expr:class='data:blog.pageType'>

Header Ads Widget

رواية جاريه في ثياب ملكيه الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم الكاتبه نرمين نحمد الله حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج



رواية جاريه في ثياب ملكيه الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم الكاتبه نرمين نحمد الله حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



رواية جاريه في ثياب ملكيه الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم الكاتبه نرمين نحمد الله حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



صعدت درج المنزل المؤدي للسطح بخطوات رتيبة كما اعتادت...

لكنه اليوم لن يتبعها كما اعتاد أن يفعل...!!!

فتحت باب السطح ليصدر صريره المعتاد ...

لكنه يبدو اليوم أكثر حدة...

وكأنه يتألم مثلها...!!


دخلت وهي تتوجه إلي جدار السور الذي اعتادا اللعب عنده صغاراً...

وشهد عشقهما كباراً...

جثت علي ركبتيها أمامه وهي تتأمل ذاك الرسم الذي خطته يداه عليه يوماً...

رسم يمثل أول حروف اسمه بالانجليزية وهو يلتف بصورة معينة ليحتضن أول حرف من اسمها...

تلمسته بأناملها في وجد واشتياق...

ثم مالت عليه تقبله بشفتيها...

تتلمس ذكري ذاك اليوم الذي حفره لها هنا...


أسندت جبهتها علي الجدار وسالت دموعها علي خديها تدفعها بعيداً عن حرارة الذكري...

وتدفعها في برودة واقعها الجديد...

الليلة زفاف ياسين...!!


الليلة ستكون له زوجة أخري سواها...!!

زوجة ستأخذ مكانها علي صدره ...

لن يعود من حقها أن تحلم به كل ليلة...

أو أن تنتظر مجيئه في شوق لتحكي له حكايا نهارها الطويل...

أو أن تري جمال ثيابها وأناقتها في عينيه وحده...


أو أن تزرع له أوراق النعناع أمام شباك غرفتها كي تقطف منها كل يوم ورقتين تقبلهما بشفتيها  قبل أن تضعهما له في فنجان الشاي!!!!


لن يعود من حقها أن تري وسامته في وجوه كل الرجال...

أن تسمع صوته وحده في جميع أحاديثهم...

أن تشم عطره مشتبكاً بذرات الهواء حولها في كل مكان...


لن تعود قادرة علي كتابة اسمه في مجلد مذكراتها الذي اشترته فقط لأجله...

علي رسم ملامحه علي ظهر أغلفة الكتب التي تقرأها...

علي احتضان طيفه الحنون الذي يؤنس وحدتها في غيابه...


الليلة زفاف ياسين...!!!!

سيرتدي البدلة الفاخرة التي طالما اشترتها له في خيالها لتظهر شديد وسامته...

سيصفف شعره بتلك الطريقة التي تعشقها عندما يرجعه كله للخلف فيبدو جبينه عريضاً كفضاء واسع يحتضن أحلامها به...

سيضع عطره الذي اختارته له بنفسها...

ويذهب إلي أخري...

أخري لم تحلم به يوماً مثلها وربما لم تره في حياتها أكثر من بضع مرات...


أخري ستتأبط ذراعه القوي ليسير معها في فخر وسط الناس...

تتمايل بفستانها الأبيض الذي طالما حلمت به...

لتجلس جواره علي المنصة كالأميرات...

بينما تقبع هي في الظل كسندريللا دون مساعدة الجنية...

ومن يمكنه مساعدتها ها هنا...

لقد قضي الأمر...

وسيتزوج ياسين!!!


الليلة زفاف ياسين!!!!

تري كيف سيراقص تلك الأخري هذه الليلة ...؟!!!


هل سيضمها لصدره فتفرش عليه أحلام غدها كما كانت هي تحلم...

هل سيقبل جبينها فتزرع شفتاه الحنان أينما حلت كما كانت هي دوماً تظن؟!

هل سيصبغ الهواء بينهما بصبغة حضوره الفريدة التي تعرف أكثر من غيرها كيف هي رائعة؟!

