القائمة الرئيسية

الصفحات

رواية ماذنب الحب الجزء الثاني بقلم الكاتبه شهد الشوري حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج

 

رواية ماذنب الحب الجزء الثاني بقلم الكاتبه شهد الشوري حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



رواية ماذنب الحب الجزء الثاني بقلم الكاتبه شهد الشوري حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 


الأول نذكر الله ونصلي علي رسول الله صلى الله عليه وسلم 


ملخص احداث الجزء الأول

ليلى الجارحي ويوسف العمري كانوا متجوزين وبيحبوا بعض جدًا وعندهم خمس أولاد آدم أوس ريان أمير وحياة لكن يوسف اضطر يتجوز بنت صاحب أبوه عشان شرط أساسي لاستلام الورث البنت دي لعبت لعبة كبيرة بينهم وأوهمته إن ليلى بتخونه مع راجل غريب في أوضة نومهم وخلته يشوفهم بعينه يوسف صدق الكذبة وكره ليلى وعياله الخمسة ورفض يسمع لحياة اللي كانت شاهدة على كل حاجة وهي متكتفة شايفة اللي بيحصل لأمها


السنين عدت والعيال عاشوا مع أهل أمهم ولما كبروا بدؤوا يكشفوا الحقيقة ويثبتوا براءة أمهم ليلى


حياة كانت بتحب ابن عمها إلياس بس كانت خايفة منه لأنه شبه أبوها في طباعه في نفس الوقت كانت بتحس بالأمان مع بدر ابن عم والدتها رغم إنها اختارت إلياس في الأول إلا إنه اتهمها بالخيانة زي ما أبوها اتهم أمها لما شافها مع الدكتور النفسي عمر اللي كانت بتتعالج عنده بعد الاتهام ده بعدت عنه وسافرت مع بدر وعيلتها عشان تكمل تعليمها بره وقدر بدر يكسب قلبها ويخليها تحبه


آدم اتجوز بنت خاله زينة

أوس اتجوز مهرة بنت أخت الست اللي ربتهم

أمير اتجوز فرح بنت الست اللي ربتهم

ريان اتجوز ندى بنت عمه وأخت إلياس


سارة بنت زوجة أبوهم اللي دمرت حياتهم قدرت تزرع كاميرات في غرفة نوم أوس وصورته مع مراته وهددته إنها هتفضحه لو ما اتجوزهاش خوفًا على مراته وافق ودي كانت صدمة للكل إنه اتجوز بنت الست اللي قتلت أمه ومع الوقت العيلة اكتشفت حقيقة سارة وحصل لها حادث قلب حياتها بدأت تفكر بطريقة مختلفة وطلبت السماح من الجميع


سارة بعد الحادث قابلت الدكتور النفسي عمر اللي كانت حياة بتتعالج عنده وكان هو نفسه ضحية ليها زمان لما كانوا في الجامعة سارة كانت عملت رهان مع صحابها على عمر وخلته يحبها وبعدين سابته لما تقابلوا تاني عمر ساعدها بس رفض يسامحها رغم إنه كان لسه بيحبها عمر كان متجوز بنت خالته بس هي توفت يوم ولادة بنتهم في النهاية سامح سارة بعد ما شاف إنها فعلاً اتغيرت


أما أدهم الجارحي ابن خال الأخوة الخمسة وأخو زينة كان بيحب هنا قريبتهم من بعيد وكان ناوي يتقدم لها بس في نفس اليوم شافها نايمة في سرير صاحبه فبعد عنها ما كانش يعرف إن دي لعبة من سكرتيرته وخطيبته سمر اللي ارتبط بيها عشان ينسى هنا


الجد أجبر أدهم وهنا على الجواز لكن بعد كام يوم من الفرح أدهم اعتدى على هنا وهو سكران فكرهته بعد كده اتواجهوا بالحقيقة اللي كان مخبيها في قلبه في النهاية قدر يثبت براءتها لكنها رفضت تسامحه واتطلقوا بعد ما ولدت ابنهم سليم بعد خمس سنين من الانفصال قدرت هنا تسامحه ورجعوا لبعض


في النهاية مات يوسف العمري بمرض خبيث وكان الندم بينهش في قلبه على كل اللي عمله في أولاده ومراته اللي كانت الحب الوحيد في حياته يوسف حس بالذنب إنه رمى أولاده في الشارع في وقت كانوا محتاجينه فيه وإنه صدق الكذبة اللي دمرت حياته وحياة أولاده وفي نفس الوقت كان عايش مع سارة بنت الست اللي دمرت عيلته كلها


الياس ونسرين

نسرين شخصية طرف ثالث في علاقة بدر وحياة، وبيحصل بينهم علاقة وينتج عنها حمل


سمر ورجل الأعمال

بعد ما أدهم يكتشف حقيقتها، ختدخل السجن

بعد خروجها، تتجوز رجل أعمال مش كويس

هتكتشف بعد الجواز إنه مريض وبيعذبها

للرجل ده ليه بنت اسمها بسمة لكنها فاقدة النطق وعنده ولد اسمه نوح

لكن الراجل اتوفى في ظروف غامضة في الجزء الأول هنعرف تفاصيلها في الجزء التاني

➖➖➖➖➖➖

الأبناء في الجزء الثاني معظمهم شخصيات ثانوية ⬇️

عائلة حياة وبدر :

يوسف/مروان/عشق وعاصم "توأم"


عائلة آدم وزينة :

ياسين/صافي


عائلة أوس ومهرة :

مالك/حمزة/ليلى


عائلة ريان وندا :

ليلة/شريف


عائلة أمير وفرح :

ثائر/جوان وجوري "توأم"


عائلة أدهم وهنا :

سليم/قمر


ابناء إلياس ونسرين :

سيدرا/يونس "تؤام"


عائلة عمر وسارة :

جومانا من زواجه الأول

ريماس/كارما وليان "توأم"


معظم الابناء دورهم ثانوي ❤️ 

في شخصيات جديدة هتظهر قدام وهتتعرفوا عليها

مفيش لخبطة ان شاء الله هبسطها ليكم

المخلص هنشره ليكم اول كل بارت جديد

..............

الـفـصـل الأول 


مرت سنوات طويلة، كبروا، وكبر ابناءهم معهم، وكبر الحب في قلوبهم، ومع ذلك ظلوا يدًا واحدة، تلك الإمبراطورية التي تأسست يومًا بفضلهم، بعدما كانوا خمسة فقط، أصبحت اليوم عائلة كبيرة، يجمعهم الود والمحبة


اليوم، الكل مجتمع للاحتفال بزفاف أبناء عائلة العمري

ياسين، ابن آدم العمري، يتزوج من حبيبته وعشق طفولته ريماس عمر أبو زيد، كذلك ثائر، ابن أمير العمري  على معشوقته كارما بنت عمر أبو زيد الصغرى


لم يكن أحد منهم يتخيل أن يأتي يوم تُصبح فيه بنات سارة زوجات لأبناء العمري، وأن يجمع بينهم النسب، رغم أن تلك المرأة كانت يومًا سببًا في دمار حياتهم هي ووالديها !!


لكن الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها أن سارة تغيرت حقًا، وللأفضل، بفضل مساندة حياة، التي رأت فيها الجانب الطيب، فشجعتها، وأمسكت بيدها حتى وقفت من جديد


أصر آدم أن يكون الزفاف في ذلك القصر

ليشهد أول زفاف لأبنائهم جميعًا، وليكون اول فرح للعائلة التي أسسوها منذ سنين، في نفس المكان الذي بدأوا فيه من جديد، في قصرهم الذي شيدوه قبل أكثر من عشرين عامًا


كان المكان مزينًا بطريقة فخمة تأسر الأنفاس، تليق باسم العائلة ومكانتها، وقف آدم يراقب الحضور، يستقبل المعازيم مع أخيه أمير، بينما كان عمر، والد العروستين، يشاركهما الترحيب بالضيوف في بهجةٍ واضحة، كان قلب آدم معلقًا بابنه ياسين، يراه من بعيد مع عروسه، وقلبه يفيض بالفرح لم يكن يصدق أن ابنه قد صار عريسًا اليوم، وكأن خوفه القديم من أن يفشل ويصبح أبًا غير صالح كان محض أوهام، ينظر إليه الآن وهو فخور به، فخور ان ابنه أصبح نسخةً أفضل منه، نسخةً خالية من وجع الماضي، ذلك الوجع الذي رغم مرور السنين ما زال يترك ندبةً عميقة في قلبه وقلب إخوته، ندبة يعلمون أنها لن تشفى أبدًا


على الجانب الآخر، كان أمير يتأمل ابنه ثائر بعينين مفعمتين بالحب والحنان، فخورًا وهو يراه يكبر ويؤسس عائلة، سعيدًا لأنه وصل به العمر إلى هذه اللحظة التي لم يكن يتخيلها، وضع آدم يده على كتف أخيه، وابتسم له ابتسامةً حانية يقول له بنظراته فعلناها يا أخي


اقترب منهما أوس وريان بابتسامة فخورة، الأربعة جنبًا إلى جنب، كتفًا بكتف، يجمعهم الفرح والفخر، لحظات قليلة حتى لحقت بهم حياة، وقفت بينهم، لتكتمل الدائرة


وقف الخمسة يتأملون المكان من حولهم بفخر، ورغم أن في داخل كل منهم ندوبًا قديمة من الماضي، وآلامًا خلفها الحاضر، إلا أنهم كانوا فخورين أنهم بلغوا هذه المرحلة


فالسنون التي مرت لم تترك لهم أفراحًا كثيرة، بل اختبرت صبرهم وجربت صلابتهم، وأثقلت دربهم بالعثرات، لكن أجمل ما في تلك العثرات أنهم تجاوزوها معًا، كتفًا بكتف، فلم تضعفهم المصاعب، بل زادتهم قوة، وجعلتهم كما هم اليوم عائلةً واحدة، متماسكة، لا تهزها الرياح

.............

بدأ الزفاف، والجميع كانوا سعداء، وكل أفراد العائلة حضروا دون استثناء


جاء إلياس مع أولاده سيدرا ويونس، وشقيقه مازن ايضًا مع زوجته وأبنائه، كذلك أدهم وهنا مع ولديهما قمر وسليم


امتلأ القصر بالبهجة، وحضر الحفل نخبة من كبار البلد، فكان عرسًا يليق باسم عائلة العمري


بعد انتهاء الزفاف، أخذ كل عريس عروسه على جناحه، لا يصدق ان من أحبها يومًا قد أصبحت أخيرًا زوجته، على اسمه !!!!

..........

بعد مرور عدة ايام

في صباح يوم جديد، كانت الحياة تنساب أمامها كحلمٍ لطالما تمنته منزل هادئ، يلفه دفء العائلة، وأطفالها الذين أصبحوا الآن شبابًا يحيطون بها وكأنهم أعمدة هذا الكيان إلى جانبها، زوجها بدر، الذي لم يتغير حبه لها رغم مرور السنين كان حبه عميقًا، مثل بحرٍ لا قاع له عيناه اللتان طالما نظرتا إليها بنفس الطريقة، لا تزالان تمنحانها دفئًا، أمانًا، وشعورًا لا يُضاهى بأنها الأجمل في هذا العالم


ورغم هذا الكمال الذي أحاط بها، كان هناك ظلٌ معتم يخيم على قلبها، ظلٌ صنعه غياب ابنها الأكبر "يوسف"


كلما مر ذكر يوسف، شعرت حياة بوخزة في قلبها، وكأن غيابه يسرق منها قطعة صغيرة في كل مرة كانت تتذكره كل صباح، رغم محاولاتها المستمرة لإخفاء الألم تحت ستار الحياة اليومية


انتهت من تجهيز مائدة الإفطار، تتابع الخدم الذين ينجزون ما تبقى، وتضع لمساتها الأخيرة على الأطباق بنفسها

كانت تعلم أن باقي أفراد العائلة سينزلون تباعًا، وكأن هذا الروتين الصباحي هو الشيء الوحيد الذي يمنحها بعض الطمأنينة


نزل بدر أخيرًا، هادئًا كما كان دائمًا، بوسامته التي لم تتلاشى رغم مرور الزمن خصلات شعره التي بدأت تكتسي ببعض من البياض لم تضعف جاذبيته، بل زادته وقارًا وهيبة


اقترب منها بحب عميق ثم طبع قبلة خفيفة على وجنتها، قائلاً بمزيج من المزاح والعشق الذي لم يتغير :

صباح الجمال يا صغنن


ابتسمت بخفة تلك الابتسامة التي تحمل في طياتها ذكريات السنين الطويلة كيف رغم كل شيء لا يزال يراها صغيرة في نظره، ردت عليه بحب كبير و هي تقبل وجنته برقة :

صباح الخير يا حبيبي


ابتسم بحب، ونظر حوله بدهشة، لم يستمع لضجيج المنزل الذي اعتاد عليه، فسألها بتعجب :

فين ولادك، مش عاملين دوشة زي كل يوم ، ايه، هي القيامة قامت ولا ايه


ضحكت حياة، ضحكة قصيرة لكنها حملت معها مزيجًا من الفرح والحنين لما كان :

عشق بتجهز وهتنزل، ومروان راجع النهاردة من السفر، فعاصم راح يستقبله


لكن عند ذكر مروان، تغيرت ملامح بدر فجأة تراجع قليلاً، كأن ثقلاً قد سقط على قلبه، تنهد تنهيدة عميقة، ثم قال بألم :

عقبال يوسف لما يرجع هو كمان، وحشني اوي يا حياة، اه هو غلط وغلطه كبير وزعلان منه اوي.....بس واحشني !!!


كانت كلماته مثل سكين في قلبها لكنها لم تستطع أن تُظهر ألمها كما يفعل هو بدلاً من ذلك، أغمضت عينيها للحظة، تنهدت بصمت، ثم قالت بهدوء تحاول أن تتماسك :

واحشني اوي انا كمان يا بدر 


كان يوسف أكثر من مجرد ابن، كان جزءًا من روحها ورغم كل ما حدث بينه وبينهم، لم تستطع أن تتخلى عن أمل عودته، أمل أن يعود إليها من بعد ذلك اليوم الذي غادر فيه وترك خلفه فجوة لا تُملأ


ظل بدر صامتًا للحظات، وكأن كلماته قد أخرجت ما كان يحاول كتمانه منذ زمن عيناه، اللتان كانتا دائمًا تحملان الدفء، أصبحتا الآن مزيجًا من الحزن والخذلان نظر إلى الأرض، وكأنه يبحث عن كلمات لشرح ما بداخله، لكنه لم يجد سوى تنهيدة أخرى تخرج منه بصوت خافت :

أنا مغلطتش معاه يا حياة، ولا حتى انتي هو اللي اختار يبعد، اختار يخسرنا كلنا، اختار يبقى ضدنا، انا لحد دلوقتي مش قادر استوعب ان بعد كل السنين دي و تربيتنا ليه يفكر كده، يفكر ان ابوه يعمل الكارثة دي، سيبت ايه للغريب لما ابني اللي من صلبي، وربيته على ايدي يصدق عني كده، ياريته استكفى بانه اتهمنا ظلم، لا البيه دمرنا كلنا، ومشي، انتي عارفة ان ابنك لحد اللحظة دي بيحاربني....بيحارب ابوه يا حياة !!!!


حاولت حياة أن تخفف عنه، لكنها كانت هي الأخرى غارقة في ذات الألم جلست أمامه، وضعت يدها على يده بلطف، وحدقت في عينيه محاولة أن تجد الكلمات المناسبة لتضميد جرحه


ابتسامة صغيرة ومغلفة بالدموع ظهرت على وجهها، لكنها كانت تعلم أن الألم لا يمكن مداواته بالكلمات :

مسيره يوم يعرف الحقيقة ويرجع، يا بدر....مسيره يرجع !!


لم يكن هناك رد فقط صمت ثقيل يملأ الفراغ بينهما، صمت يحمل كل الذكريات التي حاول كلاهما نسيانها

فجأة، قطعت حياة الصمت قائلة بتردد :

طب ما نكلمه يا بدر !!!!


لكن بدر، الذي كان دائمًا صلبًا في مواقفه، هز رأسه بحسم :

لا يا حياة، احنا مغلطناش فيه، هو اللي قرر يمشي، سنتين بعيد عننا مفكرش حتى يتصل بينا ولا حتى بأخواته ، بيعاقبنا يعني، مين فينا الأب مش فاهم !!!


كانت تعلم أن بدر على حق، لكن قلب الأم لا يعرف المنطق كانت تشتاق لابنها، لابتسامته، لصوته، لكل لحظة جمعتهم لكنها لم تستطع الرد الصمت كان رفيقها الوحيد في تلك اللحظة


استدار بدر فجأة قائلاً بابتسامة صغيرة، محاولاً التخفيف من ثقل اللحظة :

المهم، فين القهوة، أنا اتأخرت وعندي شغل لسه هوصلك كمان في طريقي


ابتسمت حياة برقة وتابعت بهدوء :

انا اجازة انهارده 


ضحك بدر، وكأنه قد توقع ذلك، وقال مازحًا :

طبعًا عشان مروان جاي، ده غاب عنك أسبوع واحد بس


قبل أن ترد عليه، قاطعهما صوت عشق، التي نزلت من الطابق العلوي شبيهة لأمها بكل شيء في ملامحها ورقتها، انها حبيبة قلبه الثانية، ثم قالت بابتسامة مشرقة :

صباح النور 


رد الاثنان بتحية دافئة، ثم سألتها حياة :

رايحة فين بدري كده


أجابته عشق وهي ترتدي حقيبتها :

رايحة لجوري


- ليه !!!!


ابتسمت وهي تقبل وجنت والدها بحب :

كنت طالبة منها حاجة، فهروح اخدها قبل ما اروح الجامعة 


رددت حياة بابتسامة هادئة :

طب استني شوية، سلمي على مروان....زمانه وصول


ضحكت عشق وردت برقة :

هرجع بدري يا ماما متقلقيش


غادرت عشق بعدما ألقت تحية سريعة بينما عادت حياة لتحضير قهوة بدر ولكن عقلها لم يكن هنا، بل كان يسرح بعيدًا...إلى تلك الليلة المظلمة، الليلة التي خرج فيها يوسف بعد أن نال صفعة قاسية من والده لأول مرة !!!!

......

كان يجوب بعينيه على تلك الماثلة أمامه، متأملاً من أعلى لأسفل بنظرات غير بريئة بالمرة ولم تكن الأخرى بممانعة، بل كانت أكثر من سعيدة، إذ علمت أنها ستنال مبتغاها من تلك النظرات التي تتراقص في عينيه نحوها فهي "شدوى" التي تملك القدرة على جذب أنظار الرجال إليها بكل سهولة نظراً لجمالها الساحر !!!


ابتسمت بتفاخر وهي تراقبه يغمغم ببرود، لكن نظرات الإثارة والرغبة التي لمعت في عينيه كانت تشي بعكس ذلك :

سهر، عرفتك، شغلك عبارة عن إيه !!


أومأت له برقة مبالغ فيها، قائلة :

اه يا باشا، متتصورش حضرتك انا مبسوطه قد ايه عشان هشتغل مع سليم باشا بنفسه 


أومأ لها، لكن عيناه لم تفارقا منحنيات جسدها التي تعمدت إظهارها بفستانها الذي التصق بجسدها كجلد ثانٍ، كاشفاً عن ساقيها البيضاء الممشوقة


استأذنت منه وغادرت، وهي على يقين بأنه يتابعها بعينيه من الخلف، فتعمدت السير ببطء وغنج

ما إن أغلقت الباب، حتى لمع بريق مكر في عينيه، يفوق مكرها بكثير !!!


يبدو أنها لا تعرفه جيداً إنه "سليم أدهم الجارحي"

المعنى الحرفي للمكر والدهاء يصعب معرفة ما يدور في عقله، فهدوؤه هو ما يميزه، حتى في أصعب الأوقات، لا تجد سوى الهدوء مرتسماً على ملامح وجهه !!!


دخلت إلى مكتبه مرة أخرى، وابتسامة ترتسم على شفتيها، قائلة بدلال وهي تقترب منه :

مستر سليم، في ورق مهم لازم حضرتك تمضيه


تلاعبت بخصلات شعرها بين أصابعها، ثموضعت الأوراق أمامه في حركة متعمدة، تأمل ما أظهرته من أنوثة وإغراء


كان نظره يتابعها بإعجاب، وارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة وفجأة، جذبها نحوه مما جعلها تفقد توازنها وتقع على قدميه، قائلاً بنبرة ماكرة :

قدم اوي جو الإغراء اللي بتعمليه ده !!


حاولت دفعه برفق، معارضة ولكن بحذر :

سليم بيه، من فضلك، عيب كده


ابتسم بزاوية شفتيه، وهو يمرر يده على ساقها المكشوفة، وتعلو عينيه نظرة تحذيرية :

ما تخليكي معايا ضهري، وبلاش لف ودوران....أنا عارف وأنتي عارفة أخرة اللي بتعمليه ده إيه


أجابته بحماسة، وكأنها لم تسمع سؤاله :

الجواز


ضحك بسخرية، وهو ينظر إليها باحتقار :

مكنتش أعرف إن الجمال ده وراه الغباء ده، صحيح الحلو ميكملش


شعرت بالإهانة ولكنها تغاضت عن ردها، لتستمر في إغوائه فحررت أزرار قميصه ببطء، ومررت يدها على صدره العاري، وهي تبتسم بدلال :

يعني عجبتك


أمسك بفكها بين يديه بقوة، وهو ينظر في عينيها بنظرة حادة :

هتجوزك !!


توسعت عيناها، متسائلة بسعادة :

بجد، هتتجوزني


لكن آمالها تبخرت عندما قال ببرود :

عرفي!!


ثم ابع بصرامة :

بلاش نلف وندور على بعض ، من الآخر انتي عجبتيني وأنا عايزك، وانتي كمان نفس الكلام، مش كده برضو !!!


أجابته بإحباط :

طب ليه متخليش الجواز رسمي


زفر بضيق، رافعًا حاجبيه بصرامة :

عشان أنا عايز كده، ومش أنا اللي أعمل علاقة مع واحدة في الحرام، عشان كده بقولك جواز عرفي نقضي كام يوم ولما نزهق، هطلقك لو حد شم خبر عن الموضوع ده، اعتبري نفسك من الأموات......فاهمة


وافقت بلا تردد وهي تدرك أنها أمام فرصة قد لا تتكرر سليم الجارحي، سيتزوجها صحيح انه زواج عرفي، لكن هذا لا يهم فهو لا يدري انه بذلك سهل لها مهمتها !!!!!

.......

في مطار القاهرة الدولي

أعلنت شركة مصر للطيران عن وصول الطائرة القادمة من المكسيك بعد فترة من الانتظار، ظهر شابٌ وسيمٌ في صالة المطار، يخطف الأنظار من حوله، لكن بدا عليه عدم الاكتراث بأي شيء !!


كان يتجول بنظراته الفضولية، هذا المكان لم يسبق له أن وطأه كانت مصر بالنسبة له أرضًا جديدة لم يزورها من قبل،

أشرق وجهه بابتسامة تلقائية بدون سبب واضح، كأن قلبه يخبره أن هذه الزيارة ليست مجرد عابرة، بل بداية لمغامرة جديدة تمامًا !!!!


اقترب منه "سلطان" ذراع والده الأيمن، وهو يضع الحقائب في صندوق السيارة، مرحبًا به بحرارة :

اياد باشا، نورت مصر كلها والدك عنده اجتماع مهم مقدرش يأجله، وبيبلغك تنتظره في البيت، هيكون عندك بعد ساعة بالكتير 


أومأ أياد بهدوء وصعد إلى السيارة، يجلس في الخلف متأملًا الشوارع المحيطة، بينما سلطان يقود السيارة ينظر له عبر المرآة من حين لآخر


سأله اياد ببرود، دون أن ينظر إليه :

هشام، ابن عمي، فين دلوقتي، خدني عنده


نفذ سلطان الطلب على الفور، بعد أن أجرى اتصالًا لمعرفة مكان "هشام" وما إن وصلوا، حتى اقترب هشام معانقًا أياد بابتسامة عريضة :

نورت مصر يا بن عمي


رد عليه الآخر ببرود :

عارف


ابتسم هشام ولكنه لم يعلق فسأله اياد :

فين عمي


أجاب هشام ببرود، وهو يجلس بجانبه :

مع أبوك في الشركة


رد أياد بفتور :

طب، أنت مش هناك ليه


فجأةً، أطلت السخرية من عيني هشام وهو يقول :

أنت أولى بالسؤال ده، المفروض أنك ابن صاحب الشركة، أنا وأبويا حيالله شغالين عندكم بمرتب


شعر أياد بالملل من هذه اللعبة السخيفة، فهو يعرف تمامًا أن حديث ابن عمه ليس سوى محاولة لجذب العطف والشفقة فرد عليه بسخرية وملل :

ما تعيشش في الدور يا هشام، لو أنت وأبوك مجرد موظفين بمرتب زي ما بتقول، مكنتش هتركب عربية زي اللي راكنها بره، ولا كنت هتسافر بلد كل شهر وتصرف الفلوس على الحشيش....مرتب إيه اللي يخليك تعمل كل ده !!!


صمت هشام بضيق ولم يجب، ليسأله اياد :

هتسهر فين انهارده


رد عليه هشام بسخرية، وهو يدخن سيجارته :

جاي حامي أنت أوي


أخذ أياد السيجارة منه يضعها بين شفتيه قائلاً بجرأة :

عندي فضول أجرب


فهم هشام ما يرمي إليه ابن عمه، فهو يرغب في قضاء ليلة ماجنة مع شرقية


قبل أن يتحدث هشام، وصلت له رسالة من أحد أصدقائه ابتسم فجأة، والتمعت عينيه بمكر قائلاً :

جيت في وقتك يا بن عمي !!!!!!

.......

بينما كانت تلك الفتاة الصغيرة، النحيلة الجسد، تخطو بقدمين مترددتين داخل أرجاء الفيلا الواسعة، تلمع عيناها بفرحةٍ طفولية لا تخلو من انبهار، وكأنها ترى الدنيا للمرة الأولى من نافذة لم تُفتح لها من قبل

إنها غنوة.....الخادمة الجديدة التي جاءت لتحل محل الخادمة التي تركت العمل بعد زواجها


كانت تسير بجوار كبيرة الخدم عبير، التي أوصتها بصوتٍ امتزج فيه الحزم بالرجاء :

غنوة، ركزي في شغلك يا بنتي، بلاش تسببي ليا احراج مع الست حياة أو مع حد من العيلة


أومأت غنوة قائلة بطاعة :

حاضر يا خالتي، ماتشغليش بالك، انا هخلي بالي كويس


ابتسمت عبير نصف ابتسامة، لكنها أردفت بجدية :

طب يلا، الست حياة لازم تشوفك الأول، وتوافق


ظلت غنوة صامتة، تتابع بعينيها البريئتين كل زاوية في المكان، كأنها تحفظه في ذاكرتها، فهي لم تعتاد ان تدخل اماكن كتلك، فيلا فخمة تفيض بالهيبة والرقي


ما إن دلفت إلى الصالون الكبير، حتى وقعت عيناها على سيدة جميلة الملامح، ترتدي نظارة طبية وتُمسك ملفاً تنظر في أوراقه بكل تركيز، اقتربت عبير منها قائلة بتهذيب :

حياة هانم


رفعت حياة رأسها قائلة بابتسامة هادئة :

نعم يا عبير


خطت عبير خطوة للأمام، تدفع غنوة برفق لتظهر أمامها :

دي غنوة يا هانم، البنت اللي قولت لحضرتك عليها عشان تشتغل مكان رشا


رفعت حياة عينيها نحوها، لتقع نظراتها على فتاة صغيرة، ضئيلة الجسد، وجهها شاحب لكنه جميل بملامح طفولية نقية، فتساءلت بدهشة :

عندك كام سنة يا بنتي.....؟!!!


أجابتها غنوة بارتباك :

سبعتاشر سنة يا هانم


فتحت حياة عينيها بدهشة، وقالت :

دي صغيرة اوي يا عبير، والشغل هنا تقيل، هيتعبها


أسرعت غنوة قائلة برجاء، وصوتها يرتجف :

لأ والنبي يا هانم، انا مش بتعب، جربيني بس، والله هخلي بالي، مش هكسر حاجة و......


قاطعتها حياة قائلة بحنان ممزوج بصرامة :

يا بنتي أنا خايفة عليكي، انتي لسه صغيرة، والشغل هيكون مرهق مع دراستك اكيد


أطرقت سلمى رأسها، وقالت بحرج وعيناه تلمع بالدموع :

انا معايا اعدادية.....ومش بدرس


ساد صمت قصير أثقل المكان، قبل أن تتدخل عبير محاولة التخفيف :

ماتقلقيش يا هانم، غنوة شاطرة، وهيعجبك شغلها اوي


زفرت حياة بهدوء، ثم أشارت بيدها إلى جهة المطبخ :

طيب،  روحي المطبخ من هنا، وعبير هتلحقك دلوقتي


أومأت غنوة بخجلٍ وتوتر، قبل أن تغادر، وما إن ابتعدت حتى التفتت حياة إلى عبير وقالت بجدية :

خلي بالك منها، لسه صغيرة وضعيفة، بلاش تشغليها شغل تقيل، ونبهي ع البنات في المطبخ محدش يطلب منها حاجة فوق قدرتها


ابتسمت عبير، وقالت باحترام :

حاضر يا هانم، عن إذنك


دخلت عبير إلى المطبخ، لتجد غنوة واقفة في ركنٍ بعيد، عيناها تائهتان بين وجوه الخدم الذين رمقوها بنظراتٍ فضولية، قدمتها لهم ببضع كلمات، ثم اصطحبتها إلى الغرفة الصغيرة المتصلة بالمطبخ، الغرفة الوحيدة الشاغرة بين غرف الخدم، ستصبح لها


سلمتها الزي الرسمي بنطال أسود، قميص بنفس اللون، مئزر أبيض صغير يُشد حول خصرها، وحذاء أسود

نظرت غنوة إلى الملابس بين يديها، بخوف خفي من القادم !!


مرت ساعات طويلة على حياة وهي تنتظر أبناءها القادمين من المطار، ومع طول الانتظار تسلل الإرهاق إلى جسدها، فقررت أن تصعد إلى غرفتها لتستريح قليلًا على فراشها، حتى يصلوا


بعد ساعة، توقفت سيارة عند الباب الداخلي للفيلا، ترجل منها عاصم أصغر الأبناء، يتبعه شقيقه الأكبر مروان


كان مروان مختلفًا عن باقي إخوته، بينما اتبع الجميع خطى والدهم في عالم الأعمال، شق هو لنفسه طريقًا آخر، حاملاً حلمًا قديمًا بأن يصبح قبطانًا بحريًا


تلفت مروان بعينيه باحثًا عن والدته، اللهفة تسبق خطاه، فقد اشتاق لرؤيتها، توقع أن يجدها بانتظاره في الصالة، لكن الصدمة اعترت ملامحه حين لم يرها، التفت بقلق نحو عبير كبيرة الخدم ليسألها، فأجابته بهدوء معتاد :

حمد الله عالسلامة يا مروان بيه، حياة هانم استنت حضرتك كتير، ولما اتأخرتوا طلعت ترتاح في أوضتها


أومأ مروان بصمت، ثم صعد مباشرة إلى غرفته، كان بحاجة إلى حمام سريع يزيل عن جسده تعب السفر


بعد وقت قصير، خرج مروان من الحمام، قطرات الماء تتساقط من شعره وهو يجففه بمنشفة صغيرة، بينما التفت أخرى حول خصره، راح يدندن بصوت خافت، مستمتعًا بصفاء اللحظة، حتى مزق الصمت صراخٌ مفاجئ من داخل الغرفة !!!!!


انتفض بحدة، جاحظ العينين، ليجد فتاة تقف عند أحد الأركان، ظهرها له، جسدها مرتعش من الخوف، فصرخ عليها بغضب :

انتي مين، ازاي تدخلي كده من غير استئذان....؟!!!


جاءه صوتها متهدّجًا بالدموع :

والله ما كنت أعرف إن حضرتك موجود، أنا آسفة


في تلك اللحظة، اندفعت حياة إلى الغرفة، وقد أيقظها صوته الغاضب، ومن خلفها عبير، فسألت بقلق :

في إيه؟ إيه اللي حصل؟!


أشار مروان بعصبية نحو الفتاة :

مين دي يا ماما


التفتت حياة إليها، ثم عادت تنظر لابنها باستغراب :

دي غنوة لسه جديدة، بدأت شغل هنا النهارده مكان رشا ايه اللي حصل؟!!


تلعثمت غنوة، وخرج صوتها مرتجف :

والله ما كنت أعرف إن حضرتك هنا، البنت اللي تحت قالتلي أطلع أمسح التراب، ما كنتش أعرف والله


هدأت حياة، وقالت بلطف :

خلاص يا بنتي، حصل خير


لكن مروان زفر بضيق، ثم اتجه إلى غرفة الملابس، يغلق الباب خلفه بعنف، بسبب شعوره بالإحراج من ظهوره هكذا أمام الخادمة


ارتجفت غنوة مع صوت الباب العالي، قبل أن تلتقط أنفاسها وتعود لعملها، تحاول التماسك رغم خوفها


بعد قليل، خرج مروان ليجد والدته جالسة على الفراش تنتظره، اقترب منها قائلاً بابتسامة مشتاقة :

حياة قلبي وحشتيني


ضحكت حياة بخفوت، واحتضنته بحنان الأم :

وإنت كمان يا حبيبي


جلسا سويًا يتبادلان حديثًا قصيرًا، قبل أن تسأله بلهجة مترددة :

شوفت اخوك يا مروان ؟؟


تنهد مروان، ثم قال بضيق :

حاولت يا ماما، بس رفض يقابلني، حتى مكالماتي ما بيردش عليها


أطرقت حياة بعينين مثقلتين بالأسى :

ربنا يهديه ويصلح حاله


ربت مروان على يدها بحزن، يزداد ضيقه من انعزال شقيقه الأكبر يوسف عنهم جميعًا


في المساء، هبط مروان درجات السلم بخفة وحماس، يبحث عن والده وإخوته، اشتاق إليهم كثيرًا، لكن لم يجد أحدًا، بدلاً من ذلك، وقعت عيناه على تلك الخادمة الجديدة "غنوة"

كانت تمسح الأتربة بحذرٍ شديد، يديها ترتعشان كلما اقتربت من تحفة زجاجية أو قطعة كريستال ثمينة


تذكر مروان موقف الصباح، وحاول أن يستعيد اسمها لكنه لم يتذكره، فابتسم وقال مازحًا :

بس بس


التفتت نحوه بخوف، نظرت في عينيه لثانية قبل أن تخفض بصرها سريعًا :

في حاجة يا حضرتك؟


رد عليها بمرح :

ايوه تعالي هنا


اقتربت بتردد، حتى وقفت أمامه، فابتسم وسألها :

اسمك إيه...؟؟


ردت عليه بصوت خافت، خجول:

غنوة


ردد الاسم بإعجاب :

غنوة، اسم جميل، اول مرة أسمعه


خفضت رأسها بخجل، فتابع بسؤاله محاولًا كسر خوفها :

عندك كام سنة ؟؟


ردت عليه بخفوت :

سبعتاشر سنة


سألها بفضول :

وبتدرسي إيه


أجابت بحزن خفي، وحرج :

معايا إعدادية، وطلعت من التعليم


صمت للحظة، ثم قال بهدوء معتذرًا :

ما تزعليش من اللي حصل الصبح، أنا اتفاجأت بس، والوضع كمان مكنش لطيف خالص


رفعت رأسها قليلًا، متفاجئة من اعتذاره :

حصل خير يا حضرتك


سألها وهو يلمح بعينيه أرجاء المكان :

ماما والباقيين فين؟


ردت عليه بتهذيب :

لسه داخلين أوضة السفرة عشان يتغدوا


ابتسم وهو يهم بالمغادرة :

إن شاء الله تنبسطي في الشغل هنا.....يا غنوة


تنفست بارتياح بعد ابتعاده، حامدة الله في سرها، كانت تخشى أن يستغل الموقف ليؤذيها أو يأمر بطردها، لكن بعدما خاطبها بلطف، انزاح عن صدرها عبء ثقيل

............

بين جدران القصر المهيب، حيث تمتد الطاولة الفاخرة محملة بما لذ وطاب، جلست العائلة الكبيرة حولها

آدم، بوقاره وهيبته، جلس في صدر الطاولة، عيناه تجولان على أبنائه، كأنه يعد نعمة العمر التي حصدها بجهده وصبره كان قلبه يفيض بالفخر، يرى حياته ممتدة أمامه، عائلة كبيرة مترابطة، كما تمنى دومًا


لكن فجأة، اخترقت صافي ذلك الجو بهدوءها وصوتها المليء بالتردد، قائلة :

بابا، في حفلة بكرة بالليل، أنا وجوان وليلى معزومين، ممكن نروح


رفع آدم نظره إليها، حاجباه انعقدا قليلًا، وسأل بهدوء :

حفلة إيه؟ وهتكون الساعة كام يا صافي؟


ابتلعت ريقها، وأجابت بصوت متردد، وهي واثقة من رفضه :

حفلة تنكرية يا بابا، وصحابنا كلهم هيكونوا هناك، هتبدأ الساعة عشرة بالليل


ساد الصمت، وكأن الطاولة تحولت لبحرٍ راكد، تنحنح آدم قليلًا، وصوته خرج أعمق هذه المرة، ممزوجًا بالاستنكار :

الساعة عشرة، طب وهتخلص الساعة كام بقى ان شاء الله، إحنا اتفقنا مفيش رجوع متأخر، والساعة عشرة دي أصلاً متأخر


تحركت صافي في مقعدها بملل وضيق، وقالت :

بس يا بابا، دي مرة واحدة، وبعدين ممكن تبعت حراس معانا، يعني مفيش حاجة تخوف، صدقني


رمقها آدم بصمت، لكن قبل أن ينطق، جاء صوت عمها أوس الصارم من الطرف الآخر، كالسيف القاطع :

صافي، الكلام مش ليكي لوحدك، خروج ورجوع بالليل كده غلط جدًا يا حبيبتي


تدخلت جوان، التي كانت تراقب الموقف بصمت، وقالت :

يا عمي، دي أول مرة نطلب حاجة زي كده، الحفلة هتبقى حلوة، وكل صحابنا هناك، هننبسط اوي، ونغير جو 


لكن آدم أنهى النقاش بحدة، وصوته جاء كالرعد :

صحابكم اللي سمعتهم زي الزفت، وتصرفاتهم طايشة عشان كده بقول لأ.....والموضوع انتهى، كملوا أكل


ارتجفت يد صافي وهي تقبض على الملعقة، قبل أن تضعها بعنف على الطبق، وصوتها يخرج حادًا لأول مرة :

بس أنا عايزة أروح يا بابا


تدخلت زينة، الأم الحنونة، بعينين دامعتين تحاولان تهدئة النار المشتعلة :

صافي، عيب تتكلمي كده مع بابا


لكن الفتاة، امتلأت عيناها بالحزن والتمرد، ردت بجرأةٍ غير معتادة :

أنا مش بعمل حاجة غلط، انا من حقي اعمل الحاجة اللي نفسي فيها طالما مش بضر حد، ولا بتجاوز حدودي


حينها ارتفع صوت آدم، بصرامة، وغضب :

اطلعي على أوضتك يا صافي


تسمرت مكانها بصدمة، لكن حين أعاد والدها الأمر بغضب أشد، وصوته يزلزل الجدران :

قولت اطلعي فورًا !!!!


انفجرت صافي بالبكاء، دموعها تسابق خطواتها وهي تركض للأعلى، تضرب الأرض بقدميها كطفلة مقهورة، تبعتها جوان سريعًا، بينما غادرت ليلى في هدوءٍ بارد، هدوء يخفي خلفه زوابع من المشاعر المتناقضة


العيون كلها لاحقتها، لكنها لم تلتفت، كانت تعرف تلك النظرات جيدًا، نظرات الشفقة، التي لطالما مزقت قلبها أكثر من أي كلمات !!!!!


داخل غرفة صافي، جلست على الفراش، قبضتاها مشدودتان حتى احمرت أصابعها، والغضب يغلي في صدرها، همست بصوت مبحوح، مليء بالتمرد لجوان :

أنا مش عيلة صغيرة، وهروح الحفلة دي يعني هروح، حتى لو من وراهم، أنا مش بعمل حاجة غلط، امتى يثقوا فينا، يقتنعوا بقى اننا كبرنا مبقناش عيال صغيرة !!!!!!!

.............

في الحديقة الخلفية للقصر، كانت خطواتها الخفيفة تلامس العشب بحذر، كأنها تخشى أن يفضحها حتى صرير الأرض


قلبها يخفق بجنون، يتأرجح بين خوفٍ، ولهفةٍ لا تعرف كيف تكبحها، التفتت يمينًا ويسارًا، تبحث عن احدهم، وفجأة !!

شعرت بيدٍ قوية، تسحبها بعنفٍ مباغت خلف شجرة ضخمة شهقت بصوتٍ خافت، لكن الصوت لم يكتمل، إذ سبقته أنفاسٌ حارة همست عند أذنها :

وحشتيني، يا أحلى من القمر، واجمل أميرة !!!!


ارتجف جسدها، لكن ابتسامة شاردة ارتسمت على شفتيها، تذكرت اول مرة نطق بتلك الكلمات لها منذ سنوات طوال


اقترب أكثر، دفن وجهه في عنقها، يستنشق عبيرها كما لو كان غريقًا وجد أخيرًا شاطئ النجاة

شعرت بأنفاسه تحرق بشرتها، وبشفتَيه يلامسان عنقها برقةٍ كأنهما يعزفان لحنًا سريًا لا يسمعه سواها


همست بصوتٍ متقطع، يحمل كل الحنين والاشتياق :

نــوح !!!!

...........



#الفصل_الثاني

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

ملخص احداث الجزء الأول

ليلى الجارحي ويوسف العمري كانوا متجوزين وبيحبوا بعض جدًا وعندهم خمس أولاد آدم أوس ريان أمير وحياة لكن يوسف اضطر يتجوز بنت صاحب أبوه عشان شرط أساسي لاستلام الورث البنت دي لعبت لعبة كبيرة بينهم وأوهمته إن ليلى بتخونه مع راجل غريب في أوضة نومهم وخلته يشوفهم بعينه يوسف صدق الكذبة وكره ليلى وعياله الخمسة ورفض يسمع لحياة اللي كانت شاهدة على كل حاجة وهي متكتفة شايفة اللي بيحصل لأمها


السنين عدت والعيال عاشوا مع أهل أمهم ولما كبروا بدؤوا يكشفوا الحقيقة ويثبتوا براءة أمهم ليلى


حياة كانت بتحب ابن عمها إلياس بس كانت خايفة منه لأنه شبه أبوها في طباعه في نفس الوقت كانت بتحس بالأمان مع بدر ابن عم والدتها رغم إنها اختارت إلياس في الأول إلا إنه اتهمها بالخيانة زي ما أبوها اتهم أمها لما شافها مع الدكتور النفسي عمر اللي كانت بتتعالج عنده بعد الاتهام ده بعدت عنه وسافرت مع بدر وعيلتها عشان تكمل تعليمها بره وقدر بدر يكسب قلبها ويخليها تحبه


آدم اتجوز بنت خاله زينة

أوس اتجوز مهرة بنت أخت الست اللي ربتهم

أمير اتجوز فرح بنت الست اللي ربتهم

ريان اتجوز ندى بنت عمه وأخت إلياس


سارة بنت زوجة أبوهم اللي دمرت حياتهم قدرت تزرع كاميرات في غرفة نوم أوس وصورته مع مراته وهددته إنها هتفضحه لو ما اتجوزهاش خوفًا على مراته وافق ودي كانت صدمة للكل إنه اتجوز بنت الست اللي قتلت أمه ومع الوقت العيلة اكتشفت حقيقة سارة وحصل لها حادث قلب حياتها بدأت تفكر بطريقة مختلفة وطلبت السماح من الجميع


سارة بعد الحادث قابلت الدكتور النفسي عمر اللي كانت حياة بتتعالج عنده وكان هو نفسه ضحية ليها زمان لما كانوا في الجامعة سارة كانت عملت رهان مع صحابها على عمر وخلته يحبها وبعدين سابته لما تقابلوا تاني عمر ساعدها بس رفض يسامحها رغم إنه كان لسه بيحبها عمر كان متجوز بنت خالته بس هي توفت يوم ولادة بنتهم في النهاية سامح سارة بعد ما شاف إنها فعلاً اتغيرت


أما أدهم الجارحي ابن خال الأخوة الخمسة وأخو زينة كان بيحب هنا قريبتهم من بعيد وكان ناوي يتقدم لها بس في نفس اليوم شافها نايمة في سرير صاحبه فبعد عنها ما كانش يعرف إن دي لعبة من سكرتيرته وخطيبته سمر اللي ارتبط بيها عشان ينسى هنا


الجد أجبر أدهم وهنا على الجواز لكن بعد كام يوم من الفرح أدهم اعتدى على هنا وهو سكران فكرهته بعد كده اتواجهوا بالحقيقة اللي كان مخبيها في قلبه في النهاية قدر يثبت براءتها لكنها رفضت تسامحه واتطلقوا بعد ما ولدت ابنهم سليم بعد خمس سنين من الانفصال قدرت هنا تسامحه ورجعوا لبعض


في النهاية مات يوسف العمري بمرض خبيث وكان الندم بينهش في قلبه على كل اللي عمله في أولاده ومراته اللي كانت الحب الوحيد في حياته يوسف حس بالذنب إنه رمى أولاده في الشارع في وقت كانوا محتاجينه فيه وإنه صدق الكذبة اللي دمرت حياته وحياة أولاده وفي نفس الوقت كان عايش مع سارة بنت الست اللي دمرت عيلته كلها


الياس ونسرين

نسرين شخصية طرف ثالث في علاقة بدر وحياة، وبيحصل بينهم علاقة وينتج عنها حمل


سمر ورجل الأعمال

بعد ما أدهم يكتشف حقيقتها، ختدخل السجن

بعد خروجها، تتجوز رجل أعمال مش كويس

هتكتشف بعد الجواز إنه مريض وبيعذبها

للرجل ده ليه بنت اسمها بسمة لكنها فاقدة النطق وعنده ولد اسمه نوح

لكن الراجل اتوفى في ظروف غامضة في الجزء الأول هنعرف تفاصيلها في الجزء التاني

➖➖➖➖➖➖

الأبناء في الجزء الثاني معظمهم شخصيات ثانوية ⬇️

عائلة حياة وبدر :

يوسف/مروان/عشق وعاصم "توأم"


عائلة آدم وزينة :

ياسين/صافي


عائلة أوس ومهرة :

مالك/حمزة/ليلى


عائلة ريان وندا :

ليلة/شريف


عائلة أمير وفرح :

ثائر/جوان وجوري "توأم"


عائلة أدهم وهنا :

سليم/قمر


ابناء إلياس ونسرين :

سيدرا/يونس "تؤام"


عائلة عمر وسارة :

جومانا من زواجه الأول

ريماس/كارما وليان "توأم"


معظم الابناء دورهم ثانوي ❤️ 

في شخصيات جديدة هتظهر قدام وهتتعرفوا عليها

مفيش لخبطة ان شاء الله هبسطها ليكم

المخلص هنشره ليكم اول كل بارت جديد

..............

الفصل الثاني


تقدمت قمر بخطواتٍ مرتجفة، تتسلل على أطراف أصابعها، قلبها يخفق بعشوائية، وكأنه على وشك أن يُفلت من صدرها التفتت يمينًا ويسارًا، تشعر الخوف والتوجس


فجأة، باغتتها يدٌ قوية جذبتها بعنف خلف شجرة ضخمة، شهقت بصوتٍ مكبوت، لكن أنفاسها سرعان ما ارتجفت حين تسللت إلى مسامعها همساتٌ دافئة، مشبعة بالحنين :

وحشتيني يا أحلى من القمر، وأجمل أميرة


ارتجفت شفتاها بابتسامةٍ لا إرادية، تعانقت مع ذكريات اللحظة الأولى التي قال لها فيها نفس الكلمات، كأن الزمن توقف ليُعيدها إلى بداياتها معه، همست باسمه بخفوتٍ يقطر عشقًا :

نــوح !!!!!


اقترب أكثر، يدفن وجهه في عنقها، يستنشق عطرها بشغف العطشان حين يجد ماءه، قبض على يدها برفقٍ حذر، وكأنه يخشى أن تضيع منه بين اللحظة والأخرى :

تعالي معايا يا قمر


تراجعت خطوة، وعيونها تتسع بالصدمة :

معاك فين، نوح، إنت عارف لو حد حس بغيابي، هتبقى مصيبة كبيرة


اقترب بخطواتٍ ثابتة، عيناه كالجمر وهو يقول بحسم :

خلاص.....هطلع أنا معاكي


رفعت كفها أمامه، وصوتها امتزج بالذهول والرجاء :

إنت اتجننت؟! نوح بالله عليك امشي دلوقتي، لو بابا أو سليم شافوك هنا، هتبقى كارثة، امشي دلوقتي عشان خاطري، بكره نتقابل 


زفر بعمق، قائلاً بحدة ونار الغضب تشتعل داخل صدره :

براحتك، بس خلي بالك يا قمر، أنا زهقت من الوضع ده


سقطت كلماته على قلبها كخنجرٍ مسموم، جعلها تتمزق من الداخل، همست بعجز :

طب انا ايه اللي في ايدي اعلمه ومعملتهوش !!


نظر إليها بحدةٍ لم تعهدها في عينيه، خرج صوته صارم لكنه مليء بالعتاب والألم :

الحل في ايدك، لكن انتي اللي مش موافقة


أفلت يدها، وغادر بخطواتٍ مثقلة بالغضب، لم يلتفت، لم يحاول أن يترك لها بصيص أمل، فقط مضى.....

تاركًا إياها وحيدة في عتمة الحديقة، غارقة في بحر من الحيرة !!!

حتى وإن كانت تحبه، ما يطلبه مستحيل، كيف تتزوجه زواجًا عُرفيًا، لا يمكنها ان ترتكب هذا الخطأ الفادح بحق عائلتها، وهم بالأساس يكرهونه !!

كان قلبها يتنازع بين نداء العشق وصرخات الواجب

عالقة بين جحيمين، لا مفر منهما !!!!!!

.............

أغلقت عينيها بقهرٍ، تحاول طرد صور الماضي من رأسها، لكن الذكريات كانت كالأشباح، تلح عليها بلا رحمة، آخر لقاء بينهما لا يغادرها، الفضيحة التي ألقاها فوق رأسها أمام الجميع، الإهانة التي حطمت كبرياءها

ما فعله كابوسًا يُطاردها كل ليلة.....لا ينتهي !!


انزلقت دمعة حارقة على وجنتها وهي تستعيد صوته الغاضب، تلك الكلمات التي خرقت روحها كالسكين، بينما كادت روحها ان تُزهق بين يديه :

فاكرة إني بموتها هبصلك؟! هاجري عليكي زي ما بتتمني؟! تبقي غلطانة إنتي وهما، لو فاكرين كده، انا عمري ما هسامحكم، اللي بيني وبينكم بعد اللي عملتوه مش هيبقى إلا كره.....كره وعداوة طول العمر


ارتجف قلبها مع الصدى المرعب، كأن تلك اللحظة لا تزال حاضرة بين أنفاسها، كانت غارقة في عالمها المظلم، لم تشعر بطرقات الباب المتكررة، ولا بخطوات والدها أوس وهو يدخل بعد أن ضاق صدره بالانتظار

رآها متهالكة، غارقة في دموعها، مغمضة العينين كمن يحاول الهرب من واقعه


انكسر قلبه، هو الذي اعتاد أن يرى طفلته مدللة، مشرقة، حاول أن يخفي حزنه خلف ابتسامة باهتة وصوتٍ مرح :

قلب أبوها، سرحانة في إيه، مش سامعة كل الخبط اللي ع الباب


انتفضت ليلى جالسة، ومسحت دموعها بعجلة مرتبكة :

آسفة يا بابا، ماسمعتهوش


جلس بجوارها، ولم يقل كلمة، فقط جذبها إلى حضنه، تشبثت به بكل قوتها، كغريقٍ يلتقط طوق النجاة، وعادت دموعها تتساقط بصمتٍ موجع

طالت لحظة الصمت، قبل أن تقطعه ليلى قائلة بصوتٍ متهدج يكاد يتلاشى :

أنا مقتلتهاش يا بابا، ولا كنت شمتانة في موتها زي ما هو بيقول، أنا عمري ما أعمل كده أبداً


شد أوس من عناقها، وصوته يغلفه حزنٌ عميق :

عارف يا ليلى، عارف وكلهم عارفين ده كويس، هو اللي غبي، بكره يندم


رفعت رأسها تنظر إليه بعيون مثقلة بالوجع :

بس بكرة ده مش بييجي ليه يا بابا، بقاله سنتين، الحقيقة ما ظهرتش، وهو ما رجعش، هفضل قاتلة في نظره لحد إمتى، طب أنا أستحمل بس ذنب عمته وأونكل بدر إيهؤ أنا مجرد بنت خاله، لكن هما؟ عيلته، أبوه وأمه، أكيد وجعهم أكبر من وجعي بكتير، ليه يصدق فيهم كده !!!


نظر إليها أوس بحدةٍ مفاجئة وسألها مباشرة :

قلبك حن ليه...؟!


أطرقت للحظة طويلة، تبحث بداخلها عن اجابة، ثم قالت بمرارة تسري بصوتها :

تفتكر ممكن احن لواحد عمل فيا كل ده، هحن لواحد فضحني، وكان هيموتني لولا انكم لحقتوني من بين ايديه


تنهدت بوجعٍ يخنق الروح، وقالت :

انا مش عايزاه، ولا عايزة حبه، كل اللي عايزاه دلوقتي إنه مايفضلش شايف نفسه مظلوم، عايزاه يندمؤ يحس بالوجع زي ما أنا موجوعة


تغيرت ملامحها فجأة، وسيطر على صوتها غضبٌ مفعم بالانتقام :

أنا عايزة حقي يا بابا، عايزة أذله زي ما ذلني واهانني قدام الناس، انا بكرهه اوي يا بابا بكرهه اوي


أغمض أوس عينيه بحزنٍ شديد، كأن الزمن يصر على أن يعيد نفسه مرارًا، بنفس الوجع، لكن هذه المرة كان الألم أعمق، أثقل، وأكثر قسوة !!!!!!

............

كان إلياس واقفًا في شرفة غرفته، عيناه تائهتان في زرقة السماء، والليل يوشوشه بذكرياتٍ لم يفلح الزمن في محوها خمسة وعشرون عامًا مرت كالسجن الطويل، يعيش فيه وحيدًا، يحاول أن يكون أبًا وأمًا في آنٍ واحد، يُربي أبناءه وحده، بينما قلبه عالق هناك، حيث فقد نفسه يوم فقدها


ظن يومًا أن الأيام كفيلة بتهدئة النار المشتعلة في صدره، لكنه اكتشف أن بعض الحرائق لا تنطفئ، بل تتوارى تحت الرماد، تنتظر النسمة لتشتعل من جديد


ألقى بنظره نحو الحديقة، فرأى ابنته سيدرا تجلس وحيدة على الأرجوحة، ملامحها الغارقة في التفكير أعادته إلى ماضيه، وكأنها انعكاسه الصغير، قرر أن ينزل إليها


اقترب منها وقال بصوتٍ يفيض بالحنان :

قاعدة لوحدك يا سيدرا، بتفكري في إيه


ابتسمت له وهي تفسح له مكانًا بجوارها :

كنت بجري شوية، وقعدت أرتاح


جلس بجوارها صامتًا، لكن سؤالها المباغت زلزله من الداخل:

بابا عمرك حبي


تردد قليلًا قبل أن يجيب، وصوته يشي بتوترٍ خفي :

ليه السؤال ده.....؟!!!


رفعت كتفيها بلا مبالاة متعمدة :

ـمجرد فضول


زفر بعمق، ثم ابتسم ابتسامة باهتة غلفها الحزن :

اكيد مش انسان وليا قلب زي اي حد


ترددت قبل أن تسأله بخفوت :

اللي حبيتها دي تبقى.....تبقى.....


أدرك مقصدها، فأجاب قبل أن تكمل :

تقصدِي والدتك


نطقت سيدرا بضيقٍ لم تحاول أن تخفيه :

بابا، لو سمحت الست دي مش امي وخسارة فيها اصلا تكون ام لأي حد


نظر إليها بعتاب قائلاً :

برده يا سيدرا، مهما حصل، دي امك


أشاحت بوجهها بعيدًا، وقالت بسخرية مرة :

امي على اساس ايه، سهرة الليالي، كانت جنبنا، نعرفها اصلاً، انا لو شوفتها صدفة مش هعرفها يا بابا.....خليني ساكتة احسن 


لم يرد، لكنه لم يكن يتوقع منها السؤال التالي :

لسه بتحبها....؟!!!


حرك رأسه نافيًا بحزم :

محبتهاش، جوازي من والدتك مكانش حب أبدًا


نظرت إليه بعينيها المتسعتين، وسألته بصوت خافت :

يعني، كنت بتحب واحدة تانية


ارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، وتنهيدة طويلة أفلتت من صدره وهو يقول بحب :

ماحبتش في حياتي غيرها، كانت زي النجمة في السما، شايفها، لكن مهما عملت مستحيل اوصلها


زاد فضولها، فسألته :

طالما تحبها كده....ليه ما اتجوزتهاش؟


غاص صوته في بحار الندم وهو يقول :

كنت هتجوزها، لكن ضيعتها من إيدي بغبائي، زمان قبل ما اتجوز والدتك، كنت عصبي ومتهور ، فيا صفات وحشة كتير، كانت سبب اني أخسرها !!


كانت سيدرا تستمع بانتباه شديد، ووالدها يتابع بحزن :

مكنتش قادر أفهم هي محتاجة إيه، كنت متردد في إني أقرب منها، وخفت أندم لو اخترتها خوفي ده خلاها ما تحسش بالأمان معايا، وزودت الإحساس ده بغلطة غبية مني...كانت الناهية لعلاقتنا اللي يدوب لسه بتبدأ


سألته سيدرا باهتمام :

هي دلوقتي فين، بتشوفها....؟!!


ابتسم بمرارة، قائلاً :

بشوفها، وكل مرة بشوفها بحس بندم مالي قلبي، بس على قد ندمي، بفرح لما بشوفها سعيدة مع غيري، اتجوزت اللي يستاهلها، اللي قدر يديها اللي أنا ماقدرتش أديهولها


ساد صمت قصير، قبل أن تقول بحذر :

عشان كده سميتني سيدرا


نظر إليها بدهشة، فتابعت بهدوء :

اسمي معناه النجمة، وي ما وصفت حبك ليها بالظبط


سألته سيدرا وهي تضم قدمها لصدرها :

كان نفسك تسميني على اسمها


ابتسم ورد عليها بحب :

كان نفسي


سألته بخفوت :

طب ليه ماعملتش كده


رد عليها إلياس بحزم :

لكذا سبب، هحتفز بيهم لنفسي


ابتلعت فضولها، لكنها لم تستطع منع سؤال آخر :

طب مين هي؟


لم يجب، صمته كان اعترافًا أبلغ من الكلام انه لا يريد البوح عن هويتها !!!!


ساد صمت ثقيل للحظات، قبل أن تسأله بخفوتٍ ممزوج بالوجع :

هي ليه سابتنا ومشيت يا بابا، حنا كنا صغيرين، مستحيل نكون عملنا حاجة تخليها تسيبنا او تكرهنا، وحتى لو حضرتك كنت السبب، برده مش مبرر إنها تختفي كده وتنسى إن ليها ولاد، دي ما بتسألش حتى بالتلفون


ضحكت بسخرية مريرة وقالت :

ده أنا حتى معرفش شكلها


حاول أن يجد كلماتٍ يواسي بها قلبها، لكنه لم يجد، فأكملت هي بصوتٍ حنون :

عارف يا بابا... أنا مش زعلانة، بالعكس، انا بحمد ربنا إن حضرتك اللي فضلت لينا، إنت أحن وأجمل أب في الدنيا، متأكدة إنها عمرها ما كانت هتحبني انا ويونس ربع حب حضرتك لينا


ابتسم، وجذبها إلى حضنه، قائلاً بحنان :

انتي وأخوكي حياتي كلها،  انتوا الحاجة الوحيدة اللي مصبراني ع الدنيا، انا ماليش غيركم


فجأة، جاء صوت يونس توأم سيدرا من خلفهما قائلاً بدراما مبالغ فيها :

خيانة، مش عيب يا باشا تحضن بنتك، وتنساني كوز درة انا يعني، هوا في القصر ده


ضحك إلياس، وفتح ذراعيه قائلاً بحب :

تعالى يا أهبل


ألقى يونس بنفسه في حضن والده، فضمهما إلياس معًا، يخبئ كل جراحه بين عناقهم، ثم همس بحب :

ربنا يخليكوا ليا


قبّل الاثنان يده بحب عظيم، ورددا في صوتٍ واحد :

ويخليك لينا يا بابا

.............

في منتصف اليوم، جلست غنوة أخيرًا على المقعد في فيلا بدر الجارحي، محاولة أن تمنح نفسها دقائق قليلة من الراحة قبل أن تعود لعملها المستمر


أخرجت هاتفها، واتصلت بصديقتها الوحيدة حبيبة، التي أجابت فورًا بنبرة لهفة وقلق :

طمنيني يا بت، اخبارك ايه، ومرتاحة في الشغل ولا لأ ؟؟


ابتسمت غنوة قليلًا، وشعور بالراحة يعتري قلبها :

الحمد لله الناس اللي بشتغل عندهم كويسين أوي


تنهدت حبيبة براحة، ثم، قالت :

طب الحمد لله، ابعتيلي العنوان في رسالة وسيبي تليفونك مفتوح علطول، عشان أطمن عليكي من وقت للتاني


"حاضر..." أجابتها غنوة بهدوء، قبل أن تسأل بتوتر :

حبيبة... هو... هو بابا مسألش عني؟


ترددت حبيبة قليلًا، لكنها قررت أن تقول الحقيقة :

أبوكي خد مراته وبناته وسافر امبارح بلدكم، بعد ما باع الشقة لجابر الجزار


أغمضت غنوة عينيها، غارقة في شعور القهر، تحاول منع دموعها من التساقط، خاصة مع وجود الخدم حولها


اخذت تواسيها حبيبة قائلة بحزن :

متزعليش نفسك يا غنوة.....بكره يندم


 ــ او مايندمش، مش فارقة خلاص !!

قالتها غنوة بسخرية مريرة، قبل أن تقطع المكالمة :

هقفل، ورايا شغل بينادوا عليا، هكلمك وقت تاني، سلميلي على خالتي، وأخواتك، سلام 


أغلقت الهاتف، وعادت إلى عملها، لكن عقلها كان شاردًا، وقلبها محطمًا، تركها والدها وحدها، لم يسأل عنها، لم يلتفت لوجودها !!!


أجابت باقتضاب على إحدى الخادمات التي طلبت منها تنظيف غرفة بالطابق العلوي :

ماشي


تعمل كآلة، تنظف الأتربة، تغير الشراشف، كانت ممسكة بإحدى التحف السوداء لتنظيفها، بينما عقلها يعيد كلمات حبيبة وأفعال والدها وزوجته، والدموع تكاد تتشكل على عينيها


لم تشعر بدخول مروان إلى الغرفة، ولا بصوته وهو يناديها :

يا آنسة


ارتجفت، وأفلتت قطعة الزينة من يديها، لتتحطم على الأرض، ليدوي صوت تحطيمها في المكان تزامنًا مع بكائها الحاد !!!!!!


اقترب مروان يسألها بحذر وقلق وهو يرى انتفاض جسدها، وعلو شهقاتها :

اهدي يا انسة، بتعيطي ليه بس دلوقتي ؟


لكنها لم تهدأ، بل زاد الأمر سوءًا حتى اصطبغ وجهها باللون الأحمر من شدة البكاء، والدموع تتساقط بغزارة، مغرقة وجهها بالكامل


جذبها من يدها برفق وجعلها تجلس على طرف الفراش، قائلاً بحنان، وصوتٍ دافيء :

اهدي يا انسه، مالك بتعيطي ليه، حد ضايقك من اللي في البيت ؟؟


نفت برأسها، لكن شهقاتها لم تتوقف، سألها مروان بحيرة :

طب مالك بتعيطي كده ليه، انتي تعبانة


لم تجد ما تقوله، الأمر خاص بها، فأشارت بيدها نحو حطام الزينة، متلعثمة :

كسرتها غصب عني....


اتسعت حدقتاه بدهشة ، وقال :

يعني المناحة كلها عشان دي اتكسرت


أومأت، والدموع لا تزال تسيطر عليها، لم تكذب عليه حين قالت ذلك، فبكاءها بهذا الشكل كان لعدة اسباب منها خوفها الشديد بخسارة عملها بسبب انها كسرت تلك التحفة المؤكد انها باهظة الثمن وبالتأكيد لن تستطيع دفع ثمنها !!!!!

تخاف ان تخسر عملها الذي وجدته بعد عناء 


ضرب مروان كف بالآخر قائلاً بعدم تصديق :

لا حول ولا قوة إلا بالله، يا شيخة قولي كلام غير ده، انا قولت البت اتعورت، فيه مصيبة، حد معذبها


زفر بضيق، سرعان ضحك بخفوت، وقال :

اقفي


التزمت غنوة الصمت، فعلت ما قال، ليأخذ هو إحدى التحف التي تزين مكتبة الحائط الخاصة به، ثم دفعها على الأرض بعيدًا لتتحطم لأشلاء على الفور، تزامنًا مع شهقتها الفزعة !!!


ردد مروان بابتسامة :

اهدي، ماحصلش حاجة مش مستاهلة تبكي بالشكل ده عليها فداكي يا ستي ألف واحدة زيها، المهم إنك ما تأذيتيش منها !!!


أخفضت وجهها بخجل، فسألها بمرح :

عايزة منديل، ولا الكم كفاية


انحنت لتنظف الزجاج بيدها، قائلة بحياء :

انا آسفة، هنضف كل حاجة بسرعة


تنهد، وجذب يدها لتقف، قائلاً بابتسامة :

اقفي بس، وسيبي اللي في إيدك، هتنضفي الازاز، وإنتي بتترعشي، كده هتجرحي إيدك، وبعد كده أوعي توطي قدام أي راجل


أخفضت وجهها بخجل، وقد فهمت مغزى كلماته، فتابع  مروان حديثه بهدوء :

انا مش بقول كده عشان أحرجك أو أني نيتي وحشة، لأ، أنا بنصحك معايا أو مع غيري، خدي بالك من تصرفاتك يا غنوة


ثم ابتسم قائلاً :

مش اسمك غنوة برده...؟؟


أومأت بخجل، فرد مبتسمًا :

طب يلا روحي اغسلي وشك واهدي


غادرت بخفوت، وابتسم مروان بخفوت بعد اختفائها قائلاً بعدم تصديق :

يا بنت المجنونة !!!!!

.............

دخلت عشق إلى الشركة التي تديرها والدتها وأخوالها، متجهة نحو مكتب خالها أوس بعد أن تلقت اتصالًا منه يدعوها للحضور، قبل أن تفتح الباب، توقفت عند كلمات ابن خالها الأكبر مالك، الذي قال بصوت خافت :

ازيك يا عشق


استدارت نحو مالك بابتسامة لطيفة أسرت قلبه، وأجابت بهدوء :

الحمد لله يا مالك.....انت إزيك؟


تلعثم مالك وهو يحاول السيطرة على مشاعره، صوته يحمل شوقًا مكتومًا :

بقيت كويس لما شوفتك


بدت على عشق علامات الحرج، لكنها الابتسامة لم تغب عن وجهها، سألها مالك محاولًا إخفاء ارتباكه :

انتي رايحة فين؟


أشارت بيدها نحو مكتب والده أوس وقالت بابتسامة لطيفة :

جاية أشوف خالو أوس، كان عايزني


ابتسم مالك، وأضاءت عينيه ببريق الحب المكبوت :

طب لما تخلصي ممكن تيجي مكتبي، يعني مش معقول تيجي الشركة وما تشربيش حاجة عند ابن خالك


ابتسمت بخجل، وردت عليه بانصياع :

حاضر


تنهد مالك بارتياح، كأنه حصل على وعد ثمين :

حضرلك كل خير يارب


في تلك اللحظة، خرج حمزة شقيق مالك الأصغر، من ورآها فابتسم تلقائيًا، وقال :

عشق، إزيك وحشتينا


لم تستطع الرد، إذ خرج أوس فجأة من مكتبه :

واقفين عندكم بتعملوا إيه؟


ابتسمت عشق، وقالت :

مفيش يا خالو، كنا بس بنسلم على بعض


نظر إليها أوس بحنان، ووضع يده على كتفها برفق :

حبيبة قلب خالك، تعالي معايا


دلفت عشق إلى المكتب، تاركة وراءها مالك وحمزة، كلاهما مشدوه بنظرات معلقة على الباب المغلق


جلس أوس على الأريكة بجانب عشق، وسألها بجدية :

قوليلي، مامتك عاملة إيه، أوعي يكون أبوكي مزعلها


ضحكت عشق بخفوت، وقالت :

لا يا خالو، بابا مستحيل يزعلها، ده لو  فينا ضايقها بكلمة، يقلب الدنيا علينا


ابتسم أوس بسعادة وارتياح، فقد أثبت بدر، زوج شقيقته، أنه على قدر الثقة التي منحوها له، محافظًا على عهده في إسعادها وحمايتها


قطع أوس الصمت، وسألها :

كنت عايزك في موضوع مهم


أومأت عشق باحترام وقالت :

اتفضل حضرتك، ايه الموضوع


نظر إليها أوس بنظرة ماكرة، وقال بابتسامة جانبية :

ايه رأيك في مالك؟


تفاجأت عشق، وردت بتوتر :

مالك؟!


ابتسم اوس وقال بمكر :

اه مالك.....مش عارفاه يعني


ردت عليه عشق بخجل واضح :

لأ طبعًا، في حد ميعرفش ابن خاله، بس حضرتك بتسألني رأيي فيه من أي ناحية ؟؟


أجابها مباشرة، وبدون مراوغة :

كزوج !!!!


تلعثمت عشق، وتوردت وجنتاها بلون الخجل، وقالت بصوت مرتبك :

هو كويس، وأي بنت تتمناه.....بس حضرتك بتسألني ليه


ضحك أوس بخفوت مرة أخرى، وقال :

تفتكري ليه ؟؟


لم تجب، فتابع بصوت جاد :

من الآخر يا عشق، أنا مش هلاقي لمالك زوجة أحسن منك، انا لسه مافتحتش الموضوع ده مع مالك، بس اتجرأت واتكلمت لما شوفت إنه فيه مشاعر متبادلة بينك وبينه


شعرت عشق بالتوتر الشديد، وفركت يديها بقلق، ثم قالت بحرج :

خالو....انا آسفة، بس.....انا مش موافقة


تفاجأ أوس من ردها، نظر إليها بتعجب وسألها بصدمة :

ليه ؟؟


حركت رأسها نفياً، وقالت بتردد وحزن :

حمزة طلب يتجوزني يا خالو !!


ساد الصمت للحظة، كأن الزمن توقف، وقع كلامها على أوس كالصاعقة، ابنيه الاثنين واقعان في حب نفس الفتاة !!!!!!!

.............

في المساء كان الحفل يعج بالصخب، الظلام يكتسح المكان متخللاً بين الأنوار الخافتة الحمراء التي تنبعث من كرة معلقة في السقف، فيما كانت أصوات الموسيقى تصدح بقوة تجعل من المستحيل سماع أي شيء آخر الأجساد تتمايل بإيقاع منتظم مع دقات الموسيقى، مشهد يعكس حالة من الغياب عن الواقع، الجميع غارق في عالم مليء بالنشوة !!!


الضيوف يتوافدون على المكان، كل واحد منهم يرتدي قناعاً يخفي إما جزءاً من وجهه أو يغطيه بالكامل، مما أضفى مزيداً من الغموض على الأجواء دخل إياد إلى الحفل برفقة ابن عمه هشام وعدد من أصدقائه، ينظر بعينيه إلى المكان حوله بفضول وإعجاب لم يمضِ وقت طويل حتى كان يحاوط خصر فتاة بجواره، يمرح معها بانسجام


فجأة، توقفت الموسيقى، وتعالت الهمسات، الكل ينظر إلى الخلف بترقب دفعه الفضول إلى أن ينظر بدوره، وانحبست أنفاسه فور رؤية ما وراءه


كانت هناك فتاتان، فاتنتان، تتمايلان وكأنهما ملكات جمال لكن إحداهما، تلك صاحبة البشرة الحليبية، والفستان الأحمر الناري الذي ينساب على جسدها بلا أكتاف، شدت انتباهه بشدة خصلات شعرها الذهبية التي تميل إلى البرتقالي كانت مصففة بعناية، وقناع ذهبي لامع غطى منتصف وجهها رغم أنه لم يرى ملامح وجهها كاملة، إلا أنه كان متيقناً أن جمالها لن يقل عن جمال جسدها الذي تفحصه بعين الخبير المتمرس في النساء


مرت الفتاتان من أمامه، لكنه لم يستطع أن يرفع عينيه عن صاحبة الفستان الأحمر ما الذي فعلته هذه الفتاة لتجذبه بهذه القوة وهو الذي اعتاد أن تكون الفتيات هن من يلاحقنه، لا العكس.....لكنها قلبت هذه القاعدة !!!


تعالت صيحات الحضور فرحاً، يهتفون بأسماء الفتاتين، لكنه لم يركز إلا عليها وفجأة، رآها تصعد إلى المنصة الدائرية برفقة الفتاة الأخرى التي لم تقل عنها جمالاً


بدأت بالغناء بصوت رخيم أخذ الجميع إلى عالم آخر حتى انتهت من الغناء، لكن إياد لم ينتهي من النظر إليها

تساءل في داخله، وعيناه ترفض أن تتركها

يريد ان يعرف من تكون هذه الفتاة.....؟!


