expr:class='data:blog.pageType'>

Header Ads Widget

رواية جاريه في ثياب ملكيه الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبه نرمين نحمد الله حصريه علي مدونة النجم المتوهج


رواية جاريه في ثياب ملكيه الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبه نرمين نحمد الله حصريه علي مدونة النجم المتوهج 



رواية جاريه في ثياب ملكيه الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر بقلم الكاتبه نرمين نحمد الله حصريه علي مدونة النجم المتوهج 


عاد حذيفة إلي شقة راجية قرب الفجر...

كان قد أخبرها أنه سيبيت ليلته بالخارج...

لكن الفتاة التي كان سيواعدها أصيبت بتعب مفاجئ فتخلفت عن الحضور...

فتح باب الشقة ببطء كي لا يوقظ راجية التي ستكون نائمة حتماً في ذلك الوقت...

لكنه دهش عندما وجد نور غرفتها مفتوحاً...!!!!


تسحب ببطء وهو يسمع صوت ساري معها بالداخل...

اختبأ خلف الجدار وهو يمد عنقه ليقع بصره عليها....

اتسعت عيناه في دهشة...

وهو يراها ترتدي ثوباً منزليا وردياً قصيراً وترفع شعرها الطويل علي هيئة ذيل الحصان فيتدلي علي أحد كتفيها...

كانت تحتضن والدته في حنان وتربت علي رأسها...

في صورة نابضة بالأنوثة والرقة!!!

مط شفتيه وهو يقول في نفسه...

لا بأس بها!

يبدو أن هذه المسترجلة يمكن أن تتحول لأنثي حقيقية متي شاءت!!


عاد يختبئ خلف الجدار وهو يسمعها تقول لوالدته:

_حمداً لله علي سلامتك يا عمتي...لقد كدت أجن عندما طرقتِ علي الباب ثم سقطتِ أمامي....


عقد حاجبيه في ضيق...

اذن فقد أصيبت والدته بنوبة السكر المعتادة وهي وحدها...

واستعانت بها...

وهذا سبب وجودها هنا الآن!!


سمع صوت والدته تقول بضعف:

_أبقاكِ الله لي يا ساري...اعذريني لو كنت أثقلت عليكِ لكن عمار وياسين مسافران حالياً وحذيفة سيبيت ليلته بالخارج كما أخبرتك...


ابتسم بخبث وهو يفكر...

لهذا تنام  هكذا في أريحية مع والدته دون تحفظها المعهود...

ومظهرها المسترجل الذي تحافظ عليه دوماً...

فكر بمكر لو يفاجئها الآن بوجوده ليري ردة فعلها...!!!!

لكنه تراجع...

والدته مريضة...

ولا مجال لهذا العبث!!!


وصله صوت راجية تقول بحنان:

_أنا أحمد الله علي أنك ستكونين زوجة لحذيفة...جوري لا تحب عمار...أنا أشعر بهذا للأسف...لكنك تحبين حذيفة...لهذا سيكون سعيداً معك...


لم يستطع مقاومة فضوله ليري ردة فعلها...

مد رقبته بحذر...

ليراها مطرقة برأسها طويلاً دون أن ترد...

عقد حاجبيه في ضيق...

عندما قالت راجية بقلق:

_ألا تحبين حذيفة يا بنتي؟!

تنهدت في حرارة وهي تقول:

_لا يهم إن كنت أحبه أو أكرهه...كلمة جدي لن ترد!


ابتسمت راجية وهي تقول في حنان:

_أنا أراكِ كثيراً تختلين بنفسك علي سطح المنزل تحتضنين دميته التي أهداها لكِ منذ كنتِ صغيرة...أنا أذكرها جيداً لأنني اشتريتها معه...أنا أعرف أنك تحبينه يابنتي...

عادت ساري تتنهد في حرارة وهي تقول بحزن واضح:

_ليتنا بقينا صغاراً...فأرضي منه بمجرد دمية!!


نفذت عبارتها لقلبه كسهم مسموم...!!!!!

لقد تذكر تلك الدمية التي أهداها لها في صغرهما عندما صفعها صفعة قوية فجرح شفتيها...

لازال يذكر أنها تماسكت يومها فلم ترد له ضربته ولم تشتكِ لأحد...

لكنها تحاشت الكلام معه نهائياً...

حتي ذهب مع راجية واشتري لها هذه الدمية ليصالحها بها....!!!


ابتسم في حنين...

وهو يذكر سعادتها بدميته...

هل من المعقول أنها تحتفظ بها حتي الآن؟!!!

وتختلي بها علي السطح أيضاً؟!!!

هل يعني هذا أنها تحبه؟!!!!

لماذا تنكر هذه الحمقاء اذن؟!!

ولماذا تجعل الأمر يبدو وكأنها مجبرة علي هذه الزيجة؟!


قطعت أفكاره عندما أتاه صوت راجية تقول بحزن:

_أنا أعرف أن حذيفة يبدو عابثاً لكن له قلب طيب...


ردت ساري بيأس:

_أعرف يا عمتي...لكن ماذا يفيد القلب الطيب طالما كان مغروساً في الوحل...


عقد حاجبيه في ضيق ...

وهو يسمع رأيها هذا فيه...

خاصة عندما أردفت راجية بأمل:

_يمكنك تغييره يابنتي...

عاد يمد رقبته ليري ردة فعلها عندما ابتسمت في سخرية لتقول بمرارة:

_أخشي أن يغيرني هو للأسوأ...أخشي أن أضيع معه...


اكتفي بهذا القدر مما سمع...

وهو يعود أدراجه إلي باب الشقة...

خرج منها بحذر كما دخلها...

وأغلق الباب خلفه في خفوت...

نزل درجات السلم شارداً...

لم يكن يتوقع هذه المفاجأة الليلة...

لقد جعلته كلمات ساري التي قالتها ببساطة ومرارة يعرف قدر نفسه جيداً...

مجرد فقاعة تماماً كما قالت...!!!!


لكن عناده عاد يسيطر علي أفكاره وهو يقول في نفسه...

هذا أنا ولن أتغير...

فلتحبني كما أنا...

أو لتضرب رأسها في الحائط...!!!

لن أتغير...!!

لن أتغير...!!

==========================================================================

_كيف حالك يا عزيزتي؟!

هتف بها حمزة في حنان وهو يلمحها مقبلة عليه في مكتبه في المشفي....

فاندفعت نحوه تقول بلهفة طاغية:

_حمزة أين كنت؟


تنهد قائلاً:

_كنت أحتاج لإجازة طويلة...أعصابي كانت مرهقة....

نظرت إليه بحنان وهي تقول:

_أتمني لو تعتبرني صديقتك...لو تصارحني بما يضايقك...

تجاهل عبارتها مرغماً....

ثم سألها بمرح:

_هل كنتِ تذاكرين دروسكِ في غيابي؟!

أدركت أنه يتهرب من عبارتها فأطرقت برأسها وهي تهمس في حزن:

_لم أتمكن من فعل أي شئ في غيابك يا حمزة...لقد اعتدت وجودك وعندما غبت فجأة هكذا شعرت بفراغ كبير...


تأملها للحظات وهو يزن كلماتها التي أحس صدقها...

ما الذي تعنيه مارية بكلماتها هذه؟!

هل تعتبره مجرد صديق؟!

أم أن الأمور لديها تطورت لأكثر من هذا؟!!!

بقدر ما يشتاق لمعرفة مكانه الحقيقي في قلبها...

بقدر ما يخشي عواقب هذا!!!


رغم أنه يشعر بميل قلبه نحوها...

لكن مارية بوضعها الحالي لا تناسب مقاييس الزوجة التي طالما حلم بها!!!

تنهد في حرارة وهو يقول بلهجة محايدة:

_يمكننا اذن العودة للدروس من اليوم...حتي تدركي ما فاتكِ...


نظرت إليه نظرة طويلة...

حملت له كل مشاعرها نحوه...

مشاعرها البكر النقية التي لم تحملها يوماً لرجل غيره...

وتتمني لو يبادلها مثلها وأكثر!!!


دخل الدكتور آدم في هذه اللحظة ليراقب النظرات المتبادلة بينهما...

ترقبهما لحظة بحذر ثم همس بخفوت:

_مارية ...ماذا تفعلين هنا؟!

انتفضت مارية من شرود أفكارها وتعلق نظراتها به لتلتفت نحو والدها هاتفة في ارتباك:

_كنت أسأل حمزة عن شئ...

هز والدها رأسه ثم قال بحزم:

_يريدونك في قسم الأطفال...حالة طارئة!


غادرت الغرفة بسرعة وهي تشعر بالارتباك من نظرات والدها المتفحصة...

فيما جلس الدكتور آدم قبالة حمزة  علي مكتبه وهو يسأله مباشرة:

_ما هي حدود علاقتك بمارية يا حمزة؟!

ابتسم حمزة وهو يقول بمواربة:

_مارية تعتبرني صديقاً لها...وأنا أعطيها دروساً في اللغة العربية والقرآن...


هز دكتور آدم رأسه ثم قال بلهجة ذات مغزي:

_هي تعتبرك صديقها...وأنت ماذا تعتبرها؟!

أطرق حمزة برأسه للحظات ثم رفعه ليقول بهدوء:

_مارية عزيزة جداً لدي...لكنني لا أجد لشعوري بها مسمي...

ابتسم دكتور آدم في إعجاب وهو يقول بارتياح:

_لو قلت غير ذلك...لما صدقتك...لكن قولك هذا جعلني أثق بك أكثر...


رمقه حمزة بنظرة متسائلة ...

فأردف في شرود:

_لا تنس أن وضعك الآن يشبه وضعي كثيراً عندما جئت إلي هنا لأول مرة...لهذا أفهمك جيداً...تماماً كما أفهم ابنتي...مارية مبهورة بعالمك الجديد الذي يختلف عن عالمها والذي عجزت أنا للأسف عن إشعارها بالانتماء إليه بسبب انشغالي...

طرق علي المكتب بأصابعه وهو يكمل:

_مارية حرمت حنان والدتها التي توفيت وهي صغيرة...لتجد نفسها نصف عربية ...نصف انجليزية...أنا أحرص علي الذهاب بها لأعمامها في مصر كي تختلط بهم ولا تنسي هويتها...لكن رحلاتنا هناك تزيد شتاتها...هي مرتبطة بأصدقائها هنا بطبيعة الحال وقد كان هذا يمنحني تصوراً عن اختيارها للعالم الذي تريد الانتماء إليه حقا...لكن ظهورك في حياتها الآن يغير كل هذا...لا أدري حقاً إن كانت مارية ستختار أن تكون عربية أم تكمل طريقها الذي بدأته هنا...

عقد حمزة حاجبيه وهو يقول بضيق:

_لا أظنني بهذا التأثير القوي عليها...

ابتسم دكتور آدم وهو،يقول بحنان:

_بل أنت كذلك...مارية ابتعدت كثيراً عن أصدقائها هنا منذ ظهرت أنت...وأنا ألاحظ اهتمامها الشديد بك...لكنك أنت الذي لا تريد هذه العلاقة ...أليس كذلك؟!

أطرق حمزة في حرج فأردف دكتور آدم في حكمة:

_أنا أعرف عن أصولك الصعيدية يا حمزة...أعرف أن مارية ليست الصورة التي يمكنك الارتباط بها...لهذا احترمت صدقك معي عندما قلت أن مشاعرك نحوها بلا مسمي...


نظر إليه حمزة بحيرة وهو لا يعرف مغزي هذا الحوار....

ما الذي يريده دكتور آدم منه بالضبط...


قام دكتور آدم من مكانه وهو يقول بحزم:

_كل ما أرجوه منك ألا تؤذها يا حمزة...أنا أثق بك وأعرف أنك تستحق ثقتي هذه...

قام حمزة بدوره وهو يقول بصدق:

_اطمئن يا دكتور آدم...


نظر إليه دكتور آدم نظرة طويلة...

يود لو يطلب منه بنفسه أن يتزوج ابنته...

حمزة هو الرجل الوحيد الذي يراه لائقاً بها...

هو الوحيد القادر علي لمّ شتات روحها المبعثرة بين عالمين متناقضين...

لكن المشكلة في مارية نفسها...

يجب أن تأخذ هي هذا القرار وحدها دون أي تدخل...

وهو يشعر أنها في طريقها لهذا...

ابتسم في أبوة خالصة وهو يصافح حمزة هاتفاً في حميمية:

_أنا أثق بك!

==========================================================================

جلس بدر علي كرسيه في المزرعة يراقب غروب الشمس...

لقد كان هذا اليوم حافلاً...

عالمه الصغير الذي اختلي فيه بمحبوبته بعيداً عن الناس يوشك علي الانهيار...

سمية الحبيبة قد يختطفها الموت في أي لحظة...

وهاتان الغريبتان اللتان دخلا بينهما فجأة...

خاصة آسيا هذه...!!!!


زفر في ضيق وهو يتذكر إصرار سمية علي بقائها معهم...

بل إنها عرضت عليها أن تعمل هنا كمعلمة للصغير ...

هذا طبعاً بعدما اطمأنت لاعتنائها بها في مرضها...!!

هي تدعي أنها مجرد ممرضة...!


لكنه يعلم أنها تكذب...

هيئتها وثيابها توحي بثراء كبير...

بل إن ساعة يدها وحدها تساوي ثروة...

هو يعرف ذلك جيداً لأنه أهدي سمية واحدة مثلها العام الماضي...

فما سرها هذه الفتاة الغريبة؟!!

وهل ستوافق علي العمل معهم؟!


_سيد بدر!


التفت ليجدها خلفه مباشرة...

أشار لها بالجلوس جواره هاتفاً في تهذيب:

_تفضلي يا آنستي.

جلست آسيا جواره وهي تقول في تردد:

_السيدة سمية عرضت علي العمل هنا...

نظر إليها بتفحص وهو يقول بحذر:

_وما رأيك؟!

أطرقت برأسها وهي تقول في خجل:

_أنت ما رأيك؟!


أشاح بوجهه عنها وهو،يتنهد في حرارة...

فأردفت قائلة بتوتر لم يخف علي عينيه الخبيرتين:

_أنت لا ترحب بوجودي هنا...لهذا جئت أخبرك أني سأرحل...

صمت لحظات قبل أن يقول بحذر:

_هل عدم ترحيبي،بوجودك هو فقط ما يدفعك للرحيل؟!

تلفتت حولها في ارتباك وهي تقول بحيرة حقيقية:

_لا أعرف...أنا حقيقة لا أعرف!!


هز رأسه بلا معني....

هذه الفتاة ضائعة ...

خجلها وتوترها وحيرتها ....

كل هذا يوحي له بأنها فتاة من أصل طيب لكنها في ورطة...


ابتسم في هدوء ثم قال برفق:

_صدقيني أنا أريد مساعدتك...ولا أظن بكِ سوءاً...لكنني لا أحب المفاجآت خاصة مع مرض سمية الذي يستنزف مشاعري كلها...

أومأت برأسها في تفهم وهي تقول بصدق:

_سأخبرك بحقيقة وضعي يا سيد بدر...لكن أرجوك أن تحافظ علي سري...لا أريد أن يعرف عنه أحد سواك.


هز رأسه في موافقة ...

فأردفت بشرود:

_أنا حديثة التخرج في كلية الطب أعيش في مدينة(.......)....عائلتي شديدة الثراء والشهرة في مدينتنا...لكن جدي أصر علي تزويجي بابن عمي قسراً فهربت ...هذا تقريباً ملخص قصتي...


أطرق بدر برأسه وهو يفكر...

لم تخطئ سمية حين أدركت بحدسها أن قصة آسيا تشبه قصتها...

لكن سمية هربت معه إلي هنا...

هو كان سندها وأمانها...

فمن لآسيا هذه؟!!!

من سيحافظ علي فتاة مثلها وسط هذا العالم القاسي؟!!


لقد اختارت لها الأقدار هذه الحصن الذي بناه له ولحبيبته بعيداً...

وكأنها تقصد حمايتها هي بالذات...!!!

وهو من هذه اللحظة لن يتخلي عنها...

إنه يري فيها صورة سمية منذ سنوات طويلة...

حين وقفت في وجه الجميع لتعلن اختيارها له وحده...

صحيح أنها دفعت ثمن ذلك غالياً...

لكن يشهد الله أنه حاول تعويضها بكل ما يستطيع طيلة هذه السنوات...

ولو استطاع أن يمنحها عمره كله لما تردد...!!!!


طال صمته فأساءت آسيا فهمه لتقف قائلة:

_يبدو أن حديثي ضايقك!

رفع رأسه إليها وهو يقول بابتسامة حنون:

_اعتبريني شقيقك الأكبر منذ هذه اللحظة يا آسيا...لن يصيبك أذي مادمت بيننا...ولن ترحلي إلا إذا رغبتِ أنتِ في ذلك...

ابتسمت في ارتياح وهي تقول بامتنان:

_أشكرك يا سيد بدر...


قالتها وهي تشعر أخيراً بالطمأنينة...

هذا المكان مثالي للاختباء بعيداً عن قاسم النجدي وعيونه...

ستبقي هنا لبعض الوقت حتي تهدأ الأمور...

وبعدها يمكنها الرحيل لتبدأ حياتها من جديد في أي مكان تختاره....


ابتسم بدر بدوره وهو يري ابتسامتها وارتياح ملامحها...

غافلاً عن هاتين العينين اللتين كانتا تراقبانهما من خلف النافذة...

لقد كانت نغم!!

نغم التي ظنت سوءاً عندما رأت اختلاءهما ببعضهما هذا ...

والابتسامة التي ارتسمت بوضوح علي وجهيهما...

لتشعر بغضب شديد يتملكها...

هذه الغريبة قد تسرق بدر من سمية...

هذه الغريبة ستحطم تمثال الحب الذي ظل أمام ناظريها طوال هذه السنوات...

لكنها لن تسمح لها بذلك...

ستحرص علي أن تحبط مخططها...

سمية الحبيبة لا ينقصها جرح جديد...

كفاها ألم المرض الذي هدها هداً...


ستبقي معهم هنا حتي لا تسمح لتلك الغريبة بالتمادي...

هذا ما استقرت عليه وهي تغلق النافذة بسرعة...

لتتجه نحو غرفة سمية!!

=========================================================================

دخلت رقية بتردد إلي الشاليه الذي سيقضيان فيه إجازتهما هي وياسين...

لقد كان موقعه خرافياً...

يطل مباشرة علي الساحل لكنه منعزل عما حوله...

ابتسمت في سخرية مريرة وهي تفكر...

كم يبدو مثالياً لزوجين في (شهر العسل) ...

لكن...

ليس لهما بالتأكيد!!!


أمسك ياسين كفها ببساطة وهو يريها المكان كاملاً...

حتي وصل بها إلي غرفة النوم ليضع الحقائب هناك...

تلفتت حولها في ارتباك ثم قالت بهدوء مصطنع:

_هذه الغرفة لا تحوي سوي سرير واحد ....أين سأنام أنا؟!

تنحنح في حرج وهو يقول :

_للأسف هذا صحيح...

رفعت رأسها في كبرياء وهي تقول:

_حسناً...سأنام علي الأريكة بالخارج.

تقدم منها بضع خطوات ليقول بحزم:

_لا!

عقدت حاجبيها بشدة فتنهد قائلاً:

_لا تكوني عنيدة يا رقية...الجو بارد هذه الأيام...لن ينام أحدنا علي الأريكة ...

فتحت فمها لتعترض لكنه أردف بحزم أخرسها:

_لن أمسّكِ يا رقية دون رضاكِ...لقد أعطيتك كلمتي في هذا الشأن...لكن دعينا نعيش حياتنا بصورة شبه طبيعية...بدلاً من تشددك هذا...

أطرقت برأسها فسألها بحدة :

_ألا تثقين بي يا رقية بعد كل هذا؟!

همست في تردد يمتزج بخجل:

_الأمر لا علاقة له بالثقة...أنا فقط...


قطعت عبارتها التي لم تستطع إكمالها...

فساد الصمت بينهما لحظات....

قبل أن يبتسم  بحنان وهو يقول برفق:

_أكثر ما يعجبني فيكِ أنكِ تفهمينني جيداً...

رمقته بنظرة متسائلة فأردف في إعجاب واضح:

_لا تسيئين استغلال حناني معك...تتوقفين عند الحدود التي أضعها...كثيرات من النساء يخطئن تأويل حِلم الرجل...يعتبرونه ضعفاً...لكنكِ لستِ كذلك...


ابتسمت في رقة وهي تقول بشرود:

_لأن أبي مثلك...شديد الحنان معنا لكن كلمته كالسيف لا ترد...طالما تمنيت أن أتزوج رجلاً مثله...


ضحك ضحكة قصيرة وهو يقول في حنان:

_ليتكِ تكونين محظوظة بي كما أنا محظوظ بكِ!!


أشاحت بوجهها في خجل...

ثم ابتعدت عنه بضع خطوات وهي تفتح الحقائب لترتب الملابس في الخزانة...

اتجه نحوها يساعدها ببساطة

وهما يتبادلان التعليقات المرحة...

حتي انتهيا....

تمدد ياسين علي السرير في إرهاق...

وهو يقول في تعب:

_لقد أرهقني السفر جداً...


ثم التفت إليها هامساً بحنانه المعهود:

_لا ريب أنكِ أيضاً متعبة...

هزت رأسها نفياً  وهي تهمس في اعتراض خفيض:

_لا...أنا بخير.

اتسعت ابتسامته الحنون وهو يمد لها كفه هامساً:

_تعالي يا رقية...

جلست جواره علي طرف السرير مطرقة برأسها فهمس بصدق :

_لقد وعدتكِ ألا أفعل إلا ما يرضيكِ...فلا تخافي...


أومأت برأسها إيجاباً وهي تبتسم ...

فابتسم بدوره وهو يشعر نحوها بمزيج من مشاعر مختلفة...

هو شديد الإعجاب بها حقاً...

روحها الفريدة ترفعها لمصافّ الملكات....

تعرف جيداً كيف تمزج قوتها بخضوعها في مزيج متجانس...

لتمنحه سعادة حقيقية بقربها....

سعادة لا يعرف لها سبباً...

لكنه أدمنها...

تماماً كما أدمن وجودها حوله كالهواء!!!


وجواره كانت رقية تكاد تذوب خجلاً...

رغم ما تدعيه أمامه من صلابة...

لكن كل يوم يمر لها معه...

تشعر أنها لم تخطئ عندما اختارته هو من بين كل من تقدموا إليها....

ياسين النجدي رجل رائع...

لم يكن ذنبه كما لم يكن ذنبها أنها التقته في الوقت الخطأ...

لكن من يدري...

ربما يجئ اليوم الذي يحبها فيه كما تحبه...

بل أكثر!!!


رقية الهاشمي لن تقبل بأقل من عشق مجنون...

وغرام يحملها فوق غمام السماء...

لهذا ستصبر عليه مهما طال الوقت...

فقلبها يخبرها أن صبرها ستجني ثماره بأروع مما تتمني...

وليت قلبها يصدق هذه المرة!!!

==========================================================================

ظلت تترقب باب المكتبة في قلق يمتزج باللهفة...

زياد لم يتوقف عن زيارتها في المكتبة منذ ذلك اليوم الذي منحته فيه الكتاب...

يأتيها كل يوم في نفس الموعد تقريباً ليقضي معها بضع دقائق...

لكنها تساوي يومها كله...

يناقشها في أمور عديدة...

فيشعرها بقيمة عقلها واحترامه لها....

لم تكن تصدق أن هناك رجلاً يجمع كل ما حلمت به مثله...

حنانه...

رقته...

تفهمه...

عقله...

وأخيراً....وسامته!!!


تنهدت في حرارة وهي تفكر....

ماذا لو كان من حقها أن تختار شريكها بنفسها....

ساعتها كانت ستختاره هو دون تردد!!!

لا تدري كيف تعلقت به بسرعة هكذا...

ليصير فجأة وكأنه الرجل الذي كانت تحلم به عمرها كله!!!!


زفرت في ضيق وهي تتذكر أن عمار سيعود اليوم من سفره...!!!

لقد كانت سعيدة جداً في غيابه طيلة الأيام السابقة...

كيف لا؟!!!

ووجوده حولها كالحجر الثقيل علي صدرها...!!!!


نفضت رأسها بقوة وكأنها تطرده من أفكارها عندما فتح باب المكتبة...

ليدخل زياد بوجهه الوسيم الباسم في حنان...

ابتسمت في سعادة حقيقية وقلبها يخفق في جنون...

تقدم نحوها ليقول بود ظاهر:

_كيف حالك اليوم يا جويرية؟!

همست بخجل:

_بخير حال...كيف حالك أنت؟!

صمت لحظات قبل أن يقول مباشرة دون مقدمات:

_أنا أريد مقابلة جدك يا جويرية...

اتسعت عيناها في ارتياع وهي تقول في خوف:

_جدي؟! لماذا؟!

نظر لعينيها لحظات ثم همس بصوته الرخيم:

_ألا تعلمين لماذا؟!

شلتها الصدمة للحظات...

قبل أن يقول بحب لم يستطع إخفاءه:

_أريد التقدم لخطبتك...


انهارت جالسة علي كرسيها وهي تبكي في عنف...

لقد انهار حلمها سريعاً...

بأسرع مما توقعت...

لماذا تقدم بطلبه هذا الآن؟!!!

لماذا لم يتركها غارقة في خيالها ...

في عالمها الوردي ...؟!!!

حيث لا أحد سواهما معاً؟!!!

لماذا أيقظها علي صدمة الحقيقة التي تحاول تناسيها؟!!!

لماذا؟!!!


عقد حاجبيه بشدة وهو يري انهيارها هذا أمامه فهتف بجزع:

_ماذا بك يا جويرية؟! هل أزعجكِ طلبي إلي هذه الدرجة؟!!!


رفعت عينيها إليه تحدثه دون كلام...

أزعجني؟!!!

لا...

لقد هدم قصر أحلامي علي رأسي...!!!!

عجّل بالنهاية التي تمنيت لو لم تأتِ أبداً...!!!!


سحب كرسياً ليجلس جوارها هامساً في قلق:

_ما الأمر يا جويرية...أخبريني أرجوكِ.

همست في انهيار وسط انتفاضة جسدها المرتعش:

_أنا...أنا شبه مخطوبة لابن عمي؟!


اتسعت عيناه في صدمة...

وهو يتذكر ذاك الرجل الغليظ الذي كان ضائقاً بوجوده يوم ذهب إليها في منزلها...

عمار...

نعم...إنه يذكر اسمه جيداً....

سألها وهو يكز علي أسنانه :

_هل هو عمار؟!!!

أومأت برأسها إيجاباً ....

فهتف في استنكار:

_ولماذا لم تخبريني من البداية أنكِ مخطوبة؟!!! أنتِ حتي لا ترتدين خاتم الخطبة كما اتفق!!!!


ازداد نحيبها فشعر أن في الأمر شيئاً ما مريباً...

تنهد في حيرة وهو يهتف في حنان:

_اهدئي يا جويرية....قد يدخل أحد الزبائن المحل ويراكِ هكذا...


مسحت دموعها بسرعة...

وهي تنتبه لموقفهما...

ثم همست في أسف بصوت متقطع:

_أنا آسفة يا دكتور زياد...

تفحص ملامحها بأسف واضح...

ثم قال في إصرار:

_أخبريني عن حقيقة الوضع ...أنتِ لا تبدين راضية عن هذه الزيجة...

همست في سخرية مريرة:

_ومن يهمه رضايَ؟! جدي قال كلمته وانتهي الأمر...


ارتفع حاجباه في إدراك وهو يستوعب الحقيقة...

هكذا الأمر اذن...

القصة التقليدية...

أن تتزوج الفتاة من ابن عمها حتي دون رضاها ...

لكن ...

ألا زال أحد يفكر بهذه الطريقة في هذا العصر؟!

ألا زال أحد يتجاهل رأي المرأة في زوجها...؟!


قام واقفاً وهو يقول في حزم:

_لن أسكت علي هذا الأمر....سألتقي بجدك وأطلبك منه رسمياً....

هتفت في جزع:

_لا...إياك أن تفعلها...أنت لا تعرف جدي ...وعمار قد يقتلك ويقتلني معك...

عقد حاجبيه هاتفاً:

_أين نعيش هنا؟!!!


هزت رأسها في يأس وهي تقول:

_انس الأمر يا زياد...ليس بيدنا شئ...

سألها مباشرة دون مواربة:

_هل ترينني زوجاً مناسباً لكِ؟!

أطرقت برأسها دون أن تجيب...

فهمس في استجداء:

_أجيبيني يا جويرية أرجوكِ!

أومأت برأسها إيجاباً ثم همست في حزم غريب علي ضعفها الذي تشعر به:

_لا تعد هنا أرجوك يا زياد...أنا أجبتك عن سؤالك بصدق...لكن هذا لا يعني شيئاً...لستُ لك..ولن أكون...


رمقها بنظرة عاتبة....

ثم أعطاها ظهره...

ليغادر المكان بخطوات سريعة...


لقد رحل زياد...!!!

الحلم القصير الذي لم تستمتع به سوي بضعة أيام...

رحل وتركها لمصيرها مع عمار البغيض...

لكن...

بقيت لها فرصة أخيرة...

ستفعل الشئ الذي طالما جبنت عن فعله...

لكنها ستتحلي بالشجاعة هذه المرة...

مالذي يمكن أن يحدث لها أسوأ من الزواج بعمار هذا!!!!

ستنفذ ما عزمت عليه...

هذه الليلة!!!!

==========================================================================


توجهت نغم نحو غرفة سمية...

فتحت الباب برفق...

لتجد سمية جالسة علي الأرض تقرأ القرآن في مصحفها...

تأملتها بحنان...

ثم جلست جوارها تقول بعاطفة:

_تقبل الله!

ابتسمت سمية بسكينتها المعهودة وهي تقول:

_منا ومنكم يا حبيبتي...

تنحنحت نغم في حرج وهي تقول في ارتباك:

_تلك الفتاة آسيا...لقد علمت أنكِ تريدين منها العمل هنا كمعلمة لياسين....لا تثقي بها كثيراً....

عقدت سمية حاجبيها وهي تقول بقلق:

_لماذا ؟! هل رأيتِ منها شيئاً؟!

هتفت نغم باندفاع:

_نعم...رأيتها تختلي ببدر في المزرعة وكانا يتضاحكان...


اتسعت عينا سمية في ارتياع...

بدر وآسيا....

لا...

ولماذا لا؟!!!

آسيا تبدو فتاة طيبة ومنذ جاءت هنا وهي تهتم بياسين اهتماماً غير عادي...

ربما تكون نغم هي الأفضل لخطتها...

لكن يبدو أن بدر قد اختار...


بدر اختار؟!!!!!

دمعت عيناها بقوة وهذه الفكرة المسمومة تملأ رأسها...