هل سينظر في عينيها فتود لو أن العالم يتوقف هاهنا وتكف الأرض عن دورانها لتستلذ بطعم الأمان في حدقتيه؟!


الليلة زفاف ياسين!!!

سيأتي بامرأة غريبة لا تملك معه أي ذكري فقط أسعدها الحظ فجعلها زوجته...

سيأتي بها هنا لتراها معه كل يوم...

وتتخيله معها كل ليلة...

سينجب منها طفلاً طالما حلمت به واختارت له عشرات الأسماء...

وطفلة طالما جدلت لها شعرها في أحلامها التي لم تخلُ يوماً من أطفالهما معاً...!!!!!!!


شعرت بيد توضع علي كتفها فتجمد جسدها ...

هل هذا هو؟!

لا...لن يستطيع أن يفعل...

لكن...ربما...

ربما جاء يودع هواهما مثلها...

ربما جاء يتزود من هذا المكان العامر بذكرياتهما ما يعينه علي الصوم في صحراء الفراق...

ربما جاء يراها للمرة الأخيرة كحبيبته قبل أن تعود مجرد ابنة عمه التي تسكن معه في نفس البيت...


رفعت رأسها ببطء ليعود قلبها المنتفض خائباً مخذولاً إلي سجنه في ضلوعها...

لا...ليس ياسين!!!

إنها فريدة...أمها....


رفعتها فريدة من جلستها البائسة علي الأرض لتضمها لصدرها هامسة:

_هوني عليكِ يا آسيا...


دفنت وجهها في صدرها وهي تنشج في صمت...

كلمات!!

كلمات!!

كلمات!!

لا أحد يملك ما يواسيها به سوي الكلمات...

ما الذي ستفعله كلماتهم الباردة بهذه النار التي تحرق روحها ببطء قاتل...

مالذي تجديه نظرات الشفقة في عيونهم وهي التي لا تحييها ولا تميتها سوي نظرات العشق في عينيه..

ما الذي يعوضها في هذا الكون الفسيح....لو ضاع منها ياسين؟!!!


همست فريدة بتعقل يخفي قلقها علي ابنتها :

_هيا لنستعد للذهاب إلي الزفاف...انفضي عنك لعب الأطفال هذا ...غداً ستضحكين من نفسك كثيراً عندما تتذكرين هذه الأيام لتقولي كم كنت حمقاء....


حمقاء؟!!!!!

لعب أطفال؟!!!

غداً؟!!!!!!


أي غدٍ هذا الذي أنتظره بعد غروب شمس ياسين عني...؟!!!

أي لعب أطفال هذا الذي تكتوي به ضلوعي؟!!!

أي حمقاء أنا وأنا التي أحببته بعقلي وروحي قبل أن يهيم به قلبي؟!!!!


تجمدت نظراتها بعدما لم تعد دموعها قادرة علي الهطول أكثر...

يريدونها جامدة لا تبالي...؟!!!!

حسناً...ستكون...


أمسكت كف فريدة تسير معها لتلقي نظرة أخيرة خلفها علي الجدار العزيز...

أغلقت باب السطح خلفها وليتها...

ليتها تستطيع إغلاق الماضي كله بهذه البساطة...!!!

نزلت معها الدرج ببطء لتلقي نظرة خاطفة علي باب شقته المقابل لشقتها...

لاريب أنه يستعد الآن للذهاب لزفافه...

تماماً كما ستستعد هي الآن...!!!


دخلت إلي غرفتها وفتحت خزينة ملابسها لتلتقط الثوب الذي قررت ارتداءه اليوم...

ثوب الخاتمة!!!!


وخارج غرفتها كانت فريدة تراقب بابها المغلق في قلق...

آسيا هي ابنتها الوسطي...

لكنها أقربهن لقلبها...

ربما لأنها شديدة الحساسية...

كقطعة كريستال هشة تخشي عليها الكسر دوماً...

هي تعرف عن الحب الكبير الذي،جمعها بياسين منذ صغرهما...

وكم تمنت لو تتزوجه...

لكن...


في عائلة قاسم النجدي...