قبل أن يتمكن من النطق، تدخلت كارلا، إحدى الفتيات التي يعرفها هشام، وأجابت بنبرة مليئة بالغيرة :

دول بنات عيلة العمري، صافي وجوان


سأل إياد باهتمام وهو لا يزال مسحوراً بها :

مين اللي لابسة الفستان الأحمر


أجابه هشام وهو يرتشف من كأسه :

دي صافي، بنت آدم العمري....فكرت انك تعرفهم، أبوك وعيلة العمري وعيلة عمران في منافسة على مشروع ضخم في الساحل....القرية السياحية، اللي هيتولى تصميمها هيكسب مكاسب مهولة، المشروع ده مش لعبة، بالعكس ده وراه ناس تقيلة جداً، تقدر تقول نقلة تانية واللي هيفوز بيه يبقى اتفتحت ليه طاقة القدر


استمع إياد باهتمام، وعيناه لا تزالان على صافي انطفأت الأضواء جميعها فجأة، إلا نور خافت يضيء المكان المخصص للرقص


لم يدرك كيف، لكن قدماه قادته 


#الفصل_الثالث

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

توقف الاثنان عند لحظة مشبعة بصمت غامض، عينا إياد استقرتا على شفتيها كمن انجرف في دوامة بلا شاطئ، يقترب منها ببطء وكأن الزمن يتثاقل من حوله


قلبها ارتجف في صدرها، دقاته صارت ناقوس خطر يدوي في كل ذرة من جسدها، يحاول أن يوقظها من الغيمة التي كادت أن تُسقطها في شركٍ لا عودة منه


وفي ومضة خاطفة، تسلل الوعي إلى أعماقها كتيار حاد ارتجفت يدها ثم هوت بقوة على وجنته، صفعة كسرت اللحظة، أفاقت كل الحواس !!!!


ركضت مبتعدة، كأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه، ومن تلك اللحظة التي أوشكت أن تبتلعها

اندفعت إلى قاعة الحفل، عيناها لا تلتفتان خلفها، أمسكت بيد جوان ابنة عمها بقوة، تجرها للخارج بعزمٍ لا يقبل نقاشًا

الأسئلة تلاحقها من جوان، لكنها مضت كمن يهرب من الكلمات ذاتها، كأن الحروف صارت جدرانًا تخنقها


أما هو، فقد بقي في بهو القصر بعد انتهاء الحفل، متجمد النظرات، يكرر المشهد في رأسه بلا نهاية، لم يفهم لماذا صفعته....؟!

الجميع هنا لا يعرفون للعفة بابًا، فلماذا هي؟!

هل هي مختلفة فعلًا،أم مجرد تمثيل؟!

وإن كانت صادقة، فلماذا جاءت أصلًا إلى مكانٍ كهذا !!!


ظل السؤال يحاصر ذهنه كشوكة في قلبه، يعجز عن اقتلاعها، لأول مرة، يهتم لأمر فتاة بهذا الشكل،

لأول مرة يشعر بالارتباك


جلس والده جلال إلى جواره بصمت ثقيل، ثم قال بهدوءٍ عميق :

اتمنى تكون عقلت يا ابني، وتكون قررت تستقر هنا بقى، عشان تمسك الشغل معايا بدل ما تفضل مقضيها سفر من بلد لبلد


أجابه إياد بصوت منخفض، يخفي وراءه تعبًا قديمًا :

انا مرتاح كده يا بابا


نظر إليه جلال بعين ضيقة، وسأله بضيق :

يعني إيه مرتاح كده


تنهد إياد ببطء، صوته ثابت لكنه مكسو ببرود اعتاده :

يعني يا بابا انا مرتاح كده، سيب الشغل لعمي فاروق وهشام


تغير وجه جلال فجأة، ارتفع صوته بغضبٍ مكتوم :

بس هشام مش ابني، عشان يورث ويتحكم في اللي بنيته بعرقي، مش ابني عشان اسلمله كل حاجة تعبت فيها وبنيتها ليك، عشان امن مستقبلك


صمت لحظة، ثم مرر يده على وجهه المثقل بالسنين، صوته انكسر وهو يتحدث :

يا بني، عمك فاروق وهشام طماعين مهما أخدوا فلوس، عمرهم ما بيشبعوا أنا عارف كل اللي بيعملوه وسايبهم بمزاجي....عيني عليهم، بس أنا مش هفضل كده طول عمري أنا تعبت، ونفسي أرتاح واتسند عليك، وألاقيك دايمًا جنبي


مد يده لكتف ابنه، بعينين تمتلئان برجاء أبوي :

ريح بالي يا بني، انزل اشتغل في ملك أبوك وراعي مصالحه، انا ماليش في الدنيا دي غيرك


صمت إياد قليلًا، تتناوب داخله الحيرة والشفقة، ثم رسم ابتسامة صغيرة باهتة على شفتيه وقال:

حاضر يا بابا، اللي تشوفه


أشرق وجه جلال بفرحة صادقة، تنفس كمن أزيح عن صدره عبئًا ثقيلاً :

احسن مكتب هيكون جاهز ليك، ومن بكره تنزل الشغل


أومأ إياد برفق، ينهض ليلتقط معطفه قائلاً :

تمام يا بابا، تصبح على خير


صعد إياد إلى غرفته بخطوات هادئة، وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة توحي بعدم الرضا، لكنها في حقيقتها لم تكن سوى مرآة لخيبةٍ قديمة

كان أبوه قد أغدق عليه المال، ورسم له مستقبلًا مضمونًا، لكنه لم يمنحه حياة تُعاش كما ينبغي

أمن له الميراث، ولم يؤمن له الروح

تركه وحيدًا في بيتٍ يضج بالوجوه الزائفة، بين نفوس لا تعرف سوى الطمع، وألقى به إلى امرأةٍ لا يليق أن تُسمّى أمًا، امرأة رآها بعينيه تنتقل من رجلٍ إلى آخر، بلا خجل 

كبر إياد على صمتٍ مُر، يتعلم كيف يُخفي ضعفه، وكيف يكسو جراحه بابتسامةٍ باردة تُضلل من يراه

تيقن ان المال يحفظ المستقبل، لكنه لا يصنع حياة، ولا يُعيد طفولةً سُرقت قبل أن تبدأ !!!!!

............

كان سليم أدهم الجارحي يجلس برفقة شدوى في منزله الخاص، بعيدًا عن صخب قصر العائلة وضوضاءها، يستمتع بالهدوء الذي اعتاد اللجوء إليه حين يريد الانفصال عن عالمه المزدحم


انتهيا لتوهما من توقيع عقد الزواج العرفي، لم تمضي لحظات حتى طوى سليم الورقتين ووضعهما في جيب سترته ببرود


راقبت شدوى ما حدث، شعرت بالصدمة تتسلل إلى ملامح وجهها، وقالت بسرعة :

انت ليه خدت الورقتين؟


ابتسم سليم بسخرية لاذعة، نظر إليها بعينين ثاقبتين وقال بتهكم :

وتاخديهم انتي ليه؟


ثم أضاف بنبرة مليئة بالمكر والثقة :

لا تكوني ناوية تعملي بيهم حاجة


ارتبكت شدوى تحت وطأة نظرته الحادة، وقالت بتوتر :

لا هعمل بيهم إيه يعني؟


ابتسم بزاوية شفتيه، ابتسامة باردة مشوبة بالاحتقار، وقال ببرود واستهزاء :

خلاص، يبقى مالكيش دعوة، الورق ده هيتقطع في الوقت اللي أنا اختاره


شعرت شدوى بالغيظ والاختناق من تصرفاته، لكنها لم تستسلم، اقتربت منه بخطوات محسوبة، وضعت يدها على صدره بإغراء مصطنع، وقالت بدلال :

انت مش بتثق فيا يا روحي؟


ضحك سليم بسخرية، وكأن كلماتها لم تؤثر فيه، ثم رد ببرود :

اثق فيكي بتاع ايه، كنتي من بقية أهلي، الورقة اللي بيني وبينك تتقطع في ثانية لو أنا حبيت، ده كان اتفاقنا من البداية، شكلك مستنية اكتر و.....شوفتي نفسك


حاولت شدوى الدفاع عن نفسها، لكنه قاطعها بصرامة :

خلاصة الكلام، لو فضلت تصرفاتك كده، الورقتين هيتقطعوا وتغوري في داهية، أنا مش ماسك فيكي….هتغوري هيجي مكانك الف، ويتمنوا


شعرت شدوى بالتهديد وكأن عالمها ينهار، حاولت تبرير موقفها :

انا مش قصدي......


زفر سليم بضيق، مقاطعًا إياها بملل :

خلصنا مش هنقضيها كلام فاضي


أومأت شدوى برأسها محاولة استعادة زمام الأمور، وجلست على قدمه بحركة دلال مغرية، وبدأت تفك أزرار قميصه واحدة تلو الأخرى، قائلة بصوت ناعم :

عندك حق، مش وقته كلام، خلينا في الفعل !!!


كان جريئة بشكل فاق توقعاته، كان مندهشًا من جرأتها، شعر بالمتعة، لكن شيئًا ما في داخله يقاوم هذه اللحظة


بعد فترة، ارتمى على ظهره ملتقطًا أنفاسه بصعوبة وقال :

طلعتي خبرة


ضحكت شدوى بغنج وقالت :

طب ويا ترى عجبنا الباشا


أشعل سليم سيجارة، نفث دخانها ببرود وقال كاذبًا :

مش بطالة


رسمت شدوى ابتسامة خفيفة، لكن عينيها اشتعلتا بالغضب والتحدي، وقالت بدلال :

المرة الجاية بشرفي هخليك تنسى اسمك


ضحك سليم بتهكم وقال :

أما نشوف، بس لما تيجي المرة الجاية احلفي بحاجة اشرف عشان اصدق


ألقى لها كومة من النقود بلامبالاة، وأمرها أن تغادر، جمعت شدوى المال سريعًا وغادرت دون تردد، بمجرد خروجها، اتصلت بأحد الأرقام، صوتها مشتعل بالغيظ وهي تقول :

ده بني آدم لا يُطاق، مسكت نفسي بالعافية....


قاطعها الصوت من الطرف الآخر بصرامة :

اخرسي بلاش رغي كتير، مستفز زبالة زي ما يكون يكون اعملي اللي مطلوب منك وخلاص وزي ما قولتلك مرة ورا مرة وبعدها يكون موجود في بيتك


حاولت أن ترد، لكن المكالمة انتهت بصوت صفير زاد من غضبها زمت شفتيها قائلة بغضب مكتوم :

شايفين نفسهم على إيه، أنا أشرف منهم بكتير المهم آخد الفلوس واخلع منهم


ركبت سيارة الأجرة متجهة إلى بيتها الجديد، حيث فوجئت بشقيقتها فيروز جالسة على حقيبة سفر كبيرة، ما ان رأتها فيروز قالت بضيق :

شدوى، كنتي فين، انا مستنياكي من الصبح


نظرت لها شدوى ببرود وقالت بزهول :

ايه اللي جابك يا فيروز، مش قولتي هتستقري في البلد


أجابتها فيروز بغضب :

مش هنتكلم ع الباب دخلي الأول كلك نظر


فتحت شدوى الباب ودخلت فيروز خلفها، فقالت شدوى بفظاظة :

يلا لخصي قولي اللي عندك عاوزة أنام، وانتي تشوفي حالك !!!


ردت عليها فيروز بضيق :

مش رايحة في مكان، اجاية قعد معاك


صدمت شدوى، فصرخت عليها بحدة :

يعني ايه تعيشي معايا، كنت خلفتك ونسيتك


زفرت فيروز بغضب، وقالت :

لمي لسانك، انا هنا عشان بسلامتك بيعتي شقة امنا، واللي المفروض تتقسم بالعدل علينا


ردت عليها شدوى بتهكم :

اثبتي ده لو تقدري الشقة كانت باسمي، يعني مالكيش عندي حاجة، يلا بقى امشي من غير مطرود


صمتت فيروز، ثم قالت بتحدي :

مش هيحصل، انتي عارفة إني مش هعرف أثبت، بس أقدر أعمل حاجات تانية


نظرت لها شدوى باستهزاء، بينما تابعت فيروز ببرود :

مثلاً، ممكن أروح لخلانك وأقولهم إنتي فين و طبعاً دول بقالهم سنتين بيدوروا عليكي، وأنا اللي ساكتة ومقولتش مكانك عشان محدش منهم يأذيكي بس ممكن اتكلم عادي وانتي عارفة اني خلاص مبقتش باقية عليكي ولا تهميني في حاجة ولولا ان محتاجة ليكي ولا كنت عبرتك!!!!!


صمتت شدوى وهي تحدق فيها بغضب، فأنهت فيروز كلامها قائلة :

فكري في الموضوع أنا مش عاوزة حاجة منك، ولا عاوزة يكون لي صلة بيكي....كنتي أختي حبيبتي، لحد ما طعنتيني في ضهري وسرقتي خطيبي مني دلوقتي مابقتيش فارقة معايا، ولا حتى طايقة اتنفس جنبك


نظرت شدوى إليها بغضب وقالت بحنق :

طالما مش طيقاني، جاية ليه


تنهدت فيروز، وهي تحاول ضبط أعصابها، وقالت بغضب مكبوت :

قولتلك مجبورة، الفلوس اللي معايا مش مكفية حتى ايجار أوضة، فهقعد معاكي أسبوعين لحد ما القي بيت أو حتى أوضة أعيش فيها المهم بعيد عنك


سألتها شدوى بفضول :

سيبتي البلد ليه من اصله؟


نظرت لها فيروز ببرود، وقالت :

ما يخصكيش!!!!


صمتت شدوى بغيظ، بينما تابعت فيروز بتحدي :

قولتي إيه؟ أروح أبلغ خلانك، ولا تقوليلي فين الأوضة بتاعتي


دخلت شدوى إلى غرفتها غاضبة، وصفعت الباب بقوة وبعد لحظات، سمعت صوت تكسير زجاج، لتبتسم فيروز ابتسامة شامتة، ثم قالت بصوت عالٍ لتسمعها من الداخل :

وماله، اختارها أنا !!!!

...........

كان أوس يجلس في غرفته، يراقب من خلف زجاج النافذة أبناءه الثلاثة وهم يجلسون معًا في حديقة القصر، أيديهم تعبث في العشب الأخضر بشرود، بينما قلبه يئن وجعًا، وملامحه تخفي وراءها حزنًا عميقًا، كانت تلك اللحظات تجره قسرًا إلى حديثه مع عشق في الصباح، حديث ما زال يثقل صدره كحجرٍ لا يزاح


كان صوتها يخترق صمته ببطء، محملًا بما لم يكن مستعدًا لسماعه، قالت جملة جمدت الدم في عروقه، فكررها غير مصدق :

حمزة طلب يتجوزك؟!


أومأت بحزن، فغاص أكثر في دهشته يسألها بصدمة :

امتى، إيه اللي حصل بالضبط؟


تنفست عشق بصعوبة، كأن الكلمات تتسرب مع أنفاسها المثقلة :

اللي حصل يا خالو إن حمزة اعترفلي من شهور إنه بيحبني وعايز يتجوزني، وأنا رفضت !!


سألها ببطيء :

رفضتي ليه؟!


أطرقت بعينيها، وكأن كل ما في داخلها حمل ثقيل :

لأني عارفة مشاعر مالك ناحيتي، وماكنتش عايزة أزرع كره بين الاخوات، ولا أجرح حد فيهم، وماكنتش عايزة علاقتنا بحضرتك أو بطنط مهرة تتوتر أكتر، خصوصًا بعد اللي حصل بين ليلى ويوسف، أقل كلمة ممكن طنط مهرة تقولها إني عملت كده عشان أفرّق بين الأخين، ده غير إني خوفت علاقتك أنت وماما كمان تتأثر


تأملها أوس بنظرة صارمة، وقال بصوتٍ قوي :

أولًا، علاقتي بحياة عمرها ما هتتأثر بحاجة، دي أختي قبل ما تكون أمكم، ومش بعد السنين دي كلها هتتهز عشانكم، أنتم حاجة، وهي حاجة تانية يا عشق


أومأت برأسها في صمت، فتابع بجدية :

طب هما اختاروا عاوزين مين، انتي بقى عاوزة مين فيهم، حمزة ولا مالك؟!


أخفضت وجهها، وصوتها خرج مليئًا بالحزن :

الإجابة مش هتفرق في حاجة


حرك رأسه نافيًا بقوة :

لأ، هتفرق


ساد الصمت، كأن اللحظة كلها تجمدت، وفي غياب كلماتها، خرجت الإجابة من فمه، وكأنه يقرأ ما بداخلها :

مالك، مش كده


طال صمتها الموجوع، قبل أن تحرك رأسها بالإيجاب، لحظتها شعر أوس بحيرة تمزق قلبه، كيف يتدخل بين أبنائه؟! حمزة ومالك، كلاهما وقع في حب ابنة شقيقته، وأي خطوة منه قد تُفهم على أنها انحياز لأحدهما على الآخر


أما مهرة، التي ازدادت تصرفاتها حدة في الآونة الأخيرة، فكانت تزيد النار اشتعالًا، بدلًا من أن تُطفئها بداخله !!!!


تساءل في نفسه لِمَ لا تدوم السعادة؟

أم أن الحياة لا تعرف إلا تقلبات موجعة، لحظات تمنحك حلاوة الأيام، وأخرى تجرعك مرارة لم تظن يومًا أنها موجودة

اليوم، يشعر أن الحزن صار مكتوبًا على جبين أبنائه

بدءًا من صغيرته المدللة، التي اقتحم الحزن قلبها البريء مبكرًا جدًا، بسبب من لا يستحق "يوسف"

............

ما إن خطت داخل المطبخ مساءً لتحضير القهوة لزوجها الذي لا يزال منشغلاً بعمله، حتى التقطت أذناها صوت بكاء يأتي من الغرفة المجاورة، تلك الغرفة التي تمكث بها غنوة !!!


تملكتها الحيرة والقلق، فاقتربت بحذر من الباب الذي لم يكن مغلقًا بالكامل دفعته برفق، خائفة أن تكون غنوة مريضة لكن المفاجأة ان غنوة كانت جالسة على الفراش، وجهها مدفون بين ركبتيها، جسدها يرتجف بشدة من الألم، ودموعها تتساقط بحرقة كان بكاؤها يعبر عن قهرٍ دفين


اقتربت منها بحنان، تسألها بصوت مليء بالقلق :

مالك يا غنوة، بتعيطي ليه؟!!


انتفضت غنوة من مكانها بسرعة، تحاول إخفاء دموعها، وأجابت بحرج :

مفيش حاجة يا هانم، كنت بس بقطع بصل وعيني حرقتني


ضحكت حياة بهدوء وجلست على الفراش بجوارها، تعلم انها تكذب، فكذبتها ضعيفة جدًا :

مش شامة ريحة بصل، وبعدين المطبخ فيه مفرمة بصل، يعني عينك مش هتوجعك


خفضت غنوة وجهها بحرج، فجذبتها حياة برفق لتجلس بجانبها، وسألتها مجددًا :

مالك حد من اللي في البيت زعلك


حركت غنوة رأسها نافية، فابتسمت حياة بمرح وهي تحاول أن تكسر الحاجز بينهما :

طب لو عايزة تتكلمي براحتك، أنا بسمع من هنا وبطلع من هنا، اتكلمي براحتك كأنك بتكلمي نفسك


كأن تلك الكلمات كانت الإشارة التي تنتظرها غنوة، فقد أجهشت بالبكاء، وكأن كل الألم الذي كانت تخبئه انفجر دفعة واحدة :

بابا طردني من البيت عشانها....مراته اتهمتني بسرقة دهبها، وهو صدقها، صدقها هي ومصدقنيش حاولت أقوله إني ما عملتش حاجة، لكنه طردني، قالي روحي لخالتك أو روحي في داهية مش عايز يشوف وشي تاني


كانت دموعها تتساقط بغزارة، وحياة تستمع لها بحزن عميق فتابعت غنوة بصوتٍ مكسور :

مراته من أول ما اتجوزها، وأنا عندي عشر سنين، وهي مورياني الويل، ضرب، وشتيمة، وكل حاجة حتى

خلت بابا يقعدني من المدرسة وينزلني أشتغل دي بتاخد مرتبي كل شهر، وما اتكلمتش ساعات كانت بتسرق فلوس من محفظتي وأنا بسكت لكن لما اتهمتني بسرقة الدهب اللي هو في الأصل دهب أمي الله يرحمها، حسيت اني ما عدتش قادرة أتحمل


شهقت من البكاء قبل أن تضيف :

بابا عمره ما دافع عني كل مرة تمد إيدها عليا، كنت بستناه يتكلم، يقولها كفاية، لكنه ساكت ولما حصلت المشكلة الأخيرة، لقيته أخيرًا بيحوشها عني، فرحت، قولت أخيرًا هيتكلم، لكن كلامه كان أصعب من ضربها ليا، اتكلم وياريت ما اتكلم


كانت غنوة تبكي بحرقة، ولم تستطع إكمال حديثها عندها نظرت حياة إليها بعيون ملؤها التعاطف والشجن وكأن ذكريات الماضي بدأت تتدفق إلى عقلها، لتقول بحزن واضح :

غنوة، يمكن مفيش حد في الدنيا دي داق ظلم الأب ومراة الأب زيي، أنا حاسة بكل وجعك، لأني عيشت أصعب منه بكتير


رفعت غنوة عينيها، تستمع بانتباه، وما زالت دموعها تنهمر أكملت حياة حديثها بهدوء :

والدك هو اللي خسران يا غنوة صدقيني، هيجي يوم ويندم على كل لحظة قسى عليكي فيها، اللي حصلك مش نهاية العالم، قدامك حياة طويلة لو فضلتي واقفة مكانك تعيطي، عمرك ما هتبقي حاجة


تنهدت حياة وأكملت بنبرة أكثر حزناً :

مش هقولك تنسي، لأن مفيش حد بينسى ماضيه الماضي جزء مننا، بنتوجع منه اه، لكن بنتعلم منه كتير، لو فضلتي قاعدة تعيطي وتستسلمي للدنيا، هتفضل تلطش فيكي وتوديكي وتجيبك


أومأت غنوة بصمت، بينما الدموع لا تزال تسيل على وجنتيها وفجأة، وجدت نفسها في أحضان حياة التي جذبتها نحوها بحنان، تربت على شعرها برفق حتى هدأت وغفت مكانها


تركتها حياة وغادرت الغرفة وهي تشعر بالشفقة العميقة على غنوة فقد عاشت نفس الوجع من قبل، وتدرك تمامًا كم هو مؤلم ويخنق الروح تعرف شعور الظلم وانكسار القلب


شعرت وهي تنظر إلى غنوة وكأنها ترى نفسها في الماضي، تعيد عيش تلك اللحظات القاسية التي مرت بها، كانت غنوة بالنسبة لها مرآة لما كانت عليه يومًا، مما جعل مشاعرها تختلط بين الحزن والتعاطف !!


لكن خلف الباب، كان مروان قد استمع إلى كل ما دار بينهما، رغم حزنه لما سمع، لم يتوقف عن التساؤل بداخله 

ما هو الظلم الذي تعرضت له والدته في الماضي؟!!!!!

.............

داخل شركة جلال الخولي، رجل الأعمال المعروف

كان شقيقه الأصغر فاروق يتحدث عبر الهاتف بنبرة يملؤها التوتر والارتباك كان يشعر بأن الخناق يضيق عليه يوماً بعد يوم، وصوت عمران على الطرف الآخر لم يترك له مجالاً للتنفس


فاروق بلهجة متوترة :

عمران باشا، كل حاجة تحت السيطرة، هانت خلاص ماتقلقش!!!


صاح عمران بغضب :

لأ، لازم أقلق....بقالك قد إيه تقولي هانت، هانت، ومفيش جديد بيحصل، عمال تسحب فلوس،  مفيش أي حاجة جديدة حصلت


برر فاروق بقلق :

ما هو يا باشا، جلال محلق جامد على الملف اللي في التصاميم، وكل اللي يخص المشروع ده حتى اجتماعه مع المهندسين بيكون سري جداً، وكلهم مستحيل يغدروا بيه


سخر منه عمران قائلاً بإهانة :

الظاهر إنه مش واثق في أخوه، وعنده حق الصراحة


أحس فاروق بالضيق فقال :

ليه كده بس يا باشا الغلط ده


غضب عمران ونبرة صوته أرعبت فاروق :

اسمع يا فاروق، هما يومين، يا تجيلي بحل، يا أنا هبعت اللي يجيلي بروحك!!!!


لم يستطع فاروق أن يكمل حديثه، فقد أغلق عمران الهاتف في وجهه، فدفعه للحائط بغضب حتى تهشم في تلك اللحظة، دخل هشام ابنه، قائلاً :

في إيه يا بوب متعصب ليه !!


رد فاروق بعصبية :

تصدق إنك معندكش ريحة الدم، عيل، وهتفضل طول عمرك عيل


جلس هشام على الأريكة، قائلاً بضيق :

في إيه ع الصبح، أنا لسه صاحي ملحقتش أعمل مصايب يعني


فاروق بغضب :

عملت إيه؟ عرفت توصل للملف أو التصميم من المهندسين


نفى هشام برأسه قائلاً :

لأ، معرفتش، كلهم عايشين في دور الأمانة والشرف


تمتم فاروق بخوف :

طب والعمل، رقبتي أنا اللي هتطير في الحكاية دي كلها، ده أنا ساحب من عمران فلوس قد كده على حس الملف ده


ردد هشام ببرود وهو يضع قدمه فوق الأخرى :

خلاص رجعهم ليه


صرخ فاروق عليه بغضب :

يا برودك يا أخي، ارجعهم ايه، وانت خليت حيلتي حاجة سهر وزفت شرب كل ليلة، وعزايم وحفلات عربية جديدة، صرفت كل اللي حيلتنا على المنظرة دي بدل ما تحافظ على القرش عشان نأمن لنفسنا مستقبل، عمك مش هنفضل مستغفلينه طول العمر، مسيره يوم يعرف، وشكله أصلاً شاكك فينا عشان كده رافض يكون معايا نسخة من الملف أو فكرة عن اللي جواه حتى


تعالى رنين هاتف هشام بوصول إشعار من أحد رفاقه الموجودين بالحفل، ليجد أن مقطع فيديو مصور ليلة أمس فتحه، وسرعان ما بدأ عقله الخبيث ينسج تلك الخطة التي تؤدي بهلاك شخصين أو ربما أكثر !!!


نظر لوالده قائلاً بمكر :

مش أياد موجود في مصر، وعمي مسكه شغل كمان في الشركة انهاردة


رد عليه فاروق بسخرية وغضب :

تصدق مكنتش عارف


سخر هشام هو الآخر قائلاً بخبث :

أديك عرفت، مش عايز تستغل وجوده


سأله فاروق بعدم فهم :

استغل وجوده في إيه؟!!


رد عليه هشام بمكر وهو يعيد تشغيل الفيديو ويضعه أمام وجه والده :

هقولك بس الأول شوف كده الفيديو ده


سأله فاروق ما إن انتهى من مشاهدة الفيديو :

مين اللي معاه دي و بيرقص معاها كده


هشام بمكر وأخذ الهاتف ليضعه في جيب سترته :

دي صافي....بنت آدم العمري!!


صمت فاروق للحظات قبل أن يتابع كلامه :

المنافس التاني لعمران بعد عمي جلال


زجره فاروق بضيق، ونفاذ صبر قائلاً :

انت عايز تقول إيه، هات من الآخر !!


رد عليه هشام بسخرية :

مش عارف يا بابا، الذكاء اللي عندي ده جبته منين، بس الأكيد إنه مش منك


غضب فاروق قائلاً بحدة :

انطق بدل قسماً بالله لهديك علقة تربيك من أول جديد يا سافل يا اللي مش متربي


زفر هشام قائلاً بضيق :

عندي شرط عشان أتكلم


نظر له فاروق بتوجس، ليتابع هشام قائلاً :

نص المبلغ اللي هتاخده من عمران بعد الخدمة الكبيرة اللي هتقدمها ليه


أجابه فاروق بغضب : موافق، انطق !!!


ابتسم هشام مخرجا أحد سجائره يدخنها ببطء قبل أن يقول بمكر :

هقولك.....وما إن انتهى من حديثه لمعت أعين فاروق بسعادة، ليختم هشام حديثه قائلاً بفخر :

إيه رأيك في دماغ ابنك الماظ، مش كده !!!!!

......

بينما كانت قمر تجلس في قصر الجارحي وحيدة، بعد أن غادر والداها للمطار لاستقبال جدها وجدتها العائدين من أداء مناسك العمرة، شعرت بصمت القصر يحيط بها، لكنه لم يكن قادراً على إسكات الأفكار التي تتنازع في رأسها


كان نوح يسيطر على كل أفكارها، ذلك الحب الذي ربط قلبها به رغم العداوة الغامضة التي تجمع عائلتيهما، عداوة لا يفصح عنها أحد، لا والدها ولا نوح، وكأنها سر دفين ومع ذلك، كانت متأكدة من مشاعره، تعرف أنه يعشقها بقدر ما تحبه، لكن حاجز الرفض الذي تخشى أن تقابله من والدها يقف كالجدار الصلب بينهما


ما أثار ارتباكها أكثر كان طلب نوح الجريء...أن يتزوجا عرفياً لم تكن تتوقع أن يطلب ذلك، وكان تفكيرها مشوشاً حتى شهقت بقوة عندما فتح باب شرفتها فجأة على مصراعيه !!


ظهر نوح أمامها، عينيه تشعان بتلك الجرأة المعتادة، لكن الخوف سيطر على ملامحها دفعت الباب بسرعة وأغلقت الشرفة بلهفة، ثم أسرعت لتغلق باب غرفتها الداخلي استدارت لتواجهه، ونبرة صوتها خافتة مرتعشة :

انت اتجننت يا نوح، بتعمل إيه هنا !!


اقترب منها، أمسك وجهها بين يديه، عينيه مليئتين بالشوق والحب :

وحشتيني أوي يا قمر


ابتسمت بخفة رغم قلقها....وقالت بشيء من الاشتياق والحذر :

وأنت كمان، بس ده جنون، لو حد شافك هنا ممكن تحصل مصيبة !!!


تنهد نوح بعمق، وكان الحزن يرتسم على وجهه :

بإيدك تريحينا، وتقبلي نتجوز ونحط الكل قدام الأمر الواقع هنفضل نتقابل في السر لحد إمتى!!!


جلست قمر على الفراش، عيناها تضطربان بتفكير متردد وخوف مكبوت :

مش عارفة.....بس.....


لم يمهلها وقتاً للتفكير أكثر، جلس بجانبها، نظراته حادة وحزينة وهو يقول :

انتي واثقة فيا يا قمر، واثقة في حبي ليكي، مش كده !!!


أومأت بصمت، فنوح كل عالمها، لكنه استمر في محاولته لإقناعها، بصوتٍ منخفض ونبرة حزينة :

طب إيه اللي مخوفك وافقي، وأنا هخليكي أسعد واحدة في الدنيا، انا محتاجلك قمر


اقترب منها ببطء، كانت عيناه تفيض بالشوق، وهم بتقبيلها، لكنها تحركت مبتعدة بضيق ظاهر في صوتها :

نوح....ابعد !!


كان جوابه مفعماً بالاشتياق الذي يملأ قلبه :

انتي وحشاني اوي


وقفت قمر سريعاً، وقد بدا الضيق جلياً في ملامحها ونبرتها :

كل مرة أقولك، انا مش بحب كده


لكنه لم يتراجع، جذبها مرة أخرى نحوه، ونبرته مزيج من الرغبة والإصرار :

بس أنا بحب كده....وعايزك تكوني قريبة مني !!


ابتعدت عنه مجدداً، الحزن يمزق قلبها، وقالت بصوت مختنق :

اللي بنعمله غلط وحرام


تنهد نوح بضيق، وعينيه ملأهما الإحباط :

قولتلك في إيدك تخليه حلال لما تبقي مراتي وافقي يا قمر، عشان خاطري


صمتت قمر طويلاً، وكأنها في معركة مع نفسها، مشاعرها تتصادم كانت تعرف أن قلبها يميل إليه، لكنه طلب منها قراراً يغير كل شيء نظراته كانت تترقب بفارغ الصبر، ينتظر منها إجابة قد تقلب موازين حياتهما !!!!!!

........

في فيلا بدر الجارحي، كان الليل ساكناً إلا من صوت الرياح الخفيفة التي تلامس النوافذ فجأة، مزق السكون صوت صراخ عالٍ يمزج بين الخوف والذعر انهاط حيااااة !!!!


كان صوت بدر يهز أرجاء المنزل، ليوقظ كل من فيه من نومهم العميق هرع الجميع إلى مصدر الصوت ليجدوا بدر واقفاً عند أسفل الدرج، عينيه مليئة بالرعب والخوف، بينما كانت حياة ملقاة بلا حراك على الأرض !!!!!


كانت فاقدة للوعي تمامًا، ملامح وجهها شاحبة وكأنها فقدت الحياة ركض بدر نحوها، ركع بجانبها، قلبه ينبض بقوة ويداه ترتجفان وهو يحاول أن يوقظها لكن هناك شيء آخر لفت انتباهه ملف بجانبها، ملقي على الأرض التقطها بيده المرتعشة، عيناه تحدقان في الكلمات المدونة عليها قرأ السطور بسرعة، ثم ارتجف جسده وكأنه تلقى ضربة قاضية


لم يستطع أن يتمالك نفسه، سقط من بين يديه وكأنه يحمل وزناً أثقل من كل ما مر به في حياته حدق في وجه حياة الشاحب، وكأن عقله يرفض تصديق ما يقرأ


كانت ملامحه تفيض بالصدمة والألم، قلبه غارق في دوامة من القلق والخوف، لم يتحمل رؤية حب حياته ملقاة هكذا بلا حراك صوته كان خافتاً هذه المرة، مليئاً بالرجاء وهو يتحامل على نفسه و يحملها بين ذراعيه :

حياة...فوقي....فوقي عشان خاطري


باقي أفراد الأسرة اقتربوا بسرعة، لكنهم توقفوا عند رؤية المشهد المروع كانوا عاجزين عن الكلام، كل ما يملكونه هو الصمت المحمل بالأسئلة والخوف !!


يبدو ان الملف يحمل خبراً لم تتحمله حياة، خبراً أفقدها توازنها، وأسقطها على الأرض دون سابق إنذار !!!

.............

اربطوا أحزمة الأمان من البارت الجاي هندخل ع التقيل 🔥 استعدوا للمفاجآت ♥️


#الفصل_الرابع

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

ملخص احداث الجزء الأول

ليلى الجارحي ويوسف العمري كانوا متجوزين وبيحبوا بعض جدًا وعندهم خمس أولاد آدم أوس ريان أمير وحياة لكن يوسف اضطر يتجوز بنت صاحب أبوه عشان شرط أساسي لاستلام الورث البنت دي لعبت لعبة كبيرة بينهم وأوهمته إن ليلى بتخونه مع راجل غريب في أوضة نومهم وخلته يشوفهم بعينه يوسف صدق الكذبة وكره ليلى وعياله الخمسة ورفض يسمع لحياة اللي كانت شاهدة على كل حاجة وهي متكتفة شايفة اللي بيحصل لأمها


السنين عدت والعيال عاشوا مع أهل أمهم ولما كبروا بدؤوا يكشفوا الحقيقة ويثبتوا براءة أمهم ليلى


حياة كانت بتحب ابن عمها إلياس بس كانت خايفة منه لأنه شبه أبوها في طباعه في نفس الوقت كانت بتحس بالأمان مع بدر ابن عم والدتها رغم إنها اختارت إلياس في الأول إلا إنه اتهمها بالخيانة زي ما أبوها اتهم أمها لما شافها مع الدكتور النفسي عمر اللي كانت بتتعالج عنده بعد الاتهام ده بعدت عنه وسافرت مع بدر وعيلتها عشان تكمل تعليمها بره وقدر بدر يكسب قلبها ويخليها تحبه


آدم اتجوز بنت خاله زينة

أوس اتجوز مهرة بنت أخت الست اللي ربتهم

أمير اتجوز فرح بنت الست اللي ربتهم

ريان اتجوز ندى بنت عمه وأخت إلياس


سارة بنت زوجة أبوهم اللي دمرت حياتهم قدرت تزرع كاميرات في غرفة نوم أوس وصورته مع مراته وهددته إنها هتفضحه لو ما اتجوزهاش خوفًا على مراته وافق ودي كانت صدمة للكل إنه اتجوز بنت الست اللي قتلت أمه ومع الوقت العيلة اكتشفت حقيقة سارة وحصل لها حادث قلب حياتها بدأت تفكر بطريقة مختلفة وطلبت السماح من الجميع


سارة بعد الحادث قابلت الدكتور النفسي عمر اللي كانت حياة بتتعالج عنده وكان هو نفسه ضحية ليها زمان لما كانوا في الجامعة سارة كانت عملت رهان مع صحابها على عمر وخلته يحبها وبعدين سابته لما تقابلوا تاني عمر ساعدها بس رفض يسامحها رغم إنه كان لسه بيحبها عمر كان متجوز بنت خالته بس هي توفت يوم ولادة بنتهم في النهاية سامح سارة بعد ما شاف إنها فعلاً اتغيرت


أما أدهم الجارحي ابن خال الأخوة الخمسة وأخو زينة كان بيحب هنا قريبتهم من بعيد وكان ناوي يتقدم لها بس في نفس اليوم شافها نايمة في سرير صاحبه فبعد عنها ما كانش يعرف إن دي لعبة من سكرتيرته وخطيبته سمر اللي ارتبط بيها عشان ينسى هنا


الجد أجبر أدهم وهنا على الجواز لكن بعد كام يوم من الفرح أدهم اعتدى على هنا وهو سكران فكرهته بعد كده اتواجهوا بالحقيقة اللي كان مخبيها في قلبه في النهاية قدر يثبت براءتها لكنها رفضت تسامحه واتطلقوا بعد ما ولدت ابنهم سليم بعد خمس سنين من الانفصال قدرت هنا تسامحه ورجعوا لبعض


في النهاية مات يوسف العمري بمرض خبيث وكان الندم بينهش في قلبه على كل اللي عمله في أولاده ومراته اللي كانت الحب الوحيد في حياته يوسف حس بالذنب إنه رمى أولاده في الشارع في وقت كانوا محتاجينه فيه وإنه صدق الكذبة اللي دمرت حياته وحياة أولاده وفي نفس الوقت كان عايش مع سارة بنت الست اللي دمرت عيلته كلها


الياس ونسرين

نسرين شخصية طرف ثالث في علاقة بدر وحياة، وبيحصل بينهم علاقة وينتج عنها حمل


سمر ورجل الأعمال

بعد ما أدهم يكتشف حقيقتها، ختدخل السجن

بعد خروجها، تتجوز رجل أعمال مش كويس

هتكتشف بعد الجواز إنه مريض وبيعذبها

للرجل ده ليه بنت اسمها بسمة لكنها فاقدة النطق وعنده ولد اسمه نوح

لكن الراجل اتوفى في ظروف غامضة في الجزء الأول هنعرف تفاصيلها في الجزء التاني

➖➖➖➖➖➖

الأبناء في الجزء الثاني معظمهم شخصيات ثانوية ⬇️

عائلة حياة وبدر :

يوسف/مروان/عشق وعاصم "توأم"


عائلة آدم وزينة :

ياسين/صافي


عائلة أوس ومهرة :

مالك/حمزة/ليلى


عائلة ريان وندا :

ليلة/شريف


عائلة أمير وفرح :

ثائر/جوان وجوري "توأم"


عائلة أدهم وهنا :

سليم/قمر


ابناء إلياس ونسرين :

سيدرا/يونس "تؤام"


عائلة عمر وسارة :

جومانا من زواجه الأول

ريماس/كارما وليان "توأم"


معظم الابناء دورهم ثانوي ❤️ 

في شخصيات جديدة هتظهر قدام وهتتعرفوا عليها

مفيش لخبطة ان شاء الله هبسطها ليكم

المخلص هنشره ليكم اول كل بارت جديد

............

الفصل الرابع


اسرع بدر وأولادها لإسعافها، واتصلوا بالطبيب الذي طمأنهم أن ما حدث بسبب التوتر وحالتها النفسية، في الوقت نفسه لاحظ مروان والده وهو يخفي الملف قبل أن يراه أحد !!


ظلوا جميعًا حتى اطمأنوا عليها ثم خرجوا، ولم يبقى في الغرفة سوى بدر وهي، تبادلوا نظرات صامتة تحمل الخيبة والوجع، وصمت طويل أثقل المكان دون كلمة واحدة !!!


بعد وقتٍ غير معلوم.......


كانت حياة جالسة على حافة السرير، جسدها متصلب كأن الأرض سُحبت من تحتها، وبين يديها أوراق، كانت ترتجف في صمت، عيناها تائهتان، تحاول أن تستوعب ما قرأته، لكن الدهشة صارت أثقل من قدرتها على التصديق، بينما أمامها جلس بدر على الكرسي، منكس الرأس، كفه يطبق على وجهه، والهم منقوش على ملامحه !!!


رفعت حياة بصرها إليه، وانحدرت دموعها بصمت موجع، ثم انفجرت قائلة بقهر ينهش قلبها بلا رحمة :

ازاي ابننا بقى كده يا بدر، ازاي وصل لكده؟ ازاي مشي في الطريق اللي هو فيه ده، ابننا اللي ربيناه وكبرناه، جاب القسوة دي كلها منين، اتعلم إيه مننا عشان يعمل كده، أنا اتخيلت منه أي حاجة إلا إنه يضيع نفسه كده، ابني ماشي في طريق آخرته موت وبس يا بدر


ظل بدر صامتًا، رأسه مثقل بين يديه، لا يجد ما يقوله، فاسترسلت هي، والدموع تسابق أنفاسها :

الماضي بيتعاد تاني يا بدر، مكتوب عليا أتوجع من كل يوسف  في حياتي، لما بشوف ابني يوسف دلوقتي كأني شايفة بابا، بابا في ظلمته وشكه، بابا اللي خسر كل حاجة بتسرعه، واللي ظلم أمي زمان، زي ما ابني دلوقتي بيظلمنا وبيظلم ليلى معانا، قصة يوسف وليلى بتتعاد من جديد بنفس الظلم والقسوة، بس المرة دي الوجع جامد أوي، مش قادرة أستحمله، وجعي من أبويا ما نسيتوش غير بعد عمر ولسه محفور جوايا، لكن ابني؟!


صمتت للحظات ثم تابعت بوجع :

هنسى وجع ابني ازاي، ابني اللي كبر عشان يهد كل اللي تعبنا سنين عشان نبنيه


خيم صمت ثقيل بينهما، حتى رفع بدر رأسه أخيرًا، عيناه غارقتان في حزنٍ لا يوصف، نظراته مكسورة كأنها تبحث عن نجاة، أكملت حياة بقهر أشد، وصوتها يتشقق من الألم :

أنا خايفة عليه من الندم يا بدر، مش عاوزاه يفوق متأخر بعد ما يخسر كل حاجة، مش عاوزة ابني يضيع من إيدي أكتر من كده، مبقاش ينفع نسكت، حتى لو مش طايقنا، حتى لو مش عاوز يسمعنا


نهضت فجأة ثم هوَت بجسدها عند قدميه، جلست على الأرض، رفعت عينيها إليه مبللتين بالدموع وصوتها ينزف وجعًا :

روحله يا بدر، وخليه يسمعك حتى لو بالغصب، قوله الحقيقة، قوله البنت اللي حبيتها، واللي بتعمل كل ده عشانها، عمرها ما حبتك عمرها ما شافتك غير كوبري عشان توصل لأبوك !!!


ارتجفت الكلمات في حلقها، وهي تقول بألم، ودموعها تنساب على وجنتيها بغزارة :

قوله انها عمرها ما حبتك، لأنها كانت بتحب ابوك !!!!!!


تنهد بدر بعمق، وجذبها إلى حضنه كمن يلتقط آخر فتيل من قوته، يحاول استمداد ثباته منها، الملفات التي وصلت إليه كانت تخص ابنه يوسف.....

ابنه الذي ذهب في طريقٍ لا عودة منه، لقد تلطخت يدا ابنه بدماء الابرياء، صار تاجر سلاح ومخدرات، وعضوًا في عصابة لا تعرف الرحمة


كل ذلك بسبب لعنة اسمها "أروى" ملامحها وصوتها وبرائتها كلها خدع، كانت شيطانًا في هيئة أنثى، دخلت بينهم ففرقتهم، وحتى بعد موتها، لم يزحَ عنهم ظلها، لعنتها بقيت تلاحقهم وتشد خيط المصائب في حياتهم !!!!!!

............

في إحدى الدول الأوروبية بالأخص في لندن كان "يوسف بدر الجارحي" واقفًا خلف نافذة زجاجية طويلة تطل على المدينة بأكملها كانت الأنوار تتلألأ في المساء ولكن قلبه كان مظلمًا شارد الذهن غارقًا في ذكريات الماضي


اغمض عينيه واسترجع صورة حبيبته الأولى والأخيرة "أروى" وكيف أن حياته وسعادته تدمرت في لحظة واحدة بين يوم وليلة شعور الفقد كان كالسيف الذي يجرح روحه، وعذاب الندم يثقل صدره


استحضر في عقله صورة عائلته، والديه أو ما كان يعتقد أنهم عائلته وكيف كانوا سببًا في الألم الذي يشعر به


كانت مشاعر الرفض والقسوة تكمن في كل زاوية من حياته كأنها أقدار سيئة حتمت عليه وحدته، يعيش في فقاعة من الحزن محاطًا بأشباح ذكرياته المؤلمة يتذكر كيف كانوا يتجاهلون ما يريد ويرسمون له مستقبلًا مظلمًا لا يريده


في تلك الأثناء دخل عليه صديقه "ماجد" الذي كان دائمًا إلى جانبه وقد ظهر على وجهه القلق قائلاً بحدة متألمًا لرؤية صديقه في هذا الحال :

كفاية قرف لحد كده يا يوسف، أنا استحملت كتير ومشيت معاك في الطريق ده قولت بكرة يعقل بس مفيش فايدة الطريق ده آخرته واحدة أنا خايف عليك، أنا ماليش غيرك انت صاحب عمري والوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا بعد موت أهلي بلاش تخليني اتقهر على خسارتك انت كمان، ارجع من اللي انت فيه، عشان خاطري


رد عليه يوسف ببرود وهو يشرب من كأس في يده لكن عينيه كانتا مليئتين بالأسى :

مش قبل ما أوصل للي عاوزه


لم يستطع ماجد كبح مشاعره فصرخ عليه بحدة :

ايه اللي انت عاوزه، عاوز تدمر أهلك، تدمر أبوك وعيلتك عشان إيه وليه وعشان خاطر مين


انفجر يوسف في غضبٍ مكبوت وضغط بيده على الكأس حتى تحطم مما أدى إلى جروح في يده، وسالت منها الدماء لكن الألم الجسدي لم يكن شيئًا مقارنةً بالألم النفسي الذي يشعر به :

بتتكلم كأنك مش عارف اللي حصلي، واللي عيشته، اشمعنا هي تدفع تمن أنانيتهم، وأنهم كانوا عاوزيني دايمًا تحت طوعهم، ازاي انسى انهم قتلوها بدم بارد


كان ماجد على وشك الرد لكن سكرتيرة يوسف دخلت قائلة بعملية :

Mr. Youssef, everyone is waiting for you in the meeting room

مستر يوسف، الجميع بانتظارك في غرفة الاجتماعات


خرج يوسف بعدها، متوجهًا إلى غرفة الاجتماعات، وملامح وجهه جليدية، لكن وقفته تجمدت للحظة عند كلمات ماجد الحادة :

أهلك، وليلى ماقتلوش أروى يا يوسف يارب تفهم ده وتقتنع بيه كفاية اللي ضاع من عمرك في أوهام


خرج من الغرفة، بل من الشركة بأكملها متجاهلاً الاجتمان

كان يسير، وكأنه في غيبوبة، قلبه ينزف من الوجع وهو يستحضر في ذاكرته صورة أروى تلك الملاك التي أحبها بصدقٍ لم يعرفه من قبل سحرت روحه بنقاء قلبها، وجمال روحها وملامحها البريئة التي كانت تشبه البهجة في أبسط صورها


لم تكن أروى مجرد امرأة في حياته كانت عالمه، أمله، نافذته على السعادة التي بحث عنها طويلًا لكن في تلك الليلة المشؤومة حين تمسك بها متحديًا رغبات عائلته وأصر على الزواج منها رغم رفض الجميع حدث ما لم يكن في حسبانه قبل ساعات من كتب كتابهما، دخل إلى منزلها ليعثر عليها غارقة في دمائها.......

تلك الدماء الحمراء التي أحالت كل شيء من حوله إلى جحيم من الرعب والألم تلك اللحظة التي توقفت فيها الحياة عنده، وتجمد فيها كل شيء


كان ما استطاعت أن تنطق حينها قبل ان تلفظ انفاسها الأخيرة هو اسم والده وبعدها اكتشف الحقيقة رويدًا رويدًا من شقيقتها


عقلُه رفض أن يستوعب تلك الفاجعة لم يكن ليتخيل يومًا أن والده الشخص الذي كان يجب أن يكون حاميًا لراحته، هو من سيحيل سعادته إلى كابوس دائم !!!


بينما ماجد الذي ظل واقفًا مكانه ردد بحزن :

كان عندي حق لما عملت اللي عملته يا صاحبي، محدش هيلحقك غيرهم !!!!

...........

تفاجأ ماجد في اليوم التالي بأن يوسف نزل مصر بدون سابق إنذار، لكن نبرته كانت محملة بشيء من الجدية والحدة !!


لكن فور وصوله إلى المطار، استقبلته فتاة فاتنة الجمال، ابتسم يوسف بمجرد رؤيتها، فركضت نحوه بنبرة مليئة بالحماس والمودة :

يوسف، ازيك واحشني اوي


رد عليها يوسف بهدوء، وصوته محمل بالجدية :

ازيك يا ريما


تنهدت ريما بحزن عميق، والكلمات تخرج من قلبها المثقل بالألم :

مش كويسة خالص يا يوسف، انت ناسي إن النهارده ذكرى وفاة أروى الثالثة، وحشتني أوي، دي مكانتش بس أختي الكبيرة، دي كانت أمي وكل حاجة ليا، بابا حالته في النازل خالص من يوم وفاتها، منهم لله اللي كانوا السبب


قالت الأخيرة بنبرة ذات مغزى، فهمها يوسف على الفور، فرد عليها بحدة لا تخلو من العزم :

كل اللي غلط هيتحاسب، أختك دفعت حياتها تمن حبها ليا، وانا مستحيل أضيع حقها أبدًا


انسابت الدموع على وجنتي ريما، وقالت بحزن :

مش قادرة أنسى اليوم ده يا يوسف، كل حاجة حصلت قدام عيوني ومقدرتش أعمل حاجة، قتلوها قدامي بدم بارد، اترجيت فيهم كتير، لكن محدش سمعني، قتلوا أختي، اهلك قتلوا أختي، وانا مقدرتش أتصرف، اتفقوا قدامي على كل حاجة، ومقدرتش أعمل حاجة


ثم تابعت بغضب مكبوت، وغل:

بنت خالك مسكت السكينة وفضلت تطعن فيها ببرود، وأبوك وأمك اتفرجوا عليها، وازاي ضربوني يومها فكروني مت، لكن ربنا أراد أني أفضل عايشة عشان أفضح جريمتهم، بس اي اللي حصل طلعوا نفسهم منها زي الشعرة من العجين


تنهد يوسف بعمق، ثم غادر ولحقت به ريما، لتوصله للفندق الذي سيقيم فيه، طوال الطريق مهما تحدثت معه يلتزم الصمت، عيناه مليئة بالحزن الشديد لما حدث، ولما وصلت إليه الأمور بين عائلته، وكيف فقد حبيبته

............

جلس مروان في حديقة الفيلا متكئًا على المقعد الخشبي وقد شردت أفكاره في أمور عديدة، تتشابك كخيوط معقدة 


كانت والدته تتحدث إلى غنوة وسمع للمرة الأولى عن المعاناة التي عاشتها مع والدها جده الراحل يوسف، ورغم أن مروان لم يعرف جده إلا أن ذكراه لم تكن تحمل أي ظلال قسوة، بل كان الجميع يتحدثون عنه بكل خير، حتى أن والدته أسمت أخاه الأكبر باسمه تكريمًا له، لكنه الآن يتساءل عن حقيقة ما كانت تخفيه تلك الذكريات؟!!


وأيضًا، لم يفارق ذهنه ما حدث بالأمس، وأثره على والدته ووالده والملف الذي أخفاه والدهم عن أعينهم، حتى اللحظة كان يشعر بأن الملف يخص أخاه يوسف


في خضم تفكيره، لفت انتباهه حركة سريعة نحو بوابة الفيلا رأى غنوة تخرج بخطوات متسارعة، وفي المقابل كانت فتاة أخرى تدخل ما إن التقت عيناهما حتى اندفعتا إلى حضن بعضهما بشدة وكأن الفراق بينهما امتد لسنوات كانت غنوة تمسك بيد الفتاة كأنها طفلة ضائعة وجدت ملاذها


دخلتا معًا إلى الفيلا، وفي طريقهما، اعترضتهما حياة التي كانت تتابع المشهد من بعيد توقفت غنوة مرتبكة وقالت بتوتر :

بعد إذنك يا هانم دي حبيبة بنت خالتي جت تطمن عليا خمس دقايق وهتمشي، وهشوف شغلي علطول مش هطول


شعرت حياة بتأثر عميق تجاه غنوة، كأنها ترى انعكاسًا لهشاشتها وضعفها في تلك الفتاة الصغيرة، بادرها الحنان الذي كان يخرج منها دون وعي كلما رأتها فقالت بلطف :

عيب لما ضيفة تدخل البيت من غير ما تاخد واجبها خليكي معاها براحتك يا بنتي


ابتسمت غنوة امتنانًا وسحبت حبيبة معها نحو المطبخ حيث عرفتها على باقي الخادمات اللاتي كن يتابعن بصمت ثم أسرعتا إلى الغرفة وأغلقتا الباب خلفهما بمجرد أن أصبحتا بمفردهما انطلقت غنوة بحماس يشبه براءة الأطفال قائلة :

آه يا حبيبة، لو تشوفي الفيلا ولا الجنية اللي برا دي، المنظر بس يرد الروح والناس هنا، خصوصًا الست حياة طيبين اوي اوووي


ابتسمت حبيبة بسعادة لمجرد رؤية سعادة ابنة خالتها وقالت :

باين عليها يا بنتي، ربنا بس يبعد عنك أبوكي ومراته وبناتها العقارب، يلا الحمد لله، ركزي انتي في حياتك مالكيش دعوة بحد والفلوس اللي تطلعلك حوشي منها حاجة للزمن محدش عارف بكرة في ايه، زي ما انتي شايفة محدش بيلاقي شغل بالساهل، ده لولا الست عبير كان زمانك متشحططة


ابتسمت غنوة ابتسامة باهتة يكسوها القهر، تُخفي خلفها جبالًا من الوجع، لو أن والدها أدى دوره كما ينبغي، لكانت الآن معززة مكرمة في بيتها، تستعد لدخول الجامعة، حيث كان أكبر أحلامها أن تكمل تعليمها

لكنه حرمها من كل شيء، حرمها حتى من حنانه....

كم من رجال أنجبوا، لكن ليس كل من أنجب استحق أن يُدعى أبًا


كانت غارقة في شرودها، حتى قالت حبيبة بصوت عالي قليلاً :

فينك يا بت؟ سرحانة في إيه؟


ردت عليها غنوة بهدوء ظاهري :

مفيش


لم تُخدع حبيبة، فقد فهمت بما تفكر، فقالت بصوت مشبع بحنان أخوي :

والله يا غنوة، ولا يسوى عشان تزعلي نفسك كده، ركزي انتي في حياتك الجديدة، اشتغلي وادرسي زي ما كنتي عاوزة، وأنا متابعة كل حاجة، وأول ما التقديم يتفتح هقدملك زي ما طلبتي مني، كملي تعليمك، واعملي اللي نفسك فيه، ابسطي نفسك بنفسك وما تفكريش فيهم، هو رمى كل حاجة ورا ضهره ومشي، وانتي كمان اعملي كده، مفيش حاجة مستاهلة، انتي زعلانة عليه وهو مبسوط وعايش حياته ولا مفكر فيكي، ما تضيعش عمرك في الزعل، ربنا هيعوضك خير على قسوته معاكي


أومأت غنوة في صمت، كأن قلبها يُصغي أكثر مما يُجيب، ظل الحديث بينهما ممتدًا لبرهة، قبل أن تُخرج حبيبة من حقيبتها حقيبة بلاستيكية تضم العديد من نوع الحلوى الذي تحبه غنوة "المشبك"، وقدمتها لها بابتسامة، فرحت غنوة بها كأنها نالت كنزًا، وأمطرت صديقتها بالشكر


ودعتها غنوة بالدموع، وردت حبيبة بدعوات صادقة تمس القلب تتمنى لها التوفيق، والسعادة

تركتها ورحلت، وبقيت غنوة تُكمل عملها بحماس، وفي داخلها عهد صامت عليها ان تكف عن الحزن والدموع التي لن تُجدي نفعًا فما حدث قد حدث وهذا قدرها !!!!

...........

استفاقت صافي مع أول خيوط الصباح، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة لا تفهم سرها، كانت صورٌ متقطّعة من ليلة الأمس تلوح في مخيلتها، كلما لامستها عادت خفقات قلبها تتسارع، كأن روحها ترقص على أنغام ذكرى لم تعهد مثلها من قبل !!!


دخلت عليها والدتها زينة، وهي تحدق فيها بنظرة يختلط فيها الفضول بالريبة :

امبارح نمتي بدري، مش من عوايدك يعني ايه الحكاية


ارتبكت صافي، وأخذت تمسح على وجهها بخجل، ذكرتها كذبتها الصغيرة مع جوان وكيف خدعت الجميع لتذهب إلى الحفلة، حاولت أن تخفي اضطرابها وردت متلعثمة :

مفيش، كنت حاسة بصداع بسيط فقولت أنام بدري


لكن عيني زينة كانتا كفيلتين بفضحها، فقالت بنبرة مشككة :

سبحان الله، انتي وجوان الاتنين عندكم صداع في نفس الوقت، ونمتوا كمان عشان نفس السبب


تضايقت صافي، وسارعت لتغيير الموضوع :

هو بابا فين، صحي؟


تنهدت زينة ببطء، وبان في ملامحها قلق غامض لم تخفه كلماتها :

في الشركة، هيكون فين يعني، قومي يلا حضري نفسك وروحي ليه، هو مستنيكي


اتسعت عينا صافي باستفهام :

اروح الشركة ليه يعني


ردت عليها زينة بهدوء :

روحي وانتي تعرفي بنفسك


قامت صافي، ولازالت تتذكر ليلة الأمس، رغم ان ما كان سيحدث كارثيًا لكنها تشعر بشعور غريب يجتاح قلبها، مقلق لكنه جميل !!

........

على الجهة الأخرى، كان إياد ينهض من فراشه بعد ليلة لم يذق فيها طعم النوم، ظل ذهنه مشغولًا بتلك الفتاة التي رقص معها، لا يزال وجهها ضبابيًا في ذاكرته، لكن عينيها كانتا كالنار والندى معًا، قسوة طفيفة تخفي براءة نقية، مزيج غريب أربك قلبه من أول نظرة


بعد قت قصير، وقف أمام خزانته، يختار ثيابه الكاجول التي يفضلها، وبعد ان ارتداها، وقف أمام المرآة يتأمل هيئته بثقة شيئًا ما بداخله يخبره انه على وشك لقاء مميز !!!!!!!


بعد قليل، جلس بجوار والده في السيارة، غارقًا في صمته حتى قال والده جلال بجدية :

فيه اجتماع مهم مع آدم العمري في شركته هو واخواته، السواق هيوصلني وبعدين ياخدك ع الشركة


لمعت عينا إياد بوميض لم يستطع إخفاءه، وسرعان ما ابتسم بخبث صامت، اسم آدم العمري أشعل داخله احتمالاً.....

احتمال أن يراها مجددًا، مجرد ذكرها كان كافيًا ليدق قلبه بعنف


فقال لوالده متصنعًا الاهتمام.:

طب أنا هاجي معاك، عاوز أشوف الشغل ماشي إزاي وأكون موجود في الاجتماع


غمرت الفرحة ملامح والده، وارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة وهو يربت على كتف ابنه :

ما تعرفش أنا مبسوط قد ايه،  وفخور بيك يا إياد، أخيرًا هشوفك جنبي في الشغل، انت ضهري اللي هسند عليه


ابتسم إياد ابتسامة هادئة، لكنها كانت مزيجًا من مشاعر متناقضة، جزء منه يود أن يبادله الفخر ذاته، وجزء آخر يعتصره ألم دفين، رغبة مكبوتة في العتاب على جراح قديمة لم تندمل، فاختار الصمت، فالألم الذي يحمله أكبر من أن يُقال


بعد وقت.....


كانت صافي تجلس بجوار والدها في غرفة الاجتماعات، مبتسمة بإتقان على شفتيها، لكنها داخليًا غارقة في شعور بالملل من الحديث الذي يدور حولها، يتحدثون عن العمل بكثرة، كل شيء يبدو ثقيلاً عليها، كانت بعيدة تمامًا عن كل ما يقال، غارقة في عالمها الخاص، عالمٍ لا يفهمه أحد سواها


ما كان يشغل بالها حقًا، تلك النظرات التي يوجهها إليها ذاك المدعو اياد، كانت نظراته غريبة، مزيجًا من المكر والهيام في آن واحد، يتفحصها بشدة، ومع كل تقاطع بين عينيهما، كان يبتسم بزاوية شفتيه ابتسامة جذابة، فكانت ترد عليه بابتسامة حادة بعض الشيء، محاولةً أن تخفي ارتباكها الداخلي


أما هو، فقد كان من الصعب عليه أن يزيح نظره عنها تلك الفتاة تحمل في حضورها شيئًا غريبًا، شيئًا لم يتوقعه قط، لم يتصور يومًا أن تكون هناك من تستطيع أن تسرق نظره، وأن تشغل تفكيره بهذا الشكل، كان يقف عاجزًا أمام ما يحدث له يتساءل في نفسه ما الذي يحدث معه؟


كل حركة منها، كل رمشة عين، كل ابتسامة، ترسم في ذهنه ألف احتمال، لكنه كان يدرك في أعماقه أن الأمر يتجاوز الفضول أو الانجذاب العابِر، كان هناك شيء أعمق، شيء يطرق روحه بلا استئذان، ويتركه عاجزًا عن فهمه، لكنه يعلم أن قلبه لن يستقر إلا بعد أن يقترب أكثر، وأن عينيه لن تفارقها مهما حاول !!!!!


ارتفع صوت والده جلال لينتزعها من دوامة أفكارها، حيث قال بنبرة مفعمة بالثقة، تعلوها لمحة من الغرور المحبب :

اياد هو اللي هيمسك المشروع الجديد، وإن شاء الله هاخده منكم يا ولاد العمري


تعالت الضحكات بين الحاضرين، وامتد جو من المزاح المتحدي بينهم، لكن إياد بدا بعيدًا عن كل ذلك، كأن ضجيج القاعة لم يكن موجودًا، وكأن المكان كله قد تلاشى، ولم يبقى سوى عينيه الموجهتين نحو صافي، كان يراقبها بعينين تحاولان فك طلاسمها، تغوص في تفاصيلها


شعرت صافي بنظراته الحادة تخترق قشرتها الخارجية، تتسلل إلى أعماقها، وتجرفها نحو تيار جارف من المشاعر الغامضة، شيء ما في حضوره يربكها، يغمرها بارتباك غريب، حاولت أن تدير وجهها، أن تتجنب نظرته، لكنها وجدت عينيها تنجذبان إليه رغمًا عنها، كأنها محاصرة داخل دائرة مغناطيسية لا تستطيع الفكاك منها


استأذنت صافي من الجميع بصوت هادئ للخروج، ثم غادرت الغرفة بخطوات سريعة، محاولة التخفيف من توترها الذي تصاعد كلما التقت بنظرات إياد، وما إن غابت عن أنظارهم، حتى وقف هو هو الآخر، متعللًا بمكالمة مهمة ليخرج من الغرفة، لكن داخله كانت تعصف مشاعر أشبه بالجنون


تلفت حوله، عيناه تبحثان عنها بتوتر لم يستطع السيطرة عليه، كمن يبحث عن ضالته، كانت نظراته مضطربة، كأنه يخشى أن تكون قد ابتعدت بالفعل، وفجأة، لمحها وهي تتجه نحو المصعد، هاتفها في يدها، تخطو بسرعة كأنها تهرب من شيء يطاردها


توجه نحو المصعد باندفاع غير محسوب، وفي اللحظة الأخيرة وضع قدمه بين الأبواب قبل أن تُغلق


رفعت صافي عينيها عندما شعرت بوجود شخص ما، وعندما رفعت رأسها لترى من تفاجأت بوجود ذلك الوقح !!!!!


صُدِمت، وحدت نظرتها نحوه كانت على وشك أن تتكلم، لكنه اوقف المصعد، وما إن حاولت الصراخ حتى وضع يده على فمها وأجبرها على الصمت، اقترب منها، ونظر في عينيها، فاستكانت صافي للحظة، وارتجف قلبها برقة بعدما لمست دفء عينيه، نفس النظرة، ونفس العطر المألوف تتساءل بداخلها بارتباك، ودقات قلبها تتعالى بصخب هل هو نفسه من سرق عقلها بالأمس هل نفسه من كانت ستقع معه في المحظور دون وعيٍ منها


أخرج إياد من جيب سترته قناعه الأسود الذي ارتداه ليلة الأمس، وارتداه امام عينيها، فصُدمت صافي ووضعت يدها على فمها، ورددت بصوتٍ خافت :

انت !!

............

بعد يومين، صباح يوم الجمعة، كان قصر آدم واخوته اليوم يعج بالحضور، كبيرهم وصغيرهم، الرجال والنساء، الجميع التفوا حول بعضهم رغم الحزن الذي يسكن قلوبهم، ومع ذلك، كانت البهجة الخفية في اجتماعهم تُخفف شيئًا من ثِقل الأيام، إذ لم تكن لهم فرصة كهذه إلا مرة واحدة في الأسبوع


جلست سيدرا ابنة إلياس في ركن بعيد، تنظر في هاتفها بهدوء بعيدًا عن الضجيج حولها، لكن جلستها لم تكتمل، فقد اخترقها صوتٌ تعرفه جيدًا، صوت أكثر من يثير غيظها في الحياة، شريف ابن عمتها ندا وعمها ريان، اقترب منها قائلاً بسخرية وهو يتعمد استفزازها :

ازيك يا واد يا سيد، عامل ايه؟!!!


رفعت سيدرا نظرها نحوه بغيظٍ واضح، لكنها آثرت الصمت، جلس شريف على الكرسي المقابل لها، وأعاد كلمته وهو يزيد من استفزازه لها :

مش بكلمك يا واد يا سيد، ما ترد عليا 


هنا 


#الفصل_الخامس

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

ملخص احداث الجزء الأول

ليلى الجارحي ويوسف العمري كانوا متجوزين وبيحبوا بعض جدًا وعندهم خمس أولاد آدم أوس ريان أمير وحياة لكن يوسف اضطر يتجوز بنت صاحب أبوه عشان شرط أساسي لاستلام الورث البنت دي لعبت لعبة كبيرة بينهم وأوهمته إن ليلى بتخونه مع راجل غريب في أوضة نومهم وخلته يشوفهم بعينه يوسف صدق الكذبة وكره ليلى وعياله الخمسة ورفض يسمع لحياة اللي كانت شاهدة على كل حاجة وهي متكتفة شايفة اللي بيحصل لأمها


السنين عدت والعيال عاشوا مع أهل أمهم ولما كبروا بدؤوا يكشفوا الحقيقة ويثبتوا براءة أمهم ليلى


حياة كانت بتحب ابن عمها إلياس بس كانت خايفة منه لأنه شبه أبوها في طباعه في نفس الوقت كانت بتحس بالأمان مع بدر ابن عم والدتها رغم إنها اختارت إلياس في الأول إلا إنه اتهمها بالخيانة زي ما أبوها اتهم أمها لما شافها مع الدكتور النفسي عمر اللي كانت بتتعالج عنده بعد الاتهام ده بعدت عنه وسافرت مع بدر وعيلتها عشان تكمل تعليمها بره وقدر بدر يكسب قلبها ويخليها تحبه


آدم اتجوز بنت خاله زينة

أوس اتجوز مهرة بنت أخت الست اللي ربتهم

أمير اتجوز فرح بنت الست اللي ربتهم

ريان اتجوز ندى بنت عمه وأخت إلياس


سارة بنت زوجة أبوهم اللي دمرت حياتهم قدرت تزرع كاميرات في غرفة نوم أوس وصورته مع مراته وهددته إنها هتفضحه لو ما اتجوزهاش خوفًا على مراته وافق ودي كانت صدمة للكل إنه اتجوز بنت الست اللي قتلت أمه ومع الوقت العيلة اكتشفت حقيقة سارة وحصل لها حادث قلب حياتها بدأت تفكر بطريقة مختلفة وطلبت السماح من الجميع


سارة بعد الحادث قابلت الدكتور النفسي عمر اللي كانت حياة بتتعالج عنده وكان هو نفسه ضحية ليها زمان لما كانوا في الجامعة سارة كانت عملت رهان مع صحابها على عمر وخلته يحبها وبعدين سابته لما تقابلوا تاني عمر ساعدها بس رفض يسامحها رغم إنه كان لسه بيحبها عمر كان متجوز بنت خالته بس هي توفت يوم ولادة بنتهم في النهاية سامح سارة بعد ما شاف إنها فعلاً اتغيرت


أما أدهم الجارحي ابن خال الأخوة الخمسة وأخو زينة كان بيحب هنا قريبتهم من بعيد وكان ناوي يتقدم لها بس في نفس اليوم شافها نايمة في سرير صاحبه فبعد عنها ما كانش يعرف إن دي لعبة من سكرتيرته وخطيبته سمر اللي ارتبط بيها عشان ينسى هنا


الجد أجبر أدهم وهنا على الجواز لكن بعد كام يوم من الفرح أدهم اعتدى على هنا وهو سكران فكرهته بعد كده اتواجهوا بالحقيقة اللي كان مخبيها في قلبه في النهاية قدر يثبت براءتها لكنها رفضت تسامحه واتطلقوا بعد ما ولدت ابنهم سليم بعد خمس سنين من الانفصال قدرت هنا تسامحه ورجعوا لبعض


في النهاية مات يوسف العمري بمرض خبيث وكان الندم بينهش في قلبه على كل اللي عمله في أولاده ومراته اللي كانت الحب الوحيد في حياته يوسف حس بالذنب إنه رمى أولاده في الشارع في وقت كانوا محتاجينه فيه وإنه صدق الكذبة اللي دمرت حياته وحياة أولاده وفي نفس الوقت كان عايش مع سارة بنت الست اللي دمرت عيلته كلها


الياس ونسرين

نسرين شخصية طرف ثالث في علاقة بدر وحياة، وبيحصل بينهم علاقة وينتج عنها حمل


سمر ورجل الأعمال

بعد ما أدهم يكتشف حقيقتها، ختدخل السجن

بعد خروجها، تتجوز رجل أعمال مش كويس

هتكتشف بعد الجواز إنه مريض وبيعذبها

للرجل ده ليه بنت اسمها بسمة لكنها فاقدة النطق وعنده ولد اسمه نوح

لكن الراجل اتوفى في ظروف غامضة في الجزء الأول هنعرف تفاصيلها في الجزء التاني

➖➖➖➖➖➖

الأبناء في الجزء الثاني معظمهم شخصيات ثانوية ⬇️

عائلة حياة وبدر :

يوسف/مروان/عشق وعاصم "توأم"


عائلة آدم وزينة :

ياسين/صافي


عائلة أوس ومهرة :

مالك/حمزة/ليلى


عائلة ريان وندا :

ليلة/شريف


عائلة أمير وفرح :

ثائر/جوان وجوري "توأم"


عائلة أدهم وهنا :

سليم/قمر


ابناء إلياس ونسرين :

سيدرا/يونس "تؤام"


عائلة عمر وسارة :

جومانا من زواجه الأول

ريماس/كارما وليان "توأم"


معظم الابناء دورهم ثانوي ❤️ 

في شخصيات جديدة هتظهر قدام وهتتعرفوا عليها

مفيش لخبطة ان شاء الله هبسطها ليكم

المخلص هنشره ليكم اول كل بارت جديد

............