فهتفت نغم في أسف:

_سامحيني يا سمية...لم أشأ أن أضايقكِ...لكنني لم أرتح لوجودهما سوياً....


تمالكت نفسها وهي تربت علي كف نغم هامسة:

_لا عليكِ يا حبيبتي...فقط دعيني وحدي الآن....


رمقتها نغم بنظرة مشفقة...

وهي تندم ألف مرة علي مصارحتها لها بما حدث...

لم تحسب حساباً لغيرتها وحزنها...

كل ما جال بخاطرها وقتها أن تحافظ علي زوجها من تلك الدخيلة....

قامت نغم ببطء...

لتغادر الغرفة بخطوات متثاقلة....


قامت سمية هي الأخري...

لتفتح النافذة وتأخذ نفساً عميقاً...

هل أتي هذا اليوم الذي تغار فيه علي بدر من أي امرأة...

وهو الذي كان ملكية خاصة لها طيلة هذه السنوات....

استغفرت الله سراً وهي تفكر...

ربما كان هذا من رحمة الله به...

أن يعوضه علي صبره عليها وعلي مرضها خيراً...

ربما كانت نغم هي البديل الذي اختارته هي....

لكن يبدو أن القدر قد يختار آسيا هذه....!!!!


دخل بدر الغرفة...

ليتجه نحوها في سرعة...

أدار كتفيها إليه وهو يهمس في اشتياق:

_افتقدتك يا حبيبتي....لم أركِ طوال النهار...


ابتسمت له ابتسامة شاحبة...

وهي تدفن وجهها في صدره فضمها إليه بقوة وهو يقول بصدق:

_لو تعلمين كم يساوي حضنك هذا؟! الدنيا كلها....

رفعت إليه وجهها وهي تسأله مباشرة:

_هل رأيت آسيا اليوم؟!

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول بهدوء:

_لقد جاءتني تسألني عن رأيي في عملها هنا....

سألته بترقب:

_وما رأيك؟!

تنهد قائلاً:

_لم يعد لدي مانع في بقائها...فلتبقَ معنا...


رغم بساطة عبارته التي قالها ولم يلقِ لها بالاً لكن سمية شعرت بها تحرقها حرقاً...

نعم...

هي التي تتمني له السعادة من كل قلبها...

هي التي تود الاطمئنان عليه قبل رحيلها...

هي التي سعت خلف مجئ نغم إلي هنا لتزداد منه قرباً...

لكن...


ما حيلتها في هذه الغيرة التي تنهش قلبها بمخالب قاسية؟!!!


أخذت نفساً عميقاً وهي تغتصب ابتسامة باردة لتقول بخفوت:

_أنا سعيدة لقرارك هذا...

قالتها وهي تتجه لفراشهما...

لتتظاهر بالنوم...

فيما بقي هو شارداً يتأمل منظر السماء الصافية من النافذة...

ويدعو الله بصدق...

أن يطيل عمر سمية الحبيبة...

وأن يخفف عنها آلامها التي اشتدت مؤخراً...


فيما راقبت سمية شروده بحزن...

أتراه منشغل الآن بالفاتنة التي دخلت حياته فجأة...؟!!!

أتراه شارداً فيها...؟!!!

فيمَ كانا يتضاحكان معاً...؟!!!

وما الذي جعله يغير رأيه في بقائها معهم؟!!!

هل تعلق بها بهذه السرعة؟!!!!!!!


وهكذا كانت تساؤلاتها تجوب رأسها في حيرة بائسة...

فيما كان بدر لازال معلقاً بصره بالسماء يدعو لها بخشوع!!!!!

==========================================================================

_سأصوم رمضان هذا العام ...لم يتبق عليه سوي شهور قليلة...

هتفت بها مارية لحمزة بعدما أنهي معها درس اللغة العربية والذي يعطيه لها في حديقة منزله....

فابتسم قائلاً:

_أنا فخور بكِ ...

ابتسمت في سعادة وهي تصفق بكفيها كالأطفال هاتفة:

_كم أتشوق للاحتفال بالعيد معك هذا العام...


اتسعت ابتسامته وهو يقول بصدق:

_وأنا أكثر يا مارية...

سألته في تردد:

_لماذا لم تتزوج حتي الآن يا حمزة؟!


تهرب من الإجابة وهو يسألها بخبث:

_ولماذا لم تفعلي أنتِ؟!

تنهدت قائلة:

_لم أتلقَ عرضاً جاداً سوي من آندي...

عقد حاجبيه هاتفاً:

_آندي يريد الزواج منكِ؟! وهل تقبلين أنتِ؟!!

هتفت بسرعة:

_لا لم أقبل بالطبع...أنا لا أفكر في الزواج من انجليزي...رغم أن القانون يمنحني هذا الحق...لكنني لا أستسيغ هذه الفكرة...

ظل الغضب مرتسماً علي وجهه وهو يقول بضيق:

_هل يعلم دكتور آدم بهذا؟!

هزت رأسها نفياً وهي تقول ببراءة:

_لو علم أبي فلن يسمح لي بالخروج معه...وأنا أريد الاحتفاظ به كصديق...


خبط حمزة بقبضته علي المنضدة ...

وهو يقول بحنق:

_أي صداقة هذه وهو يريد الزواج منكِ....لا أصدق أنكِ بهذه الحماقة!!!


اتسعت عيناها بارتياع لإهانته...

ثم هبت من مقعدها وهي تكاد تعدو نحو حديقة منزلها...

جري خلفها حتي وقف قبالتها يقول بأسف:

_اعذريني يا مارية...أنا أعتذر منكِ...

أشاحت بوجهها عنه ...

فقال بضيق:

_لأول مرة أفقد السيطرة علي كلماتي...سامحيني...


نظرت إليه وهي تهتف في انفعال:

_أنا لست حمقاء يا حمزة...أنت لا تفهم عنائي هنا...انا غريبة هنا وغريبة في بلدي...لا أكاد أعرف فاصلاً بين الصواب والخطأ وأنا لا أعرف لأي فريق أنتمي....


هز،حمزة رأسه وهو يقول مهدئاً:

_حسناً يا عزيزتي...أنا أعتذر منك مرة أخري...أرجوكِ اهدئي...

أطرقت برأسها فهمس يسترضيها:

_ما رأيك لو قبلت دعوة دكتور آدم لقضاء الغد معكم في منزلكم الريفي؟!

هتفت بلهفة:

_حقاً؟!

أومأ برأسه إيجاباً وهو يلمح لهفتها الطفولية فهمس بحنان:

_كنت سأعتذر عن دعوته آسفاً فلدي الكثير من العمل هنا...لكنني سآتي معكما حتي لا يفوتك درس الغد...

ابتسمت في سعادة وقد نسيت غضبها في لحظة لتقول بمرح:

_ستسعد جداً معنا...الريف رائع...وأنت ستجعله أروع...!!


قالت عبارتها الأخيرة بصدق مس قلبه...

هذه مارية الطفولية التي تغضب في لحظة وترضي في لحظة...!!

التي لا تعرف خبثاً ولا لؤماً...

ولم تسمع يوماً عن تدلل النساء!!!!

هكذا فكر وهو يرقبها بابتسامته الحانية...

وهو يشعر أنه يسقط دون وعي في بئر من عاطفته نحوها.....

==========================================================================

فتحت ساري باب الشقة لتتجه للخروج ...

لتصادف وقوف حذيفة أمام باب شقته هو الآخر يهم بالدخول....

أغلقت الباب خلفها في هدوء وتجاهلته تماماً وهي تمر جواره لتهبط الدرج...


عندما أمسك ذراعها فجأة ليقول بحزم:

_انتظري...


نزعت ذراعها منه وهي تقول في برود:

_ماذا تريد؟!

نظر لساعته هاتفاً:

_إلي أين تذهبين الآن...هل هناك محاضرات في هذه الساعة؟!

قالت بهدوء:

_ليست محاضرة...لكننا سنجتمع في الجامعة ثم ننطلق لوجهتنا...

عقد حاجبيه متسائلاً:

_وما هي وجهتكم بالضبط؟!

زفرت في ضجر وهي تقول:

_سنشتري بعض الأجهزة الكهربائية لعروس فقيرة ثم نذهب لنعطيها لها...


ازداد انعقاد حاجبيه وهو يسألها ببطء:

_هل سيكون بلال الهاشمي معكم؟!

هتفت بضيق حقيقي:

_هل هو تحقيق رسمي؟!!!

نظر إليها طويلاً نظرات لم تفهمها....

ثم قال بلهجة غريبة:

_تعالي معي إلي السطح!

نظرت إليه نظرتها لمعتوه وهي تكرر كلمته باستنكار:

_السطح؟!

اقترب منها خطوة وهو يقول بلهجة أكثر ليناً يعرف تأثيرها علي الفتيات اللاتي اعتاد مرافقتهن:

_أريد أن أتحدث معكِ وحدنا...أنا وأنتِ فقط...


رغم خفقات قلبها الهادرة في هذه اللحظة...

ورغم توسل جوارحها كلها بأن تستمع إليه...

ورغم الضعف الشديد الذي شعرت به تجاهه...


إلا أنها رفعت رأسها لتقول بكبرياء:

_لا يحق لك الحديث معي وحدنا !!

رفع حاجبيه في دهشة ثم ابتسم في سخرية هاتفاً بغرور:

_أنتِ ترفضين الحديث معي أنا علي انفراد؟!

ابتلعت إهانته المستترة لتقول ببرود يخفي جرحها كعادتها:

_معك أو مع غيرك...ساري النجدي تعرف حدودها جيداً!


قالتها وهي تزيحه من طريقها برفق...

لتهبط درجات السلم بسرعة ....

فيما كان يراقبها بغضب هادر...

لكن ..يخالطه شئ من الإعجاب....!!!


وجد نفسه بعدها يتتبعها خفية بسيارته خلف سيارتها الصغيرة...

حتي وصلت إلي الكلية...

ترجل من سيارته ليراقبها من خلف جدار قريب...

وهناك كان بلال الهاشمي ينتظرها مع مجموعة من الفتيان والفتيات...

لاحظ بشئ من الضيق تعلق نظرات بلال بها في إعجاب لم يعرف سببه...

ما الذي يجذب شاباً كبلال الهاشمي في فتاة عادية كساري...؟!!!

ظل يراقب حديثها معهم بدقة لكنه لم يلحظ اهتمامها ببلال...

كانت تتحدث معهم بمنتهي الجدية والعملية وكأنها قائدة هذه المجموعة....!!!


هموا بالانصراف لبغيتهم فعاد يختبئ خلف الجدار...

ليراها تستقل سيارتها مع الفتيات...

فيما استقل بلال سيارته مع الفتيان...

لتنطلق السيارتان بعيداً بعد فترة...


غادر مكانه وهو يعود لسيارته...

لا يعرف ما الذي دفعه لتتبعها إلي هنا؟!


ربما كان يريد تصيد أي خطأ لها حتي يكسر أنفها المرتفع دوماً في شموخ....!!

أو ربما كان يريد معرفة مدي علاقتها ببلال الهاشمي بالضبط...!!

وربما...

كان يريد التقرب أكثر من عالم هذه الفتاة الغريبة التي يفترض أنها ابنة عمه التي تربت معه وتسكن في الشقة المقابلة له بل ستكون بعد قليل زوجته....

لكنه مع كل هذا اكتشف أنه لا يعرف عنها أي شئ!!!


عاد بسيارته نحو منزله...

ليصعد الدرج نحو شقتهم...

ويلتفت بابتسامة خفيفة لشقتها المقابلة...

هل يشعر أنه افتقدها...

أم هو واهم؟!!!

==========================================================================

جلسا متجاورين علي كرسيي الشاطئ...

يراقبان مظهر الغروب الساحر في هذه البقعة المنعزلة من الساحل...

لتهمس رقية في افتتان:

_أنا أعشق هذا المنظر...

ابتسم ياسين في حنان دون أن يلتفت إليها هامساً:

_ومن لا يعشقه؟! للغروب سحر غريب...يداعب كل شجون النفس وآلامها....


أحست أنه الآن يذكر حبيبته الراحلة...

آسيا غريمتها التي لا تحمل لها الآن سوي شعور جارف بالشفقة...

والذنب...

ربما لو لم تدخل هذه العائلة...

لكانت آسيا الآن تتنعم بالسعادة مع ياسين...

ياسين الذي قتله فراقها حياً!!!!


أحست بجرحه فسألته بحذر:

_لماذا تقدمت لخطبتي مادمت كنت تحبها؟!

تنهد قائلاً في شرود:

_قاسم النجدي قضي بآسيا لحمزة ابن عمي منذ زمن بعيد...ولما كان راغباً في مصاهرتكم كنت أنا الوحيد المناسب وسط أخويّ....


سألته بدهشة:

_وأين حمزة هذا؟! أنا لم أره أبداً....

ابتسم قائلاً:

_حمزة درس الطب بلندن ويقيم هناك منذ سنوات طويلة هرباً من ثأر قديم...

اتسعت عيناها في ارتياع وهي تهتف:

_ثأر؟!

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول بشرود:

_ثأر قديم...حصد ثماره القاسية أبي وعمي والد آسيا...ولما كان حمزة هو الحفيد الأكبر فقد كان الدور قادماً حتماً إليه لهذا أبعده جدي عن هنا...ولكن من الغريب أن الرجل الذي من المفترض أن يسعي خلفه اختفي تماماً ولا نعرف عنه أي شئ...لهذا نعيش قلقاً بلا أجل مسمي...ولا يمكننا السماح لحمزة بالعودة حتي نعرف مصير هذا الرجل...


هزت رأسها في عدم تصديق وهي تقول:

_أنا أشعر أنني في فيلم سينما....هل تحدث هذه الأشياء في الواقع....؟!!!!


ثم أردفت في حدة:

_ولماذا كان جدك حريصاً علي مصاهرة أبي إلي هذه الدرجة؟!

عاد يقول في شرود:

_جدي لا يهمه سوي مصلحة العائلة...أحفاده هم نقطة ضعفه الوحيدة...هو أراد مصاهرة عاصم الهاشمي ليستفيد من سلطته ونفوذه في حمايتنا لو ظهر جسار هذا الذي يطاردنا بالثأر...وفي نفس الوقت اختار لكل واحدة من بنات عمي زوجاً منا ليضمن لها ألا تخرج من العائلة لتبقي دوماً محمية بيننا...

أومأت برأسها في تفهم وهي تقول بحزن:

_لكنه لم يحسب حساباً لآرائهن...وكانت هذه هي النتيجة...لقد ظلمنا أنا وأنت وآسيا...ومن يدري ربما كان دور جويرية وساري قادماً...


أحس بجرحها في كلماتها لكنه لم يستطع أن يواسيها....

ماذا عساه يقول لها؟!!!

هي محقة في كل ما قالته الآن...

لكنه يتمني بصدق لو يسعدها...

لو يعوضها حرمانها هذا...

لكن كيف؟ !!!


قطعت أفكاره عندما قامت لتقول بابتسامة مصطنعة:

_دعنا نعد إلي الداخل...الجو صار بارداً نوعاً...


أمسك كفها وهو يدخل معها إلي الشاليه...

ليغلق الباب خلفهما...

ثم أمسك كتفيها هامساً وهو ينظر لعينيها بعمق:

_سأسألك سؤالاً وتعدينني أن تجيبي بصدق...


عضت علي شفتيها وهي تشعر بالارتباك...

لكنها أومأت برأسها في إيجاب...

فسألها وهو لا يحيد بعينيه عن عينيها:

_لماذا اختارتني رقية الهاشمي من وسط العشرات الذين تقدموا لخطبتها؟!


أطرقت برأسها وقد دمعت عيناها...

فرفع وجهها إليه بأنامله وهو يهمس :

_جدي قال لي يومها أن فرصتي في الارتباط بك ضعيفة جداً لأن الكثير من العائلات كانت تتمني الفوز بكِ لهذا كانت دهشتي بالغة عندما علمت أنكِ وافقتِ علي أنا...


خفق قلبها بعنف ....

عندما عاد يسألها في تصميم:

_لماذا أنا يا رقية؟!


هربت بعينيها بعيداً عن حصار عينيه...

فابتسم لخجلها الذي لون وجنتيها بحمرة لذيذة ليقول بخبث:

_تذكري أنكِ وعدتني أن تجيبي علي سؤالي...


عادت تنظر إليه نظرات لم يفهمها جيداً...

كعادته في حديث عينيها الغامض...

ليسود الصمت بينهما لحظات طويلة...


قبل أن تهمس رقية بابتسامة ماكرة:

_وعدتك أن أجيب سؤالك...لكنني لم أحدد متي...


ارتفع حاجباه في دهشة...

ثم ابتسم في حنان...

عندما أردفت بثقة لا تليق إلا بها:

_عندما يحين الوقت المناسب ستفي رقية الهاشمي بوعدها.

==============================


اعادة نشر #جارية_في_ثياب_ملكية

الفصل السابع


خرجت جويرية من غرفتها وقد عزمت علي تنفيذ ما جبنت عنه منذ فترة طويلة...

توجهت لغرفة فريدة بخطوات مترددة...

لتجدها جالسة علي سريرها تحتضن أحد أثواب آسيا وتبكي في صمت...

انقبض قلبها بقوة وهي تشعر بعناء فريدة الصامت...

ليتها تستطيع أن تسعدها...

لكن كيف تسعدها وهي نفسها ليست سعيدة...؟!!!!

ولن تكون...

فاقد الشئ لا يعطيه...!!!!!


عادت إلي صالة المنزل تاركة فريدة لحزنها الصامت...

ثم ارتدت إسدال صلاتها وغادرت الشقة ببطء...


نزلت الدرج متجهة لشقة جدها لتطرق باب غرفته في وجل...

سمح لها قاسم بالدخول فدخلت لتقبل يده...

ثم وقفت مكانها في تردد....

سألها قاسم في هدوء:

_كيف حالك يابنتي؟!

أجابته ببطء :

_بخير حال يا جدي...

تأمل قاسم وقفتها المضطربة في تفحص...

ثم سألها في اهتمام:

_هل تريدين شيئاً يابنتي؟!


نظرت إليه في وجل وقلبها يخفق في شدة...

هذا طريق لو سارت فيه فلن يمكنها العودة...

لكنها ستواجه الأمر بشجاعة...

آن الأوان لتتمرد علي مصير الجواري الذي اختاروه لها...

لن تهرب مثل آسيا...

لكنها ستواجههم باختيارها وليكن ما يكون!!!!


قالت بعد صمت طويل صبر عليه قاسم وكأنه استشعر وراءه أمراً جللاً:

_أنا لا أريد الزواج من عمار يا جدي....


وكأنما ألقت قنبلة في المكان!!!!

هب قاسم من مكانه بغضب هادر وهو يصرخ فيها:

_ماذا تقولين يا فتاة؟!!!

ارتجف جسدها رغماً عنها وهي تستشعر غضبته التي تربت علي الخوف منها...

عجزت عن النطق وهو،يعيد الصراخ فيها هاتفاً:

_لا تريدين ماذا؟!!!


ازدادت ارتعادة جسدها وهي تنتبه أخيراً لفداحة فعلتها...

عندما اندفع قاسم ليفتح باب الغرفة صارخاً في الخادمة:

_أريد فريدة وعمار حالاً....


لم تمض بضع دقائق حتي جاء عمار وفريدة إليه يتعجبان من ثورته...

فأشار لجويرية هاتفاً في ثورة:

_هذه الفتاة تقول أنها لا تريد الزواج منك....


أغمض عمار عينيه في قوة...

وهو يشعر بجرح عميق تزداد قسوته يوماً بعد يوم...

لكن هذه المرة تختلف...

جويرية تغلبت علي الخوف الذي تربي فيهم جميعاً من جدها...!!!!

جويرية تحدت أوامر النجدي علانية في وجهه لأول مرة في حياة العائلة..!!!!

فعلتها لأنها لا تريد الزواج منه....!!!

إلي هذه الدرجة تكرهه؟!!!!!


أخذ نفساً عميقاً يحاول استيعاب جرحه المزدوج لكرامته قبل قلبه...

أي رجل يمكنه تحمل هذا الموقف...؟!!!

وهو يري حبيبته التي لم يعشق سواها منذ صغرهما...

تبذل كل هذا الجهد لتتخلص منه علانية أمام الجميع....!!!


لكن قاسم لم ينتبه لألمه الذي أخفاه ببروده كالعادة...

وهو يخاطب فريدة صارخاً فيها:

_هل هذه تربية بناتك يا فريدة؟! واحدة تهرب ثم تنتحر لتجعل شرفنا مضغة في الأفواه والثانية تعصي أمري في الزواج من ابن عمها؟!


لم تتمكن فريدة من الرد وهي تشعر بالألم يخنق صدرها....

لماذا فعلتِ هذا يا جوري؟!

لماذا؟!

لازلت لم أستفق بعد من صدمتي في آسيا...

فلمَ تعجلين بصدمة أخري؟!!!!


عاد قاسم لجويرية وهو يجذبها من ذراعها ليهتف بحدة:

_لا تريدين الزواج من عمار؟! وماذا ستفعلين لو أصررت أنا علي ذلك؟! هل ستهربين مثل شقيقتك..؟!


تحرك عمار بجمود يخفي اشتعاله...

ليجذبها من ذراعها الآخر مخفياً إياها خلف ظهره ليحميها من بطشه قائلاً لجده في حزم:

_كلمة قاسم النجدي لن ترد...اطمئن يا جدي...جويرية لن تتزوج أحداً غيري...


نقل قاسم بصره بين الجميع بتفحص....

ساد فيه الصمت لحظات...

ثم جلس علي كرسيه وهو يسند رأسه علي عصاه مطرقاً إلي الأرض....

قبل أن يرفعها ليقول بحزم:

_سيتم زواجكما بعد شهر واحد...لن تخرج فيه هذه الفتاة من باب البيت أبداً...


اتسعت عينا جويرية في رعب وكأنها تلقت -لتوها-حكماً بإعدامها!!!!

شهر واحد وتكون زوجة لذاك البغيض!!!

شهر واحد وتدفن كل أحلامها الوردية برجل يحبها ويحتويها بحنانه!!!!

شهر واحد وتُسلّم الجارية إلي سيدها الجديد ليقضي فيها كيفما شاء!!!


سحبتها فريدة من ذراعها بقوة وهي تقول لقاسم في خضوع كعادتها:

_كما تأمر يا عمي...


التفتت إليها جويرية في صدمة...

لم يقف أحد معها...

بل علي العكس كلهم يرونها مذنبة!!!!

وكأنها أجرمت يوم صرخت بعدم رغبتها في عمار هذا...

فماذا لو أخبرتهم عن زياد؟!

هل سيدفنونها حية؟!!!!!


سارت خلف فريدة التي كانت تجرها من ذراعها جراً لتتجه معها نحو شقتهما...

فقال قاسم لعمار بحزم:

_أغلق الباب وتعال...


نفذ عمار أمره ليقف بين يديه قائلاً بجمود:

_ماذا تريد مني يا جدي؟!

تأمله قاسم للحظات بعينيه الخبيرتين ...

ثم قال بلهجة مخيفة:

_جويرية ستكون زوجتك...إياك أن تؤذيها أو تعاقبها يوماً علي ما سمعته اليوم...

أشاح عمار بوجهه ...

فلوح قاسم بسبابته في تهديد وهو يقول بصوته الصارم:

_أنا لم أحرص علي تزويجهن منكم إلا للحفاظ عليهن...لو آذيتَها سأكون أنا خصيمك!


أطرق عمار برأسه وهو لا يعرف بماذا يرد علي تهديد جده...

هو لم ولن يفكر يوماً في أذيتها...

هي جوريته الحبيبة...

هل يحتاج لمن يوصيه بها؟!!!!


ربما تغلبه خشونة طبعه أمامها...

ربما لا يتمكن من البوح لها بما في صدره...

لكنها ستبقي جوريته الغالية التي يفتديها بعمره....


وفي غرفتها كانت جويرية تنتفض ألما وقهراً...

وقفت فريدة أمامها تتأمل دموعها في صمت...

ثم توجهت نحوها لتحتضنها بقوة وتهمس في شرود:

_منذ أكثر من عشرين عاماً كنت أبكي مثلكِ هكذا زواجاً لا أريده...كنت أشعر أنني سأموت لو لم أتزوج الرجل الذي هام به قلبي حباً...

رفعت إليها جويرية عينين مذهولتين وهي تقول بصدمة:

_أنتِ يا أمي؟!

أومأت برأسها إيجاباً وهي تردف في خفوت:

_كان جاراً لنا في بلدتنا بالصعيد قبل أن نأتي للمدينة...لم يخبرني عن حبه لكنني كنت أشعر بترقبه الصامت لي في كل حركاتي...أحببته سراً....وتمنيت لو يكون زوجاً لي....

همست جويرية في ترقب:

_وماذا حدث بعدها؟!

تنهدت فريدة قائلة:

_قضي القدر لي بسعد النجدي والدكما ليكون زوجاً لي...كان نعم الزوج والأب والصديق حتي قتل غدراً...

ثم نظرت لجويرية هامسة في ألم:

_هل تعلمين من الذي قتله؟!

هزت جويرية رأسها وهي تهمس في شك:

_لا تقولي أنه هو!


همست فريدة بأسف:

_نعم يابنتي...كان هو...الرجل الذي ظننته حب العمر الذي لم أحصل عليه..استسلم لرغبة عائلته في الثأر وقتل زوجي أنا...

وضعت جويرية كفها علي شفتيها وهي تسمع هذه الحقيقة لأول مرة...

فهمست فريدة في تماسك:

_أنا أقول لكِ هذا لتعلمي أن الحب الحقيقي لا يأتي إلا بعد الزواج...لن تستطيعي معرفة معدن الرجل الذي معكِ إلا عندما تعاشرينه...ربما لم أحب سعد قبل زواجنا لكنني متّ حقاً يوم مات...بينما ذلك الآخر الذي ظننتني أحبه لم يكن في النهاية سوي رجل بلا قلب...

هزت جويرية رأسها وهي تهمس في يأس:

_ليس عمار يا أمي...ليس عمار.


ابتسمت فريدة وهي تقول في حكمة:

_ربما هو خشن الطباع غليظ القول لكنه طيب القلب ويحبك...صدقيني...هذا النوع من الرجال مخلص في حبه حتي الموت...


أشاحت جويرية بوجهها وهي لا تستطيع تصديق هذا...

ولا تريد!!!

عمار البغيض سيبقي كذلك ولو أقسموا لها بكل الأيمان...

لن تتقبل وجوده في حياتها بأي صورة...

حتي لو تزوجها قسراً...

ستبقي تكرهه طوال عمرها...

هذا هو،قسمها لنفسها الذي لن تحنث به أبداً!!!!!

==========================================================================

استيقظت ساري من نومها فجرا كعادتها...

أدت صلاتها وهي تدعو الله لجوري العزيزة أن يقدر لها الخير...

فقد علمت بما حدث ليلة الأمس...

ولا تدري ردة فعل عمار الغليظ علي فعلة جوري الطائشة هذه!!!


استغفرت الله بصوت مسموع...

وهي تتجه نحو خزانة ملابسها...

فتحتها لتستخرج منها دميته التي تحتفظ بها كصديقتها المقربة...

الذكري الحلوة الوحيدة التي تحملها منه...

ماتبقي لها من حذيفة رفيق الطفولة والصبا الذي أحبته بكل كيانها!!!!

والذي يختلف عن ذاك العابث المستهتر الذي صار إليه!!!


ضمتها لصدرها بقوة وهي تتذكر قسوة حواراتهما الأخيرة...

دمعت عيناها وهي تتصور كيف ستكون حياتهما بشعة لو تزوجها!!!


أخذت نفساً عميقاً وهي تود الاختلاء بنفسها...

فغادرت الشقة بهدوء وهي تصعد إلي سطح المنزل محتضنة دميتها التي صارت كاتمة أسرارها الوحيدة...

فتحت باب السطح ببطء تتأمل ضوء النهار الذي بدأ يغازل السماء في خجل ...

ابتسمت وهي تشعر بالسكينة...

لتتجه نحو الأرجوحة القديمة الملقاة في آخر المكان...

جلست عليها وهي تؤرجح جسدها في شرود...

تحتضن دميتها هامسة في ألم:

_ليتنا بقينا صغاراً...


وخلفها كان هو واقفاً يراقبها خلسة...

لم يصدق عينيه عندما عاد من سهرته فجراً ليجدها تتجه للسطح محتضنة دميته كما كانت والدته راجية تقول...

اذن فقد كانت والدته محقة عندما قالت أنها تحبه...

لكن تلك الحمقاء تكابر!!!


صعد خلفها بخفة...

ليراها تتأرجح علي الأرجوحة القديمة التي طالما لعبا حولها صغاراً...

تأمل المكان حوله في دهشة...

ثم لم يلبث أن جرفه طوفان الحنين....!!!


كم من السنوات مرت عليه قبل آخر مرة كان فيها هنا!!!!!

كيف مر عمره بهذه السرعة...؟!!!

إنه يذكر أيام طفولته هنا في نفس المكان وكأنها كانت بالأمس فقط...!!!!


اقترب منها ببطء حذر...

ثم وضع كفيه علي عينيها من خلفها دون أن ينطق بكلمة...

فهمست في شرود:

_هل استيقظتِ مثلي يا جوري؟!

قالتها وهي تضع كفيها علي كفيه لتصطدم بخشونتهما....

هذان ليسا كفّي  جوري!!!!


انتفضت من مكانها بقوة وهي تلتفت لتواجهه بصدمة تميل للخوف هاتفة:

_ما الذي تفعله هنا؟!

لف حول الأرجوحة ليقف قبالتها هامساً برقة غريبة علي أسلوبه معها:

_جئت من أجلك!

تلفتت حولها في ارتباك وهي تشعر بالقلق...

فتناول منها دميتها هامساً:

_كنتِ تختلين بها هنا لأنها تذكركِ بي...أليس كذلك؟!

ازدردت ريقها في توتر وهي تهمس:

_من أخبرك هذا؟!

اقترب منها خطوة وهو يهمس بنفس الصوت الآسر:

_لقد رأيتكِ مع والدتي تلك الليلة التي قضيتِها معها....وسمعت كلامكما كله...

اتسعت عيناها في ارتياع وهي تهتف في صدمة:

_سمعت؟!

ابتسم بخبث وهو يقول:

_ورأيت أيضاً....!!!


احمرت وجنتاها رغماً عنها فغمزها وهو يهمس بصوته الرخيم:

_يليق بكِ الورديّ يا عروسي....


ظلت واقفة مكانها مصدومة...

لا تصدق أنه سمح لنفسه أن يراها دون حجابها في ثوبها الوردي القصير وهي التي كانت تعتني بوالدته المريضة بينما كان هو يتسكع مع إحدي رفيقاته!!!!

بل ويتحدث عن هذا بكل صفاقة!!!!

أي أخلاق فاسدة يمتلكها هذا الرجل؟!