وحده الحاج قاسم هو الآمر الناهي...

هو الذي يقرر مصائر الجميع دون مناقشة....

وطالما قرر الحاج قاسم أن آسيا لحمزة النجدي ...فستكون له!!!!


الحفيد الغائب العزيز لابد أن تكون له أجمل فتيات العائلة...

ومن أجمل من آسيا في عائلة النجدي كلها لتكون هي عروس الغائب المنتظر؟!!!!

لقد قال الحاج قاسم كلمته منذ سنوات...

منذ شبت الصغيرة آسيا عن الطوق لتصبح زينة للعين والنظر...

آسيا ستكون لحمزة عندما يعود!!!


لكن قلب آسيا كان له رأي آخر...

قلب آسيا الذي تعلق بياسين في كل يوم كانا يكبران فيه معاً...

ليغزل الحب بين قلبيهما رداء ثميناً فريداً لا يليق سوي بزوج العاشقين هذا...

آسيا وياسين...


خرجت جويرية -الأخت الكبري لآسيا-من غرفتها وهي ترمق القلق المسافر في عيني أمها فريدة...

ثم التفتت لغرفة آسيا هامسة في شفقة:

_هل اقتنعت بحضور الزفاف؟!

أومأت فريدة برأسها إيجاباً وهي تهمس في قلق:

_نعم...وهذا ما يقلقني...آسيا مذبوحة ...قلبي يخبرني أن الليلة لن تمر علي خير...

ربتت جويرية علي كتفها ثم قبلت رأسها وهي تهمس:

_لا تقلقي يا أمي...فليحفظنا الله.


همست فريدة بتوتر:

_كنت أود ألا تحضر الزفاف هذا...لكن خشيت أن يتحدث الناس عنها وخشيت قبلها غضبة جدك....أنت تعرفين غضبته كيف تكون.

زفرت جويرية في ضيق وهي تهمس بدورها:

_أعرف يا أمي...أعرف.

لم تكد تتم عبارتها حتي انفتح باب الغرفة لتخرج آسيا ...

اتسعت عيون فريدة وجويرية وهما تنظران إليها في صدمة...

مضت لحظات من الصمت كانت جويرية أول من قطعته وهي تحاول انتقاء الكلمات بتعقل:

_من أين أتيت بهذا الثوب يا آسيا...لا أذكر أنك تملكين ثوباً......كهذا!!!!

هدرت فريدة بغضب وقد أفاقت من صدمتها:

_هل هذا هو كل ما يشغلك يا جويرية؟!!!.من أين أتت بالثوب!!!!! آسيا لن تحضر الزفاف بهذا الثوب أبداً....


خرجت ساري الشقيقة الصغري من غرفتها علي صياح فريدة ليصعقها مظهر آسيا...

آسيا المتحفظة الخلوق كانت ترتدي ثوباً أحمر لامع لا يكاد يصل لركبتيها...

يكشف عن صدرها وذراعيها لكنها تغطي ذلك بوشاح من قماش خفيف زادها تألقاً وفتنة...

وقد أسدلت شعرها الطويل علي كتفيها...

وبالغت في تزيين وجهها بمستحضرات الجميل...

باختصار...

كانت دعوة صريحة للفتنة مع جمالها المميز وجسدها المثير...


هتفت آسيا ببرود وهي تنظر إليهن بجمود:

_أنتم تريدونني أن أحضر الزفاف...ولن أحضر إلا هكذا...

ثم قالت بسخرية مريرة مخاطبة فريدة:

_لو تستطيعين تحمل غضبة جدي لو تخلفت أنا عن الحضور فامنعيني من الخروج هكذا!

صاحت فريدة بغضب:

_هل جننتِ؟! هل هذه تربيتي لك؟! هذا ثوب عاهرة وليس ثوب فتاة محترمة ذاقت أمها الويل كي تعلمها الفضيلة في زمن كهذا!