الفصل الخامس


بعد ضجيج الساعات الماضية، ساق يوسف ليلى في صمت ثقيل حتى وصلا إلى فيلّا ضخمة يلفها سكون مريب، توقفت السيارة، فنزلت ليلى أولًا بخطوات ثابتة، رأسها مرفوع كأنها تتحدى العالم كله، تجاهلته تمامًا وتقدمت نحو الباب، فتحته ودخلت بخطوة واثقة، بينما تبعها يوسف ببطء، على وجهه ابتسامة ساخرة تخفي وراءها مكرًا دفينًا

لقد بدأت لعبتها، لكنه أقسم أن النهاية ستكون له


جلست ليلى على كرسي فخم في بهو الفيلا، وضعت ساقًا فوق أخرى، تنظر إليه ببرود متعمد، اقترب منها يوسف ووقف أمامها، يرفع حاجبه استعدادًا للكلام، لكنها قطعته قائلة ببرود قاتل :

الأوضة بتاعتي فين؟


ابتسم يوسف باستهزاء دون أن يجيب، ثم نادى الخادمة كي ترافقها، لكن قبل أن تتحرك، التفت إليها بوجه يقطر غلًا وقال:

نسيت أقولك مبروك ع الأيام الزفت اللي هتعيشيها من النهارده معايا 


ردت عليه ليلى بلسان لاذع، قاصدة اهانته :

وهو فيه زفت أكتر من إني أشوفك قدامي؟


غلت الدماء في عروقه، كاد أن ينقض عليها، لولا أن خادمه استوقفه قائلًا إن صديقه ماجد اتصل يسأل عنه، زفر يوسف بضيق، فقد نسي أمر ماجد كليا، وهو يعلم أن رفيقه لا يحتمل الوحدة، وربما يجده بمصر الآن، لكنه أجل التفكير فيه، وغص غضبه في صدره حتى فاض


صعد خلفها إلى الغرفة دون أن يطرق الباب، كانت جالسة على السرير، تتصفح القنوات ببرود وكأن وجوده معدوم يوسف أغلق الباب بالمفتاح، ثم أخذ يقترب منها بخطوات بطيئة، خلع سترته، وبدأ يفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر

رفعت ليلى عينيها نحوه، الارتباك واضح رغم محاولتها إخفاءه، فقامت بغضب وهي تصرخ عليه :

انت بتعمل إيه، أوعى تقرب مني، والله لو لمستني هقتلك


ابتسم باستهزاء وهو يرمي قميصه أرضًا، ثم دفعها بعنف إلى الحائط، تأوهت من شدة الألم، فهمس في أذنها باحتقار :

الله يرحم زمان، كنتي بتتمني مني نظرة، مش بس لمسة


رمقته بعينين متحديتين، وقالت بحدة :

قولتها بلسانك دلوقتي كنت وزمان، يعني حاجة وراحت لحالها خلاص


ثم تابعت باحتقار :

كفاية اوي انك مبقتش في عيني زي الأول


ضحك، لكن ضحكته كانت مجروحة، مليئة بالغضب، اقترب منها يمرر يده على خصرها، يقرب وجهه من وجهها، لكنها صرخت فيه بغيظ ونفور :

قولتلك ابعد عني


اقترب أكثر وهمس في أذنها بغِل مكتوم :

قديم اوي حركات ابعد عني وما تلمسنيش، ايه، فاكراني حقير زيك، أنا لا يمكن أنزل نفسي لمستواك، ولازم تفهمي إني حتى لو لمستك، الشرع والقانون معايا، إنتي مراتي، بس انا اللي بقرف 


دفعته بعنف، وقالت باحتقار:

وأنا كمان بقرف، مش من لمستك بس، من كل لحظة ضيعتها في حب واحد زيك، انت واحد ساذج وغبي، كلمة توديك، كلمة تجيبك، من يوم ما اروى دخلت حياتك، وانتي ماشي وراها زي الأعمى، ماتت وانت لسه برده دلدول ليها، انتي طلعت اغبى مما كنت اتصور، انت كنت في عيوني حاجة كبيرة اوي، كنت شايفاك حلم بعيد بتمناه، ولأول مرة احس ان احلامي تافهه كده، انا بندم على حبك، وبندم على اي قرابة بينا، انا مش لاقيه ليك مبرر، مش قادرة احط سبب لكل اللي بتعمله ده واصدقه


ثم تابعت بخيبة امل وهو يستمع لها بصمت :

انا وانت اتربينا زي بعض اهلنا هما هما، متربين نفس التربية، ازاي تصدق عني كده، ازاي تصدق ان ليلى اللي عمرها ما اذت نملة تقتل وبالوحشية دي، طب سيبك مني ازاي تصدق على امك وابوك كده، مش دول اللي ربوك، شوفت منهم حاجة طول عمرك تخليك تقتنع انهما وحشين زي ما صدقت عليهم، انت بتتكلم بقلب جامد كأنك شوفتنا بعيونك واحنا بنقتلها


تنهدت بعمق ثم قالت بحدة :

اهلنا تعبوا عشان يأسسوا العيلة دي، وانت بغباء وسذاجة منك دمرت كله ده، من غير ما تفكر، رميت ورا ضهرك وولعت الدنيا بينا، ومشيت، بس اللي غايب عنك ان احنا كتير يا يوسف، وانت لوحدك، يوم ما تعرف الحقيقة هتندم اوي، هتتمنى بس تقعد وسطينا دقيقة، هتخسر الكل حتى نفسك


ضاقت عيناه، وصوته خرج ممزوجًا بالغضب والمرارة :

هشوف ايه اكتر من اللي شوفته، انا سمعت وشوفت بنفسي، هتبرروا ايه، وهتقولوا ايه، انتوا حرمتوني منها، من غلك قتلتلها عشان رفضت اكون ليكي، عشان فضلتها عليكي، واختارتها وانتي لا، وابويا وامي اللي عاوزين يفرضوا سيطرتهم عليا ويجوزوني ليكي لمجرد انك بنت خالي، مش فارق معاهم اذا كنت بحبك ولا عاوزك ولا لأ، أهم حاجة رأيهم هو اللي يمشي، كل حاجة بتدينكم، ايه اللي انتوا شايفينه انا مش شايفه، ايه اللي انا تايه عنه، هتتبرري تقولي اي؟!!!


نظرت إليه بصلابة، وقالت ببرود :

انت من زمان خسرت حق التوضيح يا يوسف، خسرت حق انك تسمع يوم ما اتهمت، وحكمت، وجاي تنفذ الحكم، دور ع الحقيقة بنفسك، عشان تعرف قد ايه انت غبي، وساذج، كل اللي هقوله ليك، يا ألف خسارة ع اللي انت بقيت فيه


ثم فتحت باب الغرفة وأشارت له أن يخرج، خرج يوسف، عاصفة من الغضب تحرق صدره، وفي طريقه حطم الطاولة بضربة هوجاء، أغلقت ليلى الباب خلفه وهي تتوعد له، فيما الغليان يعصف به هو أيضًا

يوسف منذ موت أروى صار ثورًا هائجًا، لا يسمع ولا يبصر، يضرب في الجميع، أسير أوهامه وغضبه، لا يرى إلا ما يريد أن يصدقه، وكأنه يخشى ان يعلم الحقيقة......فيندم!!!

..........

في اللحظة التي غادر فيها يوسف وليلى، تقدمت مهرة بخطوات غاضبة نحو حياة وبدر، واشتعلت النار في عينيها كبركان هائج لا يعرف السكون، ارتجف المكان من صوتها وهي تصرخ، كأنها أمٌ ترى فلذة كبدها تنتزع من بين يديها


قالت بصوتٍ يملؤه الغيظ والوعيد :

ابنكم خد بنتي بالعافية، ابنكم لو لمس من بنتي شعره، مش هتكفيني حياتك إنتي وجوزك وولادك يا حياة، لو جرى لبنتي حاجة انا مش هرحم حد سامعين!!


صرخ أوس بغضبٍ عارم، محاولًا إسكاتها :

مهرة، اسكتي خالص، مش وقته


لكنها لم تهدأ، بل زاد صراخها وهي توجه كلماتها كسهامٍ مسمومة إلى حياة :

واسكت ليه؟! اسكت وأنا شايفة بنتي بتتاذي يوم بعد يوم بسبب اللي عمله ابنهم، سكت كتير، بس المرة دي مش هسكت، ياخد بنتي ويمشي وسطكم كده وانتو واقفين تتفرجوا


زفر آدم بحدة، وقد ضاق صدره من حديثها، فقال بنفاد صبر :

اوس، سكت مراتك، احنا مش ناقصين نواح دلوقتي، لازم نفكر في حل للمصيبة اللي وقعنا فيها دي


لكن مهرة لم تزل ثائرة، تصرخ بحرقة :

أنا عايزة بنتي، رجعولي بنتي، وإلا والله العظيم ما هرحم حد


اقترب مالك منها، يحاول تهدئتها بصوتٍ أكثر رفقًا :

خلاص يا ماما، عمي عنده حق لازم نهدى ونفكر كويس، الصريخ مش هيحل حاجة


تابع آدم بعصبية وهو يراقب أوس يتحرك في المكان كالأسد المحبوس في قفص ضيق، ومهرة لا تهدأ :

بنتك راحت معاه برجليها، ووافقت من غير ما تعترض، ولا حتى استنت تشوف إحنا هنعمل إيه


اشتعل غضب أوس أكثر، خطف مفاتيح سيارته وهم بالمغادرة باندفاع، لكن آدم أوقفه بصرامة :

استنى إنت رايح فين؟ هتعمل إيه؟ إهدى بقى، خلينا نفكر بعقل، بلاش غضبك يعميك، وبلاش لعب عيال، خلينا نقعد نحلها بالعقل


صرخ أوس بجنون، وهو يكاد يفقد عقله :

اي عقل ده، بنتي معاه، ويا عالم هيعمل فيها إيه دلوقتي


تدخل ريان بصوتٍ هادئ، يحاول أن يسكب ماءً باردًا على النار :

يوسف مش هيأذيها مهما حصل دي بنت خاله، وليلى كمان مش قليلة، هتعرف تتصرف معاه، وإلا ما كانتش راحت معاه برضاها، بنتك في دماغها حاجة يا اوس عشان كده راحت


لكن كلمات ريان كانت كالملح على جرح مفتوح، فصرخ أوس بجنونٍ أكبر :

هي مكنتش بنت خاله لما لعب بيها ورسم عليها الحب وخلاها توافق تتجوزه، وسابها يوم الفرح، مكنتش بنت خاله لما حاول يقتلها وكانت هتموت بين إيديه، مكنتش بنت خاله لما ظن فيها وصدق إنها ممكن تقت


قالها وهو يكاد ينهار، ثم دخل الفيلا بخطواتٍ غاضبة، واتجه مباشرة إلى المكتب، أغلق الباب خلفه بعنف، يحاول أن يحبس صرخاته ويهدئ العاصفة المشتعلة داخله


في الخارج، لم تهدأ مهرة، بل تقدّمت نحو حياة وبدر مرة أخرى، كأنها تنفث لهيبًا لا يبرد :

روحي يا حياة، روحي احكمي على ابنك زي ما بتحكمي علينا، رجعيلي بنتي لحضني، ولا إنتِ مش شاطرة غير في تمشية كلامك علينا، وتفرضي رأيك وتدخلي في حياتنا؟!


كان صوتها كالنواح الممزوج بالغضب، كلماتها كالسهام، تفضح جرحها المفتوح الذي لم ولن يندمل !!


اقتربت سارة من حياة بحزن، وضمتها إلى صدرها بحنان كأنها تسند قلبها المرهق، لم تكن تتخيل يومًا أن تكون حياة أقرب إنسانة إليها في هذه العائلة، لكنها أيقنت أن الأقدار تمزج الأرواح كما تشاء، وكما يقال "ما محبة إلا بعد عداوة"


رفعت سارة عينيها نحو مهرة، وقالت بنبرة عتابٍ رقيقة لكنها حازمة :

كفاية يا مهرة... الصوت العالي والغلط مش هيرجعلك بنتك، آدم قالها لازم نهدى ونفكر كويس، ليلى بنت العيلة دي زيها زي يوسف، ولو هنلحق، هنلحقهم هما الاتنين مش واحد بس، فاهدي، وفكري بعقل


لكن مهرة، وقد غلبها غضبها، صرخت باحتقارٍ ساخر :

شوفوا مين اللي بيتكلم، الست سارة جاية تدينا حكم ومواعظ الله يرحم زمان......


قبل أن تكمل وتنبش الماضي على الملأ، قاطعها آدم بصوتٍ غاضبٍ كالرعد، وصبره قد بلغ مداه :

مهرة، لآخر مرة بحذرك حاسبي على كلامك، أنا ساكت عشان انتي مراة أخويا لكن لو زودتيها......


واجهته مهرة بعينين متقدتين بالتحدي، وقالت بحدةٍ متهورة:

هتعمل إيه؟ بدل ما تهددني، رجعلي بنتي


زفر آدم بقوة، وقد أوشك أن ينفجر، ثم صرخ بنفاد صبر :

هو إنتي مدية لحد فرصة يفكر يتصرف إزاي؟! يوسف ماخطفش بنتك، بنتك اللي راحت برجليها وقالت جاية، فكرك يوسف كان هياخدها بالعافية؟! يوسف كان بيهوش بس لكن عمره ما يعملها، إنما بنتك زي ما ريان قال في دماغها حاجة، ومش هترتاح غير لما تنفذها


لم تحتمل مهرة سماع كلماته، فصرخت من جديد على حياة التي يغلب عليها الصمت، ومعها بدر، بانفعالٍ لم يعد يُحتمل:

هما السبب، هما اللي معرفوش يربوا ابنهم


كانت كلماتها كطعنةٍ غادرة، تُلقي باللوم على حياة وبدر، لتعود الجراح القديمة للنزيف من جديد


جلس بدر صامتًا، يعتصره إحساسٌ غريب بالعار  لأول مرة يتذوق مرارة هذا الإحساس وبشاعة ما حل به، كانت حياة تقف إلى جانبه، ودموعها كأنها خطابٌ مفتوح للخيبة، لم تكن تتخيل أن ابنها الذي ربته سيضعها في موضعٍ بهذا القسوة


ربت ابنها مروان على كتفها بلطفٍ مواسيًا اياها، وفعل مع والده نفس الشيء، وقد امتلأ صدره بغضب على يوسف، لكن بدر كظم غيظَه وخرج من الفيلا متثاقل الخطى، قائلاً لولديه عاصم ومروان بصرامة :

روحوا أمكم وأختكم ع البيت


انسحب الجميع واحدًا يلو الآخر، ولم يلاحظ أحدُ أن الياس لحق ببدر، وقلبه يفيض بشفقةٍ عليه وعلي حياة معًا


بقيت مهرة وحيدة، تحرك ساقيها بغل وخوف على ابنتها، اقتربت منها فرح زوجة أمير وابنة خالتها، ونطقت بنبرةٍ تحمل الأسف والصدق، وبصوت مليء بالأسف والعتاب :

هو انتي بجد مش واخدة بالك من اللي بيحصل، مش واخدة بالك قد إيه محدش بقى طايقك؟! مش واخدة بالك إنك عمالة تزودي في كره العيلة ليكي، نظراتك بتفضحك حتى لو حاولتي ملتبينيش، بس أنا واخده بالي، واخده بالي إنك اتغيرتي من بعد جوازك من أوس، وكل مرة الموضوع بيزيد معاكي، لحد ما الكل مبقوش قادرين يتحملوكي، كلامك مع حياة كله هجوم، كأنك عاوزة تنتقديها وخلاص، مش بتدافعي عن بنتك.!!


ثم تابعت بصدمة :

إيه اللي حصللك؟ ولا انتي كده من الأول؟ وأنا اللي مش واخده بالي؟ قلبك بقى مليان غل وسواد ليه؟ بقيتي قاسية اوي، سارة اتغيرت، والكل شايف إنها اتغيرت، واهي اتجوزت وخلفت، وبقى عندها بنات، وانتي لسه مش قادرة تسامحيها، محدش اجبرك تسامحي، بس اي لزومه تجرحيها بالكلام كل شويه، ليه مصرة تفكريها بماضي انتهى خلاص، ليه مصرة تقللي منها قدام الكل، وتفضحيها قدام بناتها، وهي ربنا سترها، اعتذرتلك ألف مرة، وانتي لسه قاسية، وقلبك أسود، مش قادرة تسامحي ولا تنسي، ولا تسبيها تعيش بسلام، إنتي عايزة إيه بالظبط يا مهرة، بتفكري في إيه، كارهة اللي حواليكي ليه، وبتكرهيهم فيكي


نظرت مهرة إليها بهدوء، كأنها تحاول تبرر ما بدا :

أنا كنت رد فعل، مش فعل يا فرح، انتي مش مكاني ولا زيي عشان تحسي بيا


ابتسمت فرح بمرارةٍ خافتة، وملامحها تفيض شفقة وهي تقول بأسى :

وما احبش اكون زيك، الكل كارهني وبيتفادى لساني اللي بينقط سم، انتي مش مستوعبة انك بجد بقيتي مكروهة، الاولاد نفسهم كرهوكي، يوم عن يوم بتنزلي من نظر الكل، بسبب المشاكل اللي بتخلقيها بدون سبب خصوصًا في وجود حياة وسارة، كأنهم قاتلين ليكي قتيل


ثم تركتها فرح ومشت، تاركة مهره واقفة في مكانها، دموعها تتساقط بلا توقف، قلبها متعب على بنتها، وعقلها مشغول باللوم على حياة، التي تراها سبب كل ما أصابها، كانت كل دقيقة تمر، وكل دمعة تسقط، تزيد دعواتها الغاضبة تجاه حياة، بينما تتشابك مشاعر القلق والحزن في أعماقها

.........

دخلت ريما من باب الفيلا بخطواتٍ متعبة، وما ان دخلت رأت وليد خطيبها يجلس مع والدها، وفور أن التقت عيناها بعينيه، بدا وكأنه كتلة من النار، ينتظر لحظة انفجار


ألقت السلام على والدها الجالس على كرسي متحرك، فبادرها بصوتٍ يحمل عتابًا حنونًا :

انتي فين يا ريما من بدري؟ وليد مستنيكي بقاله كتير


أجبرت ابتسامة باهتة على شفتيها، وردت بهدوء :

مفيش يا بابا، كان عندي شغل ولسه راجعة حالاً


رمقها وليد بابتسامة ساخرة، بينما تحرك الأب نحو الحديقة وهو يتمتم بهدوء :

أنا هسيبكم شوية سوا، وهروح أقعد في الجنينة


أومأت ريما برأسها، وحين غاب والدها عنهما، التقت عيناها بوليد، فاشتعلت بينهما نظرات أشبه بسهام مسمومة

بلا مقدمات، جذبها وليد بعنف من يدها، واقتادها خارج الفيلا رغم صرخاتها المتكررة عليه أن يوقف السيارة، لكنه تجاهلها، حتى أوصلها إلى شقة يعرفانها الاثنان جيدًا، ودفعها إلى الداخل ثم أغلق الباب خلفه بقوة


صرخت ريما في وجهه بحدة :

انت اتجننت، ايه اللي بتعمله ده؟


اقترب منها وهو يكاد يفقد السيطرة على نفسه من شدة الغضب الذي يشعر به :

الجنان هو اللي إنتي بتعمليه مش انا 


تراجع قليلًا ثم سألها بغِل :

انتي روحتي تجيبي يوسف من المطار؟


أجابته ببرود متعمد، وكأنها تصب الزيت على النار :

آه فيها حاجة؟


اقترب منها أكثر، وقبض على كتفيها بقوة، وقال بغضب :

ماكانش ده اتفاقنا يا ريما، ماكانش في اتفاقنا إنك تشوفيه تاني، وكفاية اوي اللي حصل من سنتين


أزاحت يديه ببرود وقالت :

قولتلك أنا استقبلته، خلصنا خلاص، وبلاش كل ما تزعل مني تفضل تلقح، وتفتح في القديم


ركل الطاولة بقوة حتى تحطمت إلى شظايا متناثرة، وخرج صوته كزئيرٍ غاضب :

ده التلقيح كله لسه جاي، اتقي شري انا كل ده لسه معملتش حاجة، اسمعي أنا هروح لأبوكي وأحدد معاه ميعاد الفرح، وعلى الله أسمع منك اعتراض، وإلا أقسم بالله مشوار واحد ليوسف، أو مكالمة واحدة، وأفضحك قدامه 


صرخت هي الأخرى، وقد غلب الغيظ صوتها :

افضحني، وافضح نفسك معايا، احنا شركا في كل حاجة، والفضيحة هتطولك زي ما هتطولني


اقترب منها بجنون، وقال بصوت يخنقه الغيظ :

أنا عملت كل حاجة عشانك، وفي الآخر عايزة تبيعيني؟! إنتي بتقربي من يوسف ليه، طب مكالماته وهو بره مصر عديتها، لما قولتلي بيتطمن ويقفل، لكن تروحي تستقبليه في المطار، لأ مش هسمح بده، يوسف الجارحي مش هيكون في حياتنا ابدًا، لا في حياتي ولا في حياتك، خليه يطلع بالذوق بدل ما اطلعه انا بالعافية......خافي مني يا ريما


رفعت رأسها متحدية، والدماء تغلي في عروقها :

لا خاف انت مني


ثم أكملت ببرود قاتل، تقصد أن تستفزه حتى الجنون :

وعلى فكرة، أنا ما استقبلتوش بس، ده أنا كمان رحت معاه الأوتيل وفطرنا سوا وقعدنا شوية، وناوية أتجوزه يا وليد، واخبط راسك في الحيط، لا تهمني ولا تهز فيا شعرة، انت ناسي أنا مين؟


ثم ابتسمت ببرود وأضافت :

وما تعملش نفسك البطل المضحي، انت قبضت تمن كل حاجة، فلوس عمرك ما كنت تحلم بيها، شقة في منطقة عمرك ما كنت تتخيلها، شغل مكنتش تحلم تشتغله، إنت خدت نصيبك وزيادة، متنساش فضلي عليك، انا اللي لميتك من الشوارع ونضفتك


اشتعلت عيونه بغيرته، وصوته خرج مبحوحًا :

بس لسه ما طولتكيش، الاتفاق إنك تتجوزيني، إنك تكوني ليا مش ليه


ردت عليه ببرود :

والله انا ماحلفتش


ثم تابعت بسخرية :

مش ذنبي إنك غبي وصدقتني، انا ماعملتش كل اللي عملته ده عشان اتجوزك انت في الآخر، واسيب يوسف، يوسف بو بعد عني، انا احرق الدنيا باللي فيها، ابعد عني واتقي شري اللي انت سبق وشوفته، اصلك مش هتبقى اعز من اللي راحوا، والله عاوز تفضل زي الكلب تاخد فتافيت الفلوس اللي برميها ليك وتحط جزمة في بوقك وتسكت، اهلاً وسهلاً، مش عاوز في ستين داهية، لكن جواز انا عمري ما اتجوز واحد زيك، في احلامك 


كل كلمة تنطقها سلاحٌ بارد، ريما هي شرٌ مُخطط، لا يرحم، ولا يتراجع، وكل من ظن أنه يعرفها، لم يلمس سوى القمة الحادة للشر والغل الذي يسكن روحها !!!!

...........

خرج بدر من الفيلا دون أي تعليق، والغضب ينهش صدره، لحظات، وفُتح باب سيارة من الجهة الأخرى وركب إلياس!!!


فردد بدر بغضب، ونبرة لا تقبل النقاش :

ايه اللي جابك؟


رد عليه إلياس بهدوء :

جاي معاك، أطلع


زفر بدر بحدة، قائلاً :

انزل، انا مش ناقص ومش عاوزه اتخانق، اللي فيا مكفيني


تنهد إلياس ببطء، وقال بصوت عقلاني اكتسبه من السنين :

محدش غيرك يقدر ينقذ ابنك يا بدر. روحله، عرفه الحقيقة، قول له إزاي أروى ماتت، قوله كل اللي حصل من الأول


رد عليه بدر بسخرية :

مش لما أبقى أعرف أنا إيه اللي حصل؟ من يوم وليلة لقينا الزفتة دي ماتت وابني بيتهمني أنا وأمه وبنت خاله، هقوله ماتت ازاي، وانا نفسي مش عارف


أكمل إلياس بهدوء مطمئن، رغم الحزن الذي يكتنف قلبه :

ع الأقل قوله اللي كانت بتعمله معاك، قول له إنها لما فشلت تقرب منك، دخلتلك من سكة ابنك عشان تكون قريبة منك، قوله انها كانت بتهددك، يا تتجوزها يا هتتجوز ابنك، وتستغفله، وتعيش معاه وهي قلبها مع ابوه


صمت بدر لبرهة، ثم قال بألم :

يوسف ماشي في سكة غلط، يوسف شغال في الممنوعات مع ناس ما تعرفش الرحمة


رد عليه إلياس بجدية رغم صدمته :

اطلع من حزنك ده يا بدر، واقف على رجليك من تاني، ابنك محتاجك، وحياة كمان، مينفعش تضعف، حزنك مش هيرجعلك ابنك زي ما كان، ولا هيرجع الماضي، الحق ابنك بنفسك قبل ما تقضي عمرك كله مقهور عليه، ابنك لو عرف الحقيقة هيرتاح، وهيبعد عن القرف ده كله، ريح قلب ابنك، وبعدين اتعاتبوا وصلحوا اللي بينكم، وبعدها اعملوا اللي تحبوه، يوسف مجروح، وجرحه لسه بينزف وعلاجه في انه يعرف الحقيقة


ارتاح بدر قليلًا، وربت على كتف إلياس بامتنان، وكأن كلمات إلياس أعادت له بعض القوة :

أهم حاجة دلوقتي، ليلى ترجع بيتها، وبعدين أي حاجة هتتحل


ابتسم إلياس له وقال :

عندك حق


بعد وقت طويل، كان بدر يعبر باب الفيلا التي يقيم فيها يوسف، قرر أن يذهب إليه بعد أن تركه إلياس، بمجرد أن عرف الحراس أنه والده، سمحوا له بالدخول!!


نزل يوسف الدرج ما ان علم بوجود والده، التقط نظراتهما في صمت طويل، كلاهما ينظر للآخر بألم، لكن بدر تمالك نفسه وردد بقوة :

بنت خالك فين؟!!!!


رد يوسف بنفس القوة ونبرة ساخرة :

قصـدك مراتي


أخذ بدر نفسًا عميقًا، وقال بهدوء يسبق العاصفة :

هات بنت خالك من سكات عشان أخدها ونمشي


ضحك يوسف بسخرية، ثم توقف، فهاج غضب بدر، وقبض بدر على ياقة قميص يوسف وصرخ بنظرات تكاد تحرقه :

من غير كلام كتير، هات بنت خالك، لحد هنا أشوفها بعيني، ولو مسها خدش واحد بس، متراهنش على حبي ليك، لأني هنسى كل ده وهمحيك من على وش الدنيا، انا بدر الجارحي يالا قبل ما أكون ابوك


ابتسم يوسف بسخرية مرة أخرى، وقال :

مراتي مش هتمشي من هنا


رد بدر بسخرية أعنف :

مراتك هتمشي، ورجلك فوق رقبتك، وابقى فكر تعارضني، يا يوسف وانا أربيك من أول وجديد، وجربني لو تقدر


من صوتهم العالي، نزلت ليلى من غرفتها، اقتربت من بدر تعانقه، فسألها بقلق :

انتي كويسة، عملك حاجة يا بنتي؟!!


ردت عليه صدق :

لا يا عمي، نا كويسة، كله تمام والله


تنفس بدر براحة، وسحب يدها لتمشى معه، لكن يوسف منعه قائلاً بحدة، وهو ينظر إلى ليلى :

مراتي مش هتمشي من هنا، احنا لسه بينا حوار طويل اوي


ردت عليه ليلى بقوة :

عندك حق طويل اوي، فضيحتي وسط الناس زمان مش هتعدي بالساهل يا بن عمتي


نظر بدر إلى ليلى بصدمة، وقال :

ليلى، ابوكي وأمك هيتجننوا عليكي، مينفعش تفضلي هنا


أجابته بهدوء :

عمي، أنا جيت هنا بإرادتي، سامحني بس مش همشي


نظر إليها بدر بحدة، وقال :

بلاش لعب عيال، عاوزة تفضلي هنا 


#الفصل_السادس

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

ملخص احداث الجزء الأول

ليلى الجارحي ويوسف العمري كانوا متجوزين وبيحبوا بعض جدًا وعندهم خمس أولاد آدم أوس ريان أمير وحياة لكن يوسف اضطر يتجوز بنت صاحب أبوه عشان شرط أساسي لاستلام الورث البنت دي لعبت لعبة كبيرة بينهم وأوهمته إن ليلى بتخونه مع راجل غريب في أوضة نومهم وخلته يشوفهم بعينه يوسف صدق الكذبة وكره ليلى وعياله الخمسة ورفض يسمع لحياة اللي كانت شاهدة على كل حاجة وهي متكتفة شايفة اللي بيحصل لأمها


السنين عدت والعيال عاشوا مع أهل أمهم ولما كبروا بدؤوا يكشفوا الحقيقة ويثبتوا براءة أمهم ليلى


حياة كانت بتحب ابن عمها إلياس بس كانت خايفة منه لأنه شبه أبوها في طباعه في نفس الوقت كانت بتحس بالأمان مع بدر ابن عم والدتها رغم إنها اختارت إلياس في الأول إلا إنه اتهمها بالخيانة زي ما أبوها اتهم أمها لما شافها مع الدكتور النفسي عمر اللي كانت بتتعالج عنده بعد الاتهام ده بعدت عنه وسافرت مع بدر وعيلتها عشان تكمل تعليمها بره وقدر بدر يكسب قلبها ويخليها تحبه


آدم اتجوز بنت خاله زينة

أوس اتجوز مهرة بنت أخت الست اللي ربتهم

أمير اتجوز فرح بنت الست اللي ربتهم

ريان اتجوز ندى بنت عمه وأخت إلياس


سارة بنت زوجة أبوهم اللي دمرت حياتهم قدرت تزرع كاميرات في غرفة نوم أوس وصورته مع مراته وهددته إنها هتفضحه لو ما اتجوزهاش خوفًا على مراته وافق ودي كانت صدمة للكل إنه اتجوز بنت الست اللي قتلت أمه ومع الوقت العيلة اكتشفت حقيقة سارة وحصل لها حادث قلب حياتها بدأت تفكر بطريقة مختلفة وطلبت السماح من الجميع


سارة بعد الحادث قابلت الدكتور النفسي عمر اللي كانت حياة بتتعالج عنده وكان هو نفسه ضحية ليها زمان لما كانوا في الجامعة سارة كانت عملت رهان مع صحابها على عمر وخلته يحبها وبعدين سابته لما تقابلوا تاني عمر ساعدها بس رفض يسامحها رغم إنه كان لسه بيحبها عمر كان متجوز بنت خالته بس هي توفت يوم ولادة بنتهم في النهاية سامح سارة بعد ما شاف إنها فعلاً اتغيرت


أما أدهم الجارحي ابن خال الأخوة الخمسة وأخو زينة كان بيحب هنا قريبتهم من بعيد وكان ناوي يتقدم لها بس في نفس اليوم شافها نايمة في سرير صاحبه فبعد عنها ما كانش يعرف إن دي لعبة من سكرتيرته وخطيبته سمر اللي ارتبط بيها عشان ينسى هنا


الجد أجبر أدهم وهنا على الجواز لكن بعد كام يوم من الفرح أدهم اعتدى على هنا وهو سكران فكرهته بعد كده اتواجهوا بالحقيقة اللي كان مخبيها في قلبه في النهاية قدر يثبت براءتها لكنها رفضت تسامحه واتطلقوا بعد ما ولدت ابنهم سليم بعد خمس سنين من الانفصال قدرت هنا تسامحه ورجعوا لبعض


في النهاية مات يوسف العمري بمرض خبيث وكان الندم بينهش في قلبه على كل اللي عمله في أولاده ومراته اللي كانت الحب الوحيد في حياته يوسف حس بالذنب إنه رمى أولاده في الشارع في وقت كانوا محتاجينه فيه وإنه صدق الكذبة اللي دمرت حياته وحياة أولاده وفي نفس الوقت كان عايش مع سارة بنت الست اللي دمرت عيلته كلها


الياس ونسرين

نسرين شخصية طرف ثالث في علاقة بدر وحياة، وبيحصل بينهم علاقة وينتج عنها حمل


سمر ورجل الأعمال

بعد ما أدهم يكتشف حقيقتها، ختدخل السجن

بعد خروجها، تتجوز رجل أعمال مش كويس

هتكتشف بعد الجواز إنه مريض وبيعذبها

للرجل ده ليه بنت اسمها بسمة لكنها فاقدة النطق وعنده ولد اسمه نوح

لكن الراجل اتوفى في ظروف غامضة في الجزء الأول هنعرف تفاصيلها في الجزء التاني

➖➖➖➖➖➖

الأبناء في الجزء الثاني معظمهم شخصيات ثانوية ⬇️

عائلة حياة وبدر :

يوسف/مروان/عشق وعاصم "توأم"


عائلة آدم وزينة :

ياسين/صافي


عائلة أوس ومهرة :

مالك/حمزة/ليلى


عائلة ريان وندا :

ليلة/شريف


عائلة أمير وفرح :

ثائر/جوان وجوري "توأم"


عائلة أدهم وهنا :

سليم/قمر


ابناء إلياس ونسرين :

سيدرا/يونس "تؤام"


عائلة عمر وسارة :

جومانا من زواجه الأول

ريماس/كارما وليان "توأم"


معظم الابناء دورهم ثانوي ❤️ 

في شخصيات جديدة هتظهر قدام وهتتعرفوا عليها

مفيش لخبطة ان شاء الله هبسطها ليكم

المخلص هنشره ليكم اول كل بارت جديد

............

الفصل السادس


اتسعت عينا يونس وسيدرا من الصدمة، التفتا نحو والدهما في اللحظة التي مد فيها يده بغلٍ عارم وسحب نسرين بعنف من ذراعيها، يجرها للخارج، كعاصفةٍ هوجاء، وصوته يجلجل غاضبًا :

ما بتحرميش، مش قولتلك لو خطيتي باب القصر ده تاني هقطعلك رجلك؟!


رفعت رأسها متحدية، وقالت بغضب :

انت حرمتني من ولادي، خدتهم مني


ازداد صوته صلابة، يحمل مزيجًا من الغضب والاحتقار، وهو يجرها بعيدًا في حديقة القصر :

ولادك لو كانوا هامينك فعلًا، كنتي فكرتي فيهم قبل ما تعملي عملتك السودة دي، حتى لو اتاخدوا منك، مكانهم معروف، ليه ماحاولتيش تشوفيهم مرة واتنين وتلاتة،حتى لو انا رفضت، إنما إنتي صنف زبالة، ورخيص، خدتي بعضك وسافرتي برا البلد كأنك ماصدقتي


صرخت عليه بغضب :

خوفت من جبروتك


رد عليها باستنكار، وكلمات تعريها أمام نفسها :

جبروتي.....جبروتي اللي بتقولي عليه ده لو كنت استخدمته عليكي كان زمانك في تربتك من يومها وماكنتش هاخد فيكي يوم واحد سجن، كان ممكن تطالبي بولادك قانوني، ليه مامسكتيش فيهم، ليه ما فضلتيش قدام البيت ده ليل نهار عشان بس تلمحيهم، ليه ماحاربتيش عشان تاخدي ولادك في حضنك، ماعملتيش ليه زي اي ام ما بتعمل، وقال اي جاية تقولي جبروتي خوفك، وايه دلوقتي خدتي حبوب شجاعة ومابقتيش خايفة


جاء من خلفهما، صوت سيدرا مرتجفًا، محملًا بالحزن والخذلان، وهي تقترب ببطء :

خليها تمشي يا بابا.....احنا مص عاوزينها هنا


لكن ما إن اقتربت منهما نسرين، ومدت يدها نحوهما، حتى نفض يونس يدها بعيدًا بقرف، نظر إليها بعينين باردتين كأنها غريبة عنه، التفت إلياس إلى أولاده، قائلاً بصرامة :

اطلعوا أوضكم


تراجعا وهما يرمقان أمهما بنظرة احتقار باردة، لم يشعرا تجاهها بشيء، لم يعرفوها يومًا، لم يسمعوا عنها إلا صدى عابر، وها قد رأوها أول مرة، غريبةً لا ملامح أمومة فيها، لم يتعرفا عليها من الأساس !!


التفتت نسرين إلى إلياس، عينيها تفيض غضبًا، وصرخت عليه بغل :

كرهت عيالي فيا، قلتلهم إيه عني؟!


أمسكها إلياس من شعرها بعنف، شدها نحوه، وصوته مليء بالاحتقار :

ما تخافيش، ماقولتلهمش إنك خيانة وزبالة، ما قولتلهمش إني طردتك من القصر بعد ما شوفت خيانتك بعيني، مقولتش ليهم اني كنت مغفل، كان لازم أعرف إن اللي تسلم نفسها لواحد قبل الجواز، وقبلها تتفق معاه عشان تجبر بدر يتجوزها بخطة حقيرة، هتفضل طول عمرها رخيصة، ومش هتنضف أبدًا، الحق عليا انا


كادت تفتح فمها لترد، لكنه جرها من شعرها بقسوة، رماها أمام باب القصر كما تُرمى القمامة خارج البيوت، ثم صرخ بأوامره الحاسمة :

من النهاردة، الست دي لو دخلت القصر، كلكم مرفودين، ممنوعة تخطي باب القصر ابدًا


أغلق الباب بعنف، فيما هي سقطت أرضًا، جسدها يرتجف من شدة الغضب


دخل إلياس بخطواتٍ مثقلة، جلس في حديقة القصر، عيناه شاخصتان في البعيد، اجتر ذكريات الماضي....

كيف كانت حياتهما بعد الزواج، وكيف بدأ كل شيء بهدوء، ثم انقلب إلى جحيمٍ في ذلك اليوم المشؤوم....؟!


عودة بالزمن لأكثر من عشرين عامًا......


كان الفراش شاهدًا على جفاءٍ صامت، كلاً منهما يعطي ظهره للآخر، فلا حديث ولا نظرة، فقط مللٌ ينهش أيامهما، هو يؤدي ما عليه من حقوق، وهي كذلك، لكن الحب لم يجد طريقه إلى قلبيهما يومًا


أغمضت عينيها وهي تسترجع وجه بدر، تقارن بينه وبين إلياس، الفارق شاسع كالسماء والأرض، الحسرة تلسع قلبها كلما رأت كيف يعامل بدر زوجته بعشقٍ وحنان، وكيف يملأ السعادة قلب الأخرى، وفي صدرها، إلى جانب الحسرة، يتنامى حقدٌ وغل على حياة لا ينطفئ، بل يزداد اشتعالًا فقد خطفت منها بدر أولًا، ثم سكنت عقل، وقلب إلياس، حتى وإن لم تحبه نسرين، إلا أن كبرياءها كأنثى يصرخ، يريد أن يكون مرغوبًا، محبوبًا، مفضّلًا


إلياس لا يسيء إليها، بل يتعامل معها بهدوءٍ واتزان، حياةٌ عادية يغلب عليها الرتابة، إلا أن ما يفتك بها هو تلك اللحظات الخاصة حين يزل لسانه وينطق باسم من تسكن قلبه "حياة" عندها تموت في داخلها ألف مرة


هي التي رفضها بدر، ثم فُرضت زوجةً لإلياس، لتبدأ قصةً باردة بلا جذوة، اعتدلت جالسة على الفراش، ظهرها مسنود إلى لوح السرير، عينيها غارقتان في شرودٍ موجع التفت هو الآخر، اعتدل بجانبها وسألها بهدوء، وقلق :

مالك، منمتيش ليه؟


أجابت بصوتٍ حاولت أن تخفي فيه ألمها، لكن الحزن فضحها :

مفيش، مش جايلي نوم


تنهد إلياس وقال برفق :

إنتي زعلانة عشان قولتلك تسيبي الشغل


نظرت له بحدة، وردت بضيق :

تفتكر دي حاجة متزعلش يعني؟!


عدل جلسته، وراح يشرح رؤيته بهدوء :

يا نسرين، قولتلك سيبي شغلك مؤقتًا، لحد ما يونس وسيدرا يكبروا شوية، دول لسه عندهم شهور، محتاجين رعايتك كلها، شغلك تابعيه من البيت، وتروحي للضرورة بس


انفجرت قائلة بحدة، وعينيها تفيض قهرًا :

طب وهما محتاجين كل اهتمامي، واأنا فين؟! أنا مخنوقة، عايزة أتنفس،الشغل الحاجة الوحيدة اللي مهونة عليا، وبعدين، مامتك موجودة، وفيه الشغالين، وفيه مرات أخوك يعني الدنيا مش هتقف عليا


اشتد صوته بصرامةٍ تقطع أي مجال النقاش :

أمي كبيرة، وواجب عليا أريحها مش أحملها زيادة، ومراة أخويا عندها بيت وأولاد ومسؤوليات، ولو حتى وافقت تساعد، مش المفروض أستغلها، وبالنسبة للمربيات، لأ أنا مش هقبل بكده، لأني متأكد لو جبت مربية، إنتي هترمي ولادك عليها وتختفي من حياتهم، اتنازلي شوية لحد ما يكبروا سنة ولا اتنين


شهقت غيظًا وزفرت، الكلمات خرجت منها بعصبية وبدون وعي :

أنا مش عايزة أتنازل عشانهم، أومال اتجوزتك ليه، مش عشانهم برده، انا اتجوزتك عشان ما يعيشوش اللي أنا عيشته، عشان ماحدش فيهم يسمع كلمة ابن حرام زي ما كنت بسمع، وبتهان وأنا صغيرة


تجمّدت ملامحه، الغضب ارتسم في عينيه وهو يرد بحدةٍ جارحة، قاصدًا رد الإهانة :

زي ما إنتي اتنازلتي، أنا كمان اتنازلت واتجوزتك، واتفقنا الصفحة دي تتقفل خلاص، محدش يفتح فيها تاني، إحنا مكملين في الجوازة دي عشانهم، بس إنتي مصممة ترجعي تنبشي في الدفاتر القديمة، ومش راضية عن عيشتك ابدًا


ردت عليه بقهر، عيناها دامعتان وغصة تملأ صدرها :

عشان مبقتش متحملة العيشة دي، انا مش انا، مش نسرين اللي أعرفها، حياتي اتلخبطت بين يوم وليلة، لقيت نفسي في بيت ماعرفهوش، متجوزة واحد عقله وقلبه وكل تفكيره مع غيري، واحد كل مرة وهو معايا ينطق باسم تانية، في الآخر تقولي ما اتنازلتش؟!!


زفر بضيق، متحاشيًا النظر إليها، لكن كلماتها لم تتوقف، بل ازدادت غضبًا وغلًا :

ليه بتحبوها كده، ي فيها إيه زيادة عني، عشان بدر اختارها هي وانا لأ، فيها اي عشان انت تحبها وتبقى عاوزها بالشكل ده، حياة أحسن مني في ايه


شدد صوته، قائلاً بصرامة قاطعة :

اقفلي السيرة دي، خلاص خلصت يا نسرين


ثم تابع بصدق :

من الآخر كده، اللي كنتي ناوية عليه لحياة، اتقلب ضدك


حركت رأسها بعناد، وقالت بغل :

لأ، ماخلصتش، حياة كانت بيني وبين بدر، ودلوقتي لسه بيني وبينك، حياة اللي وقفت قدام سعادتي زمان، ووقفت قدام سعادتي دلوقتي


ثم اقتربت منه، كلماتها تنضح بالمرارة والغضب :

لولا إنك عملت فيها شهم زمان، كان زماني أنا وهو مع بعض، وانت معاها، بدل ما كل مرة تقرب مني، تبقى نفسك هي اللي تكون في مكاني


في لحظةٍ، قبض على كتفها بعنف، وصوته يجلجل بالغضب :

اخرسي، وإياك تنطقي بالكلام الأهبل ده تاني، فوقي لنفسك يا نسرين، العيشة دي على أي حال، أرحم مية مرة من الحياة المقرفة اللي كنتي غرقانة فيها، احمدي ربنا عاوزة ايه اكتر من كده، اولاد عندك بدل الواحد اتنين، وغيرك بيتمنى بس ضفر عيل، غيري كان رماكي ومسألش فيكي بعد اللي عملتيه لكن انا اتجوزتك، بحاول معاكي اصلح العلاقة دي، كل ما بقرب منك خطوة تكون قرفانة ومش راضية، انتي مش قابلة اي محاولة مني، عشان مش شايفة غير بدر وبس 


ثم تابع، وقد أعمى الغضب عينيه :

بطلي تقارني نفسك بيها، عشان إنتي ولا حاجة جنبها، حياة أشرف منك مية مرة، عمرها ما أجبرت حد يتجوزها، ولا سكرت، ولا قضت لياليها مع غريب ماشافتهوش غير كام مرة


انتفضت في وجهه، الغضب يعصف بها، وردت بحدة مماثلة :

وحتى إنت، متتقرنش ببدر، إنت اللي فضحتها قدام الكل، إنت اللي شكيت فيها من غير ما تسمع منها، إنت اللي اتهمتها في شرفها ظلم، يعني اللي طايلني، طايلك يا إلياس باشا


قبض على يدها فجذبها من الفراش لتقف أمامه، صوته يكاد يزلزل الجدران :

مهما كان اللي عملته، مايتقارنش بالرخص اللي إنتي كنتي فيه، انتي قلبتي في القديم كله، عشان بس قولتلك سيبي الشغل واهتمي بولادك، مش عارف إزاي بماضيك المشرف ده، كنت متوقع منك تبقي أم بحق وحقيقي


تعالى بكاء الأطفال مع صرخاتهم المذعورة، فتسارع الجميع في القصر نحو الجناح، طرق والده على الباب بقلق :

إلياس، إنتو كويسين يا بني، صوتكم عالي ليه، والأولاد بيعيطوا جامد


أخذ إلياس نفسًا عميقًا، مسح وجهه بيده، ورد محاولًا ضبط صوته :

مفيش يا بابا، كله تمام. آسفين على الإزعاج، معلش اتفضل حضرتك روح نام


جاء صوت والدته من خلف الباب، رقيقًا مهدئًا :

استهدوا بالله يا حبيبي، وناموا، ده شيطان ودخل بينكم، تصبحوا على خير


ابتسم بتعب ورد برفق متمنيًا لها ليلة هادئة، ثم التفت نحو نسرين التي كانت تحتضن صغيرها وتحاول تهدئته، بينما ترشقه بنظرات غاضبة كأنها سهام، حمل هو الآخر طفلته الثانية، يتمشى بها في الغرفة حتى هدا الطفلان ونالا النوم منهما ومع كل خطوة، كان الصمت بينه وبينها يزداد ثقلًا !!!


مر وقت قصير، فمسك يدهَا بغلظة، جذبهَا نحوه، وصوته صار منخفضًا حادًّا يحمل تهديدًا محشوًا بالصرامة :

قسماً بالله لو رجعتي تفتحي في القديم أو نطقتي الكلام الأهبل ده تاني، هتشوفي وش عمرك ما شوفتيه.


تطلّعت إليه بنظرةٍ مليئة بالغضب والتحدي، وردت عليه بحدةٍ لا تخلو من كبريائها :

بلاش تهددني، مِش أنا اللي اتهَدد، لو فاكر إنك عشان أنت الراجل هتنفذ كلامك عليا، وتبرر كل حاجة لنفسك وتحرمها عليا، فإنت غلطان اوي، مش أنا اللي تعمل كده، وشغلي مش هسيبه، لو مش عاجبك، سيب شغلك انت واقعد بولادك، انا متجوزتش عشان أكون خدامة


لم تضف كلمات بعدها، دخلت إلى الفراش بحدة، واعطت ظهرها له، بقي هو واقفًا، يشتعل بداخله الغضب الشديد، لكنه ضبط نفسه، مراعيًا أن صياحه قد يوقظ من في البيت، وأطفاله الصغار، لو لم يكن عنده ذلك الحذر، لربما أعطاها درسًا لا يُنسى، فبدلًا من انفجارٍ عالٍ، اكتفى بالصمت مؤجلاً حديثهما لوقتٍ اخر !!!


في صباح اليوم التالي خرجت نسرين كأنها تُعلن تمردًا، اتجهت إلى عملها لا تكترث لتهديده ولا لغضبه !!


بعد يومٍ طويل من العمل، عند وصولها كادت مواجهةٌ صاخبة تنشأ، إذ كاد إلياس أن يعنفها أمام الجميع، لولا لمسةٍ هادئة من والدته التي أمسكت بيده في الخفاء، حتى يؤجل شجارهما لوقتٍ لاحق، فصمت على مضض


بعد أن انصرف افراد العائلة إلى غرفهم واحدًا يلو الآخر، رددت والدته برفقٍ وحنان :

براحة عليها يا بني، التعامل مش كده، كلمها باللين، اشرحلها اللي شايفه، مش بالطريقة دي تخنقها وتقفلها من كل حاجة


رد عليها بضيقٍ ونفاذ صبرٍ يئن في صوته :

اتكلمت يا أمي كتير، بهدوء، مرة واثنين، وعشرة قولتلها سيبي الشغل مؤقتًا لحد ما يونس وسيدرا يكبروا شوية، تابعيه من البيت وروحي للضرورة، لكن مفيش فايدة، مش عايزة تتنازل حتى شوية عشان ولادها، بتقول انا مااتجوزت عشان أكون خدامة، عارفة يا امي انا لو شايف منها اهتمام بالأولاد وانها شايلة همهم كان هيبقى ليا رأي تاني، لكن هي مش شايفة حد غير نفسها


تنهد، وكأن كل نفسٍ يسحبه أثقل من سابقه، ثم أضاف بمرارةٍ مكبوتة :

اللين مش نافع، والهدوء ما جابش نتيجة، بالعكس، خلاها تتفرعن اكتر، لو دا ماجابش نتيجة، يبقى لازم الشدة تجيب نتيجة، وأنا وراها لحد ما تعرف يعني إيه مسئولية، دلوقتي عندها طفلين مربوطين في رقبتها ومحتاجينها، لازم تتحمل المسؤولية، وتعقل عشان تشيل معايا انا حاسس اني بلف بيهم لوحدي


غمزته والدته بعينٍ تجمع بين الحنو والعتاب، ولم تجد ما ترد به سوى حسرة أم على ابنها :

أرجع وألومك إنت يا بني، طلعت وقولت هتجوز وفرضت علينا، وحطيتنا قدام الأمر الواقع، كان المفروض تاخد رأيي، ورأي أبوك، وإخواتك، احنا عمرنا ما هنضرك، إحنا هننصحك ونوريك اللي يمكن إنت مش شايفه


ثم تابعت بأسف :

دي مش من توبنا يا بني، دي واحدة اتربت بره طول حياتها، ومش هكلمك عن عيشة الغرب، مراتك بالعافية رضيت تلبس لبس مقفول شوية


زفر إلياس بضيقٍ عميق ثم صمت، كان يعلم أن والدته محقة في جزءٍ من كلامها، لكن كيف يبوح لها أن ما يجمعه اليوم هو حصيلة ليلةٍ خان فيها ربه وارتكب فعلًا ثقل على ضميرِه؟ كيف يشرح أن سكونه الآن ليس برضا، بل بعجزٍ عن مواجهة عاصفةٍ تلوح في صدره؟


دخلت نسرين قاعة الاجتماعات في شركتها الصغيرة، التي لم يمضِ على افتتاحها بالقاهرة سوى أشهر قليلة، جلست على مقدمة الطاولة تُلقي التحية، بينما الوجوه أمامها متوترة، الجميع بانتظار قرارها الحاسم


قال أحدهم بجدية :

نسرين هانم، أنا شايف إن حضرتك تقبلي عرض الشراكة مع حسام جوهر، شركته كبيرة وليها وزنها، وده هيخلي اسمنا يتعرف أسرع بدل الخساير اللي مش بنلاحق عليها


تدخلت أخرى قائلة :

طب ليه حضرتك تدخلي مع شريك غريب وجوزك موجود، شركته تعتبر أفضل من شركه حسام جوهر بكتير، وفي الأول والأخر ده زوج حضرتك، يعني الوحيد اللي، تأمنيله وتدخلي مع شراكة و انتي مغمضة


نظرت لها نسرين نظرة حادة، كأنها سهام، تفضح ضيقها من ذكر اسمه في هذا المكان، تدخل آخر بحزم :

احنا قولنا لحضرتك كل الحلول يا فندم، يا شراكة حسام جوهر، او تقترحي على زوجك الشراكة، او نقفل الشركة احنا بقالنا شهور، وكل اللي بنعمله بنحقق خساير وبس، لأننا مش معروفين في السوق ومحدش عاوز يجازف، ويتعامل معانا


زفرت نسرين بعمق، تحاول ضبط أعصابها :

طيب واللي اسمه حسام ده هيستفيد إيه من شركة بتخسر؟


رد عليها الرجل بثقة :

يستفيد اللي يستفاده، المهم إننا كمان هنستفاد، اسمه كبير، وسمعته نظيفة، وأنا سألت وبحثت ومالقوش عليه غلطة واحدة، وجوده معانا هيكسبنا ثقة العملاء


صمتت لحظة، ثم حسمت قرارها قائلة :

تمام، حدد ميعاد معاه، خلينا نخلص من الموضوع ده


أومأ لها الرجل وغادر، لكن ما إن أغلق الباب خلفه، حتى أخرج هاتفه سريعًا واتصل بأحدهم بصوتٍ خافت :

كله تمام يا باشا، اقتنعت خلاص، طلبت مني أحدد ميعاد معاك عشان العقود


على الجانب الآخر، أغلق المتلقي الهاتف وابتسامة مائلة تتسع على شفتيه، كأنما كان يترقب هذه اللحظة منذ زمن


في منتصف النهار، اقتحم رجل المكتب بعنف أربك هدوءها، انتفضت واقفة وقالت بحدة :

ايه قلة الذوق دي، إزاي تدخل من غير ما تستأذن؟


ابتسم بزاوية شفتيه، ثم جلس أمامها ببرود واضعًا قدمًا فوق الأخرى بغرور :

بلغوني إنك وافقتي ع الشراكة، وعايزة تمضي العقود، طب ما كان من الأولؤ ماكانش ليه لازمة المماطلة دي كلها 


صرخت عليه بغضب :

إنت مالك انت؟ واضح إنك شخص قليل الذوق


في لحظة، مد يده وجذبها من خصرها لتلتصق به، نظرته تفترس تفاصيل وجهها، وصوته ينخفض بشغف وقح :

اللي يشوف الجمال ده كله، يستحيل يصدق إنك أم ومن كام شهر بس، جوزك أكيد مش بيفهم ولا بيقدر الجمال ده كله، عشان يسيبك تنزلي وتختلطي بالناس عادي


ثم مال قريبًا من أذنها، يهمس بغزل :

طب لو مش خايف عليكي، يخاف ع الناس اللي هتتفتن بجمالك، اللي مفيش زيه


ارتجف جسدها من كلماته، مزيج بين الغضب والاضطراب، أبعدته بحدة وصوتها يرتجف :

نت قليل الأدب وسافل


ضحك بلامبالاة، قائلاً :

قليل الأدب عشان قولت الحقيقة، كل الحكاية اني شخص بيحب الجمال وبيقدروا ولما شوفت، جمالك الغير عادي اتفتنت زي اي حد ما اكيد شافك وسرقتي جزء من قلبه وخطفتيه خطف !!!


أبعدت عينيها عنه، تتحسس خصلات شعرها بتوتر، لم يكن خجلًا بل خوفًا من انكشاف ارتباكها، فقد تسللت كلماته إلى موضعٍ في قلبها لم يطرقه أحد من قبل


أنقذها من اللحظة دخول المحامي حاملاً العقود، جلسا يوقعان بسرعة، كأن الأمر مُرتب مسبقًا، انتهى كل شيء بسهولة مريبة، ولم تلتفت نسرين لِما يخبئه ذلك الاتفاق....وليتها فعلت !!!!


عاد المساء حاملاً في طياته صقيع القلوب، لتواجه نسرين عاصفة غضب إلياس، الذي قبض على يدها وسحبها خلفه إلى صالة الرياضة المعزولة عن صخب القصر، صوته يصدح بالغضب :

بالذمة، أنتي أم، من الصبح لحد دلوقتي بره البيت، وأولادك مفكرتيش تطمني عليهم بتلفون حتى، ابنك حرارته عالية يا هانم، وتعبان وانتي ولا هنا


ردت بضيق وهي تحاول سحب يدها :

كنت مشغولة، ومافضتش طول اليوم


قبض على يدها بشدة، صوته يرتفع، كأنه يخرج غضباً مكبوتاً منذ زمن :

اتعدلي أحسنلك واظبطي نفسك، انا صبري عليكي خلاص نفد، لو فاكرة إنك لما تعانديني هسكتلك، تبقي غلطانة، انا اعند منك، ممكن أكسرلك راسك كمان لو ده هيظبطك


صرخت عليه بغضب مكتوم :

سيبني، أنا زهقت من العيشة دي، كل شوية اعملي، وخلي، وسوي، قوم بدورك انت الأول وشوف الرجالة بتعامل مراتتهم ازاي


وقف للحظة، ثم قبض على يدها مرة أخرى مردداً بغضب :

انا بعاملك بما يرضي الله، بس انتي اللي صنف نمرود مابتحمديش ربنا، انتي مش عاجبك حاجة خالص، اهتمي بولادك، مضيقاكي أوى، ما أنتي من الأول اتجوزتيني عشانهم، مش عشان نفسك، ايه اللي جد دلوقتي


تنهدت، قائلة بنبرة حزن وغضب ممزوجة بالقهر :

اللي جد إني بني آدمه، مش قادرة أستحمل العيشة دي، مش قادرة أكون زوجة بديل لواحدة بتحبها، مش قادرة أعيش من غير حب، ومن ساعة ما بقيت أم وانا مطلوب مني اقدم تنازلات طب ايه


صمتت للحظة ثم تابعت بغل عميق :

بدر كان يستاهل حبي ويكون ليا، ليه انت مش زيه، ليه حياة هي اللي......


دفعها للخلف باشمئزاز، صوته يقطر بغضب :

طول ما انتي بتفكري كده، عمرك ما هتكوني مبسوطة، طول ما انتي حاطة حياة وبدر قصاد عينك هتفضلي في مكانك طول العمر، عايزة تعرفي انا معاكي مش مع بدر ليه لأنك ببساطة مش حياة المقارنة بينكم معدومة، الفرق بينكم زي الفرق بين السما و الأرض


اندفعت للخارج إلى سيارتها، تسرع بها في الشوارع بلا هدف، الدموع تذرف من عينيها كأنها تروي قصتها كلها، توقفت فجأة على جانب الطريق، خرجت منهما تبكي بمرارة حتى شعرت بذراع تحيط بخصرها، ترفعها لتقف :

نسرين، انتي كويسة؟


انفجرت بالبكاء، ألقت بنفسها في حضنه، صوتها يهتز من كثرة النحيب :

فيكي ايه...؟!!


أغلق سيارته، دخل بها إلى سيارتها، يسألها بقلق :

تحبي اوصلك فين؟ أظن البيت يكون أفضل


حركت رأسها بلا إرادة، الدموع تنساب منها بلا توقف :

مش عايزة أروح البيت


تنهد بحيرة، ثم قال بصوت خافت :

طب، تحبي نروح فين؟


صمتت لحظة، ثم همست باسم مكان غير متوقع، ابتسم بصمت، يقودها دون سؤال، دخلت الملهى، الموسيقى تصدح والأجساد تتحرك بلا خجل، والكل يرتشف الخمر بلا حساب جلسا بجانب البار، فسألها حسام ببرود :

انتي ليكي في الجو ده


ردت عليه بتهكم وغل مكبوت :

ليا بس جوازة الهم دي.....

ضيعت عليا كتير وخسرت فيها أكتر، وقبلها أكتر وأكتر


ارتشف حسام كأسه، قائلاً بسخرية :

بصراحة، مين يتجوز إلياس العمري ده، طباعه صعبة اوي، مش أي حد يتحمله


تنهدت نسرين، كأسها يلمع تحت الضوء، قائلة بغل :

نصيبي الأسود خلاني بقيت مراته، اخد مني حياتي وفرصة عمري، ودلوقتي عايز يحرمني من الحاجة الوحيدة اللي بتحسسني بقيمتي، عشان بس أفضى قاعدة في البيت، اشتغل ليه هو وأولاده وخدامه


جلس حسام صامتاً، يشاركها بسماع هادئ، بينما هي تنهش كلماتها بالغضب والحقد على إلياس، زجاجات الخمر تتوالى أمامها حتى أفرغت زجاجة كاملة


نهضت ثم تترنح :

انا لازم أمشي


التقطها قبل أن تسقط، نظر إليها مطولاً، ثم أخذها بين ذراعيه بعناية وحذر، يقودها إلى فيلته، مر بعض الوقت، وكان يدخل بها من باب فيلاته، اقترب منها فجأة يقبلها بقوة، بينما هي تبادله غير واعية لما تفعل، دفعها إلى غرفة النوم وألقاها على الفراش، مردداً كلمات بمكر، قبل أن يُتمم ما نوى فعله هذه الليلة :

مش بقولك جوزك مش بيفهم ولا بيقدر الجمال!!!


بينما، على الناحية الأخرى، كان إلياس يأخذ بهو القصر ذهابًا وإيابًا بغضب، والجميع يحاول تهدئته، ركل المقعد الخشبي بقدمه مرددًا :

قسماً بالله ما هتعتب بره باب القصر ده تاني، لحد ما تتربى وتعرف إن الله حق


ردد والده بضيق :

الغايب حجته معاه يا بني، انت مش بتقول اتخانقتوا تلاقيها بس حابة تقعد مع نفسها شوية وهترجع 


#الفصل_السابع

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

ملخص احداث الجزء الأول

ليلى الجارحي ويوسف العمري كانوا متجوزين وبيحبوا بعض جدًا وعندهم خمس أولاد آدم أوس ريان أمير وحياة لكن يوسف اضطر يتجوز بنت صاحب أبوه عشان شرط أساسي لاستلام الورث البنت دي لعبت لعبة كبيرة بينهم وأوهمته إن ليلى بتخونه مع راجل غريب في أوضة نومهم وخلته يشوفهم بعينه يوسف صدق الكذبة وكره ليلى وعياله الخمسة ورفض يسمع لحياة اللي كانت شاهدة على كل حاجة وهي متكتفة شايفة اللي بيحصل لأمها


السنين عدت والعيال عاشوا مع أهل أمهم ولما كبروا بدؤوا يكشفوا الحقيقة ويثبتوا براءة أمهم ليلى


حياة كانت بتحب ابن عمها إلياس بس كانت خايفة منه لأنه شبه أبوها في طباعه في نفس الوقت كانت بتحس بالأمان مع بدر ابن عم والدتها رغم إنها اختارت إلياس في الأول إلا إنه اتهمها بالخيانة زي ما أبوها اتهم أمها لما شافها مع الدكتور النفسي عمر اللي كانت بتتعالج عنده بعد الاتهام ده بعدت عنه وسافرت مع بدر وعيلتها عشان تكمل تعليمها بره وقدر بدر يكسب قلبها ويخليها تحبه


آدم اتجوز بنت خاله زينة

أوس اتجوز مهرة بنت أخت الست اللي ربتهم

أمير اتجوز فرح بنت الست اللي ربتهم

ريان اتجوز ندى بنت عمه وأخت إلياس


سارة بنت زوجة أبوهم اللي دمرت حياتهم قدرت تزرع كاميرات في غرفة نوم أوس وصورته مع مراته وهددته إنها هتفضحه لو ما اتجوزهاش خوفًا على مراته وافق ودي كانت صدمة للكل إنه اتجوز بنت الست اللي قتلت أمه ومع الوقت العيلة اكتشفت حقيقة سارة وحصل لها حادث قلب حياتها بدأت تفكر بطريقة مختلفة وطلبت السماح من الجميع


سارة بعد الحادث قابلت الدكتور النفسي عمر اللي كانت حياة بتتعالج عنده وكان هو نفسه ضحية ليها زمان لما كانوا في الجامعة سارة كانت عملت رهان مع صحابها على عمر وخلته يحبها وبعدين سابته لما تقابلوا تاني عمر ساعدها بس رفض يسامحها رغم إنه كان لسه بيحبها عمر كان متجوز بنت خالته بس هي توفت يوم ولادة بنتهم في النهاية سامح سارة بعد ما شاف إنها فعلاً اتغيرت


أما أدهم الجارحي ابن خال الأخوة الخمسة وأخو زينة كان بيحب هنا قريبتهم من بعيد وكان ناوي يتقدم لها بس في نفس اليوم شافها نايمة في سرير صاحبه فبعد عنها ما كانش يعرف إن دي لعبة من سكرتيرته وخطيبته سمر اللي ارتبط بيها عشان ينسى هنا


الجد أجبر أدهم وهنا على الجواز لكن بعد كام يوم من الفرح أدهم اعتدى على هنا وهو سكران فكرهته بعد كده اتواجهوا بالحقيقة اللي كان مخبيها في قلبه في النهاية قدر يثبت براءتها لكنها رفضت تسامحه واتطلقوا بعد ما ولدت ابنهم سليم بعد خمس سنين من الانفصال قدرت هنا تسامحه ورجعوا لبعض


في النهاية مات يوسف العمري بمرض خبيث وكان الندم بينهش في قلبه على كل اللي عمله في أولاده ومراته اللي كانت الحب الوحيد في حياته يوسف حس بالذنب إنه رمى أولاده في الشارع في وقت كانوا محتاجينه فيه وإنه صدق الكذبة اللي دمرت حياته وحياة أولاده وفي نفس الوقت كان عايش مع سارة بنت الست اللي دمرت عيلته كلها


الياس ونسرين

نسرين شخصية طرف ثالث في علاقة بدر وحياة، وبيحصل بينهم علاقة وينتج عنها حمل


سمر ورجل الأعمال

بعد ما أدهم يكتشف حقيقتها، ختدخل السجن

بعد خروجها، تتجوز رجل أعمال مش كويس

هتكتشف بعد الجواز إنه مريض وبيعذبها

للرجل ده ليه بنت اسمها بسمة لكنها فاقدة النطق وعنده ولد اسمه نوح

لكن الراجل اتوفى في ظروف غامضة في الجزء الأول هنعرف تفاصيلها في الجزء التاني

➖➖➖➖➖➖

الأبناء في الجزء الثاني معظمهم شخصيات ثانوية ⬇️

عائلة حياة وبدر :

يوسف/مروان/عشق وعاصم "توأم"


عائلة آدم وزينة :

ياسين/صافي


عائلة أوس ومهرة :

مالك/حمزة/ليلى


عائلة ريان وندا :

ليلة/شريف


عائلة أمير وفرح :

ثائر/جوان وجوري "توأم"


عائلة أدهم وهنا :

سليم/قمر


ابناء إلياس ونسرين :

سيدرا/يونس "تؤام"


عائلة عمر وسارة :

جومانا من زواجه الأول

ريماس/كارما وليان "توأم"


معظم الابناء دورهم ثانوي ❤️ 

في شخصيات جديدة هتظهر قدام وهتتعرفوا عليها

مفيش لخبطة ان شاء الله هبسطها ليكم

المخلص هنشره ليكم اول كل بارت جديد

............

الفصل السابع


كانت غنوة تنظف الأرضية الرخامية بصالون الفيلا، منهمكة في عملها، وما إن رفعت عينيها قليلًا نحو الباب الداخلي، حتى تجمدت أطرافها في مكانها، وكأن الحياة انسحبت فجأة من عروقها !!!!

هناك، في مدخل الصالون، ظهر كائن غريب، له هيبة الثعلب وهيئته المخيفة، ارتجفت أنفاسها، وانقبض صدرها، وبرقت عيناها بذعر، لحظة، اثنتان، ثلاث......

ثم أفلتت ما في يديها وصرخت صرخة داوية ارتج لها البيت بأكمله


ارتعد الجو، واندفع الجميع إلى الصالون بدر، حياة، مروان، عاصم، عشق، بل حتى الخدم والحراس هرعوا من الخارج ظانين أن خطرًا ما حل بأهل الفيلا، وما إن وصلوا حتى وجدوا غنوة واقفة على الأريكة، يديها تقبضان برعب على تمثال ضخم، جسدها يرتعش، وعيناها شاخصتان صوب ذلك الكائن المرعب


ابتسم بدر بخفوت وقد فهم السبب، بينما حياة تسألها بقلق :

مالك يا غنوة، صوتي ليه، وايه اللي موقفك كده؟!!


تمتمت غنوة بصوت متقطع، بسبب ذعرها، ولازالت عيناها مصوبة على ذلك الكائن :

ثـعـلـــب !!


تعالت ضحكات مروان، وتبسم الباقون بدهشة، فالذي تراه ثعلبًا لم يكن إلا كلبًا من فصيلة الهاسكي ضخم الجسد، تملكه مروان، ويوسف منذ سنوات، أشار عاصم للحراس بالانصراف، وبقي أهل البيت فقط ومعهم مدبرة المنزل عبير


تضاعف ارتباك غنوة من ضحكهم، وعيناها ما زالت متسمرة على الحيوان الذي يتنقل في الصالون بحرية وطمأنينة وفجأة قفز الكلب بجانبها على الأريكة، فقفزت غنوة بعشوائية نحو الأرض المبتلة، فانزلقت قدماها وسقط التمثال من يدها، وتحطم إلى شظايا متناثرة، حاولت الاتكاء لتستعيد توازنها، فإذا بيديها تستقران على مروان القريب منها، فيسقطان معًا أرضًا بسبب تلك المياه !!!!


كان المشهد كالتالي تمثال مهشم على الأرض، وغنوة فوق صدر مروان، أنفاسها متقطعة ووجهها شاحب، ارتفعت عيناها إليه برعب، فالتقت نظراتهما للحظة خاطفة، فلاحظ بدر الأمر، نهضت غنوة على عجل تشعر بالخجل، لكن قدميها عاندتاها مجددًا، فانزلقت مرة أخرى، لترتمي هذه المرة على الطاولة، فتهوي مزهرية فاخرة وتتناثر شظاياها في المكان، شهقت غنوة بقوة، بينما ضحك الجميع بيأس وخفوت عليها


أخذ عاصم الكلب خارجًا إلى الحديقة، فيما دموع غنوة انهمرت خائفة من الفوضى التي أحدثتها، أغلق مروان عينيه بيأس، وكأن صبره يُختبر بتلك الفتاة الرعناء


همست غنوة بصوت متلعثم، تكاد كلماتها تخونها :

انا والله ما كنت أقصد


ابتسم بدر وهو يتأمل براءتها، وتلألأت نظرات حياة بالحنان، تقدمت غنوة بخطوات مرتعشة نحو حياة، محاولة الاعتذار، لكن الأرض غدرت بها مجددًا، وكادت تسقط لولا يد مروان التي أمسكتها في اللحظة الأخيرة، قائلاً بنفاذ صبر :

حاسبي


انفجر بدر ضاحكًا، بينما غنوة بكت بحرقة من شدة الحرج، متشبثة بكلماتها :

والله ما قصدت، الثعلب ده كان هيكلني، إنتو مشوفتوش كان بيبصلي إزاي، ده جري عليا؟!


اقتربت منها عبير بخطوات مشدودة، وقالت بتهذيب قاسٍ ونظرة حادة :

أنا آسفة يا حياة هانم، غنوة ما تقصدش، خمس دقايق والمكان كله هيبقى زي الفل، وهي طبعًا هتحاسب على كل حاجة اتكسرت من مرتبها


اصفر وجه غنوة، قلبها انقبض، فمرت أيام قليلة فقط على وجودها هنا، ولم تجمع ما يسد حاجتها بعد، فكيف تدفع ثمن ما تهشم من أشياء باهظة، لكنها لم تظهر ذلك وحركت رأسها بنعم !!!


التقط مروان تلك النظرة في صمت، بينما حياة التفتت إلى عبير بحزم ممزوج بالحنان :

من إمتى وإحنا بناخد عوض على حاجة اتكسرت، اللي حصل كان حادثة، وإنتو غلطانين لما سبتوا الكلب يدخل، مفيش خصم ولا حاجة، نضفوا بس المكان


ثم التفتت إلى غنوة، وصوتها يفيض دفئًا :

كملي شغلك يا بنتي متخافيش


رفرفت عينا غنوة بامتنان، ابتسمت بخجلٍ وقد حملت أدوات التنظيف، لكن خطواتها ترددت من جديد، فكادت تنزلق، فأمسكها مروان للمرة التي لا يعلم عددها، قائلاً بتعب :

حرام عليكي يا شيخة، فرهدتي أمي!!!

...........

كانت شدوى جالسة في غرفتها، تُطلي أظافرها ببرودٍ، حين دوى رنين هاتفها فجأة، التقطته وما إن رأت اسم سليم يتلألأ على الشاشة حتى ضاقت ملامحها بتبرم، فهي لم تعد تحتمل مزاجه المتقلب ولسانه السليط !!!


لكنها ردت عليه بدلال تجيده :

ليك واحشة يا باشا


جاءها صوته صارمًا، مقتضبًا لا يعرف مجاملة :

عنوانك فين؟


ارتبكت، وتوترت أنفاسها وسألته متلعثمة :

بتسأل ليه يا باشا؟


عاد يرد بحدة وصبر نافد :

انجزي، عنوانك فين، أنا جايلِك، جهزي نفسك


أملت عليه العنوان بصوت متردد، ثم هرولت إلى الصالة حيث كانت "فيروز" منحنية على دفاتر الطلاب، تُصحح أوراقهم بتركيز، اقتربت شدوى منها بحدة وأطلقت أوامرها بغضب :

اسمعي يا فيروز، في ضيف مهم جايلي كمان نص ساعة، تدخلي أوضتك وتقفلي الباب، وما تخرجيش منها، متفتحيش بوقك بولا كلمة، لو سمعت صوتك والله ما هتقعدي هنا ليلة زيادة


رفعت فيروز عينيها بتوجس وسألتها :

ضيف مين اللي جاي نص الليل كده


ردت عليها شدوى بتعجل، ونفاذ صبر :

ما يخصكيش، اعملي اللي بقولك عليه وانتي ساكتة


ثم ولت مسرعة إلى المطبخ، وأخرجت زجاجات كحول وضعتها على الطاولة، وبعض التسالي، قبل أن تعود إلى غرفتها وتخرج بعد قليل في زي اسود فاضح لا يستر جسدها !!


حدقت فيها فيروز بذهول، تقرأ في ملامحها نواياها المريبة، فقربت منها وقالت بحدة :

انتي مستنيّة مين؟


أجابتها شدوى ببرود وقسوة :

قولتلك ما يخصكيش


سألتها فيروز مرة أخرى بغضب :

اتكلمي مع اختك الكبيرة كويس، قولتلك مين اللي جاي؟!


ردت عليها شدوى ببرود، وتبجح :

صاحبي


قالتها ثم دخلت لغرفتها ببرود، بينما اهتز قلب فيروز قهرًا، والدتها صنعت من شقيقتها الصغرى فتاة رخيصة، لا تكترث لأحد، ولا تخاف الله !!


لم تتمالك غضبها، فإذا بباب البيت يُفتح، ويقف أمامها رجل، وسيم لدرجة تُربك النظر، شعره الفوضوي وهيئته المهيبة تخطف الأنفاس، كان يستند بيده على الباب، واليد الأخرى تحمل جاكيت بدلته


ارتبكت فيروز، وسألته بحزم :

انت مين؟!


