العارية.


ذهبت إلى شباك التذاكر لتعلم أن قطار القاهرة لم يتبقى على موعده سوى عشر دقائق فقط فهرعت نحو الرصيف المخصص لقدومه وهي تتضرع ألا يحدث لها شيء آخر وأن تصل بسلام.


جلست على المقعد بتوتر، تحدّق في الساعة المعلقة على الجدار، عقاربها تتحرك ببطءٍ مستفزّ كأنها تتعمّد استفزاز صبرها، لم يتبقَّ سوى عشر دقائق على وصول القطار، لكنها شعرت بها تمتد أمامها كعشر ساعات كاملة، كل دقيقة تثقل قلبها وتضاعف ارتجاف أصابعها، وكأن الزمن نفسه قد قرر أن يتواطأ ضدها.


شعرت بقليل من الراحة عندما استمعت لصافرات القطار تعلن قدومه، تنفست الصعداء فور ولوجها داخل العربة لتجلس بهدوء وهي تخرج هاتفها مرسلة رسالة على إحدى تطبيقات التواصل الاجتماعي الى والدها تخبره بها بأنها قد صعدت بالفعل على متن القطار المتوجه نحو القاهرة وما هي سوى لحظات حتى وجدت الهاتف ينير باسم والدها فأجابت سريعًا حتى لا ينتابه القلق عليها ليبدأ في محادثتها هو ووالدتها لكي لا تنعس مرة أخرى ولكنها أشفقت عليهما أن يظلا معها على الهاتف طوال ذلك الوقت فأصرت على غلق الخط واعدة إياهما على أن تظل مستيقظة وبالفعل أخذت تتصفح هاتفها متحدثة مع بعض صديقاتها على أحد مجموعات الدردشة التي تجمعهم الموجودة في أحد التطبيقات وبدأت تقص عليهن ما حدث لها بطريقتها الكوميدية المعهودة علها تستطيع أن تخفف عن نفسها ولو قليلًا عبء ما حدث.


❈-❈-❈


مر ما يقارب الساعتان والنصف فلقد اقترب القطار من الوصول الى محافظة الجيزة لتبدأ تشعر بالراحة فلقد اقتربت من الوصول بالفعل ولا داعي لأن تشعر بالقلق، لاحظت أن الشاب الجالس أمامها يختلس النظرات نحوها بين الفينة والأخرى ولكنها تجاهلت ذلك وأخذت تتصفح هاتفها لكي تلهي نفسها حتى لا تنعس مرة أخرى.


إيقاع العجلات على القضبان بدا أشبه بنبض ثابت، رتيب، يطرق على قلبها فيهدّئه مرة ويثقل صدرها مرة أخرى. 


كل ارتجاجة خفيفة تدفع جسدها للأمام ثم تعيده، كأنها لعبة صغيرة بين القطار وبينها، لعبة لا تملك التملص منها.


تلك الرتابة جعلتها تشعر بالانفصال عن الوقت؛ دقائق الرحلة لم تعد محسوبة بالساعة أو بالدقيقة، بل بتكرار الصوت المعدني المنتظم، وكأن القطار يبتلع الزمن ويعيد إخراجه على شكل ثوانٍ متشابهة لا تنتهي. كانت ممسكة بخيط من أفكارها، لكن كل حركة ميكانيكية للقطار تقطع ذلك الخيط وتعيدها إلى سكون غريب، خليط من الطمأنينة والوحدة، ومن الإيقاع الذي يذكّرها بأنها مسافرة لا أكثر، جسد ينساب مع آلة لا تتوقف.


تشعر  وكأن القطار لا يسير على السكة الحديدية فقط، بل يسير داخلها أيضًا، يحفر داخله خطًا مستقيمًا من الصمت والتأمل، خطًا لا تعرف أين سينتهي.


بدأ شعور بالنعاس يتسلل إليها لتقاوم انغلاق عينيها بكل الطرق تخشى إن استسلمت له تستيقظ لتجد نفسها في مكان مختلف عن وجهتها ولكنها فزعت وزادات دقات قلبها عندما توقّف القطار فجأة بعد أن دوّى في أرجائه صوت شدّ قرامل اليد، كأنّ قبضة خفية اعترضت اندفاعه.