أساء فهم صمتها فاقترب منها خطوة أخري وهو يهمس بصوتٍ مغوٍ:

_ألا تريدين معرفة سر سحري الذي يغوي النساء؟!!!!


قالها وهو يقترب بشفتيه من شفتيها...

حين شعر،بصفعتها العنيفة تهوي علي وجهه قبل أن يمسها!!!!!

عاد برأسه للخلف وهو يضع كفه علي مكان صفعته فيما هتفت هي وسط دموعها التي انهمرت كالسيل:

_الساقطات والعابثات فقط يابن النجدي ...هن فقط من يغويهن سحرك المزعوم!


ظل واقفاً مكانه يتأمل مظهرها الغريب...

صفعتها وكلامها المهين القوي يناقض انهمار دموعها علي وجنتيها بلا توقف...

لوحت بسبابتها في وجهه وهي تهتف بقوة:

_ألم تلاحظ منذ فترة أنني لم أعد أناديك باسمك...لا أقول لك إلا ابن النجدي...لأنك لا تستحق أن تكون حذيفة الذي تربيت معه وعشت معه طفولتي...أنت مسخ منه...مسخ بشع...


قالتها وهي تتناول منه دميتها لتهتف بنفس الصوت الباكي:

_هذه التي تستدل بها علي أنني أحبك؟!


ارتد للخلف مصعوقاً وهو يراها تطوح الدمية في الهواء لتسقط من علي سور السطح في الطريق....

عاود الالتفات إليها مراقباً بذهول عدوها السريع لتغادر السطح....


ظل واقفاً مكانه للحظات...

لا يدري كيف تجرأ عليها هكذا...؟!!!!

وكيف سمح لنفسه بالتطاول معها إلي هذا الحد....؟!!!

عاد يتحسس صفعتها علي وجهه في شرود...

وكأنه لا يصدق أنها فعلتها!!!!

ساري صفعته هو؟!!!!


سار بضع خطوات ليستند علي سور السطح...

متأملاً دميتها التي استقرت علي قارعة الطريق...

لقد رمتها بكل سهولة...

وكأنها ترمي معها كل شعور جميل ظنها تحمله له يوماً!!!!


أطرق برأسه في أسف...

وهو يغادر السطح لينزل الدرج...

فتح باب المنزل بسرعة ليلتقط الدمية التي سقطت -لحسن الحظ-أمام المنزل تماماً...

لكنها اتسخت بالوحل...!!!!


ابتسم في سخرية مريرة...

وهو يتذكر وصفها لقلبه عندما قالت لراجية:

_وماذا يفيد القلب الطيب طالما كان مغروساً في الوحل...

كم هي مصادفة لائقة!!!

دميته اتسخت بالوحل كقلبه....!!!!


زفر في قوة وهو،يغلق باب المنزل خلفه...

ليصعد الدرج ويتجه نحو شقتهم...

ذهب إلي المغسلة الكهربائية مباشرة...

ليضع فيها الدمية ثم يشغلها بنفسه...

ويراقبها وهي تدور وتدور....

وتدور معها أفكاره...!!!!


ما الذي فعلته به تلك ال"مسترجلة"؟!!!!

كيف جعلت كيانه كله ينهار هكذا؟!!!

إنه يشعر الآن بضياع رهيب...

لم يشعر به قبلاً...

كلماتها التي قذفته بها كالرصاص اخترقت قلبه دون رحمة...

عاد يتحسس وجنته التي هوت عليها صفعته...

وهو يهمس في شرود...

تستحقها يابن النجدي...

تستحقها!!!!

==========================================================================

مدت كفها إليه وهي تهمس بصوتها العذب الذي اشتاقه...

_ياسين!

مد كفه نحوها وهو يقول بلهفة:

_كنت أعلم أنكِ لازلتِ علي قيد الحياة...تعالي يا آسيا..


ابتسمت في سعادة لتظهر غمازتها اليتيمة التي يعشقها...

قبل أن تتبدل ملامحها بسرعة لينهمر الدمع من عينيها غزيراً ...

تقدم نحوها خطوة ليسألها عن سبب بكائها...

لكن الموج حال بينهما بقوة وهو يبعدها عنه...

ليصرخ في جزع...

آسيا!!!


انتفض ياسين من نومه فجأة بعد هذا الكابوس...

فاستيقظت رقية جواره لتسمع صراخه باسمها...

راقبت بقلق تفاصيل وجهه المنزعج والعرق المتفصد علي جبينه...

فقامت لتهمس في توتر:

_هل رأيت كابوساً يا ياسين؟!


التفت إليها بحدة وكأنه لا يصدق أنه كان مجرد كابوس...!!!

لقد كانت آسيا معه...

لقد رأي ابتسامتها قبل أن يخطفها الموج منه!!!!


استغفر الله بصوت مسموع...

فنهضت رقية لتحضر له كوباً من الماء ثم جلست جواره علي طرف السرير...

شرب الماء بشرود...

فوضعت كفها علي رأسه وهي تتمتم بالرقية التي تحفظها...

ابتسم في سكينة عندما انتهت...

ثم سألها في عجب:

_ماذا كنتِ تفعلين؟!

ابتسمت في خجل وهي تقول:

_أمي كانت ترقيني بهذه الآيات والأدعية عندما كانت تنتابني الكوابيس في صغري...ومن يومها وأنا أحفظها وأرددها كثيراً عندما أخاف أو أمرض!

ابتسم في ضعف وهو يقول :

_إنها فعالة حقاً...أنا أشعر بالهدوء الآن...


تأملته بإشفاق وهي تسأله بحذر:

_هل كان الكابوس يخص آسيا؟!


أشاح بوجهه دون أن يجيب...

فهمست في حنان:

_رحيلها لم يكن ذنبك يا ياسين...انزع هذه الفكرة من رأسك...

هز رأسه وهو يتنهد هامساً:

_ليتني أستطيع تبسيط الأمور هكذا...لكنني أشعر بذنبها في عنقي...رغماً عني...صدقيني...

ربتت علي كتفه وهي تهمس بنفس الحنان:

_كل شئ في الدنيا يبدأ صغيراً ثم يكبر...إلا الهموم...تبدأ كبيرة ثم تصغر حتي تتلاشي...أنت فقط تحتاج لوقت...وتحتاج لصبر...وأنت لا تفتقر لكليهما!!


أطرق برأسه في أسي...

وهو يشعر أنه يتمزق...

آسيا الغالية!!!

هذا الكابوس المزعج جعله يشعر وكأنه يفقدها من جديد...!!!!


تأملت رقية مظهره بإشفاق...

لتتفجر ينابيع حنانها كلها نحوه...

مدت إليه ذراعها بتردد...

حسمته بسرعة وهي تضمه إليها هامسة:

_هون عليك يا ياسين...ادع لها بالرحمة...هذا أفضل لها من انهيارك هذا...


دفن رأسه في كتفها وهو يشعر بحنانها يضمد جروح روحه كلها......

فربتت علي رأسه بكفها وهي تهمس في شرود:

_عندما توفيت صديقتي المقربة منذ عدة سنوات شعرت بالانهيار...كانت بمثابة أختي ولم نكن نفترق إلا ساعة النوم...وقتها أصبت باكتئاب شديد...لكنني لم أنسَ جملة أبي التي قالها لي يومها...قال لي أن دعائي لها أفضل بكثير من حزني عليها...


رفع رأسه إليها ينظر إليها بتمعن...

هل هذه المرأة حقيقية؟!

أم أنها ملك هبط عليه من السماء؟!!!

لا يصدق أنها تحتويه بكل هذا الحنان في مصيبته وهي التي احتملت منه ما لا تحتمله أي امرأة في ظروفها...!!!


همس بصدق اخترق قلبها بنقائه:

_أنا آسف يا رقية...لا أدري إلي متي سأقولها...لكنني سأظل أعنيها...أنا ظلمتكِ معي ولازلت أظلمك...

دمعت عيناها وهي تربت علي رأسه هامسة:

_ربما لم يسعدني الحظ فأعرف حباً كحبك لآسيا...لكنني أقدره وأتفهمه...وأدرك ألمك بعدها...أنا راضية بدوري في حياتك...


أمسك كفها الذي تربت به علي رأسه وقبله ليهمس في رجاء:

_لا تتركيني أبداً...امنحيني وعد رقية الهاشمي الذي لا تخلفه أبداً أنك لن تتركيني...


أطرقت برأسها وهي لا تدري بماذا ترد عليه...

وعدها هذه المرة لن يكون مجرد وعد...

بل سيكون قراراً تبني عليها حياتها القادمة كلها...


هل هي حقاً راضية بدورها الحالي في حياته؟!!

ولو رضيت به اليوم...

فهل سترضي به غداً ؟!!!

دمعت عيناها وهي تشعر بالعجز...

لقد خاضت وسط بحر هائج الأمواج لتجد نفسها فجأة في وسطه...

لا تستطيع العودة...

ولا تستطيع الرجوع...!!!!


هي رقية الهاشمي التي طالما تباهت بقوتها ورجاحة عقلها...

تشعر الآن بكل هذا الضعف...

وبكل هذا العجز...!!


رفع وجهها إليه ليروعه منظر الدموع في عينيها ...

فأعاد همسه في رجاء:

_امنحيني وعدكِ يا رقية...


أغمضت عينيها بقوة وهي تأخذ نفساً عميقاً تمالكت به نفسها ثم قالت في تصميم:

_سأعدك بشئ واحد...لن أتركك مادمت تحتاجني...

نظر إليها بتفحص فأردفت في كبرياء:

_سأتركك بمجرد أن أشعر أنك صرت في غني عني....


ابتسم في ارتياح وهو يعيد دفن رأسه في كتفها هامساً:

_إذن...لن تتركيني أبداً....

==========================================================================


جلست آسيا في غرفة ياسين الصغير تحكي له حكاية من الحكايات التي يعشقها حتي استسلم للنوم بين ذراعيها...

ضمته لصدرها بقوة وهي تهدهده برفق...

كم افتقدتك يا ياسين...!!!

همست بها سراً وهي تقبل رأس الصغير في شرود...

وذكري ياسين الحبيب تلف عقلها بغلالة من حنين....

ثم تنهدت في أسي...

تفكر في وضعها الحالي...

شريدة وحيدة ...

غريبة عن كل شئ...

حتي عن نفسها...


هل من الممكن أن يقتلنا الحب أحياءً؟!!!

هل من الممكن أن نموت به كما كنا نعيش لأجله؟!!!


تنهدت في حرارة غافلة عن عيني سمية اللتين كانتا تراقبانها بتفحص منذ دقائق...

دخلت سمية عليها لتهمس بود:

_يبدو أنك تحبين ياسين كثيراً....

ابتسمت لها وهي تضم الصغير أكثر هامسة في شرود:

_ياسين هذا حبيبي...


جلست سمية جوارها وهي تقول بحنانها المعهود:

_لا يبدو لي أنكِ تتحدثين عن ياسين ابني فحسب...يهيأ لي أن قلبك يحوي "ياسين" آخر!!!

أغمضت آسيا عينيها بقوة وهي تهمس في حزن:

_هذا صحيح...

ربتت سمية علي كتفها وهي تهمس في إشفاق:

_هل تأتمينني علي سرك يا آسيا...يمكنك اعتباري صديقة لك...

أومأت آسيا برأسها إيجاباً وهي تهمس في ألم:

_أنا أحتاج لهذا حقاً...أحتاج أن أبوح بجرحي لأحد...لم أعد أحتمله وحدي....


ربتت سمية علي كتفها في مؤازرة...

فاندفعت آسيا تحكي لها عن تفاصيل قصتها كلها...

تارة تبتسم ...

وتارة تبكي...

لقد كانت تحتاج بشدة لأن تتكلم...

وكأنها باستعادة ذكرياتها معه تستعيد هويتها المفقودة...

تستعيد آسيا القديمة التي ضلت عنها...!!


كانت سمية تستمع إليها في اهتمام ...

تدرك أكثر،من أي أحد في الدنيا حبها المجنون هذا لابن عمها....

وكيف لا؟!

وقد عاشت مثله يوماً!!!!

لكنها لم تتخيل أن آسيا الهشة الرقيقة قد أقدمت علي محاولة الهرب تلك وحدها...

ورضت بأن تتخلي عن عالمها كله ...

بل عنه هو نفسه...

لتقنع الجميع بقصة انتحارها هذه كي تبدأ من جديد...


لكن القدر كان رحيماً بها لأقصي حد...

المزرعة هنا أنسب مكان لحمايتها طالما قررت المضي في خطتها هذه...

لكن...

ماذا عن خطة سمية نفسها؟!!!

هل يمكن أن تفكر آسيا في الزواج من بدر وهي لازالت عالقة في حب ابن عمها كما يبدو...؟!!!

يجب أن تمهد لهما الطريق...

يجب أن تتجاهل غيرتها التي تمزق صدرها الآن...

حتي تضمن أن بدر الحبيب لن يضيع في وحدته بعدها...

هي تعلم أنها هي وياسين الصغير وعمه كساب عالمه الوحيد...

لكنها ستحرص أن تبقي له آسيا هنا معه...

ستحاول التقريب بينهما قدر ما تستطيع...

ستمنح كلاً منهما مفاتح قلب الآخر حتي تمهد الطريق لحياة قادمة بينهما...!!!


ليس بدر وحده من يحتاج آسيا...

آسيا أيضاً تحتاج لمن ينسيها حبها اليائس لابن عمها...

خاصة أنه تزوج فعلاً...

وحالياً يظنها قد ماتت..

ولا ريب أنه بدأ حياة جديدة مع زوجته...

وهي تثق أن بدر سيعوضها بحنانه عن كل ما افتقدته في حياتها !!!!


قطعت أفكارها عندما طرق بدر باب الغرفة ليتنحنح قائلاً :

_هل يمكنني الدخول؟!


ابتسمت سمية وقد لاحظت آسيا بوضوح إشراق وجه سمية عندما رأته...

السيد بدر رجل طيب...

وسمية تستحق كل الحب الذي يمنحه لها...

هكذا فكرت آسيا وهي تراه يصطحب سمية للخارج ليذهبا معاً للمركز حيث تتابع علاجها...


وفي طريقهما تأملته سمية بتفحص وهي تقول :

_آسيا هذه جاءتني نجدة من السماء ...فتاة رائعة يا بدر...

ابتسم بدر وهو غافل عن مسعاها ليقول بحنانه الآسر:

_قلبك الطيب هو الذي يري الناس بعينه الطاهرة...

تنهدت في حرارة وهي تعيد المحاولة قائلة باستطراد:

_إنها حقاً تستحق كل خير...كل ما فيها جميل...ليس وجهها فقط بل روحها وفكرها...كما أنها تحب ياسين بجنون...أتمني لو تبقي معنا...


اتسعت ابتسامته وهو يقول برفق:

_كما تشائين يا حبيبتي...


ظلت تحكي له عنها طوال الطريق ...

مستغلة ما تعرفه عن طباعه وتفكيره وهي تحاول جاهدة لفت نظره إليها...

لكن بدر لم يكن يري في آسيا سوي صورتها هي منذ سنوات...

صورة سمية!!

نعم...آسيا لم تزد في نظره عن كونها فتاة في ورطة...

لن يتخلي عنها مروءةً....

لا أكثر!!!

==========================================================================

طرقت فريدة باب غرفة ساري لتجدها دافنة رأسها في وسادتها وجسدها ينتفض بعنف...

شهقت بقوة وهي تسألها بجزع:

_هل تبكين يا ساري؟!


لم تستطع حتي رفع رأسها إليها...

منذ عادت لغرفتها فجراً وهي تشعر بخلاياها كلها منهارة...

تتمني لو تبقي حبيسة غرفتها للأبد...

فلا تعود تري أحداً ولا أحد يراها!!!

لا تصدق كيف تجرأ عليها إلي هذا الحد...

وليته فعل ذلك بدافع من عاطفة!!!

ربما كانت وقتها وجدت له عذراً!!!

لكنها شعرت وكأنه يتعمد إهانتها بهذا الفعل...

وكأنه يقصد إخبارها أنها ليست أفضل من العابثات اللاتي يقضي وقته معهن!!!


لم تعد تريد الزواج منه...

بل لم تعد تريد رؤيته ...

لكن ماذا عساها تفعل؟!!!

هل ستكرر فعلة آسيا أم فعلة جويرية؟!!!

لم تفلح إحداهن بكلتي طريقتيهما...

فما حيلتها هنا؟!!!!


جلست فريدة جوارها علي السرير وهي تربت علي ظهرها هامسة في أسي:

_ماذا بكِ يا ساري أنتِ الأخري؟! ما الذي أصابكنّ فجأة يا بنات فريدة؟!!!


شعرت ساري بجرح والدتها الذي يقطر من كلماتها ولم تشأ أن تزيده...


رفعت رأسها لتمسح دموعها وهي تقول كاذبة:

_أنا بخير يا أمي...أنا فقط حزينة من أجل جوري....


لم تصدق فريدة كذبتها...

ساري تتألم لكنها تخفي ألمها عن الجميع كالعادة...

ساري أكثر بناتها تحملاً للمسئولية رغم كونها الصغري...

لكن قلبها الكبير يتسع للجميع دون قيود...

ربما لم تحظَ بفتنة آسيا الطاغية...

ولا حضور جوري المميز...

لكن لها روحاً كالألماس تنير حياة من يقترب منها...


لن تنسي أبداً يوم اشتركت في هذه الجماعة لمساعدة الفقراء منذ سنوات...

يومها كانت سعيدة وكأنها وجدت بغيتها في هذه الحياة...

كل ابتسامة كانت ترسمها علي وجه فقير أو مريض محتاج..

كانت تزيد روحها تألقاً وبهاءً...


هذه هي ساري التي تفخر دوماً بكونها ابنتها ...

بل إنها لا تبالغ لو قالت أنها تشعر أحياناً وكأنها أمها..!!!!

بعقلها الكبير وحنانها الفياض....


ابتلعت كذبتها مرغمة....

فهي من ناحية لن تحتمل المزيد من الألم بعد فعلة جويرية البارحة...

ومن ناحية أخري هي تعرف أن ساري الكتومة لن تفصح عن جرحها لأحد!!!!


عادت تربت علي ظهرها وهي تهمس في حنان:

_حذيفة جاء وأحضر لكِ هذا!!


وكأنما لدغتها أفعي!!!!

هبت ساري من نومتها لتنظر لما تتحدث عنه والدتها...

اتسعت عيناها بصدمة وهي تري دميتها التي ألقتها بنفسها في الطريق تعود إليها...

تناولتها منها وهي تشعر أنها أكثر نظافة مما كانت عليه...

غريب!

تشممتها بأنفها لتشعر،برائحتها العطرة...

ثم ضغطتها بأناملها برفق...

إنها مندّاة!!

وكأنها كانت مغسولة!!!!


التفتت لوالدتها وهي تحاول التماسك قدر المستطاع لتسألها بصلابة:

_ماذا قال لكِ بالضبط؟!

ابتسمت فريدة في حنان وهي تقول :

_لقد قال لي أن أبلغكِ أن الوحل يمكن إزالته بسهولة ....وليس كما تظنين!!!

ثم هتفت في حيرة:

_ما الذي يقصده؟! عن أي وحل يتحدث؟!


شردت ساري،ببصرها وهي تتذكر أنه سمع حديثها مع والدته...

تري هل سمعها عندما كانت تقول لوالدته...

_وماذا يفيد القلب الطيب طالما كان مغروساً في الوحل؟ 

نعم...

لابد أنه سمعها ولهذا يبلغها هذه الرسالة عن طريق دميتها ...!!!

يبدو أن حذيفة النجدي العظيم ساحر النساء لا يراها الآن أكثر من تحدٍ جديد لرجولته...

دمية غريبة استعصت عليه ويريد أن يلهو بها كغيرها قبل أن يزهدها ويلقيها بعيداً!!!!

هذا كان تفسيرها الوحيد لفعلته هذه...!!!


قطعت فريدة أفكارها وهي تسألها بقلق:

_ما الذي يدور،بينك وبين حذيفة يابنتي؟!

تنهدت قائلة في شرود:

_لا تقلقي يا أمي...كل شئ سيكون علي ما يرام...


تأملتها فريدة بقلق للحظات..

ثم تنهدت في استسلام...

ساري الكتومة لن تبوح بما هو أكثر...

قامت من جوارها لتغادر الغرفة وتغلق الباب خلفها...

فيما ظلت ساري تنظر لدميتها في شرود...

ثم دمعت عيناها من جديد وهي تفكر...

حتي الذكري الحلوة الوحيدة التي تركتها لي يا حذيفة...

أبيتَ إلا أن تفسدها ؟!!!!!!

==========================================================================


جلس زياد في عيادته حزيناً...

منذ لقائه الأخير بجويرية وهو يشعر بانقباض في صدره...

رغم أنه لم يلتق بها سوي بضع مرات في المكتبة لم يطل فيها اللقاء لأكثر من دقائق...

لكنه يشعر وكأنه يعرفها منذ زمن بعيد...


تنهد في حرارة وهو يذكر دموعها الغزيرة وانهيارها المفاجئ في آخر مرة رآها...

بقدر ما هو حانق عليها لأنها لم تلمح له حتي بخطبتها رغم شعورها بالإعجاب المتبادل بينهما...

بقدر ما هو مشفق عليها من هذه الزيجة...

لا يتخيل أبداً أن جويرية الرقيقة الحالمة ...

التي تبدو كأميرة خرجت من كتب الأساطير كما قال لها يوماً...

قد تتزوج عمار،هذا الذي يبدو وكأنه يتشاجر مع ذرات الهواء حوله!!!!!


رن هاتفه برقم غريب...

فأغلق الاتصال دون أن يرد...

لا يريد محادثة أحد الآن...

عاد هاتفه يرن بإصرار...

فتح الخط ليقول بتحفظ:

_السلام عليكم!


لم يصله رد للحظات...

قبل أن يسمع صوت بكاء خفيض علي الطرف الآخر...

ظل صامتاً للحظات...

لا يدري لماذا شعر أنها هي...

ربما لأنه كان يتمني هذا من كل قلبه...!!!!


طال الصمت الذي لم يحاول تجاوزه لدقيقة كاملة لم يصله فيه سوي صوت البكاء الخفيض...

لم يشعر بنفسه إلا وهو يهمس في ترقب:

_جويرية؟!


انقطع الاتصال فجأة فزاد إحساسه أنه كان مصيباً...

يكاد يقسم أنها كانت هي!!!

عاود الاتصال بالرقم مرات ومرات...

لكن لا إجابة في كل مرة...


عاد برأسه إلي الوراء...

وهو يشعر أنه مكبل من رأسه إلي قدميه...

منذ فترة ووالداه يلحان عليه في الزواج...

لكنه لم يجد فتاة ترضي قلبه وعقله سواها هي...

هي التي ليست له...للأسف!!!!


وعلي سريرها كانت جويرية تنتفض ألماً وقهراً...

إنه يفكر فيها...

لقد شعر بها وهمس باسمها رغم أنها لم تتفوه بكلمة...

وهو لا يعرف رقمها....

لكن قلبه أحس بها تماماً كما تحس هي به!!!


تأوهت في قوة وهي تحتضن جسدها بذراعيها...

هذا هو الحب الذي أرادته دوماً وتمنته من كل قلبها...

هذا هو الحب الذي قرأت عنه في كتبها التي طالما عاشت بين سطورها...

هذا هو الحب الذي ستحرم منه طيلة عمرها لأن قدرها ببساطة أن تكون جارية!!!!


هي لم تكن تنتوي التحدث معه...

لكنها أرادت فقط أن تسمع صوته...

لعله يؤازرها في معركتها التي خسرتها...

والتي تقف فيها وحدها!!!!


لكن رد فعله هذا جعلها تتعلق به أكثر وأكثر...

ظل هاتفها يرن برقمه بعدها لدقائق...

وأناملها تتوسلها وتقسم عليها بكل عزيز أن ترد...

لكنها لن تفعل...

كفاها تعلقاً بحبال واهية!!!


توقف هاتفها عن الرنين في النهاية ...

لتشعر وكأن أحلامها توقفت معه...!!!!


وخارج غرفتها كانت فريدة غارقة في حزنها...

ما الذي جري لبناتها كلهن هذا؟!!!!

تذكرت آسيا همها الأكبر...

فرفعت رأسها للسماء وهي تشعر أن قلبها يتمزق ...

لتهمس في خشوع يمتزج بحرقة صدرها:

_الصبر يارب...لا تسؤني في بناتي...هن حصاد عمري يارب فلا تضيع أملي فيهن...


أطرقت برأسها وهي تشعر بالسكينة تنساب لروحها بعد هذا الدعاء رويداً رويداً...

عندما رن جرس الباب...

توجهت نحو الباب بتثاقل تفتحه ليطالعها وجه عمار البارد قائلاً:

_السلام عليكم يا عمتي...كنت أريد التحدث إلي جويرية...بعد إذنك....


نظرت إليه فريدة في إشفاق...

هي تعرف عمار جيداً...

تعرف أن غلظته وخشونة طبعه ليست سوي غلاف قاسٍ لقلبه الطيب...

تماماً كما تعرف أن بروده هذا هو سلاحه الوحيد عندما يستبد به الغضب أو الألم...

وكلاهما يجتاحه الآن بلا رحمة!!!!!


فردت ذراعها بطوله وهي تقول بحنانها المعهود:

_تفضل يابني...


جلس علي الأريكة لدقائق...

قبل أن تأتيه جويرية مطرقة في جمود...

لم يعد هناك ما يستحق الانفعال...

لا الفرح...ولا الحزن...

كل الأمور صارت سواسية!!!


جلست علي الكرسي المجاور له دون أن تنظر إليه...

الجارية ستحافظ علي أدبها في حضرة سيدها الجديد...

ماذا ستجني من عصيانها أو تمردها سوي الجلد بسياط الحقيقة...

فلتستسلم...

ربما هون هذا مرارة مصيرها المنتظر!!!


نقلت فريدة بصرها بينهما في قلق...

ثم قالت لتتركهما وحدهما قليلاً:

_سأعد لك شيئاً تشربه يابني.


غادرتهما وهي تدعو الله سراً أن يهدي لهما الحال...

فالتفت عمار لجويرية وهو يتأمل وجهها المتورم من كثرة البكاء...

ليقول بجمود :

_ماذا جنيتِ من فعلتكِ الطائشة سوي غضبة جدي عليكِ ؟!


لم ترد عليه...

لا تملك القدرة ولا الرغبة لتفعل!!!

فليقل ما يشاء ليرحل بعدها...


أغاظه جمودها الذي لم يعتده منها فهتف بغلظته المعهودة:

_كان يجب أن تدركي أنكِ لي أنا...أنا وحدي...

لم ترد عليه أيضاً فازداد سخطه وهو يهتف:

_لا يعنيني رضاكِ أو غضبك...أنتِ زوجتي شئتِ أم أبيتِ!


وصلت فريدة هذه اللحظة لتستمع لجملته الأخيرة...

فقالت في عتاب:

_هل يصح أن تحدثها هكذا يا عمار؟!


تقافزت شياطين الغضب علي وجهه....

وهو يقوم من مكانه ليغادر الشقة صافقاً بابها خلفه في عنف....

ثم جلس علي إحدي درجات السلم وهو يطرق برأسه إلي الأرض...

لقد كان ذاهباً ليسترضيها...

ليعلم ما الذي جد عليها لتواجه جدها بهذه الجرأة...

لكن طبعه الغليظ غلبه كعادته...

ليزيد الطين بلة!!!!!


مظهرها البائس المستسلم أدمي قلبه نعم...

لكنه أشعل براكين غضبه كلها!!!!!!

لماذا تكرهه إلي هذه الدرجة...

هو فقط يريد فرصته كاملة ليتقرب إليها دون قيود...

يريدها أن تعبر حاجز كراهيتها الغير مبررة هذا ....

لعلها تجد خلفه نهراً من حبه يجرفهما معاً!!!!

فهل هذا كثير عليه؟!

وهو الذي لم يرَ في حياته امرأة سواها....؟!!!


كم يود لو كان بإمكانه أن يتغير من أجلها...

أن يهذب طباعه الجافة هذه...

أن يجيد التعبير عن مشاعره كما يحسها...

لكنه للأسف...

لا يستطيع!!


رفع رأسه لينظر لباب شقتها في يأس...

هامساً لنفسه في قنوط...

أنت عدو نفسك في معركة حبها يا رجل...

أنت عدو نفسك!!!

==========================================================================

_الريف الانجليزي رائع حقاً كما يروون عنه!

هتف بها حمزة في انبهار مخاطباً مارية التي رمقته بنظرة معجبة كعادتها وهي تجلس معه علي الأرض العشبية أمام منزلهم الريفي....لتقول:

_أنت تجعله أروع...صدقني...

ابتسم لها في حنان وهو يدور بعينيه في المنظر الساحر حوله...

عندما سألته بتردد:

_ما هي صورتك للمرأة التي تريد الزواج منها يا حمزة؟!


أطرق برأسه وهو يدرك معني سؤالها...

يود لو يجيبها...

لكنه يخشي أن يجرحها...

طال صمته كثيراً فهتفت تستحثه للإجابة:

_أخبرني يا حمزة ...أرجوك...ربما أجد لك عروساً مناسبة...


قالت عبارتها الأخيرة بمرح لعلها تخفي تحفزها لما سيقول...

فقال بخبث:

_أخبريني أنتِ أولاً عن صورتك للزوج الذي تريدينه...

نظرت لعينيه طويلاً ثم قالت بعاطفة صادقة:

_أريده مثلك...


أغمض عينيه بقوة يحاول استيعاب فيض مشاعره الآن...

سعيد هو بتلميحها الصريح هذا...

لكنه لا يعرف بماذا يرد عليها...

لازالت مشاعره نحوها مترددة وجلة...

لازالت بعيدة جداً عن الزوجة التي يتمناها ويستطيع مواجهة عالمه بها...


تهرب من الأمر بذكاء وهو،يسألها :

_أخبريني أنتِ ...ما الصورة التي تظنينني أبتغيها في زوجتي...


صدمها سؤاله للحظات ...

وكأنها لم تفكر فيه من قبل...

لتسطع الحقيقة في وجهها كشمس متوهجة!!!

عروس حمزة التي يتمناها لا يمكن أن تشبهها أبدااا


اغتصبت ابتسامة باردة ثم قالت بشرود حزين:

_لست أدري...لكنها بالتأكيد ليست مثلي...أليس،كذلك؟!


مس قلبه هذا الحزن الصادق الذي غلف كلماتها...

لكنه لم يستطع أن يمنحها أملاً كاذباً...

فأطرق برأسه صامتاً...


ظل الصمت يكسوهما لفترة قبل أن تهمس مارية بحزن:

_أنا أحبك يا حمزة...لن أستطيع أن أخفيها أكثر من هذا...فهل تقبل حبي هذا أم ترفضه....؟!