هتفت آسيا في سخرية:

_فضيلة؟! وبماذا أفادتني الفضيلة؟! قاسم النجدي قرر مصيري كأي جارية يملكها وليس لأحد حق الرفض...أنا الآن أرتدي ما يناسب وضعي الذي لا تريدين الاعتراف به...أنا جارية يا فريدة...أنت ربيتِ ثلاث جوارٍ ليتحكم في مصيرهن النجدي...كما تحكم في مصيرك بالضبط.


رفعت فريدة كفها لتهوي علي خدها بصفعة قاسية...


فهتفت جويرية :

_لا يا أمي....دعيها....

ثم التفتت لآسيا التي احمر وجهها هاتفة:

_عودي لغرفتك يا آسيا...وبدلي هذا الثوب.

صرخت آسيا بعناد:

_لن أبدله...وإلا لن أحضر الزفاف...ولنرَ من سيمنعني.

ثم التفتت لفريدة وقد تهدج صوتها لتغلبها دموعها من جديد وهي تهمس:

_لو كان أبي علي قيد الحياة...لدافع عني...ولما سمح لأحد بتقرير مصيري.


انخرطت بعدها آسيا في بكاء كالعويل....

فضمتها فريدة لصدرها بقوة وهي تهمس في ألم:

_والدك نفسه كان خاضعاً لسلطة أبيه...رحمه الله...صدقيني حتي لو كان معنا لما اختلف الأمر كثيراً...قاسم النجدي لا ترد له كلمة...من أي من كان!!!


دفنت آسيا وجهها في صدر أمها وهي تبكي بقهر...

قهر من حدد له الآخرون مصيره وهو عاجز حتي عن الاعتراض...


لَيتهم قبل أن يختاروا لها زوجها علموها...!!!

علموها كيف تقهر قلبها الذي يترنح ذبيحاً بين ضلوعها لتكتوي بألمه روحها قبل جسدها...

ليتهم علموها...

كيف تقف في وجه حب غزا أيام طفولتها ومراهقتها ببطء حتي تمكن من كل ذرة في كيانها...

ليتهم علموها...

كيف تقاوم شوقاً يعتصرها لحبيب عمرها الأول والوحيد...

وغيرة تخنقها من امرأة ستملكه دونها...

ليتهم علموها قبل أن يحاسبوها هكذا...

ليتهم!!!


تقدمت ساري منهما وهي تقول بحزم:

_دعيها تفعل ما تشاء يا أمي...آسيا لم تعد صغيرة...دعيها تتحمل نتيجة أفعالها.

رفعت آسيا رأسها في كبرياء وهي تهتف:

_نعم...من اليوم...سأتحمل نتيجة أفعالي!!!

======

وقف الحاج قاسم في غرفته ينظر لصور أولاده المعلقة علي الحائط...

حبيب ...ابنه الأكبر الذي توفي في ريعان شبابه بعد إصابته بمرض خبيث ليترك ولده حمزة أمانة في رقبة قاسم...

كمال...ابنه الأوسط الذي قتل غدراً تاركاً خلفه أبناءه ياسين وعمار وحذيفة...

سعد ...ابنه الأصغر الذي تلقفته يد الثأر العتيقة كأخيه لتأخذه من زوجته وبناته الثلاث...جويرية وآسيا وساري...


ولما كانت عجلة الثأر لازالت دائرة تحصد الرؤوس بلا كلل...

فقد كان الدور القادم لحمزة ...

الحفيد الأكبر لعائلة النجدي...

لهذا أبعده جده ليسافر للندن زاعماً أنه بغرض الدراسة...

لكن هدفه الحقيقي كان إخفاءه عن عيون مطارديه...


صحيح أن قلبه اطمأن أخيراً بعد وفاة كامل القاصم...

كبير عائلة القاصم الذي كان يترصدهم بالعداوة والثأر...

لكن ولده لازال علي قيد الحياة...

جسار القاصم...

لكن...وللغرابة...لا أحد يعرف عنه شيئاً...

لقد ترك بلدتهم بعد وفاة أبيه...

وكأنما انشقت الأرض وابتلعته...

سيظل جسار هذا هو الشوكة الوحيدة في حلقه...