قطب سليم حاجبيه ببرود، يتأمل الفتاة التي ترتدي إسدال الصلاة، محتشمة مغايرة تمامًا لما توقع أن يجده في بيت شدوى، فسألها :

مش ده بيت شدوى؟


- لا، العنوان غلط!!

قالتها فيروز بتوتر، حاولت إغلاق الباب، لكن شدوى خرجت مسرعة من غرفتها، وصوتها يصرخ باسم أختها، عندها دفع سليم الباب بيده ودخل، والشرر يتطاير من عيني شدوى الغاضبة على فيروز


صرخت عليه فيروز بحدة :

اطلع بره، قولتلك العنوان غلط


ألقى سليم نظرة باردة على شدوى وسألها بملل :

مين دي؟


ردت عليه شدوى بتوتر :

حقك عليا يا باشا، معلش فيروز اختي كده دايمًا دبش


رمقهما سليم بنظرة ساخرة، عين على تلك المحتشمة المذعورة، وعين على أختها التي لا يسترها شيئًا، دفعت شدوى أختها جانبًا هامسة بغيظ :

غوري على أوضتك


لكن فيروز لم تهتز، بل تقدمت منه بجرأة وقالت بصوت غاضب :

بقولك إيه يا أخينا، البيت ده محترم، وأختي ملهاش في الشمال، خد بعضك وامشي، وإلا أقسم بالله أفضحك، واصوت والم عليك العمارة كلها


ابتسم سليم، وقال ببرود يقطر سخرية :

صوتي يلا.....مستنية إيه


انعقدت أسنان فيروز غضبًا، لكنها ابتلعت صرختها، تدرك أن فضحها سيجلب العار لها ولأختها معًا، تنهدت شدوى بغيظ، وقالت محاولة إصلاح الموقف:

حقك عليا يا باشا، امسحها فيا أنا


لكن عيني سليم لم تفارقا فيروز، فقد أسرته تلك الجرأة في ملامحها، وقفت فيروز أمام أختها كالسد وقالت له بنبرة متحدية :

مش هتلمس أختي، ترضى حد يعمل مع أختك كده؟


ارتجف سليم للحظة من وقع كلماتها، لكنها سرعان ما تحولت إلى جرح غائر حين رد بقسوة جارحة :

اختي مش رخيصة زي اختك، فيه فرق كبير يا حلوة


شهقت فيروز، وصُعقت من وقاحته، فيما جذَب سليم شدوى من يدها ليدخل بها الغرفة، في تلك اللحظة، لم تتردد فيروز أمسكت بمزهرية ثقيلة ورفعتها بكل قوتها، ثم هوَت بها على رأسه، دوى صوت التحطيم، وسقط سليم أرضًا، رأسه ينزف بغزارة !!


صرخت شدوى بذهول، وجحظت عيناها وهي ترى الدماء تتسرب من جبهته !!!!!!!!

..............

كانت قمر جالسة في غرفتها، أصابعها ترتجف وهي تقضم أظافرها بقلقٍ متصاعد، عيناها معلقتان بشاشة الهاتف الذي يرن للمرة العاشرة وربما أكثر، نوح لا يجيب، صمتٌ يطبق على صدرها كلما انقطعت النغمة، تسللت دموعها بحسرة، هل انتهى الأمر؟ هل سئم منها وقرر الرحيل؟!

لم يكن بيدها حيلة سوى أن تواصل المحاولة، تعلقًا بأملٍ واهٍ أن يسمع صوتها أخيرًا، لكن كل مرة كانت تصطدم بالخذلان ذاته....لا رد !!!


على الناحية الأخرى، جلس نوح على البار داخل فيلته، يرتشف الخمر ببرود، وعيناه لا تفارقان هاتفه الذي يرن كل دقيقة والأخرى، ابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيه تلك الحمقاء لا يملك أحد مفاتيح قلبها كما يملك هو مفتاحها يعرف كيف يجعلها توافق على الزواج برضاها، ثم يستخدم رضاها ليكسر ظهر أبيها.....ادهم الجارحي

أما سليم فليس بعيدًا عن الحسابات، يجهز له فضيحة ستجعله يحني رأسه أمام الجميع، فهو لن يتوانى عن الانتقام من أدهم الجارحي، ذلك الذي قتل والده ظلماً طمعًا في صفقة كانت ستجني ملايين من نصيب من يفوز بها


كان السبب الأعمق أن والده ضبط أدهم متلبسًا بمحاولة الاعتداء على زوجة أبيه، سمر، حينها ارتعد أدهم من الفضيحة، وخوفًا من انكشاف حقيقته اختار طريق الدم وقتل والده ظلمًا، ومن بعدها تهاوت أركان شركات العائلة إذ لم يكن يفقه الكثير في شؤون الإدارة، فانحدرت نحو الخسارة وكادت أن تُعلَن إفلاسها، لكن الأعوام قست عليه بقدر ما صقلته، فغاص في الدراسة، واكتسب بالخبرة، حتى استطاع أخيرًا أن يستعيد مكانة شركات والده في السوق من جديد، ويثبت أنه لا يُهزم


ابتسم بشر ابتسامةً هادئةً، مرت عبرها صورة ذلك اليوم كطيفٍ قاتم، حين أطلق النار على أدهم، فبات الأخير معلقًا بين الحياة والموت، نجا أدهم بأعجوبةٍ


كان مراهقًا آنذاك، لكن بعدها احتلته فكرة مظلمة أن يهدم حياة أدهم ويفكك أسرته، أن يقتله ألف مرة ببطء لا مرة واحدة !!!


تذكر كيف التحقت قمر بالإعدادية، وكيف كان يسرق النظرات إليها من بعيد، ثم اقترب منها، وعرفها بنفسه، حتى كبرت  شيئًا فشيئًا، وكيف أحكم قبضته على قلبها حتى سقطت في حبه بلا مقاومة، وحين شد الرحال إلى بيت والدها طالبًا يدها، جاءه الرفض صريحًا وقاسيًا، عندها لم يتراجع، بل تحدى ادهم أن يملك الجرأة ويخبر ابنته عن السبب الحقيقي لذلك الرفض !!


أخرج نوح صورة من محفظته، حدق فيها أولًا بعينين متشفيتين، لكن سرعان ما تبدلت نظراته إلى سكينةٍ وهيام.د كانت الصورة تجمعه بقمر، تقف إلى جانبه وهي تقوم بتلك الحركة الغريبة بوجهها، بينما هو يحدق بها ضاحكًا، فجأة انتبه إلى نفسه، حرك رأسه نافضًا أي شعورٍ حاول التسلل إلى قلبه، عليه أن يُنهي هذه المهمة، فقط ليحيا مرتاحًا، عليه ان يأخذ ثأر والده


اقتربت منه سمر، زوجة والده، التي تجاوزت الخامسة والخمسين، ومع ذلك حافظت على رشاقتها وأناقتها، وقفت أمامه بنظرة حادة وقالت :

وصلت مع الزفتة بنت ادهم لأيه، كل ده مش عارف تقنعها تتجوزك، خسرت تأثيرك عليها زي زمان وبطلت تحبك


رد عليها نوح بغضب :

بطلي ترغي كتير، قولتلك هشوف حل تاني


صرخت عليه بحدة أكبر :

بقالك سنين مش عايز تاخد الخطوة دي، اتأخر ت ليه دلوقتي، كل مرة بتقول هشوف حل، وتقعد ساكت، تقرر وتنسحب، وبترجع في كلامك على آخر لحظة ليه يا نوح


توجست قليلاً قبل أن تسأله :

لتكون حبيتها...؟!!


نظر إليها نوح بحدة، فأكملت بغضب :

حبيت بنت اللي قتل أبوك


صرخ عليها نوح غاضباً :

خلصنا، قولتلك هشوف حل، يبقى تسكتي خالص، مش عايز رغي كتير، أنا اللي ليا حساب عند أدهم الجارحي، مش انتي، متدخليش في اللي ميخصكيش


ردت عليه بصوت مرتفع، يغلفه الغضب والحدة :

لا، هاتدخل واتكلم براحتي، متنساش إن اللي قتله أدهم ده يبقى جوزي، زي ما هو ابوك انت وأختك، انا ليا حق زيي زيكم عند أدهم......


صمتت ثم تابعت بغل :

متنساش ان ده ادهم اللي فضل يوقع في شركات أبوك حتى بعد ما مات، لغاية مافضلت انت وأختك ع الحديدة، ومتنساش كمان ان كل اللي بنيته ده كان أصله فلوسي، ماتشوفش نفسك عليا أوي، يا بن أسامة، وبدل ما تيجي تتشطر عليا، روح اتشطر ع اللي قتل أبوك وحاول يعتدي عليا، روح خد حقنا بدل ما انت جاي تصرخ عليا، روح حسره على ولاده الاتنين، واقهر قلبه عليهم


ابتسمت بمكر، وهي ترى تأثيرها عليه، وتابعت بسخرية :

بس انت اللي شكلك حبيتها وخليتك تنخ


صرخ نوح بغضب، وهو يركل كأس الخمر من يده، فارتطمت بالأرض وتحطمت مع صوت مزعج، ابتسمت سمر بسخرية، مستمتعة بالغضب الذي سيطر عليه، وقالت بصوت بارد، لكنها مليء بالحزم :

حبيتها لدرجة إنك ما بقيتش شايف شغلك كويس، وبقيت نايم على ودانك، اختك كانت هتحصلها مصيبة بسبب أدهم الجارحي، لكن أنا رجالتِي وسطهم، ومراقبين كل حاجة، أدهم كان هيبعت واحد يسرق شرف اختك، أدهم لحد دلوقتي بيحاربك وعايز يذلك من ساعة ما ضربت عليه النار، فاكر عملت ايه، كانت حركة خايبة ما يعملهاش إلا عيل، هتستفيد إيه بموته، وانت ممكن تخليه يموت ألف مرة، موتة راحة ليه، اختك كانت هتضيع منك وأنت واقف تتفرج، قلبك بيحن على حبيبة القلب دوس على قلبك، واشتري كرامتك، وكرامة اختك وكرامتي، اللي قتل أبوك وحاول يسرق شرف مراته اللي هي انا.....يستحق الموت ألف مرة


ثم التفتت، وذهبت بصمت

أما نوح، فظل مكانه، يضرب كل ما حوله، غاضباً، قلبه محموم بالانتقام، حسابه مع أدهم الجارحي أصبح أكبر، وعقله يلتقط أفكاراً لم تخطر على عقل الشيطان حتى.....!!!!!

.........

في صباح اليوم التالي، ذهبت قمر إلى الجامعة، جسدها حاضر، لكن عقلها غائب تمامًا، جلست في قاعة المحاضرات، تحدق في المعروض امامها، فلا ترى سوى فراغٍ يلتهم كل معنى، الحروف تتبعثر أمام عينيها كأنها طلاسم، إذ كان قلبها مشغولاً بغياب نوح، وبالقلق الذي ينهشها منذ أن توقف عن الرد على اتصالاتها


خرجت من المحاضرة، فرن هاتفها فجأة، ارتجفت يدها وهي تخرجه من حقيبتها بسرعة، قلبها يرجو أن يكون هو، وحين رأت اسمه على الشاشة، انفرجت أساريرها لحظة، لكن الصوت الذي جاءها لم يكن صوته، بل رجل مجهول يخبرها بلهجة قلقة ان صاحب الهاتف تعرض لحادث سير، وتم نقله للمستشفى، ثم املاها العنوان، واغلق الهاتف!!


توقف قلبها للحظة، ثم اندفعت كمن يسابق الموت، لم يكن معها سائقها ولا سيارتها، إذ جاءت مع زميلتها ذلك اليوم، قطعت الطريق بأعصاب ممزقة، حتى وصلت إلى المستشفى


ما إن نطقت باسم نوح عند الاستقبال، حتى دلوها على الغرفة، اندفعت إليها بخطوات متسارعة، لتجده مستلقيًا على السرير، جرح صغير يعلو جبينه وآخر على ذراعه، لكن وجهه بدا أكثر وجعًا من جراحه !!


اقتربت منه، عيناها تفيض بالدموع، وانحنت عليه قائلة بصوت متقطع :

نوح، حبيبي، انت كويس؟؛


أدار وجهه عنها ببطء، كأنه يعاقبها بصمته، فرفعت يدها إلى وجنته تستجديه :

ليه بتلف وشك عني، مش عايز تبصلي، هونت عليك


رد عليه بحزن، اجاد تمثيله :

انا بعمل اللي انتي عايزاه، مش دي رغبتك انتي


انسابت دموعها بقهر، وقالت بصدق :

انت رغبتي، انت الحاجة الوحيدة اللي بتمناها من الدنيا، انا لو غيبت عنك دقيقة اموت يا نوح، انت النفس اللي بتنفسه، انا مقدرش اعيش من غيرك


رد عليها بعتاب :

عشان كده بتبعدي عني وبترفضي اي حاجه تقربنا من بعض، انا عملت كل اللي في ايدي عشان نكون سوا يا قمر، روحت لأبوكي اللي بيني وبينه عداوه، عشانك انتي، واخوكي اللي كذا مره يجي ويتخانق معايا عشانك استحملته، انا جربت  كل الطرق اللي ممكن تقربنا من بعض، ومفيش فايدة، ولما وصلت لحل اخيرًا ترفضي.....


صمت للحظات ثم تابع بنظرات مليئة بالألم :

قوليلي سبب رفضك ليا ايه، خايفة مني، رفضلك مالهوش غير سببين يا مش عاوزاني....يا مش واثقة فيا


صرخت عليه، ودموعها تتساقط بحرارة :

ارحموني بقى، كلكم بتخيروني، أنا بحبك وبحب أهلي، ليه لازم أضحي بحد، هما حياتي، وإنت روحي، قولي اعمل اي حاجة تانية إلا كده، اهلي ميستاهلوش مني كده، جوازنا بالطريقة دي حرام اصلاً


اشتعل غضبه وقال بسخرية لاذعة :

لو الجواز ده حرام، البيه اخوكي بيعمله ليه؟


تجمّدت ملامحها، وسألته بصدمة :

أخويا، انت بتقول إيه


صرخت عليه بغضب :

اخويا مستحيل يعمل كده


رد عليها بغيظ وحدة :

دي الحقيقة اخوكي متجوز السكرتيرة بتاعته، وانتوا نايمين على ودانكم، اخوكي حللها لنفسه انتي هتحرميها عليكي


أخرج هاتفه، وجعلها تشاهد صورة عقد زواج عرفي باسم أخيها صحيح انها ليست اصلية لكنها تفي بالغرض، وقفت قمر مشدوهة، دموعها تنهمر بصدمة، فاقترب منها وقال بلهجة ملتاعة :

لو مشكلتك في العرفي، نخليه رسمي، عند مأذون، بشهود، زي ما تحبي، أنا عايزك بأي طريقة، أنا ما اقدرش أعيش من غيرك يا حبيبتي، يومين بعيد عنك كانت روحي هتطلع، الحادثة ده كانت ممكن تخلص على حياتي، وكنت أتمنى أموت ولا أشوفك خايفة مني كده، ومش واثقة فيا


شهقت بمرارة، وقالت :

بعد الشر عليك، ما تقولش كده، انا بحبك، والله بحبك، بس الاختيار صعب.....صعب أوي


عندها فقد السيطرة، أمسك مشرطًا من الطاولة بجواره، ووجهه إلى صدره بعينين يائستين :

وأنا كمان ما اقدرش اعيش وانتي بعيد عني، وطالما رافضاني خلصيني دلوقتي، موتيني بإيدك، ريحيني من العذاب ده


شد يدها بقسوة، وضع المشرط فيها، ضغط عليها لتطعنه، وهي تنتفض بين يديه وتبكي بحرقة، صرخت بقوة حتى أفلتت يدها منه، ثم انهارت على الأرض باكية، فانحني إليها قائلاً بنظرة جمعت مزيج من المكر والحزن ولم تلاحظ هي، وياليتها لاحظت :

خلاص، انا وصلني ردك يا قمر، بس لو خرجت من الاوضة دي وسمعتي خبر موتي، اعرفي اني مقدرتش اعيش من غيرك، وان فراقنا كان بسببك انتي


استدار نحو الباب، عندها فقط صرخت، صوتها يائس كسكين يشق الصمت :

موافقة....موافقة يا نوح


توقف، وارتسمت على وجهه ابتسامة خبيثة، ابتسامة ذئب يعرف الطريق إلى قلب فريسته التي يعلم جيدًا انها ليست بالفريسة الصعبة !!!!


بعد ساعات، كانت قمر تجلس إلى جوار نوح أمام المأذون وقعت الورقة بيدٍ مرتجفة وعقلٍ شارد، لا تعلم انها توقع على موتها بيدها، تركت له تدبير كل شيء، وكأنها سلمت له روحها طائعة، لم يوقظها من غيبوبتها سوى صوته الحاني يتسلل إلى أذنها :

مبروك يا روح قلبي


رفعت بصرها إليه، ابتسامة مترددة تتقنع بالرضا بينما قلبها يختنق بالندم، لم تكن تشعر بسعادةٍ ولا أمان، بل بقلقٍ ينهشها خوفًا من المستقبل، من اختياراتها، ومنه هو تحديدًا، أمسك يدها في صمت، ساقها إلى حيث أراد، حتى لم تنتبه إلا على صوته بعد وقتٍ طويل يهمس وكأنه يعلن بداية عهدٍ جديد :

نورتي بيتك يا حبيبتي


تطلعت حولها بنظراتٍ زائغة، المكان غريب عنها كالغربة في صدرها، كانت خاوية الروح، يائسة، عاجزة حتى عن فهم ما فعلته بنفسها


اقترب منها نوح، مد يده ليمس وجنتها برفقٍ مريب، ثم هم بتقبيلها، لكنها انتفضت بعيدًا عنه، وقالت بصرامة :

نوح، قولتلك مليون مرة انا ما بحبش كده


انعقد حاجباه، وتحول صوته إلى نبرة حادة تشي بغيظٍ مكتوم :

دي كانت حجتك زمان لما كنا لسه مش متجوزين، لكن دلوقتي إنتي مراتي، حقي فيكي أكبر من لمسة


واجهته بعزمٍ، وصوتٍ مرتعش، لكن كلماتها خرجت كالسيف :

الورقة دي كانت بس عشان بابا يوافق، مش عشان تقرب مني بالطريقة دي، انا مش هقدر اعمل كده في اهلي، وكفاية اوي اني اتجوزت بالطريقة دي، معنديش استعداد اخسر حاجة تاني


في تلك اللحظة، تحطم ما تبقى من صبره، ما أراد أن يناله باللين والحب، قرر أن ينتزعه بالقوة، كانت روحه تحاول أن تردعه، أن تمنعه من ارتكاب خطيئةٍ في حقها، لكنه خدر ضميره بتبريراتٍ رخيصة


مد يده نحوها ثانية، فصدته بيد مرتعشة، ثم في لحظة انفجارٍ صفعته على وجهه بقوة، لحظتها تحولت عيناه إلى سوادٍ قاتم، نظرة مرعبة سلبتها أنفاسها، حاولت أن تهرب، لكنه أمسك بها بعنفٍ وجرها خلفه، تشبثت بالفرار، دموعها تنهمر وهي تلهث برعب :

نوح....بالله عليك، ما تعملش كده، أقسم بالله ما هسامحك، والله لو عملت كده عمري ما هسامحك.......نوووووح


لكن توسلاتها ذابت في صممه، اقترب منها كذئبٍ جائع، وصوت صراخها ملأ المكان، وفي لحظة قاسية، تحطم كل شيء، أخذ منها ما لم يكن له حقٌ فيه، سحق كرامتها، وانكسرت تحت وطأة وحشيته


حطمها حرفيًا؛ سحقها بلا رحمة كمن يقتلع روحًا من جسدها لم يُلقِي بالًا لدموعها ولا لصراخها، وواصل اعتداءه الوحشي حتى غدت تبكي بصمتٍ يذبح الروح، ليتها أصغت لوالد


#الفصل_الثامن

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

حين دخلت ليلى الغرفة، تجمد الدم في عروقها، المشهد أمامها كان كسكين بارد يغرز في قلبها، يوسف مستلقي على السرير، وريما إلى جانبه، لا يسترهما سوى أغطية مبعثرة


فتح يوسف عينيه ببطىء، ارتسمت الدهشة أولاً على ملامحه قبل أن يتبدد أثرها سريعًا تحت ملامح الغضب التي غزت وجهه


التفت بجانبه، نحو ريما، فتضاعفت صدمته وهو يراها مستلقية إلى جواره، لا يسترها سوى الغطاء المنزاح نصفه عن جسدها !!!


أما ريما، فقد فتحت عينيها بتظاهرٍ بارع بالذهول، ثم اعتدلت بخوفٍ مصطنع وهي تشد الغطاء على جسدها، تنظر إليه بعينين مرتجفتين.....نظرة أتقنت أداءها وبشدة 


نهض يوسف بعنف، والغضب يتأجج في عينيه، ثم صرخ بوجه ليلى، يخفي وراء حدة صوته ارتباكًا لم يُرِد أن تراه :

انتي اتجننتي، ازاي تدخلي كده من غير ما تخبطي الباب


كانت كلماته محاولة يائسة لاستعادة توازنه، ومحاولة أشد يأسًا لإخفاء ذعره، من وضعه هو.....وريما !!!


ابتسمت ليلى بسخرية، رغم العاصفة المشتعلة في صدرها، تقدّمت نحوهما ببطء وقالت متحدية :

شكلك نسيت إن البيت ده بقى بتاعي، يعني ادخل أي أوضة تعجبني، واللي مش عاجبه الباب يفوت جمل


انكمشت ملامح يوسف، وجز على أسنانه بغل، بينما ريما سارعت إلى ارتداء قميصه وفي عينيها نظرات مكر لليلى التي رمقتهما بازدراء وقالت ليوسف :

طول عمرك بتحب الرخيص وتسيب الغالي


ثم تابعت بسخرية لاذعة :

ايه فين الحب الافلاطوني اللي كنت معيش نفسك فيك، فين الوفاء اللي كان مقطعك اوي ومخليك عاوز تنتقم مني ومن ابوك وامك.....اقرب الناس ليك، اتبخر في الهوا ولا ايه، يا راجل ده انت فلقتنا سنتين بيه، وقرفتنا في عشيتنا، ده انت لحد امبارح كنت بتغني بالحب ده، فجأة كده اتبخر في الهوا، ولا الحلوة اللي في سريرك مش اتهمتنا اننا قتلنا اختها، وفضلت تهدد، وتعبط في الكلام، فجأة كده الدم اتحول لمية، ونسيت انت تبقى مين، ما شاء الله عليكم انتوا الاتنين، سرعة التخطي عندكم فظيعة


ثم تابعت بقرف :

بس سيبك انت من كل ده، انا حقيقي مشوفتش واحد نطع زيك، طب الأول وكنت هتتجوز اروى اللي يحرقها، بعد ما سمحت ليك تقرب منها قبل الجواز، ودلوقتي بتقرب من اختها كنت فكراك ارجل من كده 


اقترب منها يوسف، وقبض على خصلات شعرها بقسوة، قائلاً بحدة :

احترمي نفسك، أنا ساكت لحد دلوقتي، ومراعي صلة القرابة السودا اللي تربطني بيك، وانك بنت......


دفعته ليلى بعيدًا عنها، وقالت بسخرية :

طب سيبك من حكاية القرابة دي، وخليها على جنب، لأن أصلاً نسيتها من زمان اوي، وانسى كمان اني بنت، ووريني آخرك بقى يا ابن الجارحي


ثم رفعت رأسها، واقتربت منها قائلة بتشفي :

بس ابقى افتكر مين رميتك في السجن، وبفركة صباع أخدت منك كل حاجة، وعشان قلبي الطيب سيبتلك شوية


قبل أن يرد يوسف، قفزت ريما لتقف أمام ليلى بوقاحة، قائلة بغضب :

تعاليلي هنا، مين اللي رخيص فينا، انا واختي اللي رخاص، طب لو احنا كده انتي تبقي أي، اللي توافق تتجوز واحد قبلها بكام يوم وقف واتهامها قدام الكل، وكان هيموتها في ايده لولا انها حاشوهاومن بين ايديه في اخر لحظة، بكلمتين اعتذار خايبين مايصدقهومش عيل صغير جريتي وراه، وكأنك ماصدقتي، وبعد كل اللي عملوا لحد دلوقتي قابلة تكوني على زمته، قوليلي بقى مين اللي رخيص فينا، ومعندهوش كرامة، اللي بيته من ازاز يا قطة..... مايحدفش الناس بالطوب


ابتسمت ليلى ابتسامة خبيثة، نظرتها لا تُبشر بخير ابدًا، وفي لحظة واحدة دفعت يوسف بكل قوتها إلى خارج الغرفة، حتى اختل توازنه !!!!

تجمد مكانه للحظات، لا يدري كيف يتصرف، مذهول مما يراه، عاجز عن تصديق ما حدث

كل شيء يدور في رأسه كضبابٍ ثقيل.....

كيف؟ ومتى؟ ولماذ كانت ريما في سريره؟

يحاول ان يسترجع ما حدث، آخر ما يتذكره أنه طلب منها أن ترحل، وأنها قدمت له عصيرًا بعدها.......لا شيء

ظلامٌ تام، فراغٌ غريب، إلى أن استيقظ على مشهد أشبه بالكابوس


من هيئتها، ومن نظرات ليلى، كان واضحًا أن هناك شيئًا حدث بالفعل، شيء لم يستطع فهمه ولا يريد تصديقه

لكن في تلك اللحظة، لم يملك سوى أن يتجاهل الصراخ المتصاعد من خلف الباب، وينزل إلى المطبخ بخطواتٍ متثاقلة


فتح أحد الأدراج وهو يضغط على رأسه من شدة الصداع، يبحث عن أي مسكن يسكن به وجع رأسه.....


بينما في الأعلى، داخل الغرفة......

بعد خروج يوسف، وقفت ريما أمام ليلى بلا خَشية، تتبادل معها النظرات بتحدي، ازالت ليلى سترتها الجلدية عن جسدها بتروي، ثم تقدمت نحوها بخطواتٍ ثابتة، ونظرتها لا تنم عن رحمةٍ ولا عن تردد، قائلة بغل :

عمري ما ارتحتلك، انتي واختك، ومن يوم ما وصلني خبر إنك أنتي اللي اتهمتيني، انا وعمتي حياة، وجوز عمتي، وأنا عارفة انك حية زي اختك اللي يجحمها، عاشت مؤذية، وماتت مؤذية، وانتي مصيرك هيكون زيها، وعلى ايدي، بص المرة دي مش هيكون ظلم، هيبقى حق وحقيقي


ردت عليها ريما بسخرية :

تصدقي خوفت 


ردت عليها ليلى بمكر :

لا اجلي الخوف لقدام شوية، هتحتاجيه، لأن اللي هتشوفيه مني قدام سواد على داماغك وبس، واللي هيحصل انهاردة نقطة في بحر من اللي هعمله فيكي


صمتت ليلى للحظات ثم تابعت بتهكم :

كنت ناوية اصفي حسابي مع يوسف، وبعدين افضالك، لكن زي ما بيقولوا دبور وزن على خراب عشه بدري!!!!


قبل أن تستوعب ريما ما تنوي ليلى فعله، كانت الأخيرة قد انقضت عليها بعنفٍ يشبه الانفجار بعد صمتٍ طويل، دفعتها على الفراش، وانهالت عليها ضربًا بكل ما في قلبها من وجعٍ وغل مكبوت، كأنها تُفرغ في وجهها كل الظلم الذي عاشته، كل الانكسارات التي تجرعتها في صمت


كانت تضربها بلا وعي، وكأنها لا ترى أمامها سوى ماضيها كله متجسّدًا في وجه ريما، أما ريما، فكانت تصرخ بجنون، تحاول صد ضربات ليلى، تحتمي بيديها المرتجفتين من سيل الغضب الذي انهال عليها بلا رحمة


لكن ليلى لم تكن تسمع، لم تكن ترى سوى الضباب المتجمع من القهر، ارتجفت أنفاسها وهي تمسك مقصًا من فوق الطاولة، وقبل أن تدرك ريما ما تنوي فعله، كانت ليلى تمزق خصلات شعرها بعشوائية، وعنف، كانت ريما تصرخ باسم يوسف، تتوسل له أن يتدخل، لكنه........

كان واقفًا في المطبخ، يسمع الصراخ ولا يتحرك، ظنها مشاجرة عابرة بين امرأتين، وظن أن تدخله سيزيد النار اشتعالًا، لم يدرك أن النار التهمت كل شيء بالفعل


في الحقيقة لم يكن لديه عقل، ليتدخل، كان شاردًا يحاول ان يتذكر اي شيء يطمئن به قلبه، لا يستوعب للأن تلك الكارثة، لقد اقترب من شقيقة حبيبته اروى!!!!


خرج من المطبخ، ليتجمد في مكانه، كانت ريما شعرها مبعثر، وجهها متورم، وليلى تجرها من ذراعها بقوةٍ وهمجية، تدفعها نحو الباب بعد أن ألبستها ملابسها بسرعة، اقترب منها وصرخ عليها بغصب :

انتي اتجننتي، اي اللي عملتيه فيها ده


لم تبالي به، فحاول ان يمنعها، لكنها صرخت فيه بقوة، ثم دفعت ريما للخارج، وقالت بصرامة للحراس الواقفين مذهولين مما يحدث :

لو رجل البت دي خطت خطوه واحدة لجوه الفيلا، ما لكوش عيش عندي


كانت خطواتها سريعة، تحمل خلفها كل الغضب المتراكم في صدرها، دخلت للفيلا، وعيناها تقدحان شرراً وهي تلقي نظرة مقتضبة على يوسف، نظرة مفعمة بالقرف والخذلان، صعدت إلى غرفتها ثم دفعت بابها بعنف، فارتد الصوت في أرجاء البيت كالصفعة !!


بقي يوسف واقفاً للحظات، ينظر إلى اثرها بغضب، ثم التفتت إلى ريما يسألها بقلق :

ريما انتي كويسة؟


أدارت وجهها نحوه، وقالت بانكسار، وغضب :

كده يا يوسف، بعد كل اللي عملته فيا امبارح وغدرك بيا، تسيبها تبهدلني كده قدامك وانت واقف ساكت، تبقى سامع صريخي وتسكت، سيبتها تهينني أنا وأروى  الله يرحمها قدامك، وتتكلمش ولا تعمل حاجة، بدل ما تاخد حقي منها وقفت تتفرج ومشيت، شوف عملت فيا إيه دي ضربتني وبهدلتني وقصتلي شعري وطردتني من بيتك قدامك، وانت ساكت، وامبارح، امبارح أنا جيتلك بيتك بحسن نية، جايه أساعدك، تقوم تعمل فيا كده، تقرب مني بالغصب، هي دي وصية أروى، اروى اللي لو كانت عايشة كانت ماتت من قهرتها ع اللي انت عملته في أختها، أنا مش مسامحاك، منك لله يا يوسف، لا أنا ولا أروى اللي زمانها شايفانا دلوقتي مش هنسامحك، أنا ضعت يا يوسف، بابا لو عرف حاجة زي كده هيموت… كفاية عليه صدمته في موت أروى، وخطيبي، وليد هيسيبني حياتي كلها اتدمرت بسببك، منك لله، منك لله


حاول يوسف تهدئتها، لكن قلبه مثقل بالضياع، لم يستطع تذكر ما حدث، وكل شيء بدا ضبابيًا أمامه، أما ريما، فلم تكف عن الدعاء عليه وترديد كلماتها الغاضبة، والمتحسرة، كان من الواضح أنها تلعب على وتر الذنب الذي يعتصر قلبه


رافق يوسف ريما إلى السيارة، وأعطى السائق التعليمات ليوصلها إلى منزلها، ثم بقي هو واقفًا أمام بوابة الفيلا، مصدومًا، يحاول استرجاع أي ذكرى تملأ فراغ ذاكرته، لكن عبثًا !!!!


فجأة، رن هاتفه، وكان المتصل ماجد الذي ما إن رد عليه يوسف حتى انفجر صوته عالياً، يغمره الغضب والقلق في آنٍ واحد :

انت فين يا يوسف؟ مختفي من الصبح، نايم على ودنك انت ومش عارف المصايب اللي احنا فيها، ادوارد كلمني من لندن قالي ان تمن البضاعة، اللي اتحرقت إحنا هنتحمل تكلفتها، وهندفع الضعف كتعويض وعقاب ع اللي حصل

الفلوس اللي معانا والسيولة مش هتكمل، ولو بيعنا حتى هدومنا مش هتكفي، عملت كل ده عشان يبقى معانا فلوس، تقدر تنتقم بيها من عيلتك، دلوقتي انت اللي متبهدل وهتخسر كل فلوسك، وهنرجع نشحت من تاني لو ما عملناش اللي طلبوه، عملنا كل حاجة غلط، وفي الآخر رجعنا زي ما كنا

لو كنت سمعت كلامي لما قولتلك نبطل كان ع الأقل هنبقى بعيد عن شرهم بإرادتنا، صحيح هيبقى صعب نطلع منهم من غير اذي، بس دلوقتي الأذي هييجي علينا كلنا

ادونا مهلة أسبوع واحد بس  وإلا بعدها الأذى هيطولنا، ويا ريت يطولنا لوحدنا بس، لأ ده هيطول أهلنا واحد واحد، فوق بقى يا يوسف، طريق الانتقام اللي انت ماشي فيه ده، هو اللي بيخسرك، في يوم وليلة ليلى خسرت كل حاجة واخدت منك كل حاجة، ناوي تخسر ايه أكتر من كده، حياتك دلوقتي بقت رهن إشارة الناس دي........


أغلق يوسف الخط في وجهه، وغضب يتأجج داخله، أمسك وجهه بيديه، يمسحه ببطء، وكأنه يحاول التخلص من التعب والإرهاق الذي ملأ كيانه، صعد إلى غرفته، وعيناه تتجولان في المكان بتشوش، يراقب كل زاوية من حوله، اقترب من السرير، وعيناه لا تفارقان البقعة التي ملأت نصفه، فتملك الغضب روحه، وضرب رأسه بالحائط بعنف، محطمًا الكرسي المجاور، غير مستوعب ما فعله، جلس على الأرض، واضعًا رأسه بين يديه، يغرق في فوضى مشاعره، فجأة، لمح شيئًا من بعيد، اقترب منه وأمسكه، وبدأ غضبه يتصاعد حتى أصبح على وشك الإنفجار !!!!


على الجانب الآخر، كانت ليلى في غرفتها، وعيونها تغمرها الدموع التي رفضت أن تنزل، جلست تفكر، تدرك خطأها نعم كانت مخطئة لأنها صمتت طوال السنتين الماضيتين، كان عليها أن تأخذ حقها منذ البداية، لكنها ضعفت واستسلمت لأحزانها، ومع ذلك، شعرت بالامتنان لأنها استيقظت وأخذت حقها، وإن كان ذلك قد جاء متأخرًا


أمسكت هاتفها، وشغلت مقطعًا صوتيًا أخذت تسمعه مرارًا وتكرارًا، وكلما سمعت الصوت، كانت تشعر بالسعادة أكثر، شعرت أنها حصلت على مبتغاها واخيرًا !!


في تلك اللحظة، فجأة، انفتح باب غرفتها بعنف، وظهر يوسف من خلفه، وعينيه مليئة بالغضب......والتساؤل !!!!

..........

جلست عشق في زاوية الكافيه، تتأمل المارة بعينين غارقتين في شرود، كان عقلها متشعبًا بين مشاكل أسرتها، ووالدها الذي تتدهور صحته كل يوم مهما حاول إخفاء ذلك، ارتعش تفاجأت حين رأت حمزة يقترب ويجلس أمامها فجأة، فرفعت نظرها نحوه بارتباك وسألته :

حمزة انت بتعمل إيه هنا ؟؟


أجابها بسؤال حاد، ونبرة صوته مشبعة بالمرارة :

انتي ليه اختارتي مالك......وأنا لأ؟!!


انعقد حاجباها في صدمة، وتلعثمت كلماتها :

ابتقول إيه يا حمزة، ومين قالك إني اخترت مالك، جبت الكلام ده كله منين؟


شد حمزة على كلماته، وصوته يزداد حدةً :

انا اللي طلبت أتجوزك قبله، مالك طول عمره شايفك من بعيد ما فكرش ياخد خطوة ولا يعترفلك، وأنا اللي اعترفتلك قبله، ومع ذلك فضلتيه هو، انتي شايفاه أحسن مني في إيه، إيه اللي عنده زيادة عني عشان تحبيه هو وأنا لأ، للدرجة دي شايفاني قليل؟ كلكم شايفيني قليل ومالك هو الكويس اللي مفيش منه


خرجت كلماته محملة بحقد دفين، وهو يقول بحدة :

مالك مش أحسن مني في حاجة يا عشق عشان يفوز بيكي أنا محدش ياخد مني حاجة أنا عاوزها !!


ترددت أنفاسه وهو يحاول تمالك نفسه، ثم أضاف بنبرة أقرب للرجاء :

انا بحبك أكتر منه، صدقيني هتعيشي معايا مبسوطة، مالك عمره ما هيعرف يبسطك، هيعيش معاكي خايف ومكسوف، وكل خطوة في علاقتكم هيقعد فيها سنين، فكري بعقلك هتلاقي سعادتك معايا أنا مش معاه


نظرت إليه عشق بذهول، ولمعة اشمئزاز في عينيها، ثم ردت عليه قائلة بحدة :

ده أخوك الكبير، اتكلم عنه بأدب


أخفض حمزة صوته قليلاً لكن غضبه كان يشتعل في عينيه :

أخويا اللي عاوز ياخدك مني، وأنا اللي طلبتك قبله


أجابته عشق بعنف، وخرجت كلماتها كالسكاكين :

أخوك لو عارف إنك عاوزني كان هيبعد، عكسك تمامًا، إنت اللي عارف إن أخوك بيحبني ومع ذلك جيت لحد عندي، وما راعتش مشاعره، وفكرت في نفسك وبس زي كل مرة.....


صمتت للحظات ثم قالت بصراحة، وكل كلمة منها تخرج محملة بالعتب :

انت أناني يا حمزة، ولو عايز تعرف ليه بحبه هو مش إنت، عشان إنت أصلاً ماتتحبش، طول عمرك في وادي تاني بعيد عن العيلة، شايف نفسك فوق الكل، مع إننا عيلة واحدة، نبقى غرقانين في مشاكلنا وانت في دنيا تانية، ده حتى أختك في عز وجعها وكسرتها من اللي يوسف عمله ماهمكش غير نفسك وسافرت، انت يا حمزة عندك نفسك رقم واحد والباقي يولعوا، طول عمرك، من واحنا صغيرين بتبص للي في إيد غيرك، قولي إنت سبب واحد يخليني أحبك، قولي ليه أسيب مالك وأحبك إنت؟


صمتت ثم تابعت بهدوء :

انا برد عليك بمنطقك انت، بس الحقيقة ان قلبي مش زرار بضغط عليه وأختار مين أحب، أنا حبيت مالك اوي، ومن زمان، ولحد دلوقتي لسه بحبه 


ضاقت عينا حمزة وهو يسمعها تكشفه أمام نفسه، فصرخ :

قولتلك بحبك، ليه مش عايزة تصدقيني؟


ثم رفع إصبعه مهدّدًا، صوته منخفض لكن نبرته تنذر بالخطر :

ابعدي عنه يا عشق أحسنلك، بلاش تكوني سبب في أذيتي لأخويا، والأذى أكيد هيطولك معانا، أنا مش هسمح لحد ياخدك مني مين ما كان 


هنا انتفضت عشق، الغضب يعلو وجهها، هي بطبيعتها هادئة تشبه خالها ريان، لكن حين تغضب تتحول لفتاة أخرى كوالدتها، خليط غريب بين القوة والحِلم، تجمع في شخصيتها مزيج غريب لكنه جميل من خيلانها، صاحت فيه بحدة :

لأ، اظبط نفسك واعرف إنت بتتكلم مع مين، فاكرني هسكتلك وأنا شايفاك بتأذينا، جَرب بس تمس شعرة من أخوك يا حمزة أو مني، وساعتها ماتلومش غير نفسك، وايوه أنا بهددك ولو كنت ساكتة زمان وداريت حبي لمالك فده مش خوف منك لاسمح الله، ده أدب مني ومراعاة لمشاعرك لكن الظاهر إن واحد أناني زيك ماينفعش معاه الكلام ده،

واسمعها مني دلوقتي أحسن ما تسمعها بكره من غيري أنا بحب أخوك، وهوافق عليه، وأعلى ما في خيلك اركبه

وقسمًا بالله كمان مرة، هفضحك يا حمزة لو فكرت تأذينا، ولو أنا قصرت في إني أخد حقي منك، أحب أقولك إني ورايا رجالة بتواجه مش بيلفوا ويروحوا للستات يتشطروا عليهم، ويهددوهم


نظرت له باحتقار، ترى ملامحه تتغير حتى أصبحت مخيفة أقرب إلى الشيطان نفسه، لكن هدوءها لم يتزحزح، خوفها على مشاعر الآخرين لا يعني ضعفها، كيف تكون ضعيفة وهي ابنة العمري والجارحي.......أشارت له بسخرية مريرة قائلة :

انا بجد مصدومة فيك، لو تعرف غلاوتك عند أخوك ماكنتش قعدت قدامي القعدة دي، مع إنه من نفسه كان هيبعد عني احترامًا لمشاعرك، بس إنت......إنت ما تستاهلش


قالتها ونهضت بعنف، رمت بضع أوراق مالية على الطاولة، ونظرت إليه نظرة ازدراء قبل أن تدير ظهرها وتمضي


ظل حمزة مكانه، رأسه يغلي بأفكارٍ ما خطرت على إبليس نفسه، يعلم أن عشق محقة، ويعلم أنه يحب ما في يد غيره مثلما قالت، وأنه أحبها لأن مالك أحبها !!

مالك دائمًا كان منافسه الأول، ووالده دائمًا يرى فيه الفشل بعكس شقيقه، وإن لم يقلها صراحة، فنظراته وحدها كانت تحمل كل الحسرة !!!!!!

...........

بعد الكثير من المشاكل الأخيرة، شعرت صافي بالضيق والاختناق، فقررت الهرب إلى النادي لعلها تجد متنفسًا

جلست مع شلتها المعتادة، ومن بينهم هشام، ابن عم إياد

ما إن رآها هشام حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة مكر، وأرسل رسالة خفية لإياد، عقله يخطط، ولا يفكر إلا في أن يحصل ما يفكر فيه......

يريد ضرب عصفورين بحجر واحد

بموت إياد، كل المال سيكون له هو، ووالده، بموت إياد يكون الطريق مفتوحًا للتخلص من عمه جلال بكل سهولة، وتصبح الثروة ملكهم، ولكي يحقق ذلك، كان لا بد أن تكون صافي طرفًا في اللعبة !!


لا ينكر شماتته فيما سيفعله بها، بعدما أهانته أمام الجميع قديمًا، وحان الوقت ليرد لها الإهانة، لكن بجرعة أكبر


كانت صافي تتمشى بشرود، ترتدي سماعتها، حتى جلست عند حافة المسبح، تحدق في الماء بلا تركيز

تفاجأت بإياد يجلس فجأة بجانبها، يخطف سماعتها من أذنها، كانت تستمع لأغنية كلماتها كأنها تصف أول لقاءٍ بينهما "خطفوني عينيه خطفوني......"


ابتسم إياد بزاوية شفتيه وقال لها بغزلٍ صريحٍ دون تردد :

مش بس عنيكي اللي خطفوني، كل حاجة فيكي خطفتني


ارتبكت صافي من كلماته التي دغدغت أنوثتها رغمًا عنها، لكنها زفرت بضيق وقامت لتغادر، فوقف إياد سريعًا وقال بنبرة حادة مليئة بالضيق :

هو كل ما اشوفك أو أحاول أكلمك تهربي مني، اقعدي معايا كلميني زي الناس


سألته صافي بحدة :

أكلمك في إيه بالظبط، ليلة ورقصنا فيها سوا، هتعملي عليها حوار، مكنوش كام دقيقة اللي هتبنيلي عليهم love story


رد عليها إياد بكل صدق :

ماقولتش إنه حب، بس حاسس إن فيكي حاجة بتجذبني، أنا صريح وطول عمري صريح، وبقولك اللي حاسه، أنا مش فاهم إيه اللي حصللي من يوم ما شوفتك، أنا ملهوف عليكي نفسي أعرفك أكتر وأقرب منك أكتر، أنا حتى مش بعرف أوصف مشاعري صح، بس حاولي تفهيني وخلينا نتكلم، انا وانتي حصل بينا انجذاب


كانت ستعترض، لكنه سبقها وقال بضيقٍ يشوبه رجاء :

ما تنكريش، خليكي صريحة معايا وأنا هكون صريح معاكي، أنا عرفت بنات بعدد شعر راسي، بس ان يحصللي انجذاب وأحس إني ملهوف على واحدة زي لهفتي عليكي دي، مسبقش انها حصلت، عشان كده مستغرب، قولي جنان، قولي اللي عاوزاه، وسميها زي ما تسميها


اقترب منها خطوة، وتابع بصدقٍ واضح :

في حاجة بيني وبينك احنا حاسيناها، ولازم تتفسر


ردت عليه صافي بشراسةٍ رغم ارتباكها :

أنا مش للتسلية


رد عليها إياد بحدة، لكن بصدقٍ أكبر :

قولتلك، أنا عرفت بنات كتير، لو عاوز أخدعك ماكنتش هكشفلك ورقي كله كده، يمكن اللي حاسينه إعجاب وهيروح لحاله، أنا ماجبتش سيرة حب كمان، أنا بقول نفسي أعرفك أكتر


سألته صافي بسخريةٍ حادة، عيناها تحدقان في عينيه :

تعرفني أكتر بصفتك إيه؟!!


سألها بضيقٍ واضح :

يعني ايه؟


ردت عليه ببرودٍ، وتعالي :

يعني ناوي تخطبني، تكلم أهلي على الأقل ويكون رسمي؟


زفر إياد وقال ببساطة :

كصحاب مثلاً 


ردت عليه بحدةٍ قطعت أي محاولة للتقرب منها :

مش بصاحب


كانت على وشك أن تمشي، لكنه وقفها قائلاً برجاءٍ فيه بقايا أمل :

اعتبريني واحد من الشلة دي، واتكلمي معايا عادي، مش صحاب، ونقعد نحب في بعض، بس على الأقل نتكلم


نظرت له صافي للحظاتٍ بصمت، في عينيها ارتباك وشيءٌ آخر، ثم التفتت ومشت، بينما هو يراقب آثار خطواتها بضيق

لكن رغم انزعاجه من حدتها، فقد كشفت له معدنها الحقيقي أنها محترمة، ليست مثل اللواتي عرفهن، ولا مثل.....والدته

هو سأل عنها وعرف القليل، لكن بقي السؤال يحيره

ما الذي يدفع فتاةً مثلها، من بيتٍ محترم، أن تجلس في مكانٍ كهذا، وسط شلةٍ يعرف من داخله أنهم فاسدون، غير محترمين.......لماذا تكون بينهم؟!

...........

داخل قاعة الاجتماعات، كان يونس يجلس إلى جانب والده الياس، الأوراق مبعثرة على الطاولة أمامهما، لكن عين يونس كانت تائهة في مكان آخر، لا يرى شيئًا مما حوله، لاحظ الياس شرود ابنه، فصرف الموظفين بهدوء، ثم التفت إليه بنبرة تحمل مزيجًا من الجدية والحنان :

مالك يا يونس؟


انتبه يونس أن القاعة قد خلت، رفع نظره إلى والده وتظاهر بالتماسك، قائلاً :

انا كويس يا بابا، مفيش حاجة


تنهد الياس، وكأن أنفاسه تخرج ومعها هموم السنوات :

يعني إيه ما فيش حاجة، إنت مش شايف نفسك، من يوم ما جيت البيت، كسرت الأوضة باللي فيها وما رضيتش تتكلم،

أنا احترمت سكوتك وقولت هتحكيلي من نفسك، شغلك مابقتش مركز فيه، وقاعد كأنك مش معانا، إيه اللي بيحصل معاك بالظبط يا بني


صمت يونس، الكلمات تتزاحم في صدره ولا يريدها أن تخرج، كان مقررًا ألا يحكي لأحد ما حدث مع قمر حتى يقابلها، سيدفن ذلك السر معه للأبد، كان مستحيلًا أن يسمح لأحد أن ينظر إلى قمر نظرة ناقصة يومًا، رفع رأسه نحو والده أخيرًا وقال :

مفيش يا بابا، شوية إرهاق مش أكتر، حاسس إني ضغطت نفسي الفترة دي، وكمان المشاكل اللي بتحصل في العيلة، زي ما إنت شايف الجو مش أحسن حاجة


تأمله الياس بنظرة حذرة وسأله بصوت خافت :

من المشاكل دي......ظهور والدتك؟


تجمدت نظرات يونس، ثم قال بصوتٍ مليء بالحزن :

انت عارف اللي زعلني إيه يا بابا؟


اقترب الياس قليلًا، عيناه تمتلئان بالاهتمام، فتابع يونس والغصة تخنق صوته :

إني ما حستش ناحيتها بحاجة حتى لما شوفتها، قلبي ما قالش دي أمك، طول عمري كنت بقول لنفسي أول ما أشوفها هعرفها، هحس بيها، بس محصلش، لما عيني جت عليها حسيت نفسي شايف واحدة اتجردت من الإنسانية، كنت مجهز كلام كتير للحظة دي، لكن لما شوفتها حسيت إن الكلام ملوش لازمة يا بابا، ده أنا حتى ما شوفتش في عيونها لهفة علينا، شوفت بس نظرة غضب، مش شوق لولادها اللي عمرها ما شافتهم


أطرق يونس للحظات، ثم أضاف بنبرة أسف ممزوجة بالمرارة :

أوقات كتير ببقى عاوز ألوم حضرتك إنك اخترت أم زيها لينا، بس لساني ولا قلبي مطاوعني أعمل كده، لأني شايف إن حضرتك خصصت وقتك كله وحياتك لينا، مقدرش ألومك إنك قصرت لمجرد إنك اخترت زوجة زيها، كلنا وارد نتخدع


ساد الصمت للحظات، ثم رد الياس بصوت حزين :

لو بإيدي ما كنتش حطيتك لا إنت ولا أختك في الموقف ده، ولا عيشتكم الشعور ده، أنا حاولت على قد ما أقدر أعوضكم غيابها وأنسيكم وجعها، بس الظاهر إني مقدرتش


رفع يونس رأسه ونظر إلى والده بعينين تحملان كل الامتنان رغم الألم، وقال بهدوء :

ولا عمرك هتقدر يا بابا.....دي مش مجرد واحدة عادية،

دي واحدة جابتنا على الدنيا، الرابط اللي هيجمعنا بيها هيفضل ملازمنا طول عمرنا حتى لو إحنا رفضنا، أنا لو عليا، تمام، إنما سيدرا، مهما بينت العكس، هي أكتر واحدة موجوعة ومصدومة، سيدرا مهما بينت قوتها، من جواها ضعيفة وحساسة أوي


حين انسابت كلمات يونس، أدرك الياس فجأة أن كل ما بذله عبر السنين لم يكن كافيًا، وأن محاولاته الحثيثة لم تستطع أن تملأ الفراغ الذي خلفه غيابها، فهم في تلك اللحظة أن أبناءه، مهما حاولوا إخفاء ذلك خلف قسوة ملامحهم وقوة مواقفهم، ما زالوا يحملون جرح الفقد في صدورهم......

جرحًا لا يندمل لأن من غابت لم تكن مجرد امرأة، بل أم لا يعوض حضورها شيء

............

كانت خطوات يونس تسبق تفكيره، يأخذها إلى مكان بعيد عن أعين العالم، إلى تلك المزرعة الخاصة بوالده، لطالما كانت مأوى له حين يريد الأختلاء بنفسه بعيدًا عن الكل، لقد استأذن والدها ان يصطحبها لزيارة صديقتها المريضة، ليوافق الآخر على مضض !!


جلس بجوارها على الأرض، وصدره يرتجف قبل أن ينطق، يتأهب ليسمع منها ما يقتله قبل أن يجرحها


اقترب منها هامسًا بقلق، وصوت مختنق :

إيه اللي حصل يا قمر؟


لم ترد، كانت غائبة، غرقى في بحرٍ لا ينجيها منه أحد، نظر إليها طويلًا، ثم جلس أمامها بكل رجاء قلبه قال:

احكيلي يا قمر، عشان أقدر أساعدك، محدش عرف ولا هيعرف حاجة غير لما انتي اللي تقرري بنفسك، بس احكيلي على الأقل، عشان أتصرف وأحل الموضوع، سكوتك ده بيضيع حقك


دموعها انحدرت بلا صوت، جسدها يرتجف كغصنٍ في ريحٍ هوجاء، شعر يونس بوجعٍ يكسر ضلوعه، فتابع بصوتٍ مبحوح :

احكيلي يا قمر مين اللي عمل فيكي كده، وإيه اللي خلاكي تروحي حتة زي دي في الوقت المتأخر ده


اقترب منها بحذر، مد يده ليطمئنها، فانتفضت كالطير المذعور، فهم عليها فورًا، فحاول تهدئتها بصوتٍ حانٍ :

أنا يونس يا قمر.....مستحيل أذيكي، عرفيني الحقيقة، خليني ألحق أتصرف، قوليلي اللي حصل، كده أو كده


#الفصل_التاسع

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

برغم ثقل الحزن الذي خيم على أجواء العائلة في الأيام الماضية، جاء خبر حمل ريماس، ابنة سارة وزوجة ياسين ابن ادم العمري الأكبر، ليزرع السعادة وسط كل تلك الهموم، كان الخبر مختلفًا، فهو يعني قدوم أول حفيد للعائلة، روح جديدة ستطل على عائلة العمري 


في جلسة جمعت نساء العائلة، حيث كان الضحك مترددًا رغم القلوب الحزينة، لم تستطع مهرة كتمان لسانها، فمالت على فرح، زوجة أمير، وقالت بخبثٍ ظاهر :

ما تكشفي على مراة ابنك يا فرح، أختها حامل دلوقتي، وهي لا حس ولا خبر، اهو نشوف التأخير من مين بقى؟


تجمد الجو للحظة، وجوه النساء تعكرت، بينما خفَضت ريماس بصرها وهي تشعر بالحرج، لم تكن حزينة من تأخر الحمل، فما زال زواجها قريبًا، لكن كلمات مهرة المسمومة كانت كشوكة في قلبها


هنا، وقفت سارة، أمها، وصوتها يحمل حدة غير معهودة :

الزمي حدودك يا مهرة، بناتي خط أحمر، لما كنتي بتهبلي في كلامك معايا كنت بفوت واعدي، لكن كلامك السم على بناتي مش هقبله انتي فاهمة


حاولت فرح أن تهدئ الجو، فقالت برفق :

خلاص يا جماعة، حصل خير


ثم التفتت إلى مهرة، وكلماتها هادئة لكنها حادة :

اتكلمي في اللي يخصك يا مهرة بعد كده، انما تتجاوزي حدودك تاني مرة مش هسكتلك، واحمدي ربنا ان ابني مسمعش كلامك ده، وإلا ماكنش هيحصل طيب


هنا تدخلت زينة، كبرى النساء، وقالت بهدوء :

خلاص بقى، استهدوا بالله، اقعدي يا سارة حقك عليا انا انتي وبناتك، وانتي يا فرح، اقعدي معلش


ثم التفتت إلى مهرة، وكلماتها خرجت بغضب لم تستطع كتمانه :

اقعدي يا مهرة، وخليكي محضر خير، الدنيا ولعة كفاية، وكلامك زي البنزين عالنار، اهدي، وسيبينا نفرح من غير ما تنكدي علينا


لكن مهرة صرخت وقد اشتعلت الغيرة في عينيها :

قصدك إيه يا زينة، أنا عملت إيه لكل ده


زفرت حياة بضيق، وقد نفد صبرها :

خلصنا بقى يا مهرة، مش عارفة تسيبينا نقعد في هدوء؟! ارحمينا شوية، احنا مش ناقصين، مستكترة علينا حتى الفرحة دي


هنا انفجرت مهرة أكثر، وصراخها يعلو بغصب :

وانتي مالك إنتي، ده بيتنا وإحنا أحرار فيه، إنتي هنا مجرد ضيفة، مش أكتر، وأنا أتكلم مع اللي يعجبني ومحدش ليه عندي حاجة، عشنا وشوفنا الضيوف يتحكموا في أصحاب البيت


الكلمات سقطت كالصاعقة، فجأة جاء صوت أوس وقد سيطر عليه الغضب العارم، أمسك بذراع مهرة بقوة وهو يصرخ :

إيه اللي بتقوليه ده، إنتي اتجننتي يا مهرة؟!


توتر الجو أكثر، والكل خاف أن يتفاقم الأمر، أما آدم، فظل واقفًا، يراقب بصمت، منتظرًا رد فعل أخيه الأكبر، لأنه يعرف أن تدخله قد يزيد الطين بلة 


صوت أوس كان يعلو وهو يكاد ينفجر :

بتطردي أختي من بيتها، مين سمحلك بكده، ازاي جاتلك الجراءة تعملي كده، إرحميني بقى أنا هلاقيها منك ولا من البلاوي اللي بتحصل، ارحميني يا مهرة إحنا اللي فينا مكفينا بدل ما تساعدي، بتزودي النار، بدل ما تركزي مع غيرك شوفي ولادك، ومصايبهم، أنا تعبت.......والله تعبت منك


كان وجه أوس محمرًا، أنفاسه متقطعة، وصوته يخرج متحشرجًا من صدر مثقل، اقتربت حياة منه بخوف، تحاول تهدئته :

أوس، اهدى بالله عليك


لكن صرخته جاءت أقسى من كل ما سبق :

مش قادر، أنا تعبت وجيبت آخري، هلاقيها منين ولا منين، من بنتي اللي ماشية بدماغها، ولا من حمزة ومالك،ولا منك إنتي يا مهرة اللي عمرك ما سبتيني أرتاح، كل يوم قرف ومشاكل خلاص مبقتش قادر


ساد الصمت لثوانٍ، والكل مذهول من انهياره، عندها صرخت مهرة، دموعها تنهمر، لكن كبرياءها يسبقها :

طالما شايف وجودي تقيل عليك كده.....طلقني، خليني أروح لحالي، كفاية عليك هم ولادك، بقى بعد العمر ده كله، وجودي بقى حمل عليك يا أوس


كانت كلماتها كالسكاكين، ظلّت تكرر وتعاتب، وأوس ينظر إليها بعينين فارغتين من كل شعور سوى الإنهاك


اقترب منه توأمه ريان، وقال بقلق :

اقعد يا أوس شكلك ضغطك علي تاني


لكن أوس أبعد يده، وصعد إلى غرفته، مثقلًا بكل ما بداخله، لم يكن يريد أحدًا.....أراد فقط أن يهرب من كل هذا


شعرت حياة بوجعه، فلحقت به، وحين التقت عينيها بعينيه، انهار، ودموعه سقطت رغماً عنه، وارتمى في حضنها كطفل جريح، ضائع، ضمته بحنان الأم وقالت بصوت مخنوق :

حقك عليا يا أخويا، ابني هو اللي مسببلك القلق والخوف ده كله، حقك عليا، أنا اللي معرفتش أربي.....سامحني


أجابها أوس بصوت مبحوح متعب :

حمزة ومالك


شهقت حياة وسألته بقلق :

مالهم؟!!


تكلم بلا خوف ولا مواربة، إذ يرى في حياة مرآة قلبه، تصغي بصمتٍ حكيم، كأنها تحمل عنه أعباء الكلام، وتعيده إليه أكثر وضوحًا، ولطالما أيقن أنها أرجحهم عقلًا وأقربهم فهمًا، حتى أنها تستمع، ولا تفشي سرًا :

بيحبوا عشق......بنتك


تجمدت حياة، لا تصدق ما سمعت، فقالت بذهول :

حمزة بيحب عشق، طب مالك ايوه أصدق، ده حبهم باين للكل، لكن حمزة.....إزاي يا أوس؟!


رد أوس بتشتت :

مش عارف يا حياة، أنا تايه وخايف، خايف عليهم هما التلاتة، ومش عاوز أظلم واحد فيهم ولا أظلم بنتك معاهم، عشق ومالك حبهم لبعض واضح، وانا عارف ابني كويس، عارف إن مالك لو اكتشف إن أخوه بيحبها، هيختار يدفن حبه جوا قلبه عشان ما يجرحش حمزة، بس وقتها هيبقى ظلم ليه ولعشق

أما حمزة، أنا مش قادر اصدق، بس أنا متأكد......


أطرق لحظة، ثم أضاف بألم :

متأكد إن حمزة مش بيحب عشق من قلبه، لكنه طالع.......


لم يطاوعه قلبه قولها، فقالت حياة بحزن :

طاله لأمه.....مهرة !!!


ساد صمت ثقيل، حتى تمتم أوس بوجع أكبر :

يوم عن يوم، بحس إني عايش مع واحدة غريبة يا حياة، معقول دي مهرة اللي حبيتها، واللي اخترتها، مين دي اللي عايشة معايا دلوقتي، أوقات بحس مش اني مش طايقها، وأوقات بلاقي راحتي بعيد عنها، وساعات بتخيل بعدي عنها بحس اني مخنوق، انا مش عارف اي اللي بيحصل يا حياة


تنهد بحنين للماضي بكل ما فيه، ثم قال :

عارفة رغم كل اللي حصل زمان بس انا بحن للماضي بكل اللي فيه، بحلوه ومره، كانت فاكر ان الحزن خلاص فارقنا من بعد ما وقفنا على رجلينا من تاني، وخدنا حقنا بس الظاهر مش مكتوب علينا الفرح


تنهدت حياة بعمق، ثم قالت :

مفيش حاجة بتفضل على حالها يا أوس، دوام الحال من المحال، وهي الدنيا كده يوم حلو ويوم وحش، احنا عدى علينا كتير واستحملنا، وكملنا، وصدقني كل حاجة هتبقى تمام بس احنا مش لازم نستسلم، اللي شوفناه زمان مش سهل، ومع ذلك كملنا، وهنكمل طول ما كلنا مع بعض، دلوقتي كل واحد فينا عنده عيلة يا أوس مبقيناش بطولنا زي الأول، لازم نحارب عشان اولادنا كلنا، ومتخافش على ليلى


صمتت للحظات ثم تابعت بقليل من المرح :

ليلى قدها وقدود، وهي عارفة هي بتعمل اي كويس اوي، اما عن حمزة فمسيره في يوم يتقبل الحقيقة، مهما كان حمزة فيه عيوب، بس الأصل هيغلب، ده ابننا وتربيتنا، ودمنا واحد هو بس هيتعصب شوية، بس هيهدى، في الأول والاخر مالك اخوه، ويتمناله السعادة، ومع الوقت هيكتشف انه مشاعره ناحية عشق مش حب 


ابتسم أوس بسخرية ولم يجيب عليها، حمزة ابنه، وهو ادرى به، يعلم ان الأمر لن يمر بتلك السهولة !!!


كانت حياة تقف أمام أخيها أوس بهدوءٍ يشبه وقار الماء قبل أن يُلقى فيه حجر، نظرت إلى وجهه المرهق بعينين دافئتين، ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها، ثم قالت بصوتٍ ناعم :

أما بخصوص مهرة، مش هقولك غير اسأل قلبك، حاسس بإيه، قلبك بس اللي يعرف إذا كنت لسه بتحبها ولا خلاص مابقتش شايفها زي الأول، قلبك اللي هيعرف إذا كانت المشاكل الكتير اللي بينكم هي الحاجز بس، ولا العلاقة خلصت ومافيش فايدة منها


في الخارج، كانت مهرة واقفة خلف الباب، أنفاسها تتلاحق، وعينيها تتسعان كلما تسللت الكلمات إلى أذنها، فقد صعدت وراء أوس حين رأت حياة تصعد نحوه، والغليان يعتصر صدرها، كانت متأكدة أن حياة ستنتقم منها وتشحنه ضدها استمعت لكل حديثهما لكن قلبها لم يسمح لها أن تنتظر وتفهم مغزى حياة الحقيقي،  فسرت الكلمات على هواها، على أسوأ احتمال، واعتقدت أن حياة تحرض أوس عليها ليتركها !!


لكنها لم تنسى أبدًا ما سمعته عن عشق، وأنها تحب مالك، وابنها الآخر قام بطلب يدها، كان عقلها يدور بمكر، تفكر كيف ترد الضربة لحياة حتى لو كان ذلك على حساب أقرب الناس إليها وتعاسة الباقين، غادرت وهي تزداد تفكيرًا في تلك الفكرة السوداء التي خطرت على بالها، فكرة شيطانية تنمو بداخلها مثل نبات سام


أما في الداخل، اقتربت حياة من أوس أكثر، قائلة بتردد :

أنا هقولك حاجة يا أوس، بس أنا مش بفرض عليك، إحنا خلاص كبرنا وأولادك كبروا، ومهرة مهما كانت بتتصرف بعصبية شوية، بس هي نفسها هتفضل مهرة حبيبتك وأم أولادك......أولادك اللي عاشنهم حاول معاها مرة، وعشرة ان شاالله مليون، لحد ما ترجعوا زي الأول وأحسن، إنتوا الاتنين مالكوش غير بعض يا أوس


أوس تنهد تنهيدة طويلة، ثم جذب أخته إلى حضنه، يحتضنها بامتنانٍ صادق، شعر وقتها كم أن وجود شخصٍ يسمعك وينصحك وكأنه مرآتك أمرٌ نادر، شعر كم هو محظوظ بأخته العاقلة التي تفهمه جيدًا، ليس هو وحده، بل كل إخوته كانوا دائمًا يرون في حياة شخصًا......لن يتكرر !!!

...........

كانت صافي تتجول في أرجاء النادي، عيونها تفتش عن إياد، قلبها يلهبها غضبًا على جراءته البارحة، لم تجده، فسألت هشام ابن عمه بحدة :

ابن عمك فين؟


سألها هشام بفضول :

عاوزاه ليه؟


ردت عليه بصبرٍ نافذ :

اخلص، أنا مش فايقالك، فين ابن عمك؟


أخبرها على مضض، فانطلقت بخطوات متسارعة، والغيظ يتصاعد في صدرها تجاهه، سألت عليه في الشركة، فقالوا لها إنه في مكتبه، دخلت دون طرق الباب، فوجدته يستند بجسده على المكتب مقابل الباب، وما ان رأها تمتم بمكر :

اتاخرتي ليه؟ أنا مستنيكي من بدري


اغلقت الباب بعنف، واقتربت منه، رفعت يدها تريد ان تصفعه، لكنه أمسك بها بقوة، شدها نحوه ونظر في عينيها بغضب قائلاً بحدة :

ماسبقش إني سمحت ولا هسمح لحد يرفع إيده عليا


حاولت الإفلات، لكنه كان أقوى منها، فجزت على أسنانها وقالت بنفاد صبر :

ابعد


ابتسم إياد قائلاً بوقاحة :

يرضيكي أسيبك من غير ما أدوق التوت من تاني، ده حتى يبقى حرام


شعرت بغضب أشد، فردت عليه بشراسة :

حرمت عليك عيشتك


ضحك ببرود قاصدًا استفزازها :

وأهون عليكي


اندفعت نحوه، عضت كتفه بقوة، فتركها، لكن لم تهدأ، هجمت عليه وبدأت تضربه وهو يحاول إبعادها، حتى ثبتها أخيراً فصرخت عليه بغضب :

إياك تقرب مني أو تلمسني تاني، والله العظيم هقول لبابا، أنا مش هكست، أنا مبحبش قلة الأدب


توقفت فجأة، الدموع تلمع في عينيها، فتعجب إياد، واقترب منها يسألها بقلق :

مالك يا صافي؟


انفجرت بالبكاء، بسبب قلبها المثقل بالذنب من قربه منها البارحة، وقالت بغضب ودموع :

أنا مش كده، ومش عاوزة حد يشوفني كده، أنا عمري ما غلطت، عمري ما اتعرضت للموقف ده، حاسة بالذنب، حاسة إني مجرمة، قلبي واجعني، أنا عمري ما هسامحك لأنك قربت مني بالطريقة دي......


قالت كلماتها، وانسحبت مسرعة، وكأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه، الذنب يثقل صدرها، ينهش قلبها كلما التقت عيناها بعيني والدها أو أي أحد 

قبلة فُرضت عليها عنوة، كادت تستسلم لها يوم الحفل، لولا أنها انتفضت في اللحظة الأخيرة، فحمدت ربها على نجاتها

تعرف جيدًا أنها ليست ملاكًا، هي إنسانة تضعف وتخطئ....

لكن ظهور إياد قلب موازينها، بعثر يقينها، وجعلها أسيرة ارتباكٍ دائم، تكذب لتخفي، وتخفي لتنجو، وما بين الحقيقة والستر تتآكل شيئًا فشيئًا......


بينما كانت تنزل الدرج، دون أن تشعر، وضعت قدمها في الهواء بدلًا من السلم، وفي لحظة خاطفة، اختل توازنها وسقطت بعنف على الدرج !!


عمت الفوضى المكان، صرخات متداخلة وصوت ارتطام جسدها لا يزال يتردد في أرجاء المبنى

السكرتيرة هرعت نحو إياد، بأنفاس متلاحقة، تخبره بفزع :

البنت اللي كانت عند حضرتك، وقعت من على السلم


ركض إياد بكل ما يملك من قوة، والخوف ينهش قلبه

أول ما وصل، رآها ملقاة على الأرض فاقدة الوعي، دماؤها تنزف بغزارة من رأسها، والناس تحيط بها مذهولة

بلا تفكير، انتزع قميصه وربطه على رأسها محاولًا وقف النزيف، وكل ثانية تمر كانت كأنها دهر !!!!!


في تلك اللحظة، وصل والده جلال، ورأى المشهد فشهق مذعورًا وركض خلف ابنه الذي كان يحمل صافي بين ذراعيه كأنها أغلى ما يملك


يركض بها بلهفة نحو أقرب مستشفى، بينما والده يلحق به، في الطريق، أخرج هاتفه واتصل بوالدها آدم يخبره بما حدث


انقلبت الدنيا في العائلة رأسًا على عقب، الجميع ترك كل شيء وهرع للاطمئنان عليها، والقلق يخيم على قلوبهم كظل ثقيل !!!!!!!

.............

بخطوات متسارعة وغاضبة، اقتحم يونس باب الفيلا الخاصة بنوح، الحراس حاولوا منعه، لكن قوته وعصبيته جعلاه يتجاوزهم بسهولة، ودخل إلى الداخل، صوته يعلو بنداء موجه لنوح :

نــــوح


تجمع الحراس حوله محاولين كبح جماحه، لكنه لم يلتفت، أشار لهم نوح ببرود :

سيبوه


وقف الاثنان وجهاً لوجه، راس برأس، والصمت يثقل المكان حتى كسر نوح الصمت بنبرة هادئة لكنها حادة :

خير، جاي ليه


نظر يونس إليه باحتقار، وعيونه مشتعلة بنار الغضب، كل ذكريات القهر والظلم الذي ألحقها نوح بقمر تتدفق في قلبه بلا هوادة، لم يستطع السيطرة على نفسه، فانطلقت لكماته بعنف، ارتد نوح إلى الخلف، لكن يونس لم يترك له فرصة، واستمر بالهجوم عليه حتى استعاد نوح توازنه، وبدأ الاشتباك العنيف بينهما !!!


لكن فجأة، ظهرت بسمه، اخت نوح الصغيرة، والتي كانت في منتهى الجمال والبراءة، تقف على السلم، اقتربت منهما محاولة صد يونس عن أخيها


لكن نوح جذبها من يدها وقال للخادمة :

طلعها أوضتها فوق


ابتعدت بسمة، عيونها تتابع المشهد بارتباك، غير قادرة على فهم ما يحدث، بينما يونس التفت إلى نوح، يمسح الدم عن شفتيه قائلاً بغضب وسخرية :

على حد علمي دي تبقى اختك، ماخوفتش واحد ندل وزبالة زيك يضحك عليها ويعمل فيها اللي عملته في قمر


ابتسم نوح بسخرية لاذعة، وقال :

وهي بسلامتها بعتاك انت تاخد حقها، حضرتك حامي الحمى يعني، أومال أبوها وأخوها فين، مالهمش لسان يجوا يدافعوا عن بنتهم، ولاالرجولة عندهم بتظهر في القتل بص


اشتعل غضب يونس من كلامه عن عمه أدهم وسليم، النار التي في قلبه لن تهدأ إلا بموت نوح تراجع الاثنان بعد اشتباك عنيف، وملامح وجهيهما تحمل آثار الضرب والاحتقان


سأله يونس بغلٍ وحقد :

اتجوزتها إزاي، عرفي ولا رسمي، وفين ورقة الجواز


رد عليه نوح بفظاظة :

وأنت مال أهلك؟


اقترب يونس، يجز على أسنانه، قبض على ثياب نوح بغضب، قائلاً :

قسماً بالله العظيم، لو ما نطقت، لادفنك هنا، اتجوزتها إزاي يا ابن ال......


دفعة نوح بعيداً عنه، ونظراته الثاقبة مليئة بالسخرية :

انت بتحبها ولا إيه، مالك بتدافع عنها كده، وجاي عاملي فيها السبع رجالة في بعض


تابع نوح بسخرية، وقد شعر بالغيرة منه، لكنه لم يظهر ذلك :

بعد اللي عملته، انت هتقبل بها، وهتفضل بتحبها، أنا لو منك أبعد عنها، عملت كده معايا، ما بالك بعدين هتعمل إيه، طلع نفسك برا الموضوع ده يا بن العمري، الموضوع بيني وبين أدهم أبوها


رد عليه يونس بسخرية وهو يدفعه بخشونة :

طالما الموضوع بينك وبين ابوها يا دكر، ماروحتش ليه بنفسك ليه وخلصت الموضوع معاه، بدل ما تلف ع الحريم، ايه رجولتك يلا ما بتظهرش غير ع الستات


تمالك نوح نفسه، واقترب منه قائلاً بخفوت ومكر :

اعتبرها زي ما تعتبرها، بس نصيحة ابعد عن طريق قمر، عشان ما نزعلش مع بعض، وانا زعلي وحش، وانت عندك اللي تخاف عليه......