رفع رأسه إليها حائراً...

لقد كان دوماًّ يتهرب من تلميحاتها المباشرة بذكاء...

لكنها حاصرته هذه المرة...

تصريحها هذا يضعه أمام قرار لابد أن يتخذه...

وهو لا يستطيع الآن...


قرأت حيرته في عينيه...

وفهمت ما لم يستطع البوح به...

حمزة النجدي الذي ظنته سيرجح كفة أحد العالمين اللذين يجذبانها بشدة...

لم يزدها إلا حيرة وشتاتاً...

يبدو أنه يحسب الأمور بعقله...

ومارية آدم بالنسبة إليه نغمة شاذة علي لحنه الذي اعتاده...

هو يراها غريبة...

تماماً كما الآخرين...

يبدو أن قدرها أن تعيش دوماً غريبة بين الناس...

إلا إذا قررت أن تختار انتماءها الذي ستتبعه بكل روحها...


لقد تمنت أن يسير حمزة معها هذا الطريق...

أن يعينها ويثبتها علي اختيار عالمه...

لكن يبدو أنها ستضطر للاختيار وحدها...!!!!!


قامت من جلستها وهي تنفض كفيها وثيابها لتقول ببساطة مصطنعة:

_عفواً علي إزعاجك بكلام لا يعنيك...دعنا نعد لدكتور آدم حتي لا نتركه وحده طويلاً...


قالتها وهي تعدو تقريباً إلي داخل المنزل...

تاركة إياه خلفها يشعر بالضيق...

لقد جرحها وهو الذي حرص طيلة هذه الفترة ألا يفعل...

جرحها صمته بأكثر من كلماته...

مارية تظنه رفض حبها...

لكنه في الواقع رفض غربتها وشتاتها...

رفض سلبيتها واستسلامها لحياة ليست كالحياة...

هو يريدها قوية تعرف طريقها الذي اختارته وتريد المضي فيه...

وليست مجرد طفل منبهر ينتظر من يمسك يده ليدله علي الطريق...


لقد أشار لها نحو الطريق فحسب...

وسينتظر ليري ماذا ستفعل...

هل ستخذله مارية آدم وتعود أدراجها لحياتها السابقة بعد أن خذلها ورفض حبها...؟!!

أم أنها ستتبع بصيرتها لتدخل راضية هذا العالم الذي طالما شعرت بالخجل منه وانتقاصه؟!!!


تنهد في ضيق وهو يقوم من مكانه لينفض كفيه هو الآخر ويعود إلي داخل المنزل...

ارتفع حاجباه في دهشة وهو،يراها تضاحك أباها وكأن شيئاً لم يكن...

دعاه الدكتور آدم للطعام فجلس علي المائدة صامتاً يشعر بالخجل...

تجاهلته مارية تماماً ثم استأذنت بمرح مصطنع لتستريح في غرفتها...

تأمل حمزة انصرافها بشئ من الدهشة...

لم يتصور أن يكون هذا رد فعلها...


فيما سأله دكتور آدم بتفحص:

_لماذا تنظر لمارية هكذا؟! هل حدث شئ؟!

هز رأسه نفياً وهو،يقول بتوتر:

_لا يا دكتور...أنا فقط أشعر بالرضا لأنها سعيدة هنا....


تأمل دكتور آدم توتره بتفحص...

قلبه كأب يخبره أن مارية تحب حمزة وسيكون له شأن معها...

لكن عقله يوقن من صعوبة هذا الأمر...

بل وربما استحالته!!!

لكن من يدري...

ربما...


اعادة نشر #جارية_في_ثياب_ملكية

الفصل الثامن:


جلست جويرية في مكتبتها تجمع حاجياتها منها بعدما سمح لها قاسم النجدي بمرة أخيرة تغلق بعدها هذه المكتبة نهائياً...

انتهت من جمع حاجياتها فوقفت تتأمل المكان بشجن...

هنا كان عالمها الموازي الذي تهرب فيه من قسوة عالمها الحقيقي...


هنا كانت تجد حياة أخري وسط السطور ...

أبطال من ورق لكنهم ينبضون بالحياة ربما أكثر من كثيرين يعيشون الحياة بلا معني!!!


توجهت نحو ركن خاص للكتب...

تحسست محتوياته بأناملها وهي تشعر بالفقد!!!

لقد حرموها أحلامها كما حرموها حق الحياة...

حتي مجرد الحلم صار حراماً!!!


التفتت بحدة عندما سمعت صوت باب المكتبة يفتح...

لتجده هو...

تماما كما تمنت...!!!!

اقترب منها ببطء وهو يلاحظ وجهها المتورم من البكاء...

ثم همس بأسي:

_لماذا لم تأتِ بالأمس...لقد ظللت أنتظرك طوال اليوم في المطعم المقابل للمكتبة لكنها ظلت مغلقة  !!!

أخذت نفساً عميقاً وهي تقول باستسلام:

_جدي قرر أن أغلق المكتبة نهائياً...أنا جئت اليوم فقط لأجمع حاجياتي من هنا...

عقد زياد حاجبيه في شدة...

فأردفت بنفس الاستسلام:

_كما قرر تزويجي من عمار بعد أقل من شهر....

أطرق برأسه في حزن وهو يهمس:

_لهذا كنتِ تبكين علي الهاتف؟!

تصنعت الجهل وهي تقول بتماسك مصطنع:

_عمّ تتحدث ؟!


تناول هاتفه ليرن علي الرقم الغريب الذي ظنه لها...

فرن هاتفها علي المكتب المجاور...

أطرقت برأسها في خجل...

فهمس في حزم:

_كنت أعلم أنك أنت!!


ابتعدت عنه بضع خطوات وهي تعطي له ظهرها...

حسناً...لقد عرف أنها هي التي هاتفته يومها...

فهل يشكل هذا فارقاً؟!

عبث!!

كل هذا عبث!!

حياتها كلها عبث!!

لن تهتم لشئ بعد الآن...

هي مجرد راكبة في سفينة حياتها التي اختطفها القراصنة ليتحكموا في دفتها دونما أي اختيار منها...

فلتتقبل نصيبها في استسلام...

لعل الألم الذي يخنقها هذا يتلاشي مع الزمن...


بينما تنهد هو في حرارة وهو لا يدري ماذا يمكنه فعله ...

جزء بداخله يخبره أن مجرد وجوده هنا غير لائق...

هذه فتاة مخطوبة وعلي وشك الزواج ...

وجوده هنا خطأ كبير!!!


لكن جزءاً آخر يعارضه...

من قال أن وجوده خطأ؟!

علي العكس...

ربما كان وجوده هو تصحيح لخطأ...!!!!!


التمعت فكرة ما في رأسه فتوجه نحوها وهو،يقول بهدوء حذر عارضاً فكرته المجنونة:

_اسمعيني جيداً يا جويرية...وفكري فيما سأقوله لك...أنا منتدب لبعثة في أمريكا بعد شهر ...ما رأيك لو نتزوج ونسافر مباشرة...سنبقي هناك لثلاث سنوات...نعود بها فتكون الأمور قد هدأت...ونواجه عائلتك بالأمر الواقع...


التفتت إليه بحدة وهي تهتف في غضب:

_ما هذا الذي تقوله؟! تريدني أن أهرب من أهلي معك؟!!!

هتف محاولاً إقناعها:

_ليس هروباً يا جويرية...إنه زواج...زواج باختيارك وليس رغماً عنكِ...

هزت رأسها نفياً وهي تقول باضطراب:

_لا طبعا...لن أخذل أمي...لن أكرر فعلة آسيا ...

أطرق برأسه وهو يقول بأسف:

_ليس لدي ما أساعدكِ به سوي هذا العرض...للأسف ليس لدينا الكثير من الوقت...يمكننا الزواج في منزل عائلتي ثم أسافر لأتدبر أمر أوراقك وأرسل إليكِ لتلحقي بي....


نظرت إليه بشرود وقد بدأ عرضه يغريها...

حياة جديدة وبلد جديد مع رجل تحبه...

بعيداً عن طغيان قاسم النجدي...

وغلظة عمار البغيض...

وقسمة الجواري!!!!


حياة جديدة تفتح لها ذراعيها بالأمل والحب...

تمنحها فضاءً عريضاً من الأحلام...

تكون فيها سيدة قرارها الذي اختارته بنفسها...

وليست مجرد لعبة في أيديهم...


لا لا لا!!!!

فريدة الغالية لا تستحق منها هذا...

إنها لم تستفق بعد من صدمتها في آسيا...

فكيف تجرحها جرحاً كهذا من جديد...

قد تموت حقاً لو حدث هذا!!!!


لكن فريدة تريد لها الخير والسعادة...

وهي وإن كانت لا تثق في سعادتها مع زياد...

لكنها تثق أنها أبداً لن تكون سعيدة مع عمار...

فريدة في النهاية أم...

أم لا يهمها سوي فرحة ابنتها...

وهي تريد أن تفرح وتسعد فريدة...

وزواجها بعمار لن يحقق لها ذرة من السعادة....


لكن كيف تأمن هكذا بسرعة لزياد...؟!!!

وهو الذي لم تعرفه سوي من أيام قليلة...

فكيف تأتمنه علي عمرها القادم كله؟!!!


لكن...من قال أن الشعور بالأمان يرتبط بالوقت...؟!!!

وهي التي تعرف عمار منذ وعت علي هذه الدنيا لكنها لا تشعر بذرة أمان معه!!!


وهكذا ظلت صامتة لدقائق طويلة...

تتخبطها أفكارها الحيري...

عرض زياد هذا جاء في وقته المناسب...

لينقذها من مصيرها البشع مع عمار...

هكذا فكرت وهي تنظر إليه بتردد....


فهتف مشجعاً:

_لا تخافي يا جويرية...أنتِ أكثر قوة من أن تتقبلي مصيراً كالذي ينتظرك...أنا أعدك بل أقسم لكِ أن أسعدك بكل طاقتي...


شعرت بالتشتت...

كانت قد فقدت كل أمل لها في التخلص من زواجها الكارثي بعمار...

والآن يأتي زياد حاملاً لها وعوداً وردية وحياة طالما حلمت بها...

لكن...


شعر زياد بحيرتها فقال في حنان :

_سأمنحك فرصة للغد...لو وافقت علي عرضي يمكنك مهاتفتي ...

رمقته بنظرة ساحرة ...

أو هكذا شعر بها هو...

نظرة جمعت حيرتها وقلقها بعاطفتها نحوه...

فابتسم وهو يلوح لها بكفه مودعاً...

راقبت انصرافه بقلب عاد يخفق من جديد...

عادت دقاته تنتفض وتتراقص علي لحن من الحب يخصه وحده...

زياد الحبيب...

فارس أحلامها المنقذ!!!

==========================================================================

وقفت رقية في المطبخ في منزلهما المنعزل علي الساحل...

تحاول التعرف علي مكان الأشياء...

هي لم تحاول الطبخ في حياتها ولو مرة واحدة...

لكنها كانت تراقب الخادمة كثيراً أثناء الطهي...

واليوم تشعر برغبتها في أن تطبخ له بيديها...

وتتمني لو تفلح!!!


ارتفعت علي أطراف أصابع قدميها تحاول النظر لما يحتويه هذا الرف العالي...

لكنها لم تستطع ...

فزفرت في حنق!!!


فيما كان هو واقفاً منذ دقائق يراقب انهماكها خلسة فيما تصنعه..

رقية الهاشمي نفسها تطبخ من أجله هو!!!!

ياله من فخر!!!


لاحظ أنها لا تطال الرف العالي محاولة عدة محاولات مضحكة...

فاقترب منها بخفة ليرفع ذراعه خلفها محضراً لها العلبة التي حاولت الحصول عليها دون جدوي...

انتفضت في فزع وهي تراه خلفها هكذا مباشرة فابتسم هامساً بمداعبة:

_تفضلي يا قصيرة!


ابتسمت في خجل فبدت له ساحرة وهي تهمس في حياء:

_هل تعايرني بقصر قامتي؟!

اتسعت ابتسامته وهو يقبل رأسها الذي يقابل صدره هامساً:

_بل أنتِ رائعة...


هزت رأسها بلا معني وهي تبتعد عنه لتعاود الانهماك في الطبخ...

فداعبها قائلاً:

_يقولون أن المرأة القصيرة أكثر أنوثة من الطويلات...هل يرضيكِ هذا؟!

هزت رأسها نفياً وهي تقول بجدية:

_عين القلب لا تري كل هذه المسميات...عين القلب تعشق الروح قبل الجسد...

هز رأسه موافقاً وهو يرمقها في إعجاب...

ثم خطر له خاطر مزعج...فسألها في تردد:

_هل شعرتِ بالحب يوماً يا رقية؟!!


كادت تجرح أصابعها بالسكين الذي كانت تقطع به بعض الخضروات...

فاقترب منها وهو يراقب ارتباكها هامساً:

_هل ضايقكِ سؤالي إلي هذا الحد؟!


أطرقت برأسها تخفي مشاعرها عنه للحظات...

قبل أن تستجمع قوتها لترفع رأسها قائلة في تماسك:

_هل تظن أنه من حقك أن تسألني هذا السؤال؟!

عقد حاجبيه بشدة وهو يشعر بالغضب فهتف بحدة غريبة علي طبعه الحنون:

_بالطبع من حقي!!!


أجفلت من ردة فعله العنيفة فارتدت للخلف في صدمة...

زفر في قوة وهو يلوح لها بسبابته محاولاً كظم غيظه هاتفاً:

_لا تحاولي العبث في هذه المنطقة مرة أخري يا رقية....هذه الفكرة بالذات لا تقبل عندي المزاح أو التلاعب بالألفاظ...

أطرقت برأسها...

فاقترب منها أكثر وهو يقول بحزم :

_والآن أجيبيني عن سؤالي...

رفعت رأسها إليه لتلتقي عيناهما مباشرة...


ثم همست في شرود:

_لقد حرمت الحب علي نفسي طيلة أيامي السابقة...رقية الهاشمي ادخرت مشاعرها كلها لرجل سيختاره الله لها زوجاً...كنت أسمع حكايا البنات عن الحب فيهفو قلبي لتجربة هذا الإحساس الرائع الذي يحكين عنه...لكنني كنت أترجم كل هذا في دعوات صادقة أن يرزقني الله زوجاً أتذوق معه حلاوة هذا الإحساس دون قيود...

دمعت عيناها فجأة فأخذت نفساً عميقاً تتمالك ثباتها ثم قالت في صلابة:

_هأنذا أجبت سؤالك...دعني وحدي حتي أستطيع إنهاء عملي...

قالتها وهي تعطيه ظهرها لتعاود ما كانت تفعله...

فأمسك بكتفيها يديرها إليه وهو يسألها بتفحص:

_وهل الحب اختيار؟! حتي تحرميه علي نفسكِ بإرادتك...

رفعت رأسها في كبرياء وهي تقول:

_في عُرف رقية الهاشمي ليس هناك ما لا يخضع لإرادتي...قد لا أملك أمر قلبي لكنني يمكنني ردعه متي شئت...لو تنافس قلبي مع كرامتي لدهست قلبي تحت قدمي ورفعت كبريائي علي رأسي...


نظر إليها مبهوراً وهو يري هذا التحول في كلامها...

من منتهي الرقة...

الي منتهي القوة...

إنه يشعر أنه ينجذب إليها في كل يوم أكثر...

يريد استكشاف شخصها الغريب الذي يثير إعجابه بشدة...

هذه ليست امرأة عادية...

هذه امرأة ملكت كل مشاعر الدنيا في قلب كالألماس...

وملكت كل كبريائها في روح قوية كالجبل...


ابتسم لها في إعجاب واضح وهو يهمس :

_أتمني ألا يتنافس قلبك وكبرياؤك يوماً...قلبك الرائع هذا يستحق أن يرفع دوماً علي رأسك تماماً ككرامتك...


أشاحت بوجهها عنه...

وهي تكاد ترجوه أن يخرج الآن...

تريد فقط هدنة قصيرة من حربها مع مشاعرها هذه...

هو لا يتصور كم المعاناة التي تعانيها معه...

كم الضغط النفسي الذي تعيشه في وضعهما الغريب هذا...

هي قوية...

وتعلم أنها قوية...

لكنها متعبة...

مستنزفة...

رقية الهاشمي التي كانت نجمة تهفو إليها القلوب ثم وجدت نفسها فجأة زوجة مغدورة لرجل يعشق سواها...

لكنها لا تستطيع تركه الآن...

لأنه يحتاجها...

وهي سعيدة بكونها قادرة علي مساعدته في محنته...

لكن كل يوم يمر لها معه يجعلها تتعلق بحباله الواهية أكثر...

وهي تخشي أن تضعف...

لو ضعفت أمامه ستكره نفسها قبل أن تكرهه!!!


لاحظت أنه لم يرفع عينيه من عليها فزاد ارتباكها وهي تهمس:

_انتظرني في الخارج من فضلك...


أمسك كفيها بكفيه وهو يواجه عينيها مباشرة ليهمس في حنان وبلهجة ذات مغزي:

_لو انتظرتك أنا فهل تعدينني أنتِ أن تنتظري ...؟!!

فهمت عبارته الموحية لكنها أشاحت بوجهها بعيداً وهي تهمس في ثبات مصطنع:

_أنت تطالبني بالكثير من الوعود هذه الأيام....

رفع كفيها يقبلهما في امتنان وهو يهمس:

_أنتِ كنز حقيقي يا رقية...أحمق من لا يطمع فيه!!!


أغمضت عينيها علي صورته هذا ...

تود لو تختزنها في ذاكرتها طول عمرها...

تري هل بدأ قلبه يشعر بها كامرأة...

أم أنها مجرد دواء مسكن لجرحه القديم...

لن تعرف أبداً إجابة هذا السؤال...

لا...

ستعرفها!!!

قلب رقية الهاشمي الذي لم ينبض لرجل قبل ياسين النجدي قادر بسهولة علي هذا...

قلبها الذي يتراقص الآن بين ضلوعها منتشياً يخبرها أنه قد بدأ يجد صدي لدقاته في قلب هذا الرجل أمامها...

قلب ياسين النجدي بدأ يفتح ذراعيه لها...

يدعوها لتنتظر...

و ستنتظر...!!!

==========================================================================

توجه حمزة نحو مكتبها بخطوات مترددة...

منذ لقائهما الأخير في منزل والدها الريفي وهي تتحاشاه تماماً...

هو لا يلومها كثيراً في الواقع ...

أي امرأة مكانها كانت ستتصرف هكذا...

لكن ما حيلته في قلبه ...؟!!

وهو الذي اشتاقها بجنون...!!

دخل عليها مكتبها فنظرت إليه بتوتر...

ثم أخفت الكتاب الذي كانت تقرؤه في درج مكتبها بسرعة...

عقد حاجبيه وهو،ينتبه لحركتها...

ماهذا الكتاب الذي يستدعي أن تخفيه مارية منه هكذا؟!!!!


تقدم نحوها ببطء حذر فقالت ببساطة:

_مرحباً دكتور حمزة...هل هناك شئ؟!

نظر إليها طويلاً ثم قال بصدق:

_افتقدتك يا مارية...لماذا توقفتِ عن الدروس؟!

هزت كتفيها وهي تقول ببساطة دون أن تنظر إليه:

_لم أعد في حاجة إليها.


عقد حمزة حاجبيه بشدة...

هذا ما كان يخشاه...

مارية كانت تواظب علي الدروس فقط من أجله...

هو كان دافعها للتغيير فحسب...

لكنها لم تكن رغبة صادقة منها...

وها هي ذي تتراجع عن طريقها كل تلك الخطوات التي قطعتها عندما لم تجد لنفسها أملاً معه!!!


أطرق برأسه في حزن واضح...

لقد خذلته مارية كما خذلها...

خيبت ظنه كما خيب ظنها!!!!


قطع أفكاره عندما دخل آندي إلي الغرفة  يقول لمارية بمرح واضح:

_ماري عزيزتي ...افتقدتك يا صغيرتي...

هتفت مارية بلهجة محايدة:

_كيف حالك آندي...تفضل بالجلوس...

جلس آندي قبالة حازم ليقول في برود:

_كيف حالك دكتور حمزة؟!

أشار حمزة برأسه في تحية مقتضبة ثم قام من مكانه ليقول لمارية في أسف واضح:

_اعتني بنفسك يا مارية...واعذريني لو كنت قد ضايقتك...

ابتسمت في برود وهي تقول:

_لم تضايقني إطلاقاً دكتور حمزة...مرحباً بك في أي وقت...


غادر الغرفة وهو يشعر بثقل علي صدره...

لم تسر الأمور كما كان يخطط لها...

مارية العزيزة خرجت من عالمه بأسرع مما توقع...

سيندم علي تفريطه بها يوماً...

لكنه الآن لا يملك سوي أن ينتظر هذا اليوم في حسرة!!!


وعلي مكتبها تأملت مارية انصرافه بحزن...

فهتف آندي بضيق:

_رجل سخيف.!


تمالكت نفسها لتقول برقة:

_دعك منه يا آندي وأخبرني هل دبرت لي الأمر الذي طلبته منك....

هز رأسه في أسف وهو يقول:

_رغم أنني لا أفهم قرارك هذا لكنني سأساعدك...

ابتسمت في امتنان وهي تقول:

_هذا ظني فيك دوماً يا آندي...


دخل الدكتور آدم في هذه اللحظة ليجدها تبتسم لآندي الذي كان يبتسم بدوره فقال بضيق:

_كيف حالك يا آندي؟!

قام آندي يصافحه وهو،يقول باحترام:

_بخير دكتور آدم...

ثم نظر لمارية هاتفاً:

_سأرحل الآن ماري وألتقيكِ في المساء...


راقب دكتور آدم انصرافه بضيق ثم قال لمارية:

_لا أرتاح لخروجك المتكرر مع آندي هذا....

قالت مارية بغموض:

_لا تقلق من أجلي يا أبي...مارية أقوي كثيراً مما تظن!!

تقدم نحوها ليسألها بحذر:

_لماذا لم أعد أري حمزة معك؟! هل ضايقكِ في شئ؟!

هزت رأسها نفياً وهي تقول ببساطة:

_لا...إنه لم يعد يعجبني فحسب!

مط شفتيه في استياء وهو،يقول :

_وآندي هذا يعجبك؟!

أومأت برأسها إيجاباً وهي تقول :

_آندي يعتني بي...يمنحني الاهتمام الذي يجعلني أشعر كأنني ملكة...لكن حمزة هذا ينظر لي باستهانة...وكأنني لا أرتقي لمستوي فكره...لهذا من الطبيعي جداً أن أرتاح لآندي أكثر...


هز دكتور آدم رأسه في أسف واضح...

لقد خذله حمزة...

كان يتمني لو استطاع أن يكسب قلب مارية...

لكن يبدو أن خلفيته الشرقية وقفت حاجزاً دون قبوله لمارية كزوجة له!!!

هو يعذره في هذا...

لكنه خيب أمله في الحقيقة!!!


قامت مارية من علي مكتبها ثم توجهت إليه لتقبله علي جبينه هاتفة:

_لا تنتظرني علي العشاء...لدي الكثير من الأمور لأنجزها وسأتناول عشائي مع آندي...وداعاً...

راقب انصرافها بحسرة كبيرة وهو،يهمس في سره:

_ياللخسارة يا حمزة...ياللخسارة!!

==========================================================================

صعدت ساري الدرج متجهة لشقتها...

منذ لقائها الكارثي بحذيفة علي السطح وهي لا تخرج من شقتها إلا إلي الجامعة...

لم تعد تزور العمة راجية كالسابق ولا عادت تختلي بنفسها علي السطح كما اعتادت...

تباً له حذيفة!!

لقد صنع لها سجناً قبل أن يتزوجها فماذا هو فاعل بها عندما تكون تحت سقف بيته؟!!!


وصلت للدور الثاني حيث شقتها لتجد باب شقة العمة راجية مفتوحاً علي غير عادته ...

وسمعت صوت جدها بالداخل!!!

عجيب...

قاسم النجدي لا يدخل شقة راجية ولا فريدة...

هو يستدعي من يشاء لشقته لكنه لا يغادرها....

فما الذي أتي به إلي هنا؟!!!


قطعت أفكارها عندما سمعت صوت جدها يقول بغضب:

_هذا الفاسد ابنك لا يكف عن جلب المصائب!!!


عرفت أنه يقصد حذيفة بالتأكيد...

عمار غليظ خشن لكنه ليس فاسداً!!!!

لم تستطع مقاومة فضولها فدخلت لتلقي السلام...

لتجد عمتها راجية تصرخ وهي تهرول نحو غرفة حذيفة:

_تعالي يا ساري وانظري...ماذا حدث لحذيفة؟!

سقط قلبها بين قدميها وهي تسمع جدها يهتف:

_ولد فاسد!!


قالها وهو،يغادر الشقة بغضب عاصف دون أن يوجه كلمة لساري...

فاندفعت ساري إلي حجرة حذيفة ليهولها المنظر...

كان جالساً علي سريره ووجهه كان غارقاً كله بالدماء...

مسحت راجية الدم عن وجهه بمنشفة صغيرةوهي تولول هاتفة:

_عين وأصابتك يابني!


ثم تناولت قطنة لتضعها في طبق صغير به مطهر ما لتضعها علي جرحه بحرص...

فتأوه بضعف...

دلفت ساري إلي الداخل صامتة...

تحاول استيعاب هذا الموقف...

فقامت راجية من مكانها وهي تهتف:

_أكملي تطهير جرحه يا بنتي حتي أجهز له الطعام...


كادت تعترض لولا أن اندفعت راجية لتغادر الغرفة مهرولة...

جلست علي طرف الفراش وهي تتناول قطعة قطن أخري نظيفة لتطهر بها جرحه...

ظل ينظر إليها في صمت...

لا يكاد يرفع عينيه من عليها...

فيما تحاشت هي النظر لعينيه في إصرار ...

وهي مستمرة فيما تقوم به...

وكأنه واجب لا أكثر!!!!

ولما طال صمتها وتحاشيها النظر إليه...

وجد نفسه يسألها بهمسه الرخيم:

_لازلتِ غاضبة مني؟!


لم ترد عليه بل ظلت منهمكة فيما تقوم به وكأنها لم تسمعه...

فأردف بنفس اللهجة:

_كنتِ تتمنين لو كانت الطعنة في قلبي وليس في وجهي أليس كذلك؟!


هنا...

رمقته بنظرة عاتبة..!!

نظرة واحدة عادت بعدها لجمودها...

فهمس في خبث:

_ألا تودين معرفة ما الذي حدث لي؟!


لم تستطع مقاومة فضولها فقالت في جمود دون أن تنظر إليه:

_ماذا حدث لك؟!

ابتسم وهو يتشبع من ملامحها التي بدت له الآن فاتنة!!!!

ثم قال باقتضاب:

_مشاجرة مع أحد الرجال.

ابتسمت في سخرية وهي تقول:

_أنت تحولت من العبث مع النساء إلي التشاجر مع الرجال...تطور عظيم حقاً...!!!!

أشاح بوجهه في ضيق...

فهتفت بحزم:

_لا تشح بوجهك دعني أنهي عملي.

هتف بحنق:

_لا تحدثيني هكذا...أنا زوجك!

ابتسمت وهي تقول في سخرية:

_يبدو أن الضربة أثرت علي عقلك...لست زوجي بعد يابن النجدي!!!

كز علي أسنانه وهو يقول في سخط:

_لا تستفزيني يا ساري...

كظمت غيظها وهي تعاود تطهير جروحه...

فصمت لدقيقة كاملة يتأمل ملامحها الجامدة...

ثم همس بعاطفة:

_ساري!


لم ترد عليه...

بل لم تنظر إليه حتي!!!

فعاد يهمس :

_سوسو!


ابتسمت رغماً عنها وهي تتذكر عندما كان يناديها هكذا وهي صغيرة لتدليلها...

كم كانت أياماً رائعة...

ليتنا بقينا صغاراً يا حذيفة!!!

ليتنا بقينا صغاراً...


تحكمت في ابتسامتها ليعود لوجهها جموده فهمس بندم واضح:

_لا تغضبي مني...أنا نادم حقاً علي ما حدث...

قامت من جواره وهي تقول بجمود:

_لقد طهرت لك جروحك كلها وتوقف النزيف...هل تريد شيئاً آخر...؟!!

وقف قبالتها ليقول برجاء:

_انظري إلي يا ساري.

أشاحت بوجهها بعيداً فهتف بحدة:

_لماذا تعاملينني بهذه الطريقة؟! لقد اعتذرت لكِ فماذا تريدين أكثر؟!

لم تهتز،شعرة من حدته بل قالت ببرود دون أن تنظر إليه:

_لا أريد منك شيئاً ....دعني أمضي...


قال بضيق واضح:

_ساري...لن تستقيم أمورنا هكذا...عندما نتزوج سنكون...

قاطعته هاتفة بنفس البرود:

_قلت لك من قبل ألا تتعجل الأمور يابن النجدي...من يدري ماذا يحمله لنا الغد؟!!!!


قالتها وتركته يغلي مكانه...

هذه ثالث مرة تقول له فيها هذا...

فما الذي تعنيه؟!!!

إنها تبدو واثقة من حدوث شئ ما يمنع زواجهما...

وما الذي يمكن أن يغير كلمة قاسم النجدي...؟!!!


ظل واقفاً مكانه يعصف به الغضب لدقائق...

قبل أن يتوجه نحو شقتها ليطرق الباب ....


سمعت ساري طرق الباب فظنتها فريدة...

فهي لم تجدها عندما عادت إلي الشقة....

فتحت الباب لتجده هو فهتفت بحدة:

_ماذا تريد...والدتي ليست هنا ولا يصح أن....


قطع عبارتها وهو يدفعها للداخل ليغلق الباب خلفه...

شعرت ساري بالخوف فهتفت بغضب :

_ارحل الآن يابن النجدي...وإلا صنعت لك فضيحة...

حاصرها بينه وبين باب الشقة المغلق ليقول بغضب :

_ماذا كنتِ تعنين بقولكِ ألا أتعجل الأمور؟! ما الذي يمكن أن يحمله الغد في نظرك فلا تكونين زوجتي؟!


ازدردت ريقها ببطء...

هي لم تكن تعني شيئاً محدداً...

هي أرادت استفزازه فقط!!!!

أساء فهم صمتها فظن أنها تخفي شيئاً...

اقترب بوجهه من وجهها أكثر...

فرفعت كفها لتصفعه لكنه أمسكه بسرعة...

هو وكفها الآخر ليلصقهما جوارها بالجدار هاتفاً:

_ليس في كل مرة يا صغيرة!


شعرت ساعتها بخوف حقيقي...

ضربات قلبها جاوزت الحد المعقول...

فهمست وقلبها يكاد يتوقف:

_اتركني يا حذيفة...أرجوك...