ارتجّت العربات بقوة، وارتفعت صيحات الركاب بين دهشة وخوف، بينما تمايلت الأجساد في الممرات وتشبّث كلّ واحد بما أمامه. لم يكن هذا التوقّف في محطة معلومة، بل في قلب الطريق، حيث امتدّت الحقول صامتة لا تبالي بما يحدث.


لحظة صارت فيها عجلات الحديد تصرخ على القضبان، وارتبكت النفوس كأنها أمام حادث وشيك، قبل أن يسود سكون غريب، يقطعه فقط لهاث الركاب وأسئلة تملؤها الحيرة: 


- من الذي أجبر القطار على التوقّف، ولماذا؟


ما هي سوى لحظات وكسر الصمت انتشار رجال ملثمون داخل أرجاء العربة يحملون السلاح بأيديهم يلوحون به نحو الجميع وهم يصيحون بصوت جهوري:


- كله يثبت مكانه محدش يتحرك أي حد هيتحرك هنضرب في المليان خليكوا هاديين إكده عشان ترجعوا بيوتكم بالسلامة.


ارتجف جسدها وهي تنظر حولها لا تعي أيًا مما يحدث هل تم اختطافهم الآن؟ من هؤلاء؟ وما الذي يريدونه منهم؟ هل ينون قتلهم؟ أم أن لهم خطط أخرى؟


الكثير من الأسئلة التي تتواتر على ذهنها لا تعي شيء مما يحدث ولا تعلم ما الذي يخبئه القدر لها.


قام الملثمون بأخذ هواتفهم جميعا وأرغموهم على النزول من القطار ليقتادوهم نحو إحدى المزارع القريبة من مكان وقوف القطار وكأن كل شيء كان مخطط له بعناية شديدة.


قاموا بفصل الرجال عن النساء ووضعوا كل مجموعة بغرفة مغلقة بباب من الحديد المصفح لا يعلمون شيء مما يدور حولهم وكأنهم قد عزلوا عن العالم.


كانت تنظر حولها بتيه لا تصدق ما يحدث لها هل حقًا تم اختطافها أم انها قد غفت في القطار وما هذا سوى مجرد حلم بغيض تسلل لعقلها ليصور لها كل هذه الأشياء السيئة.


أصوات البكاء والعويل التي حولها قاربت أن تفقدها عقلها فأمسكت برأسها تضغط عليها علها تستطيع تخفيف ما تشعر به من صداع ولكنها فزعت فور سماعها لصوت صراخ إحدى النساء:


- الحقوني يا ناس الولية بتفرفر.


وجدت مجموعة من النساء يلتففن حول إحداهن فاقتربت لتجد امرأة يبدو عليها أنها في بداية العقد الرابع من عمرها ممدة أرضًا فاقدة للوعي والنساء حولها يصرخن طلبا للمساعدة وما هي سوى  لحظات وفتح الباب ليدخل أحد الأشخاص ضخم الجثة يحمل على كتفه سلاح آلي فقام بالتحدث بصوت عالٍ وصارم بنفس الوقت:


- اكتمي يا مرة منك ليها مسمعش حس واحدة فيكم واصل اللي هسمع حسها هطخها طوالي.


صمتن جميعا ليستأتف بحزم:


- فيه ايه عاد صوتكم عالي ليه.


تحدثت احداهن بجسد مرتعش وهي تشير نحو المرأة الممددة أرضًا:


- الولية فرفرت معتحطش منطج عاد بالله عليك شوفلها حكيم لحسن اتروح فيها.


تركها دون أن ينطق بكلمة مغلقًا الباب خلفه وما هي سوى لحظات وانفتح الباب الحديدي مرة أخرى ليدخل الرجل ومن خلفه شاب يحمل حقيبة يبدوا وكأنه طبيب فبدأ يفحص المرأة ويقدم لها الإسعافات الأولية حتى استعادت وعيها.