والتي تمنعه من إعادة حمزة الحبيب إلي حضنه...


طالما كان حمزة أحب أحفاده إليه...

ربما لأنه أول حفيد...

وربما لأنه أكثرهم شبهاً به...

وربما لأنه الوحيد الذي ابتعد عن حضن رعايته ليعيش منفياً في غربته....


لكنه سيعوضه...

عندما يعود سيعوضه عن كل ما افتقده...

لقد اختار له آسيا...

وجه القمر ...

أجمل فتيات عائلة النجدي...

اختارها زوجة له منذ زمن بعيد...

وعندما يعود سالماً ستكون له...


قطع أفكاره صوت طرقات علي باب غرفته ...

سمح للطارق بالدخول...

فدخل ياسين...


ابتسم قاسم في سعادة وهو،يفتح ذراعيه هاتفاً بصوته المهيب:

__مرحباً بعريس آل النجدي...

قبل ياسين يده باحترام وهو،يقول:

_أبقاك الله لنا يا جدي.

ربت قاسم علي رأسه وهو،يقول بفخر:

_لقد اخترت لك رقية الهاشمي...هل تعرف قدر العائلة التي اخترت لك نسبها؟!


أطرق ياسين برأسه وهو،يبتلع غصته مرغماً...

كاد يخبره أنه لا يكترث برقية تلك ...

ولا بنسبها...

ولا بعائلتها كلها...

هو يريد آسيا...

آسيا التي ملكت قلبه وروحه منذ سنوات...

ولا يظن أن غيرها قد تفعل!!!

لكنه لم يستطع...

ومن في العائلة كلها يمكنه رد كلمة قاسم النجدي؟!!!!


هتف قاسم بصوته المهيب:

_هيا يا ولدي...كي لا نتأخر علي عروسك...


تأبط ياسين ذراعه وهو يغادر معه غرفته...

ثم فتح باب الشقة ليغادر ليتعلق بصره بباب الشقة المقابلة فينقبض قلبه في لوعة...

تري كيف حالك الآن يا آسيا...

سامحيني ...

ليس بيدي ولا بيدك!!!


هبط درجات السلم مع جده بحرص...

وهو يشعر بروحه تنسحب منه مع كل درجة يهبطها...

كل درجة تقربه من رقية...

وتبعده عن آسيا أكثر وأكثر...

=========تأملت رقية زينتها في المرآة بخجل...

فيما تعالت أصوات الزغاريد حولها فضحكت في سعادة...

لم تخلُ من القلق...

ياسين زوجها المستقبلي والذي لا تعلم عنه شيئاً سوي أنه حفيد عائلة النجدي العريقة...

وسيم؟!

نعم...لكن منذ متي كانت وسامة الرجال تعني شيئاً لديها...

هي رقية الهاشمي...

ربيبة عائلة الهاشمي التي خطبتها أرقي العائلات لبنيها...

لكنها كانت ترفضهم دون أسباب واضحة...

وحده ياسين هو الذي دق له قلبها دقة غريبة مميزة...

ربما هو شئ يخص غموضه الآسر...

وهي التي طالما استهوتها الألغاز والأحجية...

وربما هو شئ بخصوص فيوض الحنان في عينيه...

حنان لا تخطئه عين امرأة...

وربما هو حزنه المسافر علي صفحة جبينه...

والذي تراه جلياً في صمته الطويل...

فيستفز أمومتها لتراه بعين خيالها طفلها الذي تود احتضانه حتي تعود الضحكة لعينيه...

وربما هو هذا كله!!!!!


لا تدري...

كل ما تعرفه أنها تعلقت به...

وهي رقية التي لم يطرق بابها قبله مخلوق...

ولن تهنأ حتي تمتلك قلبه كله...

لتكون وحدها ملكة أيامه المقبلة...

_لقد وصل العريس!!!!!

قطع الهتاف الصارخ أفكارها لتتعالي أصوات الزغاريد حولها من جديد....

فتعود ضحكتها الخجول تزين وجهها....

الليلة زفاف رقية وياسين!!