لم تصدق عينيها عندما ارتخي ذراعاه الممسكان بكفيها...

ليبتعد عنها وشبه ابتسامة علي شفتيه...

ثم همس في خبث:

_سأتركك هذه المرة لأنكِ دعوتني حذيفة...!!


تجمدت مكانها مصدومة...

وهي تنتبه أنها لم تدعُه بابن النجدي هذه المرة...

فاتسعت ابتسامته وهو يهمس في حنان غريب عن هذا الموقف كله:

_وأنا اشتقت لسماعها منكِ!!!


تمالكت فيض مشاعرها في هذه اللحظة لتفتح باب الشقة بسرعة وهي تقول :

_ارحل الآن...

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول بحزم:

_انتِ زوجتي يا ساري....هذه حقيقة لن يغيرها شئ ولن يبدلها غد....فلا تعيديها ثانية!!!!


قالها ثم غادر الشقة لتغلق الباب خلفه بسرعة...

وكأنها لا تصدق أنه رحل!!!!!

وضعت كفها علي صدرها لعلها تهدئ خفقات قلبها الذي كان ينتفض انتفاضاً....

لا تصدق هذه الحالة الغريبة من الضعف التي تعتريها أمامه...

ولا تصدق تغير أسلوبه معها لكنها تفهم دوافعه...

هي بالنسبة إليه رهان جديد يريد كسبه...

هذا النوع من الرجال كحذيفة يؤلمه غروره عندما يشعر أن امرأة ما تستعصي عليه...

هو يريد ترويض شراستها فحسب...

حتي إذا أحس بانجذابها نحوه زهدها ومل منها....

ورغم أنها تكاد توقن من استنتاجها هذا...

لكنها لا تملك إلا أن تتأثر بأسلوبه الجديد معها...

كيف لا؟!

وهو يحمل لها كل ما ظلت تحلم به خلف ستائرها الوردية من عشقها القديم له....

كم كانت صادقة عندما قالت...

حذيفة النجدي سيكون وجع قلبها الأزلي!!!!

==========================================================================

طرقت سمية باب غرفة نغم فسمحت لها الأخيرة بالدخول...

دخلت سمية بابتسامتها الصافية لتقول بمودة:

_كيف حالك يا نغم؟!

ربتت نغم علي كتفها وهي تقول بحنان:

_كيف حالك أنت يا حبيبتي؟!

جلست سمية جوارها علي السرير وهي تقول بترقب:

_ما رأيك في آسيا؟!

أشاحت نغم بوجهها وهي تقول بضيق:

_إنها تبدو طيبة وتحب ياسين كثيراً للحق!!! لكنني لا أستوعب كيف تأتمنينها علي زوجك هنا؟!

تنهدت سمية في حرارة وهي تقول:

_ألم تفكري أن هذا بالضبط هو ما أسعي إليه؟!!


اتسعت عينا نغم في دهشة...

ثم بدأت تدرك الأمر...

آه يا سمية العزيزة!!!!

هل أنتِ حقاً بهذه الرقة والمثالية؟!!!!

تأملت سمية ملامحها المندهشة لتقول بشرود:

_بدر بدأ يرتاح للحديث معها...بل إنه بدأ يمزح كثيراً في وجودها...وأظن أنه لو منحت له الفرصة وتنحيت أنا عن طريقه فسيجد معها سعادته التي يستحقها....

دمعت عينا نغم وهي تهمس:

_أنتِ تتحملين ما لا يتحمله بشر يا سمية...لماذا تقسين علي نفسك هكذا؟!!!

ابتسمت سمية وسط دموعها وهي تهمس:

_أنا راحلة قريباً ولن تعنيني الدنيا بأسرها...فقط أريد الاطمئنان علي بدر الذي ترك عالمه كله لأجلي...أريد أن أترك معه من تنير عالمه بعدي فلا يشعر بالوحدة...وآسيا جاءتني كهدية من الأقدار لأري فيها ضالتي....

ثم التفتت لنغم هامسة في رجاء:

_وأنتِ يا نغم كوني دوماً بقربهما وبقرب ياسين الصغير...لأجلي أنا...


ربتت نغم علي كفها وهي تفهم الآن ما الذي يدور حولها بالضبط...

وهي التي كانت تتعجب طيلة الأيام السابقة...

كيف تحتمل سمية وجود فتاة بفتنة آسيا وبوضعها الغريب هذا في بيتها مع زوجها...

لم تتصور أبداً أنها تتعمد هذا....


قامت سمية من جوارها بعدها لتعود لغرفتها...

فتحت النافذة تتجول بنظرها في المزرعة لتري آسيا جالسة علي كرسيها وبدر يقترب منها ...

ثم يبدآن في الحديث...

راقبتهما للحظات ...

ثم لم تحتمل أكثر...

أغلقت النافذة وعادت لسريرها لتستلقي عليه...

وهي تستغفر الله في خشوع...

لعلها تهدئ قلبها المحترق!!!!


وفي مكانها كانت آسيا جالسة تبكي في حرقة...

كلما مر عليها يوم هنا شعرت أنها في سجن...

تضيق جدرانه عليها أكثر وأكثر...

لقد اشتاقت لأهلها حد الجنون...

كل يوم تراودها نفسها أن تعود إليهم ...

تتمرغ في حضن فريدة الغالية...

تشبع من المزاح مع جوري وساري...

تلقي نظرة واحدة علي ياسين...

ثم ليكن بعدها ما يكون!!!!

حتي لو قتلها قاسم النجدي بعد ذلك....

لن تكون نادمة!!!!

حمقاء كانت يوم ظنت أنها يمكن أن تبدأ حياتها من جديد بعدهم...

أي حياة بعدهم بقيت لها؟!!!

أي حياة؟!!!!


ازداد نحيبها في هذه اللحظة...

فسمعت صوت بدر جوارها يهمس في قلق:

_لماذا تبكين يا آسيا؟! هل ضايقكِ أحد؟!


قالها وهو،يسحب كرسياً ليجلس جوارها...

فهزت رأسها نافية وهي لا تستطيع حتي مجرد الكلام...

ظلت تبكي بعدها للحظات...

تحملها هو صابراً ثم قال بخشونة متعمدة:

_ألم يكن هذا قرارك ؟!

هزت رأسها إيجاباً فقال بشرود:

_احتملي عواقبه اذن للنهاية...وأكملي الطريق....


أطرقت برأسها وهي تتنهد في حرارة فقال بحنان هذه المرة:

_هل تعلمين أن قصتك تشبه قصتي أنا وسمية...لقد هربنا سوياً إلي هنا لننشئ عالمنا الخاص...بعيداً عن كل الشرور التي نغصت عيشنا....

همست في ترقب:

_ألم تندما علي ذلك؟!

أطرق برأسه وهو،يقول :

_لا أخفيكِ قولاً أنني أحياناً كنت أشعر بالندم...بالوحدة...كشجرة تقف عارية في طريق مقفر...لكن سعادتنا بحبنا وبطفلنا كانت تعوضنا عن هذا الإحساس البغيض...سمية كانت ولا تزال كنز عمري الذي أفتديه بكل غال...


تأملته آسيا بدهشة وهي تشعر أنها تراه لأول مرة...

كم يختلف هذا الرجل عن ياسين...

ياسين تخاذل عن الحفاظ عن حبهما...

جبن عن التصريح برغبته فيها...

لم يستطع الوقوف في وجه قاسم النجدي بطغيانه وجبروته...!!!!


لكن بدر فارس حقيقي...

هرب بحبيبته بعيداً في قلعة حصينة ليحافظ علي حبهما الفريد...

لم يكن ذنبه أن المرض اختطفها منه...

لكنه باقٍ علي حبها حتي بعدما تحولت لحطام امرأة...

لا تدري لماذا شعرت ساعتها بصورة ياسين تتضاءل رويداً رويداً جوار هذا العملاق...

بدر الذي استطاع اختطاف غنيمته من بين مخالب الأيام...

نعم...سمية كانت غنيمته التي استحقت هذا العناء ....

والتي حفظها تاجاً علي رأسه طوال هذه السنوات.....


ابتسم لها بدر وهو يقول بحنان:

_سمية تحبك كثيراً لأنها تري نفسها فيكِ..لكنني لا أري ذلك...

عقدت حاجبيها في تساؤل فقال مفسراً:

_أنتِ أقوي كثيراً مما تبدين عليه...لهذا ستتجاوزين أزمتكِ سريعاً...وحدكِ ودون مساعدة أحد....لكن سمية لم تكن لتقوي علي فعل شئ دوني...

ابتسمت لتشجيعه ثم قالت في شرود:

_طالما كانت والدتي تشبهني بالكريستالة...في هشاشتها وسهولة قابليتها للكسر...

اتسعت ابتسامته وهو يقول بمؤازرة:

_ربما تكونين مثلها في قيمتها لكن ليس في هشاشتها بالتأكيد...


ابتسمت بسعادة طفولية وهي تسمع كلمة مديح لأول مرة منذ زمن طويل...

فهمست في امتنان:

_شكرا يا سيد بدر...أنت ساعدتني كثيراً...

قام بدر ليقول برفق:

_لقد ازدادت برودة الجو هنا...عودي لغرفتك الآن...


استسلمت لأمره راضية...

وهي تشعر ببعض الاطمئنان...

لقد كانت تحتاج لكلماته المشجعة هذه كي تحتمل أيامها الصعبة القادمة...

كم هي محظوظة سمية برجل مثل بدر...

ترك الدنيا كلها من أجلها...

وجدت نفسها فجأة تدعو الله لسمية بالشفاء في صدق...

بدر لا يستحق عناء فقدها...

فحبهما خلق ليبقي لا ليموت!!!

==========================================================================

وقف عمار في شرفة غرفته يراقب الطريق في يأس...

رجل مثله علي وشك الزواج من المرأة التي عشقها طوال عمره...

ومع هذا يشعر أنه أبأس أهل الأرض...!!!!!


تنهد في حرارة عندما لمحها قادمة نحو باب المنزل الخارجي...

كيف خرجت ؟!!!

ألم يمنعها قاسم النجدي من الخروج ؟!!!

غادر الشقة مسرعاً ليلقاها صاعدة علي الدرج...

فهتف بخشونة:

_أين كنتِ؟!

أطرقت برأسها وهي تتحاشي النظر لعينيه هامسة:

_لقد استأذنت جدي في الذهاب للمكتبة لآخر مرة قبل إغلاقها....

تأمل حزنها الصامت للحظات ...

ثم قال بأقصي ما استطاعه من رفق:

_عندما نتزوج يمكنك فتحها من جديد...أنا لا أمانع....


ابتسمت في سخرية...

يالكرمك يابن النجدي!!!!

وكأنني سأجد للحياة طعما بعد زواجي منك فأعود لما كنت عليه؟!!!

أنت ستكون لعنتي الأخيرة...

التي ستقضي علي كل أثر للحياة في روحي...

كم أكرهك يا عمار...

كم أكرهك!!!!


طال صمتها لكنه لم يستطع الكلام هو الآخر...

كلماته تعانده...

يود لو،يسألها برقة عن حالها...

لو يخبرها كم يشتاق لتكون جواره...

لو يضمها لصدره ويربت علي ظهرها حتي تطمئن إليه...

لكنه ببساطة لا يستطيع...

طباعه الخشنة تغلبه!!!!


زفر بقوة غاضباً من نفسه أولاً قبل أي شئ...

ليجد نفسه يقول لها بغلظة:

_اصعدي لشقتك ولا تخرجي منها بعد الآن...


أغمضت عينيها في قوة...

وكأنها لا تريد أن تراه...

بل هي فعلاً كذلك!!!

رؤيته تجعلها تشمئز...

فكيف لو،لمسها؟!!


اقشعر جسدها من الفكرة فتجاوزته سريعاً لتصعد الدرج نحو شقتها...

تاركة إياه خلفها يهز رأسه في إحباط!


فيما دخلت هي غرفتها بسرعة لتبدل ملابسها وتستلقي علي،سريرها تفكر في شرود...

هل تقبل عرض زياد بكل مميزاته وعيوبه...

أم تتقبل مصيرها في استسلام...

ظلت حائرة لساعات تتقلب بين أفكارها في شتات...

حتي استعادت صورة عمار الغليظ في رأسها وتصورته زوجاً لها بعد أسابيع...

لا!!!

انتفضت من فراشها وهي تمسك بهاتفها لتطلب رقم زياد...

رد عليها بصوت ملهوف لتقول له بحسم:

_أنا أوافق علي السفر معك.

==========================================================================


جلس العم كساب أمام اسطبل الخيل يداعب شيئاً ما بيده في شرود...

توجهت آسيا نحوه بمرح وهي تهتف:

_كيف حالك اليوم يا عمي؟!

التفت كساب نحوها وهو يقول بفرحة حقيقية:

_يشرق يومي عندما أراكِ يا لؤلؤة.

ضحكت بمرح وهي تجلس جواره هاتفة:

_أنا لؤلؤة؟! هل تغازلني صراحة يا عمي.؟!

ضحك كساب ضحكة طويلة ثم هتف بخبث:

_رغم أنك تستحقين المغازلة يا لؤلؤة...لكنني أعنيها حقاً!!!

نظرت إليه بامتنان وهي تهمس في صدق:

_هل تعلم يا عمي ؟! رغم أنني لم أقض هنا فترة طويلة لكنك عوضتني بصدق عن حنان والدي...أنا ممتنة لك كثيراً..

اتسعت ابتسامة كساب وهو يقول بمودة حقيقية:

_أنتِ فتاة رائعة يا آسيا...نحن محظوظون بكِ هنا...ياسين الصغير كان دوماً حزيناً بعد مرض سمية الذي هدها هي وياسين معاً...لكن ظهورك في حياتنا أسعدنا جميعاً...حتي سمية تحسنت حالتها النفسية كثيراً بعدما اطمأنت علي ياسين في صحبتك...

تنهدت آسيا في حرارة وهي تقول:

_سمية هذه ملاك يا عمي...تستحق كل الحب الذي يمنحه لها بدر...

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول بحذر:

_وبدر أيضاً فارس حقيقي محظوظة من تكون بقلبه...


قالها كساب وهو يحاول استكشاف مكنون نفسها نحو ابن أخيه....

هو مثل سمية يتمني لو يمضي بدر في حياته بعد رحيل سمية...

وآسيا فتاة مثالية من وجهة نظره...

لكن...هل ترضي ببدر وظروفه المعقدة؟!!!


آسيا طبيبة من عائلة ثرية ...

شابة فاتنة لا تزال الحياة تفتح لها ذراعيها بأحلي الأماني...

فهل تقبل الارتباط ببدر بكل ملابسات حياته المعقدة؟!!!


لكن آسيا لم تنتبه لكل هذا....

قالت ببساطة غافلة عن مقصده:

_لن تكون في قلبه سوي سمية ...رجل كبدر غير قابل للقسمة...وهذا ما يجعله مميزاً...


_صباح الخير!


انتفضت آسيا من مكانها وهي تسمعه يلقي إليهم بتحية الصباح...

لقد استمع لعبارتها الأخيرة حتماً...

تضرجت وجنتاها بحمرة الخجل وهي ترد تحيته بصعوبة ...

ثم تنسحب شبه راكضة نحو المنزل...


ابتسم كساب وهو يراقب خجلها ثم قال لبدر في عتاب:

_لقد أحرجتها يا بدر.

ابتسم بدر وهو يجلس مكانها الذي كانت تحتله منذ قليل ليقول:

_أعجبني رأيها فيّ...أنا فعلاً غير قابل للقسمة!

هز كساب رأسه في يأس وهو يقول ليغير الموضوع:

_كيف حال سمية؟!

اختفت الابتسامة من وجه بدر وهو يقول بضيق:

_تتألم كثيراً يا عمي...قلبي يتمزق من أجلها....

ظهر الألم علي وجه كساب وهو يرفع وجهه للسماء هاتفاً:

_لطفك بنا يالله!


أطرق بدر ببصره للحظات...

ثم رفعه لينتبه للشئ الذي يمسكه كساب بيده...

ابتسم في شحوب وهو يقول لعمه في إشفاق:

_لازلت تحتفظ بقلادتها يا عمي؟! لازلت تذكرها؟!


تحسس كساب القلادة برفق وهو،يقول:

_هي عمري كله يا بدر...هل ينسي المرء عمره؟!

قال بدر بدهشة تمتزج بحيرته:

_رغم كل ما حدث... ؟!!!إنها تظنك قتلت زوجها....لاريب أنها الآن....

قطع عبارته لما أحس أنها ستجرحه...

لكن كساب فهمها فأردف في حزن:

_لا ريب أنها تكرهني يا بدر...أنا أعرف ذلك...لكنني أشعر أنني سألتقيها يوماً لأشرح لها...أتمني فقط أن يمهلني عمري فلا أموت قبل أن تعرف هي الحقيقة....


قام بدر من مكانه ليربت علي كتفه وهو يقول :

_لا تثقل علي نفسك يا عمي...

ربت كساب علي كفه وهو يقول بيقين:

_يوماً ما ستتضح الحقيقة كاملة...وأنا أشعر أنه ليس ببعيد....

==========================================================================


استيقظ ياسين من نومه علي صوت أناتها الخفيض فقام هاتفاً:

_ماذا بكِ يا رقية؟!

همست في ألم:

_بطني يؤلمني بشدة.

انتفض من مكانه ليتناول هاتفه قائلاً:

_سأهاتف طبيباً صديقاً لي صادف أنه هنا في الساحل هذه الأيام...


لم تمضِ ساعة حتي تفحصها الطبيب ليعلن بأسف أنها مريضة بالتيفود...

وبعدما أعطاه قائمة بالأدوية والطعام المسموح...

انصرف مطمئناً له أنها ستكون بخير...


جلس ياسين جوارها علي طرف السرير ...

تحسس جبهتها ليجدها ساخنة لكنه همس مطمئناً:

_حرارتكِ جيدة...


تركها بضع دقائق ليحضر لها الدواء...

ثم عاد بسرعة ليعطيه لها بنفسه...

تأمل ملامحها المنهكة بإشفاق ثم همس في قلق:

_كيف أنتِ الآن؟!

تحاملت علي نفسها لتخفي ألمها هامسة:

_دعنا نعد يا ياسين...أريد الذهاب لأمي لتعتني بي...

هز،رأسه نفياً وهو،يقول بحزم:

_لن يعتني بكِ أحد غيري...

همست في ألم:

_لا أريد أن أتعبك...كما أن أمي ستتفهم الوضع أكثر...فقد أصبت به مرتين من قبل...

أمسك كفها يقبله وهو يقول بحنان:

_لن يعتني أحد برقية الغالية سواي أنا...

ابتسمت رغماً عنها وهي تحاول تصنع المرح لتتغلب علي ألمها هامسة:

_لن تحتمل ...صدقني ستعيدني لوالدتي بعد يوم واحد علي الأكثر...

رفع أحد حاجبيه وهو،يهمس مداعباً:

_تراهنينني؟!!

اتسعت ابتسامتها وهي تهمس بدورها:

_أراهنك!

أمال رأسه متفحصاً لها وهو،يقول بخبث:

_ولو كسبت الرهان؟!

أزاحت خصلة من شعرها وراء أذنها لتهمس في خجل:

_ماذا تريد؟!


تأملها في افتتان بخجلها الذي يزيدها حسناً ليهمس في ترقب:

_ستجيبين عن سؤالي الذي أجلتِ إجابته...

عقدت حاجبيها في تساؤل فأردف في تفحص:

_لماذا أنا بالذات يا رقية؟!


أطرقت برأسها دون أن تجيب...

فرفع ذقنها بأنامله وهو يهمس:

_هل تتهربين من الرهان؟!

تنهدت في حرارة وهي تهمس في مرح لتتهرب منه :

_أنت تجيد استغلال الظروف...أنت تاجر ماهر!

همس بحنان وهو،يلاحظ تحسن حالتها نوعاً:

_سلمكِ الله يا رقية من كل شر...وأبقاكِ لي دوماً...

أسندت رأسها علي وسادتها وهي تهمس في صوت ناعس:

_أشعر أن رأسي ثقيل كالجبل!

ربت علي رأسها وهو،يهمس بحنان:

_نامي يا رقية...عندما تستيقظين ستكونين بخير...


ابتسمت له في امتنان ثم تثاقل جفناها فجأة لتسقط في نوم عميق بفعل الدواء...

تنهد في حرارة وهو يتحسس جبهتها ليجد حرارتها قد انخفضت بالفعل...

تأمل ملامحها النائمة في سكينة وهو يشعر نحوها بذنب كبير...

رغم ما تبديه من قوة وتحمل..

لكنه يعرف أنها تحتمل وحدها وزراً ثقيلاً...

وحدها تماماً...

لا تشكو لأحد من أهلها...

ولا لصديقاتها...

بل إنها حتي لا تشكو له هو!!!!

أي صبر تملكه هذه المرأة...

وأي قوة؟!!!


والذي يدهشه حقاً هو لماذا تحتمل...

ولماذا وافقت عليه هو دوناً عن سواه...

هل من المعقول أنها....

أحبته؟!!!!


راجع كل مواقفهما السابقة في ذهنه يحاول استكشاف مشاعرها...

لكنه لم يصل لشئ...

رقية كانت تعامله بحنان ...بتفهم...

لكن لا يستطيع الجزم أنه كان حباً...

ولو أنه يتمناه!!!!


عاد يتحسس جبهتها في حنان ...

وهو يشعر أنها صارت غالية جداً عنده...

ليتها تبقي جواره أبداً ...تنير حياته بروحها المتوهجة كضوء النهار...

========================


الفصل التاسع:


استيقظ ياسين من نومه ليجدها نائمة علي صدره تحتضنه بكلي ذراعيها...

قبل جبينها بخفة ليشعر بدرجة حرارتها طبيعية أخيراً بعدما كانت مرتفعة طوال الليل...

ابتسم في حنان وهو يتذكر هذيانها طوال الليل باسمه وباسم أبيها...

حتي فوجئ بها تحتضنه بقوة لتظل هكذا حتي الآن....!!!!


زفر بقوة وهو يتمني لو يضمها إليه ...

لو تصير له زوجة حقاً وليس مجرد حبر علي ورق...

رقية كامرأة شديدة الفتنة يصعب علي أي رجل مقاومتها...

خاصة رجل مثله لم تكن له تجارب قبلها....

لكنه سيحترم وعده لها...!!!!

لن يمسها إلا برضاها...

إلا وهو يحبها ...

رقية الهاشمي تستحق ألا يمسها سوي رجل يحبها وبجنون....كما أخبرها يوماً!!!!


شعر بالارتباك للحظات...

لو استيقظت لتجد نفسها هكذا ربما تظن به سوءاً...

لهذا سيتظاهر بالنوم حتي تفيق من نومها وحدها...

ليري ماذا ستكون ردة فعلها...!!!!


لم تمر دقائق حتي أفاقت رقية من نومتها لتجد نفسها تحتضنه هكذا...

شهقت بقوة وهي تنتفض بفزع لتجده لازال نائماً كما ظنت...

أسندت رأسها علي الوسادة مبتعدة عنه وهي تشعر بصداع رهيب...

جسدها كله يؤلمها...

لكن...كيف كانت تحتضنه هكذا؟!!!

كيف فعلتها؟!!!

هزت رأسها في ضيق وهي تحمد الله أنها استيقظت قبله...

ماذا كان سيكون رد فعلها لو استيقظ قبلها ليجدها كذلك!!!!


حاولت النهوض من السرير...

لكن خذلتها قدماها...

لتتهاوي عليه من جديد في إعياء....

فتح ياسين عينيه أخيراً وهو يهمس في حنان:

_صباح الخير يا رقية...كيف حالك الآن؟!

تحاشت النظر إليه وهي تشعر بالخجل هامسة:

_بخير...

قام من الفراش وهو يقول لها برفق:

_سأصلي ثم أحضر لكِ الإفطار...ابقي في الفراش...

هتفت باعتراض:

_لا ...سآتي معك...

اقترب منها قائلاً بحزم:

_ابقي مكانك يا رقية...أنتِ مريضة...

همست في إعياء:

_لا يصح أن تخدمني أنت...دعني أعد لأمي...

جلس قبالتها علي طرف الفراش وهو يقول بلين:

_هل سنتحدث عن هذا الأمر من جديد.؟!!..ستبقين معي هنا ولو قصرت أنا في رعايتك يمكنك ساعتها الذهاب لوالدتك كما تريدين...اتفقنا؟!

همست في خجل:

_حسناً لكن دعنا نستدعي خادمتنا كي لا أتعبك...

هز رأسه نفياً وهو يقول ممازحاً:

_لا...أنا أريد الاستفراد بك هنا دون دخلاء....

احمرت وجنتاها وهي تقول بحرج:

_ما ذنبك في أن تبقي حبيساً جواري هنا...الأمر مرهق صدقني...لقد جربته قبلاً...

قام من مكانه ليقول بحسم:

_لن أتحدث في هذا الموضوع ثانية...


قالها وهو يغادر الغرفة ...

ثم عاد بعد دقائق طويلة حاملاً صينية صغيرة...

وضعها جوارها علي الكومود...

ثم تناول طبق الحساء الذي أعده ليقول بمرح:

_هيا نري هل سيعجبك طبخي؟!

ابتسمت في امتنان وهي تقول :

_يكفي أنك أتعبت نفسك...

وضع الملعقة في الطبق ليحمل إليها بعض الحساء ثم قربها من فمها هامساً:

_بالهناء والشفاء.

ابتعدت بوجهها وهي تقول بخجل:

_سآكل وحدي...لا داعي لذلك...

ابتسم هامساً في حنان:

_أحب أن أطعمك بيديّ.

عاد يقرب الملعقة من فمها لتتناولها منه ثم همست بابتسامة رقيقة:

_أخشي أن أخبرك أنه أروع حساء تذوقته فتظنني أسعي لاستغلالك فيما بعد!

ضحك ضحكة طويلة ثم همس بحنانه المعهود:

_استغليني كما شئتِ.


شعرت بجسدها كله يرتجف تأثراً بهذا الحنان الذي يفيض منه...

مم خلق هذا الرجل حتي يكون بكل هذه الروعة...؟!!

إنها تشعر جواره بأمان يلفها في احتواء ...

ينسيها كل مخاوفها وجراحها...

ويعدها بغد وردي ملئ بالأحلام!!!!


عاد يطعمها وهو يسألها بحذر:

_بم كنت تحلمين بالأمس؟!


هزت رأسها قائلة بحيرة:

_لا أدري...لا أذكر شيئاً...هل كنت أهذي؟!

ثم أردفت بخجل:

_عندما كنت أصاب بهذا الدور سابقاً أمي كانت تقول أنني أهذي بجنون...!


همس بهدوء مخفياً واقعة احتضانها  الكارثية له:

_كنت تهذين باسمي وباسم والدك...

شعرت بالارتباك وهي تسأله :

_هل كنت أقول شيئاً معيناً؟!

رفع أحد حاجبيه بمكر وهو يقول:

_هل تخافين من شئ تخفينه؟!

هتفت بسرعة:

_لا...إنه مجرد سؤال...


شعر بارتباكها فأشفق عليها منه....


 ليعود لإطعامها وهو يقول برفق:

_هل افتقدتِ والدك؟!


تنهدت لتهمس في شرود:

_جداً...افتقدت حياتي السابقة كلها...

عقد حاجبيه وهو يسألها بضيق:

_إلي هذه الدرجة لستِ سعيدة معي؟!!

التفتت إليه لتقول برقة:

_لا يا ياسين لم أقصد هذا...أنت تبذل كل ما تستطيع لإسعادي وأنا ممتنة لك كثيراً...

ثم أردفت بعاطفة:

_لكن علاقتي بوالدي شئ فريد ...هو الوحيد الذي أئتمنه علي ضعف رقية الهاشمي الذي لم يظهر إلا أمامه...حتي والدتي رغم حبي الشديد لها لكن أبي حالة خاصة...هل تعلم ...لقد استطعت الكذب علي والدتي بخصوص علاقتنا...ربما لو كان أبي هو من سألني لما تمكنت من إخفاء الأمر عليه...


أومأ برأسه في تفهم وهو يقول:

_لهذا كنتِ تبكين علي صدره في انهيار عندما جاء لزيارتنا؟!

أسندت رأسها علي الوسادة وهي تهمس في شرود:

_أبي هو سندي الوحيد...هو أكثر من فهمني...كل من حولي كانوا يرون رقية القوية التي لا يكسرها شئ....وحده أبي كان يشعر بضعفي...يتفهمه...يحتويه...

همس بحنان:

_أنتِ تحبينه كثيراً...محظوظ هو بابنة مثلك...

ابتسمت بسعادة وهي تهمس:

_بل أنا المحظوظة به حقاً...


ناولها الملعقة الأخيرة ثم وضع الطبق جانباً...

ليقول برفق:

_كيف يراني والدك؟!


أطرقت برأسها وهي تقول بهدوء:

_لا أحد يختلف علي  شخصك يا ياسين...أنت رجل مميز ...

رفع ذقنها إليه وهو،يسألها:

_أجيبيني بصراحة....هل أنتِ نادمة علي زواجك مني يا رقية؟!

هربت بعينيها من عينيه وهي تهمس:

_لا ...أنا مقتنعة أن الله وضعني في طريقك لحكمة ما لا أعرفها...لكنني سعيدة بكوني جوارك في محنتك...أخشي أن تتهمني بالغرور لكن دعني أخبرك أن امرأة غيري لم تكن لتقوي علي ذلك...لكن الله قدر أن أكون أنا ...في هذه الظروف وهذا التوقيت...

أومأ برأسه وهو يهمس في إعجاب واضح:

_ليس غروراً يا رقية...أنتِ تعرفين قدر نفسكِ جيداً...معك حق...وحدها رقية الهاشمي من كنت أحتاجها الآن...

همست في امتنان:

_شكراً يا ياسين...

أمسك كفها يقبله هامساً:

_بل أنا من يشكركِ يا رقية...شكراً علي كل شئ...

==========================================================================

_هل جننت يا زياد؟! تريد الزواج من فتاة دون علم أهلها؟!!!


هتفت بها صفية في حنق وهو مصدومة...

ابنها الأكبر الذي تتوسله ليتزوج منذ فترة طويلة يفاجئها أخيرا برغبته في الزواج...

ولم تكد تفرح حتي أخبرها بظروفها لتصرخ في وجهه ...

هل خلت المدينة من الفتيات فلم يجد سوي هذه بظروفها المعقدة؟!!!!


ترجمت أفكارها لكلمات مسموعة فهتف زياد بإصرار:

_أنا أحببتها يا أمي ومصر علي الارتباط بها....

هتفت بسخط:

_أحببتها؟!!! متي؟!!!أنت تقول أنك لم تلتق بها سوي من شهر واحد علي الأكثر....

هتف بصدق:

_لكنني تمنيتها زوجة لي من كل قلبي....