كانت تنظر له ولما يفعله باهتمام تشعر وكأنه ذو وجه مألوف لتتذكر من يكون فهو ذلك الشاب الجالس أمامها في القطار الذي كان يختلس النظرات إليها بين الفينة والأخرى.


لم تبد أي رد فعل ولكنها وجدته فور انتهائه من معالجة المرأة يدور بعينيه نحو الجميع إلى أن استقر نظره عليها لم ينطق بشيء ولكنه كان ينظر نحوها باهتمام وكأنه يريد قول شيء ولكنه يعجز عن ذلك.


جلست المرأة وحولها جمع من النساء ليتحدث الشاب بحزم:


- لو سمحتوا ابعدوا عنها شوية خلوها تاخد نفسها.


استمعن إليه وما هي سوى لحظات حتى دفعه الرجل الضخم ليسير أمامه خارجًا وعيناه لم تحيد عنها لتشعر بالعديد من المشاعر المتناقضة ولكنها زجرت نفسها في الحال فهي في موقف لا تستطيع التفكير في شيء سوى الخروج سالمة من هذا المكان.


❈-❈-❈


يكاد أن يكسر الهاتف من كثرة القلق لا يعلم ما الذي حدث لابنته فهاتفها مغلق منذ ما يقارب الساعتان ولا يعلم شيء عنها، زوجته تجلس بجواره تخبط على ركبتيها براحة يديها يكاد القلق ان يفتك بها تنظر الى الهاتف تارة وإلى الساعة المعلقة على الحائط تارة أخرى لا تعلم ما الذي حدث لفلذة كبدها تتمتم بعبارات نادمة:


- يا ندمي ياني ياريتني ما كنت سيبتها تسافر لواحدها أنا غلطانة إني سمعت كلامها، يارب طمني عليها يارب، يارب متورينيش فيها حاجة وحشة وطمن قلبي عليها.


التفتا نحو صوت التلفاز فور سماعهما ما جعل الدماء تجف في عروقهما:


- نبأ عاجل: وردتنا أنباء عاجلة عن قيام بعض المسلحين بالهجوم على أحد القطارات القادمة من الصعيد نحو القاهرة وأجبروا القطار على التوقف بالقرب من سمالوط وقاموا باختطاف بعض الركاب لمطالبة الحكومة بالافراج عن بعض ذويهم الذين تم القبض عليهم منذ بضعة أيام في قضية اتجار بالسلاح.


أفاد مراسلنا إلى مكان الحادث بأن الداخلية تبذل كافة جهودها للافراج عن الرهائن دون وقوع خسائر حيث انتقل وزير الداخلية ومديري أمن ومحافظي كل من المينيا والجيزة إلى مكان الحادث للوقوف على آخر المستجدات.


معكم...... مراسل التليفزيون المصري حيث سنوافيكم بكافة المستجدات أولًا بأول.


لطمت سعاد خديها ناظرة نحو زوجها وهي تصرخ بخوف:


- البت راحت يا مصطفى رنا اتخطفت يالهوي ياني يعني إيه مش هشوف بنتي تاني بنتي راحت خلاص.


لا يعلم ماذا يفعل هل يهدئها أم ينهار هو الآخر فـ فلذة كبده من الممكن أن تكون قد تم اختطافها من قبل مسلحين ولا يعلم هل سيراها مرة أخرى أم لا.


هب من مكانه متجهًا نحو غرفته ليقوم بتبديل ملابسه دون ان ينطق بكلمة لتلحق به زوجته هامين بالذهاب الى مكان الحادث ليريا ما حدث لطفلتيهما داعين المولى عز وجل أن يجدانها سالمة فور وصولهما الى هناك.


❈-❈-❈


بعد مرور بضع ساعات


- تمام يا فندم تمت السيطرة عالوضع وتحرير الرهاين بنجاح والقبض على كل المتهمين.


ربت الوزير على كتفه بفخر:


- هايل يا نادر أنا كنت واثق إنك قدها انت ورجالتك، طلع بيان صحفي طمن فيه الأهالي ووفر عربيات علشان الناس توصل بيوتها بالسلامة.