==========================================================================

جلس ياسين جوار رقية علي المنصة في قاعة الأفراح تلك في أرقي فنادق مدينتهم الصغيرة...

زفاف أسطوري يليق بحفيد آل النجدي وربيبة آل الهاشمي!!!

امتلأت القاعة بالحضور الذين تراوحت نظراتهم بين الإعجاب والحسد...

هذا زواج مصالح بلا شك...

آل النجدي رغم أصلهم الذي ينتمي للصعيد لكنهم يعتبرون صيداً ثميناً لآل الهاشمي بثرائهم الفاحش ...

وآل الهاشمي برغم ذلك يعتبرون مصدر سلطة ونفوذ فأفراد عائلة الهاشمي يتملكون مناصب عليا في الدولة...

باختصار...

إنه مثال تقليدي لتزاوج السلطة مع رأس المال!!!

لذا لا عجب في كون الزفاف كان أسطورياً!!!!


الحضور جميعاً كانوا من علية القوم...

تبدو علي ملامحهم الأروستقراطية ملامح الفخامة والعظمة...

تميز الرجال بأناقتهم المفرطة وتألقت النسوة بزينتهن المبهرة...

ومع ذلك...عندما دخلت آسيا إلي القاعة بجمالها المميز وثوبها المثير التفت نحوها الأعناق في إعجاب...


جلست فريدة علي إحدي الموائد مع جويرية وساري...

فيما بقيت آسيا واقفة مكانها تنظر للعروسين بتمعن...

ما جلد الذات الذي تمارسه هذا؟!

لماذا تنظر إليهما بهذه الطريقة وكأنها تحفر صورتهما في ذاكرتها للأبد...؟!

تعلقت عينا ياسين بعينيها لكنها لم ترمش حتي...

كانت نظراتها متجمدة وكأنها تري ولا تنظر...

نادتها فريدة بخفوت لكنها لم تكن تسمع شيئاً...

كانت غارقة في صدمتها بصورته جوار عروسه...


عادت فريدة تناديها بحزم أكبر فالتفتت نحوها بشرود وهي تهمس:

_انتهي كل شئ!!!

تأملتها فريدة بقلق خاصة عندما ضحكت آسيا بصورة هستيرية وهي تهمس:

_اطمئني آسيا الحمقاء ستكف عن لعب الأطفال ...

عقدت فريدة حاجبيها في توتر...

بينما همست جويرية في توسل:

_اجلسي يا آسيا...الأنظار بدأت تتوجه نحونا...

استمرت آسيا في ضحكها الهستيري وهي تقول:

_الجواري خلقن ليلفتن الأنظار ...هكذا!

قالتها وهي تندفع نحو المسرح الذي صدحت عليه أنغام الموسيقا العالية...

تحت نظر فريدة التي كانت ترتجف رعباً...

بينما كانت هي تقترب بثبات وعيناها معلقتان بياسين...

ياسين الذي اتسعت عيناه ارتياعاً وهو يتبين لتوه ما ترتديه...

هو يعرف أنها تتهاون أحياناً في ارتداء حجابها في مناسبات كهذه وطالما عنفها علي ذلك...

لكن هذه الملابس!!!!!

إنها المرة الأولي التي يراها فيها بهذه الصورة!!!!


تحولت دهشته لغضب هادر وهو يلاحظ تعلق أنظار الرجال بها في إعجاب...

خاصة عندما تناولت الميكروفون لتقول :

_أنا آسيا...ابنة عم العريس...وهذه الرقصة هديتي له هذه الليلة...

قالتها ثم وضعت الميكروفون جانباً...

لتخلع وشاحها عن كتفيها لتحيط به خصرها...

وسط نظرات فريدة التي كادت تفقد وعيها في هذه اللحظة...

بدأت آسيا في التمايل مع أنغام الموسيقا وصياح المدعوين الذين تحمسوا كثيراً كما يبدو...


راقبت رقية الوضع بدهشة...

لقد رأت آسيا بضع مرات قبل اليوم...

ولم تكن بهذا القدر من التحرر...

بل علي العكس...

كانت شديدة التحفظ والتحشم...