فتح باب الشقة ليدخل والده هاتفاً:

_السلام عليكم.

عاجلته صفية بقولها:

_تعال يا رياض واسمع ماذا يريد ابنك....

نقل رياض بصره بينهما بحذر وهو يسأله:

_ما الأمر يا زياد؟!

أطرق زياد برأسه فيما أردفت صفية:

_يريد الزواج من فتاة دون علم أهلها لتسافر معه إلي أمريكا؟!!! هل رأيت جنوناً أكثر من هذا؟!!

أطرق رياض برأسه للحظات ثم قال لصفية:

_دعينا وحدنا قليلاً...

تركتهما صفية وهي تكاد تحترق غضباً....

فجلس رياض جواره ليقول برفق:

_ما الأمر بالضبط يا بني؟ !

أخذ زياد نفساً عميقاً ثم قال بهدوء:

_الأمر ليس كما تظن يا أبي...هي فتاة من عائلة محترمة لكن جدها رجل متسلط يريد تزويجها رغماً عنها من ابن عمها البغيض...أنا نفسي رأيت ابن عمها هذا عندما كنت أجري الكشف عليها...لن تتخيل مدي غلظته وفظاظته...لم أكن أعلم أنها مخطوبة له ...وعندما عرضت عليها الأمر فوجئت بها تنهار في البكاء...هل تصدق أن فتاة في عصرنا هذا تجبر علي الزواج دون إرادتها؟!!!


تنهد رياض قائلاً:

_الأمر ليس سهلاً يابني...الزواج ليس مجرد رجل وامرأة لكنه عائلة ترتبط بعائلة...ما تقوله ليس هيناً أبداً...

هتف زياد بتصميم:

_ظروفي أكثر،من مناسبة لها يا أبي...أنا في طريقي للسفر كما تعلم ...سأتزوجها وتقيم هنا معكم قليلا حتي أستطيع تدبر أمر أوراقها ثم تلحق بي هناك....

نظر إليه والده طويلاً...

زياد يبدو مصراً علي هذه الفتاة...

لم يره يوماً بهذا التصميم علي شئ في حياته...

وهو لا يريد أن يخسر ابنه...

خاصة وهو يمكنه الزواج منها دون رغبتهم ثم تلحق به في سفره كما يرغب....

لهذا هادنه وهو يقول في رفق:

_أخبرني عن هذه الفتاة....ماهي معلوماتك عنها؟!

اندفع زياد يحكي له كل ما دار،بينه وبين جويرية ووالده يستمع إليه في صبر حتي انتهي....

فتنهد رياض قائلاً:

_هل أنت مقتنع بهذه الزيجة ؟! هل ترضاها لشقيقتك يابني؟!

هتف زياد بقوة:

_نعم...لو وقع عليها ظلم كجويرية ولقيت رجلاً يحبها كحبي لها فأنا أرضاها لها طبعاً....

قام رياض واقفاً ثم قال بهدوء:

_دعني أتدبر الأمر مع والدتك وليقض الله ما يشاء....


غادره والده فشرد ببصره وهو،يفكر...

تري ماذا ستحمل الأيام القادمة لهما معاً...؟!!!

لم يبق أمامه الكثير من الوقت...

وهو يخاف أن تخذله الظروف ...

لكنه سيتشبث بها مهما حدث...

==========================================================================

انتظرها بلال خارج مدرج المحاضرات حتي رآها...

فناداها بلهفة:

_ساري!


توجهت إليه بابتسامة عريضة فهتف بعتاب:

_هل أنتِ غاضبة مني؟!


هزت رأسها نفياً وهي تقول بتعجب:

_لماذا تظن هذا؟!

قال بتردد:

_أنتِ تتحاشين التحدث معي.

اتسعت ابتسامتها وهي تقول بمرح مشيرة لمنصب والده القوي:

_أنا أتحاشي التحدث مع بلال الهاشمي نفسه؟!! هل تريد أن تجلب لي مصيبة؟!!!

لم يستجب لمزاحها هذه المرة بل أطرق برأسه فسألته بقلق:

_ما الأمر يا بلال؟! أنت لا تبدو بخير...

أشاح بوجهه للحظات ثم قال لها بتردد:

_والدي يريدني أن أسافر لأدرس في الخارج...

عقدت حاجبيها وهي تسأله:

_ولماذا الآن؟!

تنهد قائلاً:

_هو يسعي لهذا منذ فترة طويلة وأنا كنت أرفض...لكن ضغوطه زادت هذه الأيام...

سألته بحيرة:

_ولماذا هذه الأيام بالذات؟!

لوح بكفه قائلاً:

_ظروف البلد غير مستقرة...وأنتِ تعلمين حساسية مركز أبي...

أومأت برأسها في تفهم وهي تقول:

_أنا أقدر قلقه...الأمور الآن مضطربة حقاً...

أردف زياد بقلق:

_الأمر ليس هكذا فحسب إنه يتلقي تهديدات كثيرة بالاغتيال له ولعائلته ....لهذا يريد إبعادي عن هنا.


انقبض قلبها بشدة وهي تهتف:

_يا إلهي! إلي هذا الحد؟!

أطرق برأسه فأردفت بعد لحظات صمت:

_ولماذا لا تريد السفر يا بلال؟!


نظر إليها طويلاً دون أن يجيب...

ماذا عساه يقول لها؟!!!

إنه يرفض السفر من أجلها هي...

لا يتصور أن يمر عليه يوم دون أن يراها...

لقد ملكت قلبه تماماً طيلة الأيام السابقة...

وكان ينتظر أن يتخرجا ليطلب يدها من أهلها...

لكن هاهو ذا والده يطالبه بتعجيل سفره...

وهو لا يريد ترك الأمور معلقة حتي يعود...


قطعت أفكاره وهي تقول بحنان:

_سافر يا بلال ...سلامتك أهم من أي شئ.

ابتسم في عاطفة واضحة وهو يقول بمواربة:

_سأفتقد الجميع هنا...لقد اعتدت صحبتكم ...

ضحكت وهي تقول:

_هناك ستجد صحبة أفضل...لا تقلق.

يأس من أن تفهم شيئاً عن شعوره كما يبدو ...

لكنه قال في صدق:

_لن أجد أفضل منكم أبداً!!


ابتسمت لمجاملته-كما ظنتها-فسألها بترقب:

_هل يمكنني مراسلتك علي الايميل الخاص بكِ لمعرفة أخبار جماعتنا...سأرسل لحسابك البنكي مبلغاً دورياً لتساهمي به في نشاطاتها كما ترين...


كانت سعيدة لحماسه لمساعدة المحتاجين...

بلال الهاشمي كما تراه رجل يعتمد عليه...

لقد كان يساعدهم في العمل المجتمعي طيلة الأيام السابقة بتفانٍ واضح...

يبدو أن السيد عاصم محظوظ في ذريته...

رقية وبلال من أفضل الناس الذين عرفتهم في حياتها....!!!

لهذا قالت له في بساطة:

_نعم بالطبع...يمكنك مراسلتي علي الايميل...

برقت عيناه بعاطفة قوية لكنها لم ترَ منها شيئاً وهو يقول:

_سأمر لأراكم وأودعكم قبل سفري...

قالت بأسف واضح:

_سنخسر عضواً نشيطاً معنا...لكنني أتمني لك الخير والسلامة يا بلال.


استأذنها في الانصراف فتابعته ببصرها في شرود...

لو كان الحب بالعقل لكانت أحبت بلال الهاشمي بكل ذرة في كيانها...

لكنه للأسف ليس كذلك...!!!

قلبها الأحمق لا يري سوي واحد فقط...

واحد فقط حكمت عليها الأقدار قسراً بالزواج منه...

ومع ذلك...تشعر أنها ستكون أتعس امرأة في الدنيا معه!!!

ياللعجب!!!

أي فتاة مكانها كانت ستشعر بالسعادة لأنها ستتزوج أخيراً حبيب طفولتها الذي لم تعشق يوماً غيره...

لكنها تعلم علم اليقين أي أيام عصيبة تنتظرها معه!!!

==========================================================================

جلست آسيا مع سمية تلعبان الشطرنج في ردهة المنزل...

عندما دخل بدر ليقول ببشاشة:

_السلام عليكم.

ابتسمت سمية وهي تهتف:

_حمداً لله أنك أتيت يا بدر...آسيا توشك علي هزيمتي...تعال وتصرف.... أنت مثلي تماماً...

تقدم نحوها بدر ليقبل رأسها هاتفاً:

_لا أحد يهزم حبيبتي وأنا حي أرزق...سأهزمها من أجلك فقط...

ضحكت آسيا في مرح وهي تقول:

_أرني آخر حدود مهارتك يا سيد بدر...أنا أنتظر...

قامت سمية ليجلس بدر مكانها ثم حرك إحدي القطع فهتفت سمية:

_لا يا بدر...دور جديد...

ابتسم بدر هاتفاً:

_أوامر الملكة سمية لا ترد.


قالها وهو يعيد ترتيب القطع فراقبتهما سمية بحنان ...

بدر لا يكف عن تدليلها وإشعارها بمكانتها عنده...

لكنها تريد أن تدفعه نحو آسيا التي تبدو غافلة عنه هي الأخري غارقة في حبها القديم...

هذان الاثنان يحتاجان لمن يقرب بينهما...

وهي ستفعل...!!!


قامت من مكانها عندما بدآ اللعب لتقول لبدر:

_أنا أشعر بالتعب سأذهب للنوم...أكمل معها الدور لآخره وأخبرني غداً بالنتيجة...


كاد بدر يقوم معها لكنها ربتت علي كتفه هاتفة في مرح:

_لقد وعدتني بالفوز...هل نسيت؟!

ابتسم لها في حنان فغادرتهما بعد أن ألقت التحية علي آسيا...

حرك بدر إحدي القطع وهو،يقول:

_أنتِ ماهرة حقاً يا آسيا...من علمك؟!

حركت إحدي القطع في شرود وهي تهمس:

_ياسين علمني.

نظر إليها بدهشة هاتفاً:

_ياسين ابني؟!

هزت رأسها نفياً وهي تنتبه من شرودها هامسة:

_ياسين ابن عمي.

ابتسم وهو يحرك قطعة ويلتقط أخري ليقول بمرح:

_انتبهي من شرودك يا صغيرة...لقد ضاع حصانك..


شهقت بقوة وهي تهتف في غضب طفولي:

_أنت تغش! لقد استغللت شرودي.

هز كتفيه قائلاً بخبث:

_ليس ذنبي!

زفرت بقوة وهي تحاول التركيز في اللعب...

ثم سألته ببساطة:

_من أي البلاد أنت سيد بدر؟!

عقد حاجبيه بشدة وهو يقول ببطء:

_لماذا تسألين؟!

ظلت علي تركيزها في اللعب وهي تردف في هدوء:

_مجرد سؤال.


حرك إحدي القطع فصرخت بفرح طفولي:

_ضاع وزيرك سيد بدر!!

التفت لرقعة الشطرنج وهو يقول بسخط:

_أنتِ تعمدتِ إرباكي.

ضحكت بمرح وهي تهز كتفيها هاتفة:

_واحدة بواحدة.

ضحك رغماً عنه وهو يقول بمرح:

_أنتِ خطيرة!

حركت إحدي القطع وهي تقول :

_لو كسبت هذا الدور فسأطلب مكافأة كبيرة.

حرك قطعة بدوره وهو،يقول بتركيز:

_لكِ مكافأة حتي لو خسرتِ!

ابتسمت وهي تلتقط إحدي القطع لتقول بسعادة طفولية:

_ضاع الفيل أيضاً سيد بدر...لا أحب المكافآت بلا مقابل...


ابتسم بخبث وهو يلتقط قطعة فشهقت في عنف وهو يقول بمكر:

_كش ملك يا صغيرة...تقبلي المكافأة بلا مقابل اذن.


ظلت مصدومة تتأمل رقعة الشطرنج بذهول...

لا تصدق أنه هزمها بسهولة هكذا...

فشعر بالإشفاق عليها ...

إنها تبدو كطفلة كبيرة...

رغم ما تبديه من صلابة وتماسك...

لكنها بداخلها طفلة مندفعة...

وهو يشفق عليها من اندفاعها هذا....

لقد سلم الله أمرها هذه المرة عندما هربت من أهلها ليجدها هو ...

ما الذي كان يمكن أن يحدث لها لو عثر عليها أناس بلا ضمير...؟!!!


قطعت أفكاره وهي تقول بأسف:

_لقد خسرت.

ابتسم في إشفاق وهو،يقول:

_لكِ المكافأة التي طلبتيها كما وعدتك...

رفعت إليه بصرها في تردد وهي تقول:

_لا...لا أريد...

اتسعت ابتسامته وهو يقول بحزم حنون:

_ستقولين وأعدكِ ألا أخبر سمية أنني أنا من ربح!

ضحكت في مرح ثم قالت بامتنان:

_شكراً سيد بدر...شكراً علي كل شئ...

أومأ برأسه وهو،يعيد سؤالها برفق:

_ماذا كنتِ تريدين ؟!

ترددت للحظات ثم قالت بخفوت:

_كنت أريد ركوب الخيل...طالما حلمت بهذا...

ارتفع حاجباه في حنان وهو يكرر عبارتها:

_طالما حلمتِ بهذا؟!!

أومأت برأسها في إيجاب وصورة من ماضيها تأتيها باهتة فهمست في شرود:

_المزرعة كلها تشبه حلمي...كوخ منعزل في فضاء شاسع وحصان يحملني لأقصي حدود بصري...تماماً كما كان يرسمها ياسين...


تأمل شرودها بتفحص...

ثم سألها بحذر:

_يبدو أن ياسين هذا له مكانة خاصة عندك...هذه ثاني مرة تذكرينه فيها...


التفتت إليه بحدة من شرودها وهي تقول بارتباك:

_نعم...لقد تربينا معاً...لهذا يشاركني الكثير من ذكرياتي...

سألها بدهشة:

_هل هو ابن عمك الذي أرادوا تزويجك له قسراً؟!

هزت رأسها نافية وهي تقول باقتضاب:

_لا...إنه رجل آخر.

قام من مكانه ليقول لها بحنان:

_حسناً ...غداً نحقق حلم آسيا الأول هنا بركوب الخيل.

وقفت بدورها لتقول بسعادة :

_لا أدري كيف أشكرك سيد بدر.

همس بحنان وهو يري فيها صورة سمية منذ سنوات:

_كوني سعيدة...فقط كوني سعيدة يا آسيا.


وخلف باب غرفتهما كانت سمية واقفة تراقبهما خفية...

تشعر بالرضا رغم سهام الغيرة التي ترشق قلبها بعنف...

==========================================================================

وقفت آسيا أمام الحصان في حيرة وهي تقول لبدر:

_كيف سأركب الحصان دون أن يؤذيني...؟!

ابتسم بدر وهو يقول :

_امنحيه الأمان أولاً...

نظرت إليه بتساؤل فأعطاها طبقاً به بعض مكعبات السكر قائلاً:

_في البداية أطعميه بعض السكر...

تناولت مكعباً من السكر ثم قربته بحذر من فم الحصان الذي اندفع بفمه بسرعة نحو يدها فارتدت للخلف في صدمة....

ضحك بدر طويلاً وهو يقول ممازحاً:

_يبدو أنكِ من يحتاج منحه الأمان وليس الحصان.

ازدردت ريقها بصعوبة وهي تهمس في خوف:

_لا أريد.

تنهد بدر قائلاً:

_لا تيأسي هكذا من أول مرة.

التفتت إليه تسأله :

_أنا أراهم في الأفلام يطلقون الأسماء علي الخيل...هل لهذا الحصان اسم؟!

ابتسم قائلاً:

_جسار.


انتفضت بقوة  عندما سمعت الاسم الذي تربت من صغرها علي الخوف منه...

جسار الذي يطاردهم بثأر قديم...

والذي هو السبب في إقصاء حمزة بعيداً...

لهذا وجدت نفسها تقول باستياء:

_ولماذا هذا الاسم بالذات؟!

هز كتفيه قائلاً:

_سمية من أطلقت عليه هذا الاسم يوم ولد....

زاد هذا من خوفها من الحصان فقالت في تردد:

_اختر لي حصاناً آخر...لا أريد جسار هذا...


صهل الحصان وقتها بشدة وكأنه فهم ما تقول فارتدت للخلف ثانية وملامح الذعر علي وجهها...

فيما انطلق بدر ضاحكاً وهو يقول:

_لا تغضبي جسار يا صغيرة...


شعرت آسيا بالغيظ منه وهو يضحك منها هكذا فتناولت منه طبق السكر في عصبية...


ثم التقطت منه قطعة قربتها من فم الحصان بحذر وهي تربت علي رأسه بحنان هامسة جوار أذنه:

_خذ هذه من آسيا يا جسار.

مد الحصان رأسه ببطء من يدها هذه المرة ...

فعادت تربت علي رأسه وهي تهمس:

_جيد يا جسار.

تناولت السكر من الطبق قطعة وراء قطعة وهي تربت علي رأسه بهمسها الحاني...

فقال بدر في إعجاب:

_جسار بدأ يعتادك...هذه خطوة جيدة...دعينا نختبر هل سيقبل أن تمتطيه أم لا...


جاءت سمية في هذه اللحظة وهي تقول برضا:

_مرحباً...هل أعجبكِ جسار يا آسيا؟!

التفت نحوها بدر بحدة فيما قالت آسيا بقنوط:

_أعجبني لكن يبدو أنني لم أعجبه...

ضحكت سمية في مرح وهي تقول :

_لا تقولي هذا قبل أن تمتطيه...


قالتها وهي تمد لها يدها لتعاونها علي امتطائه...

ولحسن الحظ لم يتذمر الحصان بل ظل ساكناً...


فابتسمت سمية في رضا وهي تلتفت نحو بدر هامسة:

_لقد أعجبت جسار كما أعجبها...!!!


نظر بدر لسمية طويلاً...

ليسود الصمت بينهما للحظات....

وكأن كلاً منهما يستقرئ ما بداخل الآخر...

صمت صاخب...

لو كان للصمت أن يكون صاخباً....

قطعته آسيا وهي تهتف في فرح :

_هل يمكنني الانطلاق به الآن؟!

التفتت سمية إليها وهي تنتزع عينيها قسراً من نظرات بدر المتفحصة...


ثم قالت بحنان:

_ليس بعد يا حبيبتي...بدر سيسير معكِ به أولاً حتي يعتاد عليكِ وبعدها يمكننا تدريبك لتسيري به وحدك.


ابتسمت آسيا في سعادة...

فيما قالت سمية لبدر فيما يشبه الرجاء:

_سر بها يا بدر...

ظل بدر ينظر إلي سمية نظرات طويلة غامضة...


فابتسمت له وهي تقول برفق:

_سأنتظركما بالداخل مع ياسين....

راقب بدر انصرافها بشرود وهو يشعر بثقل علي صدره...

تري ما الذي يدور في بالكِ يا سمية؟!

==========================================================================

دخلت ساري باب المنزل الكبير لتغلقه خلفها فوجدته ينتظرها في المدخل هاتفاً:

_أخيراً جئتِ.

زفرت بقوة وهي تهتف:

_ماذا تريد ؟!

اقترب منها فضمت كتابها الذي تحمله لصدرها وهي تقول بحدة:

_لو كررت أفعالك الطائشة سأصرخ وسيسمع جدي لتكون فضيحة.

ابتسم قائلاً:

_لا تخافي يا سوسو...لن أضايقك.

هتفت بحنق:

_ولا تدعوني هكذا...لا أحب هذا الاسم السخيف.

رفع أحد حاجبيه وهو،يقول بمكر:

_كنتِ تعشقينه حتي عهد قريب...

أشاحت بوجهها وهي تهتف:

_كنت..ولم أعد...

لم يرفع عينيه من عليها دون أن يتكلم للحظات...

فسألته بضيق:

_ماذا تريد الآن؟!

قال باستكانة مصطنعة:

_أنا لم أتناول غدائي بعد ...واشتقت لطعام عمتي فريدة...فهل تدعينني علي الغداء؟!

ابتسمت رغماً عنها وهي تشيح بوجهها...

فأردف بخبث:

_أم أنكم بخلاء؟!

ضربته بالكتاب الذي تحمله بخفة علي كتفه وهي تهتف:

_عيب يابن النجدي.

نظر إليها طويلاً وهو يهمس:

_حذيفة يا ساري...حذيفة...

أطرقت برأسها وهي تشعر بنظراته تخترق قلبها كحمم من لهيب...

ثم رفعت رأسها بعدها بلحظات لتقول :

_تفضل معي...

صعد معها الدرج حتي وصلا لشقتها...

طرقت الباب الذي فتحته فريدة بسرعة ثم ابتسمت بسعادة وهي تراهما معاً لتقول:

_أهلا يا حذيفة...تفضل يابني.

دخل حذيفة ليجلس علي الأريكة في صالة المنزل فيما قالت ساري لفريدة:

_حذيفة اشتاق لطعامك يا أمي...سيتناول غداءه معنا...

ابتسمت فريدة في سعادة وهي تربت علي كتفه قائلة:

_حذيفة هذا حبيب قلبي طوال عمره...سيكون الطعام جاهزاً في دقائق...

همت ساري بالدخول لمساعدتها لكنها قالت لها بحنان:

_اجلسي أنتِ مع حذيفة حتي أعود...

جلست علي الكرسي المجاور له صامتة فسألها برفق:

_كيف حال دراستك...

أومأت برأسها دون أن تجيب...

فسألها بحذر:

_هل ترين بلال الهاشمي؟!

قالت ببساطة:

_نعم...كان يودعنا اليوم قبل سفره...

عقد حاجبيه متسائلاً:

_إلي أين؟!

هزت رأسها تقول بهدوء:

_لم يخبرني...قد أسأله عندما يراسلني علي الايميل...

اتسعت عيناه وهو يسألها باستنكار:

_يراسلك علي ماذا؟ 


مطت شفتيها في استياء وهي تحاول كظم غيظها قائلة:

_سيراسلني علي الايميل ليعرف أخبار جماعتنا ونشاطاتها فهو يساهم معنا في تقديم المعونات للمحتاجين...

هتف بسخط:

_ولماذا أنتِ بالذات؟!

قالت بهدوء:

_لأنني رئيسة الجماعة وأعتبر قريبته بحكم النسب بيننا...

زفر في ضيق...

عندما جاءت فريدة بالطعام لتقول بحنان أصيل:

_تفضلا...الطعام جاهز...

قاما ليجلسا علي مائدة السفرة ...

فيما غادرتهما فريدة وهي تدعو الله أن يوفق بينهما....


فتناولت ساري طبق السمك وهي تقول برفق:

_دعني أقشره لك...أنا أعرف أنك تحتاج دوماً لمن يفعل هذا....

ابتسم في حنان وهو يراقب أناملها التي تقشر له السمك هامساً:

_لازلتِ تذكرين!

ابتسمت بدورها وهي تقول :

_عيبي أنني لا أنسي شيئاً...

ضحك بمرح وهو يتأمل ملامحها بإعجاب واضح...

ليهمس بعدها بعتاب خفي:

_قلبك أسود كما يقولون....

ضحكت بمرح هي الأخري وهي تقابله بقوة عينيها الآسرة:

_بعض ما عندكم ....


وضعت طبقه أمامه بعدما قشرت له السمك فقال بعاطفة:

_هل ستفعلين هذا عندما نتزوج؟!

تنهدت في حرارة فرفع سبابته في وجهها هاتفاً:

_إياكِ أن تقولي أنني لا أعرف ما يحمله الغد....

نظرت إليه نظرات غامضة لم يفهمها وهي تقول بحزن:

_هذه حقيقة !

نظر إليها طويلاً وهو يشعر بقلبه يخفق بجنون...

هو يريدها...

يريدها ليست كأي امرأة يرغبها...

بل يريدها هي بالذات....

ليهمس بعدها بحرارة:

_ستكونين لي يا ساري.


أطرقت برأسها دون أن ترد...

عندما رن هاتفه...

مد يده في جيب قميصه ليتناوله فسقط منديل صغير من جيبه علي المائدة...

اتسعت عيناه في ارتياع وهو يتمني ألا تلاحظ...

لكنها لاحظت ...

لاحظت جيداً...

المنديل كان متسخاً بأحمر شفاة!!!!


تناولت المنديل باشمئزاز واضح وهي تعطيه له قائلة بثبات يداري انكسارها ببراعة كعادتها:

_أعده لجيبك...لا تدع قذاراتك تلوث بيتنا...

أشاح بوجهه عنها وهو،يزفر في ضيق...

فقامت من جواره لتقول بجمود:

_شهية طيبة...

قالتها وهي تتجه نحو الداخل فقال برجاء:

_تعالي وتناولي طعامك يا ساري.

نظرت إليه بقوة وهي تقول :

_شبعت.

قام من علي كرسيه ليتوجه نحوها فأوقفته بإشارة من كفها هاتفة:

_ابق مكانك يا ابن النجدي...لا فائدة...

ثم هزت رأسها مكررة في احتقار واضح:

_لا فائدة.

==========================================================================

وقف حمزة في حديقة منزله شارداً...

لم يرَ مارية منذ بضعة أيام...

لا في المشفي ولا هنا...

وكأنها تتهرب من مجرد رؤيته...


زفر في قوة وهو يشعر بافتقادها إلي أقصي حد...

مارية كانت اللون الوحيد في حياته الباهتة...

لكنه وضع عليها آمالاً أكثر مما احتملته طبيعتها الهشة...

فخذلته كما خذلها!!!

التفت فجأة لمنزلها المجاور ليجدها عائدة مع آندي الذي ودعها ورحل...

صادفت التفاتته التفاتتها هي الأخري فالتقت عيناهما طويلاً...

هل يري شوقاً في عيونها يماثل شوقه أم هو واهم؟!!!


اقترب من السور الفاصل بين حديقتيهما ليقول بهدوء:

_مرحباً يا مارية.


سارت نحوه لتقترب حتي لم يعد يفصلهما سوي السور القصير بين الحديقتين لتقول بصوت خانها بعاطفته:

_كيف حالك يا حمزة؟!

ابتسم واسمه الذي نطقته بلكنتها المميزة يداعب أذنه بحلاوة تشبه حلاوتها ....

ثم همس بصدق:

_افتقدتك يا مارية...افتقدتك جداً....


أغمضت عينيها بقوة وكأنها تقاوم مشاعرها بصعوبة...

ثم عاد إليها برودها لتقول ببساطة:

_شكرا لمجاملتك دكتور حمزة...ليلة سعيدة...


قالتها وهي تهم بالانصراف...

فاستوقفها قائلاً:

_مارية...لا تغضبي مني...أنا لم أقصد أن أجرحكِ يوماً....


ابتسمت في برود لتقول بلهجة ثلجية أدهشته:

_لا أحد يستطيع جرحي ما لم أمنحه أنا هذه الفرصة...وأنا لن أمنحها لأحد بعد...


قالتها وهي تعطيه ظهرها لتعود لمنزلها بخطوات واثقة...

فيما بقي هو واقفاً مكانه يشعر بالدهشة...

ماذا حدث لمارية المرحة الطفولية البسيطة....

كيف تحولت هكذا لهذه الصورة الباردة الثلجية....

أيعقل أن يكون هو السبب؟!!!


عقد حاجبيه وهو يزفر في ضيق...

لماذا يلومها...

بل ماذا ينتظر منها أصلاً...

وهو الذي أقصاها عن عالمه ؟!!!

_أليس هذا هو صوت العقل الذي سرت خلفه؟!....هنيئاً لك به يا ابن النجدي!!!


همس بها في سخط وهو يعود أدراجاً لمنزله...

شاعراً أنه خسر شيئاً لن يمكنه أبداً تعويضه.....

==========================================================================

وقفت رقية في شرفة المنزل الساحلي تتطلع للسماء في سكينة...

لقد مرت بضعة أيام منذ أصابها المرض وكادت تتماثل للشفاء...

أيام قضتها تتنعم بحنانه اللا محدود...

قضاها جوارها يغمرها برعايته وتدليله...

ولولا آلام مرضها لأقسمت أنها كانت أروع أيام حياتها....


تقدم نحوها ليهمس خلفها مباشرة:

_كيف حالك الآن؟!


التفتت إليه لتقول بامتنان:

_الحمد لله...بأحسن حال...

ابتسم بدوره وهو يهمس بحنانه الذي يعرف طريقه لقلبها دوماً:

_يارب دوماً...

أطرقت برأسها فتنحنح قائلاً بمرح:

_أنا كسبت رهاني ...وأريد مكافأتي...

احمرت وجنتاها وهي تتصنع الجهل لتقول ببراءة مصطنعة:

_أي رهان؟! وأي مكافأة...؟!

أمسك بكتفيها وهو ينظر لعينيها مباشرة هامساً:

_إلي متي ستهربين من الإجابة؟!

تنهدت في حرارة وهي تشيح بعينيها بعيداً للحظات....

ثم حسمت أمرها فعادت تنظر لعينيه مباشرة هامسة:

_سأجيبك يا ياسين...اخترتك لأجل هذا الذي أراه في عينيك الآن...هذا الحنان الآسر الذي ترجوه أي امرأة...ولا يخطئ طريقه لروحها...هذا الحنان الذي يطوقني ليدفع عني كل الهواجس والظنون...هذا الحنان الذي أثق أنه كنزي الذي لن يضيع ولن يسرق بل سيبقي ملكي للأبد...


اتسعت عيناه في دهشة ....

لا يصدق اعترافها هذا....

لا يصدق أنها تراه بهذه الصورة...

رقية الهاشمي تري فيه كل هذا؟!!!!


لكن سعادته لم تدم وهي تردف في ألم لم تستطع إخفاءه:

_هكذا كنت أظن قبل أن أعلم أن هناك من سبقني إليك...


شعر بكلماتها كصعاقة تضرب قلبه بعنف!!!!

هذه هي المرة الأولي التي تتحدث فيها عن الأمر،بهذه الصورة...

لقد كانت دوماً تتصنع القوة واللامبالاة...

لكنها اليوم نزعت عنها هذا القناع لتبدو حقيقية...

متألمة..

مجروحة...

وربما....عاشقة؟!!!!!


أخذت رقية نفساً عميقاً كعادتها لتتمالك انفعالها ثم عادت لها نبرتها القوية لتقول بهدوء:

_هل يمكننا الخروج للتسوق من "السوبر ماركت" الواقع علي الطريق...لقد مللت البقاء في البيت.

تنهد في حرارة وهو يلاحظ محاولتها الواضحة للتوقف عن الحديث في هذا الأمر....


ثم قال بهدوء:

_كما تشائين.


وبعد ساعة كانت معه يتسوقان ...

عندما تناول إحدي قطع الشيكولاتة البيضاء ليقول لها بمرح:

_حلواكِ المفضلة!

ضحكت في سعادة وهي تقول بمرح مماثل:

_اشتقت لها كثيراً..