ألقى عليه التحية العسكرية وهو يتحدث بجدية:


- تمام يا فندم.


قال ذلك وغادر لينفذ الأمر ليتنفس الوزير الصعداء وهو يمسك بهاتفه وقام بإجراء مكالمة:


- تمام سعادتك يا فندم الأمن استتب وتم القبض عالجناة وجاري التحقيق معاهم.


انتظر قليلا ليأتيه الرد فعقب مبتسمًا:


- دا كله بتوجيهات معاليك وتوجيه فخامة الرئيس، تحت أمر معاليك يا فندم في رعاية الله.


أنهى المكالمة وهو يزفر براحة غير مصدق أن هذه الازمة قد انتهت في هذا الوقت القياسي فلو استمرت لأكثر من ذلك لكان كرسي الوزارة قد سحب منه دون رجعة.



❈-❈-❈


خرجت من هذا المنزل البغيض وهي ترتجف بخوف تتلفت حولها لا تعلم أين هي أو كيف يمكنها العودة إلى منزلها.


تسرب الى أذيها صوت قادم من بعيد ينادي باسمها فتلفتت تبحث عن مصدر الصوت وما كادت تجده حتى جحظت عيناها لا تصدق ما تراه هلى هي تحلم؟ أم أن والديها يقفان بالفعل بين الجموع؟


ما هي سوى لحظات وانطلقا نحوها يحتضناها ويقبلاها وسط دموعهما ليتحدث والدها وهو يحتضنها بقوة غير مصدق بأنها تقف سالمة أمامه الآن:


- حمدلله على سلامتك يا حبيبتي.


للحظات تلجم لسانها وعجزت عن الحديث حتى استوعبت بأنها أمامهما بالفعل وأنها لا تتوهم ذلك، فدخلت في نوبة بكاء دون توقف وتحدثت بتقطع من بين نشيجها:


- بابا، ماما أنا مش مصدقة إني شوفتكم تاني أنا قولت خلاص مش هنتقابل تاني أبدا.


كورت والدتها وجهها بين كفيها وحدثتها وهي تمسح عبراتها:


- بعد الشر عليكي يا نور عيني الحمد لله إنك رجعتي بالسلامة.


قبلت يده والدتها وهي تتحدث بتقطع:


- انا خلاص مش رايحة القاهرة دي تاني أبدًا ولا هروح الكلية دي مالها الاقتصاد المنزلي زي الفل وأهو اتعلم حاجة تنفعني على رأي بابا.


ارتسمت ابتسامة على وجه والديها  ليتحدث والدها وهو يضرب خلف رأسها بخفة:


- طب يلا يختي نروح بيتنا ونبقى نشوف حوار الكلية ده بعدين.


ابتسمت بهدوء وهي تومئ برأسها لأعلى ولأسفل لتسير معهما عائدة إلى منزلها بعد يوم طويل لم تكن تتخيل أن تعيش أحداثه في يوم من الأيام.


❈-❈-❈


تتقلب في فراشها براحة غير مصدقة بأنها في منزلها أخيرًا ليتسرب إليها صوت والدتها تنادي عليها بصوت مرتفع:


- رنااااا، اصحي يا زفتة هتتأخري على ميعاد القطر.


تململت في نومها بعدم راحة فما هذا الصوت الذي تسمعه وعن أي كلية تتحدث والدتها فلقد اتفقا بالأمس على أن تقوم بالنقل إلى كلية الاقتصاد المنزلي فما الذي تقوله والدتها الآن أم أنها لازالت نائمة؟ نعم يبدو ذلك فلتعود للنوم مرة أخرى إذن.


لكزة قوية في كتفها جعلتها تجلس على الفراش بفزع وهي تهزي:


- إيه فيه ايه هي العصابة جت تاني ولا إيه أنا معملتش حاجة رجعوني بيتنا.