ابتعد قليلاً ثم قال بتهديد صريح :

على حد علمي عندك اخت..... وحلوة اوي


لم يستطع يونس كبح غضبه، واستمر في ضربه بعنف، دون توقف، حتى تدخل الحراس، وتمكنوا أخيراً من إخراجه من الفيلا، لكنه ظل يصرخ، يهدد بالانتقام، وعقله يغلي، لا يعرف ماذا يفعل وسط هذا التعقيد


بينما في الأعلى، كانت بسمه داخل غرفتها، والخادمة سهير بجانبها، تبكي خوفاً، تشير لها ان تكتب لها ما يحدث بالأسفل


تنهدت سهير بحزن، وكتبت لها على ورقة :

اخوكي ماشي في سكة نهايتها وحشة يا بنتي، ومراة ابوكي العقربة مساعداه على كده


كانت بسمة تغرق في مرارة القهر، تحمل في قلبها شعورًا يفتك بها كلما تذكرت عجزها عن الكلام والسمع كغيرها من البشر، وُلدت هكذا، بآثار مضاعفات عصفت بوالدتها لحظة المخاض، فجاءت إلى الدنيا محاصرة بالصمت


غير أن ما كتبته لها سهير، المربية التي لازمتهم منذ الصغر، زاد جرحها اتساعًا، فقد روت لها أنها التقطت حديثًا بين نوح وسمر، اعترف فيه بزواجه من قمر زواجًا عرفيًا، مستغلاً ضعفها وتشتتها في ذلك اليوم، كما اعترف بجريمةٍ أشد هولًا

شقيقها انتهك براءة قمر ابنة أدهم الجارحي !!!!


أضافت سهير أيضًا إن الشاب الذي كان يتشاجر مع نوح بدا وكأنه قريب قمر، يحاول أن يعلم ما جرى ويُلملم الفضيحة التي ارتكبها نوح، لأنها قد سمعت نوح حين سأله ذلك الشاب لماذا لم يأتِ أهلها لمواجهته بأنفسهم؟ ولماذا اكتفوا بإرسال رجلٍ غريب مكانهم، ثم أضافت سهير أنها رأت نوح يخبئ ورقتي الزواج العرفي في خزانة مكتبه !!!


كلمات سهير سقطت على بسمة كالصاعقة، لم تتخيل أن يصل بأخيها الأمر إلى هذا الحد، أن يرتكب فعلاً دنيئًا بحق فتاة بريئة لا ذنب لها سوى أن أباها قاتل، تمتم قلبها بآيةٍ طالما وجدت فيها العدل "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى"

بكت بحرقة، واشتد حقدها على سمر، تلك التي تتظاهر بالطيبة بينما حقيقتها لا تخفى على بسمة، وفي اللحظة ذاتها كرهت ضعفها وصمتها، لكنها أقسمت ألا تبقى أسيرة لعجزها بعد الآن


كانت المرة الأولى التي تشعر فيها أن عليها أن تواجه، أمسكت القلم، وخطت على الورق كلمات قليلة دفعت سهير إلى الارتباك، وزرعت في قلبها خوفًا وتردداً !!!!!

...........

كانت ريما تقف في غرفتها، تحدق في صورتها في المرآة بعينين تقدحان شررًا، والغضب يتصاعد من أعماقها كدخان كثيف، وهي تتوعد لليلى بالانتقام، أغمضت عينيها تستحضر تلك الليلة المشؤومة، ليلة رحيل أختها، وكيف رتبت كل شيء بإحكام حتى يقتنع يوسف بأن أهله هم من قتلوا أروى، تتذكر كيف استغلت وجود عائلة يوسف وليلى في بيت أختها صدفةً، وكيف حبكت الفيديوهات والاتهامات والأدلة لتغلق عليه الدائرة


عادت ذاكرتها إلى آخر حديث دار بينها وبين أروى قبل سنتين، بتلك الليلة......


كانت ريما تصرخ في وجه أختها اروى، بغضب :

خليتي باتفاقنا يا أروى، قولتي هتساعديني أتجوز يوسف زي ما هساعدك تقربي من أبوه بدر، قربتي من يوسف، اخدتيه ليكي، وانتي عارفة إني بحبه وهموت عليه


ردت عليها أروى ببرود وهي تشعل سيجارة وتنفث دخانها بهدوء :

قولت بس ماحلفتش !!!!


لمعت عينا ريما بالغل وهي تسمع أروى تتابع ببرود :

أصلاً يوسف ما كانش شايفك، يعني لا بمساعدتي ولا بغيرها كان هيعبرك، انتي بالنسباله هوا، ومش ذنبي إنه أعجب بيا أنا مش انتي


صرخت عليها ريما بغضب، وقد شارفت على الجنون :

وبدر اللي فلقتيني بحبه، فجأة كده مبقاش عاجبك


ابتسمت أروى بسخرية، وقالت بهيام :

مين قالك مبقاش عاجبني؟ بدر هو الوحيد اللي أتمنى يشاركني حياتي، ولما رفضني، ما كانش قدامي حل غير إني أقرب من يوسف، عشان أكون جنبه، شوية وقت وهخلص من مراته، وهيكون ليا لوحدي


صرخت ريما والغصة تكتم صوتها :

عشان تعيشي مبسوطة، تدمريني، تاخدي مني الحاجة الوحيدة اللي اتمنتها، تاخدي الشخص الوحيد اللي حبيته؟!


ردت عليها أروى ببرود، وهي تلعب بخصلات شعرها :

أنا ما أخدتش منك حاجة. يوسف ما كانش ليكي من الأول يا ريما، وحتى لو كان معاكي، أنا ماضربتهوش على إيده عشان يجيلي، هو اللي جه من نفسه


ثم مررت يديها على جسدها بفخر، وقالت بغرور :

مش ذنبي إني أحلى منك بكتير، ولا ذنبي إن كل اللي يشوفني بيقع في حبي من أول نظرة


ارتجف صدر ريما وهي تسمع كلمات أختها والغل يتصاعد في أعماقها، فقالت باحتقار :

ما شفتش أوَسخ منك !!


ضحكت أروى بسخرية، واقتربت منها، قائلة بتحدي :

ولا أنا شوفت زيك يا روحي، ومن الآخر لا تعايريني ولا أعايرك، أنا وانتي ما نتخيرش عن بعض، يمكن انتي أسوأ كمان، على الأقل أنا ما بسحبش الشباب بجسمي عشان أدخلهم في تجارة المخدرات، وما بستدرجش البنات عشان أبيعهم، وما بابتزش الناس بفيديوهات شمال، انتي كلبة فلوس.....عابدة للقرش زي ما بيقولوا 


ثم نظرت لنفسها في المرآة بغرور، وابتسمت قائلة :

إنما أنا.....


قاطعتها ريما تصرخ بغل، وحقد :

انتي زبالة وأنانية، نسيتي إنك انتي اللي دخلتيني الشغل ده، فجأة لما بطلتي وبعدتي بقيتي انتي النضيفة الطاهرة وأنا الزبالة الرخيصة


ردت عليها أروى ببرود متعمد :

انا ماقولتش......انتي اللي قولتي


ثم تابعت ببرود حتى تستفزها :

وبعدين العبرة بالنهاية، أنا بطلت، وانتي كملتي، يبقى الزبالة هي انتي......مش أنا يا رورو !!


جزت ريما على أسنانها من الغيظ، وتمتمت بغل :

بطلتي عشان لقيتي صيدة سهلة تعيشي عليها، الواد أو أبوه مش فارقة، المهم فيه فلوس


ردت عليها أروى بسخرية :

مشكلتك انك فكراني زيك، أما أنا لما بحب بعمل أي حاجة عشان أكون مع اللي بحبه، أما انتي كلبة فلوس، زي ما قولتلك، انتي عارفة إنه مفيش فيكي أي حاجة تتحب يا روحي، ده حتى ماما الله يرحمها ما عرفتش تحبك، هتلاقي مخلوق يحبك إزاي، ده بابا نفسه بيلعن اليوم اللي اتولدتي فيه، ومستحملك بالعافية بسبب قرفك، ولا يوسف اللي مش معبرك، ولا ياسر اللي كنتي هتموتي عليه.....بس اختارني أنا


اقتربت منها أروى أكثر، عيناها تتوهجان بالغرور :

انتي طول عمرك غيرانة مني، لأني أحسن منك في كل حاجة، أخدت كل اللي انتي مش قادرة توصلي ليه، هتموتي على يوسف، عشان هيموت عليا أنا، مش عليكي أنتي


ثم أعطتها ظهرها وهي تقول بغنج، متعمدة إثارة غضب الأخرى :

لو خلصتي اللي جيتي عشانه، امشي، أصل يوسف حبيبي جاي بليل ومعاه المأذون، عايزة أجهز قبل ما الناس توصل، أصله مستعجل اوي ع الجواز، وهيموت عليا، امبارح قضينا سوا ليلة ولا في الأحلام.......آآه


لم تشعر أروى إلا والسكين في ظهرها، والدم يتفجر من جسدها، لقد استسلمت ريما لحقدها، وعقلها تغيب من شدة الغل، وبدأت تطعنها بجنون، طعنة بعد طعنة، حتى انطفأ صوت أروى، وسقطت على الأرض غارقة في دمائها.....

بل فارقت روحها جسدها !!!


استفاقت ريما من شرودها على صوت هاتفها الذي يرن، كان يوسف هو من يتصل بها، يريد رؤيتها، أغلقت معه بلهفة، وأغمضت عينيها بنشوة انتصار، كل شيء يسير كما خططت أمسكت السلسلة التي تتدلى منها صورة تجمعها بأختها أروى تتعمد ارتداءها أمام يوسف


ياليت أروى، أدركت فقط أن يوسف ليس كغيره......

يا ليتها أدركت قبل فوات الأوان !!!

...........

بعد وقت، جلست ريما أمام يوسف، تتقن رسم ملامح الغضب والانكسار على وجهها، كأنها ممثلة بارعة تجيد استخدام الألم قناعًا لتخفي وراءه خبثها، تعمدت أن تجعله يرى فيها ضحية، أن يستشعر الذنب كلما نظر إلى عينيها، حتى بات قلبه مثقلًا بما أوحت به حكايتها الصامتة


وبالفعل، لم يلبث يوسف أن انحنى برأسه قليلًا نحوها، وصوته يخرج مثقلًا بالجدية والندم :

تتجوزيني يا ريما؟!


رفرفت أهدابها كمن لا يصدق، وانحنى فمها بانكسار مصطنع، بينما في أعماقها صرخة انتصار تتعالى، تخفيها ببراعة تحت دموع مدروسة وحركة ارتعاش محسوبة !!!!


#تكملة_الفصل_التاسع

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

عمت الفوضى ممرات المستشفى بعد أن تجمع عدد كبير من أفراد العائلة للاطمئنان على صافي، وحتى تلك اللحظة، لم يخرج الطبيب الذي كان عمها "ريان" ليُخبرهم بحالتها


كانت نظرات آدم، رغم القلق البادي عليه، مُصوبة بقوة نحو إياد الذي وقف مرتديًا تيشيرتًا بلا أكمام، ويداه مُلطختان بالدماء، يسير جيئةً وذهابًا في الممر بعصبية، لم يَغِب عن آدم لهفة الشاب وهو يركض تجاه ريان بمجرد ظهوره ليسأله عن صافي قبل الجميع......بل حتى قبله هو


فتقدم آدم بخطواتٍ متوترة ووقف أمام ريان، أخيه، وصوته مليء بالقلق :

بنتي عاملة إيه يا ريان، بنتي كويسة، مش كده


أجابه ريان وقد رأى الخوف في عينيه رغم محاولته التماسك :

ما تخافش يا آدم، هي كويسة الحمد لله، الجرح كان عميق شوية، بس قدرنا نسيطر عليه ووقفنا النزيف، هتحتاج راحة بس.....عدت على خير يا أخويا، ما تقلقش


تنفس الجميع الصعداء، وكان أولهم إياد الذي سأل بلهفةٍ واضحة :

طب نقدر ندخل نطمن عليها ونشوفها


لاحظ جلال لهفة ابنه، فتقدم، وقال بنبرةٍ متحفظة يخشى بها إثارة غضب، وشكوك آدم :

الحمد لله إنها عدت على خير يا آدم، ربنا يطمنك عليها


أومأ آدم برأسه وقال بنبرةٍ غامضة ذات معنى :

الحمد لله يا جلال، تفوق صافي بالسلامة، ولينا قاعدة


ارتبك جلال وهو يدعو في نفسه أن يكون ابنه بريئًا مما حدث، فهو يعلم أن آدم لا يرحم من يتعرض لأحدًا من عائلته، أما إياد، فلم يهتم سوى بصافي، فسأل مجددًا بقلقٍ ظاهر :

نقدر ندخل نطمن عليها


نظر ريان إلى آدم، الذي التفت نحو إياد وقال بصرامة:

تعبناك معانا انهاردة يا إياد، شكرًا على مساعدتك لبنتي، تقدر تروح ترتاح، زمانك تعبت، وإحنا هنقوم باللازم


كان إياد على وشك الاعتراض، لكن والده جلال قبض على يده قائلاً لأدم :

ألف سلامة عليها يا آدم، وإن شاء الله لما تخرج نبقى نيجي نعمل الواجب ونطمن عليها، لو احتجت أي حاجة كلمني


صك إياد على أسنانه بغيظٍ مكتوم، فقد أراد فقط أن يراها ويتأكد من سلامتها، لكنه مضى على مضض، وقد قرر أن يعود لاحقًا ليراها خفيةً، غادر الاثنان تحت أنظار آدم وإخوته، وكلهم يحملون شكوكًا تجاه إياد وما إذا كان له يد فيما حدث


غادر الجميع، ولم يتبقى سوى آدم وزينة التي كانت منهارة في البكاء، ترفض الرحيل قبل أن تطمئن على ابنتها، حاول ياسين، ابن آدم، إقناعهم بالعودة للبيت، لكنه اضطر في النهاية أن يغادر ليوصل زوجته ثم يعود مجددًا لهم 


قرب الفجر، كان إياد يسير بحذرٍ في الممرات خافتة الإضاءة، يلتفت حوله كل بضع ثوانٍ، حين تأكد أن آدم وابنه ذاهبان للصلاة، تسلل إلى غرفة صافي، فتح الباب بخفة ودخل، ليجدها قد بدأت تفيق ببطءٍ من أثر التخدير، وتتأوه بألمٍ خافت


اقترب منها بلهفةٍ وقلقٍ ظاهر، أمسك بيدها، هامسًا برفق :

انتي كويسة، طمنيني عليكي، يا صافي


نظرت إليه لثوانٍ مرتبكة، تحاول استيعاب ما يجري، ثم سألته بدهشةٍ وهي تتلفت حولها :

أنا فين، وانت بتعمل إيه هنا


أجابها بسرعة قبل أن يدخل أحد عليهما :

بعد ما خرجتي من مكتبي الصبح، وقعتي من على السلم، فنقلتك للمستشفى، اهلك موجودين هنا 


ارتبكت وقالت بخوفٍ واضح :

وطالما هما هنا، إنت بتعمل إيه، امشي قبل ما حد يشوفك، انا مش عايزة مشاكل


اقترب أكثر، وامسك يدها برفقٍ ممزوجٍ بالحنان والقلق :

مقدرتش أستنى من غير ما أطمن عليكي، كنت هموت وأنا مش عارف انتي عاملة إيه


حدقت صافي فيه للحظات، وقد استشعرت الخوف والقلق في نبرته، فقالت بهدوءٍ يمتزج بالخجل وهي تسحب يدها من بين يديه :

انا كويسة، امشي بقى ارجوك


اقترب منها إياد في هدوءٍ، ثم طبع قبلةً خفيفة على جبينها، هامسًا لها بتصميم :

الكلام بينا ماخلصش، لسه بينا كلام كتير، بس لما تخرجي من هنا، مستحيل اللي بدأ بينا ينتهي كده بسهولة


رمقته صافي طويلًا وهو يغادر الغرفة بخطواتٍ هادئة، ثم وضعت يدها على جبينها، تشعر بخفقانٍ قوي في صدرها، فهمست لنفسها بحيرة :

قلبي بيقولي إن اللي بيني وبينك لسه ما انتهاش، وان اللي هعيشه معاك لسه اكتر بكتير


في تلك اللحظة خرجت زينه من الحمام، اندفعت نحو ابنتها تقبلها وتبكي بحرقة، بينما كانت صافي تحاول تهدئتها


في الخارج، كان إياد يسير مبتعدًا حين فوجئ بظهور ياسين أمامه، قائلاً بدهشة :

انت بتعمل إيه هنا في وقت زي ده.....؟!!


ثم تبعه صوتٌ صارم جعل إياد يتجمد في مكانه، انه والدها آدم الذي اقترب منه بهدوء غامض :

بتعمل إيه هنا دلوقتي؟


ابتلع إياد ريقه وقال بهدوء، محاولًا التماسك امامهما :

بابا بعتني أطمن وأسأل لو محتاجين حاجة


رد عليه آدم ببرودٍ حاد :

كنت هتصل


ثم أضاف بصرامةٍ أكثر :

كنت هتصل لو فيه حاجة، وبعدين هو السؤال بيكون قرب الفجر كده


ارتبك إياد، فتقدم منه آدم وربت على كتفه بنبرةٍ حازمةٍ تخفي وراءها تهديدًا صامتًا :

الوقت اتأخر يا ابن جلال، روح بيتكم، ولينا قاعدة بعد ما صافي تخرج من هنا


انصرف إياد مضطربًا، يشعر بثقلٍ في صدره وهيبةٍ غريبة تملأ المكان كلما تحدث والدها.....آدم


سأل ياسين والده بهدوءٍ وهو يراقب ملامحه الجامدة :

حضرتك ناوي على إيه، وبتفكر في إيه بالظبط؟


أجابه آدم بغموض :

مش بفكر، خلينا نروح نطمن على أمك وأختك


اقترب آدم من ابنته، وقال بحنان وقلق :

انتي كويسة يا حبيبتي، حاسة بتعب


ابتسمت له صافي وقالت بحب :

انا كويسة يا بابا، متقلقش


داعبها شقيقها ياسين بمرح :

طول عمرك بتعملي مشاكل، ومصايب


ضحك الجميع، لكن آدم ظل يحدق فيها بنظراتٍ فاحصة قبل أن يسألها بجدية :

ابن جلال الخولي هو اللي جابك هنا


ارتبكت وقالت بتوترٍ واضح :

انا مش فاكرة اللي حصل بالظبط، كل اللي فاكره إني وأنا نازلة السلم دوخت، وماحستش بحاجة بعدها 


سألها آدم بصرامةٍ :

وانتي كنتي هناك ليه أصلاً؟


تدخلت زينة قائلة بانزعاج :

آدم، مش وقته، البنت لسه تعبانة


لكنه تجاهلها وأعاد السؤال بنبرةٍ حادة :

جاوبيني يا صافي، كنتي هناك ليه؟


ارتبكت وقالت متلعثمة :

أصل من يومين قابلت بنت في النادي، واتعرفنا على بعض، نسيت معايا حاجة خاصة بيها، حبيت ارجعها ليه بس هي كانت مشغولة ومش فاضية، فعرضت عليها اوصلها انا ليها بدل ما تسيب شغلها، وطلعت بتشتغل هناك 


نظر إليها آدم طويلًا بعدم تصديق، ثم سألها مجددًا :

متأكدة


أومأت له بتوتر، فسألها بشك :

وقعِتي بالغلط ولا حد اللي أذاكي يا صافي؟


أجابته صافي بذهول :

اكيد بالغلط يا بابا، هو أنا ليا أعداء يعني، أنا بس دوخت ووقعت، هو ده اللي حصل 


حرك رأسه ببطء، محاولًا إقناع نفسه ان ابنته لا يمكن ان تكذب عليه، لكن الشك ظل يُساوره !!!!


في اليوم التالي، عادت صافي إلى بيتها، وجلست معها جوان، ابنة عمها أمير، التي بدأت حديثها بحماسٍ كعادتها :

كان جان يا بنتي، وهو شايلك كده بين ايديه، الدنيا كلها اتقلبت، صوركم ماليه السوشيال ميديا، لا، وكمان خالع القميص رابطلك بيه الجرح، لو تشوفيه وهو رايح جاي قلقان عليكي ونسي إن ابوكي واقف، وجري يسأل عمك بنفسه عن حالتك، وكل اللي على لسانه ينفع نطمن عليها، ونشوفها


سألتها صافي بتوتر :

تفتكري هو بيلعب بيا يا جوان 


ردت عليها جوان بنبرةٍ يغلب عليها الوضوح والقوة، بينما عيناها تحملان صدقًا لا يحتاج إلى قسم :

شوفي يا صافي، من ناحية الحب، هو مشاعره فاضحاه، الحب محدش يقدر يزيفه كتير، وبيبان خصوصًا في المواقف اللي زي بتاعت امبارح، في الأزمات يعني


صمتت للحظة، ثم تابعت بثباتٍ جعل كلماتها أشبه بحكمٍ لا يقبل النقاش :

بس برده، ده مش مقياس، لو بيلعب بيكي علاقتكم هتفضل في الضلمة، إنما لو شاريكي بجد، لازم علاقتكم تكون في النور، خصوصًا إنه معندوش حجج يتهرب بيها، ابوه ويعرف ابوكي، وصحاب من زمان، عيلته محترمة ومعروفة، متعلم احسن تعليم، شغل وبيشتغل، يعني لا محتاج يكون نفسه، ولا كل الحجج الفارغة المعروفة دي


اقتربت منها وقالت بهدوء أقرب للهمس :

اسأليه يا صافي، هو عاوزك في الضلمة ولا في النور،  وقتها بس هتعرفي الإجابة


ساد الصمت بينهما طويلاً، كأن الكلمات التي نطقت بها جوان كانت أثقل من أن تمر مرورًا عابرًا في ذهن صافي

كانت عيناها شاردتين في الفراغ، كأنها تحاول أن تُمسك بخيطٍ من اليقين وسط فوضى المشاعر التي تلتهمها ببطء،

بين الخوف والرجاء، كانت روحها تتأرجح، تبحث عن إجابة تُطمئنها، أو تُنهيها


هل كان حبّ اياد صادقًا حقًا....؟!

أم كان مجرد لعبةٍ من ألعاب الهوى العابرة.....؟!

تعرف جوان تمام المعرفة، باندفاعها وجرأتها، بصراحتها التي تُوجع لكنها لا تخيب، ومع ذلك كانت تخشى


خوفها من الخذلان كان أقوى من رغبتها في التصديق،

وما بين صوت قلبها الذي يهمس باسم اياد، وصوت عقلها الذي يذكرها بواقعية الوجع،

كانت صافي تقف على حافةٍ رفيعةٍ من التردد،

تُصارع فكرة أن تُحب من لا تملك يقينًا بنوره،

وأن تُسلم قلبها لظل قد لا يُريد الظهور للعلن


ففي داخلها كانت تعلم دون أن تقولها بصوتٍ مسموع 

أن الحب في الظل، مهما كان عميقًا،

يظلّ ناقصًا كقمرٍ جميلٍ، لكن محجوبًا عن السماء

............

كانت حياة جالسة في حديقة الفيلا، والوجع يثقل ملامحها كأن الحزن سكن في عينيها منذ زمنٍ بعيد

كانت تشعر بضعفٍ غريب، بانكسارٍ لم تعرفه من قبل

فوجع الابن، ليس كأي وجع.....انه كسرٌ لا يُجبر، وجرحٌ لا يلتئم مهما مرت السنين


دخل مالك ابن أوس من بوابة الفيلا بخطواتٍ واثقة، وما إن وقعت عيناه عليها حتى اقترب منها بابتسامةٍ دافئة وقال بحب :

اخبار حضرتك إيه يا عمتي؟


ابتسمت حياة ما ان رأته، وقالت بحنان :

أهلاً يا حبيبي، إزيك عامل إيه؟


رد عليها بهدوء :

بخير طول ما إنتي بخير يا عمتي، أنا بس كنت جاي أطمن عليكي، وأشوفك محتاجة حاجة ولا لأ


ابتسمت حياة بخفوت، وقال بمكر :

بتطمن عليا أنا ولا على غيري يا ابن أوس


ضحك بخفةٍ وتلاعب وهو يقول :

عليكم كلكم يا عمتي، مش إنتوا أهلي ولا إيه


ضحكت حياة عليه، وهي ترى فيه مزيجًا من الهدوء يشبه به ريان، والمكر الذي ورثه من أبيه، فردت عليه بمشاكسة :

على العموم، كلنا دي موجودة جوه في الصالون


ابتسم بخفة وقال متلاعبًا :

طب هقوم أسلم عليهم


وقبل أن يذهب، عاد وقبل رأسها بحب ومرح :

هو أنا ليا غيرك يا عمتو، والله بموت فيكي


ضحكت حياة بخفوت، وهي تراقبه يدخل بخطواتٍ سريعةٍ، تعرف أن قلبه يسبقه لداخل الفيلا......حيث توجد عشق


لكن ما لبثت ملامحها أن تغيرت للقلق حين رأت سارة تدخل عليها والغضب يتطاير من وجهها، وما ان اقتربت منها سارة صرخت بصوتٍ حاد، وغاضب :

شوفي بقى يا حياة، أنا جبت آخري من مراة أخوكي العقربة دي، بناتي جايبين آخرهم منها، بسبب كلامها السم اللي مش بيخلص، وأنا خلاص مش قادرة أستحملها أكتر من كده


هدأتها حياة وأجلستها قائلة :

اهدي بس، اقعدي، وخدي نفسك الأول


لكن سارة صاحت بعصبية :

بلا اهدي بلا زفت، إنتي عرفاني يا حياة، والله لأرجعلها سارة بتاعت زمان اللي بتعايرني بيها في الرايحة والجاية، وألبسها مصيبة وأخرب بيتها لو ما بعدتش عن بناتي، أنا معنديش أغلى منهم وانتي عارفة ده كويس 


تنهدت حياة وقالت بنبرةٍ فيها قليل من المرح :

طب اهدي كده يا سرسورة، انا وانتي عارفين كويس، إنك ما تقدريش تعملي كده، راحت عليكي خلاص


ضحكت سارة بخفوت، وبدأ الغضب يتراجع عن ملامحها، وقالت وهي تبتسم بمرحٍ باهت :

فين أيام زمان دي، وحشتني أمجادي


ردت حياة بغيظٍ خفيف :

دي كانت قاذورات، مش أمجاد، امحيها من ذاكرتك يا ماما


قهقهت سارة وقالت بغيظ :

واللي يعرف مرات أخوكي دي يعرف ينسى، دي حقنة اعوذ بالله منها


ضحكت حياة بخفوت ثم سألتها بحيرة، وحزن :

تفتكري أنا غلطت معاها؟ عشان تكرهني كده؟


ردت عليها سارة بعقلانيةٍ غير معتادة منها :

لأ يا حياة، مهرة قلبها أسود وغلاوية

اللي زيها مهما عملتي خير ليهم عمرهم ما بينسوا الوحش، حتى لو ما كنتيش غلطانة، وحتى لو غلط بدون قصد،

كمان هي عندها عقدة نقص، بتحس إن الكل أحسن منها، وده مخلي عندها حقد غريب

شايفاكي واخدة دور هي شايفة نفسها أولى بيه، ومكان ما قدرتش توصله، وبدل ما تطور نفسها، فضلت تكره وتغل

إحنا اللي اتأخرنا في فهمها، وعلى رأي المثل تعرف فلان، اه، عاشرته، لأ، تبقى متعرفهوش


أومأت حياة برأسها والحزن يعصر قلبها :

مش صعبان عليا غير اخويا أوس، ميستاهلش كده


ردت عليها سارة بهدوء :

كل إنسان وليه آخر، وأخوكي مش هيفضل صابر عليها كتير


ظلت حياة صامتة، فتابعت سارة بحدةٍ ممزوجة بالشفقة :

وبعدين إنتي مالك قاعدة كده ليه؟ مالك يا بت؟ فُوقي بقى،

كبرتي خلاص وقررتي تستسلمي، لو دي حياة بتاعة زمان كانت حلت كل ده، مش قعدت تندب حظها


نظرت لها حياة بعيونٍ مليئة بالحزن وقالت بقهر :

وجع الابن غير أي وجع يا سارة، حاسة اني مكسورة، وحيلي مهدود


ردت عليها سارة بقوةٍ حانية :

ابنك محتاجلك يا حياة، اللي إنتي فيه ده مش هيساعده، مينفعش تفضلي تتفرجي عليه وهو بيغرق كده


حركت حياة رأسها بصمتٍ، فتابعت سارة بدعم :

روحيله يا حياة، ولو عايزة أكون معاكي مفيش مشكلة


همست حياة بألمٍ موجع :

من اللي شوفته منه، وقسوته علينا، كل ما أقرر أشوفه، قلبي بيتقفل......مش قادرة أسامحه


ربتت سارة على يدها وقالت بحزن عميق :

حاسة بيكي، بس انتي أم، والأم ما تقدرش تقسى على عيالها، أول ما هتشوفيه، هتنسي كل حاجة، كلنا اتوجعنا زمان، يا حياة، وعايزين ننقذ ولادنا قبل ما يعيشوا نفس الوجع


ابتسمت حياة بامتنانٍ صامت، لكن سارة تذكرت شيء فجأة فقالت بحدة :

نسيت أقولك مش نسرين رجعت


اعتدلت حياة فجأة، والقلق ظهر على وجهها، وهي تسألها :

طب واولادها، والياس عمل إيه، عرفتي منين انها رجعت


ردت عليها سارة بحزنٍ واضح : 

كنت عندهم من يومين، ومراة أخوه قالتلي، سيدرا ساكتة من ساعتها، ويونس كسر الأوضة باللي فيها ومحدش فيهم بيكل، والياس حاول معاهم، ومش عارف يتصرف


تنهدت حياة وقالت بضيق :

مش عارفة إيه اللي رماه الرمية دي، ساب كل البنات وراح يتجوز نسرين، وهو أكتر واحد عارف حقارتها


زفرت سارة فسألتها حياة باهتمام :

صحيح ليان بنتك عاملة ايه


ردت عليها سارة بغيظ :

افتكري ليا سيرة احسن من كده، ده فاقعة مرارتي، وحارقة دمي البت دي اوي يا حياة 


ضحكت حياة بخفوت وقالت :

ليه بس؟ دي عسل يا شيخة


زمت سارة شفتيها وقالت بغيظ :

طول ما قلبها مع ابن مهرة، عمرها ما هترتاح


ضحكت حياة بخفوت وسألتها :

طب وإيه يعني؟ القلب وما يريد


صرخت سارة بانفعال :

إن شالله عنه ما راد، كفاية إنكم أقنعتوني أجوز بناتي في بيت واحد مع مهرة دي، عايزة كمان بنتي التالتة تدخل البيت ده؟ وكمان تبقى مهرة حماتها، دي هتوريها النجوم في عز الضهر


قهقهت حياة وقالت بمكر :

بس بننتك قوية زيك، ميتخافش عليها، ليان بالذات هتطلع على مهرة القديم والجديد كله


نفت سارة برأسها، وقالت بحسمٍ شديد : 

بنتي مستحيل تتجوز ابن مهرة، والله تبور جنبي ولا تتجوز الواد ده، أنا مش مستغنية عنها يا حياة، وبعدين حمزة عمره ما شافها ولا فكر فيها، وهي مسيرها تنساه، محدش بيموت من الحب


تنهدت حياة وقالت بنبرةٍ عميقةٍ حزينة :

الحب هو السبب في كل حاجة عايشينها يا سارة، هو أصل الوجع كله، مش شرط بين حبيب وحبيبته، لأ، حتى حب الأهل، وحب الولد، وجعهم واحد


صمتت سارة متأثرة، في ذات اللحظة دخل الياس عليهما، فابتسمت حياة وقالت بخفة لسارة :

هو إنتو يا تغيبوا خالص، يا تهلوا عليا في وقت واحد مع بعض


ضحكت سارة بخفوت، فاقترب منهما إلياس وقال بمرح :

مهما عدت سنين لحد دلوقتي مش قادر اقتنع ان انتوا الاتنين مع بعض كده


ردت عليه سارة، وهي ترفع يدها أمام وجهه :

قل اعوذ برب الفلق، الله أكبر، سمي الله يا اخويا هنولع واحنا قاعدين بسببك


ضحك إلياس وقال لسارة بمرح :

بقيتي ست وام مصرية أصيلة يا سارة


ضحكت حياة أيضًا، قبل أن يسألها الياس :

فين جوزك، المفروض مستنيني


خرج بدر في تلك اللحظة من المكتب بعدما سمع صوت ضحكهم العالي، وقال بنبرةٍ مليئة بغيرةٌ لم تهدأ رغم السنين :

مادخلتش ليا على طول ليه لما جيت؟ إيه اللي موقفك معاهم


ضحكت حياة بخفوت، وكذلك الياس وسارة التي قالت مازحة :

ليه حد قالك ان احنا اشباح، ده لو كان دخل من غير ما يسلم علينا، كنت طلعت عينه


ضحك إلياس، وحياة بخفوت، فجذبه بدر بخفةٍ ودخلا المكتب، وما دار بينهما نزل على بدر كالصاعقة !!!

.............

وقف إلياس على ضفة النيل، متوارٍ عن الأنظار، يراقب المياه بشرود، منتظرًا نسرين التي استدعتِه وهددته إن لم يأتي لرؤيتها، ستخبر أولاده بسرٍ سيبدل نظرهم إليه، كان قلبه مشدودًا، لا شيء عنده أهم من أولاده، وخوفه الأكبر ان يخسر كل الحب، والاحترام، الذي بناه في أعينهم بسبب ماضٍ يود لو طمسه إلى الأبد


اقتربت نسرين منه بخطىٍ ثابتة، وبدون تمهل قالت بحدة :

كل اللي جرالي بسببك


انفجر إلياس في وجهها غاضبًا، وقد انفلتت اعصابه :

اسمعي، للصبر حدود، وربنا العالم انا ماسك نفسي ازاي عنك، ولولا أولادي اللي سكت عشانهم زمان كان زمانك في قبرك، جيبي من الاخر وقولي اللي عندك، بدل اسطوانة كل مرة اللي بتسمعيها ليا


ردت عليه نسرين بغل، وغضب متأجج :

أنا خسرت كل حاجة بسببك، خسرت أولادي، وبدر زمان برده بسببك، أنا اللي دفعت تمن انتقام رخيص، وانت السبب


تقلص جبين إلياس، وسألها بحدة :

انتي بتخرفي؟ بتقولي إيه؟ عاوزة تحمليني سبب رخصك؟


صرخت عليه نسرين بغل :

الزبالة اللي شوفتني معاه من سنين مكنش هدفه أنا، كان هدفه انت، قرب مني عشان ينتقم منك، عشان أخته اللي انت خطبتها وقت ولما شكيت إن حياة بتخونك، أخته انتحرت بعد ما فسخت خطوبتك منها، لأنها كانت بتحبك وإنت ما كنتش داري بيها، هو كان ناوي يدمر عيلتك ويخسرك كل حاجة، زي ما أخته ماتت بسببك، وأبوها وأمها ماتوا من الحزن عليها، كان ناوي يفضحك، بس مات في حادثة بعد اللي عمله بأسبوع، وإنت اللي طلعت ملاك، وأنا اللي طلعت شيطانة في عين ولادي، والولد اللي كنت حامل فيه لما روحت واجهته ضربني لحد ما أجهضت


استمع إلياس لكل ما قالت بصدمة، لكنه صرخ عليها بنفور :

هو برده ضربك على ايدك عشان تخونيني معاه، ضربك على ايدك عشان تترمي في حضنه يا رخيصة، ضربك على ايدك وقالك سيبي ولادك واهربي بره البلد بعد ما اموت، اللي هددك غار في داهية ومات بعد أسبوع واحد، مفكرتيش ليه ترجعي لأولادك وتشرحي ليا اللي حصل، مبعتيش رسالة ليه حتى تتطمني على اولادك، واحدة غيرك كانت فضلت مرمية قدام باب القصر مستنية تلمح بس طيف ولادها، لكنك هربتي عشان تتحرري زي ما كنتي عاوزة وتعيشي حياتك، انتي رخيصة من يومك، وانا اللي نضفتك لما خليتك تشيلي اسمي، وياريتك قدرتي النعمة، وصونتيه


رفع اصبعه بوجهها، وقال بصوتٍ مَليءٍ بالتهديد :

لو شوفتك قريبة من ولادي تاني أو حاولتي بس تقولي ليهم اي حاجة عن الماضي وتدمري نفسيتهم، هفضحك، وهقولهم السبب الحقيقي لغيابك السنين اللي فاتت دي كلها، وقد اي انك واحدة واطية، ورخيصة، ده غير اني همحيكي من على وش الدنيا، مستغنية عن عمرك جربيني، وشوفي اللي هعمله فيكي


قال ما قاله وغادر بحدة، تاركًا خلفه صدى غضبه يختلط بصوت الموج

أما نسرين، فظلت واقفة في مكانها، عيناها تقدحان شررًا، وملامحها تنطق بحقدٍ مكتوم، تنوي له كل شر، لكنها آثرت الصبر، فالصبر في قلبٍ مثل قلبها لم يكن ضعفًا، بل كان انتظارًا للفرصة المناسبة للانتقام !!

............

على الجانب الآخر، كانت شدوى تمسك الهاتف بيدٍ مرتجفة من شدة الغضب، والقهر، وصوت رجلٍ غاضبٍ يتفجر من السماعة، صوته يحمل تهديدًا صريحًا :

جرى يا روح أمك، بقالك دلوقتي أسبوعين وأكتر وماعملتيش حاجة، اسمعي يا بت انتي، آخرك معايا نهاية الشهر ده، لو مجبتيش اللي اتفقنا عليه، هطلع بروحك في إيدي، صور المحروس توصلني أول الشهر، سمعاني


أغلق الخط في وجهها بعنف، فظلت جامدة في مكانها، تحدق في الفراغ بعيونٍ تملؤها الحسرة والرعب

أطلقت تنهيدة متهدجة، ولسانها يلعن اليوم الذي عرفت فيه نوح، واليوم الذي صدقته فيه ووهبته قلبها قبل جسدها،

كانت تظنه حبها، رجلها، سندها.....

لكنها لم تكن سوى نزوةٍ عابرة في حياته، نزوة انتهت حين كشف وجهه الحقيقي، حين صارت صورها في قبضته سلاحًا يهددها به كلما شاء


سنين عاشتها مخدوعة، والخذلان فيها أوجع من الخيانة نفسها، ولو كانت بقيت في غيبوبة الوهم، لكان أهون من يقظةٍ على قبح الحقيقة


صحيح، انها لم تكن ملاكًا، وهو لم يتعرف عليها في جامع كمان يقال، لكن الله وحده يعلم أن ما حدث كان غصبًا عنها، لم يكن بإرادتها ولا رغبتها، بل خوفًا وتهديدًا وانكسارًا،

وإن كان في حياتها ذنب ارتكبته برضاها، فكان قربها من نوح تلك اللحظة التي ظنتها حبًا صادقًا، وهبته قلبها وجسدها،

لم تدرك أنها في الحقيقة كانت تسلمه نفسها ليكسرها !!!


في خضم شرودها، انفتح باب البيت بهدوء، ودخلت فيروز بخطواتٍ متعبة، وجهها باهت، وجسدها منهك


رفعت شدوى رأسها نحوها، تحاول أن تخفي قلقها خلف نبرةٍ حادة :

مالك بتطوحي كده ليه، ما تصلبي طولك يا بت


لكن فيروز لم تجب عليها، خطت خطوتين، ثم هوت أرضًا فاقدة للوعي، فصرخت شدوى بفزع، وهرعت نحوه بقلق :

فيروز، فيروز ردي عليا، فيكي اي!!!!


لكن جسد أختها ظل ساكنًا، وحرارته تشتعل كالجمر،

شهقت شدوى حين لمست يديها :

يا نهار أسود ده انتي مولعة


رن الجرس فجأة، فنهضت مسرعة لتستنجد بمن جاء، ركضت إلى الباب، فتحته لترى وجه سليم الذي بدا مذهولًا من اضطرابها، لم تمنحه فرصة للحديث، وقبضت على ذراعه بعنف قائلة :

سليم، فيروز اختي وقعت، وأنا مش عارفة اعمل اي، ساعدني الله يخليك


دخل سليم بسرعة، وانحنى بجوار فيروز، وضع يده على جبينها، فاتسعت عيناه قلقًا الفتاة حرفيًا تغلي من شدة الحرارة، رفع نظره نحو شدوى وقال بصرامة :

البسي بسرعة لازم نوديها المستشفى


نظرت حولها بخوفٍ وارتباك، لم تفكر كثيرًا، كانت أنفاسها تتسارع، وقعت عيناها على إسدال فيروز الملقى على الكرسي بإهمال، فأسرعت نحوه، وارتدته دون تردد !!!!


لأول مرة، ومن دون أن تعي الأمر أو تنتبه، ارتدت شدوى شيئًا غطى جسدها بأكمله


ثم لحقت بسليم، الذي حمل فيروز بين ذراعيه، وركضوا بها مسرعين نحو أقرب مستشفى، بينما حرارة جسدها المرتفعة لا تبشر بالخير ابدًا !!!!

............

كانت خطوات يوسف تتقدم نحو بيت أهله الذي تركه منذ سنتين، وقف للحظات أمام البوابة يتأملها بصمتٍ غريب، وكأن المكان كله يهمس له بذكرياتٍ لم تهدأ حين دخل، دار بعينيه في الأرجاء، يتلمس الأثاث، رائحة الجدران، وصدى أصواتٍ غابت منذ زمن، كم اشتاق !!

كم تمنى، في تلك اللحظة، لو أنه لم يعرف "أروى" قط، ولا ذاق مرارة الحب الذي بدل ملامح حياته


لم يكد يخطو بضع خطوات داخل الفيلا حتى لمح مروان ينزل الدرج، التقت أعينهما في نظرةً طويلة، بعد سنوات من الغياب، كانت مزيجًا من الشوق والغضب.....والخذلان


اقترب مروان منه، وصوته يحمل حدة لم يستطع إخفاءها :

خير، ولا أقولك شر إيه اللي جايبك المرة دي يا يوسف


أجابه يوسف بهدوء، محاولاً التماسك :

ازيك يا مروان؟


ضحك مروان، وقال بسخرية مريرة :

خسرت حق السؤال ده من زمان، كان المفروض تسألني لما جيتلك لندن وما رضيتش تقابلني، كان المفروض تسأل لما أنا وإخواتك كنا بنتصل بيك نطمن عليك وانت حتى ماكلفتش نفسك ترد، وتطمنا، خسرت حق السؤال ده وخسرت حاجات كتيرة اوي


تجاهل يوسف كلماته، وسأل بهدوء مرة أخرى :

ابوك فين؟


اشتعل مروان غضبًا، وتقدم نحوه بخطوات سريعة :

بتسأل ليه؟ ناوي تعمل فيهم إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملته قبل كده، ناوي توجعهم أكتر، لسه النار اللي جواك مابردتش، ناوي تخسرنا اي تاني، اللي يخلي تكتفي، ويطفي النار اللي انت مشعللها جواك بسبب اوهام 


ارتفع صوت يوسف وقد بدأ الغضب يسيطر عليه :

خليك بره الموضوع يا مروان، مالكش دعوة


صرخ عليه مروان بمرارةٍ أكبر : 

بره الموضوع !!

انت اللي خليتنا انا واخواتك جوه الموضوع، دخلتنا جواه لما شيلتنا الليلة مع ابوك وامك حتى لو ظلم، شيلتنا الليلة لما رميت كل حاجة ورا ضهرك وشعللت الدنيا بين الكل، وضيعت سعادتنا، انت اناني، غبي، ومتستاهلش ليلى ولا كل الحب اللي بتحبه ليك


رد عليه يوسف بحدة وهو يحاول كبح أعصابه :

رد عليا احسنلك يا مروان مش وقت الكلام ده.....ابوك فين 


دفعه مروان بصدره بغضب :

ولو ما ردتش؟ هتعمل إيه يعني؟


تنفس يوسف بعنف، وصوته ارتجف من شدة الضغط الذي يشعر به الآن :

مروان، أنا على آخري.....ما تخلينيش أغلط


ضحك مروان بسخرية، وقال بتحدي وغضب :

لا، اغلط، وريني هتعمل ايه يا كبير


في لحظةٍ واحدة، فقد يوسف سيطرته، ولكمه بقوةٍ في صدره


#الفصل_العاشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

كانت الغرفة يغمرها صمتٌ ثقيل، وقف بدر بجوار الفراش، عيناه معلقة بـحياة وهي ما تزال فاقدة الوعي، بينما الطبيبة تفحصها بعناية !!!


أنهت الطبيبة الكشف، ثم التفتت إليه قائلة بهدوء وهي تخرج من الغرفة :

المدام عندها انهيار عصبي، لازم ترتاح تمامًا وتبعد عن أي ضغطٍ نفسي الفترة دي، ويستحسن كمان تغير جو 


أومأ بدر بجدية دون حديث، وفي عينيه مزيج من القلق والعتاب، نظر إلى ابنائه بغضب مشتعل 


كان يوسف يقف مطأطئ الرأس، ومروان يحدق في الأرض صامتًا، ارتسم على وجه بدر ملامح القرف والغضب


تحرك بخطواتٍ ثابتة نحو الغرفة المجاورة، حيث كانت غنوة، والطبيبة الثانية تُجري اللازم بمساعدة طاقمٍ من الممرضات


بعد دقائق، خرجت الطبيبة وقالت بهدوء :

الحمد لله الجرح ماكانش عميق، رغم إنه في منطقة حساسة جدًا، احنا وقفنا النزيف وخيطناه، وعملنا اللازم،

بس البنت تغذيتها ضعيفة جدًا، وجسمها مرهق، وده مش كويس مع الجرح، لازم تهتموا بأكلها وراحتها، وتفضل في السرير كام يوم عشان مش هتقدر تقوم لوحدها، الجرح هيسبب ليها اغماء اول كام يوم،

هنبعث ممرضة كل يوم تغير لها على الجرح إن شاء الله


أومأ بدر شاكرًا، وصوته بالكاد خرج :

شكرًا يا دكتورة


ثم أمر من الحارس ان يوصل الطبيبة، ويأتي لالأدوية التي طلبتها، ثم التفت لأولاده الواقفين في الممر بخزى مما فعلوا


نظر بدر إليهم بنظرة، كانت كفيلة ان تبث الخوف في قلوبهما

خطا بخطوةٍ للأمام، ثم فجأة ارتفع صوت صفعتين عنيفتين، نزلتا على صدغي يوسف.......ومروان !!


صارخًا عليهم بغضب :

أمكم ربيتكم وكبرتكم عشان توصلوها لكده؟!

عايزين تضيعوا أمكم، وانت يا كبير، ناوي تعمل فيها إيه تاني، بأنانيتك وغباوتك، والبنت المسكينة اللي جوه دي، كانت هتروح فيها بسببكم، أنا لأول مرة في حياتي أقولها، أنا معرفتش أربيكم !!!


قالها بصوتٍ مكسور، وملامحه مزيج من الغضب والحسرة، ثم استدار ودخل غرفة حياة، مغلقًا الباب خلفه بقوة


بقي الأبناء واقفين مكانهم، يحدق كلاً منهم في الفراغ، لكن في الأخير دخلت عشق برفقة مروان، وعاصم، إلى غرفة غنوة ليطمئنوا عليها، وتركوا يوسف وحيدًا، يحدق في أرجاء المكان بعينين غارقتين في الندم، وأنفاسٍ تختنق داخل صدره، لم يعد يدري إلى أين يذهب أو من يمكنه أن يبوح له بما يثقل قلبه

شعورٌ خانق يلتف حوله، وهمومه تتكدس يومًا بعد يوم تكاد تخنقه !!


تحركت قدماه دون وعي، ساقاه تقودانه إلى مكانٍ ما لم يتخيل يومًا أن يذهب إليه في مثل هذه الظروف، لكن قلبه كان يلح عليه بأن راحته هناك !!!


في الغرفة المقابلة، كانت غنوة ما تزال فاقدة الوعي،

خرج عاصم وعشق بصمتٍ ثقيل، بينما تظاهر مروان بأنه يغادر أيضًا، ثم توقف عند الباب، وعاد بخطواتٍ مترددة نحوها


جلس إلى جوارها، يحدق في ملامحها الشاحبة، هامسًا بندم :

أنا آسف


ظل يتأملها للحظاتٍ طويلة، ثم نهض ببطء، وخرج بخطواتٍ مثقلة بالحزن، يتساءل متى ينتهي كل ذلك الحزن، متى يعود كل شيء كالسابق !!!!!

............

كانت شدوى جالسة بجانب سرير فيروز في غرفة المستشفى، تنظر إليها بعينين ملؤهما الحنان والندن، وهي تعلم حقيقةً واحدةً لا يعرفها الآخرون أنها لم تخن شقيقتها مع خطيبها 

بل كانت التهمة ملفّقة منذ زمنٍ طويل، ليتها تعلم انها فعلت ذلك لتحميها، ولا لتجرحها !!!


كان سليم واقفًا على مقربة، يضع يده في جيب سرواله نظراته شاردة بشدوى، وفيروز...... وبالأخص فيروز !!!


التفتت شدوى إليه وقد علت عيونها الدموع وهي تقول :

كتر خيرك يا باشا، بلاش تتعب نفسك، روح أنت، أنا هقوم بالباقي


لم يرد عليها سليم، ثم جلس بهدوء على الكرسي المقابل، زفرت شدوى بغيظٍ  لو لم  يساعدها منذ قليل، لكانت فقدت أعصابها عليه، جلست على الأريكة حتى غلبها النعاس من التعب، أما سليم، فبقي سهرانًا، أطفأ الأنوار عدا ضوءٍ جانبي خافت، وعيونه لا تفارق فيروز التي بدا لها وجهها في ضوء المصباح أجمل وأغرب، وشعرها الأسود كالليل منبسطٌ على الوسادة بنعومة !!


لم يعرف لماذا بقي ولم يذهب، ولكن قناعته كانت أن الواجب يقتضي أن يبقى بجوار زوجته حتى لو كان زواجًا عرفيًّا


نام على الأريكة الأخرى مستغربًا من نفسه، واستيقظ لاحقًا على همسٍ من فيروز :

عطشانة.....عطشانة


نهض برفقٍ وصب لها كوب ماء، وقربه إلى شفتيها، شربت ببطء، ثم تحسس سليم جبينها ليطمئن أن الحمى أخفت قليلًا عما كانت عليه البارحة


في تلك اللحظة فتحت فيروز عينيها، لمحت رجلاً قريبًا يضع كفه على وجهها بطريقةٍ أثارت ذعرها، صرخت بعلو صوتها، فهرعت نحوها شدوى من نومها تسألها بقلق :

مالك يا فيروز، حاسة بأيه، لسه تعبانة !!!


تحسست فيروز شعرها بقلقٍ وقالت بحدة :

فين حجابي، إزاي تسيبيني قعدة في أوضة واحدة مع واحد زي ده ومن غير طرحه كمان نسيتي اني محجبة


ردت عليها شدوى بضيقٍ ونفاذ صبر :

احنا كنا في اي ولا في اي، انتي كنتي بتفرفري امبارح مننا


نظرت اليها فيروز بغيظ وقالت بقرف :

هستنى إيه منك يا بنت كريمة


ثم التفتت إلى سليم بغيظٍ لا يخفى وقالت :

صاحبك الواطي، صحيت ولقيته حاطط إيده على وشي، طلعيه بره، واطلعي انتي كمان معاه هاتي حاجة استر بيها نفسي، بس الأول قوليلي أنا فيا ايه.....؟!


جزت شدوى أسنانها وأجابت بلهجةٍ حادة :

يا ريتني كنت سيبتك تولعي، لسانك طويل، يا بت قولي شكراً ولا حتى كلمة عدلة، طول عمرك لسانك متبري منك زي أبوكي


ردت عليها فيروز بغصبٍ متصاعد :

أبويا برده، على العموم بلاش نفتح في الكلام هنا، لينا بيت يلمنا 


ثم التفتت لسليم بنبرة اتهامٍ ساخطة :

شكلك ناسي اللي عملته فيك آخر مرة، بقى يا سافل يا اللي مترتبش ماطولتش اختي، فبتتحرش بيا، وأنا نايمة


نظرةُ سليم كانت هادئةً بجمودٍ استفز فيروز، واقترب منها بخطوات ثابتة، ملاصقًا لوجهها وهو يقول بصوتٍ منخفض لكنه مليء بالوعيد :

الحساب بينا لسه ما خلصش، قومي كده وشدي حيلك، يا قطة، هنتحاسب على رواق لما تطلعي، أنا ما بحبش آخد حقي من الضعيف، عايزك بكل قوتك، زي لما ضربتيني المرة اللي فاتت


تركها ومشى، تاركًا أثرًا من الاشمئزاز والذعر في صدري الفتاتين، زفرت شدوى بغيظٍ ونظرت إلى فيروز قائلة بحدة :

حلال فيكم اللى بتعملوه في بعض، مستفزين، وأنا اللي في النص بينكم الله يعيني


نظرت إليها فيروز بامتعاض واحتقانا، ثم خرجت شدوى من الغرفة تنادي الطبيب، متجاهلة رسائل نوح التي انهالت عليها منذ الصباح، عليها ان تنفذ ما طلبه منها خلال يومين، وإلا سينشر تلك الفيديوهات، ويرسلها لعائلتها بالصعيد حينها فقط ستكون في عداد الأموات !!!

...........

كان يونس يسير بخطواتٍ حذرة في أرجاء النادي، وقد أخفى ملامحه تمامًا تحت غطاء "هودي" أسود، لا يُرى منه سوى بريق عينيه القلقتين الهواء كان عليلًا، يحرك أوراق الأشجار التي تحيط بالممر الطويل، فيما كان عقله يدور في دوامة من الأسئلة والشكوك


اتصلت به امرأة منذ قليل، قالت له بصوتٍ غامض إنها تحمل ما يبحث عنه......عقد زواج قمر ونوح العرفي


ولم يكد يونس يلتقط أنفاسه حتى لمح من بعيد امرأة مسنة تمشي بخطواتٍ ثابتة، وبجوارها فتاة شابة

لكن ما إن اقترب منهما حتى تجمد مكانه، من صدمته

الفتاة كانت بسمة، أخت نــوح !!!


اقتربت بسمة ببطء، وسارت إلى جانبه دون أن تنطق بكلمة، بينما سبقتها السيدة المسنة بالكلام"سهير" وهي تحدثه بنبرةٍ جادة وعجلة :

ده ورق الجواز العرفي اللي كان مع نوح باشا، إياك تجيب سيرتنا، ولا حتى تقول إن الأنسة بسمة هي اللي سلمتك الورق، خد بالك لازم تلحق تتصرف بسرعة، عشان نوح باشا سافر وهيرجع بعد شهر، وأول ما يرجع ناوي يروح لأدهم الجارحي ويفضح بنته


قالتها السيدة سهير ومضت هي وبسمة دون التفات،

أما يونس، فوقف في منتصف الممر، يحدق في الورق الذي بين يديه بعينين مثقلتين بالضيق والتفكير......

النسيم مر على وجهه كأنه يوقظه من شروده، لكنه لم يتحرك

كل ما يدور في ذهنه الآن هو أن الورق صار بين يديه، لكن ماذا بعد، الأمر لم ينتهي هنا فقط !!!!


على الجهة الأخرى، كانت بسمة تمشي بجوار سهير بصمتٍ ثقيل، بينما عقلها يعيد المشهد مرارًا

لم تصدق أنّها استطاعت أن تُقنع أخاها بالخروج من جدران الفيلا الخانقة

نوح كان قد شدد على المربية ألا تدعها تخرج مطلقًا، وألا تتركها وحدها لحظة واحدة، لكنها اليوم خرجت، مضطرة

لو لم تفعل، لما خرجت سهير من البيت أصلًا


تنهدت بخفوتٍ وهي تراقب الطريق، تشعر بشيءٍ من الراحة لأنها فعلت ما تعتقد أنه الصواب

شقيقها يجب أن يفيق، أن يعرف الحقيقة، أن يرى كم أخطأ

لكن ما يعذبها أكثر من كل شيء، أنها لا تستطيع الكلام،

كم كانت تتمنى لو تستطيع أن تشرح له، أن تبرر، أن تصرخ في وجهه لتقول له ما يعجز صوتها عن النطق به !!!!

..........

كانت صافي تقف من بعيد، تختبئ خلف أحد الأشجار في حديقة الفيلا، تراقب إياد ووالده الجالسين مع أبيها آدم، واعمامها أوس، ريان، وأمير


عيناها كانت مليئتين بالقلق، تخاف أن يتفوه إياد بكلمةٍ خاطئة، أو أن يقول سببًا آخر لقدومه ذاك اليوم، فقد نسيت تمامًا أن تخبره بما حدث

كانت تخشى أن يكذب كذبةً توقعهما معًا في مأزق، والأدهى من ذلك أن أباها لو علم الحقيقة لن يغفر لها أبدًا


أما في الجلسة، فقد بدأ آدم الحديث بهدوءٍ يخفي وراءه الكثير :

احكيلي يا إياد، إيه اللي حصل بالظبط يومها؟


رد عليه إياد بثبات :

انا معرفش أي حاجة، كنت في مكتبي، وسمعت صوت الموظفين، خرجت لقيتها واقعة على الأرض، شيلتها، واخدتها المستشفى، غير كده معرفش حاجة !!


ظل آدم صامتًا يستمع له، حتى أنهى إياد كلامه، ثم قال ببرودٍ مقصود :

كل اللي حصل صدفة مش اكتر 


رفع آدم نظره إليه بصرامةٍ ونبرةٍ تحمل معنىً خفيًا فهمه اياد على الفور :

تمام، بس أتمنى الصدف دي ما تتكررش تاني


تدخل جلال، والد إياد، قائلاً بضيـق واضح :

قصدك إيه يا آدم؟


رد عليه آدم بهدوءٍ وغموضٍ أثار التوتر في نفوس الجميع :

ابنك عارف أنا قصدي إيه كويس يا جلال


نطق إياد بعدها بثقةٍ ظاهرة تخفي ارتباكه  من ادم :

وعشان أنا عارف.....بطلب بنت حضرتك للجواز


ساد الصمت التام !!!

لكن آدم لم يُبدي أي انفعال، واكتفى بنظرةٍ هادئةٍ نحو إياد، بينما جلال قال بفرحةٍ خافتة ان ابنه اختار فتاة مثل صافي ليتزوجها بعيدًا عن المستنقع الذي كان به :

إيه رأيك يا آدم؟ 


رد عليه آدم بنبرةٍ صارمة وعيناه لا تفارقان إياد :

معنديش بنات للجواز


عبس وجه جلال وقال بغضب :

جرى إيه يا آدم، من ساعة ما دخلنا وانت بتتكلم بأسلوب غريب، ونظراتك غريبة، كأنك بتحقق مع ابني

ابني لو كان غلط في بنتك ما كانش أنقذها بنفسه ووداها المستشفى، واظن تقدر تسأل بنتك، وهي تقولك الحقيقة، ابني جالك بكل أدب وطلبها، وانت حتى ماقولتش إنك هتفكر أو هتاخد رأيها، أنا مش فاهم في اي الصراحة


تدخل ريان محاولًا تهدئة الموقف :

اهدى يا جلال، آدم ميقصدش، هو بس متوتر من اللي حصل لصافي، وحقه يقلق عليها 


لكن جلال لم يهدأ، وصاح بعصبية :

وحقي أنا كمان أدافع عن ابني، وما أقبلش كلمة عليه، لأنه ما غلطش


رفع إياد نظره إلى آدم وقال بجدية، ونبرة متماسكة :

انا بكرر طلبي تاني، انا عاوز أتجوز بنتك......ليه ترفضني


أجابه آدم بنبرةٍ حادة، صارمة :

وليه أقبل بيك؟ أجوز بنتي لواحد عاش حياته ما سبش حاجة حرام إلا وعملها ليه، زنى، لعب قمار، والكاس دايمًا في إيده، حتى شغل ما بيشتغلش، عايش على فلوس أبوه

ليه أسلم بنتي اللي تستاهل زينة الشباب، لواحد زيك؟ بنتي تستاهل واحد يعرف ربنا، ويتقي الله فيها 


صمت إياد للحظة، الحسرة تنهش قلبه، وبعينٍ مكسورة نظر لأبيه الذي أدرك الوجع لكنه لم يجد ما يقوله

رفع إياد رأسه بعدها وقال بهدوءٍ غريب، يخفي به نارًا متأججة :

عندك حق، أنا لو مكانك كنت قولت نفس الكلام، ويمكن أكتر، بس اللوم لا عليا، ولا عليك.......


أنهى كلماته وذهب، بينما على مقربة منهم، كانت صافي تقف تستمع لكل ما قيل دون أن يشعر بها أحد، وبجانبها جوان

انهمرت دمعة من عينيها بتأثرٍ وهي تراه يبتعد، ودمعة أخرى نزلت من عينه هو قبل أن يمسحها سريعًا !!!!


كانت صافي مقتنعة في عقلها بكل كلمةٍ قالها والدها،

لكن قلبها.....

كان يتمزق وجعًا عليه

إياد دخل حياتها وأربك كل موازينها

لأول مرة تشعر بغرابةٍ تجاه نفسها،

ولأول مرة تحب الخطأ، وتخاف أن تصححه

كانت تعرف أن الوقوع في حب رجلٍ مثل إياد أكبر خطأ

لكنها ببساطة.....أحبت هذا الخطأ !!!

...........

كانت عشق في غرفتها، تجلس على حافة السرير، ويديها على وجنتيها تتحسسهما بخجل، بينما كانت دقات قلبها كانت تقرع كالطبول، ما زالت تتذكر ما فعله مالك حين زارهم، والموقف الذي تلاه.....

مشهدٌ ما زال يثير في داخلها مزيجًا من الحياء والارتباك


عودة بالوقت إلى اخر لقاء بينهما.......


كانت عشق جالسة في غرفة المعيشة، تتابع فيلمها المفضل "حب البنات" ذاك الفيلم الذي لم تمل يومًا من مشاهدته كانت تبتسم كالمراهقة وهي تتابع بهيام مشهدًا فيه البطل يغني للبطلة برومانسيةٍ طاغية، وعيناها تلمعان بلمحة حب


في تلك اللحظة، انفتح الباب بهدوء، ودخل مالك الذي ما إن لمحها حتى ابتسم واقترب بخطواتٍ واثقة وجلس إلى جوارها، فانتفضت عشق من مكانها بفزع وقالت :

مش تقول السلام عليكم ولا مساء الخير، حد يخض حد كده


رد عليها مالك وهو ينظر إليها بنظرة هيام :

وهو في حد يخطف قلب حد كده


احمر وجهها، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة حاولت إخفاءها فقالت بحدةٍ خفيفة :

ماما بره في الجنينية


ابتسم مالك بمشاكسة وقال :

لا، أنا جاي لبنتها


ردت عليه عشق وهي تُرجع خصلةً من شعرها خلف أذنها، لكنها انسابت بنعومة على وجهها من جديد :

خير يا مالك؟ عاوز إيه؟


أجابها مالك وهو يتكئ للأمام واضعًا يديه أسفل رأسه، وما زال يحدق بعينيها :

عاوز قلبك يحن عليا بقى


ارتجفت شفتاها ولم تعرف بماذا ترد، وقفت لتذهب من امامه، لكن مالك سبقها، وقف سريعًا وجذبها لتقف أمامه وقال برجاءٍ صادق '

ايه اللي مخليكي بتهربي مني كده، يعني يوم ما أقدر أتكلم وأقول اللي في قلبي، تهربي مني، قوليلي إنك بتحبيني زي ما بحبك يا عشق، ليه كل اللف والدوران ده


ردت عليه عشق بصوتٍ مترددٍ يقطعه الوجع، تتوارى خلف صمتها، كانت تهرب منه، لا منه وحده، بل من كل ما يُربك نبضها ويعصف باتزانها


رغم كل ما قالته لحمزة، وكل ما حاولت أن توهم به نفسها من حزمٍ وقرار، إلا أن قلبها ظل عالقًا بين حقيقةٍ تخشاها ورجلٍ لا تستطيع الفكاك منه


تعرف تمامًا أن مالك لو علم بما أخفته عنه، فلن يغفر لها، وأن لحظة اعترافٍ واحدة قد تكتب نهاية كل شيء


حيرتها كانت أعمق من أن تُروى، وصمتها كان ملاذها الوحيد من طوفان الأسئلة


خالها لم يقصر، وهي تعذره، تعلم أن أعباءه أكبر من أن تُحمل

أما والديها، فهما بهما جرحٌ لا يندمل، أرهقهما الحزن حتى انحنى بهما الضعف، يكفيهما ما خلفه يوسف من وجعٍ نازفٍ في الروح، ولأنها لم تعد تقوى على حمل كل ذلك، رأت في الرحيل نجاةً مؤقتة، هروبًا لا من الواقع فقط، بل من نفسها أيضًا !!


كانت على وشك أن تمضي حين اعترض مالك طريقها، وعيناه تفيض بما يعجز اللسان عن قوله، فاقترب منها بخفوتٍ يميل إلى الرجاء وقال :

كفاية بقى يا عشق، قوليلي انا عملت ايه، عشان تهربي مني كده طول الوقت


لم تكن تملك رفاهية أن تعيش الحب وسط كل هذا !!!


قالت عشق بصوتٍ مرتجف :

سيبني يا مالك، عشان خاطري، متصعبهاش عليا


سألها مالك بدهشةٍ حقيقية :

اصعب عليكي إيه بالظبط؟ إيه اللي بيحصل يا عشق؟


نظرت إليه بعينين يملؤهما الإرهاق وقالت بكلماتٍ خرجت رغمًا عنها، مهما حاولت التماسك لكنها انهارت وانتهى :

اللي بيحصل إني بحبك يا مالك


توسعت ابتسامته، وأشرق وجهه كطفلٍ نال حلواه، قبل أن تستوعب ما يحدث، كان قد رفعها بين ذراعيه ودار بها بحبٍ وفرحٍ طفولي، ثم قبل وجنتيها الاثنتين قبلةً مليئة بالعشق......والجنون !!!


لكن الفرحة لم تكتمل…..

اتسعت عيناها بصدمةٍ عندما رأت أباها بدر واقفًا على بُعد خطواتٍ منهما، بجواره إلياس، وخلفهما حياة وسارة التي كانت تضحك وهي تتوقع الكارثة القادمة


التفت مالك لما تنظر إليه، وحين رأى الجميع، ابتلع ريقه بصعوبة، وصرخ بدر بصوتٍ غاضبٍ كالرعد :

إنت بتعمل إيه يا حيوان؟!


في تلك اللحظة، كان مالك على وشك الركض، لكن صرخة عشق أوقفته في مكانه !!!


التفت بفزع، ليجد خصلات شعرها الطويل قد تشابكت في ساعته حين كان يحملها قبل لحظات، فحبس أنفاسه للحظة، لا يعرف أيسحبها أم يتركها، لم يكن أمامه سوى خيارٍ واحد أن يركضا معًا، ويلتفّا معًا حول تلك الأريكة بعيدًا عن بدر الذي بدا كالثور الهائج


كان المنظر مضحك جدًا عند عشق ومالك وهما يركضان بتلك الطريقة، متلاصقان !!


في اللحظة نفسها، كان بدر يركض نحوه غاضبًا كالثور، بينما حاول إلياس أن يمنعه لكن دون جدوى !!!


قال مالك وهو يحاول أن يفك شعر عشق من ساعته قبل أن يصل إليه بدر :

هتجوزها، والله العظيم هتجوزها


انفك الشعر أخيرًا، وفي اللحظة التي كاد فيها بدر أن يمسك به، حمل مالك عمته بخفة بين ذراعيه وقال بصوتٍ فيه ذعرٌ مضحك :

لو جريت ورايا، هجري بعمتي، وعمتي هتدوخ وتتعب، والله هعملها لو قربت


انفجرت سارة بالضحك قائلة بمرح :

جدع يا مالك


ضحك إلياس وهو يمسك بدر محاولًا تهدئته، لكن بدر صرخ بعنف وغيرة مجنونة :

سيب عمتك يا حيوان، ابعد إيدك عنها


دفع بدر إلياس، واندفع نحو مالك، الذي بدأ يتراجع خطوةً بخطوة، محتضنًا عمته بخوف


جز بدر على أسنانه وقال بغضبٍ أعمى :

بقى بتبوس بنتي يا ابن ال......


لكن حياة صاحت بحدة :

أوس متشتمش أخويا


رد عليها بدر بعصبية، وغضب أعمى :

هي مش هتيجي على أخوكي بس، أنا هشتم العيلة كلها نفر نفر، الحيوان بيبوس بنتي وفي بيتي


ارتفع حاجبا حياة وقالت بسخرية :

اسم الله عليك يا حبيبي، ما إنت عملتها معايا، في قلب بيت ابوه، واعمامه، ان كنت نسيت افكرك


زمجر بدر بحدةٍ أكبر، فصفر مالك بخفة ظلٍ وقال بمكر :

واضح كده إنك كنت خلبوص كبير يا جوز عمتي، طب ما زي ما عيشت زمان، سيب غيرك يعيش، ليه قطع الأرزاق ده


ضحك الجميع، حتى الذين حاولوا التماسك، قبل أن يُنزل مالك عمته بسرعة بعد أن لمح الشرر في عيني بدر، وفي أقل من ثانية، كان مالك قد انطلق يعدو في أرجاء الفيلا، وبدر خلفه كالبرق، حتى أمسك به بدر أخيرًا، وانهال عليه ضربًا رغم سنه الكبير، إلا انه مازال محتفظًا بلياقته


انفجر الجميع بالضحك على مالك، الذي كان يحاول التصدي لضربات بدر قائلاً بذعر :

هصلح غلطتي، أقسم بالله هتجوزها.....هتجوزها


أما عشق، فكانت تقف في زاوية المكان، وحرارة الخجل تتصاعد إلى وجهها حتى كادت تنصهر حرفيًا من شدة الحرج

............

اشتعل الغضب في عروق وليد ما إن فتح هاتفه ورأى الخبر المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، زواج يوسف الجارحي من ريما !!!!


كاد ان يصاب بالجنون، عروقه انتفضت، وملامحه تحولت في لحظة إلى بركانٍ يغلي !!!!


اندفع بسيارته نحو النادي، المكان الذي اعتادت ريما الجلوس فيه، وبمجرد أن لمحها، لم يتمالك نفسه، تقدم بخطواتٍ سريعة وجذبها بعنف من يدها، ودفعها داخل غرفة جانبية تشبه المخزن، ثم أغلق الباب خلفه وصرخ فيها بغضب وجنون بعدما قبض على ذراعيها بعنف :

عملتي اللي في دماغك يا ريما، هتتجوزي يوسف الجارحي؟!


نظرت له ريما ببرودٍ متعمد، ثم دفعت يده عنها بقسوة وقالت بلامبالاة :

أيوه، هتجوزه......متخافش هبقى ابعتلك دعوة الفرح


جز وليد على أسنانه، وصدره يعلو ويهبط من شدة الغيظ، لكنها تابعت بسخرية لاذعة :

وياريت تبطل بقى الاسطوانة بتاعت كل مرة، نفس الكلام، نفس التهديدات، حافظاها من قبل ما تنطقها، وبعدين يا حبي اللي بيعمل ما بيقولش، واللي يقول ما بيعملش، وانت قولت كتير !!!


ثم اقتربت منه خطوة، وقالت وهي تنظر في عينيه بثقة متحدية اياه :

عايز تروح تقول ليوسف، روح قوله بس ابقى اثبت الأول، يوسف مش هيصدق واحد زيك ويكدب مراته، اخت حبيبته، عشان يصدق واحد أقل حاجة هيقولها جاي غيران عشان اتجوزت خطيبته وعاوز تخرب علينا !!


رمقها وليد بنظرة ملؤها الغل والوعيد، قائلاً بلهجة غاضبة :

لا اطمني، الأسطوانة اتغيرت خلاص، وخدي الجديد بقى لو اتجوزتي يوسف هموته يا ريما، قسماً عظماً لأقتله وأقتلك


جزت ريما على أسنانها، وتحدثت إليه بغضب ووعيد :

لو لمست شعرة منه، أنا اللي هقتلك ومش هرحمك يا وليد


صرخ وليد في وجهها بغضب وعنف، وهو على مشارف الجنون :

أبوكي ازاي يرضى بالوضع ده


ردت عليه ببرود كالجليد، وهي تلف خصلة من شعرها على إصبعها في حركة متعمدة لأستفزازه :

قولتله إني مش مرتاحة معاك وسيبنا بعض، يعني أنت دلوقتي في نظره خطيب بنته السابق


سألها وليد باستيعاب متأخر، وقد أدرك الأمر للتو :

عشان كده مكونتيش عاوزاني أجي بيتكم الأيام اللي فاتت


أجابته ببرود اثار غضبه أكثر :

ما أنت طلعت شاطر أهو.....وبتفهم !!


عندئذ، قبض وليد على عنقها وخنقها من شدة غيظه وجموح غضبه، بينما كانت هي تحاول دفعه بعيداً حتى كادت أن تزهق روحها بين يديه، وبعد لحظات، تركها وليد أخيراً وقال بتهديد :

اسمعي مني يا ريما، والغي كل المسخرة دي، خليها تتلغي بالحسنى أحسن ما ألغيها بطريقتي، وساعتها مش هبقى على حد ولا حتى.....عليكي


قالها واندفع مبتعداً، بينما ظلت ريما تتوعد له، وعقلها يدور في مليون اتجاه، ينسج بخبثه المعهود خططاً ومؤامرات، حتى توصلت إلى فكرة خبيثة تماماً كصاحبتها !!!!!

..............