قالتها وهي تمد يدها ليتتناولها فأبعدها عنها في مشاكسة وهو يقول :

_ليس بعد حتي تتعافي تماماً...

علت ضحكاتها وهي تهتف في رجاء طفولي:

_لأجل خاطري يا ياسين...لن آكل سوي قطعة صغيرة...


ضحك بقوة عندما سمع هتافاً بجانبهما:


_روكا....ماهذه المفاجأة؟!

التفتت رقية لمصدر الهتاف ثم توجهت نحو صاحبه لتقول بفرح:

_باسل...كيف حالك؟!

شعر ياسين بغضب شديد من هذا الذي يدللها هكذا وسط الناس....

وكز علي أسنانه  وهو يتقدم نحوهما...

عندما التفتت إليه رقية هاتفة:

_باسل ابن خالتي يا ياسين...


صافحه ياسين في هدوء محاولاً مداراة ضيقه...

فيما التفت باسل نحو،رقية يمازحها بمشاكسة لتتعالي ضحكاتهما سوياً حتي شعر ياسين أنه يكاد يحترق....

جذبها من ذراعها برفق وهو يقول بتحفظ:

_فرصة سعيدة ...


لوح لهما باسل بكفه مودعاً....

ثم توجها للسيارة...

ليظل ياسين صامتاً طوال الطريق...

فسألته برفق:

_ماذا بك يا ياسين؟!

كظم غيظه هاتفاً:

_لم أر باسل هذا في زفافنا.

ابتسمت في مرارة وهي تشيح بوجهها هامسة:

_أنت لم تر أحداً في زفافنا يا ياسين...عيناك كانتا مشغولتين...


تجاهل المعني الذي تعنيه وهو يزفر في حنق خابطاً علي مقود السيارة هاتفاً بصوت عال:

_حتي لو كان ابن خالتك لا يصح أن تضحكي معه هكذا بميوعة في مكان عام..

ارتدت للخلف مصعوقة وهي تهتف باستنكار:

_ميوعة؟! أنا؟!


وصلا للمنزل في هذه اللحظة فترجلت من السيارة بعصبية وهي تتجه نحو المنزل...

بدلت ملابسها بسرعة ثم اندست تحت الغطاء في فراشهما تحاول كتم ضيقها....

لو واجهته الآن فلن تضمن نتيجة هذا الانفجار...!!!!


ركن هو السيارة ثم عاد للمنزل ليجدها مندسة تحت الغطاء لا يبدو منها ولا حتي رأسها!!!

زفر بضيق وهو يبدل ملابسه ثم استلقي جوارها صامتاً لا يجد ما يقال...

ظل هكذا للحظات...

ثم أغلق المصباح الصغير علي الكومود جواره ليعم الظلام المكان....

لم يستطع النوم لأكثر من ساعة...

يفكر فيما حدث ...

وفي سبب ضيقه المبالغ فيه...

لكنه عزا الأمر لدمائه الصعيدية...

ياسين النجدي حفيد قاسم النجدي لا يزال لا يستسيغ مزاح زوجته مع آخر غيره بهذه البساطة!!!!


قطعت أفكاره عندما شعر بها تنسحب من جواره في صمت حذر...

لتخرج من الغرفة في هدوء...

استغفر الله سراً...

ثم لحقها بعد دقائق...

ليجدها جالسة علي الأريكة في الردهة ترفع ركبتيها لصدرها محتضنة إياهما بذراعيها...

وهي تدفن وجهها بينهما وجسدها ينتفض بضعف...


اقترب منها ببطء وهو يجلس جوارها هامساً بلوعة فجرها قلقه عليها:

_رقية!


رفعت رأسها إليه بذعر وهي تمسح دموعها بسرعة ثم قامت من مكانها لتعطيه ظهرها....

لا تريده أن يري ضعفها ودموعها...

هي رقية الهاشمي التي لا يشهد علي انكسارها أحد!!!

وضعت كفها علي شفتيها وهي تأخذ نفساً عميقاً لتتمالك بكاءها...

فقام ليقف قبالتها وهو يهتف في قلق:

_يالله!! كل هذه الدموع يا رقية!!!

أطرقت برأسها وهي تقول بتماسك:

_دعني وحدي يا ياسين


مد أنامله ليمسح دموعها هامساً  بعتاب حنون:

_أتركك وحدك تبكين؟!


عاد لها تنمرها وهي تبتعد بوجهها عن أنامله لتهتف :

_لا أحب أن يراني أحداً أبكي...

تفهم انفعالها ليقترب أكثر مربتاً علي كتفها هامساً:

_أنا لست أي أحد يا رقية...أنا زوجك...


وكأنما ضغطت كلمته علي جروحها كلها لتنزف ثانية....

انهارت في البكاء من جديد فلم يقاوم أن يضمها لصدره بقوة هامساً:

_اهدئي يا رقية...

دفنت وجهها في صدره وهي تشعر بالألم...

بالإهانة...!!!


ياسين النجدي استكثر عليها مجرد المزاح مع ابن خالتها!!!

لكنها هي مطالبة أن تتعايش مع قصة حب بأسرها له مع ابنة عمه...

أن تعيش هذا الوضع الغريب الذي لا تعرف لنفسها فيه مسمي...

أن تقاوم مشاعرها نحوه لأنها لا تعلم نهاية الطريق الذي تسير فيه...

أن تحارب إدمانها لحنانه الذي ينساب ببطء ليحتل كل ذرة في كيانها....


وكل هذا في صمت!!!!

لأنها رقية الهاشمي القوية التي لن تسمح لأحد بأن يكسرها أو يري انكسارها!!!!

هذا يفوق احتمالها...

يفوقه بكثير!!!!


هدأ بكاؤها نوعاً فابتعدت عنه وهي تشيح بوجهها ...

لكنه جذبها من ذراعها ليجلس علي الأريكة ويجلسها علي ساقيه كطفلة ....

ثم ربت علي شعرها هامساً بحنان يمتزج بعاطفة لم يعد يعرف لها توصيفاً:

_هل كان خطئي كبيراً إلي هذه الدرجة؟!


أطرقت برأسها وهي تهمس بحزنها الراقي:

_لا أريد الكلام يا ياسين...

ضم رأسها لصدره بذراعيه وهو يهمس في أذنها بحنان آسر:

_كيف أسترضيكِ يا غاليتي؟!


أغمضت عينيها في قوة وهي عاجزة عن الرد....

تشعر بتملكه لها هكذا بين ذراعيه يذيب روحها.....

تشعر بهمسه الحاني يضمد جروحها كلها...

لكنه يزيد عذابها به أكثر...

يدفعها دفعاً نحو دوامة عاصفة من حب بلا أمل....

يلوح لها بسراب خادع من أحلام شهية ...

لكنها تبقي مجرد سراب!!!


تخلل خصلات شعرها بأنامله برفق وهو يهمس بما يشبه الاعتذار:

_اعذري اندفاعي يا رقية...هذا أسوأ ما فيّ...لا أملك لساني عند غضبي...

طال صمتها ولم ترد...

فرفع وجهها إليه يتأمل ملامحها بعينين تمتلئان بالعاطفة....

ليتوه في وديان عينيها الساحرة للحظات....

ثم ازدرد ريقه ببطء ليتمالك نفسه وهو يهمس بحزم حنون:

_لكن هذا لا يعني أنني سأسمح بما فعلته مع قريبك....لا تفعليها ثانية يا رقية لأجلي...


أومأت برأسها إيجاباً فقبل وجنتها بخفة ليهمس مداعباً:

_فتاة مطيعة...

ابتسمت رغماً عنها فتنهد قائلاً وهو يتفحص ملامحها بحنان:

_لا تحرميني ابتسامتك أبداً يا رقية...أنا أعشقها...

احمرت وجنتاها بخجل وهي تكاد تقف لتقوم من علي ساقيه لكنه تشبث بها هامساً:

_ابقي معي قليلاً...دعينا نعوض اللحظات الكئيبة الماضية...


أزاحت خصلة من شعرها وراء أذنها وهي تهمس بارتباك:

_وكيف نفعل؟!

أراح رأسها علي صدره وهو يهمس:

_احكي لي أكثر عن رقية الهاشمي...تكلمي كما شئتِ...قولي كل ما ترغبين به دون قيود....


أغمضت عينيها في سكينة علي صدره...

كيف عرف أن هذا بالضبط ما تحتاجه الآن...؟!!!

إنها تريد الحديث عن نفسها...

عن حياتها السابقة...

عن روحها القديمة التي ضلت عنها منذ زمن...

لعلها تستقوي بها علي هذا الضعف الذي تشعر به يغزو حصونها...

لترفع راياتها البيضاء مشهرة بلا شروط....!!!


اندفعت تروي له تفاصيل كثيرة عنها...

عن طفولتها ومراهقتها...

هواياتها...وصديقاتها...

طرائفها ومواقفها التي لا تنساها...

علاقتها ببلال الحبيب الذي تعتبره ابنها وصديقها وليس مجرد أخ...

عاصم الهاشمي بروعة شخصيته الآسرة...

إكرام بطيبتها الفطرية التي لا تتعارض مع نزعتها الأروستقراطية...

ظلت تحكي وتحكي ...

فلا هو ملّ من الاستماع...

ولا هي ملت من الحديث حتي الفجر.....

==============================


الفصل العاشر:


وقفت رقية توضب أغراضهما ليستعدا للرحيل...

تنهدت في حرارة وهي تتمني لو يظلا هنا ولا يرحلا...

سمع ياسين تنهدها فابتسم قائلاًبإشفاق:

_غاليتي رقية لا تريد الرحيل؟!

نظرت إليه وهي تقول بأسف:

_ينبغي علينا ذلك...زفاف عمار وجوري اقترب ويجب أن نكون مع العائلة.

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول بصدق:

_أنا أيضاً أتمني لو نبقي هنا للأبد...

ثم أردف بابتسامته الحنون:

_أعدكِ عندما تسمح ظروف عملي أن آتي بكِ إلي هنا في أقرب وقت.

تلفتت حولها تتفحص المكان وهي تقول بشرود:

_أتمني ذلك يا ياسين...لقد أحببت هذا المكان جداً....

نظر إليها طويلاً ثم قال بعاطفة:

_أنا أحببته أكثر ...فأنا أدين له بالكثير...لقد جعلني أستكشف الكثير عن رقية الهاشمي...

ابتسمت في خجل وهي تهمس:

_لقد أتعبتك في مرضي وحتي عندما تعافيت...هل تذكر تلك الليلة التي ظللت أثرثر فيها حتي الفجر؟!

اقترب منها وهو يحيط وجهها بكفيه هامساً:

_لن أنسي تلك الليلة بالذات أبداً....لقد سمحتِ لي أخيراً أن أدخل لعالمك لأعرف عنكِ أكثر...

همست في شرود:

_لم أكن يوماً ثرثارة ...لكنني كنت جائعة للكلام إلي أقصي حد...

هز رأسه قائلاً بتقرير:

_لأنكِ تكتمين الكثير يا رقية...لم أسمعك تشتكين من شئ منذ تزوجنا رغم أن الوضع كله كان يفوق تحملك...


أشاحت بوجهها عنه وهي تتحاشي التطرق لهذا الأمر...

لقد تناست -بالكاد-مشاعرها السلبية القديمة...

ورضيت منه مؤقتاً بهذه المشاعر التي يغدقها عليها...

والتي لم يحاول أي منهما البحث لها عن مسمي...

ولا تريد العودة للخلف...


أدار وجهها إليه وهو يقول بحزمه الحنون الذي لا تعرف كيف يجيده إلي هذا الحد:

_دعينا نبدأ عهداً جديداً يا رقية ...لا تخفي عني شيئاً بعد الآن....

هزت رأسها نافية وهي تهمس في يأس:

_لا أعدك بهذا يا ياسين...ليس كل الكلام يقال!

ضم رأسها لصدره وهو يقول بحنان يمتزج بالمرح:

_سيكون هذا إذن رهاني القادم معكِ...أن أكسب صداقتك ...

رفعت رأسها إليه وهي تبتسم قائلة:

_وماذا لو خسرت رهانك؟!

التمعت عيناه وهو يقول بتصميم:

_لن أخسره يا رقية.

اتسعت ابتسامتها وهي تريح رأسها علي صدره لتهمس في ترقب:

_وماذا ستطلب مني لو كسبته؟!

قبل رأسها وهو يهمس في حنان:

_يكفيني أن أكسبه فقط يا رقية....هو ليس هيناً لو تعلمين!


أغمضت عينيها وهي تشعر بقدميها تحملانها بعيداً لعالم وردي...

لم تدخله قبلاً...

عالم تطير فيه كفراشة بلا قيود...

سعيدة...سعيدة...

سعادة من نوع خاص....

محلّاة بنكهة وجوده الساحرة...

مطعمة بحنانه الآسر...

مزخرفة بنقوش رجولته النادرة...

سعادة تحمل اسمه هو فقط...

ياسين النجدي!!!

==========================================================================

_لا أريد يا سمية ....أخشي أن يراني أحد!

هتفت بها آسيا في قلق...

فقالت سمية بحنان:

_لا تخشي شيئاً يا آسيا...المدينة صغيرة ونحن نذهب دوماً لمتجر معين للتسوق...ونعود سريعا....

ثم التفتت لبدر قائلة بابتسامة:

_ثم إن بدر سيكون معك...لن يسمح أن يحدث لكِ مكروه....أليس كذلك يا بدر؟!


أشاح بدر بوجهه في ضيق...

هو لا يمانع في اصطحاب آسيا أينما شاءت...

لكنه ضاق ذرعاً بمحاولات سمية المستميتة للتقريب بينهما...

هو يفهم سمية جيداً...

لقد كانت تخطط لهذا الدور مع نغم...

لكن نغم عادت لوالدتها...

ويبدو أن الدور انتقل لآسيا....


شعر بالعجز وهو لا يستطيع محادثتها في الأمر بوضوح...

رغم أنه يكاد يقسم أن هذا ما يدور،برأسها...

لكنه سيتصنع الجهل...

التغابي هو الحل الأفضل في هذه الحالة!!!!

أومأ برأسه إيجاباً وهو يسألها  باستسلام:

_لازلتِ لا تريدين المجئ معنا؟!

هزت رأسها نفياً وهي تقول :

_أنا أشعر بالتعب اليوم...سأبقي مع ياسين...


نظرت إليهما آسيا بقلق يمتزج بالحرج...

هي لا تريد مغادرة المزرعة ...

حصنها الذي تشعر فيه بالأمان بعيداً عن العيون...

كما أنها تتحرج من السفر مع بدر وحدهما...

صحيح أن السيد بدر رجل مهذب خلوق...

لكنه يبقي رجلاً غريباً لا يليق أن تخرج معه بمفردها....


قطعت سمية ترددها وهي تقول بحماسة:

_هناك محلات للملابس رائعة ستجدين فيها كل ما تريدينه...ليس الملابس فقط كل شئ يا آسيا...اخرجي يا حبيبتي وتنزهي واسعدي....

ثم تهدج صوتها وهي تردف:

_عيشي حياتك كما ينبغي ...


أغمض بدر عينيه بقوة وهو يشعر بألمها الحارق يكويهما معاً في هذه اللحظة...

ليس هو فقط من يري في آسيا صورة سمية...

سمية نفسها تري هذا كما يبدو...!!!!

سمية تريد آسيا امتداداً لها...

تريدها أن تحيا الحياة التي حرمت هي منها...

أن تستكمل بها العمر الذي أوشك علي النفاد...

أن تستخلفها علي مملكتها الصغيرة بعدها...


نقلت آسيا بصرها بينهما بحيرة...

ثم قالت برجاء:

_لا أريد...


التقط بدر عبارتها ليقول بسرعة:

_حسناً...لا داعي لهذه النزهة مادمتِ خائفة....

هتفت سمية بلهفة:

_لأجل خاطري يا بدر...آسيا حبيسة هنا منذ جاءت...ليس من العدل أن نحتجزها هنا كالرهينة....

نظر إليها بدر بنفاد صبر...

ثم قال لآسيا:

_هيا يا آسيا لن نتأخر...


ترددت آسيا لحظة لكن سمية منحتها نظرة مشجعة فابتسمت لها...

ثم سارت خلف بدر في استسلام...

حتي ركبت جواره في السيارة التي انطلقت بهما مبتعدة...

راقبتهما سمية ببصرها في رضا حتي اختفيا عن ناظريها....

ثم جلست علي الأريكة تحتضن ياسين هامسة:

_هل تحب آسيا يا ياسين؟!

قال الصغير ببراءة:

_جداً يا أمي...


ربتت علي رأسه في حنان...

وهي تفكر...

لن تحمل هم بدر وياسين بعد الآن...

مرحباً بالموت في أي وقت...

لقد اطمأن قلبها عليهما أخيراً...

==========================================================================

سارت آسيا جواره في هذا المتجر الكبير نوعاً وهي تشعر بالحرج...

رغم أنها تعتبر السيد بدر كأخيها الأكبر...

لكنها تشعر ببعض الذنب في خروجها معه هكذا...

لو كان ياسين معها لنهرها علي فعلتها وربما كان خاصمها ليوم كامل....!!!!


ابتسمت في شرود وهي تتذكر...

ياسين الحبيب لم يكن يقوي علي خصامها لأكثر من يوم...!!

يعود لها بعدها وبمجرد ما تنظر إليه في اشتياق كان يبتسم لها وكأن شيئاً لم يكن...

دمعت عيناها وهي تعود لواقعها المؤلم...

حيث لا حب ولا خصام ولا اشتياق...

لا ياسين!!!

فقط آسيا الشريدة الهاربة المختبئة كالمجرمين....!!!!


بينما كان بدر يشعر بالضيق....

نظرات الناس حوله تتمركز حول آسيا بشكل ملحوظ...

الفتاة فاتنة حقاً...

ويبدو أن هذا ليس رأيه وحده...!!!


لاحظ أحد الشباب الذي اقترب ليتصنع الاصطدام بها وكأنها صدفة...

فجذبها بدر بعيداً عنه في اللحظة الأخيرة وهو،يرمقه بنظرة زاجرة....

همست آسيا بحرج:

_المكان أكثر ازدحاماً مما توقعت...


أومأ بدر برأسه إيجاباً وهو يقول:

_إنه أكثر ازدحاماً هذه الأيام....لبدء موسم الدراسة....

همست آسيا في شرود:

_كان من المفترض أن أتسلم عملي في هذه الأيام...


رمقها بإشفاق وهو يشعر بمرارتها...

آسيا لازالت تعيش مسلسل خسارة مستمر....

وهو يخشي عليها عاقبة هذا....

للأسف...لا يري لها غداً مشرقاً...

إلا لو تركت المزرعة...

يمكنها ساعتها البدء من جديد في مكان آخر...

لكن من يضمن له ألا يستغلها أحدهم....

فتاة بفتنتها وظروفها المعقدة ستكون مطمعاً للكثيرين !!!


للأسف هذه الفتاة في ورطة...

وجودها معهم في المزرعة يقطع عنها فرص الحياة...

ورحيلها عنهم يهدد أمانها...

وهو لا يدري كيف يساعدها؟!!!


نفض أفكاره البائسة وهو يلاحظ أنها ليست أفضل منه حالاً...

فقال محاولاً التسرية عنها:

_لماذا لم تشترِ شيئاً من هنا؟! يمكنك الحصول علي ما تريدين ...أنا أدخر لكِ راتبك منذ قدمتِ إلينا...

هتفت في اعتراض:

_أي راتب سيد بدر؟!!!أنتم تتحملون إقامتي كاملة...لا طبعاً لا أريد راتباً....


لوح بسبابته هاتفاً بصوته الذي يخيفها أحياناً:

_لا جدال في هذا الأمر يا آسيا...راتبك أدخره كاملاً وستحصلين عليه متي تريدين...أو عندما تغادرين المزرعة...

اتسعت عيناها بجزع وهي تهمس:

_أغادر؟!!

تنهد في يأس وهو يري الضياع في نظراتها بمجرد نطقه للكلمة فقال بتعقل:

_لن يطلب منك أحد الرحيل يا آسيا...نحن نحتاجك أكثر مما تحتاجيننا أنت...لكن لو أردتِ أنت الرحيل فلن يمنعك أحد....

دمعت عيناها وهي تهمس بصدق:

_لا أريد ترككم سيد بدر...لقد عوضني الله بكم عن أهلي...العم كساب أبي...سمية أختي وأنت أخي...وياسين ابني الذي لم أنجبه...فلماذا أترككم؟!

هز رأسه وهو،يفكر...

هذه الغافلة لا تدرك أن الحياة أكبر من هذا....

لا تدرك أن عمرها سيتسرب منها دون أن تكون عائلة حقيقية....


قطعت أفكاره عندما همست :

_دعنا نعد سيد بدر...لم أعد أريد البقاء هنا بعد اذنك....

لوح بكفه هاتفاً:

_لكنكِ لم تشتري أي شئ....

قالت بابتسامة صغيرة:

_لم أكن أريد شيئاً...أنا فقط هادنت سمية الحبيبة كي لا تغضب....


ابتسم لاهتمامها بسمية فقال باستسلام:

_حسناً....كما تريدين...


عاد بها لسيارته التي استقلتها جواره...

وفي مصادفة قدرية نادرة...

التفتت للسيارة التي تجاور سيارتهما علي الطريق...

لتلمحه...

نعم...ياسين...!!!!!!


الذي كان عائداً لمدينتهم مع رقية التي كانت تضاحكه الآن بمرح....

تسمرت عيناها عليه وهي تكذبهما....

نعم...عيناها تكذبان...

وقلبها صادق...

ياسين لن ينساها بسرعة هكذا....

لكنه...حقاً فعل!!!!


ياسين نسيها؟!!!!

مضي في حياته مع زوجته يسافر معها ويضاحكها ونسي آسيا حب عمره؟!!!!


الآن فقط صدقت أنها ماتت...!!!

ليس وهماً كما حاولت أن تقنع أهلها...

لكنها الحقيقة الآن...

طالما أعلنها ياسين ميتة في قلبه فكأنما أعلنها العالم أجمع....!!!!


انتحبت بقوة وهي تراقب سيارته تختفي عن ناظريها دون حتي أن يلاحظها...

وكيف يفعل؟!!!

وعيناه كانتا غافلتين حتي عن الطريق معلقتين بزوجته...

الآن صدّقي يا آسيا...

أنتِ ميتة...

ميتة!!!!


دفنت وجهها بين كفيها وهي منهارة ودموعها تنعي حباً ظنته أقوي من أن يموت...

أوقف بدر السيارة علي جانب الطريق وهو،يسألها بقلق:

_ماذا حدث يا آسيا؟!لماذا تبكين هكذا؟!!!!


لم تستطع الرد عليه فقد كانت غارقة في صدمتها بما رأت...

أحس بدر بالعجز وهو لا يفهم ما الذي أصابها فجأة...

وهي غير قادرة علي الكلام كما يبدو....


أعاد تشغيل السيارة عائداً للمزرعة آملاً أن تتمكن سمية من معرفة ما الذي جري لها....

وصلا إلي المزرعة بعد دقائق...

لتترجل آسيا من السيارة بسرعة هاربة إلي غرفتها الخارجية وهي تبكي في غزارة....

رأتها سمية فانتفضت بقلق من جلستها وهي تتوجه نحو،بدر لتسأله:

_ما الذي حدث لآسيا يا بدر؟!


هتف بقلق :

_لا أدري يا سمية...كانت تجلس جواري في السيارة وفجأة وجدتها تبكي،هكذا دون سبب...سألتها فلم ترد علي...اذهبي إليها واسأليها ما خطبها....


اندفعت سمية نحو غرفة آسيا الخارجية والتي تقع خارج المنزل كما اختارتها لها منذ قدمت...

طرقت الباب برفق...

ثم دخلت ليروعها منظر آسيا الباكية في انهيار...

توجهت إليها لتحتضنها بقوة فصرخت آسيا في انهيار:

_لقد مت يا سمية ...مت...ياسين نسيني...


ربتت سمية علي ظهرها وهي تقول بقلق:

_اهدئي يا آسيا وأخبريني ماذا حدث....


ظلت آسيا تبكي في حضنها للحظات عاجزة عن الكلام...

ثم حكت لها باقتضاب...


تنهدت سمية وهي تقول بتعقل:

_لابد أن تفرحي لأجله يا آسيا وليس العكس...

رفعت آسيا رأسها لتهتف في استنكار:

_أفرح؟!

ابتسمت سمية وهي تقول بشرود:

_هل كنتِ تفضلين لو يقضي عمره بعد رحيلك في حزنه ووحدته؟!!

هزت آسيا رأسها نفياً وهي تهمس بألم:

_لا طبعي...عمري كله فداء لحزنه...لكنك لا تدركين شعوري عندما رأيته معها...نار يا سمية...ناااار...

دمعت عينا سمية وهي تأخذ نفساً عميقاً لتهمس في غموض:

_أدركه يا آسيا...أدركه بأكثر مما تتصورين...


أطرقت آسيا برأسها غافلة عما تقصده سمية...

فربتت سمية علي،رأسها وهي تقول بحنان:

_ياسين فعل الصواب...مضي في طريقه ولم يعاند قدره...افعلي مثله يا آسيا...امضي في طريقك وتصالحي مع قدرك...

هزت آسيا رأسها وهي تهمس في ألم:

_ياسين كان طريقي...وكان قدري...

تنهدت سمية هامسة :

_كان يا آسيا...كان...


نظرت إليها آسيا بصدمة...

كيف تتقبل أن يخرج ياسين من حياتها هكذا...

هل يسلخ المرء من جلده بهذه البساطة؟!!!

ياسين ليس مجرد حب قديم اختلط بسنوات طفولتها وشبابها...

ياسين هو الهواء الذي كانت تتنفسه...

هو الحلم الذي كانت تحيا لأجله...

ياسين كان الحياة...كل الحياة....!!!


تفهمت سمية صدمتها وهي تربت علي ظهرها هامسة:

_لا تفكري في الماضي يا آسيا...من يدري...ربما كان القدر يدخر لك غداً فاتحاً ذراعيه بالوعود...


أطرقت آسيا برأسها وهي تفكر في كلماتها بشرود...

سمية تمثل صوت العقل الذي لا ينكره أحد...

لكن ما حيلتها في قلبها الذي يكاد ينفطر الآن حزناً وحسرة...؟!!

قلبها الذي تربي بين يديه يوماً بيوم...

وكبر بحبه ساعة بعد ساعة...

كيف ستستعيد دقاته التي تبعثرت بعده...

كيف ستكون آسيا لو لم يكن هناك ياسين؟!!!

==========================================================================

ركبت ساري سيارتها لتغادر القرية التي كانت تحمل لها المساعدات...

نظرت لساعتها في توتر ...

لقد تأخر الوقت وهي لم تنتبه...

تناولت هاتفها من حقيبتها لتجده قد فرغ شحنه...!


مطت شفتيها في استياء ...

فريدة العزيزة ستقلق عليها جداً...

كان من المفترض أن تكون في البيت منذ ثلاث ساعات...

لكن الطريق كان معطلاً في رحلة ذهابها..

وهي كانت مضطرة لتسليم هذه الأدوية  لأصحابها اليوم....!


بلال العزيز كان مفيداً لهم جداً في هذه المواقف...

لقد كان هو من يقوم بهذه المهام المتضمنة لسفر طويل....


تذكرت بلال فابتسمت في مودة...

لقد اشتاقته حقاً...

عسي الله أن يحفظه في غربته ويرده سالماً...

تذكرت رسائله التي يرسلها لها يومياً عبر الايميل...

رقيقة مهذبة مثله...

لكنها تشعرها بقيمتها عنده...

بلال يحترمها ويقدرها كامرأة...

يهتم بها ولأمرها...

وهو شعور تفتقده تماماً مع حذيفة...!!


حذيفة الوقح الذي كان يحدثها عن تقشيرها للسمك له بعد زواجهما وهو يحتفظ بمنديل متسخ بأحمر شفاه بالتأكيد لا يخص والدته!!!!!

حذيفة الذي يعاملها وكأنها ملكية خاصة بلا نقاش...

في الوقت الذي عجز فيه عن التخلي عن رفيقاته العابثات وحياته الماجنة...!!


شهقت في عنف وهي تفيق من شرودها لتري رجلين يعترضان طريق السيارة بهراوتين غليظتين في يديهما....

توقفت بالسيارة تلقائياً لتركنها علي جانب الطريق...

تقدم أحدهما نحوها هاتفاً:

_انزلي.


نظرت للرجلين في تردد وهي تستغيث الله في سرها...

لا تعرف ماذا تفعل في هذه الورطة....

دمعت عيناها وقلبها يرتجف بعنف...

ما الحل الآن؟!


سمعت صوت رصاصة خلفها فالتفتت...

لم تصدق عينيها وهي تري حذيفة يترجل من سيارته ليواجه الرجلين بمسدس يحمله....

هرب الرجلان بسرعة...

فيما تقدم نحوها هو ليهتف بغضب:

_هل هناك فتاة محترمة تقود سيارتها ليلاًّ وحدها في طريق كهذا وبظروف البلد الآن؟!

كان جسدها يرتعش من هول الموقف فلم تقوَ علي الرد...

فيما زفر هو بقوة وهو،يفتح بابها هاتفاً:

_انزلي واركبي معي....اتركي السيارة هنا سآتي لآخذها لاحقاً...


أطاعته وهي ترتجف حرفياً ...

لم تتعرض لموقف مثل هذا في حياتها...

ماذا كان يمكن أن يحدث لها لو لم يأتِ حذيفة الآن؟!


ركبت جواره في،سيارته وهي صامتة...

لينطلق هو بالسيارة بسرعة...

احترم صمتها للحظات ثم سألها أخيراً بإشفاق لا يخلو من خشونة:

_أنتِ بخير؟!

أومأت برأسها إيجاباً دون أن تتكلم...

فزفر بقوة وهو يقول بضيق:

_كدت أجن عندما أخبرتني العمة فريدة أنكِ تأخرت اليوم وهاتفك مغلق...اتصلت أمامي بصديقتك التي أخبرتها أنكِ سافرتِ لتلك القرية وحدك...لم أكد أصل للقرية حيث العنوان الذي منحته لي صديقتك حتي أخبروني أنك رحلتِ لتوك...لم أصدق عيني عندما رأيت سيارتك من بعيد تتوقف أمام هذا الفخ البشري...حمداً لله أنني تمكنت من ترخيص سلاحي قبل فترة بعدما جد في ظروف البلد مؤخراً...


همست بصعوبة:

_آسفة لأني أتعبتك.

خبط علي مقود السيارة وهو،يهتف بغضب:

_آسفة؟! وماذا كنت سأجنيه من أسفك هذا لو كان حدث لكِ مكروه؟!


أطرقت برأسها وهي تهمس في اقتضاب:

_كنت ستتخلص من فرض جدك الكريه الذي أجبرت عليه.