لحظات حتى أدركت أنها تجلس على فراشها ووالدتها تقف أمامها، مسحت على وجهها وتحدثت وهي تزفر براحة:


- فيه ايه يا ماما عالصبح بتصحيني ليه ثم إن هو فيه حد يصحي حد بالشكل ده هو انا ناقصة مش كفاية اللي حصلي امبارح هتبقي انتي كمان عليا بتصحيني ليه طيب.


تملكها الغيظ حتى تمنت لو تفتك بها فلقد سئمت من هذه الفتاة الكسولة الاي لا تفعل في حياتها شيئًا سوى النوم لا تعلم كيف أمكنها اجتياز امتحانات الثانوية والنجاح بتفوق.


ضغطت فكيها بقوة من كثرة الغضب وتحدثت من بين أسنانها:


- قومي يا زفتة هتتأخري على ميعاد القطر.


ضيقت عينيها تحاول استيعاب ما قالته والدتها فعن أي قطار تتحدث فأمسكت بهاتفها لترى الوقت ولكنها اتسعت عينيها فور رؤيتها لتاريخ اليوم فما هو سوى تاريخ الأمس فما الذي يحدث هل عادت بالزمن أم أن ما حدث لم يكن سوى حلم بغيض من أثر خوفها من الذهاب بمفردها؟ أم أنه ناقوص خطر يحذرها من الذهاب؟ لم تكد تفكر أكثر حتى وجدت خف والدتها يستقر على وجهها لتنتفض فزعا وقفزت عن الفراش مهرولة نحو المرحاض وهي تغمغم:


- خلاس يا ست الكل قلبك أبيض خمسة وهكون جاهزة.


هذه المرة لم تجادل وتركت والدها يسافر معها ليوصلها إلى المدينة الجامعية لا تستطيع المجازفة بالسفر بمفردها مرة أخرى فهذا الكابوس كان واقعيًا لدرجة جعلتها تخشى ركوب القطار الى الأبد.


❈-❈-❈


مر اسبوع على وجودها في الجامعة نسيت الحلم او تناسته حياة جديدة ألهتها عن التفكير في أي شيء واليوم هو ميعاد عودتها لبيتها فـ فور انتهائها من جميع محاضراتها ستذهب لتحضر أغراضها من المدينة الجامعية لتعود لمدينتها مرة أخرى ولكنها هذه المرة لن تسافر بمفردها فمعها صديقاتها فمنذ ذلك الحلم وهي أخذت قرار بعدم السفر بمفردها مهما حدث.



تنبهت من شرودها على لكزة في كتفها من صديقتها لتحدثها بهمس:


- سرحانة في إيه يا بنتي ركزي في المحاضرة الدكتور دخل بقاله نص ساعة وانتي ولا انتي هنا.


نظرت أمامها لتشعر بالفزع فور رؤيتها لوجه هذا الرجل الواقف أمامها ويقوم بشرح للمحاضرة بسلاسة متناهية نعم إنه هو من رأته في ذلك الحُلم المشؤوم ولكن أنَّ لها ذلك؟ كيف يمكنها أن ترى شخصًا ما في الحلم وتراه بعدها على أرض الواقع هل يخيل لها ذلك؟


 قرصت يدها بقوة لتتيقن من أنها لا تحلم لتشعر بالألم بالفعل فعجزت عن تفسير ما حدث هل لهذا دلالة ما؟ أم أنها مجرد مصادفة ليس إلا؟ هي حقًا لا تعلم لذلك قررت ان تترك التفكير في هذا الأمر فهي موقنة بأن المكتوب لها ستراه لا محالة مهما حاولت تجنب ذلك.


مهلًا هل تلاقت أعينهما حقًا؟ هل يحدق بها الآن كما كان يحدث في الحُلم؟ مهلًا هل رأت ابسامته لها الآن؟ وهنا ورد إلى ذهنها سؤالٌ جعلها تجحظ بعينيها، هل ما حدث كان حُلمًا من الأساس؟ أم أن ما هي فيه الآن هو الحلم؟


تمت


لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 



جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحصريه



اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحديثه



❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺 





إرسال تعليق

0 تعليقات

close