داخل قصر العمري، كان الجميع يجلسون حول مائدة العشاء، وأصوات الأطباق تختلط بأحاديثٍ جانبية متقطعة

لكن يونس ظل صامتًا، شارداً في القرار الذي اتخذه بعد تفكيرٍ طويل !!!


رفع نظره نحو والده، وقال بصوتٍ حاسم :

بابا، انا عاوز أتجوز قمر بنت عمي أدهم


ساد صمتٌ ثقيل على المائدة، وارتفعت أنظار الجميع نحوه بدهشة، كأنهم لم يستوعبوا ما قاله بعد


أما والده، فظل يحدق فيه لثوانٍ قبل أن يضع الملعقة ببطء على الطاولة، ملامحه جامدة لكن عينيه تشتعلان غضبًا مكبوتًا.....!!!!

............

في المساء، تلقت ليلى رسالة من رقمٍ مجهول، محتواها :

لو عاوزة تعرفي مين اللي قتل أروى، واتبلى عليكي تعالي ع العنوان ده......!!!


تجمدت في مكانها من الصدمة، تسارعت أنفاسها، وبدون تردد ارتدت معطفها وغادرت، كانت كل الخيوط التي جمعتها حتى الآن عاجزة عن كشف القاتل الحقيقي، ذلك الذي دمر عائلتها وجعلها متهمة بجريمةٍ لم ترتكبها


وصلت إلى العنوان، وبخطواتٍ سريعة صعدت الدرج، عندما وقفت أمام باب الشقة، دقت الجرس، لكن لأ أحد يجيب.....

لاحظت أن الباب موارب، فدفعته ببطء ودخلت، تتلفت حولها بتوجسٍ وقلق، وفجأة اتسعت عيناها من هول ما رأت

رجلٌ ممددٌ على الأرض، غارقٌ في دمائه، وسكينٌ مغروسٌ في صدره !!


تقدمت ليلى بخطواتٍ مرتعشة، وجسدها ينتفض من الفزع، انحنت محاولةً أن تتحسس نبضه، وفي غمرة صدمتها لم تشعر إلا ويدها تلمس السكين.....


لم تمضي ثوانٍ حتى دوى صوت الأقدام في المكان، واقتحمت عناصر الشرطة الشقة من كل جانب، مصوبين أسلحتهم تجاه ليلى الراكعة بجانب الجثة، ويدها الملطخة بالدماء على السكين !!!!!!

............


#الفصل_الحادي_عشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

دخلت مهرة على ابنها حمزة، فوجدته جالسًا في غرفته، تتصاعد من ملامحه نيران الغضب، كان يغلي من الداخل كالبركان، كل ما يفكر فيه هو عشق، تلك الفتاة التي تجرأت على رفضه، تربى على يد أمً لا تسمح لأحد أن يقول له لا فكانت الكلمة في حد ذاتها جرحًا لكرامته المريضة، ازداد تعلقه بعشق لا رغبةً فيها، بل رغبةً في إذلالها، أن يراها منكسة الرأس أمامه، بل هي من ترجوه أن يتزوجها  !!


لم يكن بحاجة إلى التفكير طويلًا، فوالدته دخلت عليه في تلك اللحظة، بعينين تبرقان خبثًا، وابتسامةٍ تحمل مكرًا دفينًا، اقتربت منه بخطواتٍ ثابتة وقالت بصوتٍ خافت :

عاوز تتجوز بنت حياة...؟!


رفع رأسه بصدمةٍ، وحدق فيها بدهشة :

عرفتي منين؟


لم تُجبه، بل جلست بجانبه على السرير، وقالت بنبرةٍ تحمل السم في طياتها :

هجوزها ليك بس بشرط.....


ظل يحدق فيها في صمتٍ، كل انتباهه منصب على ملامحها، فأردفت مهرة بغل واضح :

تذلها يا حمزة، ماتخليهاش تعيش يوم واحد مرتاحة، عاوزاها تروح لأمها مكسورة، مقهورة، زي ما أنا اتقهرت بسبب حياة، حياة اللي حرضت أبوك عليا، وخليته يكرهني،

أنا عاوزة بنتها تدفع التمن، عاوزة اشوفها محروق قلبها على بنتها زي ما أنا قلبي اتحرق على بنتي بسبب ابنها،

بس لو ناوي تطلع قلب رهيف زي أخوك، وتسيبها تركب تدلدل، يبقى بلاها من الأول


اشتعلت ملامحه، ورد عليها بتهكم :

أنا ما اتعودتش حد يقولي لا،  وهي رفضتني، يبقى تستاهل اللي هيحصلها !!!


ارتسمت على وجه مهرة ابتسامة خبيثة، وقالت وهي تقترب منه أكثر :

تمام اسمع بقى الخطة، ونفذ اللي هقولك عليه بالحرف


بدأت تسرد عليه خطتها بعناية، كلامها يقطر حقدًا، ومع كل حرفٍ يخرج من فمها، كانت الدهشة ترتسم على ملامحه أكثر، للحظةٍ قصيرة شعر بالخوف منها، بالخطر الذي يسكنها، وفهم تمامًا من أين جاء بكل ذلك الغل داخله !!


كان يدرك الآن أن ما هو عليه لم يأتي صدفة،

فأبوه أهمله حتى الانطفاء، وأمه ربته على الحقد حتى الاختناق !!!!

............

سيطر الهلع على الجميع حين انتشر خبر القبض على ليلى بتهمة قتلٍ مروعة، هرع رجال العائلة جميعًا إلى القسم والقلق يعتصر قلوبهم


أما ليلى، فما إن وقع بصرها على والدها حتى اندفعت نحوه بخطواتٍ متعثرة، عيناها زائغتان، وصوتها مختنق بالرعب الذي لايزال ينهشها منذ أن رأت الجثة

انفجرت بالبكاء هذه المرة، بكاءٍ خافتٍ لم تستطع كبته، وهي تقول بارتجاف :

أنا ماعملتش حاجة يا بابا، والله ماعملت حاجة، معرفش مين ده أصلاً جاتلي رسالة على الموبايل من رقم غريب، بيقولي لو عايزة تعرفي مين اللي قتل أروى، تعالي العنوان ده، أول ما دخلت، لقيت الراجل واقع قدامي، مش عارفة ميت ولا عايش، والله ما لحقت أعمل حاجة، لحظة ولقيت البوليس حواليا وجابوني على هنا


انكفأ وجهها بين كفيها تبكي، وارتجف جسدها من الخوف

في تلك اللحظة، دخل يوسف، ملامحه جامدة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، كان قد ذهب يبحث عنها في الفيلا، وحين لم يجدها، أدرك الكارثة بعدما انتشر الخبر على مواقع التواصل

تلاقت نظراتهما في صمتٍ طويل، صمتٍ يصرخ بكل ما لم يُقال، ثم وبدون تردد، جذبها يوسف من يدها بصمت، تبعهما شريف ابن عمها ريان الذي سيتولى قضيتها، مع حمزة شقيقها ليفرغ لهما غرفة مكتبه ليتحدثا فيها سويًا !!!


دخل يوسف بها إلى غرفة المكتب، وأغلق الباب خلفه، ظلت ليلى صامتة، دموعها تتساقط دون توقف، تحدق فيه بعينين متعبتين، مليئتان بالخوف


توقعت منه أي شيء.......إلا أن يحتضنها هكذا بقوة

كان حضنًا مفعمًا بالوجع، الخيبة، وكل الحزن الذي بقلبهما

ارتجفت بين ذراعيه، وخرجت كلماتها مختنقة :

انا ماعملتش حاجة يا يوسف....أنا بريئة والله


ابتعد عنها ببطء، ثم جلس قبالتها، نظر إليها طويلًا دون أن ينبس بكلمة، عيناه تحكيان غضبًا وحيرة.....وحزنًا

كان الصمت بينهما أثقل من أي كلام !!!


بعد وقتٍ بدا وكأنه دهر، خرج يوسف من المكتب، وجهه شاحب، وملامحه يكسوها الغضب الجامح !!!


سار بخطواتٍ متسارعة، لا يرى أمامه شيئًا.....

الغضبٌ يعمي بصره، كأنه على وشك ارتكاب جريمة أخرى من شدة ما يعتمل في صدره !!!!!!

...........

ساد الهدوء أرجاء الفيلا بعد ليلةٍ طغى عليها الوجع والارتباك، كلٌ عاد إلى بيته يحمل في صدره ثِقَل المصيبة التي حلت، خاصة بعدما أبلغهم المحامي أن ليلى ستُعرض على النيابة صباحًا، فقرر حمزة أن تبقى أخته تلك الليلة في مكتبه لا في الحجز، وبقى معها هو شريف ابن عمهم ريان


دخل مروان إلى الفيلا بصحبة أهله، تبدو على ملامحهم آثار الإرهاق والحزن، وما إن صعدوا الدرج حتى ظهرت أمامهم غنوة التي استفاقت مفزوعة لتجد نفسها في غرفةٍ غير غرفتها، والضماد يلتف حول رأسها


حاولت النهوض لتعود إلى غرفتها في الطابق السفلي، لكن ما إن خرجت حتى باغتها الدوار، وما ان لمحتهم على السلم حاولت أن تتحدث، لكن جسدها خانها، فترنحت وكادت ان تسقط، لولا أن مروان اندفع نحوها بخوفٍ تلقائي، حملها بين ذراعيه ومددها على الفراش وهو يقول بقلقٍ ممزوجٍ بالعتاب :

ايه اللي قومك من السرير وانتي حالتك كده.....؟!!


ردت عليه غنوة بصوتٍ مبحوح، وعينيها نصف مغلقتين من شدة التعب :

كنت هنزل أوضتي تحت


اقتربت عشق وساعدت أخاها في تعديل الغطاء فوقها، بينما وقفت حياة تنظر إليها بحزنٍ عميق، وقد بدت منهكة من صدمات اليوم كله، كانت أول من تلقى اتصال مهرة التي فتحت عليها أبواب اللوم والاتهام دون أن تدري حتى من المقتول، فقط تلومها على أي شيء.......


تنهدت حياة وقالت بقهر وهي تنظر لغنوة :

حقك عليا أنا يا بنتي، أنا الغلطانة مش حد تاني، أنا اللي معرفتش اربي ولادي الاتنين


ثم غادرت الغرفة مسرعة تتبعها نظرات الخزي في عيني مروان، ثم لحقها بدر وعاصم، تاركين خلفهم صمتًا مثقلاً بالمرارة !!!


ربتت عشق على كتف مروان برفق، ثم التفتت نحو غنوة قائلة بلطف :

ألف سلامة عليكي يا غنوة


ابتسمت غنوة لها بتوترٍ خافت، شاكرة اهتمامها، ثم رحلت عشق وبقي مروان وحده معها، نظر إليها بأسفٍ واضح وقال بصوتٍ خفيض :

أنا آسف ع اللي حصل، والله ما كنتش أقصد خالص


أجابته غنوة برقةٍ رغم الإرهاق المسيطر عليها :

محصلش حاجة......بس ممكن أسأل سؤال؟


أومأ بصمت، فتابعت بترددٍ واضح :

أنا ماكنتش أعرف إن اللي كنت بتتخانق معاه ده أخوك، غير دلوقتي لما والدتك قالت ولادي، ليه كنتوا بتتخانقوا بالشكل ده؟ أنا خوفت جدًا لما شوفتكم كده


تنهد مروان بعمق، وبدت في عينيه مرارة السنين وهو يقول بحزنٍ دفين :

قصة طويلة أوي، شيطانة دخلت بينا ودمرت كل حاجة، اللي أبويا وأمي بنوه في سنين، راح في لحظة بسببها، دخلت بيتنا، فرقت اخويا يوسف عن اهله، وبعدها بين كل العيلة، عاشت وماتت مؤذية، محدش يعرف لحد دلوقتي السر اللي أنا مخبيه......مرضتش أزود النار بينا اكتر


ردت عليها غنوة بحزن، وفضول :

وإيه اللي أنت مخبيه؟


أدرك مروان حينها أنه قال أكثر مما يجب، فتنحنح بحرجٍ محاولًا تغيير الحديث، وقال سريعًا :

انتي كويسة؟ حاسة بأي تعب؟


حركت غنوة رأسها نافية، وقد فهمت رغبته في الصمت، فردت عليه بهدوء :

انا كويسة، الحمد لله


اقترب مروان وساعدها على الاستلقاء من جديد، وسوى الغطاء فوقها بحنان، وحين هم بالمغادرة، علِق جزءٌ من شعرها في زر قميصه، فشهقت غنوة من الألم، انحنى مروان بسرعة ليفكه بحذر، لكن قربه المفاجئ أربكها، فالتقت نظراتهما للحظةٍ مشحونةٍ بالصمت والتوتر، عضت غنوة على شفتها بخجل وأشاحت بوجهها !!!


ابتسم مروان بخفوتٍ، وقال بصوتٍ دافئٍ خافت :

تصبحي على خير


ثم غادر الغرفة بخطواتٍ هادئة، بينما أغمضت غنوة عينيها محاولة ان تتجاهل التفكير به، لكن وجهه ظل عالقًا في ذاكرتها.....كظلٍ يأبى الرحيل !!!!

..............

في صباح اليوم التالي

داخل شركة جلال الخولي، بمكتب فاروق الخولي

تعالت نبرة فاروق وهو يصرخ بنفاد صبر، وحنق :

عمران كان هيقتلني في آخر لحظة، لولا إن الاجتماع اللي هيتحدد فيه مين هيفوز بالمشروع اتأجل، كنت روحت في داهية، الوقت بيجري يا هشام، ومش فاضل غير أسبوعين، أنا غلطت من الأول لما وثقت فيك، قعدت تبيعلي أوهام، وتقول هعمل وهسوي، وفي الآخر لبستني في الحيط، هخسر حياتي بسببك يا زفت


رد عليه هشام ببرود :

مشكلتك يا بابا إنك دايمًا مستعجل، كل حاجة بتيجي في وقتها، بس الصبر، وطالما البِت مجتش باللين، نخليها تيجي بالعافية


تجهم وجه فاروق، وسأله بضيق :

قصدك إيه؟


ابتسم هشام بخبثٍ، ورفع زجاجة صغيرة بين أصابعه، جعلها تلمع تحت ضوء المكتب قبل أن يقول بنبرةٍ ماكرة :

الأول جربنا نخلي صاحبتها تلعب في دماغها عشان تقبل تصاحب اياد، بس مفيش فايدة، طلعت، لامؤاخذة، محترمة، يبقى خلاص اللي ما اتصورش بالرضا، يتصور بالغصب


قطب فاروق حاجبيه، وعيناه تتابعان الزجاجة بفضول :

وإيه اللي في إيدك ده....؟!


القى إليه هشام الزجاجة بابتسامةٍ مريبة، التقطها الأب ونظر إلى ما كُتب عليها، لتتسلل إلى ملامحه ابتسامة مكرٍ، لقد فهم ما يدور بعقل ابنه الآن، عندها، أشعل هشام سيجارة، وسحب منها نفسًا عميقًا ثم نفث الدخان ببرودٍ وثقة :

جهز نفسك يا باشا، عشان تستلم الكرسي مكان أخوك، وكل ده بفضل ابنك


ساد الصمت لحظة، قبل أن يبتسم فاروق ابتسامةً واسعة، يخيل لمن يراه أنه يتذوق طعم انتصارٍ مؤجل، تخيل بعينيه ذلك اليوم الذي يعود فيه مجده المسلوب، حين ينتزع ما سرقه منه أخوه جلال بعد موت والديهما......

أخيرًا، سيسترد حقه المسلوب !!!


على الناحية الأخرى كانت بغرفتها تتذكر ما حدث بالأمس وحديثها مع والدها وكيف كانت واقفة أمامه بتوتر، بينما نظراته الثاقبة تراقب ملامحها بدقة، وهو يقول بصرامة :

فيه حاجة بينك وبين ابن جلال الخولي؟


تلعثمت، وشهقت قبل أن تتظاهر بالدهشة وتردّ بتصنع :

قصدك اللي أنقذني يوم الحادثة؟


أومأ آدم برأسه دون كلام، فتنفست هي باضطرابٍ حاولت إخفاءه وقالت بسرعة :

لا طبعًا، هيكون في إيه بيني وبينه يعني، أنا أصلاً ماشوفتهوش غير مرة واحدة بس


ظل آدم يرمقها بصمت طويل، ثم سألها بنبرةٍ أكثر هدوءًا، احتوائًا :

قوليلي يا صافي، من غير كدب، في حاجة بينك وبينه، طب هو بيضايقك في أي حاجة، متخافيش، واتكلمي


حركت صافي رأسها نفيًا، وقالت بثبات زائف، وهي في الحقيقة تكاد تموت من شدة الرعب :

لا يا بابا، مفيش بيني وبينه أي حاجة خالص


أومأ لها آدم مجددًا، لكن الشك بدأ يتسلل إلى قلبه، يطرق بابه في هدوءٍ خبيث، وكلما فكر أن يراقبها أو يفتش وراءها، تذكر إيمانه، فاستغفر ربه قائلًا في نفسه انه أجاد تربية ابنته التي يستحيل ان تكذب عليه، او تفعل شيئًا خاطئًا !!!


استفاقت من شرودها ثم غادرت البيت تدور بسيارتها في الشوارع بسبب شعورها بالاختناق والتوتر، وفي منتصف اليوم، كانت في النادي، نظراتها تتنقل بلهفة بين الوجوه، تبحث عن إياد، لكن لا أثر له، اقترب منها هشام بخطواتٍ متمهلة، وقال بمكرٍ ظاهر على ملامحه :

مجاش


تجهمت ونظرت إليه بحدة :

هو مين اللي مجاش؟


ابتسم هشام بسخريةٍ خفيفة ورد عليها ببرودٍ مستفز :

اللي بتدوري عليه من ساعة ما جيتي النادي..... إياد ابن عمي !!!


نظرت له صافي ببرودٍ أشد وقالت بحزم، وتعالي :

خليك في حالك يا هشام، وبطل تركز معايا، عشان ما أزعلكش مني جامد


ثم ذهبت بخطواتٍ حادة، بينما تمتم هشام لنفسه بمكر خبيث :

وغلاوتك عندي يا حلوة، أنا اللي هزعلك مني، وجامد أوي كمان


ثم التفت نحو فتاةٍ كانت تراقبه من بعيد، تلك التي كانت قد حرضت صافي من قبل على التقرب من إياد، غمز لها هشام بعينه فأومأت، ثم تحركت بخفةٍ نحو صافي واعترضت طريقها قائلة بحماسٍ مصطنع :

صافي، عيد ميلادي بكرة، لازم تيجي والله، هزعل منك لو ماجيتيش، هعمله الصبح كمان، يعني ما عندكيش أي حجة


أومأت لها صافي بصمتٍ دون اهتمام، ثم تابعت سيرها وهي شاردة، وما إن وصلت لبوابة النادي وركبت سيارتها، حتى لمحت سيارة إياد تدخل من الاتجاه المقابل، التقت العيون، فتوقعت أن يترجل لمحادثتها، لكنه تجاهلها تمامًا، بل افسح لها الطريق لكي تمر  بسيارتها !!!


شعرت صافي بخيبةٍ موجعة، كانت تنتظر منه أن يركض خلفها كعادته، لكن تجاهله أوجعها أكثر مما توقعت


استدارت بسيارتها على الفور، وتبعته، أوقفت سيارتها أمامه ونزلت، لتتواجه النظرات بينهما في صمتٍ طويلٍ متوتر


قال إياد بهدوءٍ جاف :

خير؟


ترددت الكلمات على شفتيها، قبل أن تخرج منها جملةٌ مشحونة بالارتباك والصدق في آنٍ واحد :

شوف أنا.....أنا معرفش نهاية اللي بينا إيه، ولا هينتهي على إيه، ولا حتى اللي بينا ده حب ولا لأ، كل اللي أعرفه إنك غلط كبير بعمله في حياتي، والمصيبة إني حابة الغلط ده، ومش قادرة أسيبه، زيك زي الذنب كل ما أفكر أتوب منه ألاقي نفسي بغرق فيك أكتر، كل اللي عارفاه إني مش عاوزاك تبعد عني


تنهّد إياد، ونظر إليها بعينين تائهتين، ثم قال بهدوءٍ مبحوح :

وانتي قولتيها اهو، قرب واحد زيي منك غلط، وذنب، بس قربك انتي مني هو أكتر حاجة صح في حياتي، بس احنا يا صافي شرق وغرب، مننفعش لبعض، ولا حتى ينفع نحاول


استدار ليمضي، لكنها أوقفته قائلة بتحدي :

مكنش ده كلامك ليا في المستشفى، مكنش ده كلامك ليا وانت بتقولي إن اللي بينا مستحيل يخلص بالسهولة دي


التفت نحوها، وقال بحدة لم تخفي نبرته الحزينة :

أنا صريح ومبحبش ألف وأدور، شوفي يا بنت الناس، أنا زبالة، وفيا العبر زي ما أبوكي قال، زنيت، وبسكر، وبعمل كل حاجة غلط، من الآخر كده، ما ينفعش آخد واحدة زيك، المحترم للمحترم، واللي يوم ما يحب يتجوز نوعيته معروفة، أنا اللي خيالي سرح وفكرت إن ممكن يكون بينا حاجة


صمت قليلًا ثم أضاف بصوتٍ متعب :

وأنا حتى مش عارف إذا كنت بحبك ولا لأ، بس أكيد إن حياتي اتشقلبت من يوم ما عرفتك، يمكن أكبر غلط عملته إني نزلت مصر، ولازم أصلح الغلط ده


نظرت له صافي بعنادٍ جميل، وقالت بإصرارٍ أقرب للجنون :

طب طالما عرفت إنك غلط، ليه ما حاولتش تتغير؟ ليه ما تبقاش شخص جديد؟ ليه ما تطلعش من المستنقع ده، قولي إنك عندك استعداد تتغير، وقرب خطوة للطريق الصح... هتلاقيني قربت منك عشرة

قولي إنك هتتغير وهتكون إنسان كويس، وأنا أوعدك عمري ما هتخلى عنك، بص، اللي بيني وبينك مش سهل، ومش حاجة نقدر ننكرها، يمكن مش متأكدين ده حب ولا لأ، بس اللي بينا قوي....قوي أوي، أنا خايفة منك، آه، بس قلبي بيقولي إن اللي بينا حقيقي، أنا عاوزاك يا إياد بكل ما فيك، بماضيك، بعيوبك، بس بشرط.....توعدني إنك هتتغير


نظر إليها إياد طويلاً، ورأى فيها ما لم يره في أي امرأة من قبل، كان يدرك أن وجودها في حياته هو الخيط الأخير للصلاح، للحظة، شعر أنها فرصته الوحيدة، إن ضاعت.....

ضاع هو معها !!


اقترب منها خطوة، وصوته خرج بنبرةٍ صادقةٍ مرتجفة :

أوعدك يا صافي، هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أستحقك،

أوعدك، عمري ما هتجوزك إلا لما أكون جدير بيكي، بس خليكي جنبي، متبعديش عني


ابتسمت صافي، ودمعة صغيرة خافتة لمعت في عينيها، فيما ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشابهة، ابتسامة أملٍ بدأ يخلق بين قلبين أنهكهما التيه !!!!


لم يكونا يعلمان أن بعيدًا عنهما، كان هشام يراقبهما، وعيناه تلمعان بمكر ذئبٍ وجد فرائسه أخيرًا.....

ينتظر فقط اللحظة المناسبة للانقضاض !!!!!

..............

بعد مرور يوم اخر.....

كانت الأجواء مشحونة بالتوتر، والكل يبحث في كل اتجاهٍ عن خيطٍ واحد يُثبت براءة ليلى، لكن دون جدوى !!

الرسالة التي وصلت لهاتفها كانت من رقمٍ مجهول غير مسجل، لا يمكن تتبعه، وسِجل الكاميرات في ذلك اليوم اختفى بالكامل، وسلاح الجريمة كانت بصماتها واضحة عليه


كل الأدلة ضدها، والشرطة رفضت الإفراج عنها حتى بكفالة، لتتحول القضية إلى مأزقٍ حقيقي جعل الجميع في دوامةٍ من القلق والعجز !!!!


بعد نقاشٍ طويل، توصل شريف وحمزة إلى اتفاقٍ واحد وهو نقل ليلى إلى المستشفى، على أن يُقال إن حالتها تستدعي تدخّلًا طبيًا عاجلًا، فالمستشفى خاص بعائلتها، وسيكون وجودها هناك أرحم من بقائها في الحجز إلى أن يظهر دليل براءتها


كل فردٍ منهم يبحث عن حل، عن منفذٍ لم يتوقعه أحد، لكن دون جدوى


داخل فيلا يوسف الجارحي، كان صوت ماجد يعلو غاضبًا، يهز أركان المكان وهو يقول بانفعال :

الوقت بيمر يا يوسف، خلاص مفيش وقت، هنعمل إيه دلوقتي؟!


رد عليه يوسف بصوتٍ متعب، ورأسه يكاد ينفجر من شدة الضغط :

اتصل بيهم، وقولهم إني محتاج مهلة، ولو الفلوس مرجعتش، أنا هسلم نفسي ليهم، يعملوا اللي هما عايزينه فيا


صرخ ماجد بحدة، غير مصدق لما يسمع :

والله، وبالسهولة دي هما هيسيبوك، ويصدقوا كلمتين منك، هيقتلوك وهيقتلوني معاك ومش هيسموا على حد، ومش هيرحموا حد من اهلك


ضرب يوسف بيده على المكتب، ونظر له بعينين تقدحان شررًا وهو يقول بحدةٍ مماثلة :

كلمة يوسف الجارحي عهد، وهما عارفين كده كويس... الفلوس اللي خسروها هرجعها ليهم أضعاف، هما عارفين إن كلمتي واحدة، ولما بقول بعمل


زفر ماجد بعصبية بعدما غادر يوسف الغرفة، وهو يشعر أن الوضع ينفلت من بين أيديهم، لم يجد أمامه حلاً سوى أن يلجأ إلى الشخص الوحيد القادر على إنقاذ يوسف من المستنقع الذي غرق فيه !!!


يوسف، في حالته هذه من الضعف والانكسار، فريسة سهلة لتلك العصابة التي لا يعرف أحد رئيسها حتى الآن، رجلٌ مجهول، يديرهم من بعيد


في آخر الليل، جلس يوسف في سيارته على جانب الطريق، شارد الفكر، يحاول جمع خيوط اللعبة كلها في رأسه


بعد وقتٍ من التفكير......

أرسل رسالة قصيرة لشخصٍ واحدٍ فقط، الشخص الذي شاركه أغلب مصائبه السابقة، منذ الطفولة !!


مرت دقائق طويلة في صمتٍ ثقيل، حتى فُتح باب السيارة من الجهة الأخرى، ودخل منها مروان، وجهه مشدود، ملامحه ممتلئة بالضيق


نظر إليه يوسف بنصف ابتسامةٍ خافتة وقال بثقة :

كنت متأكد إنك هتيجي


رد عليه مروان بنفاد صبر، وغضب مكتوم :

كلمة زيادة، همشي وأسيبك تتفلق لوحدك


انطلق يوسف بالسيارة بهدوءٍ غامض، بينما ظل مروان صامتًا، ينظر أمامه بحدة، يستمع ليوسف الذي بدأ يشرح له ما يُخطط له، المطلوب كان واضحًا......لكنه خطير !!!

.........

في صباح اليوم التالي، بدا أن يوسف حسم أمره نهائيًا،

وقف في بهو الفيلا، ينتظر، والقلق ينهش داخله رغم مظهره الهادئ، مرت دقائق، ثم دوى رنين جرس الباب


تقدم بنفسه ليفتح، وما إن فتح الباب حتى ظهرت أمامه ريما، بابتسامتها المعتادة التي تحمل خليطًا من المكر والنعومة، ابتسامة يعرفها جيدًا.....لكنها اليوم بدت له مختلفة


لكنه لم يبادلها ابتسامتها، ولم يرد عليها حتى بكلمة

كان ينظر إليها نظرةً جديدة تمامًا، نظرة رجلٍ رأى الحقيقة أخيرًا، ولأول مرة، رأى ريما على حقيقتها.......

رآها كالشيطان الذي دس سُمه في كل ما حوله، يبتسم وهو يحرقهم جميعًا دون أن يرف له جفن !!!!!

.............

بينما كانت أضواء الغرفة مطفأة، والظلام يخيم على المكان إلا من خيوط باهتة تتسلل من أسفل الباب، كانت هناك روح مكسورة تختبئ خلف جدران الحمام المغلق !!


داخل حوض الاستحمام، جلست صافي منكمشة على نفسها، والمياه تنهمر فوق جسدها كأنها تحاول أن تغسل ما لا يُغسل 


كانت تحك بشرتها بعنفٍ حتى سال الدم مع الماء، غير شاعرة بالألم الجسدي أمام نزيفٍ آخر أعمق.....

نزيفٍ في القلب والروح


دموعها تختلط بالمياه، وصوت بكائها يرتفع رغم محاولاتها المكبوتة لكتمه، كانت تخشى أن يسمعها أحد من العائلة، يكفيهم ما هم فيه من مصائب، لا ينقصهم أن يعرفوا بما جرى لها !!!!!


ما حدث لم يكن مجرد خطأ، كان جريمة في حق نفسها، في حق تربيتها، في حق كل ما آمنت به يومًا


لقد سلمت نفسها لإياد، بلا وعي، بلا مقاومة، كأنها فقدت السيطرة على ذاتها في لحظة غياب، لم تعرف كيف بدأت الأمور، ولا كيف انتهت، كل ما تعرفه أنها حين أفاقت من تلك الغيمة الغريبة، وجدت نفسها بين ذراعيه، وقد فقدت أغلى ما تملك !!!!


كان جسدها يرتجف، وروحها تصرخ بصمتٍ موجع

نظرت إلى الماء الذي يجري تحتها، وكأنها تتوسل إليه أن يمحو آثار ما حدث، لكن لا الماء استطاع، ولا الزمن سيرجع ما سُرق منها !!!!!

............

البارت خلص ♥️

مستنية رأيكم يا حلووووين 🔥 

البارت الجاي نارنا كلنا هتبرد وكل حاجة هتبان 💃


توقعاتكم ايه للقادم.....؟!

ايه اللي حصل لصافي.......؟!

نهاية ريما هتكون ازاي.....؟!

اتفاق حمزة ومهرة......؟!

مصير يوسف......؟!


حسبي الله فيمن قال عنا ما ليس فينا، ونسب إلينا ما لا نفعل، وتجاوز في حقنا، وكفى باللّٰهِ شهيداً 💔


#الفصل_الثاني_عشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

جلست ريما على المقعد، وقابلها يوسف في الجهة المقابلة انحنت بنظرها إلى الأرض، تعتري شفتيها ابتسامة خجولة مزيفة فهي تُجيد لعبة الإيهام !!!!


لكن يوسف لم يمنحها  فرصة للمراوغة، فباغتها بسؤال مباشر قاطع، ليلمس ردة فعلها الحقيقية :

وليد مات


ارتبكت للحظة، ثم تظاهرت بالحزن، محاولة التماسك بصعوبة بالغة، ولم يخفى على يوسف ارتعاش يديها، فتابع حديثه بمكر أكبر :

ليلى هي اللي قتلته.....تفتكري قتلته ليه؟


انتفضت ريما وهي ترمقه بنظرات امتلأت بالغضب والغيظ الذي لم تستطع إخفاءه بالكامل، خاصةً مع ذكر اسم ليلى :

مكتوب عليا أخسر كل غالي بسبب بنت خالك، وأنت كنت سبب في خسارتي لأعز اتنين على قلبي يا يوسف، بسبب علاقتك أنت وأروى أنا خسرت أختي، وبسبب اللي عملته فيا وقربك مني في الليلة دي اضطريت أبعد عن حبيبي وليد ومات وهو زعلان مني، مات وهو فاكر إني اتخليت عنه عشانك وإني خاينة، أنت كنت سبب من الأسباب اللي تخلي ليلى تعمل كده، ليلى اللي قتلت أختي وحرمتني منها، ليلى اللي قتلت حبيبي وليد بنفس الطريقة اللي قتلت بيها اختي.....وبنفس السكينة


اجتاح الغضب الخفي يوسف، فقبض على كف يده بقوة في الخفاء، محافظًا على هدوئه الظاهري وواصل سؤاله بمكر :

وأنتي عرفتي إزاي إنه اتقتل بنفس الطريقة ونفس السكينة، تفاصيل القضية منزلتش كاملة ولا حد يعرف عنها حاجة، كل اللي اتقال إنه مات مقتول، والباقي أهلي كتموا عليه في الأخبار


اهتزت ريما في مكانها، فغيرت الموضوع على الفور، وسارعت إلى التظاهر بالحزن والدموع محاولة استعطافه وتوجيه شعوره بالذنب نحو نفسه :

قلبي واجعني عليه أوي يا يوسف، عقلي مشوش خالص، مش قادرة أتخطى لحد اللحظة دي موت أروى عشان يزيد على وجعي وجع فراق وليد، أنت لازم تاخد حقهم منها يا يوسف، لازم ليلى تموت زي ما هما ماتوا، لازم تدفع التمن


جاء صوت يوسف صارماً، خالياً من أي تعاطف، يخترق محاولاتها الواهية :

ريما، سؤالي واضح، عرفتي إزاي إن وليد مات بنفس الطريقة اللي ماتت بيها أروى وكمان بنفس السكينة، جيبتي كل المعلومات دي منين؟


لاحظ ارتباكها الشديد وتصبب العرق على جبينها من التوتر، فباغتها بسؤال آخر ليكشف زيفها :

وعلى حد علمي اللي بيزعل على حد مات إنه بيلبس أسود، مش.......


ألقى يوسف بنظره إلى ملابسها ذات الألوان الزاهية التي تتنافى تماماً مع أي مظهر حزن، لم تستطع ريما تحمل الضغط، فصرخت فيه بغضب لتصرف الانتباه عن ارتباكها :

في إيه يا يوسف، عمال تقول كلام غريب وبتسأل أسئلة أغرب كإني متهمة و.......


قاطعها يوسف بكلماته الصارمة، التي نزلت على مسامعها كالصاعقة :

اصلاً الطب الشرعي أثبت إن ليلى ما قتلتش وليد


تجمدت ريما في مكانها، واتسعت عيناها في صدمة، وتلعثمت شفتاها وهي تسأله بذهول :

انت بتقول إيه؟


اقترب يوسف منها خطوة، ثم قال ونظراته تخترقها :

وليد كان مركب كاميرات في بيته، بالتحريات، قدرنا نعرف مكانها وشغلناها، وشوفنا اللي عليها كل حاجة حصلت بالظبط ليلة الحادثة، ده غير الكاميرات المخفية في العمارة اللي قصاد عمارة وليد، والقاتل فيها ظاهر بوضوح وهو بيهرب بعد ما ارتكب جريمته، زمانهم دلوقتي اتحفظوا عليه !!


ردت ريما بسرعة فائقة دون تفكير، وقد خانتها سرعة بديهتها المربكة وخوفها من أن حقيقتها كادت أن تنكشف تمامًا :

إزاي عرفوه وهو مغطي وشه؟!


استوعبت ريما ما قالته، فازداد توترها، فتابع يوسف حديثه وهو يتقدم نحوها خطوة أخرى، بينما تراجعت هي للخلف خطوة والخوف مسيطر منها :

ده غير إن الطب الشرعي أثبت إن فيه خصل شعر كانت جنب وليد، وبقاياها كانت في كف إيده، والخصل دي مش مطابقة لخصل شعر ليلى، ده غير إنهم لقوا بقايا جلد على ضوافر وليد وبرده مش لليلى، الطب الشرعي أثبت إن كل ده حصل لما كان بيحاول يدافع عن نفسه


ارتبكت ريما، وبحركة عفوية غير محسوبة، اصطدمت يدها بمزهرية سقطت وتحطمت على الأرض، اقترب منها يوسف أكثر ولم يُعر سقوطها اهتمامًا، وتابع كلامه بغل ظهر بوضوح في نبرته :

ده غير فيديوهات أصلية لموت أروى لقيناها في بيت وليد، الظاهر إنه كان مصورها عشان مش واثق في القاتل


اقترب منها جدًا، حتى كادت أن تشعر بلهيب أنفاسه، وقال بنبرة وكأنها جاءت من الجحيم لتحرقها :

ده غير المنوم اللي القاتل حطه ليا في العصير عشان يوهمني إن حصل بينا حاجة......


قاطعته ريما بكلمات متلعثمة خائفة، وقد أدركت أنه قد عرف الحقيقة كاملة :

يوسف.....انت فاهم غلط.....


في تلك اللحظة، لم يتمالك يوسف نفسه، فارتفع كفه وهوى على وجهها بصفعة قوية، اهتز لها رأسها، ونزف فمها دمًا، وسقطت أرضًا من شدة الضربة، اقترب منها، فدفعت بنفسها إلى الخلف، وصرخت عليه بغضب جامح :

أنت اتجننت يا يوسف؟!


صرخ يوسف عليها، والغضب يعتصر قلبه ويشعل صوته :

وهو إنتي وأختك سيبتوا فيا عقل؟ عقارب لفت حواليا، دمرتوا حياتي، خسرتوني أهلي، مشيتوني في طريق عمري ما كنت أتخيل أمشي فيه......


وقفت ريما بصعوبة بالغة، وصرخت عليه هي الأخرى بحدة :

محدش فينا ضربك على إيدك، انت اللي اخترت تعمل كل ده بإرادتك، مشيت في الطريق الزفت ده برغبتك بعد موت أروى، وأنا يدوب فتحتلك سكة مش أكتر، بعتلك واحد غريب وأنت أول ما سمعت منه قولت آمين قولي إحنا عملنا فيك إيه؟ أروى لعبت عليك وأنا لعبت عليك، بس أنت ماكنتش عيل صغير بريالة، أنت واعي كويس أوي كنت بتعمل إيه، مين أروى ومين أنا عشان تصدقنا وتنسى أهلك اللي اتربيت وسطهم فوق العشرين سنة


ازدادت نبرتها حدة، وتدفقت كلماتها العشوائية كالسيل :

شوف، أنا زبالة وفيا العبر، وأروى ماكانتش ملاك زي ما كنت فاكر، أروى كانت عارفة كويس أوي هي بتعمل إيه، وأنت كمان كنت واعي للي بتعمله، ومع ذلك دوست على الكل، حتى أهلك


اخذت نفسها ثم تابعت بغضب، وحزن :

روحت حبيت أروى اللي خسرتك أهلك كلهم وخليتك عدو للكل، مع إنك لو حبيتني، كنت هكون رهن إشارتك، كنت هعمل كل اللي تقولي عليه من غير كلام، كنت بس حبني يا يوسف، ساعتها كنت هتغير، كنت هكون عابدة ليك


صرخت عليه بغل، بينما يوسف يسمعها والاشمئزاز والغضب واضحان على ملامحه :

لكن أنت حبيتها هي يا يوسف، حبيت أروى، ولو ماكانتش أروى موجودة، كنت هتروح لليلى، بس أنا عمري ما كنت في حساباتك، مع أنا أكتر واحدة حبيتك فيهم يا يوسف، حد فيهم قتل عشانك، حد فيهم حبك لدرجة إنه يخسر أقرب الناس ليه عشانك، حد فيهم حبك لدرجة العبادة زيي؟


اقتربت منه وتابعت قائلة بغل :

أروى عمرها ما حبيتك، أروى قربت منك عشان خاطر أبوك، أبوك اللي شغلها في شركته عشان خاطر بابا، لكنها حبته بس هو ماعبرهاش، فقررت تشوف أخوك وترمي شباكها عليه، لكن مروان ما عبرهاش، مروان ما ادهاش وش وضربها، فلفت شباكها عليك وهي عارفة إني بحبك، قربت منك وخطفتك مني وهي عارفة إني بتمنى منك نظرة، كل ده عملته عشان تقرب من أبوك، كل لمسة وكل حركة كانت بتغوي بيها أبوك كانت بتيجي تحكيها ليا، كانت بتقولي إزاي كانت بتحاول تلفت نظره وإزاي كان بيصدها، وإزاي قالتلي إنها هترمي شباكها على مروان، لكن الظاهر إنها ما قدرتش غير عليك أنت، ما قدرتش غير على واحد ضعيف زيك كان عنده استعداد لكده من الأول، أنت جواك وحش يا يوسف، ما ترميش غلطك على حد


كاد يوسف أن ينقض عليها ليضربها، لكنه تمالك نفسه وفضل أن يستمع إلى كلامها العشوائي وعيناها اللتان تدوران في المكان بعدم اتزان :

انا روحت ليها وقولتلها توقف الجواز منك، لكنها فضلت تهين فيا، فضلت تذل فيا وتعايرني، فضلت تستفزني وتقولي إنها قربت منك، وإنك بتحبها، وإنك مش شايفني، قالتلي إني رخيصة ونسيت إنها مش أحسن مني، قالتلي أبويا وأمي عمرهم ما حبوني زيها، عايرتني بشغلي في الدعارة ونسيت إنها اللي دخلتني عليه، عايرتني بكل ده وهي السبب فيه، هي اللي دخلتني الطريق ده، ولما طلعت منه شافت نفسها عليا، ساعتها ما شوفتش قدامي، مسكت السكينة وفضلت أضرب فيها، ومع كل ضربة كنت بحس إني باخد حق سنين طويلة كلهم احتقروني فيها، أروى كانت شيطانة تستحق الموت، أنا عمري ما ندمت على قتلها، يمكن دي أحسن حاجة عملتها في حياتي !!


ثم تابعت وهي تضرب رأسها بيدها بهستيرية :

قبلها كانت ليلى وأبوك وأمك عند أروى بيهددوها تبعد عنك بدل ما يفضحوها ويقولوا ليك إنها واخداك كبري عشان أبوك، لكن هي بجحت فيهم، ساعتها ليلى رفعت السكينة على أروى تهددها، لكنها ما عملتش حاجة، مجرد كلام ومشوا بعدها، أنا وأروى اتخانقنا وقتلتها بإيدي، وليد اتصل بيا في وقتها مش عارفة إزاي، حكيت له فجيه لحد عندي وبسرعة خلصنا كل حاجة، جرحت نفسي.....خلصت كل حاجة، السكينة وكله، بعدها دخلت المستشفى، في الوقت ده خططت لكل حاجة مع وليد، ركبنا الفيديو، عملنا كل حاجة مع بعض، لما ليلى رفعت السكينة على أروى عشان تهددها ده ساعدني.... ساعدني عشان ألبس ليها تهمة قتل أروى، صحيح ما فيش دليل ضدها وحذفنا كل السجلات عشان ما يبانش إنها خرجت من العمارة قبل موت أروى بكتير، بس أروى ما كانتش بتثق في حد، كانت بتحط كاميرات في كل ركن يخصها وده خلاني أستفاد، تعبت كتير أوي عشان أنهي الموضوع وأبعد الشبهات عني، لكن كان لازم أبعدك عن ليلى، كان لازم أبعدك عن أي حد يخليك تبعد عني


ثم تابعت وهي تحرك يدها بعشوائية :

أنت قولتلي بعدها إنك عاوز تشتغل أي شغل يدخلك فلوس حلال أو حرام مش فارقة، فروحت للناس اللي شغالة معاهم، خليتهم يتعرفوا عليك ويدخلوك في الشغل ده، فكرتك خلاص هتفضل جنبي، لكن أنت سافرت ووليد فضل يهددني إنه يقولك، وليد أنقذني من ورطة قتل أروى مقابل إني أتجوزه، فضلت أماطل معاه بكذا حجة وكنت عارفة إنه هيسكت، ولما أنت رجعت من السفر فرحت وقولت خلاص، فرصتي من تاني رجعتلي، بس أنت كنت بتصدني كالعادة، ووليد لما عرف إنك رجعت فضل يهدد فيا، فكرت إنك هتنتقم من ليلى بس لقيتها هي اللي بتفوز عليا وعليك، فكان لازم أتصرف، كان لازم أبعدك عن ليلى وأخليك ليا، كنت عارفة إنك عندك ضمير وشهم، لو لمستني مش هتتخلى عني خصوصًا لو بالغصب، فلعبت عليك اللعبة دي، حطيتلك منوم وقلعت هدومي ونمت جنبك


نظرت له بهيام، ودموعها تنساب على وجنتيها، ثم قالت بهوس وهي تنظر إليه :

كانت أحلى ليلة في حياتي.....نمت في حضنك وشميت ريحتك، اتأملت ملامحك، جربت معاك كل حاجة كان نفسي أعيشها معاك يا يوسف، كان نفسي أحضنك لو لمرة من غير ما أضطر أهرب وأمثل، كان نفسي أتأملك براحتي من غير ما أبعد عيوني لـ تشوفني، كان نفسي تحبني أوي يا يوسف، كان نفسي بس تشوفني


مسحت دموعها وتابعت بقهر :

بعدها ليلى ضربتني واتهانت قدامك لكنك ما عملتش حاجة، لو أروى أو ليلى كانوا مكاني كنت قومت الدنيا، بس معايا أنت غير يا يوسف، أنا ولا حاجة بالنسبة ليك زي ما أروى قالت


تراجعت خطوة للخلف وهي تتابع بغل :

ساعتها لما وليد عرف إننا هنتجوز هددني إنه هيقتلك، قالي إنه هيدمر كل اللي بنيته، ساعتها خطرت على بالي فكرة أخلص بيها من الاتنين، روحت اتفقت مع أمن العمارة على فلوس عشان يمسح التسجيلات، بعدها طلعتله واتكلمت معاه وشربنا سوا، أول ما ابتدى يسكر بنفس السكينة اللي قتلت بيها أروى قتلته بيها، وبعدها بعت رسالة لليلى تيجي من رقم مش متسجل واتصلت بالبوليس !!


اقتربت منه خطوة وقالت بجنون :

بعد كل ده أنا خسرت، خسرت كل حاجة، وكل اللي عملته راح على الفاضي


اقتربت من يوسف الذي كان واقفًا مذهولًا من كل ما سمع، صحيح أنه كانت لديه فكرة عما حدث، لكن أن يسمعها منها بهذا الحقد والغل، كان شيئًا آخر، وقفت أمامه ومالت برأسها قليلًا، قائلة بدموع :

كنت مستعدة أخسر كل حاجة يا يوسف بس ما أخسركش، ما أشوفش النظرة اللي في عنيك دلوقتي دي ليا، حبني، حبني عشان خاطري، وأنا هبعد عن كل القرف ده، لو أنت طلبت مني هكون زي ما تحب، بس أنت حبني شوية، مش هقولك كتير لا، بس شوية يا يوسف !!!


قبض يوسف على فكها بقسوة، وقال بغل وغضب جامح :

ربنا رحم أختك لما غارت في داهية وماتت من اللي كنت هعمله فيها لو كانت عايشة، إنما أنتي قسمًا بالله لهتشوفي العذاب ألوان على ايدي، إنتوا الاتنين مش بشر، إنتوا شياطين، دمرتوا حياتي، وخسرتوني كل حاجة !!


ثم انقض عليها بوحشية عارمة، فبدأت يداه تنهالان عليها بالضرب بعنف جنوني، جذبها من خصلات شعرها، ثم بدأ يصفعها ويركلها بلا هوادة، كانت تحاول الدفاع عن نفسها، تتلوى في محاولة يائسة للإفلات من قبضته المُحكمة، لكنها لم تكن قادرة على مقاومة هذا الطوفان من الغضب


كان يوسف مغيباً تماماً، يضربها يفرغ فيها كل ما يحمله من غل ووجع، كان ينتقم لكل الألم الذي عاشه بسبب شيطانة مثلها، لقد رحم اللّٰه اروى فلو قدر لها البقاء على قيد الحياة لكانت رأت العذاب على يديه


يوسف، الذي لم يرفع يده يوماً على امرأة، بات يرى في هذه اللحظة أنها ليست امرأة ولا إنساناً، بل شيطانة في هيئة بشر، دمرت حياته هي وأختها، ولعبتا بمصيره حتى أوصلتاه إلى هذا الدرك


قبض على عنقها، يخنقها بكل ما أوتي من قوة وغضب مُميت، في تلك اللحظة الحرجة، اندفع عناصر الشرطة من الخارج بصحبة حمزة وشريف، حاولوا جاهدين إبعاده عنها، لكنه كان يفلت منهم ليعود إليها مرة أخرى بقوة جبارة، صفعها بقوة أسقطتها أرضاً، ثم ركلها في بطنها ركلة عنيفة، كان كل ذلك يحدث وهو في حالة من الغياب التام، غياب أحدثه الإدراك المتأخر بأن حياته تدمرت بسببها، وبأنه خسر كل شيء !!


استمر يصرخ وهو يضربها بعبارات تحمل الخذلان واليأس، كانت ريما شبه فاقدة للوعي، وجهها مغطى بالكدمات، والدماء تنزف من أنفها وفمها، انهار يوسف بعدها، وأخذ يكسر كل شيء حوله


غادر الجميع، وبقي هو ظل شريف واقفا في مكانه، لكنه لم يشعر بذرة من الشفقة تجاهه، بل على العكس، كان يرى أن هذه هي نهاية الغباء، نهاية أن يلغي المرء عقله ويسلم قياده لغريبة، كانت تلك بنظره نهاية من لم يمتلك ثقة في أهله، وصدق الأكاذيب بسهولة، نهاية من نسي كل جميل لمجرد مقطع فيديو كان بإمكانه أن يكتشف زيفه، في عين شريف، لم يكن يوسف ضحية أبداً......

لقد كان جانياً مثلهم، بل وأكثر، فلو كان يملك ذرة عقل وثقة، لكان أوقف شر أروى وريما منذ زمن بعيد

تنهد شريف بعمق، ثم التفت مغادراً، تاركاً يوسف يواجه عواقب قراراته وحده !!

............

بعد كل ما حدث، وبعد خروج ليلى من السجن، ذهبت مباشرةً إلى بيت أهلها، وعاد الجميع إلى منازلهم......إلا هو

بقي يوسف وحيدًا، تائهًا، لا يدري إلى أين يذهب، ولا إلى من يلجأ، وبأي وجهٍ يعود


لم يكن صغيرًا في نظرهم فحسب، بل في نظر نفسه قبلهم كان يحتقر ذاته حد الألم


انهمرت دموعه كطفلٍ ضائع، ولم يشعر بنفسه إلا وقد حملته قدماه نحو بيت أبيه وأمه !!!

كان بحاجة إليهما أكثر من أي وقتٍ مضى، لكنه كان يعلم في أعماقه أن غفرانهما بعيد.....بعيد جدًا


حل الليل، وجلس الجميع في صمتٍ ثقيل، كأن الهواء نفسه يهاب الكلام


خرجت غنوة من المطبخ، تحمل كوبًا من اللبن لـ حياة بعدما طلب منها بدر أن تُحضره لها

وقفت بينهم، تتأمل وجوههم الجامدة، الصمت يملأ الأجواء، فخرجت منها كلمة عفوية، فطرية :

وحدوه


ردد الجميع بخفوتٍ حزين :

لا إله إلا الله


رن الجرس، فتحت الخادمة الباب، ليظهر يوسف واقفًا على عتبته، منكس الرأس، منكسر الكتفين، ملامحه مثقلة بالشقاء

نادت الخادمة بصوتٍ عالي مفعم بالدهشة والفرح :

يوسف باشا


التفت الجميع نحو الباب، وقف بدر، وتبعه الباقون حتى صار يوسف أمامهم، رفع نظره إلى والده وأمه للحظة، قبل أن يخفضه سريعًا من شدة الخجل، والخزى من نفسه، كان النظر نحو الأرض أرحم من نظراتهم


جاءه صوت أبيه الصارم يخترق الصمت :

خير، جاي ليه؟


لم يملك يوسف جوابًا، ظل واقفًا صامتًا، والدموع تتساقط من عينيه، ورغم أن بدر وحياة تأثرا، إلا أن قلوبهما ظلت جامدة، لا تقوى على المسامحة !!


شعرت حياة بدوارٍ خفيف، فأسندها بدر وأجلسها، فاندفع يوسف نحوها، يقبل يديها والدموع تنهمر  على وجهه بغزارة :

حقك عليا يا أمي......حقك عليا


سحبت حياة يديها منه، تحاول كبح دموعها بصعوبة، بينما أمسكه بدر من ذراعه بقسوة وقال بحدة :

ابعد عنها


وقف بدر أمام ابنه، تتنازع ملامحه بين الغضب والانكسار، بين شوق الأب وقهر الخذلان، وفجأةً ارتمى يوسف في حضنه، يعانقه كالغريق الذي وجد اليابسة بعد تيهٍ طويل

تجمد بدر للحظة، ثم رفع يده المرتجفة، وحاول ان يبعده لكن دون جدوى.....الآخر يتشبث فيه بقوة !!


تعالت شهقات يوسف، واهتز جسده بين ذراعي أبيه، فانسابت دموع عشق على وجنتيها، بينما ظل عاصم ومروان في مكانهما، عيونهم معلقة بوالدهما ويوسف، وقلوبهم مشتعلة بالوجع والألم


كان مروان رغم حزنه عليه يرى أن ما حدث مستحق.....

كم نصحوه، كم توسلوا إليه أن يعود.....

لكنه أدار ظهره للجميع، وركض خلف سراب، خلف امرأةٍ سلبته عقله وجعلته ينسى كل من أحبه بصدق


تمالك بدر نفسه، ودفع يوسف عنه بعنفٍ مفاجئ، وقال بصوتٍ حاد يخترق السكون :

اسف على ايه، وبتعتذر على ايه بالظبط، على قلة ادبك ولا على عدم ربايتك، ولا على وقوفك قدامنا قصاد الكل، ولا على انك فضحتنا، ووقفت قدام ابوك تبجح وتقوله انا هتجوزها غصب عنك.......

ولا على انك رحت من الباب ده ولا سألت في حد، ولا على انك روحت زنيت مع واحدة زبالة قبل الجواز، ولا على انك روحت اشتغلت في الزفت المخدرات، ومشيت في طريق شمال، ونسيت كل اللي ربيناك عليه


اهتز جسد يوسف، وارتجفت شفتاه، بينما دموعه تسيل بلا توقف، لكنه لم يجد كلماتٍ يرد بها، فتابع بدر بنفس الصرامة، لا رحمة في صوته ولا ارتجاف في ملامحه :

أنا ربيت كويس، وأمك ربت احسن مني كمان، والدليل إخواتك، بس إنت كنت زرعة فاسدة طلعت وسط الزرع النضيف، أول ما كبرت شوكتنا، وعشان إيه عشان واحدة أنا وأمك حذرناك منها من أول يوم......

فسرت خوفنا عليك تحكم، وبدل ما تسمع كلامنا اتمردت....

اتمردت وقولت بتغصبوني، ومش عايز ليلى

جرحت بنت خالك قصاد الناس كلها وما حسبتش حساب لحد


ثم دفعه بيده بقوةٍ في صدره وهو يصيح غاضبًا :

قولت غصبتوني على كل حاجة، الدراسة، الجواز، الشغل

ونسيت إنك إنت اللي اخترت كل ده بنفسك

عمرك ما كنت عارف انت عايز إيه

فاكر لما كنت بتقول زمان إنك هتتجوز ليلى؟!

الكل ضحك وهزر، وكل كلمة كانت بتتقال بهزار خدتها جد

مع إن محدش قالك اتجوزها أصلاً، ووقفلك عليها

قولنالك وقتها اتجوز اللي تختارها إلا البنت دي

ما وثقتش في كلام أبوك وأمك وأهلك كلهم، وصدقت كلام الزبالة اللي غارت في داهية وماتت

روحت فضحت بنت خالك قدام الناس، وسيبتها يوم فرحها عروسة، وقفت في السوق، وبقيت تناطح أبوك راس براس، وتعاديه وتقوم الناس عليه، كنت عايز أبوك يخسر كل حاجة، ابوك اللي كبرك، ورباك، وأمك....أمك اللي كانت بتموت كل يوم بالبطيء من الحسرة عليك لما مشيت وانت ما سألتش فيها


رفع بدر نظره نحوه، والاشمئزاز بادي على ملامحه، وصوته يقطر مرارة :

انت خرجت نفسك من وسطينا من زمان يا يوسف،

ما بقاش ليك مكان هنا، أنا ربيت تعبان في بيتي أول ما شم نفسه، وكبر.......قرصني !!!


ثم التفت إلى حياة وقال بحدةٍ مؤلمة :

عايزة تشوفي ابنك، تشوفيه بره البيت ده، انما هنا مبقاش مرحب بيه خلاص


رددت حياة، بصوتٍ مرتجفٍ يقطر ألمًا، والدموع تخنقها :

مشيه يا بدر


ساد صمتٌ ثقيل كأن الزمن نفسه توقف.....

الكل في حالة صدمة، حتى يوسف رفع رأسه مذهولًا من رد أمه، والدموع تبلل وجهه، نظر إلى إخوته، يبحث عن عطفٍ واحدٍ منهم، لكنهم جميعًا التفتوا عنه


حتى عشق، رغم دموعها التي بللت وجنتيها، لم تقترب، نظرت إليه بخيبةٍ موجعة وقالت بصوتٍ مكسور :

ضيعت نفسك بإيدك يا يوسف


خرج يوسف من الفيلا، يجر خيبته خلفه، وصوته المكتوم يختلط بأنفاسه المتهدجة


وقفت غنوة عند باب المطبخ، تبكي بصمتٍ وهي تمسح دموعها بطرف ثوبها


صعد بدر مسندًا حياة إلى غرفتها، بينما ظل الإخوة الثلاثة في الصالة، كلٌ منهم غارق في صمته


بعد لحظاتٍ، تفرقوا.....

مروان خرج إلى الحديقة، عاصم صعد لغرفته، وقفت عِشق على الدرج، عيناها تتجولان في أرجاء البيت كأنها تُودع ماضيه، أو تبحث بين زواياه عن شيء ضاع ولن يعود....

شعورٌ بالقهر يعتصر صدرها، فالبيت الذي كان يومًا موطنًا للضحك والطمأنينة، صار شاهدًا على الانكسار


أدركت في تلك اللحظة أن هذا المكان لن يعود كما كان، وأن الشرخ الذي خلفه يوسف في قلوبهم لا يمكن لجدارٍ أن يرممه، ولا لزمنٍ أن يُنسيه، فالوجع حين يضرب الجذور، يظل عالقًا في الذاكرة مهما مرت الأعوام


عرفت بيقينٍ موجِع أن والديها مهما حاولا المضي قدمًا، سيبقيان أسيري ما فعله يوسف، وأن هذا البيت، مهما عاد صامدًا، لن ينبض بالسكينة مرة أخرى !!!!

..............

داخل فيلا جلال الخولي، بغرفة هشام الذي يبتسم انتصار وهو يتذكر كل ما حدث، وما فعله بصافي وإياد، بمساعدة صديقتها ميرا !!!!!


عودة بالزمن ليومين......


كانت صافي جالسة في بيتها، محاطة بحزن ثقيل من كل ما يحدث، رن هاتفها برقم صديقتها، فردت عليها بضيق :

مش هقدر أحضر يا ميرا، معلش، وهديتك هبعتهالك مع السواق، الأمور عندي في البيت مش أحسن حاجة


ردت عليها ميرا بهدوء يمزج بين الشماتة والمكر :

آه، سمعت باللي حصل، الخبر منتشر في كل.......


قاطعتها صافي قبل أن تكمل، بنفاد صبر واضح في صوتها: 

معلش يا ميرا مضطرة أقفل، أشوفك قريب، سلام


لكن ميرا لم تتركها تنهي المكالمة، وقالت بتعجل :

السنة اللي فاتت ماحضرتيش عيد ميلادي عشان كان بليل… معقول بعد ما أضحي وأعمله الصبح عشان تحضريه، تقوليلي مش هاجي، لا، مفيش الكلام ده، تعالي وإلا والله العظيم أقطع علاقتي بيكي، هي نص ساعة بس قضيها معانا وامشي، ع الأقل تغيري جو شويه، ده حتى هشام وإياد موجودين انهارده، وعينيه بتدور عليكي من ساعة ما دخل، أنا عشان أخليه ييجي، قولتله إنك جاية، طب سيبك مني، مش حرام عليكي تزعليه، ده ملهوف عليكي خالص ونفسه يشوفك


قالتها ميرا بمكر، وبالفعل تأثرت صافي، وشعرت بمدى احتياجها لرؤية إياد في تلك اللحظة، وبعد تفكير طويل، وانقباض قلبها بالذنب لأنها ستترك عائلتها في موقف كهذا، لكنها بررت لنفسها ان نصف ساعة تروح فيها عن نفسها لن تؤثر !!!!


أغلقت صافي مع ميرا، وبدلت ملابسها بسرعة، وخرجت من البيت دون أن يراها أحد من أهلها 


بعد وقتٍ قصير، وصلت صافي إلى منزل ميرا، وما ان دخلت بدأت تبحث عن إياد، الذي كان في الأصل مركزًا بنظره على الباب، ينتظرها بصبرٍ نافذ، وما إن وقع بصره عليها حتى ارتسمت على شفتيه ابتسامة، لم تكن مجرد ابتسامة عابرة، بل كانت انعكاسًا لشعور قلبه وقد علا وترنم، تسارعت دقات قلبه وهو يتأمل جمالها الطبيعي، فستانها الأرجواني الطويل المنسدل برقة على جسدها، وخصلات شعرها الناعمة متمايلة على كتفها، ووجهها البسيط الخالي من مساحيق التجميل، كل ذلك جعل قلبه يذوب عشقا واشتياقًا، غابت عنه ساعات قليلة، لكنه شعر بشوقٍ جارفٍ يعتصر قلبه لرؤيتها، بينما صافي ابتسمت بخجل عند رؤيته


اقترب إياد منها ليحتضنها، لكنها تراجعت بخجل :

إزيك


رد عليها إياد بحب وفهم لحركتها :

كويس، طول ما أنا شايفك قدامي


سارا معاً في حديقة الفيلا الخاصة بميرا، حيث أقيم الحفل، نظر إليها إياد وسألها باهتمام :

الأمور عندكم تمام؟ محتاجين أي مساعدة أقدر أعملها؟


ردت عليه صافي بحزن :

الأمور متلخبطة، محدش فاهم أي حاجة، الكل زعلان، محدش بيتكلم مع التاني، كل واحد في دنيا تانية، بابا وعمامي كلهم بيخططوا لحاجة، السكوت ده مش من فراغ، طب أقولك على حاجة....؟!


أومأ إياد برأسه، مستمعاً إليها باهتمام، فتابعت صافي بمرحٍ باهت :

أنا بطمن أكتر لما بيسكتوا، سكوت بابا واعمامي معناه ده السكون اللي بيسبق العاصفة زي ما بيقولوا، بس العاصفة اللي هتحصل هتكون في صالحنا، أنا زعلانة من اللي بنعيشه لكن مطمنة بوجود عيلتي حواليا


ابتسم إياد وقال لها بحب :

يا بختك بيهم......ويا بختي أنا بيكي


ابتسمت صافي بخجل، تعيد خصلات شعرها خلف أذنها برقة، هذه حركتها المعتادة عندما تخجل، مسك يدها بحب، وبدأ الاثنان يتحدثان لوقتٍ طويل، عن ذكرياتهما، حياتهما، متناسيان كل من حولهما


قاطعتهما ميرا قائلة بابتسامة ماكرة، وهي تقدم لهما العصير :

لو كنت أعرف إن إياد هيخلينا نشوفك كده، كنت عزمته كل يوم عشان نشوفك كل يوم بينا


زجرتها صافي بعينيها بحرج، فضحك إياد بخفوت، غادرت ميرا وهي تغمز لهشام الذي اخذ يتناول الخمر، وعيناه تراقب كل حركة تصدر منهما


بعد حوالي نصف ساعة شاهد هشام اضطراب حركاتهما، فاشار لميرا بمكر !!!!


على الجانب الآخر، بدأ كل من صافي وإياد يشعران بدوار 


#الفصل_الثالث_عشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

كانت صافي تجلس في غرفتها، موصدة الباب عليها، تحمد الله في سرها على انشغال الجميع بالكوارث التي تعصف بالعائلة هذه الأيام، وإلا كان أمرها قد افتُضح، وصلتها رسالة على هاتفها، فتحتها لتجدها من إياد، كتب فيها :

انزلي بسرعة أنا واقف جنب سور الفيلا


اضطربت وحكّت جلد عنقها باشمئزاز من ذاتها، لم تكن ترغب برؤية أحد، لا تريد رؤية إياد، بل لا تريد أن تعيش من الأساس، ولكن ما ذنب أهلها....؟!

أي ذنب اقترفوه ليتحسروا عليها.....؟!

 يجب أن ترى إياد، ويجب أن يصلا إلى حل

يجب أن ينتهي هذا الأمر، ويجب أن يتزوجها إياد

يجب، لئلا ينكسر ظهر أبيها وعائلتها، يجب، ليس لأجلها هي، بل لأجلهم.....


يا ليتها استمعت لنصيحتهم، يا ليتها ظلت تعيش على طريقتهم، بين جدران ذلك البيت، الآن فقط أيقنت أن أباها كان على حق، العالم خارج هذه الجدران غابة، ولا أمان لأحد فيه، كان محقًا في إغلاق الأبواب عليها وحمايتها بحرص زائد، ويا ليتها أدركت قيمة خوفه هذا منذ زمن.....

حريتها، ماذا فعلت بها، حريتها أفقَدتها أثمن ما تملكه أي فتاة.....شرفها !!


نزلت صافي وهي ترتدي ملابس رياضية، وخرجت بحذر لتجد سيارة إياد، ركبت بسرعة وطلبت منه أن ينطلق بالسيارة قبل أن يلمحهما أحد


بعد دقائق، أوقف السيارة على جانب الطريق، ظل الاثنان في صمت تام، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما، خاصة صوت أنفاس صافي التي كانت تشعر بالاشمئزاز من نفسها


تحدث إياد أخيرًا وسألها بحزن :

انتي كويسة؟


ابتسمت بسخرية، وكذلك فعل هو، بالطبع، الإجابة معروفة، كيف ستكون بخير بعد كل ما حدث؟

سألته صافي بصوت مختنق :

هنعمل إيه؟


رد عليها إياد بحيرة وكان رده في غير محله :

مش عارف


نظرت إليه صافي بحدة وسألته :

يعني إيه مش عارف؟


نظر إليها إياد وقال بعقلٍ مشوش :

يعني مش عارف، مش عارف أتصرف إزاي، مش عارف إيه الحل يا صافي


ردت عليه صافي بهجوم :

الحل هو الجواز


رد عليها بغضب مماثل :

وأبوكي هيوافق عليا؟ طلبت إيدك منه ورفضني، إزاي هخليه يوافق، إزاي أقوله تعالى جوز بنتك لواحد زبالة أنت رفضته في أسرع وقت، أبوكي لو قلبتله قرد عمره ما هيقبل بيا


سألته صافي بحدة وغضب :

وكلامك ليا بإنك هتتغير كان كدب ومجرد كلام؟


رد عليها بغضب مماثل، فهو يشعر بضغط شديد :

مش بتزفت أكدب، أنا فعلًا ناوي، بس هتغير في قد إيه، مدة طويلة لحد ما أقدر أقنعه، لكن إحنا دلوقتي بنتكلم في الكارثة دي، دلوقتي المطلوب إن إحنا نتجوز في أسرع وقت


صمتت صافي بألم، مسح إياد على وجهه محاولًا تهدئة نفسه، التفت إليها وقال بهدوء، وهو يُقدر ما تمر به :

صافي، بصيلي


لم تكترث له ودموعها انهمرت بألم، فتابع إياد بحب :

أنا معنديش أي نية إني أغدر بيكي ولا بهرب من الموقف اللي أنا وإنتي اتحطينا فيه، بس أنا كمان مصدوم ومش مستوعب اللي حصل ومقدر اللي إنتي فيه، بس إحنا لازم نهدى عشان نعرف نتصرف كويس من غير ما حد يحس بحاجة


نظرت إليه صافي وقالت بصوتٍ نابع من قلبها، لامس قلبه : أنا هثق فيك يا إياد، بلاش تخليني أندم على ثقتي دي، اوعدني عمرك ما تتخلى عني خصوصًا في الموقف اللي إحنا فيه ده


ابتسم لها إياد وقال بحب :

أوعدك


أومأت له صافي بصمت وهي تشعر بالذنب ينخر قلبها، فتابع إياد حديثه بجدية :

بعد الدنيا ما تهدى في بيتكم شوية، وكمان المشروع اللي أبويا وأبوكي داخلينه سوا يخلص، هقعد مع أبوكي وهقنعه، كل اللي طالبه منك أسبوع واحد بس يا صافي


أومأت له صافي بصمت، وشعرت بارتياح قليل بعد كل ما قاله لها، نظراته كانت تقول إنه لن يتخلى أبدًا، كانت تقول إنه سيصون الوعد، وهذا أراحها إلى حد ما، لكنه لم يُرِحها من الذنب الذي يملأ قلبها ويعذبها ليل نهار !!!!

..............

صدمة عارمة سادت المكان بعد طلب ليلى، لكن والدها، رغم مرارة الحزن التي اعترته، كان الفخر يغمر قلبه بابنته وهي تقف الآن شامخة أمام يوسف !!!


نعم فقد استدعوا يوسف للحضور دون أن يعلم السبب، وكذلك بدر وحياة، فُوجئ الجميع بوجود المأذون الذي، بمجرد أن وقعت عيناه على بدر، نظر إليهم وتحدث ببرود قارس، متجاهلاً ابنه تمامًا :

عين العقل يا ليلى


تجمد يوسف في مكانه، عاجزًا عن اتخاذ أي رد فعل، نظر إلى ليلى وقال بتلعثم والعرق يتصبب منه :

ليلى، أنا عارف إني غلطت بس......بس اديني فرصة


قاطعته ليلى قائلة بقوة وشموخ، وهي تقف أمامه كالجبل :

لأ


ثم حولت نظرها إلى المأذون وقالت بلهجة حاسمة :

الأوراق كلها جاهزة يا حضرة الشيخ


أومأ المأذون بصمت، بينما كانت نظرات أوس تفيض فخرًا بابنته، رغم حزنه على ابن أخيه، لكن فخره بابنته كان أكبر


ظل المأذون واقفًا بينهما والكل يشهد على هذا الموقف، ليلى تحدثت ونفذت، وها هو يوسف يقف نادمًا، عاجزًا عن رفع عينيه إليهم


شرع المأذون في إخراج الأوراق، وجلس الجميع، بعد خطبة مختصرة، قاطعتها ليلى قائلة بلهجة مستعجلة :

يا شيخنا الطلاق هيتم يعني هيتم، مفيش داعي للكلام ده كله


رد عليها الشيخ بأسف :

يا بنتي راجعي نفسك، ده أبغض الحلال عند الله الطلاق


كان يوسف في موقف لا يحسد عليه، يتمنى لو يهرب من هذا المكان، خاصة مع رد ليلى الذي حمل احتقارًا واضحًا :

اراجع نفسي لو ده واحد يستاهل ومنه فايدة يا شيخنا، إنما ده خسارة فيه، غلطة ولازم تتصلح، فيلا الله يخليك انهي كل الإجراءات بسرعة


أنهى المأذون كل شيء وطلب من يوسف إلقاء يمين الطلاق قبل التوقيع، لكن يوسف ظل صامتًا والكل يترقب، حتى وقف قائلاً بصرامة مفاجئة :

مش هطلق


بعدها، خرج مسرعًا إلى الخارج، متجاهلاً نداءات الجميع له، ابتسم بدر ابتسامة جانبية خفيفة، أما ليلى، فرغم حزنها وغضبها، شعرت بغير إرادتها أن جزءًا في داخلها قد فرح لرفضه الطلاق !!!!!!

.............

كان هشام جالسًا واضعًا ساقًا فوق الأخرى وهو ينظر باستخفاف إلى والده الذي كان يشاهد مقطع الفيديو المصور لإياد وصافي معًا !!!


شاهد فاروق لحظات منه ثم أغلقه ونظر لابنه قائلًا بحماس :

برافو عليك، انهاردة أو بكره بالكتير الفيديو ده يكون عند آدم العمري


هز هشام رأسه بالنفي ونظر لوالده بتهكم قائلاً:

مش بقولك يا بابا انك دايمًا مستعجل، أنا مش عارف دماغي الألماظ دي أنا جايبها منين بصراحة


صك فاروق على أسنانه وقال بغضب :

اتلم، وما تنساش إن أبوك اللي واقف قدامك، مش هفضل أقولك كده كتير


أشعل هشام سيجارة ونفث دخانها ببرود، وهو يقول بمكر :

الفيديو ده لو وصل لآدم العمري بدري عن ميعاد الاجتماع، هيقدر يتصرف وهيغطي على الموضوع، ويمكن يجوزهم عشان يداري ع الفضيحة، وأنت عارف إياد ابن عمي هيتجوزها ومش هيقول لأ، الفيديو ده لازم يوصل لآدم العمري قبل دخوله الاجتماع بساعة ع الأقل، عشان ما يبقاش قدامه حل غير إنه يرفض، ساعتها اللي هيكون متهم في الموضوع ده يا عمي جلال يا عمران، وعمران مستحيل يكون جوه الموضوع، لكن جلال هيكون له مصلحة لأنه إياد ابنه، وهو اللي زقه على صافي ده غير المواقف اللي جمعت صافي وإياد مع بعض، قدام اياد، حتى وجودها في الشركة دليل قوي ان فعلاً فيه بينهم حاجة !!


صرخ عليه فاروق بغضب :

ليه خليت الموضوع يتم برضا الاتنين، كان ممكن تخلي إياد اللي يتهجم عليها، وكان سهل يتسجن، أو آدم كان هيقتله من غير أي تفكير


رد عليه هشام بغل وهو يتذكر مواقفًا قديمة جمعته بصافي :

حساب قديم بيني وبين بنت آدم العمري


سأله فاروق بغضب :

بس إحنا كده ماخلصناش من إياد، إحنا عايزين نخلص منه هو وجلال في ضربة واحدة، مش عايزين يفضلوا قاعدين لنا حتى بعد ما الاجتماع يخلص والمشروع يرسي على عمران


رد عليه هشام بمكر وقال :

دي بقى هتبقى لعبتك أنت يا بوص


سأله فاروق بعدم فهم :

قصدك إيه؟


ابتسم هشام بمكر وبدأ يشرح له بالتفصيل ما سيحدث بالضبط وكيف سيتخلصون من جلال وإياد دون أن تلوث أيديهم.......!!!!!!!