التفت نحوها بحدة وهو يقول بسخط:

_هل تظنين أنني لازلت أراكِ كذلك.؟!

رفعت رأسها وهي تنظر للطريق قائلة:

_انظر أمامك ...انتبه للطريق...


توقف بالسيارة بعنف فاندفع جسدها للأمام بقوة وهي تشهق في عنف...

التفتت إليه بحدة وهي تهتف:

_ماذا تفعل؟!


نظر لعينيها بقوة وهو يقول بانفعال:

_يجب أن نتحدث في هذا الأمر يا ساري...

أشاحت بوجهها وهي تقول بمرارة:

_وبمَ سيفيد الحديث؟! لن يلتقي طريقانا يوماً يا حذيفة...

ثم التفتت إليه لتقول بحزن واضح:

_تلومني لأنني سافرت وحدي اليوم وأنا كنت أوزع أدوية علي محتاجين لا يجدون ثمنها...بينما لا تعرف أنت السفر إلا مع رفيقاتك للهو والمرح...كيف ستفهمني  اذا كان حذيفة النجدي لا يري سوي نفسه فقط؟!!!


صدمه منطقها فتنهد في ضيق...

فيما أردفت بحزن مرير:

_لا أتصور أن أكون يوماً زوجتك...أري نظرات الناس حولي تتأرجح بين السخرية والإشفاق علي تلك الزوجة التي يعرف الجميع أن زوجها يخونها كل يوم...أن أقضي يومي في،سماع إشاعات الناس حول آخر علاقاتك العاطفية...أن أستيقظ ليلاً علي صوت هاتفك باتصال من امرأة تريدك...أن أفتح عيني نهاراً علي جانبك الخالي من الفراش...أن أكون مجرد ظل لرجل لا يراني أكثر من دمية ربحها في مقامرة ...فرض ثقيل أداه مجبوراً...


دمعت عيناه حقيقة وهو،يسمعها تتحدث بكل هذه المرارة...

لا يعرف بم يرد عليها...

هي محقة في كل ما قالته عنه...

لكنه ....


قطعت أفكاره وهي تهتف في عجز:

_ها قد تحدثت فهل أفاد حديثي شيئاً؟! دعنا نعد للبيت ...أمي قلقة لأجلي...


قالتها وهي تشيح بوجهها...

نظر إلي جانب وجهها طويلاً لا يعرف ماذا يقول...

هو يعرف أنه ليس علي الطريق القويم لكنه لا يريد أن يتغير...

حياته الحالية تعجبه...

يعيش شبابه بكل الفرص التي منحتها له الحياة...

ولا يختلف في هذا عن رفقائه الذين حوله...

كلهم مثله يجدون سعادتهم في طريقهم هذا...

فلماذا يشق علي نفسه بالتغيير؟!!!


ساري ستكون له في النهاية..

حتي لو رغماً عنها...!!!

وربما...

ربما...عندما يتزوجها يزهد في بقية النساء...

هذا يعتمد علي مهارتها في استبقائه جوارها...!!!!

عليها هي أن تبذل جهدها للحفاظ عليه...

لكنه هو لن يتغير !!!


هذا ما حدث به نفسه وهو يعيد تشغيل السيارة ليعود بها للمنزل...

لم يتحدث أحدهما بكلمة طوال الطريق...

لم يعد هناك ما يقال!!!


وصلا إلي المنزل ليجدا ياسين ورقية أيضاً علي وشك الدخول...

وبعد طقوس الترحيب المعهودة صعد الجميع لشقة الجد قاسم...

حيث كان السيد عاصم الهاشمي ينتظر رقية هناك...


ارتمت رقية في حضنه وهي تقول بعاطفة:

_افتقدتك يا والدي جدا...

ضمها عاصم إليه وهو ينظر إلي ياسين المبتسم ليقول برضا:

_سعادتك تبدو علي وجهك كخيوط النور يا رقية...

رفعت رأسها إليه وهي تقول بصدق لم يخلُ من خجل:

_جداً يا أبي...جداً...

اقترب ياسين منها ليمسك كفها هاتفاً بمرح:

_أدام الله علينا رضا السلطانة رقية...

ضحك الجميع بمرح فقال عاصم لابنته:

_يمكنكما الصعود للراحة بعد تعب الطريق...سأبقي مع الحاج قاسم قليلاً....


صعدت رقية مع ياسين متشابكي الأيدي...

فالتفت قاسم لساري التي كانت تراقبهما بحسرة...

رغم إعجابها الشديد برقية لكنها لا تملك إلا أن تتذكر آسيا التي كان حلم عمرها أن تكون مكانها.....

..لكن لا مكان للأحلام في قلوب الجواري!!!!

لقد ضاع حلم آسيا...

وضاعت آسيا نفسها!!!!


تأمل قاسم شرودها للحظة ثم قال بهدوء:

_اصعدي لوالدتك يا ساري...هي قلقة من أجلك...

همت بالصعود لكن السيد عاصم استوقفها بقوله في حنو:

_ابقي قليلاً يابنتي...أريد التحدث مع الحاج قاسم بشأنك...


تشنج حذيفة الذي كان واقفاً مراقباً في صمت يمتزج بلامبالاة....

 حتي قال السيد عاصم هذه العبارة لتنتبه حواسه كلها...

ما الذي يريد السيد عاصم التحدث بشأنه عن ساري...؟!!!

هل من الممكن أن...؟!!!


قطع قاسم أفكاره الهائجة وهو يخاطب السيد عاصم قائلاً:

_لا تُخجلها يا سيد عاصم...سأسألها أنا علي انفراد...

قام السيد عاصم واقفاً وهو،يقول ببشاشة:

_أنا أستبشر خيراً يا حاج قاسم...


صافحه قاسم بحرارة ثم ودعه حتي باب البيت...

ليعود لساري وحذيفة الذي أدرك تقريباً فحوي الحديث...

جلس قاسم علي كرسيه مسنداً رأسه علي عصاه ...

شرد للحظات يفكر ثم قال لساري ببطء:

_السيد عاصم يريدك لابنه بلال...


اتسعت عينا ساري في دهشة...

بلال يريد الزواج منها هي؟!!!!

وحذيفة؟!!!

هل سيخلف قاسم النجدي كلمته؟!!!


قاطع حذيفة أفكارها وهو،يهتف بنزق:

_كيف هذا يا جدي؟! أنت قلت أنها لي أنا!

هتف قاسم بصوته المهيب:

_اخرس يا ولد.

احمر وجه حذيفة بغضب عندما أردف قاسم بحدة:

_أنا أردت تزويج بنات سعد من أولاد عمومتهن لحمايتهن...لكنني لا أئتمنك عليها كلية...أنت خيبت ظني...كل المدينة تحكي عن فسادك وطيشك...ومع هذا كنت آمل أن تتغير بعد الزواج ...وهذا لازال وارداً...

عقد حذيفة حاجبيه وهو،يغمغم بتوتر:

_لا زال وارداً؟! ماذا تعني يا جدي؟!

التفت قاسم نحو ساري ليقول بلين غريب علي طبعه الجاف:

_أنتِ أقرب حفيداتي لقلبي يا ساري...ربما لأنك لم تتنعمي بحنان أبيكِ بالقدر الكافي كأختيكِ كما أنني أثق في رجاحة عقلك...لهذا سأمنحك ما لم أمنحه لأختيكِ طالما شاء لكِ القدر هذا أنتِ بالذات...


همست في ترقب:

_ما الذي ستمنحني إياه يا جدي؟!

دق قاسم بعصاه علي الأرض وهو يقول بحزم:

_الاختيار!

ثم أردف في شرود:

_عاصم الهاشمي نسب لا يرفض ...سعيت إليه سعياً مع ياسين...لكن حذيفة يبقي ابن عمك الذي هو أولي بكِ من الغريب...فانظري ماذا ترين...


تحاشت ساري النظر لحذيفة الذي كاد يحترق الآن غضباً وهو يقول :

_سأنصرف بعد إذنك يا جدي.


لوح له قاسم بكفه في امتعاض فخرج مسرعاً...

فيما وقفت ساري لتقول لجدها بارتباك:

_امنحني بعض الوقت للتفكير يا جدي.


نظر إليها قاسم بعمق وكأنه يدرس ملامحها ثم قال بغموض:

_حذيفة معدنه أصيل لكن يعلوه بعض الصدأ...سيتعبكِ كثيراً قبل أن تتمكني من إجلائه ليعود براقاً كما كان...لكن لو أردتِ الربح السريع فبلال الهاشمي صفقة رابحة لن تخيب رجاءك....

أطرقت برأسها وهي تقول بتوتر:

_سأعقل كلامك كله يا جدي قبل أن أعطيك كلمتي...


أومأ برأسه في إيجاب...

فغادرت شقته مسرعة لتصعد الدرج نحو شقتها عندما رأته واقفاً ينتظرها في الردهة بين شقتيهما...

نظرت إليه بترقب ليفاجئها بأن جذبها من ذراعها بقوة ليقول بغضب:

_طبعاً ستختارين ابن الهاشمي...أليس كذلك؟!


ازدردت ريقها بتوتر وهي تشعر بالاضطراب...

لم تتصور أن تتغير الأمور هكذا بين عشية وضحاها...

لقد كانت تتعامل مع زواجها منه وكأنه أمر مسلم به!!!

لكن عرض بلال الهاشمي في هذا التوقيت أقرب للمعجزة!!!


قطع أفكارها وهو يهمس غاضباً حتي لا يسمعه أحد:

_لهذا كنتِ دوماً تقولين لي ألا أتعجل ما يحمله الغد؟!!! كنتِ تدبرين هذا الأمر مع ابن الهاشمي؟!!

عقدت حاجبيها بشدة وهي تهمس بدورها :

_احترم نفسك...ساري النجدي لن تعطي وعداً لرجل وهي في حكم المخطوبة لرجل آخر...حتي لو كان مثلك!

قالت عبارتها الأخيرة باحتقار واضح فكز علي أسنانه هامساً بتصميم:

_أنتِ لي يا ساري...حتي لو اضطررت للوقوف في وجه قاسم النجدي نفسه!

اتسعت عيناها في ارتياع وهو يردف بغموض:

_لكنني لن أفعل حتي أستنفذ معكِ أنتِ كل الطرق...

نزعت ذراعها منه وهي تقول باضطراب:

_لن أعطي كلمتي قبل زفاف جوري وعمار...


ابتسم بسخرية وهو يقول بقسوة:

_كلمتك الوحيدة ستكون لي أنا...أنا سأكون اختيارك يا ساري...

==========================================================================

دخل ياسين شقتهما ليقول لها بحنانه الموشوم باسمه :

_فلتتفضل السلطانة بالدخول.

دخلت وهي تبتسم هامسة في خجل:

_أنت تدللني كثيراً يا ياسين.

ابتسم قائلاً في تقدير:

_تستحقين كل التدليل يا رقية...

اتسعت ابتسامتها وهي تتجه نحو غرفتها الصغيرة قائلة:

_سأبدل ملابسي...

استوقفها بندائه ليلحق بها ويمسك كتفيها هامساً بما يشبه الرجاء:

_ابقي معي في غرفتنا يا رقية...لقد اعتدت علي وجودك جواري...اعتدت أن يكون وجهك آخر ما أراه قبل نومي وأول ما أفتح عليه عيني...


أطرقت برأسها وهي تتمني لو تخبره أنها مثله وربما أكثر...

لقد تغلغل بين خلايا روحها كلها حتي أدمنت وجوده جوارها....

كل يوم...

بل كل دقيقة تمر له معها تخبرها أن قلبها كان صادقاً في حدسه....

ياسين النجدي...يستحق كل دقات الفرح التي اختصه بها قلب رقية الهاشمي...

ربما من أول لقاء...

أدرك قلبها أنه هو الرجل الذي ادخر له حب العمر كله....!!!


أساء فهم إطراقها فرفع ذقنها إليه لينظر لعينيها هامساً:

_لا تقلقي...أنا علي وعدي لكِ...رغم أنه صار يشق علي كثيراً...


أشاحت بوجهها في خجل وهي تدرك ما يتحدث عنه...

فأمسك كفها ليتوجه بها نحو غرفتهما...

تأملت رقية الغرفة بدهشة...

كم تشعر بالغربة بين جدرانها...

إنها تشعر بالحنين لمنزلهما المنعزل...

حيث لا أحد سواهما...

تستمتع بقربه الذي يمنحها سعادة لا توصف....

وكأنه كل عالمها...

وكأنها كل عالمه!!!


قرأ ما بعينيها فهمس بحنان:

_سنعود إليه قريباً يا رقية...أنا أيضاً افتقدته مثلك....


ابتسمت بعاطفة صادقة وهي تراه يفهمها دون كلمات فقالت بمرح:

_صرتَ تفهمني يا صديقي...يبدو أنك علي الطريق الصحيح لكسب رهانك....

شعر بابتسامتها وكلماتها وكأنها تدغدغ روحه ...

تشق طريقها لقلبه بخجل لكن...بثقة...

ثقة امرأة تعرف قدرها جيداً...

وقدر ما يمكنها منحه إذا شاءت!!


اقترب منها ليمسك كتفيها هامساً بحزمه الممتزج بحنانه:

_سأكسبه يا رقية...أنا أحتاج لذلك...

نظرت إليه بعاطفة وهي تهمس :

_أنا أيضاً أحتاج لذلك يا ياسين...خاصة بعد سفر بلال وانشغال والديّ بالاضطرابات التي يمر بها البلد...أنا أحتاج لصداقتك....

ضم رأسها لصدره وهو،يهمس:

_لن أخذلك يا رقية...ولن أخذل نفسي قبلك...


رن جرس الباب في هذه اللحظة ....

فتوجه ياسين ليفتحه ليجدها والدته التي احتضنته بحرارة هاتفة:

_حمداً لله علي سلامتك يابني...

توجهت رقية نحوهما وهي تبتسم برقة فاحتضنتها راجية بقوة وهي تهتف:

_حمداً لله علي سلامتك يابنتي....لماذا تبدين شاحبة هكذا؟!

ضم ياسين رقية بأحد ذراعيه وهو،يقول:

_لقد مرضت هناك يا أمي...

شهقت راجية بعنف وهي تضع كفها علي صدرها لتقول :

_يا حبيبتي...سلمك الله يا غالية...لماذا لم تعد بها عندما مرضت يا ياسين؟!

رفعت رقية رأسها إليه لتنظر في عينيه قائلة  في امتنان:

_ياسين لم يقصر يا عمتي...لقد أشبعني عناية وتدليلاً....

قبل رأسها وهو يقول:

_أبقاكِ الله لي يا رقية...


نظرت راجية إليهما بسعادة وهي تري معاملتهما الجديدة...

قلبها يخبرها أن ابنها سيجد سعادته مع هذه الفتاة الرائعة بعدما هيأت لهما الظروف كل السبل...

رقية الهاشمي فتاة رائعة...

يستحقها ابنها البكر بعد طول عذابه السابق....

=========================================================================


جلست ساري علي سريرها شاردة تفكر في وضعها الجديد...

حذيفة يظنها كانت علي علاقة ببلال..

بلال الذي يشهد الله أنها لم تعتبره أكثر من أخ عزيز...

لكن هذا الأحمق حذيفة يتوعدها...

ماذا كان يعني بقوله أنه سيستنفذ طرقه معها؟!!!

هل يظن أنه يمكنه إجبارها علي القبول به؟!!!


تنهدت في حرارة وهي تفكر...

لست في حاجة للإرهاب كي تجبرني علي اختيارك يا حذيفة...

قلبي الأحمق لن يختار غيرك ولو عانده عقلي وكبريائي وطموحي...

ولو عاندته الدنيا كلها!!!!

وأنا لن أتزوج رجلاً وقلبي معلق بغيره!!!


قطع أفكارها دخول جوري وفريدة لغرفتها....

فابتسمت في شحوب وهي تقول بمرح مصطنع:

_تعاليا وانظرا لهناءتي وسعدي....عريسان ينتظران تفضلي بقبول أحدهما وأنا أتدلل.


رمقتها فريدة بإشفاق...

ساري كعادتها تخفي ألمها ...

تكابر كي لا تبدي حزنها وحيرتها...

لكنها تشعر بها وبقلبها الذي تعلم علم اليقين أنه ملك حصري لحذيفة منذ الأزل...


ضمتها فريدة إلي حضنها وهي تجلس جوارها قائلة:

_لكِ الحق في حيرتكِ يا ساري...بلال الهاشمي لا يرفض...لكن حذيفة...

قطعت عبارتها وهي تهز رأسها في حيرة وكأنها تشارك ابنتها ارتباكها...


دفنت ساري وجهها في صدرها وكأنها تحتمي به من همومها...

ثم لم تعد قادرة علي التظاهر أكثر فهمست في ألم:

_انصحيني يا أمي...أختار من أحبه أم من يحبني؟!


هتفت جوري بحدة:

_لا تختاري هذا ولا ذاك....اختاري من تحبينه ويحبك...أنت تستحقين هذا...لن تعيشي سعيدة مع بلال وأنت تحبين حذيفة ولن تسعدي مع حذيفة وقلبه ليس لكِ...اسمعي نصيحتي وارفضي كليهما....


هزت ساري رأسها بحيرة وهي تقول:

_وهل سيمكنني قاسم النجدي من ذلك...؟! إنه -بالكاد-منحني حق الاختيار في سابقة لم تحدث من قبل...

أطرقت جويرية برأسها في ألم وهي تهمس:

_لعنة الجواري التي أصابتنا لن تتركنا  حتي لو منحونا حق الاختيار...هو يخيرك بين جحيمين لا يقل أحدهما في لظاه عن الآخر...


تنهدت ساري في حرارة...

لا تدري هل جاء عرض بلال الهاشمي في هذا التوقيت كهدية من القدر حتي تقتلع جذور حذيفة السامة من تربتها لتورق أشجار حب جديدة ...

أم أن حذيفة النجدي هو لعنتها الأبدية التي لن يمكنها الفرار منها مهما حدث...؟!!!!


وأمامها كانت جوري تراقبها بإشفاق...

كم تتمني لساري رجلاً كزياد يحبها وتحبه....

خفق قلبها بعنف وهي تتذكر ما اتفقت عليه معه في مكالمتهما الأخيرة...

ستهرب معه في الليلة السابقة لليلة الزفاف مباشرة...

ليلة الحناء كما يدعونها...

سيكون البيت كله مشغولاً بالاعدادات...

يمكنها التسلل دون أن يشعر بها أحد....


نظرت لفريدة في إشفاق يحمل آلاف الاعتذارات...

هي تعلم أنها ستتألم لما سيحدث...

لكنها ستترك لها رسالة تخبرها فيها أنها ستكون سعيدة...


ومن يدري؟!

ربما عندما تمر الأيام وتعود إلي هنا مع زوجها تكون الأحوال قد تغيرت ...

رحل من رحل...!

ونسي من نسي...!

هذا هو أملها الذي يهون عليها مشقة ما هي مقدمة علي فعله...

وليس أهون علي الإنسان من خداع نفسه!!!!

==========================================================================

رن جرس الباب في شقة فريدة فتوجهت جوري لتفتحه...


صعقت عندما رأت عمار في وجهها فهتف بضيق:

_ألن تكفي عن هذا التعبير المزعج الذي ترسمينه علي وجهك كلما رأيتني؟! سأكون زوجك بعد أيام يجب أن تعتادي هذا....

أشاحت بوجهها في ضيق وهي تسأله بنفاد صبر:

_ماذا تريد يا عمار؟!

هتف بخشونة:

_بدلي ملابسك وتعالي معي لنشتري ثوب الزفاف....أنا استأذنت عمتي فريدة...

أطرقت برأسها وهي تشعر بالاختناق...

لا تريد صحبة هذا الغليظ ولا حتي للتسوق الذي تعشقه كباقي النساء...

لكنه مع عمار يصبح هماً ثقيلاً....

مثله تماماً!!!!


هتفت بضيق:

_انتظرني حتي آتيك...

وبعد نصف ساعة خرجت معه لأكبر محلات المدينة وأفخمها...

إنه زفاف جويرية وعمار النجدي...

ليس أقل من أفخم ثوب زفاف يليق بالأساطير كي يناسب لقب العائلة ومكانتها...

من يراها في ثيابها الفخمة الملكية لا يتصور أبداً أنها في نهاية الأمر ليست أكثر من جارية...

فهل تغير الثياب مهما فخمت حقيقة الجواري؟!!!!


اختارت أحد الفساتين بعشوائية دون أن تسأله عن رأيه بالطبع!!!!

هذا ثوب لن ترتديه أبداً...

لكنها ستكمل هذه المسرحية كي لا تثير الشكوك!!!

دخلت إلي "البروفة" الداخلية لترتدي الفستان...

ثم خرجت إليه لتسأله عن رأيه مجبورة!!!


تأملها عمار بانبهار...

هذه هي الصورة التي حملها لها طوال عمره...

جوري الحبيبة بفستان زفافها الأبيض...

عروس له وحده....

ظل يتأملها طويلاً في وله...

لا يدري هل يضئ هذا الثوب حقاً؟!

أم أنها هي من تضئ!!!

وكيف لا تفعل

وهي الشمس والقمر معاً...؟!!!

بل وكل النجوم...

نعم...جوري هي النور الذي تغلغل في روحه رويدا رويداً حتي تملكها...!!!!


فيما راقبت نظراته بدهشة بالغة...

هذه أول مرة تري،في عينيه هذه النظرات...

نظرات عاشقة مسحورة تلتمع كنجوم صغيرة في صفحة الليل السوداء!!!

نظرات تحوطها...تطوقها...تغلفها...تربت عليها...

تضمها...وترفعها...

ترفعها لأعلي جبال العاطفة...!!!

هل يحبها عمار حقاً كما يقولون؟!

لماذا إذن يعاملها بهذه الفظاظة؟!

هل يعرف قلباً خشناً كقلبه حباً كالذي تراه الآن نابضاً في عينيه؟!!!


ظل الحديث يدور بين عينيهما طويلاً...

حديث لا توفيه الكلمات حقه فوقفت مكانها عاجزة...

لم يقطعه سوي صوت صاحب المحل الذي جاء ليقول في مجاملة:

_تبدين فاتنة في هذا الثوب يا آنسة...


التفت إليه عمار بحدة وهو،يهتف:

_ماذا قلت؟!

ارتبك صاحب المحل وتنهدت جوري في استياء وهي تعلم مصير هذه المحادثة....

عادت إلي "البروفة" لتخلع الثوب ....

رفعته لتهم بخلعه لكن شيئاً ما جعلها تستبقيه علي جسدها للحظات...

تتأمله بشعور غريب...

ابتسمت ولم تعرف السبب!!!!


لكن ابتسامتها اختفت وهي تسمع عمار يصرخ في الرجل بالخارج:

_وما شأنك أنت إن كانت تبدو فاتنة أم لا؟! رجل وقح...

زفرت بقوة وهي تخلع الثوب بعصبية...

لتخرج لعمار الذي ظل يصرخ في الرجل...والرجل يحاول الاعتذار دون جدوي....

منحت الرجل الثوب لتقول ببرود:

_سنأخذ هذا...

أخذ منها الرجل الثوب وهو،يهرول لمكانه بعيداً لا يصدق أنه نجا من هذا الشجار!!!!

فيما التفتت نحو عمار لتقول بنفس البرود:

_إذا كنت أنهيت شجارك فهيا بنا...


عاد بها إلي المنزل يغلفهما الصمت طوال الطريق...

حتي وصلا فتوجهت لشقتها في عصبية...

لكنه استوقفها قائلاً:

_خذي ثوبك يا جوري.

تناولته منه بعنف فنظر لعينيها وهو يقول بلهجة غريبة وبصوت متهدج:

_لقد تشاجرت معه لأنه سبقني وقال ما كنت أريد قوله....


اتسعت عيناها في صدمة وهي تسمع منه هذا...

يبدو أنه بذل مجهوداً خرافياً ليتفوه بهذه الكلمات...

لا تصدق أن عمار يقول لها هذا...!!!

وبهذه اللهجة...وبهذا الانفعال....

شقت ابتسامة شاحبة طريقها لشفتيها ببطء....

وهي تنظر لعينيه العسليتين اللتين تكاد تقسم أنها أول مرة تركز في لونهما...

لتري فيهما شيئاً مختلفاً...


وعود؟؟!!!!

نعم...رأت آلاف الوعود بأشياء طالما حلمت بها خلف ستائرها الوردية...

أسف...واشتياق...وحب....

حب؟!!!

نفضت رأسها بقوة وهي تبتعد بعينيها عن عينيه لتقول في ارتباك:

_شكراً يا عمار.

عادت له غلظته رغماً عنه وهو،يقول بخشونة:

_احرصي علي ارتداء وشاح ساتر لأن الثوب ضيق...وإياكِ أن تقومي للرقص ليلة الزفاف حتي لو معي أنا.


قالها وهو يغادرها سريعاً خوفاً من أن تغلبه مشاعره نحوها...

فيما نظرت هي إلي الثوب بما يشبه الحسرة...

ليتها كانت عروساً عادية...

تفرح بعريسها وثوبها في ليلة العمر وسط أهلها....

لكنها مجبرة علي الاختيار...

وهي اختارت قلبها وسعادتها...

ولن تتراجع عن اختيارها....


من هذا الذي يريدونها أن تكمل عمرها معه؟!!!

عمار؟!

عمار الذي تشاجر لتوه وهو،يشتري ثوب الزفاف...؟!!

بل ربما لن يتورع عن الشجار ليلة زفافه نفسها!!!!!

لا لا لا لا ....

لن تتراجع...

هو زياد وعالمه الجديد ولا خيار آخر!

==========================================================================

وقف بدر خارج الغرفة التي تحتجز فيها الآن سمية في المشفي وهو يكاد يموت...

أسبوع كامل مر عليها هنا غارقة في غيبوبتها لا تكاد تفيق منها إلا بضع دقائق...

كل الأطباء يشفقون علي حاله ويخفون عنه وضعها لكنه يشعر أن النهاية اقتربت...

اقتربت جداً....


أخذ نفساً عميقاً يحاول تهدئة قلبه الذي يرتعد بين ضلوعه...

هل سترحل سمية للأبد حقاً كما يقولون؟!

لن تبقي معه دوماً كما تعاهدا منذ زمن بعيد...؟!

لن يشرق صباحه بشمسها التي دونها الكون كله جليد؟!!!

لن ينام علي حكاياتها التي تداعب أذنيه بصوتها العذب؟!!!


سمية سترحل؟!!!

ستتركه وحيداً في عالم صنعه خصيصاً من أجلها...

هو الذي هرب بها بعيداً عن كل الناس لتكون وحدها كل أهله وكل دنياه!!!


اقتربت منه آسيا وهي تقول بإشفاق وسط دموعها الغزيرة:

_دعنا ندخل سيد بدر ربما تكون قد أفاقت من غيبوبتها...


نظر إليها بشرود وهو،يفكر...

هو يتحرق شوقاً للدخول إليها ...

لاحتضان كفها لعله يبعث الدفء في أوصاله...

للتفحص في ملامحها لعله يتزود منها قبل صيامه الطويل عنها...

لكنه يخاف...

أنامله ترتعد علي مقبض الباب...

يخشي أن يدخل فيجد الموت سبقه إليها  ...

يخشي أن يشهد بعينيه آخر نفس تلفظه روحها معه...

يخشي ألا يحتمل هذه اللحظة وهو الذي يعد نفسه لها منذ عهد طويل لكن دون جدوي!!!


أحست به آسيا فقالت بحزن:

_دعنا ندخل...إنها حتما ستشعر بوجودنا معها حتي لو لم تستفق من غيبوبتها...يكفي أن نبقي جوارها...

قالتها وهي تمسك المقبض لتلفه برفق...

ثم دلفت إلي الداخل...

جلست علي طرف السرير وهي تمسك بيد سمية هامسة في حب وكأنها تسمعها:

_سمية...حبيبتي وصديقتي وشقيقتي...أفيقي لأجلي...لأجل بدر وياسين...قاومي يا حبيبتي لأننا كلنا نحتاجك...لقد حُرِمت من أهلي يا سمية...ولا أريد أن أُحرم منكِ أنتِ أيضاً....


غلبتها دموعها في عبارتها الأخيرة...

فقال بدر بمواساة:

_كلنا أهلك يا آسيا...هوني عليك...


وكأنما شعرت سمية بهما ففتحت عينيها ببطء وهي تتلفت حولها لتهمس بابتسامتها ذات السكينة:

_بدر...آسيا...حمداً لله أنكما هنا..

توجه بدر نحوها بلهفة وهو،يقبل كفها قائلاً:

_الحمد لله يا حبيبتي ...افتقدت صوتك يا سمية...افتقدتك بجنون...


ابتسمت له سمية بصعوبة وهي تنقل بصرها بين كفها الذي يمسكه بدر...

وكفها الآخر الذي تمسكه آسيا....

لتهمس بخفوت:

_الحمد لله...

قامت آسيا لتهتف بلهفة:

_حمداً لله علي سلامتكِ يا حبيبتي...سأنادي الطبيب حالاً...


غادرتهما بلهفة لتنادي الطبيب...

فهمست سمية بصعوبة:

_وصيتي لك هي آسيا...لا تتركها ...

ضغط علي شفتيه بقوة وهو يقاوم دموعه هامساً:

_لن نتركها يا سمية...أنا وأنتِ سنرعاها كما كنا....

تلفتت حولها وهي تهمس بضعف:

_كنت أريد رؤية ياسين...لكن من الأفضل ألا يراني هنا...اعتنِ به يا بدر علمه ركوب الخيل ليكون مثلك...أخبره عني دوماً واجعله يدعو لي...أخبره أني أنتظره في الجنة....


أغمض عينيه في ألم وهو يتمني لو يكون كل هذا مجرد كابوس.....

سيصحو منه ليجدها جواره تربت علي كتفه وتخفيه في حضنها حتي ينام من جديد.....


ابتسمت سمية في شحوب وهي تهمس:

_اشتقت لاسمك الحقيقي يا حبيبي...

قبل كفها وهو يهمس:

_وأنا اشتقت لسماعه منكِ...لكننا اتفقنا ألا نعود إليه كي لا نهدم كل ما بنيناه...

همست وهي تشعر بأن روحها تتسرب منها...:

_آخر مرة...آخر مرة سأقولها...أحبك يا...جسار...!!!


ضم كفها لصدره ولم يعد قادراً علي منع دموعه ليقول بحرارة:

_وأنا أحببتك وسأحبك طوال عمري يا سمية...


اتسعت ابتسامتها وأضاءت ملامحها بنور عجيب..

ثم همست بالشهادتين في خفوت...

ليرتخي كفها الذي يحتضنه علي صدره....


لقد رحلت سمية...

رحلت للأبد....



الفصل الحادي عشر حتى الفصل العشرون من هنا



بداية الروايه من هنا




إرسال تعليق

0 تعليقات

close