...........

دَلَفَت هنا إلى غرفة ابنتها التي أصبحت منعزلة منذ فترة ليست بالقصيرة، وقد باتت لا تجيب على سؤال، ولا تتبادل حديثًا مع أحد !!


كانت قمر شاردة الذهن، يسكنها حزنٌ واضحٌ حير الجميع وجدتها كما هي، جالسةً تحدق في الفراغ بصمت مطبق جلست بجوارها وسألتها بحنان :

مالك يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟ وقبل ما تكدبي وتقولي مفيش، أنا بقولك فيه، فيه وانتي مخبية حاجة كبيرة


صمتت قمر صمتًا ثقيلاً، فتابعت هنا بحزن :

إنتي بتحبيه أوي كده يا قمر؟


انهمرت دموع قمر رغماً عنها بصمت مرير، فتابعت هنا والأسى يعتصر قلبها :

صدقيني يا بنتي، ده مايستاهلش، ولا عمره حبك


ثم أردفت بتردد :

أبوكي نبه عليا ما أقولش ليكي ولا لأخوكي حاجة، عشان خاف تتأثر نفسيتكم، خاف ليشوف في عيونكم نظرة شك فيه، باختصار، الشاب ده واخدك كوبري، صدقيني يا بنتي، أبوكي لو شاف إنه شاريكي كان هو أول واحد سلمك ليه


نظرت إليها قمر ودموعها تنهمر بغزارة أكبر، فتابعت هنا بحزن وقد رأت أن لا حل إلا في كشف الحقيقة، مخالفةً وعدها لـ أدهم من أجل مصلحة ابنتها :

أبوكي كان خاطب قبلي بنت واحدة اسمها سمر كانت سبب في مشاكل كتير بيني وبين أبوكي، واتسجنت في جريمة، بس بعد ما خرجت من السجن، اتجوزت أسامة أبو نوح  وفجأة، بعد كام يوم من عيد ميلادك اللي غرقتي فيه ونوح أنقذك، الكل اتفاجئ بموت أسامة،  وكانت جريمة قتل، والقضية اتقيدت ضد مجهول، وفجأة، بعد كام سنة، لقينا نوح جاي يتخانق مع أبوكي ويتهمه بقتل أبوه من غير أي سبب ولا دليل، وبيتهمه تهم أول مرة يسمع عنها، لدرجة إنه حاول يقتل أبوكي وضرب عليه نار فعلاً، الحادثة اللي حصلت لأبوكي من كام سنة كان نوح سببها، وأخوكي عرف، واضطر أبوكي يحكي ليه، ماكناش نعرف إنه لف عليكي وخلاكي تحبيه، أبوكي فكره قصر الشر وفهم غلطه وبعد، لكن إنتي فاجأتينا بحبك ليه وطلبه للجواز منك، ده شاب مجنون طلعيه من قلبك يا بنتي وانسيه، ده ما يستاهلش والله


ابتسمت قمر ابتسامة ساخرة مريرة، ولم تجيب، فها هي والدتها تأتي لتقول وتحكي لكن بعد ماذا.....؟!

بعد أن وقعت في الخطأ، بعد أن انتقم وانتهى الأمر، بعد أن خسرت أغلى ما تملك، وبعد أن أوشكت على الافتضاح


أومأت لوالدتها وقالت بحزن :

أنا نسيته خلاص، وطلعته من قلبي، اكتشفت إنه فعلاً ما يستاهلش، كل الموضوع إن صاحبتي اللي قولتلكم عليها اتوفت يا ماما في حادثة وحشة أوي


شهقت هنا فزعاً وجذبت ابنتها إلى حضنها، ومهما قالت قمر، فإن قلبها لم يهدأ، تشعر بالقلق، وعدم الارتياح، ابنتها تتألم، ابنتها موجوعة، وتُخفي شيئاً كبيرًا.....ومؤلم !!!

............

وقفت قمر في غرفتها بعد قليل، تتطلع إلى الفراغ بشرود عميق، تسترجع في ذهنها مكالمة يونس التي حاول فيها إقناعها بالزواج منه، لكنها رفضت بشدة، إذ كانت ترى أنها لم تَعُد تصلح لأحد، حتى ليونس.....

يونس يستحق الأفضل منها، يستحق امرأةً يكون هو أول من يسكن قلبها، وأول من يلمسها

تذكرت إلحاحه الشديد ورفضها الأشد، أفاقت من شرودها على صوت هاتفها يُعلن وصول رسالة، كانت من يونس، يخبرها فيها أنه سيقابلها في مكان محدد، ويجب أن تأتي بخصوص أمر هام جداً يخص نوح !!


بدلت قمر ملابسها وتوجهت إليه، وصلت إلى المقهى الواقع على النيل، حيث كان ينتظرها، ما إن رآها حتى قام وسحب لها كرسياً لتجلس، بعد أن جلست، سألها برقة وحنان :

عاملة إيه دلوقتي؟


ردت عليه قمر بتعب ووَهَن، وقد بَدَا الألم والحزن على ملامح وجهها بوضوح :

بعد اللي حصل عمري ما هكون كويسة يا يونس


ثم تابعت بحزن، وهي تضغط على جبينها من شدة الصداع الذي يعصف برأسها :

قولتلي إنك عاوز تشوفني بخصوص موضوع نوح


تنهد يونس وقال بجدية :

بصي يا قمر، اسمعيني للآخر من غير ما تقاطعيني، نوح هيرجع بعد شهر، والشهر قرب يخلص، نوح ناوي لما يرجع يفضحك عند أبوكي وأخوكي، في كل الأحوال، الموضوع لازم يخلص، سواء نوح هيفضحك أو لأ، الموضوع لازم ينتهي يا قمر، وإنتي عارفة ليه، فيه مشاكل كتيرة هتحصل إحنا في غنى عنها، والمشاكل دي حلها الوحيد إنك تتجوزي


ثم تابع بغضب :

ابن ال......ضحك عليكي، الورق اللي إنتي مضيتي عليه ده كان أي كلام، لا ورق جواز عند مأذون ولا محامي ولا أي حاجة، ده ورق أي حد ممكن يكتبه عادي، ورسم عليكي الرسمة دي كلها، يعني إنتي في نظر القانون، في نظر أي حد، إنتي مش مراته، والجوازة دي باطلة من كل النواحي


ردت عليه قمر بحدة :

مش هوافق يا يونس، أنا عمري ما هرضى ليك بالأذى، إنت وقفت جنبي وساعدتني كتير أوي في الموضوع ده، وأنا مش هدبسك أكتر من كده تاني، أنا غلطت ومستعدة أتحمل غلطي، بس مش مستعدة أشيل ذنبك لما أخليك تتجوز واحدة زيي


رد عليها يونس بصرامة :

أول حاجة، تشيلي ذنبي لو أنا مغصوب ع اللي بعمله، لكن أنا اللي بعرض عليكي وأنا عارف كل حاجة وعارف ظروفك كويس اوي، غير كده، إنتي غلطتي يا قمر وده غلط كبير أوي، لكن في نفس الوقت إنتي ضحية، وذنبك الوحيد إنك وثقتي في شخص ما يستاهلش الثقة دي


ردت عليها قمر بألم وحزن :

إنت ما تستاهلش كده، أنا خلاص ما بقيتش أنفع لحد


رد عليها يونس بضيق :

قمر، فوقي من اللي إنتي فيه ده بقى، نوح عايش حياته ولا إنتي على باله، فوقي لنفسك وارجعي لحياتك، صلحي نفسك بنفسك، قعدتك وإنتي حاطة إيدك على خدك وتبكي ده مش حل ولا عيشة، جوازي منك هيحل الأزمة الكبيرة اللي إنتي فيها مدة صغيرة، وبعدها حياتك هترجع زي ما كانت


سألته قمر بحزن :

انت بتعمل معايا كده ليه يا يونس، انت مش مجبر على كل ده، مش مجبر تحل ليا غلطاتي


نظر إليها بصمتٍ يحمل ألفَ حكاية، وصدره يضج بنداءٍ واحدٍ لا يُسمَع أحبك، يحبها بكل ما فيه، بكل ما بقي منه،

بحبٍ لو علمت به، ما اختارت غيره،

ولو شعرت بعمقه، لذاب قلبها بين يديه

لكنه كعادته، كتم العاصفة خلف ملامحٍ ساكنة،

واكتفى بحديثٍ هادئٍ بينما قلبه ينهار بصمتٍ لا يُرى :

عشان إحنا عيلة يا قمر، أهلنا ربونا إننا نكون إيد واحدة، لو حد فينا وقع مش بس إيد واحدة تلحقه، لا إيدينا كلنا، يمكن القرابة بيني وبينك بعيدة، بس إحنا اتربينا سوا وكبرنا سوا، وواجبي ناحيتك إني أحميكي


مد يده ليمسك يدها، فشدتها قمر بسرعة وارتباك وخوف، تفهم يونس وقال بهدوءٍ ظاهري :

وافقي يا قمر، كام شهر لحد ما الكارثة دي تعدي، أهلنا دلوقتي فيهم اللي مكفيهم زي ما إنتي شايفة، موضوع يوسف وليلى والقضية اللي عاشوه اخر فترة كان صعب، خطط نوح كلها هتتدمر لو شافك اتجوزتي قبل ما يفضحك، والدك، ووالدتك ما يستاهلوش انهم يعيشوا الشعور ده


تحدثت قمر أخيراً، وهي ترى فعلاً أن هذا هو الحل الأمثل،

لكن قلبها لا يطاوعها أن تجعله يتزوج بواحدة مثلها :

موافقة.....بس ليا طلب يا يونس


حرك رأسه بنعم، فتابعت قمر بخوف :

انت قولت جواز كام شهر، يعني مش هتقرب ليا خالص بأي طريقة كانت، إخوات وبس يا يونس


أومأ يونس بصمت، يخفي خلف نظراته وجعًا لا يُحتمل،

ووعدها أن يفعل ما طلبت

أن يكون كما تريد، لا كما يريد قلبه

طلب منها أن تبتسم، أن تُظهر سعادتها أمام الجميع،

أن تتقن دور العاشقة التي نالت ما تريد،

وألا تدع الحزن يفضح الأمر

كان عليهما أن يُقنِعا العالم بأن زواجهما خُلق من الحب،

بينما الحقيقة لم تكن سوى جرحٍ يلبس وجه السعادة !!!

..........

بداخل فيلا بدر الجارحي، وتحديدًا في غرفة نوم بدر وحياة، كان القلق يسيطر على الأجواء، أنهيا للتو مكالمة هاتفية مع شريف، ابن ريان شقيق حياة، والذي قال لهم بجدية :

زي ما طلبتوا مني، التسجيلات اللي اتسلمت كلها اتحذف منها اعترافات ريما إن يوسف ليه علاقة بالشغل الشمال ده كله، ريما هيعرضوها بكره على دكتور نفسي عشان يكشفوا على قواها العقلية، وعلى حسب التقرير اللي هيطلع، هيتحكم عليها !!


نظرت حياة إلى بدر وقالت بجدية، والقلق ظاهرًا بوضوح في نبرتها :

يوسف لازم يكون شاهد ملك في القضية دي يا بدر، يوسف لازم يعترف على كل واحد فيهم، والحراس لازم تزيد على كل بيوت العيلة


أومأ بدر برأسه مؤكدًا، لكن بصرامة تحمل تصميمًا على حماية عائلته :

هتكلم مع آدم والكل انهاردة عشان ياخدوا كل احتياطاتهم، حتى يوسف هخلي وراه حراسة من غير ما يحس، ماجد قالي كل التفاصيل اللي ممكن تفيدنا، ولازم هقعد مع يوسف عشان نظبط أمورنا سوا


تنهدت حياة، وكانت آثار الكلمات الخطيرة التي سمعوها من ماجد واضحة عليها وعلى بدر، نظرت إليه بتردد وكأنها تحاول إقناع نفسها بقدر إقناعه:

يوسف لازم يفضل تحت عنينا، خليه يرجع يقعد معانا، مهما عمل هيفضل ابننا، نزعل منه بس عمرنا ما نتخلى عنه يا بدر


رد عليها بدر بحزن عميق، وملامحه تعكس الصراع الداخلي الذي يعيشه :

وانتي شايفاني اتخليت عنه يا حياة، شايفاني سيبته، أنا من ساعة ما رجع وأنا حاطه تحت عيني، ماجد لما جالنا وقالنا موقفه مع التجار الزفت دول، وحقيقة ريما اللي مشيتها مع ليلى خطوة بخطوة، كل حاجة حصلت تحت عيني، وعمري ما كنت هخلي ابني يتأذى يا حياة


ثم واصل بدر قائلاً بمرارة :

انا كمان فكرت نرجعه هنا، بس قلبي مش قادر يسامح يا حياة، قلبي مش قادر يغفرله اللي عمله، غصب عني مش قادر أنسى خروجه من البيت ده وكلامه ليا وليكي.....مش هقدر


ردت عليه حياة، متفهمة ألمه :

أنا كمان زيك يا بدر، بس مفيش في إيدينا حاجة، لازم نفوق لنفسنا بقى، لازم نلم عيلتنا من تاني، لازم نرجع ولادنا زي ما كانوا وأحسن، لازم يا بدر يوسف يرجع هنا تحت عيونا لحد ما نشوف هنعمل إيه


ثم تابعت بنبرة أكثر حزنًا ورجاء :

هخلي إخواته يكلموه ويقولوا له يرجع


أومأ لها بدر برأسه بألم كبير استقر في قلبه، اقترب منها واحتضنها، مستمدًا منها القوة......

حياة هي الحياة بالنسبة له، وفي هذا الحضن يجدان معًا العزيمة لمواجهة ما هو آتٍ

...............

في اليوم التالي.....

عاد يوسف إلى الفيلا بعد مكالمة من عشق، وافق على العودة عندما أدرك أن ذلك كان أمرًا من والديه، خشي أن يثير غضبهما من جديد وهو لا يريد ذلك بل يريد أن يهدئ من روعهم تجاهه، وأن يُصلح ما أفسد، وأن تعود الأمور كما كانت، إنه يود أن يسامحوه، وبداخله يَعرف أن هذا صعب، فالذي فعله يستحيل أن يُنسى بسهولة، لكنه سيحاول مرة واثنتين وعشرة......ومليون !!


أما ليلى، فذنبها سيظل يحمله حتى آخر يوم في عمره،

وصل إلى البيت، ولكن لم يكن هناك من يستقبله، صحيح أنهم طلبوا منه العودة، لكن لم يُبدي أحد اهتمامًا برجوعه أو وجوده، بل فضل كل فرد أن يلزم غرفته، واكتفوا بإصدار أمر للخدم بتجهيز غرفته


ما إن ولج الغرفة، حتى شعر بحنين جارف لكل ركن فيها، حنين لكل الذكريات، حنين لكل لحظة عاشها في هذا البيت وتمنى أن يعيشها ثانية، كان الندم ينهش قلبه، لم يعد لديه وقت كثير، ولا يدري إن كان سيلحق بفرصة ليجعل أهله يسامحونه أم لا، يتساءل يا تُرى، هل سيموت أم سيعيش؟

لم يتبقى له الكثير، وعليه أن يسافر قريبًا ليُقرر مصيره !!


في الأسفل، كانت غنوة تهتم بالحديقة مع البستاني الذي يُدعى عم شوقي، وهو رجل تجاوز الخمسين، كانت تزرع معه ورودًا جديدة وهي تشعر بسعادة غامرة، لقد أحبت الزرع دائمًا، وكانت تزرع في شرفة بيت أبيها، لكن زوجة أبيها كانت تقتل نباتاتها دائمًا لتخرب عليها متعتها !!!


ابتسمت بسعادة بعدما انتهت من زراعة أول نبتة، وكانت يداها ملوثتين بالتراب، ابتسم عليها الرجل من بعيد وهو يراها متحمسة لعملها، بعد أن أخذت إذنًا من حياة لتهتم بالحديقة في وقت فراغها


نزل مروان من غرفته، ولما رأى غنوة، ظل يتأملها.....

يتأمل حماسها، وعندما رأى ضحكتها، شعر أن قلبه قد اُختطف حرفيًا، ساقاه أخذتاه إليها، اقترب منها ووقف وراءها، وقبل أن تنتبه وتستوعب وجوده، كانت على وشك أن تسقط، فأمسكها بسرعة من خصرها، فاضطرت للاستناد بيديها الملوّثتين بالطين عليه، فلوثت ملابسه !!!


شهقت غنوة وقالت بخوف :

أنا آسفة والله ما قصدتش......


كانت لا تزال تحاول أن تُبرر، لكن مروان شعر برغبة في مشاكسة رقيقة، فمد إصبعه وغمسه في الطين، ثم على غفلة، وضعه على أنفها، ولوثه، قائلاً بضحكة مرحة :

كده خالصين


ابتسمت غنوة برقة وهي تتحسس مكان لمسته، فتابع مروان بمرح :

بتعملي إيه، عم شوقي هو اللي بيهتم بالجنينة، بتتعبي نفسك ليه بقى


ردت عليه غنوة بحماس وهي تتابع عملها من جديد :

أنا بحب الزرع أوي، كنت بزرع كتير في بلكونة بيتنا وفي الحوش بتاع البيت، بس مرات أبويا وبناتها كانوا بيموتوه عشان يضايقوني، فكنت لما أزرع حاجة، أوديها على بيت خالتي وحبيبة تهتم بيه في غيابي


رفعت رأسها وقالت بحماس وتلقائية :

أنا كنت ساعات بزرع وأبيع من ورا مرات أبويا، أصلها كانت دايمًا تسرق فلوسي، وأنا كنت بجمع أي مبلغ عشان عاوزة أدرس، لكنها كانت بتعرف وتاخدهم هي أو بناتها


ثم تابعت بحنين وهي تمسح العرق عن جبينها بظهر يدها، وقد ربطت شعرها بطرحة حتى لا يتلوث من الطين :

ماما الله يرحمها كانت بتحب الزرع أوي، وأنا طالعة ليها


نزل مروان إلى مستواها بعدما طوى أكمام قميصه الأبيض شهقت غنوة وقالت له بتفاجيء :

حضرتك بتعمل إيه، هدومك هتتوسخ كده


رد عليها مروان بابتسامة جميلة وجذابة اربكتها :

فداكي


وفي غفلة، انحلت عقدة الحجاب التي كانت تشد شعرها، فانسدل شعرها البني اللامع بنعومة فائقة، وانتشر على ظهرها، حاولت أن تجمعه ثانيةً، لكن يداها كانت ملوثة بالوحل، اقترب منها مروان وهو مغيب عن وعيه بسحر اللحظة، وقال بهدوء :

تسمحيلي؟


قبل أن ترد، كان قد اقترب ولمس شعرها الذي ينساب من بين يديه من نعومته وطوله، وربطه لها بإحكام، ارتبكت غنوة وابتعدت بسرعة، قائلة بتوتر :

أنا.....أنا هشوف شغلي في المطبخ.....سسسلام

:

عقب ذلك، هرعت غنوة إلى الداخل بالفعل، بينما ظل مروان يتابعها بنظرات شاردة، يملؤها الإعجاب، وبعد أن غابت عن ناظريه، أمعن النظر في يده التي لامست خصلات شعرها، بشرودٍ عميق


كل هذا كان تحت نظرات يوسف الذي كان يقف في شرفة غرفته، لقد رآهما من البداية، وابتسم بزاوية شفتيه على شقيقه الذي نظراته كلها إعجاب بتلك الفتاة، يبدو ان شقيقه على وشك الوقوع في الحب !!


على الجانب الآخر، كان بدر يقف من بعيد وشاهد ابنه مروان، وما إن رآه حتى نظر إليه وقال بسخرية ممزوجة بمكر :

مش بقولك حنين زي أبوك


ابتسم يوسف من الأعلى، واشتاق إلى الأيام التي جمعتهم معًا وذكرياتهم، رفع بدر رأسه فجأة، والتقت عيناه بعيني ابنه الواقف ينظر إليهما بحنين، كانت نظرات بدر لابنه مليئة بالعتاب والغضب الذي لا يهدأ......

ابنه كسره وجرحه جرحًا كبيرًا ليس سهل الشفاء، على قدر غضبه، على قدر ما كان يتمنى أن يأخذه في حضنه، لكنه لا يستطع، ما حدث أقام جدارًا بينه وبين ابنه، يستحيل أن ينهار بهذه السهولة !!


صعد مروان إلى غرفته بصمت، وما إن دخل حتى خلع قميصه بشرود، ناظرًا إلى المكان الذي لوثته يد غنوة بالطين


دخل يوسف الغرفة دون أن يطرق الباب، فتمتم مروان ببرود ساخر :

قولت مية مرة خبط قبل ما تدخل، مهما غيبت، هتفضل قلة الذوق دي فيك يا يوسف


ابتسم يوسف بخفوت، وقال بمشاكسة وهو يرى مروان ينظر إلى القميص بنظرات هو يعرفها جيدًا :

القميص دلوقتي بقى حلو أكتر، أكيد


لم يفهم مروان قصده، ولم يهتم ولم يرد عليه، بل أظهر البرود وهو يخرج ملابس أخرى لنفسه من الخزانة، جلس يوسف على طرف الفراش وسأله بحزن :

ما قولتليش ليه إن أروى حاولت معاك؟


رد عليه مروان بسخرية مريرة من دون أن ينظر إليه :

لو كنت قولت، كنت هتصدقني يعني، إذا كنت ما صدقتش أبوك وأمك، هتصدقني أنا....؟!


صمت يوسف بحزن وقال بندم وغُصة مريرة في حلقه :

عندك حق


ثم تابع بابتسامة صغيرة لا روح فيها :

على العموم، شكرًا


سأله مروان ببرود :

شكرًا على إيه؟


رد عليه يوسف بامتنان :

على وقفتك معايا لما طلبت منك تساعدني، عشان ندخل بيت وليد من غير ما حد يحس، وبيت ريما كمان


رد عليه مروان ببرود مفتعل :

عملت كده عشان خاطر أبوك وأمك وليلى


تنهد يوسف بحزن، وخرج من الغرفة بندم كبير ينهش قلبه، فكر أن يدخل غرفة والدته، لكنه لم يكن يملك الشجاعة ليدخل إليها ويراها !!


ألقى يوسف نظرة متلهفة على باقي الغرف، وتمنى لو أنه يستطيع أن يلجها ليشاركهم أوقاتهم ويجلس معهم.....

لقد تمنى لو تعود عجلة الزمن إلى الوراء كي لا يعيد ارتكاب حماقاته وغبائه بالماضي


لم يتبقى له سوى أيام معدودة، ويتمنى بشدة أن يقضيها بين أحضان عائلته، لقد ظلت نفسه تواقة للرجوع بالزمن لإصلاح الكثير من الأخطاء الجسيمة، ولكنه أدرك بمرارة أن الزمن لا يعود أبدًا  !!!

.............

بداخل فيلا ادم العمري....

داخل غرفة المكتب، جلست ليلى تروي لوالدها وأعمامها تفاصيل ما جرى، وكيف تمكن يوسف من كشف حقيقة ريما نظرت ليلى إلى أبيها وتحدثت بهدوء ظاهر يخفي وراءه عاصفة من


#الفصل_الرابع_عشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

ارتدت غنوة ملابسها بحماس، وهي تلملم القليل من ثيابها، استعداداً لقضاء إجازتها الأسبوعية في بيت خالتها، كانت متحمسة فقد مر وقت طويل لم تراهم فيه


خرجت من الغرفة حاملةً حقيبتها، وما كادت تتخطى باب الفيلا حتى سمعت صوت مروان خلفها يسألها بذهول :

رايحة فين يا غنوة.....؟!


التفتت إليه غنوه، وعلى وجهها حماسٌ طفولي واضح :

الأسبوع ده الإجازة بتاعتي، هقضيه في بيت خالتي، انا استاذنت مدام حياة


تعجب مروان، وقطب جبينه بضيقٍ لم يفهم سببه، أو ربما فهم ولكنه أنكره.....

تأملها طويلاً بشرود، جميلة وجذابة، لكنها في المكان الخطأ، يليق بها أن تكون أميرة لا مُجرد خادمة، صحيح ان ملابسها قديمة، لكنها لم تستطع أن تخفي جمالها، فستان أسود بسيط يصل إلى كاحلها بأكمام طويلة واسعة، وشعرها الناعم تركته حراً طليقاً، اقترب منها وقال بابتسامة صغيرة فيها لمحة انبهار :

تمام هوصلك في طريقي


ارتبكت غنوة وقالت بتوتر :

ما يصحش، أنا هاروح لوحدي، هاخد تاكسي من قدام الباب هنا، مش مستاهلة حضرتك تتعب نفسك


رد عليها مروان بمرح، وهو يأخذ منها الحقيبة ويخرج من الباب :

اعتبريني التاكسي، وابقي إديني الأُجرة


ضحكت غنوة بخفوتٍ ووافقت على الركوب معه على استحياء، ولكن قبل أن تركب، ظهر يوسف واقترب منهما، قائلاً لمروان بمشاكسة وهو يحاول إعادة الأمور بينهما إلى سابق عهدها :

موعد غرامي ولا إيه؟


جز مروان على أسنانه وقال له بحدة :

يوسف


ارتبكت غنوة، وقالت سريعًا بحرج :

ابداً والله مفيش أي حاجة، أنا بس أخدت إجازة ورايحة بيت خالتي عشان هقضي الأسبوع فيه، والأستاذ مروان عرض عليا يوصلني، أنا أصلاً ماكنتش عاوزة، وكنت هاخد تاكسي من قدام الباب بس هو رفض، صدقني حضرتك مفيش اي حاجة غير كده


نظر إليها مروان وقال بضيق :

اركبي


اعترضت غنوة، وقالت وهي تحرك رأسها بالنفي :

ما ينفعش، أنا هاخد تاكسي


زفر مروان بضيق، وأدخل حقيبتها السيارة، ثم فتح الباب جاعلاً اياها تركب قسراً لكن ليس بقوة، بعدها نظر إلى يوسف، وقال بقسوة :

محاولاتك معايا ع الفاضي يا يوسف، وباللي بتعمله ده أنت مش بترجع حاجة ولا بتصلح حاجة، عشان ترجع علاقتنا بيك، صلح نفسك الأول، صلح الغباء اللي أنت فيه، صلح من نفسك الأول عشان تعرف تصلح نظرتنا ليك، بدل ما تحاول معايا روح واجه أمك وأبوك، واجه ليلى، واجه نفسك، وقبل كل ده اسأل نفسك، الكل قصر معاك في إيه عشان تكون بالقسوة دي معانا


قالها وركب السيارة وانطلق، تاركاً يوسف وحده ينظر إلى شرفة والدته بتردد، منذ ما حدث، وهو حبيس غرفته، يخشى أن يواجه الكل !!


كان مروان دائمًا الأقرب إليه بين إخوته، لكنه خسره هو الآخر، لم يبقى معه سوى يومين أو ثلاثة، وهو يستحيل أن يعود إلى ذلك العمل مرة أخرى، وفي الوقت ذاته المبلغ كبير، يستحيل أن يطلبه من أبيه، لقد أصبح ملوثًا بالمعاصي.....


نظر للشرفة مرة أخرى، وتماسك مقررًا أن يصعد إلى والدته ليتواجه معها اخيرًا، لم يعد هناك وقت، سيسافر وربما تكون آخر مرة يراها فيها، صعد إليها وهو يجهز نفسه لتحمل أي شيء منها مهما كان !!!!

...........

أما داخل السيارة، فكان الصمت يُهيمن على الأجواء بين مروان وغنوة، التي لم تكن تفهم شيئاً وكانت تخشى أن تتكلم، وهي ترى مروان يضغط بكف يده على المقود حتى ابيضت مفاصله من شدة الضغط، سألها أخيراً بعد صمت :

انتي منين يا غنوة؟


ردت عليه بهدوء :

من المنصورة


تنهد بثقل، فتابعت غنوه بشفقة ومواساة :

أنا بصراحة سمعت كام كلمة من زمايلي في المطبخ وعرفت اللي حصل من أخو حضرتك، بس أنتوا ليه زعلانين ومش فرحانين برجوعه؟!


قاطعها مروان وسألها بصرامة :

لو أبوكي رجع ندمان هتسامحيه؟


صمتت غنوة طويلاً، ثم ردت باختناق :

لأ


نظر إليها للحظة، ثم التفت بنظرة إلى الطريق وتابع بحدة بسيطة :

نفس الشيء، المسامحة مش بالساهل


ردت عليه غنوة بصوت مختنق مليء بالألم الذي حاولت ان تخفيه :

انت شوفت من أخوك خير، شوفت منه حُب، من الكلام اللي سمعته إنكم كنتوا عيلة حلوة أوي ومبسوطين، ذكرياتكم مع بعض حلوة، لكن أنا شوفت زعيق وضرب وإهانة ودموع ليل نهار وحرمان من أبسط حقوقي، حرمان إني أحس بحنان، أنا مع أبويا عيشت الحزن والقهر، لدرجة إن لو حد سألني إمتى حسيتي في بيت أبوكي بالأمان والحب، هقولك عمرها ما حصلت، عمرها......

يكفي أقولك إني كنت بانام خايفة وبصحى خايفة، بعمل أي حاجة بخوف وإخواتي من أبويا ما كانوش سند، انا ماعيشتش معاهم يوم واحد حلو، أنت مش هتحس باللي بقوله ولا هتفهمه، بس هي حاجة صعبة أوي، صعب إنك تعيش حياتك كلها خايف، أنا عايشة معاكم في بيتكم رجل بره ورجل جوه، بين خوف وأمان......


تنهدت ثم تابعت حديثها الذي يمزق القلب :

خوف من اللي جاي ومن اللي ممكن يحصلي، يهد كل اللي أنا فيه، وأمان وسطيكم، أبويا خلاني مهما حسيت بأمان أخاف الخوف جزء مني، خوف من بكرة ومن أي لحظة هتعدي عليا خوف من إني أغلط من غير قصد عشان اللي بحبهم ما يبعدوش عني، خوف......خوف إني أفضل لوحدي، خوف إن اللي بحبهم يقلبوا عليا، خوف لأفرح وأطلع لسابع سما وأنزل على جدور رقبتي، أنا عيشت كل ده مع أبويا وإخواتي وبين أهلي، عشان كده بقولك عمري ما هأقدر أسامح

لكن أنت عيشت وجرّبت الحب، جربت حاجات كتير أوي تخلي قلبك يحن لأخوك، عيشتوا مع بعض حاجات تشفع للوحش اللي حصل، مهما كان صعب بس تقدر تتجاوزه، تقدر تسامح وتكمل، تقدر تعاتب وأنت عارف إن عتابك هييجي بفايدة، تقدر ترجع الأمور زي ما كانت وتعيش مبسوط


لكن أنا مهما رجعت هفضل خايفة، ومهما عاتبت كلامي مالهوش لازمة ولا هييجي بفايدة، عشان كده لو سمحت ماتجيش تقولي نفس الشيء تاني


أومأ لها مروان بحزن شديد يعتصر قلبه عليها، لكن غنوة مسحت الدموع التي تجمعت في عينيها وقالت بمرح باهت :

كنت رايحة وابتسامتي من الودن للودن، دلوقتي هادخل عليهم بالدموع، شكلكم باصين ليا في الإجازة بتاعتي ومش مسامحين فيها


ضحك مروان بخفوتٍ فجأة بعد صمت، وفي نفس اللحظة غير طريقه وسار من طريق آخر، فسألته غنوه بقلق وخوف :

ده مش الطريق، حضرتك مشيت من هنا ليه؟!


التفت إليها مروان وقال بابتسامة جميلة مليئة بالحنان :

ينفع انهاردة تنسي كل حاجة وكل خوفك، وإرمي كل حاجة ورا ضهرك وعيشي اليوم ده، عيشيه كأنك واحدة تانية، عيشيه زي ما تتمني تعيشيه، قوليلي نفسك في إيه ونفسك تعملي إيه؟!


سألته غنوه بارتباك وهي لا تفهم شيئاً :

مروان بيه، هو في إيه بالظبط؟


نظر إليها مروان بشرود وقال بحنان ونبرة رغم حنيتها، إلا أنها كانت تحمل صرامة غير قابلة للنقاش :

مش قولتلك انسي كل حاجة النهاردة، انسي أبوكي وكل الدنيا، واستمتعي باللي هتعيشيه انهاردة


أخذت غنوه نفساً عميقاً وردت عليه وهي لا تدري لماذا يسأل، أو ماذا يريد :

كنت روحت الملاهي، ودخلت سينما، وقعدت ع النيل بالليل اتفرجت ع القمر، كنت جريت ولعبت وأنا باكل غزل بنات كتير عشان بحبه أوي، كنت ركبت عجل وفضلت أسوق بيه كتير، مع إني مش بعرف بس نفسي أجرب أسوقه


نظر إليها مروان للحظات، جميع رغباتها، رغبات طفلة.....

طفلة لم تعش طفولتها كما ينبغي، طفلة تتألم، وتحتاج للحنان، التفتت إليه وسألته بفضول :

بس حضرتك بتسأل ليه؟


رد عليها مروان بحنان :

مش قولت انسي كل حاجة انهاردة، انسي أبوكي وكل الدنيا، استمتعي باللي هتعيشيه وبس


ردت عليه غنوه بتوتر وخوف، وهي تنظر إلى الطريق الذي دخل منه الآن، وفي نهايته، لاحت مدينة ألعاب فخمة، كلها أنوار ساطعة وأصوات المرح والضحك تخرج منها


هبط مروان من السيارة وفتح الباب لها، فترجلت وهي تستدير بعينيها في المكان بانبهار، اتسعت حدقتاها بدهشة صافية، ونسيت نفسها للحظة، لطالما راودها حلمٌ كهذا


خطت إلى الداخل بخطواتٍ تفيض حماسًا، تكاد تُلامس الأرض وكأنها تخشى أن تستيقظ من حلمٍ جميل، ومروان إلى جوارها، يراقب ارتجافة الفرح في ملامحها، يتتبع دهشتها بعيونٍ يملؤها الرضا، كان سعيدًا.....

لا بشيءٍ سوى أن البهجة وجدت طريقها إلى قلبها، فسعادتها كانت كفيلة بأن تملأ قلبه هو أيضًا سعادة !!


أمسك مروان بيدها ودخلا معًا، ولم يترك لعبةً إلا وأصر أن تُجربها، كان ضحكهما العالي يملأ المكان، وصوت ركضها وحماسها يشي بطفلةٍ تسكن روحها لم تكبر يومًا، نسيت غنوة نفسها، نسيت من تكون ومن أين جاءت، اندمجت في العالم كما لو أنه خُلق لها في تلك اللحظة تحديدًا

حتى أنها شاركت بعض الأطفال اللعب بلُطف، ثم التقط مروان صورًا طريفة معها في الركن المخصص للتصوير، كانت لحظات نقية، براقة، حاول كلاهما أن يودع فيها همه على باب الفرح ولو لبعض الوقت 


بعد وقت طويل كانا يمشيان في أرجاء المول ينتظران بدء عرض الفيلم الكرتوني الذي اختاراه، وفي الطريق، لفت نظرها بلورة دائرية شديد الجمال، لطالما حلمت أن تملك واحدًا مثله، ولم تكن دهشتها وحدها، إذ إن البلورة جذبت مروان أيضًا، فابتاعها دون كلمة، ثم التفت إليها مبتسمًا وقال :

البنوتة اللي جوا شبهك


احمر وجهها خجلاً، وقالت بقليل من المرح :

أنا أحلى


ضحك مروان بحرارة، وأجابها بنبرةٍ تحمل غزلاً صادقًا :

أحلى بكتير، أكيد


ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها وهي تسير بقربه، ثم تحسست حقيبتها تتأكد من وجود محفظتها، وبعد لحظةٍ قصيرة التفتت إليه قائلةً برقة :

استناني لو سمحت هنا دقيقة بس، هروح أجيب حاجة


ثم ذهبت سريعًا دون ان تنتظر رده !!

بعد قليل خرجت دون أن تحمل شيئًا بيدها، فاستغرب مروان الأمر، لكنه لم يسأل ولم يُعلق، مكتفيًا بصمتٍ لطيفٍ احترامًا لرغبتها


عادا يتجولان من جديد حتى حان موعد الفيلم، وفجأة من غير سابق إنذار، اندفعت فتاة نحو مروان واحتضنته بقوة، شهقت غنوة بدهشة، واتسعت عيناها واشتعل في صدرها ضيقٌ مفاجئ لا تفسير منطقي له، سوى أن المشهد اخترق شيئًا حساسًا داخلها


تعابير مروان انعقدت في حرج واضح وقال بضيقٍ خافت :

إزيك يا صوفيا؟


ردت عليه الفتاة بدلالٍ صريح، وعينان تشعان ثقة وحماسًا :

وحشتني أوي يا موري، أنا معاك في الرحلة بكره، أكيد هنقضي وقت يجنن، انت مش متخيل فرحتي عاملة ازاي


توترت ابتسامة مروان، وانحنى قليلاً برأسه وهو يرى غنوة تتراجع خطوة للخلف، تاركة لهما المساحة، لكن عينيها كانتا معلقتين عليهما بضيق، وهي تضغط على حقيبتها بقوة !!


تأملتها غنوة، فتاة في غاية الحسن، هي أيضاً حسناء، لكن ثوبها الفخم الذي يبرز أنوثتها وينتمي إلى طبقة مرموقة، زادها إشراقًا وجمالاً، كانت غارقة في شرودها، وشرودها هذا دفع مروان إلى الاقتراب منها، قائلاً ببعض الخجل :

دي صوفيا، صاحبة عشق


ردت عليه دون تفكير، بنبرة خرجت رغمًا عنها، تحمل استنكارًا :

دي صاحبة الآنسة عشق إزاي


صمتت بعدها فورًا، وقد أدركت انها قالت ما لا يفترض قوله، ضحك مروان بخفوت محاولًا تجاوز الأمر، وهو يسير بجانبها نحو السينما، وقد حمل معه العديد من التسالي :

لو حد من العيلة شافني داخل فيلم كرتون، الهيبة هتروح


ردت عليه غنوة سريعًا بتوتر وخوف أن تكون أزعجته أو حمّلته ما لا يريد :

طب خلاص، نرجع، مش لازم نتفرج، مش مهم أصلًا، أنا.....


قاطعها مروان قائلاً بمرح :

بهزر يا غنوة


دخلت غنوة مع مروان، كان المكان يضج بالأناقة، فكل ركنٍ في قاعة السينما ينطق بالفخامة والرقي، خاصةً وأن مروان قد حجز المقاعد للطبقة العليا، التي توفر خصوصية، وضعت غنوه أكياس المسليات بهدوء، وبعد دقائق معدودة بدأ عرض الفيلم


تابعت غنوه أحداث الفيلم الكرتوني بـاندماج طفولي خالص، كانت تنساب منها ضحكات خافتة وعفوية تُعبر عن سعادتها، كانت تلك الضحكات بمثابة إثبات بأنها قد ألقت فعلاً بأثقال خوفها وحزنها جانباً، ولو لبعض الوقت


فجأة، التفت مروان عن الشاشة، لم يعد مهتماً بالفيلم، ترك كل شيء....لـيتأملها !!

كانت نظراته نظرات هيامٍ صامت وإعجابٍ خفي بجمالها الناعم البريء الذي تضاعف ببريق السعادة، لم يكن يشعر بما تفعله عيناه، فـشروده التام كان دليلاً على أن مشاعره بدأت تتجاوز حدود العطف والشفقة إلى مرحلة أعمق وأكثر خطورة.......

ظل مروان طوال الفيلم يتأملها، يسجل تفاصيل ضحكتها الخجولة، وتركيزها البسيط، دون أن يشعر أو يحاول أن يتوقف !!!!

..............

دخل يوسف بهدوء إلى غرفة والدته، التي تجلس على الفراش، تمسك الملفات بيدٍ وتتابع عملها على الحاسوب باليد الأخرى، لم ترفع رأسها إلا حين فُتح الباب، وما إن رأته حتى خفق قلبها خفقة موجعة، لكنها كبحت مشاعرها سريعًا وعادت لعملها كأن وجوده لا يعني شيئًا !!


تنفس يوسف بعمق، أغلق الباب خلفه واقترب منها خطوة بعد أخرى، وصوته خرج محملًا بندمٍ يأكل روحه :

ماما


كان الرد صمتٌ ثقيل، لقد تجاهلته حياة كأن صوته لم يصلها

فاقترب أكثر، ثم جلس على ركبتيه أمامها، وأمسك يديها برجاء، قائلاً بصوت مختنق بالدموع :

عشان خاطري يا ماما بصيلي، ردي عليا، انا محتاجلك اوي، سامحيني.....انا آسف


ابتلعت حياة غصّة قاسية، ثم سحبت يدها من بين يديه بعنف، قائلة بصوت مرتجف من شدة الغضب :

أسامحك على إيه ولا على إيه، وآسف دي هتداوي إيه يا يوسف، هتداوي وجع قلبي، ولا وجع قلب أبوك؟

إنت عيشتنا أيام دمعتنا نازلة على خدنا، ومقهورين

خليتنا نسأل نفسنا ألف مرة قصرنا معاك في إيه، غلطنا فيك في إيه، ربيناك وحش، طب ما إحنا ربينا إخواتك زيك بالظبط، وعمرهم ما عملوا زي انت ما عملت !!


صمتت للحظة، ثم تابعت بمرارة أشد :

ماصدقتش أبوك ولا أمك، وصدّقت واحدة غريبة

الكل حذرك منها، ولا حتى لحظة قلت يمكن إحنا خايفين عليك، أول ما شكيت، شكيت في أبوك وأمك، وهددتهم

طب وبنت خالك ذنبها إيه؟

ليه تضيع مستقبلها، وتفضحها قدام الناس؟

ليلى دي لو عليها ذنب فذنبها إنها حبت واحد زيك


رفعت عينيها إليه، وقالت بألم :

بعد كل الي عيشناه بسببك جاي تقول بكل بساطة آسف؟

أسفك مش هيصلح حاجة، ومش هيداوينا، ولا هينسينا اللي عملته 


انهمرت دموع يوسف، ويداه تشد على يديها كالغريق الذي لا يملك سوى هذا الحبل الأخير، انحنى يقبل يديها بوجع يغلف صوته، كأن كل كلمة تُنتزع من صدره المثقل بالندم :

أنا آسف، آسف يا ست الكل، سامحيني، والله يا أمي مش عارف أعمل إيه ضايع، وندمان، وقلبي واجعني

مش عارف أبدأ منين ولا أروح فين…..

عارف إني غلطت، غلطت كتير، بس مش قادر أفهم أصلح إزاي، ولا أعمل إيه، أنا محتاجك جنبي اوي اليومين دول، محتاج حضنك، سامحيني يا امي حقك عليا، حقك عليا ياريتني كنت مت قبل ما اعمل كده


حاولت حياة أن تبقى صلبة، أن تظهر كالجبل الذي لا يهتز، لكن الجدار الذي بنته من صبرٍ وانكسار انهار فجأة، مدت يديها تشده إليها، ضمته بقوة وكأنها تحاول أن تحميه من العالم…...ومن نفسه أيضًا، هامسة بلهفة قلب الأم :

بعد الشر عليك يا بني، بعد الشر


ثم بكت، وبكى معها، كطفلٍ يعود إلى أول حضن عرفه في الدنيا، ورغم دفء ذراعيها حوله، بقي جرحٌ في قلبها لا يلتئم، وغفرانٌ لم يكتمل طريقه بعد


عند الباب، كان بدر يقف، يشاهدهم ودمعة محبوسة تلمع في عينه، تقدم بخطوات ثقيلة، ودخل بصمت، وما إن وقع نظر يوسف عليه حتى نهض مرتبكًا، يمسح دموعه بعجلة


ردد بدر بصوتٍ هادئ :

بالليل هتقعد مع شريف ابن خالك، هيقولك على كل اللي وصله في الشغل الزفت اللي كنت ماشي فيه، وهتقوله كل حاجة تعرفها، والفلوس اللي خسرتها هتدخل حسابك النهارده


تحرك ليغادر، لكن صوت يوسف الحزين اوقفه :

بابا، انا آسف، بس مش هعمل كده


التفت بدر، نظر إليه دون أن يرمش، فتابع يوسف بصوت أضعف :

أنا ما أستاهلش، غلطت، ولازم أتحمل نتيجة غلطي، حتى لو نتيجة الغلط ده الموت، حضرتك مش مجبور تساعدني


اشتد فك بدر، وصوته جاء قاسيًا على قدر ما يحمل من وجع خفي :

انا ما عملتش كده علشانك

عملته علشان أمك، وعلشان إخواتك اللي مالهومش ذنب يكون ليهم أخ بتاريخ أسود زيك


انخفض رأس يوسف، وكأن الجملة صفعت روحه،

قبل أن يغادر بدر، خرجت من يوسف آهة ممزقة بالكاد صارت كلمات :

سامحني يا بابا


أغمض بدر عينيه للحظة، ثم خرج، شعرت به حياة، فخرجت خلفه، لكن قبل أن تنطق بشيء......رن هاتفها، وما ان أجابت اتسعت عيناها رعبًا لقد نقل شقيقها للمستشفى، في وضع صحي خطير للغاية !!


صرخت واندفعت تركض للخارج بفزع، وجنون

ركض بدر خلفها ثم العائلة كلها

أما يوسف فلحقهم، لكنه بقي في السيارة، يجلس كمن يحمل العالم كله فوق كتفيه، لا يملك وجهًا ليدخل به معهم ويواجه الجميع !!!


على الجهة الأخرى، كان مروان مع غنوة

لقد نسي هاتفه في السيارة، ولم يعرف شيئًا عما حدث !!!!

..............

كانت الدقائق ثقيلة......

كأن الزمن توقف أبى أن يتحرك، والجميع يقفون أمام باب غرفة العمليات بقلق


أما ياسين، فكان أشبه بروح تائهة، يذرع الممر ذهابًا وإيابًا، كأن خطواته وحدها قادرة على إنقاذ أبيه


لم يستطع عقله الهارب من الفاجعة إلا أن يعيد المشهد مرارًا وتكرارًا، صورة والده وهو يسقط بين أذرعهم عاجزًا عن التنفس، صدره يعلو ويهبط في صراعٍ موجع، ورغوة بيضاء رقيقة تتجمع عند شفتيه كأن الحياة تسيل منه شيئًا فشيئًا


قبض ياسين يديه بقهر، وانزلقت دمعة من عينيه رغمًا عنه دمعة خوفٍ على السند الذي طالما احتمى به، القوة التي ظنها لا تهتز يومًا


كانت حالة الصدمة تسيطر على الجميع، وجوه شاحبة، وصدور تضيق بالقلق، ولا أحد قادر على استيعاب ما وقع


على مقربة منهم كان مالك يخبر عمته خلسة بما حدث، بعدما ضغطت عليه بأسئلتها المتكررة، لتلتقط مهره كلماته بصدمة

توقفت للحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة، تحمل شماتة لم تخفِها عينيها، كأن الألم الذي يغرقهم الآن كان يُرضي شيئًا دفينًا بداخلها !!!!


اسودت عينا ياسين بالكامل، وتكاثف الظلام فيهما، فاقترب من أخته صافي التي كانت تبكي بقوةٍ دون أن تستوعب بعدُ أصل المأساة، أمسك ذراعها بقبضة عنيفةٍ أوجعتها، وسألها بصوتٍ غاضب :

انتي غلطتي مع ابن جلال الخولي، ابن ال.....ده لمسك، حصل بينكم حاجة


صمتت صافي صمتًا ثقيلاً، وهنا فقط فهمت، استوعبت أخيرًا السبب الحقيقي وراء حالة أبيها، لم تكن تعلم كيف انكشف سرها، لكن المهم هو أنهم عرفوا، انهمرت دموعها بغزارةٍ أكبر، وحاولت جاهدةً ان تتجنب النظر إلى الحاضرين


اقترب مالك من ياسين، محاولاً تهدئة نيرانه المستعرة :

ياسين مش وقته، نطمن على عمي الأول وبعدين نشوف الموضوع ده


لكن ياسين تجاهله، وظل يحدق في صافي التي بقيت صامتةً وتهرب بعينيها بعيدًا عن مواجهته، عندها، تأكد لديه أن ما شاهده حقيقة، وأن الفيديو ليس مُركبًا أو كذبًا، بل حقيقة......ويالها من حقيقة مُرة !!


شقيقته أخطأت خطأً لا يُغتفر، جلبت العار للعائلة، وكانت السبب المباشر في مرض أبيه


ارتعدت زينة مما يدور بين ولديها، صُدمت من كلام ياسين، ومن صمت صافي المريب وعدم دفاعها عن نفسها، شهقت فجأةً، وانتفض الجميع بقلق عندما صفع ياسين أخته بقوة بالغةٍ، سقطت على إثرها أرضاً !!


تدخل أمير بسرعة وسحب ياسين الذي ظل يهدد صافي بالقتل، وصرخ فيه بغضب :

انت بتعمل ايه، ابوك جوه بين الحياة والموت، ولحد ما أبوك يقوم بالسلامة ما تقربش من أختك ولا تلمس شعرة منها، أبوك بس اللي من حقه يقرر هيحصل إيه، مفهوم


صمت ياسين، والنيران تأكل صدر، بينما حياة عانقت صافي بخوف شديد من القادم والقلق ينهش قلبها على شقيقها !!


في تلك اللحظة الحرجة، خرج ريان الذي كان يُشرف على العملية بنفسه، وتبعه الطبيب الشاب الذي تحدث بأسف :

صدمة عصبية حادة سببت ليه اضطراب في عضلة القلب، مع صعوبة شديدة في التنفس، احنا عملنا كل اللي نقدر عليه، الوضع لحد دلوقتي قدرنا نسيطر عليه لكن لسه في خطر لأن الأزمة احتمال ترجع تاني


سأل أوس بقلقٍ بالغ :

طب نقدر نطمن عليه ونشوفه إمتى؟!


رد عليه الطبيب بجدية :

أنا آسف بس مش دلوقتي خالص، لأنه هيدخل العناية المركزة، اول ما الوقت يسمح هنبلغكم، دلوقتي تقدروا تمشوا، ولو حد حابب يستنى يفضل يكون شخص واحد أو اتنين


في هذه الأثناء، انهارت زينة وسقطت مغشياً عليها فاقدةً للوعي، جرى ياسين نحوها وحملها بسرعة، وركض الجميع بها نحو الطوارئ، بعدها نقلت إلى إحدى الغرف، بعد ان اخبرهم الطبيب إصابتها بانهيارٍ حاد !!!


نظر أوس إلى إخوته والبقية وقال بحزم :

الكل يرجع على البيت دلوقتي، أنا هستنى هنا


رفض الجميع وأصروا على البقاء، زفرت مهرة بضيقٍ، وقالت بنفاد صبر :

وجودنا هنا مش هيفيدوا بحاجة، خلونا نمشي


أثارت طريقة كلامها نفور الجميع، لكن ياسين تكلم بصرامة :

عمي، أنا هفضل هنا مع أبويا وأمي، خلي الكل يروح كمان حضرتك روح معاهم ارتاح


رددت صافي بتصميمٍ وهي تبكي بقهرٍ، وندم :

انا هفضل جنب بابا وماما هنا، مش همشي


زفر ياسين غاضباً، وكاد ينقض عليها مرة أخرى، لكن شريف تدخل وأمسكه، فصرخ الآخر بغضب :

غوري من وشي دلوقتي، أبوكي وأمك لو فاقوا وشافوكي مش ضامن إيه اللي هيحصلهم تاني بسبب و.....زيك


بكت صافي بقهرٍ شديد، وغادر الجميع فعلاً بعد إصرار، حتى حياة لم يرضى أحدٌ أن تنتظر، ولم يتبقى سوى أوس وريان برفقة ياسين الذي رفض حتى وجود زوجته معه !!!

.............

على الناحية الأخرى......

دخل جلال إلى فيلته بخطوات متلاحقة، أنفاسه مضطربة وملامحه تشتعل بالغضب والذهول، لا يزال عقله عاجزًا عن استيعاب ما رآه منذ دقائق فقط......

ذلك الفيديو الذي وصل إليه قبل الاجتماع بلحظات، فيديو يخص ابنه مع ابنة آدم العمري في وضع مخزي للغاية، مرفقًا برسالة تهديد واضحة ان ينسحب من المشروع !!


اندفع جلال مباشرة إلى غرفة إياد، الذي كان جالسًا على الفراش يحاول الاتصال بصافي، لكنها لا تجيب هاتفها مغلق !! رفع عينيه بدهشة حين رأى أباه يدخل بتلك الحالة، صارخاً عليه بصوتٍ غاضب ارتجت له جدران الفيلا بأكملها :

انت قربت لبنت آدم العمري؟ حصل بينكم علاقة؟


اتسعت عينا إياد بصدمة، وسأل والده بزهول :

جبت الكلام ده منين يا بابا....؟!


اقترب منه جلال، وصوته يعلو أكثر :

رد عليا، حصل ولا ما حصلش؟!


ازداد غضب إياد، وسأل والده بحدة، ونفاذ صبر :

حضرتك عرفت منين؟!


رمى جلال الهاتف في وجه ابنه تقريبًا وهو يهدر :

يعني اتزفت وقربت منها


تجمد إياد مكانه حين رأى الفيديو، وانسحب الدم من عروقه من شدة الصدمة، ما هذا الذي يراه، لا يعرف ما يحدث

كان من المفترض ان يذهب اليوم لآدم ليطلب يدها مرة أخرى خوفًا عليها من الفضيحة.....

لكنه الآن يرى الفضيحة أمامه !!!


سقط الهاتف من يده، وبدأ صوت جلال يعلو من جديد :

الفيديو ده وصل قبل الاجتماع، اضطريت انسحب، وآدم انسحب كمان، آدم مش هيسيبك، هيقتلك، لازم تهرب قبل ما يوصلك


نهض اياد وقال بعزم وتوتر :

انا لازم أروح لصافي


لكن جلال وقف أمامه مانعًا اياه من الذهاب، صارخًا عليه بحدة :

صافي ايه، وزفت ايه، انت لو روحت دلوقتي ليها وحد من اهلها شافك هيقتلك ومش هيسمي عليك، انت اخدت شرف بنتهم، فاهم يعني ايه، ولا عيشتك في الغرب نسيتك يعني اي شرف


صرخ عليه إياد بعنادٍ يشتعل في عينيه :

مش مهم، المهم هي، اكيد هيأذوها


دفعه جلال للخلف بغضب :

بنتهم واكيد مش هيأذوها، لكن انت طلعت نزلت غريب، آدم هيموت اول ما يشوفك، هو معندهوش تهاون في الأمور دي مش بعيد يفكرك عملت في بنته كده عن قصد، ومش هيسمي عليك، لازم تهرب من هنا، انا معنديش استعداد اخسرك


ردد جلال وهو يلف حول نفسه، والحيرة تنهش قلبه، وصوته يصدح بحسرة مريرة :

منك لله، منك لله، خسرت صاحب عمري بسببك، أعمل إيه دلوقتي، اتصرف ازاي؟!


بينما خارج الغرفة، كان هشام وفاروق يتبادلان نظرة انتصار خبيثة، الخطة تسير كما أرادا بالضبط، لقد وقع الاختيار بالمشروع على عمران بعد انسحاب ادم العمري، وجلال......


في تلك اللحظة، تدخل فاروق قائلاً لـ جلال بحدة :

ابنك ماغلطش لوحده يا جلال، البنت عملت كده بإرادتها


لكن إياد لم يُعِر كلامهما انتباهاً، فقد طغى غضبه على كل منطق، وصرخ عليهما بعصبية :

كل الكلام الأهبل ده مش فارقلي، أنا دلوقتي مش فارق معايا غير صافي، أنا هروح ليها، وهقول لأبوها إني مستعد أتجوز بنته، اللي حصل كان غصب عني وعنها


كان إياد يتحدث باندفاع يحاول يائساً تدارك كارثة، غير آبهٍ بتفاصيل اللوم وتوزيع المسؤولية، كل ما يشغله هو مصير صافي وحل ما يمكن ان يحدث لها


بينما في الخارج......

كانت عواصف المكر والضغينة تعصف في أعماق عقل هشام، ترسم مخططًا أشد فتكًا وخبثًا من كل ما اتفق عليه مع والده لم يعد الأمر مجرد إبعادٍ مؤقت، بل إزاحة تامة، كان لا بُد لإياد أن يختفي، أن يُقتلع من الصورة الآن بلا عودة......

حتى لا يبقى أمام عائلة صافي خيار سوى أن يزوجوها له هو......وليس لإياد


#الفصل_الخامس_عشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

دخلت غنوة بيت خالتها باشتياق كبير، ما إن لمحتها خالتها حتى هرعت إليها واحتضنتها، تبعتها حبيبة بذراعين واسعتين، ثم محمود بابتسامة محبة دافئة، وأخيرًا دينا التي قفزت عليها بمرح طفولي، تعالت الضحكات، وامتلأ المكان بالدفء 


بعد وقت من الترحيب والضحكات، سحبتها حبيبة من يدها إلى الغرفة، أغلقت الباب خلفهما، ثم وقفت أمامها تنظر إليها قائلة بنبرة مشككة، وحاجباها معقودان قليلًا :

مالك يا بت، فيكي حاجة متغيرة، شكلك مش طبيعي


ارتبكت غنوة، وتشبثت بابتسامة خفيفة لا تعلم كيف ظهرت على شفتيها، ثم تمتمت :

مالي يعني يا حبيبة، ما أنا زي الفل قدامك اهو


حركت حبيبة رأسها، وقالت بتوجس :

اطلعي من دول يا بت، عنيكي بتلمع، وبتضحكي من غير سبب، وبتلمسي شعرك كل شوية كإنك في إعلان شامبو، ووشك مورد بس مش صحة لا كسوف، فيكي حاجة غريبة يا بت مش مريحاني


تخلت غنوة عن التهرب، وانفرجت شفتيها بضحكة خافتة خجولة، ثم بدأت تحكي.....

حكت عن مشوراهم الغير مخطط له، عن السينما والضحك، مدينة الألعاب، وعن طمأنينة لم تفهمها

كانت الكلمات تخرج منها كطفلة صغيرة، اكتشفت لونًا جديدًا في الدنيا


استمعت حبيبة حتى النهاية بصمتٍ لا يشبه الصمت، كان مزيجًا من تفكير وخوف ودهشة، وما إن انتهت غنوة، ارتسم الغضب على ملامح حبيبة وهي تقول باستنكار :

طب وإنتي شايفة إن ده صح، يا غنوة إنتي خرجتي مع واحد من الصبح لحد بالليل، سينما وملاهي وأكل، وشرب

هو مين مروان ده أصلًا، يقربلك اي عشان يقضي معاكي يوم كامل بالشكل ده، اليوم كله على بعضه باللي بتحكيه ده مفيش فيه حاجة تفرح يا غنوة


سقطت كلماتها على غنوة كالرصاص، ارتخت كتفاها، وهبطت عيناها للأرض كأنها تبحث فيها عن تبرير، كانت تدرك أن بين الفرح والخطأ شعرة، وأن قلبها ربما اندفع أكثر مما يجب.....


تمتمت غنوة بصوتٍ خافت :

بس، والله كانت خروجة بريئة، ما حصلش فيها حاجة خالص


نظرت إليها حبيبة طويلًا، نظرة خوف على قلب يتفتح قبل أوانه، وفي تلك اللحظة، شعرت غنوة وكأن يومها الجميل وُضع على الميزان جهة تحمل السعادة البريئة، وأخرى تحمل سؤالًا كبيرًا عن الثقة والخطوة والخطأ، والصواب......

بين الميزانين، نبضة خجولة تسأل نفسها للمرة الأولى

هل كان اليوم لحظة فرح......أم بداية لشيء آخر !!!!!


ردت عليها حبيبة بنبرة حادة، وقد انعقدت ملامحها بغضبٍ نابع من الخوف عليها :

بلاش تبريرات، بطلي تقاوحي في الغلط اللي راكبك من ساسك لراسك، ولو اللي عملتيه ده صح اطلعي احكي لخالتك كل العك ده عشان تنسل شبشبها عليكي، إيه يا بت، عيشتك مع الذوات هتنسيكي اللي اتربيتي عليه ولا إيه

اظبطي نفسك وارجعي لعقلك، أحسن أقسم بالله أروح أخليهم يرفدوكي وتيجي تترزعي جنبنا هنا، بلا شغل بلا هم


ساد صمت ثقيل لثوانٍ، وبدت غنوة تحارب دمعة خفيفة كادت ان تنساب منها، تنفست ببطء ثم رفعت عينيها نحو حبيبة وهمست بخجل وحيرة :

تفتكري، هو بيعمل كده ليه معايا يا حبيبة.....؟!


تنهدت حبيبة بعمق، ولانت ملامحها قليلًا، وفهمت ما تشعر به ابنة خالتها الآن، وانتابها الخوف الشديد عليها :

غنوة، اللي اسمه مروان ده مش من توبنا، واللي زيهم، شعورهم تجاه اللي زينا، شفقة وعطف مش حب، مش أول واحد يقولك كلمة حلوة تتعلقي بيه وتفكري إنه بيحبك،

إنتي كبرتي ولازم تفهمي الدنيا، ولازم تبقي عارفة ان الدنيا دي عاملة زي الغابة، اللي اسمه مروان ده وارد جدًا انه يكون بيلعب بيكي، وممكن كمان يكون شايفك زي أخته

بلاش تتعشمي وتوجعي قلبك، حطيتي درس ليكي، وخديني عبرة ليكي


ضحكت بسخرية مريرة تخفي خلفها جرحًا قديمًا وهي تتابع :

عيشت معاه عمر كامل، وفي الآخر رماني في الشارع، مفيش راجل ليه أمان، افهمي دي كويس، مفيش راجل هيطبطب عليكي إلا لو ليه مصلحة عندك


تساقطت الكلمات على قلب غنوة كالحجارة، لكن رغم ذلك قالت بثقة :

مش كلهم كده يا حبيبة، صدقيني، أنا شوفت الست حياة وجوزها، الله يستره محتار يعملها إيه من حبه فيها، وهي بتحلف بيه، تشوفيهم تحسي الحب كده بيطلع من عينيهم ده غير ذوقه في التعامل معاها، الدنيا دي فيها الحلو وفيها الوحش


لوحت حبيبة بيدها بضيق وقالت :

مع اللي زينا، بيظهر الوحش بس، ع العموم خدي بالك حرسي منه، ومن أي حد، قلبك غالي، وانتي غالية، والغالي ما يتاخدش بالساهل، مش أي كلمة ولا شوية اهتمام يخلوكي تسلمي قلبك يا غنوة 


أومأت غنوة بشرود، فتركتها حبيبة وخرجت، تمنحها فرصة لتبدل ثيابها !!!


بعد قليل، تمددت غنوة بجانبها في الفراش، تحدثتا طويلًا، ثم ساد الصمت مع حلول الليل، غفت حبيبة، وبقيت غنوة مستيقظة، تحدق في الفراغ بعينين أثقلهما التفكير


قلبها ينبض بقوة، وعقلها يعيد ذكريات اليوم أمامها كأنها فيلم لا تريده أن ينتهي


تذكرت ضحكاتهما، وصوت الألعاب، ونظراته لها.....

تلك النظرات التي لم تحمل نفورًا، بل دهشة واهتمامًا جعلوها تكتشف جمالًا داخلها لم تره من قبل


تذكرت الوردة الحمراء التي أعطاها لها قبل أن يُنزلها أمام البيت، بل وثبتها بجانب اذنها، وردة جعلت قلبها يرتجف كأنه يُولد من جديد للحياة


ظل قلبها ينبض سريعًا، وراح عقلها يعيد تفاصيل اليوم يحفرها كذكرى لا تُنسى، كأنها تخشى أن تستيقظ غدًا فتكتشف أن كل ما حدث كان حلمًا


نامت أخيرًا، وعيناها ما زالت تحمل أثر ابتسامة خجولة، وروحها تتمنى، بل تتوسل ألا يكون هذا اليوم هو الأخير من نوعه في حياتها !!!!!!!

.....…......

في اليوم التالي، داخل أروقة المستشفى الهادئة، كان القلق يكسو الوجوه، والأنفاس محملة بثقل الخوف والدعاء، الجميع اجتمعوا للاطمئنان على آدم الذي لا يزال تحت رعاية الأطباء بالعناية المركزة، بعضهم وقف مترقبًا أمام باب الغرفة، وآخرون افترشوا مقاعد الكافيتريا، بينما لجأ البعض إلى الحديقة الخاصة بالمستشفى بحثًا عن الهواء والسكينة


اثناء هذا الانشغال، استغل يونس الفرصة، واقترب من قمر بهدوء، يقودها نحو طاولة في زاوية حديقة المستشفى، بعيدًا عن العيون، جلس أمامها ونظراته جادة، وصوته خرج خفيض مليء بالحزن، والحيرة :

في الظروف اللي احنا فيها دي، صعب نتكلم في موضوع الجواز، ونوح قرب يرجع، ومفيش وقت خالص


انقبض قلب قمر، وارتجفت أصابعها فوق الطاولة، كانت عيناها زائغتين، وصوتها خرج متحشرجًا بالخوف :

يونس، انا مش عايزة بابا يحصله زي ما حصل لأونكل آدم، بالله عليك ساعدني، أنا مانمتش طول الليل، ومش عارفة أعمل ايه....خايفة.....خايفة اوي يا يونس


نظر إليها يونس طويلًا، صمت للحظة، بداخله صراع لا يهدأ،

الوجع في قلبه حقيقيًّا، والخوف عليها أصدق مما يبوح به، لكن جراح ما فعلته بنفسها، لم تلتئم بعد، ومع ذلك، خرج صوته ثابتًا، دافئًا رغم الألم :

ماتقلقيش يا قمر، في كل الأحوال، ورق الجواز العرفي اللي نوح كان ماسكه أنا أخدته وحرقته زي ما قولتلك، لو قال أي حاجة، عمي أدهم أكيد ثقته فيكي كبيرة، مش كلمتين من واحد زبالة زيه هيصدقهم، ولو هو راجل بجد خليه يثبت كلامه ده


ثم تابعت قمر بخوفٍ أكبر، ويديها تشبثتا بطرف الطاولة :

طب ولو بابا صدق، لو معاه حاجة تانية تثبت كلامه هعمل ايه ساعتها يا يونس؟!


تنفس يونس بعمق، ومسح وجهه بكفيه، وهو يقول بحيرة :

احنا مانقدرش ناخد أي خطوة دلوقتي، جوازنا في الوقت ده هيخلي أبوكي يشك ويصدق كل كلمة يقولها نوح، سيبي الموضوع ده عليا، وانا هتصرف، وهمنع الزفت ده يوصللك بأي طريقة.......


قاطع حديثه، صوت يحمل مكرًا سامًا، نبرة مألوفة كانت يومًا ما تسكن قلبها حبًا، أما الآن فلا تُنذر إلا بالخوف والذعر !!


تجمدت قمر مكانها، وشحب وجهها كأن الدم انسحب من عروقها دفعة واحدة، ارتجفت كل خلية في جسدها حين سمعت صوته خلفها :

امنعني دلوقتي لو تقدر


استدارت ببطء، والرهبة تتملكها، لتجد نوح واقفًا خلفهم، عيناه تحملان نارًا غامضة لا تُفهم، خليطًا من ألم وغل وجرح غائر لم يلتئم، عيناه تعلقتا بها، وبريق غريب ظهر بداخلهما.... بقايا حب أم حقد مكتوم......؟!!


كان يراها ترتعش منه، كأنها ترى شيطانًا لا بشرًا، ورغم قسوة قلبه الآن، إلا أن نظرة خوفها طعنته بقسوة.....

هل صار هو مصدر الرعب لمن أحبها يومًا....؟!

هل اختفى الحب من عينيها تمامًا ليحل مكانه هذا الخوف الوحشي، شعورٌ مُوجع، أقسى مما توقع، لكن الكِبر والظلام لم يسمحا له بالتراجع عما فعله !!!!


أما قمر، فكانت تحدق فيه بعينين مليئتين بالرعب، لم ترى أمامها ذلك الشاب الذي أحبّته يومًا.....

بل وحشًا سرق منها طمأنينتها، وجعل ليلها جحيمًا، وها هو يعود ليكمل ما بدأه


اقترب نوح خطوة، فارتدت هي للخلف، حتى تقف خلف يونس تحتمي به، وهو بدوره تقدم واقفًا كدرع أمامها، يتقد الغضب في عينيه، وكأنه على وشك الانفجار، ثم التفت إليها سريعًا، وخرج صوته آمرًا حادًا :

اطلعي لفوق، يالا


هزت رأسها بخوف وبدأت تتحرك، لكن يد نوح امتدت فجأة وأمسكت معصمها، لكن صرخة شقت المكان، صرخة خوف حقيقي، مفزع، جعلت الأرض ترتعش تحت أقدامهم، اندفع يونس كالنار، أمسك يد نوح بعنف وأبعدها، ثم هوت قبضته على وجهه بقوة تفجرت من قلب يغلي غيرةً وغضبًا !!


ارتد نوح ثم رد اللكمة بأخرى، واندلع الشجار كالعاصفة بين الاثنان، صراع عنيف......وغضبٌ لا يعرف رحمة


كانت قمر تبكي بقوة، جسدها يرتجف، لا تعرف ماذا تفعل، ولا كيف تنقذ نفسها ؟؟


في تلك اللحظة اندفع يوسف من خلفها، وعيناه اتسعتا من الصدمة حين رأى المنظر، واللكمات المتطايرة بين يونس ونوح، وقمر التي تكاد تنهار، أسرع يجذب يونس بعيدًا عن نوح قائلاً بذهول :

ايه اللي بيحصل، انتوا اتجننتوا....؟!


اجتمع موظفو المستشفى ومرضاه على المشهد، لكن يوسف زجرهم بعنف وصرفهم، ثم التفت لقمر، يحاول تهدئتها وهي ترتجف كالورقة :

في إيه يا قمر؟ مالك؟!


كان يونس ما زال يزمجر بنظرات مشتعلة، ونوح يقف أمامه، صدره يعلو ويهبط، عيناه مشتعلة غضبًا ووجعًا دفينًا، ولا أحد منهما يستطيع التراجع


عادا يتقدمان نحو بعضهما، معركة جديدة توشك أن تنفجر لولا الصوت الذي جاء من خلفهما صارمًا :

ايه اللي بيحصل هنا....؟!


انه أدهم، الذي نزل من الطابق العلوي، بوجه متعب، ليرى ابنته ترتجف كالطفلة، واثنين يتصارعان أمامها كذئبين !!!


تفاقم الارتجاف في جسد قمر، وملامحها وجهها بدت شاحبة، دفع يوسف يونس بعيدًا عن نوح، فتنفس يونس بحدة قبل أن يلمح حالة قمر، فهرع نحوها، يجلسها على الكرسي برفق رغم الغضب الذي كان يشتعل فيه قبل ثوانٍ !!


ـ يوسف....هاتلها مية بسرعة

قالها يونس بصوت متوتر، يحمل قلقًا حقيقيًا، بينما قمر كانت تتنفس بصعوبة، صدرها يعلو ويهبط بعنف وكأن الخوف أطبق على رئتيها ومنعها من الهواء !!


اقترب أدهم بخطوات متسارعة، وجهه شاحب من الصدمة والقلق، ومد يده يلامس كتف ابنته بخوف وقلق :

مالك يا بنتي، فيكي اي، انتي كويسة 


لكنها لم تجبه، عيناها تائهة، ودموعها تهطل في صمت، وذعر

تقدم نوح منها خطوة، وملامحه تحولت من الغضب للقلق، وصوته خرج خافتًا، مشوشًا :

قمر، انتي كويسة؟


رفع يونس رأسه إليه بنظرة قرف وكراهية، قبل أن يصرخ أدهم بحدة، وغضب شديد :

ابعد عن بنتي وغور من هنا


توقف نوح مكانه، قدميه لم تتحركا، كانت عيناه معلقتين بقمر، وكأن شيئًا ما يتحطم بداخله مع كل دمعةٍ تسقط منها


تدخل يونس سريعًا، وخرج صوته ثابت لكنه محمل بالتوتر:

عمي، خلينا ناخدها فوق، عشان الدكتور يطمنا عليها


أومأ أدهم بلهفة، واحتضن ابنته من كتفها يقودها برفق، بينما يوسف ويونس يتبعانهما، وقبل أن يتحرك يونس، التفت إلى نوح وألقى عليه نظرة قاسية لا تحتمل تفسيرًا، نظرة تعِدُ بحرب !!!!!


بينما نوح ظل واقفًا في مكانه للحظات، وكأنه استيقظ فجأة من وهمٍ طويل، لم يعد يتذكر سبب قدومه، لم يفكر إلا في قمر وحالتها، في الارتجاف، والذعر بعينيها، في أنه لم يعد سبب أمانها، بل صار مصدر رعبها، غادر ببطء لكن عقله بقى هنا معها، ليس فقط عقله بل قلبه الذي يعشقها رغم كل شيء

..........

في الطابق العلوي

اجتمعوا حول قمر في غرفة كبيرة، أنفاسها ما تزال تتسارع، كأن الخوف يلتهمها من الداخل، حاول الجميع تهدئتها، يربتون على يدها، يقدمون الماء، يمسحون دموعها، لكن الخوف جاثم على صدرها، لا يغادر


ارتجف قلب أدهم، دموعه انسابت في صمت، وهو يحتضن يدها ويقربها من صدره كأنها آخر أمان يملكه في الدنيا


بقيت على هذا الحال دقائق طويلة حتى بدأت تستقر قليلًا، فخرج الجميع واحدًا تلو الآخر لتركها ترتاح


بعد قليل، وقف يونس خارج الغرفة مع أدهم قائلاً بهدوء :

عمي أدهم، أنا فاهم إن الوقت مش مناسب، وإن الكلام ده مايصحش دلوقتي، بس نوح مش ناوي على خير، نظراته كلها شر، وناوي يأذي قمر لأنها بعدت عنه وعرفت حقيقته وكشفته


صمت للحظة، ثم خرج صوته مليئًا بالقلق :

وأنا خايف، خايف قلبها يحن ليه وترجعله، وده واحد مالهوش أمان زي ما حضرتك عارف


ثم تابع بهدوء :

انا عارف ان الوقت مايسمحش، لكن ع الأقل ممكن لما نطمن على صحة عمي ادم، نكتب الكتاب علطول لحد ما الظروف تتحسن ونعمل احتفال، وفرح كبير، انا عارف ان قمر تستاهل تفرح وسط الكل وانا هعوضها بس لما الامور في العيلة تتحسن، وفي الأول والآخر دي كلها شكليات نقدر نستغنى عنها مقابل منفعة كبيرة


نظر إليه أدهم طويلاً، ثم سأله فجأة وبدون مقدمات :

ايه اللي يخليك تقبل بتتجوز بنتي يا يونس وانت عارف ان قلبها مع غيرك، وممكن تحن ليه زي ما بتقول.....؟!!


ارتبك يونس للحظة، لكن بالأخير خرج صوته صادقًا يفيض بما يحمله في قلبه لها :

عشان بعشق التراب اللي بتمشي عليه، يمكن كلامي يبان مبالغة، بس دي الحقيقة، عمري ما حبيت غيرها، ولا قدرت أشوف حد غيرها، حتى بعد ما عرفت بحبها لنوح حاولت أنساها، بس مانسيتش، ولقيت نفسي بحبها اكتر، قولت يمكن حب مراهقة وهيروح لحاله بس ما راحش، انا مهما حاولت انساها ومهما حاولت ابعد، بقع في حبها اكتر


لم يستطع أدهم منع ابتسامة فخر خفيفة ارتسمت على شفتيه، لكنه ما زال حبيس قلق أبٍ لا تكتمل رؤيته، فاقترب قليلًا منه وسأله بصوتٍ خفيض :

بنتي فيها إيه يا يونس، انا عارف إنها حكتلك، لكن انت مخبي عليا زيها


حبس يونس أنفاسه، ونظر للأرض قبل أن يردد بهدوء مصطنع، يخفي خلفه عاصفة :

بنتك بخير يا عمي، ومافيهاش حاجة، اللي بنمر بيه كلنا مأثر عليها مش اكتر، هتبقى كويسة إن شاء الله


ثم رفع عينيه إليه بثبات، وقال بهدوء :

لو سمحت يا عمي فكر كويس في اللي قولتله لحضرتك، ورد عليا في اقرب وقت


كان يونس قد ذهب، تاركًا أدهم واقفًا في الممر، نظراته معلقة على باب غرفة ابنته، وقلبه يعتصره القلق والحيرة


في الجهة المقابلة، كان إلياس واقفًا يتابع كل شيء من بعيد، تقدم بخطوات هادئة حتى وقف بجانب أدهم، وأسند ظهره إلى الحائط، وصوته خرج هادئًا لكن ثابتًا :

ابني وبنتك مخبيين حاجة يا أدهم


التفت أدهم إليه بحدة قلقة، بينما أكمل إلياس دون أن ينظر إليه، كأنه يستدعي ذكريات بعيدة منذ زمن :

فاكر أيام زمان؟


ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يتنهد كلاهما في الوقت نفسه، كأن الحنين باغتهما معًا، ابتسم إلياس بخفة، وقال :

اتوجعنا فيها كتير اوي، اتوجعنا ووجعنا، كل واحد فينا عاش حياته زي ما اختارها، صحيح معظم اختيارتنا كانت غلط لكن كلنا اتعلمنا منها.......


رفع أدهم عينيه إليه، وصوته خرج مليئًا بالقلق :

عاوز تقول إيه يا إلياس؟


أجابه إلياس بهدوء :

عاوز أقولك إن أولادنا كبروا، سيبهم يتعلموا بنفسهم، أنا واثق إن ابني هيصون بنتك، وإنت واثق إن بنتك مستحيل تغلط، طالما مفيش حاجة حرام ولا حاجة من ورانا، يبقى نسيبهم يتحملوا نتيجة اختيارهم يا أدهم !!


حدق أدهم فيه بغضب، وقال بحدة :

يعني أرمي بنتي وأقول تتعلم يا إلياس....؟!


حرك إلياس رأسه بثبات قائلاً :

انا ماقولتش كده يا أدهم، اسمعني للآخر، أنا اقصد ان احنا نوجههم نعرفهم عواقب الخطوة دي، وايه مميزاتها، وايه عيوبها، ونسيبهم هما يختاروا ويقرروا بنفسهم، سيبهم وفي نفس الوقت عينك عليهم، واتدخل في الوقت المناسب، عند اللزوم يعني يا أدهم !!


ثم تابع بمرح وغرور محبب :

وبعدين انا واثق ان ابني هيخليها تحبه وتدوب فيه دوب


حاول أدهم يكتم انفعاله، لكن ضحكة خفيفة ساخرة خرجت رغماً عنه، فتابع إلياس بثقة :

متخافش يا أدهم، ابني قدها وقدود، وهيحافظ عليها، ووعد مني هحط بنتك في عيني ولو ابني في يوم غلط فيها، ساعاتها حقها انا اللي هجيبه منه بنفسي


رد عليه أدهم بضيق، وهو رأسه يكاد ينفجر من الصداع :

طب ليه يونس يظلم نفسه، وليه قمر تتجوزه وهي مش بتحبه، انا خايف على بنتي من الوجع يا إلياس 


أجابه إلياس بهدوء :

الوجع بيقوي يا أدهم، ومفيش حد مات من وجع الحب، سيب بنتك تختار، عشان ماتجيش يوم وتلومك إنك اخترت ليها طريقها


اخفض أدهم رأسه، وتنهيدة ثقيلة خرجت من بين شفتيه،

نظر لابنته من فتحة الباب، رآها على السرير، عينيها مغلقتين لكن ارتجاف رموشها يفضح خوفًا لم يهدأ بعد، كان قلبه يتمزق عليها، بين حماية أب، وبين ضرورة أن يتركها تقف وحدها لأول مرة


لكن عقله لم يهدأ إلا حين عاد إلى زوجته، وحكى لها، كانت كلمتها الأخيرة هي الحسم، ونبرة صوتها امتلأت بنضج المرأة التي تعرف الحياة جيدًا :

الياس معاه حق يا أدهم


رفعت يدها تضعها على ذراعه بحب :

بنتك ضعيفة، لأننا حميناها بزيادة يا أدهم، جه الوقت انها تواجه الدنيا، بس مش لوحدها، تحت عيونا، وانت عارف اني عمري ما هلاقي لبنتي حد أحسن من يونس 


ثم اقتربت منه أكثر وهمست بثبات :

اتكل على الله يا أدهم، بس مش دلوقتي، نستنى آدم يفوق الأول، وبعدها كل حاجة تتحل في وقتها، ولينا قاعدة تانية مع بنتنا قبل ما نقرر


حرك أدهم رأسه، وما زال صدره يعلو ويهبط بثقل كبير، اقتنع بكلامها نوعًا ما لكن قلبه، ما زال يرفض.....!!!!!


مر الوقت ببطءٍ ثقيل، كأنه يحمل على كتفيه كل ما دار قبل ساعات من جدل وحيرة 


جلست قمر على طرف السرير، ويونس إلى جوارها، يحكي لها حديثه مع والدها، وما  ان أنتهى قال بهدوء :

انا هحاول على قد ما أقدر امنع نوح إنه يقرب من والدك الفترة دي، وهحاول اشغله لحد ما الموضوع يتم


أومأت قمر بصمت، وللمرة الأولى مدت يدها بحذر وأمسكت بكف يونس، وقالت بدموع مهددة بالسقوط في أي وقت :

انا متشكرة اوي يا يونس على كل حاجة، وآسفة.....آسفة إني دخلتك في الموضوع ده، وإنك هتتدبس في جوازة من واحدة زيي


كانت عينا يونس معلقتين بها، نظرةٌ امتلأت بحُب دام كتمانه سنين، حبٍ متراكمٍ في صدره حتى ضاق به، فلم يجد سبيلًا لإظهاره ولا قدرة على كتمانه، ابتسم بخفة، ومال نحوها قليلًا وهو يقول بنبرة هادئة، صادقة حد الوجع :

تدبيسة، طب والله دي أحلى تدبيسة حصلتلي في حياتي،

ياريت كل التدبيسات تبقى كده


ارتبكت قمر، وارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة، ظنت الأمر مزاحًا، دعابةً يطلقها كما اعتاد، فقهقهت بخفوت، شهقة صغيرة خرجت من صدرها المتعب كأنها للتو تُعيد لالتقاط أنفاسها بعد خوفٍ طويل أثقل قلبها


تابع يونس حديثه معها، ينسج حولها دفئًا خفيفًا كي يهدئ ارتجافها، يسألها عن ذكريات طفولتهما، يروي لها طرفةً، يعلق على شيءٍ تافهٍ في الغرفة......

أي شيء يُبعد ذهنها عن صدمتِها الأخيرة وعن الرعب العالق في عينيها، يخشى عليها حتى من نفسها، يخاف من تلك النظرة الشاردة التي تهرب فجأة، وتغرق بها بعيدًا !!


عند الباب، وقف إلياس يتابعهما بصمت، إحدى يديه في جيبه، والرضا يتسرب إلى ملامحه شيئًا فشيئًا


ابتسامة خفيفة ارتسمت على محياه، تحمل مزيجًا من الدهشةٍ والفخر......والطمأنينة

لم يكن يرى أمامه مجرد ابنٍ مع فتاةٍ يحبها

بل كان يشهد غرق قلبٍ في العشق، انسياب روحٍ نحو أخرى بلا تردد، ونبضًا اختار طريقه دون استئذان


هناك، خلف نظراته الهادئة، كان قلب أبٍ يدعو في صمت

أن يُكتب لهذا الحب أن يكتمل،

أن يحفظ القدر تلك الملامح المضيئة من أي انكسار


فالحب حين يسكن الأبناء

يمتد الفرح في صدور الآباء أضعافًا !!

.............

امتلأت القلوب بفرح خافت، فرحٍ شاحبٍ ومرهقٍ بعد أيامٍ طويلة استعاد فيها آدم عافيته أخيرًا، لكنه أبى أن يبقى في المستشفى لحظة إضافية، وقرر إكمال علاجه في الفيلا


كان الصمت يُحيط به كجدارٍ صلب، يرد بكلماتٍ مقتضبة، نظراته تُطفئ كل محاولة للاطمئنان عليه

أما زينة، فجلست بجواره تحمل وجعًا مماثلًا، صمتٌ خانق، عيون لا تعرف سوى الخزي والانكسار !!


وجعٌ ما بعده وجع، جرحٌ لا يُشفى، وكل ذلك بسبب ابنتهما، بسبب الموقف الذي وضعتهما فيه، ورغم كل هذا الألم، ظل في قلب آدم بصيص أمل.....


أملٌ بأن تقسم له ابنته حين يخرج أنها لم تخطئ، أنها لم تُلطخ اسمه وسمعته، انها لم تحني ظهره، وأن الفيديو مركب وليس حقيقي


لكن كلما تذكر صمت ابنه ياسين ونظرات غضبه عند ذكر اسم ابنته، كلما صارت الحقيقة كخنجرٍ في قلبه، ابنته حقًا أخطأت، الفيديو لم يكن خداعًا كما تمنى !!!!!


دخل آدم الفيلا بخطواتٍ ثقيلة، وما ان رأته صافي اندفعت نحوه تركض، فلم تستطع الاحتمال أكثر كانت في حاجة لطمأنينته، لحنانه، لسنده الذي لطالما حماها......

تريد ان تطمئن عليه، لكن آدم لم يبادلها العناق، ولم يلتفت لها في الأساس، بل صعد الدرج بصمتٍ يُمزق القلوب


عم الصمت، حزنٌ ثقيل خيم على الجميع، لا أحد يدري ما يقول، ولا كيف يصلح ما انكسر


بعد وقتٍ طويل، وقفت صافي أمام والدها، بعدما غادرت عائلة إلياس، وسارة، وكذلك أدهم، لم يبقى إلا الأخوة الخمسة وابنائهم !!


الخوف ينهش قلبها، تتمنى لو تبتلعها الأرض، اياد لا يجيب اتصالاتها منذ أيام، رفع آدم عينيه إليها وسأل بهدوءٍ أربك الجميع ؛

حصل حاجة بينك وبين ابن جلال الخولي؟؟


صمتت، وانهارت دموعها قهرًا وألمًا، تتمنى لو تستطيع الدفاع عن نفسها، لكن الكلمات خانتها، والواقع كان أقسى من قدرتها على الكلام


تدخّلت مهرة، ونبرة السخرية تقطر من صوتها :

هتتكلم تقول ايه، ما الجواب باين من عنوانه


لكن أوس قاطعها قائلاً بنظرة قاسية حادة :

مهرة


صمتت مهرة مُجبرة، تخفي فرحةً خبيثة في عينها

اقتربت صافي من أبيها خطوة، وقالت بصوتٍ متحشرج، مختنق بالدموع، والألم :

اياد بيحبني يا بابا، وكان مستعد يتجوزني من بكره لو حضرتك وافقت، اللي حصل كان.......


لكن صوت أخيها قطعها كالسيف، وهو يقول بنفور ومقت منها بسبب ما فعلته بهم، وبنفسها :

حبيب القلب اللي بيحبك ومستعد يتجوزك

هرب بره مصر أول ما عرفنا حقيقته، هرب وسابك بعد ما أخد كل اللي هو عاوزه منك، وعنده حق مين يتجوز واحدة رخصت نفسها ليه زيك


هل سمع أحدٌ الآن صوت قلبها وهو يتحطم...؟!

هل رأى أحدٌ روحها وهي تتلاشى...؟!

دمها انسحب من عروقها كأن الحياة تهجرها، نظرت حولها فوجدت مزيجًا قاتلًا من الشفقة والخذلان والغضب......

نظراتهم خنقتها أكثر مما قد تفعل الكلمات


 لم تحتمل، بل تهاوت أرضًا فاقدة الوعي، تتمنى ألا تستيقظ أبدًا، تتمنى أن تكون هذه نهاية الحكاية، فالموت أهون من العيش في ظل هذا العار، وهذا الوجع المُهلك !!!

.............

خارج البلاد، كان إياد جالسًا في ركنٍ معتم من ذلك البار الفخم، يرتشف الكأس تلو الآخر وكأن الخمر وحده قادرٌ على إطفاء النيران التي تشتعل داخله، محاولاته للنسيان باءت بالفشل، فطيفها كان حاضراً، يطارد عقله وذاكرته ولا يرحل

 

هشام عاد إلى مصر صباحًا، ولم يبقى هنا سواه، محاصرًا بحرسٍ أمر بهم والده خشية أن يتهور ويعود، فيجد آدم الطريق مفتوحًا لينتقم منه


الكحول أثقلت جفونه وأربكت خطواته، حتى لم يعد يرى بوضوح، اقتربت منه فتاة فاتنة، عيناها تلمعان بالإغواء، يدها امتدت تلامس ذراعه بخفة.....ورغبة !!


لكنه لم يكن لها، قلبه هناك، مع تلك التي تركها وراءه، مع الوجع الذي لم يبرأ تلك الصدمة التي مزقته حين اكتشف حقيقتها — أو هكذا أقنع نفسه — خيانة، طيش، تلاعب تمامًا كما فعلت والدته يومًا 


عجز عن استيعاب خديعتها أو خديعته لنفسه، نهض مترنحًا، أبعدها عنه بقسوة، ومضى نحو الخارج بلا توازن، تبعته الفتاة ودخلت سيارته عنوة، والحراس ظنوها من طرفه فلم يمنعوها !!!


بعد وقت، كانت تمسك بيده وتساعده على دخول غرفته في الفندق، اقتربت منه بلا حياء، بلا تردد......

بينما كان هو غائبًا عن وعيه، يرى فيها صورة صافي، لبرهةٍ بدا أنها هي، أنها عادت إليه، أنها أمامه أخيرًا، اقترب منها كمن يهرب من نفسه إليها، سلك الطريق الذي وعدها ان يهجره لأجلها، ووعدها ألا يخلفه........


ليتها رأته الآن،

ليتها لم تراهن على قلبٍ هش لا يُجيد سوى الهرب


ليتها لم تؤمن بشخصٍ لا يؤمن حتى بنفسه،

وليته لم يكذب حين وعد، وليت الوعد لم يُقال أصلًا !!!



#الفصل_السادس_عشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

دخل ياسين غرفة أخته صافي بخطواتٍ حذرة، لكن وقع أقدامه كان كأنه يزلزل الأرض تحتها، كانت متكورة على نفسها عند طرف السرير، كتفها يرتجف، ووجهها شاحب كأن الحياة فرت منه، ما إن رفعت عينيها نحوه حتى انكمشت أكثر، كأن حضوره ثقل فوق جراحها !!!


اقترب وجلس إلى جوارها دون أن يلمسها، لكنه ترك مسافة مشتعلة بالغضب والوجع، تنفس بعمق، ومع أول كلمة خرج صوته مليء بالحزن والعتاب :

عملتي كده ليه، كان ناقصك إيه عشان توطي راسنا بالشكل ده، ابوكي وأمك ذنبهم إيه يعيشوا بالعار ده قدام الكل، وراسهم في الأرض بسببك، ابنك اللي هتخلفيه من الحرام ده ذنبه ايه عشان يجي الدنيا في الظروف دي، امك وابوكي عمرهم ما قصروا معاكي في حاجة عشان يكون ده جزائهم !!


كانت كلماته تنهال عليها كالصفعات، كل واحدة تشق قلبها نصفين، لم تحتمل اكثر.......فانفجرت باكية !!

بكاءٌ ليس مجرد دموع، بل صراخ روح محطمة، بكاء يجرح الأذن والروح معًا


نظر إليها ياسين، والغضب يذوب شيئًا فشيئًا أمام انهيارها، ردد بصوتٍ لينًا اكثر من قبل لكنه محمل بقهر لا حدود له :

ردي قولي انك اتغصبتي، واجبرك على كده

قولي إن تربية أبوكي ما راحتش فـ الأرض

قولي إنك مش ممكن تعملي كده برضاكي

قولل أي حاجة، أي كلمة تطفي النار اللي ولعتيها في قلوبنا


رفعت رأسها، وعيناها غارقتان في ألم عميق، خرج صوتها مشقوقًا، مبحوحًا، خائفًا :

والله أنا مش فاكرة يا ياسين، انا لو فـ وعيي، عمري ما كنت هعمل كده، أنا.....أنا صحيت لقيت نفسي جنبه، ومش فاكرة حاجة ولا أعرف حصل إزاي ولا إمتى ولا إيه اللي اتعمل فيا


ارتج جسد ياسين، واعتدل في جلسته فجأة، كأن صدمة كهربائية أصابته قائلاً بصرامة :

احكيلي.....احكيلي كل حاجة حصلت من الأول خالص


أغمضت صافي عينيها وانهمرت دموعها بغزارة، وبدأت تحكي، تروي له تفاصيل اللقاء الأول بـ إياد، النظرات، المصادفات المدبرة، الكلام المعسول، ثم تلك الليلة التي استيقظت فيها على كابوس حي، لا تعرف كيف دخلته ولا كيف خرجت منه، ومع كل حرف تنطقه، كان ياسين يغلي..... يغلي حتى شعر بأن عروقه ستنفجر 

الخيوط تتشابك أمامه.....

شقيقته لم تخطئ بل سُلبت، استُدرجت

سُحبت إلى مصيدة صنعها ابن جلال الخولي بدم بارد ليسرق شرفها !!


وقف ياسين فجأة، كان على وشك اقتلاع الباب بيده، لكن خطوته تجمدت

عند باب الغرفة، حيث كان آدم، والدهما، واقفًا بعروق بارزة من شدة الغضب،وما إن التقت عينا صافي بعينيه حتى شهقت، وجرت بسرعة نحو الشرفة، تهرب منه، ومن نظراته التي تحرقها !!!


أما آدم فاقترب من ياسين بوجهٍ يشتعل غضبًا وألمًا في آن واحد، قائلاً بصرامة :

جمع اعمامك في المكتب فورًا


لم تمر دقائق حتى كان المكتب الكبير يموج برجال العائلة، وكل واحد فيهم يحمل غليانًا داخليًا لا يقل عن الآخر 


تدخل ريان قائلاً بتعقل  :

جلال مستحيل يعمل كده، مستحيل يضحي بالعشرة اللي بينا عشان مشروع، وبعدين لو عمل كده عشان المشروع ده كان زمانه فاز بيه بدل عمران !!


ضرب آدم المكتب بقبضة يده، والشرر يتطاير من عينيه :

ما هو ده اللي مجنني، فيه حاجة غلط في الموضوع انا مش قادر افهمها


تدخل امير قائلاً بحدة :

ما يمكن ابنه هو اللي عمل كده من وراه عشان يطولها ما انت عارف سمعته اللي زي الزفت يا ادم


ردد أوس بغضب :

احنا هندوخ نفسنا ليه، البت صاحبتها اكيد عارفة كل اللي حصل مستحيل كل ده يحصل في بيتها وهي مش عارفة، كمان على حسب كلام صافي انها ماحستش بحاجة، ولا فاكرة اللي حصل من بعد ما شربت العصير منها، البت دي ليها يد في اللي حصل كله 


صرخ ثائر ابن امير بغضب متشنجًا :

ما يمكن هزار قذر من الشلة الزفت دي


نظر إليه مالك وقال بتعقل :

لو هزار زي ما بتقول يا ثائر ماكانوش هددوا عشان ننسحب من المشروع، اللي حصل كله من البداية مدبر


صرخ آدم عليهم بنفاذ صبر وغضب مشتعل بصدره :

خلصنا، كل واحد قال اللي عنده خلاص


ساد الصمت بينهم ثقيلًا، خانقًا، حتى رفع آدم رأسه وقال بصرامة وهو يملي عليهم اوامره :

مالك انت وثائر تقلبوا الدنيا ع البت دي وتجيبوها انهارده قبل بكره 


ثم التفت إلى ابنه ياسين وقال بحدة :

شغلتك الوحيدة دلوقتي، ابن جلال الخولي تجيبه ولو في آخر الدنيا، حتى لو اضطريت تشيل الحجر وتدور عليه تحتيه، ان كنت بدور الايام اللي فاتت قيراط تدور عليه دلوقتي اربعة وعشرين قيراط فاهم 


أومأ ياسين بثقة، وفي عينيه نار تشبه نار أبيه، ثم التفتت ادم لأمير قائلاً :

رجالتنا يفضلوا ورا كل عيلة جلال، عينيهم تكون على 

أخوه، وابن أخوه، وبيته كل نفس بيتنفسه يكون عندي، راقبوا كل مكالمات جلال حتى لو هتدفع ملايين مقابل ده، جلال اكيد بيتصل يطمن على ابنه، وساعتها هنعرف هو فين بالظبط


ثم التفت إلى أوس قائلاً بغضب :

عمران كل حاجة تخصه تكون عندي، وخصوصًا الفترة اللي فاتت كان بيشوف مين وبيتكلم مع مين، كل حاجة يا اوس تخصه عاوز اعرفها


ثم أضاف بصوتٍ خافت، لكنه مرعب :

اما جلال، فأنا هتصرف معاه بمعرفتي


هنا تدخل ريان قائلاً بسخرية، مع قليل من المرح :

وأنا ماليش لازمة ولا إيه؟


التفت إليه آدم ببطء، لكن نظرته هذه المرة لم تكن نظرة قائد يأمر، ولا رجل يثور، كانت نظرة أخٍ يستنجد بأخيه

عيناه امتلأتا برجاءٍ خافت، رجاء لا يُقال بالكلام......

نظرة حملت الكثير، كان ادم يوصيه بصمت على صافي، على ابنته، وجنينها، فهم عليه ريان، فردد بهدوء :

حاضر يا آدم هخلي بالي منها


كانت تلك اللحظة هي الأهدأ في وسط العاصفة

لحظة عبرت فيها الكلمات من عين إلى عين دون صوت

خرج الجميع ينفذون أوامره، وبقي آدم وحده، يضغط على قبضته حتى ابيضت، وصوت ابنته يتردد داخل رأسه وهي تروي لشقيقها ما حدث معها !!!!

..............

بعد وقت قصير.......

كانت صافي جالسة في غرفتها، تضم ركبتيها إلى صدرها، وعيناها لا تكفان عن البكاء، الهاتف بين يديها يرتجف كأنه يحمل نارًا، والفيديو الذي وصلها منذ دقائق يعيد نفسه أمام عينيها بلا رحمة.....

إياد، الرجل الذي وعدها بالستر، ينام في أحضان امرأة غريبة

الطعنة لم تكن خيانة فقط، بل كانت تأكيدًا لأبشع فكرة دارت في عقلها منذ اليوم الذي وعت فيه على نفسها بعد هروبه،

ان ما حدث كان مؤامرة، ولعله كان جزءًا منها !!


انهار جسدها حتى شعرت بأن الهواء يثقل صدرها، فنهضت بقدمين متعبتين ونزلت الدرج بخطوات هلامية، لا تكاد تشعر بالأرض، كانت الفيلا صامتة إلا من همسات الخدم في المطبخ، دفعت الباب ودخلت بينهم دون أن يلحظ أحد وجودها، اتجهت نحو درج صغير وأخرجت منه سكينًا حادًا، ثم أغلقت قبضتها عليه وخرجت كما جاءت، بلا صوت !!


عادت إلى غرفتها، أغلقت الباب، ثم فتحت هاتفها، ودخلت إلى رسائلها مع إياد، عبر احد منصات التواصل الاجتماعي....


كانت قد أرسلت مئات الرسائل، تنتظر منه ردًا واحدًا فقط كلمة، حرف، أي إشارة تُطمئن قلبها المكسور، لكنه لم يفعل ومنذ اللحظة التي أدركت فيها خيانته وهروبه، جفت أنفاسها وانطفأ فيها شيءٌ لا يعود، توقفت عن إرسال المزيد، لكن ما قهرها حقًا، أنه كان يقرأ كل رسائلها ولا يرد، كان يشاهد انكسارها بصمت، وكأنها لم تكن يومًا شيئًا في حياته !!


كانت تقف في غرفتها، تمسك هاتفها بيد مرتعشة، العجز يثقل صدرها والعار يخنق أنفاسها، لم تكن ترى الأرض تحت قدميها، بل ترى نظرات أبيها وأمها، نظرات الناس، نظرات كل من عرف ما حل بها، سقطت من أعين الجميع، وصارت رخيصة في نظر نفسها قبل ان تكون رخيصة في أعينهم

حتى هو......باعها !!

باعها بعد أن اختارت أن تكون إلى جواره، بعد أن تمسكت به رغم كل السوء الذي بحياته،

رغم رفض والدها، رغم كل شيء

ليكون الرد الوحيد الذي قدمه لها.....الخيانة والغدر


لقد خسرت كل شيء، خسرت مستقبلها، كرامتها، وقبل كل ذلك لقد خسرت نفسها، غاب عقلها تمامًا، لم تعد تشعر بجسدها، ولا بما تفعله، لم يكن يرن في أذنيها إلا جملة واحدة  انها لا تستحق العيش !!!


فتحت محادثتهما، وضغطت على زر تسجيل الفيديو،

بمجرد أن تخيلته أمامها، انفجرت الدموع من عينيها رغمًا عنها، بدا صوتها مكسورًا، محروقًا، وهي تقول بصوتٍ مرتعش حزين :

انا وثقت فيك، قبلت بيك رغم كل الوحش اللي في حياتك،

اتمسّكت بيك رغم رفض أبويا للعلاقة دي، انا ازاي كنت بالسذاجة والغباء ده كله عشان اصدق ان واحد زيك ممكن يتغير، وثقت فيك وانت خدعتني، لعبت عليا انت وميرا

عشان تاخد اللي أنت عايزه مني

انا اتدمرت حياتي بسببك

أنا مش قادرة أرفع عيني في حد بسببك

أبويا وأمي تعبوا وكانوا هيروحوا فيها برده بسببك

أنا عمري ما هسامحك، ولا عمري هنسى إنك سيبتني وهربت

عمري ما هنسى غدرك، ولا هخليك تنساني

عيش بذنبي يا إياد، عيش بيه طول عمرك

عيش بذنب موتي انا وابني اللي هيموت معايا، ابني اللي مكنش يستاهل ييجي الدنيا كده، مكنش يستاهل يلاقي أب زيك، ولا أم غبية زيي، غلطت لما وثقت في واحد زيك


كانت تحيط بطنها بكلتا يديها، وجسدها يهتز بعنف، كأنها تحتضن آخر ما تبقى لها، وهي تتابع حديثها بصوتٍ مبحوح :

عيش بذنبي لأني عمري ما هسامحك ع اللي عملته فيا، عمري ما هسامحك يا اياد


مدت يدها المرتعشة إلى السكين على الطاولة، نظرت إليها كمن ينظر إلى خلاص بعيد، رفعت السكين أمامها، والدموع تُغرق وجهها، ثم همست بصوتٍ مليء بالألم :

عيلتي متستاهلش الفضيحة، ميستاهلوش اللي بيحصل ده

عشان كده، لازم أخلصهم مني، ومن العار اللي إنت كنت سببه

واللي أنا كمان كنت السبب فيه.....لأني صدقتك


ثم بلا تردد، ولا صرخة، قطعت شريان يدها

سال الدم بغزارة، وبدأت الدنيا تدور حولها، عيناها الواسعتان كانتا تتحركان في كل اتجاه، تبحثان عن شيء لا يُرى بصعوبة شديدة ضغطت زر إرسال الفيديو، ثم سقط الهاتف من يدها......وسقطت هي أيضًا !!


ارتطم جسدها بالأرض، والدم يتجمع حولها كظلّ ثقيل أغمضت عينيها ببطء، آخر ما رأته كان جوان، واقفة عند الباب، تصرخ بهلع، وتركض نحوها، ثم غاب كل شيء !!!!

..............

كان اياد كعادته، كلما لاح له إشعار باسمها، يتردد، يتجمد، ثم يستسلم لضعفه ويفتح الرسالة

هذه المرة كان ممددًا على الفراش، وبجانبه تلك الفتاة، كلاهما في وضعٍ مخزي، وحين فتح الفيديو، وسمع صوت صافي المرتجف وهي تحتضر بكلماتها، ارتفعت أنفاسه بغتة، وكأنه غريق انتُشل من الماء، انتفض من مكانه بقسوة، كأن شيئًا ضرب قلبه، قفز من على الفراش، جذب ملابسه سريعًا، يده ترتعش وهو يحاول الاتصال بها، لكن لا رد !!


خرج يركض في الممرات، ورجال الحراسة خلفه يسألونه بلا فهم، وهو لا يرد، كل ما يفعله هو الضغط المتكرر على زر الاتصال، لعلها تجيب لكن لا اجابة......

تردد قبل أن يتصل بوالدها آدم لكنه حسم امره واتصل به عدة مرات لكنه لا يرد مثل ابنته !!!!!


وقف للحظة، تائهًا بين الخوف والندم، يشعر أن صدره يُسحق سحقًا، كان يعرف أنه لن يستطيع العودة إلى مصر بسهولة، والحراس يحيطون به، فذكاؤه الأسود لم يخنه هذه المرة

أشار لرجال الحرس على شاب يمر بالجوار انه سرقه، وما ان ركض الحرس خلف الشاب المسكين، كان إياد يركض في الاتجاه الآخر، بكل قوته، هرب منهم جميعًا، واتجه مباشرةً نحو المطار !!!!


المرة الأولى هرب.....

هرب خوفًا وجُبنًا، هروبًا أعمى لا يرى فيه إلا نفسه، ولا يهتم بما يمكن أن يسقط فوق قلبها بسببه، تركها تواجه وحدها ما كان ينبغي أن يواجهه معها، ومضى كأنها لم تكن يومًا جزءًا من حياته، ولا من رجولته


أما الآن فهو يهرب أيضًا، لكنه يهرب إليها، لا منها

يركض ليلحق ما يمكن إنقاذه، ولو أنه يعلم في داخله أن عودته تأتي بعد خرابٍ لا يُرمم، وبعد وجعٍ لا يُغتفر

فبعد أي شيء يعود، وإلى ماذا يعود، وماذا سيجدي حضوره بعدما صار الندم أثقل من أن يُحمل، وأبطأ من أن ينقذ.....؟!


جميع الأعذار التي حاول إقناع نفسه بها انهارت

كل الأكاذيب التي احتمى خلفها اختفت

الآن فقط يرى حقيقته عارية بلا تبرير، يرى كم كان حقيرًا حين هرب، وكم كان ضعيفًا حين تركها تواجه الكل وحدها


عاد هذه المرة وهو يحمل في عينيه احتقارًا لنفسه لا يشبه أي شعور آخر، عاد وهو يعلم أن الذنب والخذلان الذي عاشته بسببه لا يُمحى بعودته !!

.........

على الجانب الآخر، كان ياسين يحمل شقيقته بين ذراعيه جسدها بارد ودمها يلطخ ذراعيه، وكل ملابسه 

ركض بها إلى السيارة، والعائلة كلها تركض خلفه في حالة من الرعب والفوضى


كان آدم مصدومًا، لم يكن يقوى على الكلام، ولا يصدق أن ابنته.....ابنته التي رباها بيديه، فعلت هذا بنفسها

شعر أن قلبه يُكسر، يُنزَع من صدره، لكنه ظل متماسكًا لأجل زينة التي كانت تنهار لحظة بعد أخرى


حملوا صافي إلى غرفة العمليات، بينما كان آدم يسير خلف السرير وعيناه على وجهها الشاحب، يدعوا الله بداخله ان ينجي ابنته من كل سوء، وقبل أن تُغلق أبواب العمليات، أمسك آدم بيد أخيه ريان، وقال بصوت مرتعش، مليء بالتوسل :

بنتي يا ريان......بنتي


ربت ريان على كتف شقيقه قائلاً بتعجل :

في عيني يا اخويا، هعمل كل المستحيل عشانها، اطمن


جلس الجميع في الردهة، ونار القلق تنهش قلوبهم بلا رحمة،

مر الوقت ببطيءٍ شديد عليهم حتى خرج ريان اخيرًا !!


نهض آدم وزينة دفعة واحدة، عيونهما معلقة بملامحه، ابتسم ريان ابتسامة صغيرة مطمئنة، وقال وهو يربت على كتف أخيه :

اطمّن يا أخويا صافي كويسة الحمد لله والجنين كمان بخير

شوية وهينقلوها أوضة عادية عشان تشوفوها


انهار آدم على صدر ريان في عناقٍ طويل، مليء بالامتنان، الضعف والإنكسار، شعر ريان بوهن أخيه، ون قدميه لم تعد تحملاه، وأن ثقل السنين كلها قد سقط فوقه بتلك اللحظة


بينما زينة بدورها سقطت على ركبتيها تبكي بحرقة، فاقترب ياسين ورفعها برفق، التفت ادم واحتضنها قائلاً بخفوت يحاول تهدئتها :

هتبقى بخير يا زينة......بنتنا هتبقى بخير ان شاء الله 


بعد قليل، فتحت صافي عينيها ببطء، لتجد والديها بجوارها

بمجرد أن تذكرت ما حدث، فاضت دموعها، ورفعت عينيها عنهم بخجل وانكسار


اقترب آدم منها، وصرخ عليها بغضب نابع من خوفه الشديد عليها :

عاوزة تموتي كافرة، مش كفاية اللي عملتيه في حق نفسك يا غبية، رايحة ترتكبي ذنب أكبر، بتعملي فينا كده ليه....؟!


بينما زينة لم تستطع أن تقسو عليها، ولم تستطع أن تنهرها، ضمتها إلى صدرها بحنان، وهي تحمد الله بداخلها انه اعاد إليها فلذة كبدها، وانها سالمة الآن 


خرج آدم من الغرفة منهكًا، مهزومًا، ربت أوس على كتفه قائلاً بقليل من المرح :

ايه العضمة كبرت ولا اي يا كبير، مالك اجمد كده ده احنا عيشنا الامر منه زمان


تنهد آدم بعمق، ثم قال بألم وحزن :

لما حياة اتوجعت من ابنها يوسف، من جوايا كنت بلوم ضعفها، هي وبدر، وسكوتهم

دلوقتي بس فهمت يا أوس، فهمت هي كانت حاسة بإيه،

وجع الولد أو البنت بيكسر، بيهد الحيل، خصوصًا لما تكون حاطت كل أملك فيهم، ومش متوقع أبدًا الوجع ده ييجي منهم، بيكسرك من جوه لما تشوف اللي زرعته فيهم وتربيتك ليهم راحت على الأرض وكل تعبك عليهم راح هدر !!


حرك أوس رأسه إليه بحزن، وهو يعلم في أعماقه أن ما يمرون به هذه المرة هو الأسوأ، وما عاشوه في الماضي لم يكن شيئًا مقارنة بما يعيشه الآن، فهذه المرة الألم جاء من أولادهم، وفي أولادهم !!!!!!

............

كانت بسمة جالسة في غرفتها، ترتجف من شدة الرعب، قلبها يدق بعنف كأنه يريد الخروج من صدرها، لم تستطع التحكم بدموعها، فألمها وغضبها وكرهها لضعفها امتزجوا في شعور خانق، كانت تكره ذلك الضعف الذي جعلها عرضة لكل هذا، بينما شقيقها نوح، الذي كان يُفترض أن يكون سندها، غارق في عالمه الخاص، يسعى خلف انتقام أعمى، ناسياً وجودها وناسياً نفسه


نزلت دموعها أكثر قهراً، وفتحت باب غرفتها بحذر لتجد نفسها أمام مشهد صادم من المفترض انها اعتادت عليه، ذلك المدعو وائل، يقف مع سمر في وضع مخزي على درج السلم المقابل لغرفتها، في تلك اللحظة، أدركت بسمة أن أخاها ليس في البيت، وأنهما استغلا غيابهما ليفعلا ذلك !!


قبل أن تتمكن من الفرار، مسكها وائل بقسوة، يداه تتسللان نحو جسدها، وهي تحاول الابتعاد، تصرخ في صمت، حاولت أن تقف على قدميها وتغلق الباب، لكنه دفعها ودخل، وأغلق الباب خلفه، تاركًا سمر تبتسم بخبث، تريد ان تجعل ابناء زوجها أسامة يعيشون العذاب والويل بسبب ما فعله بها والدهما......قبل ان تقتله بيديها منذ سنوات طوال 


مر الوقت وكل ثانية تمر أثقلت قلب بسمة بالمزيد من الرعب، خرج وائل، وقد بدا الانتشاء على وجهه، لكنه لم يستطع إتمام ما يريد خوفًا من نوح، إلا أن نواياه القذرة كانت واضحة، وعيناه تتلذذان بالفكرة !!


اقترب بعدها من سمر وهمس لها بمكر :

مش آن الآوان بقى فضيحة أدهم تنتشر وسط الناس، وننفذ اللي اتفقنا عليه، لازم نوح يعمل كل اللي مخططين ليه عشان نخلص منه و......


قاطعته سمر قائلة بسخرية :

عشان تستفرد باخته مش كده ؟؟


رد عليها وائل بوقاحة وحقارة :

طبعاً، نوح لو عرف اللي بنعمله في أخته مش هيسمي علينا إحنا الاتنين، كل اللي أنا عايزه وإنتي عايزاه، نوح هيحققه لينا، وهو عايش وهو كمان ميت، عشان كده لازم ناخد حذرنا منه ونسايسه على قد ما نقدر 


ضحكت سمر بسخرية وقالت :

للدرجة دي خايف منه


ابتسم وائل بسخرية أكبر، وقال بعيون تتلألأ بالشر :

خايف منه عشان اللي عملناه فيهم مش شوية، ده قليل ان ما دفني حي أنا وانتي في تربة واحدة، نوح شراني، زي أبوه بالضبط، واللي مخبينه عليه وبنعمله من وراه كبير أوي، ده بس كفاية إنه يعرف إنك السبب في حالة أخته اللي مش بتتحسن، وان سنين ضاعت من عمرها بسببك


في تلك اللحظة، تجمد الاثنان على الفور عند صوت التكسير الذي جاء من خلفهما، التفتا على الفور بصدمة، ورعب !!!!!


#تكملة_الفصل_السادس_عشر

#رواية_ما_ذنب_الحب

#الجزء_الثاني_لرواية_ضحايا_الماضي

#الكاتبة_شهد_الشورى

#حصري

كانت عشق تجلس إلى جوار جوان في حديقة المستشفى، وأكواب القهوة بين يديهما تبعث رائحة دافئة لا تنسجم أبدًا مع ثقل الصمت الذي يخيم عليهما، قطعت عشق الصمت بنبرة تحمل مغزى واضحًا :

عقبال اللي في بالي، لما يتعظ بقى من اللي بيحصل ده كله


التفتت إليها جوان، وقد علت وجهها ملامح ضيق وهجوم :

قصدك إيه يا عشق؟


ردت عليها عشق بصراحة لا تعرف المراوغة :

قصدي واضح أوي يا جوان، يا ريت تاخدي اللي حصل لصافي عبرة ليكي، وتبطلي تهور، لازم تعرفي إن كلنا عايزين مصلحتك، الشلة دي ما وراهاش غير المشاكل، وزي ما صافي اتأذت، بعد الشر يعني، الدور هيجي عليكي انتي كمان لو فضلتي ماشية وراهم


زفرت جوان، وقالت بغرور، وكأن النصيحة تحمل إهانة لها :

أنا مش زي صافي يا عشق، صافي سذاجتها اللي وصلتها لكده، لكن أنا؟ لا، أنا عارفة بعمل إيه كويس أوي، وحاطة حدود بيني وبين الشلة دي محدش فيهم يجرؤ يتخطاها، وبعدين أنا مغلطتش من الأول عشان أتعظ دلوقتي، واللي عملوه في صافي، عمي ادم مش هيسكت عليه، وهيرد ليهم اللي عملوه أضعاف، وده كفاية اوي عشان يخليهم يفكروا ألف مرة قبل ما يقربوا مني أو من حد يخص عيلتنا


حركت عشق رأسها بضيق، وقالت :

إنتي مستكبرة تسمعي النصيحة يا جوان، ودماغك بس هي اللي ممشياكي، تصرفاتك كلها غلط في غلط، وعلى فكرة إنتي وصافي نسخة من بعض، ولو كنتي مكانها، كنتي هتقعي في نفس الغلط، أنا لما بقولك الكلام ده مش بشمت ولا بعلم عليكي، انتي بنت خالي.....يعني اختي، ومن حقي أنصحك كنت بنصحك زمان تبعدي عن الشلة دي ومكنتيش بترضي تسمعي، ولسه لحد دلوقتي بنصحك، ومش همل إني أقولك تبعدي عنهم، وعن اللي زيهم، انا خايفة عليكي من تهورك يا جوان وعنادك اللي هيخسروكي كتير في يوم من الايام 


صمتت جوان، وقد ضاق صدرها رغم أنها تعلم في قرارة نفسها أن كلام عشق صحيح، وأن كبرياءها وحده هو الذي يمنعها أن تعترف بذلك، لكن جزءًا آخر منها كان يفعل كل هذا عنادًا في شخص ما !!!


في تلك اللحظة اتجه مالك نحوهما، فنهضت جوان بصمت مغادرة المكان، جلس بجانب عشق، التي تحاشت النظر إليه وهي ترشف من قهوتها، فسألها بصوت يفيض اهتمامًا :

انتي كويسة يا عشق


أجابته بخجل لطيف :

الحمد لله


تنهد مالك بضيق، ثم قال بنفاذ صبر :

على المشاكل اللي في العيلة دي ما تتحل، شكلي مش هتجوزك غير بعد عشرين سنة، بقى يارب يوم ما الواحد ياخد خطوة المشاكل تنزل ترف عليه من كل ناحية 


ضحكت عشق بخفوت وقالت مداعبة :

فقري


ابتسم لها مالك بعينين مليئتين بالهيام وقال :

فقري إزاي وانتي في حياتي، ضحكتك بس قادرة تحلي يومي كله مهما كان المر اللؤ فيه يا عشق


احمرت وجنتاها، فقالت بخجل مصحوب باستغراب :

أنا مستغرباك


رفع حاجبيه بدهشة، وسألها :

ليه؟


ترددت قليلًا، ثم قالت بصراحة :

يعني قبل كده كنت ساكت خالص، ودلوقتي بتتكلم اكتر، بتعبر أكتر.....وبجراءة كمان


صمت للحظة، ثم تنهد بعمق، قائلاً بحزن :

خوفت لاخسرك بسكوتي ده يا عشق، أنا ليا واحد صاحبي كان بيحب واحدة وفضل ساكت ومتردد يكلمها او يفاتحها في حاجة رغم انه بيحبها اوي لكن سكوته ده خلاها تضيع من بين ايديه وتتجوز غيره، يومها قالي كلام عمري ما قدرت انساه، قالي الحب ما ينفعش يتخبى ولا يتسكت عليه، والخطوة اللي تخاف تاخدها دلوقتي غيرك هيجي وياخدها ساعتها محدش هيندم غيرك والكلام اللي خوفت تقوله هيجي عليك يوم وتتمنى تقوله


اقترب منها قليلًا وقال بصوت يفيض صدقًا وحبًا :

انا خوفت اخسرك، خوفت يجي يوم اندم على سكوتي، سكوتي اللي من الأول كان بسبب خجلي،

بس لقيت ان خجلي ده ممكن يضيعك مني يا عشق، فاتكلمت، اتكلمت ومش ناوي اسكت بعد انهاردة،

اتكلمت وناوي أقول مش بس ليكي لا لكل الدنيا اني بحبك اوي، وبعشق بجنون،

انا عمري ما شوفت ولا اتمنيت غيرك تكون ليا،

انا بحس انك بتكمليني يا عشق


نظرت عشق إلى مالك للحظات بصمت، ذلك الصمت الذي كان أبلغ من أي عبارة، وكأن عينيها تحملان كل ما لم تستطع قوله هي الأخرى طوال السنوات، كان مالك......مالك قلبها، وكل دقة في صدرها لم تعرف غير اسمه، لم ترى سواه، ولم تتمنى يومًا غيره


كانت ملامحها ترتجف بشيء يشبه الجرأة الممزوجة بالخجل، ثم نطق لسانها أخيرًا بما ظل حبيس روحها طويلًا، كلمات خرجت صادقة دافئة :

وانا حبيت فيك كل حاجة يا مالك، حبيت خجلك وطيبة قلبك، حبيت شخصيتك، حبيت كل صفة فيك، انا عمري ما اتمنيت غيرك ولا شوفت غيرك ولا عايزة غيرك، وسواء كنت اتكلمت أو سكت، عمري ما كنت هبقى لغيرك، عشان عمري ما تخيلت نفسي غير معاك، ولا شوفت حد يستاهلني زيك يا مالك، انت أماني من بعد أهلي، والوحيد اللي بطمن معاه،

انت الوحيد اللي من كل قلبي حبيتك.....بحبك يا مالك قلبي


لمعت عينا مالك كمن وُهب الحياة من جديد، امتلأ نظره بها حبًا وفرحًا، مد يده يمسك يديها، مقبلاً اياها برقة، وحب فابتسمت عشق، بخجل شديد


من بعيد، كانت عينا حمزة تطلقان شررًا حارقًا وهو يراهم بهذا الانسجام، حبٌ صافٍ يتبادلانه أمامه دون أن يشعر أحد بوجوده، الحقد اشتعل في قلبه كجمرٍ لا ينطفئ، فهو يرى عشق تقبل أخاه، بينما هو.....لا تنظر إليه إلا بالرفض والصد


لطالما كان مالك مقبولًا من الجميع، محبوبًا بلا مجهود، على عكسه تمامًا، انه حمزة المنبوذ، المختلف، الذي لا يختاره أحد مالك دائمًا هو الأفضل، في كل شيء، حتى حين يتعلق الأمر بالقلب، ما زال هو المفضل عند والده، بينما هو.....لا !!

تذكر ذلك الشعور القديم بالظلم، تذكر كل تلك اللحظات التي كان فيها الظل بينما أخوه يقف في الضوء


النار ازدادت في صدره وهو يستعيد كل الذكريات، حتى حسم أمره، قرر أن ينفذ ما قالت له والدته اليوم، ولن ينتظر يومًا آخر حتى !!


استدار ليغادر، لكن خطوته توقفت فجأة حين وجد من تقف خلفه، انها ليان ابنة عدوة والدته الأولى، سارة، وقفت امامه بنفس الهيئة التي طالما سخر منها سرًا......وربما جهرًا


ليان بثيابها الصبيانية الواسعة، شعرها المخفي تمامًا تحت تلك القبعة، والنظارة الطبية الدائرية التي تغطي نصف وجهها تلك الحمقاء كما يسميها تحاول باستمرار أن تستميله، بينما هو يصدها مرارًا لأنها ببساطة ليست النوع الذي يفضله


قالت ليان بتوتر، وبصوتٍ رقيق لا يناسب مظهرها إطلاقًا :

ازيك يا حمزة


رفع حمزة حاجبه بسخرية باردة وهو يرمقها من أعلى لأسفل :

نازلة من فوق لهنا، عشان تقوليلي ازيك يا حمزة


كانت ليان تقف أمامه بتوترٍ واضح، يديها ترتجفان، ونظراتها تهرب منه كلما حاولت جمع شجاعتها، ردت عليه بصوتٍ متقطع، مليء بالحرج والارتباك الذي لم تستطع إخفاءه، مما جعله يسخر منها داخليًا أكثر :

لا مفيش....بس....بس خاله اوس قالي أقولك تطلعه، عشان بيكلمك وفونك مقفول


تحرك حمزة مبتعدًا ببرودٍ اعتادته منه، لكن قبل أن يخطو خطوته الثانية، أوقفته ليان بنبرةٍ واهنة، تحمل حزنًا حاولت طويلًا أن تدفنه ولم تعد قادرة على كتمانه :

انت ليه بتعاملني كده يا حمزة، ليه تكرهني كده وأنا......


قطع حديثها قائلاً بقسوة وبرود :

وانتي بتحبيني مش كده، شوفي يا ليان ببساطة انا بعاملك كده عشان مش بحبك، اجابة بسيطة خالص، باينة، وواضحة زي الشمس، انا لا بحبك ولا هحبك لأن ببساطة كمان انتي مش من النوع البنات اللي افكر ارتبط بيها واحبها، بصي لنفسك في المراية يا ليو يا حبيبتي، مش معقول يعني هتجوز واحد صاحبي، بذمتك يفرقوا هما بينا ازاي !!


اتسعت عيناها بصدمةٍ حادة، كلماته انغرست في قلبها دون رحمة، لطالما صدها حمزة، لكنها لم تتوقع ان يوجه لها كلمات جارحة بهذا العمق ولا إهانةً بهذا الشكل، شعرت بالدموع تتكدس خلف جفنيها، لكنها قاومتها كي لا تهين نفسها أكثر 

رفعت رأسها، واستعادت ما تبقّى من قوتها، وردت عليه بقسوة مماثلة لقسوته عليها :

مين قال إني كنت هقول بحبك، والكلام الفارغ ده، شكلك انت اللي بتتمنى تسمعها مني، ع العموم، أنا كنت هقولك اني معملتش حاجة تضايقك عشان تتعامل معايا كده


عدلت نظارتها ببطء، وكأنها تحمي آخر ما تبقى من كرامتها، ثم قالت بسخرية لاذعة :

وبعدين أصلاً مين العاقلة اللي تربط اسمها بواحد زيك، ده انت مفيش فيك حاجة تتحب، مين دي اللي تحب فيك لسانك طويل، وقلة ذوقك، يا اخي ده انت حتى لا بتحترم حد ولا بتراعي مشاعر حد، ومغرور، وشايف نفسك على الكل، وانت في الأساس ولا حاجة، بذمتك واحد بصفاتك دي مين الغبية اللي تقبل بيك، ده احنا في العيلة مستحملينك بالعافية، مابالك بقى اللي هتتجوزك وتعيش معاك


قالت ذلك، ثم نظرت إليه نظرة احتقارٍ أخيرة، ومضت،

مشت وهي تكتم شهقتها، مقهورة من نفسها قبل أن تكون مقهورة منه، لأنها برغم كل عيوبه أحبته، أحبت شخصًا لا يستحق، وقلبها الأحمق انتظر منه نظرة، كلمة.....

أي شيء، حتى لو كان كذبة !!


أما حمزة، فاشتعل غضبًا، كلماتها اطاحت بكبريائه، وزادت من حقده، رغم أنه لم يفهم على من يغضب، عليها، أم على نفسه


في تلك اللحظة، ظهرت والدته مهرة، بابتسامة ماكرة تعلو شفتيها، وصوتها يقطر سمًا ؛

انت إزاي تسمح ليها تقولك كده، وتسكتلها، خد حقك، ماتقفش كده زي خيبتها، عرفها مقامها بنت سارة شكلها نسيت امها اللي عملت عمايل تخليها تعيش موطية راسها طول عمرها، قال اي والغبية مستنية منك تعبرها، قرب منها يا حمزة وبعد ما تديها الريق الحلو وقعها على جدور رقبتها خليها تعرف مقامها كويس اوي، وتحرم ترفع عينها فيك


التفت إليها حمزة، وقال بسخرية مُرة :

قصدك تقوليلي أشفي غليلي من سارة في بنتها يا حمزة، زي ما عاوزة تعملي في عشق بنت حياة، ما تاخديش كرامتي حجة للي في دماغك، وقوليهالي صريحة يا مهرة هانم، قوليها صريحة زي ما قولتيها ساعة عشق


نظرت مهرة إليه بغيظٍ، فتابع حمزة بحدةٍ لم تعتدها منه :

ليان لأ، أنا مش هسمحلك تأذيها


رفعت حاجبها، وسألته بسخرية :

أشمعنى عشق قبلت تأذيها.....وليان لأ


رد عليها بجفاء :

عشان ليان بره الموضوع، وماتستاهلش، كفاية أذى في ناس مالهاش ذنب


سألته مهرة بسخريةٍ حادة، وقد نسيتْ أن توجه السؤال لنفسها قبل أن تُحرضه على إيذاء أخيه مالك، وإيذاء عشق أيضًا :

وهي عشق يعني اللي كانت تستاهل؟!


ابتسم حمزة بسخرية مريرة، فهو لا يريد عشقًا لشيءٍ فيها، بل ليشعر فقط بأنه انتصر على مالك في أمرٍ ما، وليثبت له وللجميع أن فتاة مثل عشق قد تقبل به بسهولة، بل وتفضله على أخيه الخلوق كما يقول عنه الجميع أيضًا، حتى لو كان ذلك عبر لعبةٍ رخيصة لا قيمة لها


ليته يدرك أن الأخلاق والمبادئ لا تُجزأ، وأن عشق، كليان وغيرها، لا تستحق ما جرى لها ولا ما حُيك لها

ثم ترك والدته وغادر، تاركًا إياها تغلي بنار حقدها وغيظها، ذلك الحقد الذي يلتهمها يومًا بعد يوم، كلما رأت سعادة الجميع، بل وكلما رأت احدًا افضل منها هي وعائلتها، تريد ان تكون هي محور كل شيء......وأي شيء !!!!!

.................

في المساء.....

كانت سيدرا تقف بسيارتها على جانب الطريق، تتلفت حولها في ارتباك واضح، لم يسبق لها أن دخلت منطقة شعبية من قبل، وكانت كثافة الناس وضوضاء الأزقة تزيدان من توترها، أمسكت بالهاتف على أذنها، قائلة بنفاذ صبر، وهي تمشي بخطوات متعجلة بين البيوت المتلاصقة :

حضرتك أنا دخلت المنطقة اللي قولتلي عليها، بس مش عارفة أوصل للبيت بالظبط، قوليلي أقف فين استناك، وقابلني باللاب بتاعي


كانت منشغلة بالمكالمة إلى الحد الذي لم تنتبه فيه لسيارة والدها التي توقفت بعيدًا، فقد رآها والدها بالصدفة وهو على الطريق فاتسعت عيناه في صدمة

ماذا تفعل ابنته في هذا المكان وحدها، حاول الاتصال بها، لكن هاتفها كان مشغولًا، تقدم بخطوات سريعة، الخوف يعصف بقلبه من أن يضايقها أحد الشباب الموجودين بتلك المناطق، لكن قبل أن ينادي عليها فوجئ بامرأة تتقدم نحوه كالإعصار !!


كانت المرأة ترتدي عباءة سوداء من الستان تتحرك مع خطواتها كأنها إعلان حرب، وحجابًا ملقى على شعرها بإهمال، الغضب مرسوم بوضوح على وجهها، حتى بدا أن الهواء نفسه يتراجع أمام غضبها


قبل دقائق فقط، كانت دينا الصغيرة تركض نحو شقيقتها حبيبة بأنفاس متقطعة، عيناها الواسعتان مليئتان بالرعب :

الحقيني يا حبيبة الراجل ده كان عايز يخطفني، بيقولي تعالي أجيبلك آيس كريم، وكان هيشدني بالعافية، انا عضيته في ايديه وجريت علطول 


التفتت حبيبة بسرعة نحو الاتجاه الذي أشارت إليه شقيقتها، فرأت رجلًا يقف بجانب أحد المحلات، لم تفكر، اندفعت إليه بخطوات غاضبة، شرسة، ولم يكن الرجل سوى.....الياس الذي صرخت عليه بصوت هادر سمعه كل من في الشارع :

مش عيب عليك يا راجل يا شايب يا عايب، تخطف بت قد حفيدتك، طب احترم الشعرتين البيض اللي عندك دول، وراعي سنك، والغريبة ان شكلك ابن ناس


تجمد وجه الياس للحظة، ثم قطب جبينه وصرخ عليها بصوت غاضب :

انتي اتجننتي، إزاي تتكلمي معايا كده، إنتي مش عارفة بتكلمي مين ولا اي يا بت انتي


لم تنتظر حبيبة لتعرف، فقد انحنت سريعًا والتقطت نعلها من قدمها، ورفعته عليه بتهديد :

وهو إنت لسه هتبرر وتشرح، ده أنا هفرج عليك أمة لا إله إلا الله، وهنسل الشبشب على دماغك، مبقاش حبيبة بنت الشيخ ياسر اما مسحت بيك الأرض


لكن قبل أن تهوي عليه بالنعل، كان الياس الأسرع، أمسك يدها بقوة، وجذبها إليه بعنف حتى اختل توازنها، وارتفع صوته إلى نبرة جعلت الدم يتجمّد في عروقها :

لولا إنك ست كنت دفعتك تمن الحركة دي غالي اوي


شهقت حبيبة بخوف، بينما دفعها الياس للخلف دفعة حادة،

هنا جاءت دينا الصغيرة، تشد عباءة أختها بخجل وارتباك :

مش ده يا حبيبة.....مش ده


تجمدت حبيبة مكانها، وابتلعت ريقها بصعوبة، ثم رفعت رأسها ببطء لتنظر إليه، وياليتها ما فعلت، فالنار المشتعلة في عيني الياس كانت قادرة على إحراقها في لحظة !!!!!!

...........

بعد منتصف الليل.....

جلست غنوة فوق العشب، تتأمل السماء المرصعة بالنجوم، لم يزرها النومُ رغم محاولاتها، فخرجت تبحث عن بعض السكينة، وعن لحظة تُنسيها اضطراب قلبها، حدقت طويلًا في الفضاء الواسع، وكل ذكرى تخص مروان كانت تتردد داخلها كوميض لا يخبو، ابتسامة رقيقة انسابت على شفتيها وهي تتذكر نظراته التي تُشعرها بأنها مميزة.....مهمة !!

قطع شرودها صوتٌ باتت تتمنى سماعه كل لحظة، صوتٌ يحمل شيئًا من الأمان، ومن الخطر أيضًا انه مروان الذي قال بمزيج من المرح والغزل :

يا بخت القمر


انتفضت غنوة واقفة، قلبها يخفق بعنف وهي تعدل من ثوبها الزهري الواسع، ظل مروان يتأملها بعينين يكشف سكونهما كل ما يخفيه لسانه، اقترب أكثر، ثم جلس على الأرض أمامها ونظر إليها بابتسامة تجذبها رغمًا عنها :

اقعدي يا غنوة، وقفتي ليه.....؟!


جلست بتردد، تخشى الاقتراب وتكره الابتعاد، فسألها بهدوء :

إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟


ردت عليه بتوتر :

معرفتش أنام، فطلعت أقعد هنا شوية


صمت الاثنان، وصمت الليل صار شاهدًا على شيء ينمو بينهما دون وعي، قطع مروان الصمت قائلاً بصوتٍ يحمل دفئًا ناعمًا :

مرتاحة معانا هنا يا غنوة....؟!


رفعت عينيها إليه، وقالت بصدق خالٍ من التكلف :

اكيد كفاية معاملتكم ليا، والله بحس اني في وسط أهلي


ابتسم مروان، ومد يده إلى جيبه، وأخرج قلادة فضية رقيقة، يتوسطها قلب زهري صغير لامع تحت ضوء القمر !!!


فردها على كف يده وقال بتلقائية وبدون تفكير :

وأنا مسافر أول ما شوفتها محستهاش غير عليكي


تأملتها غنوة بخجلٍ ربك ملامحها، لا تعرف أترفض أم تقبل، القلادة بسيطة لكنها خطفت قلبها بورقتها، غير ذلك يكفي انها منه لتحبها، لاحظ مروان ترددها، فاقترب ببطء، مد يده إلى خلف رقبتها، أبعد جديلتها الطويلة بلطفٍ شديد قبل أن يلبسها القلادة برقة جعلت أنفاسها تتسارع، كان قلبها يُنذرها يعاتبها، لكنه في الوقت نفسه يلتهم اللحظة دون مقاومة مستمتعًا بكل لحظة !!!


ابتعد مروان قليلًا، لينظر إليها بنظرة لم تستطع احتمالها، قائلاً بحب :

دلوقتي بس أقدر أقول......إنه بقى أجمل لما لبستيه


ارتبكت أكثر، وازداد خجلها حين رفع يده من جديد، يلمس جديلتها ليفكها ببطء، ورقة شديدة، حتى انساب شعرها على كتفيها وظهرها كستارة حريرية، ليردد بافتتان :

كده أحلى بكتير


كانت مأخوذة، عاجزة عن الحركة، لا تستطيع الهرب ولا البقاء، حضور مروان كان أكبر من قدرتها على المقاومة، وأعمق من قدرتها على الفهم، التقت نظراتهما في لحظة طويلة، هادئة، لكنها مليئة بما لا يمكن نطقه


اخذ الهواء يحرك خصلات شعرها، فمد يده برقة ليبعدها عن وجهها، قبل أن تتجرأ أنامله وتلامس وجنتها الناعمة برقة، انحنى ببطء شديد، كان على وشك أن يقترب أكثر مما يجب........

لكنها نهضت فجأة، وصوتها خرج مرتعشًا بخجلٍ شديد :

الوقت اتأخر، تصبح على خير


كان مروان يدرك تمامًا حماقته في تلك اللحظة، يدرك تهور الخطوة التي كاد فيها ان يقترب منها، ومع ذلك لم يستطع إنكار ذلك الاضطراب اللذيذ الذي سرى في صدره


كان داخله صراعٌ صامت، عقلٌ يذكره بالحدود التي يجب ألا يتجاوزها، وقلبٌ يجره نحوها كلما حاول الهرب


مهما حاول أن يتماسك، كان يشعر بأن شيئًا فيه ينكسر كلما ابتعد، وأن شيئًا آخر يولد كلما اقترب، وهكذا، بين نداءٍ عاقلٍ يُطالبه بالتماس الصواب، ونداءٍ آخر لا يسمعه سواه


ما بين رغبة القلب التي لا تهدأ، وعقلٍ يرفع حاجزًا بعد آخر يظل القلب هو المنتصر، رغم كل شيء !!!!

..............

في عُمق الليل، كان ذلك الرجلُ الملثم يشق طريقه بخطواتٍ بطيئة وحذرة، يلتفت مع كل خطوة يتأكد أن لا أحد يتبعه كان الليل ساكنًا إلى درجة أن أنفاسه تكاد تُسمع !!


انه يوسف الذي كان قلبه يخفق بعنف حين وصل إلى الغرفة التي يعرفها جيدًا، أخرج من جيبه البصمة التي حصل عليها بعد جهدٍ شاق، ومررها على جهاز الفتح، لحظاتٌ ثقيلة مضت قبل أن يُفتح الباب أخيرًا.......


دخل بخطواتٍ سريعة محسوبة، وكأن الأرض تحت قدميه قد تُحدث جلبة في أي لحظة، اتجه مباشرة نحو المكتب، حيث ذلك الحاسوب تحديدًا جلس، وبدأ بنقل الملفات واحدًا تلو الآخر، لكن مع كل ملف يفتحه، كانت عيناه تتسعان بدهشة وصدمـة، أسماء لرجال كبار بالدولة، شخصيات لم يتخيل قط أن لهم يدًا في هذا العمل القذر


لكن الصدمة الحقيقية ضربته حين ظهرت صورة وجهٌ لم يتوقع رؤيته بينهم أبدًا، بدأ الآن يجمع الخيوط ببعضها ليستوعب الأمر الآن !!!


أعاد كل شيء كما كان، وحين هم بالخروج، تفاجأ بوجود شاب من الحرس يقف أمامه، كان على وشك التعامل معه، لكنه توقف حين سمعه يهمس بصوتٍ خفيض :

متخافش، انا من مصر......من طرف شريف ابن خالك


جذبه الرجل سريعًا، وغادرا المكان في صمتٍ مطبق، وما إن أصبحا وحدهما، حتى سأله يوسف بحذر :

شريف مقالش ليا إنك شغال معاه هنا


رد عليه الشاب ويدعى طاهر بجدية :

شريف باشا شاف إن كده أحسن، وأنا كنت متابعك من بعيد، عيني عليهم، وعليك في كل لحظة، خد بالك، لإنهم ناويين يصفوك بعد ما تظبط لهم الصفقة، يعني قبل التسليم هيغدروا بيك يا يوسف باشا


توجس يوسف أكثر، وعيناه تبحثان عن أي علامة للخداع بوجه الاخر، فسأله مرة أخرى بشك :

طب إيه اللي يضمنلي إنك مش منهم، وإن دي مش لعبة


نظر له طاهر بضيق وقال بصرامة :

مفيش ضمان، لكن تقدر اول ما تتواصل مع شريف باشا ابن خالك، وتسأله عني، المهم دلوقتي الملفات اللي نقلتها لازم توصل مصر النهارده قبل بكره، هما لسه شاكين فيك رجعوك بينهم تاني عشان محتاجينك تعمل لهم شغل هما مش هيعرفوا يعملوه، وبعد ما تخلص كل حاجة، ويتفضل بس خطوة التسليم، هيتخلصوا منك


ابتلع يوسف ريقه بصعوبة قبل أن يسأل :

عرفت الكلام ده كله منين؟


أجابه طاهر وهو يلتفت حوله بحذر :

أنا معاهم أغلب الوقت، غير كده انا هنا من قبل ما ترجع ليهم بشهر وشوية، وشريف باشا رجعك ليهم لإنك لو فضلت في مصر كانوا هيقتلوك، لكن وجودك هنا وكإنك بتساعدهم ده بيدينا وقت، وكمان يوقعهم أسرع، الموضوع يطول شرحه، ده غير ان فيه حاجات كتير انت متعرفهاش، هشرحلك كل حاجة بعدين، مفيش وقت دلوقتي، أهم حاجة تبعت الملفات كلها على مصر بأسرع وقت، وقبل ما تتحرك معاهم في أي حتة حتى لو دقيقة واحدة، تعرفني


غادر يوسف كما جاء مُثقل الخطى، منهك الجسد والروح يشعر وكأن الليل يضغط على صدره، وكأن الهواء صار أثقل من أن يتنفس، تمنى، وهو يسير في الممرات المعتمة، لو أن كل هذا ينتهي بسرعة، لو أن هذا الغموض المُخيف يتبدد، لو أنه يغمض عينيه ويفيق ليجد أن كل شيء قد انتهى، وكل خطر اختفى......


تنهد بعمق، تنهيدة تشبه الانهيار أكثر من الراحة، وبمجرد أن خطرت ليلى في باله، ضحك بسخرية مريرة، منذ متى وهو نساها ليتذكرها، هي لم تغب لحظة عن باله، كانت حاضرة دائمًا في عقله، في قلبه، في كل زاوية يحاول الهرب منها


بدأ شريط الذكريات يعود بقسوة، كل ما عاشه معها، وكل الأذى الذي سببه لها، لأول مرة اعترف داخله، بلا تهرب ولا كبرياء، أنه أحبها بصدق، وأنه حتى الآن عاجز عن فهم غبائه عن تفسير لماذا جرحها، ولماذا ضيع امرأة مثلها من بين يديه


كانت تَعجبه منذ البداية.....قبل أروى حتى

لكنه بغروره الأعمى ظنها مملة، ظن أن جنون أروى سيمنحه حياة مختلفة، ولم يدرك أن السكون الذي في ليلى كان حياة، وأن ملامحها الهادئة كانت أغلى من كل صخب عرفه لاحقًا


غمره حزنٌ كبير، حزن يطبق على صدره ويخنقه

أخرج دفتر مذكراتها، الدفتر الذي سلمه له شقيقها مالك قبل سفره، ومازال عاجزًا عن فتحه......

عاجزًا عن مواجهة ما كتبته ليلى عنه

ترددت في ذهنه كلمات مالك، تلك الكلمات القصيرة لكنها جارحة بما يكفي لتمزيق قلبه :

دي مذكراتها، هي متعرفش إني شوفتها ولا قريتها، بس لو فتحتها هتلاقيها كلها عنك انت وبس يا يوسف، انت كنت محور الكون بالنسبة ليها، وياريتك قدرت ده، أنا مش بسلمه ليك دلوقتي عشان تفكر فيها ولا عشان تحبها.....لأ، أنا جبتهولك عشان تندم أكتر، عشان ضميرك يوجعك أكتر، عشان تعيش بالحسرة إنك خسرت حب زي حب ليلى ليك، وعشان تعرف إنك ضيعت من إيدك حاجة عمرها ما هتتعوض، أنا مش هتخانق معاك ولا هعاتبك، أنا هسيبك للندم ولعذاب الضمير، والحسرة اللي هتعيش بيها، وده كمان ولا حاجة قصاد اللي أختي عاشته


ظل يوسف واقفًا، ممسكًا بالدفتر، وصدره يعلو ويهبط بحدة،

كانت الكلمات تلتف حول قلبه كحبال تشده بقوة، علم في تلك اللحظة تحديدًا أن الندم الذي تحدث عنه مالك، قد بدأ بالفعل ينهش روحه بلا رحمة


دخل لمنزله وارتمى على الفراش، ممسكًا بذلك الدفتر الصغير الذي يحمل بين صفحاته عبق ذكرياتهما القديمة، كان غلافه مزينًا باسمها بطريقة تخطف الأنفاس، فقد أهداه لها يوم بلغت السابعة عشرة من عمرها، راح يقلب صفحاته ببطء، وكل صفحةٍ كانت تطعن قلبه بنصلٍ من الحنين !!!


حتى توقفت عيناه عند صفحة مؤرخة بتاريخٍ لن يُمحى من ذاكرته، يوم ذكرى زواج والديها، واليوم ذاته الذي أعلن فيه أمام الجميع رغبته في الزواج من أروى


يتذكر جيدًا كيف تدخلت عائلته آنذاك ليثنوه عن تلك الزيجة، وكيف صرخ في وجههم غاضبًا، مؤكدًا أنهم لا يفعلون ذلك إلا ليُجبروه على الزواج من ليلى !!!


في تلك اللحظة، حين سمعت ليلى كلماته، ركضت نحو غرفتها، وقد انكسرت في داخلها كل قوةٍ تظاهرَت بها، وبكت بحرقةٍ صامتة، كأنها تودع حلمًا كان يسكن قلبها منذ أول نظرة، قرأ كلماتها المدونة التي كتبتها بكل الألم الذي يسكن قلبها :

أُحبك بصمتٍ يُنهكني، وأنتَ لا تشعر

أغرق في تفاصيلك، بينما تمضي كأنني هواء

أي ظلمٍ أشد من أن أُهدي قلبي لمن لا يراه.....؟!

إنه جرحٌ خفي، لا دماء له، لكنه ينزف العمرَ خيبةً بعد خيبة

أتعلم؟ أصعبُ أنواع الظلم أن يُصبح الحُب من طرفٍ واحد،

فأكون أنا المشتعلة......وأنتَ لا ترى سوى رماد !!


انهمرت دموعه بصمت، دموعُ قهرٍ وندمٍ لم يستطع منعها، ولم يحاول حتى أدرك أخيرًا أن الألم الذي يسكن صدره أكبر من أن يُخفى، وأن الندم الذي يخنقه لن يعيد إليه ما فقده

مسح وجنته بكفٍ مرتجف، لكن الدموع انسابت من جديد

كان واعيًا بوضوحٍ موجع أنّده مهما ندم ألف مرة، ومهما تمزق قلبه حسرةً وأسى.....فلن تتبدّدل الحقيقة

ليلى لن تعود، وهو لن يسمح لنفسه بأن تكون له امرأةٌ مثلها

ليس بعد ما اقترفه في حقها، ولا بعد الطريق الذي اختاره بيده، طريقٌ كله خطأ، كله ألم، وكل ما فيه من نتائج عليه أن يتحملها وحده


شهق شهقةً مكتومة، وانكسر صوته وهو يهمس لنفسه انه من ضيع نفسه، وهو من سيدفع الثمن


كان يعلم أن مهما حدث لن تُمحى ليلى من ذاكرته

وأن الوجع الذي يشعر به في غيابها الآن

سيظل ندبةً محفورةً في أعماقه تذكره في كل لحظةٍ أن هناك حب لا يُعوض، ولا يُكرر، ولا يُنسى !!

...............

كان مالك يقود سيارته عائدًا

انتهي الجزء الثاني 

انتظرووووووني 



لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 



جميع الروايات كامله من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحصريه



اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحديثه



❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺💙🌹❤️🌺🌹❤️🌺🌹🌹❤️🌺💙







أنت الان في اول موضوع

تعليقات

التنقل السريع
    close