إنها الليلة تبدو غريبة وكأنها...


انقطعت أفكارها عندما هب ياسين من جوارها فجأة...

ليندفع نحو تلك الراقصة هناك...

فراقبته بقلق وهي تشعر أن شيئاً ما سيحدث ليس علي ما يرام...


لم يشعر ياسين بنفسه إلا وهو يندفع نحوها دون تحفظ...

خاصة وقد اندفع بعض الشباب يحيطونها ليشاركونها الرقص...

فارت الدماء في عروقه...

ولم يشعر بيده التي سحبتها من ذراعها ليهوي كفه علي وجهها بصفعة مدوية!!!!!!!


توقفت الموسيقا في القاعة فجأة...

وساد الصمت المذهول للحظات ...


رفعت فيها آسيا نحوه عينين دامعتين تحملان كل عتب الدنيا وعشقها...

ذبحته نظرتها ذبحاً...

قرأ فيها سطوراً من رجاء وتوسل...

ممزوجة بغرامها الذي يتنفسه منذ صغرهما كما الهواء....

لم يرَ ساعتها زفافاً ولا مدعوين....

لم يرَ سوي حبيبته التي تتوسله أن يطمئنها...

أن يمحو الخوف الذي احتل عينيها....

ليفاجأ هو -قبلها -بذراعيه تضمانها لصدره بقوة...

بقوة عشقه هو الآخر...

وقوة عجزه وحرمانه...

أجهشت هي بعدها بالبكاء...

وهي تدفن وجهها في صدره لأول مرة في حياتها...

وربما ...الأخيرة!!!!


ساد الهرج والمرج بعدها في القاعة ...

الأمر أوضح من أن يكون له تفسير آخر...

هذا هو العريس ...وهذه كما تبدو حبيبته...!!!!


لقد فسد الزفاف...

فسد بفضيحة لن ينساها الناس طويلاً...

طويلاً جداً كما يبدو...

==========================================================================


أطلت مارية برأسها من خلف شباكه تراقب ما يفعله...

جارها الغريب هذا لا يكف عن طقوسه الأغرب منه...


اتسعت عيناها في ارتياع وهي تراقب ما يفعله الآن...

كان يمسك بيده تمثالاً غريباً يقضم منه قضمة ثم يتناولها في تلذذ...

تقلصت ملامح وجهها في اشمئزاز وهي تتوجس خيفة من أن يراها وهي تراقبه هكذا....

لكنها قررت ذلك بعدما لاحظت عليه العديد من الأمور المريبة...

لقد انتقل حديثاً للسكني في المنزل الذي يجاورهم...

في البداية لم يلفت نظرها فمظهره ليس مميزاً سوي أنه لا يبدو انجليزياً فملامحه سمراء كأبيها المصري...

لكن بمرور الوقت بدأت تلاحظ عليه بعض الأشياء الغير مألوفة....!!


أولاً لفت نظرها تصاعد أبخرة برائحة مميزة من نافذة بيته المجاور لبيتها...

لكنها لاحظت بمراقبته أن رائحة هذه الأبخرة تأتيها في يوم واحد من الأسبوع...

وبعدها لمحت جمجمة بشرية ملقاة تحت مائدة الجلوس خاصته والتي تبدو ظاهرة من نافذة منزله...

لن تنسي الرعب الذي عاشته ليلتها وهي تتخيله مجرماً مخبولاً من هؤلاء الذين يظهرون علي شاشة السينما...

ومنذ ذلك الحين وهي تترقبه ...

وقد صدق حدسها...

المخبول يأكل التماثيل...

هل هي عقيدة سحر أسود جديدة...؟!!!!


قطعت أفكارها وفغرت فاها في ذهول وهي تراه يؤدي هذه الحركات التي تعرفها....

إنه يصلي...

صلاة كصلاة والدها ...

هو إذن مسلم مثله...

ومثلها...


لكنها لم تجرب أن تصلي يوماً...

ووالدها لم يحضها لتفعل...

بل علي العكس ...

هي تخجل من ذكر ديانتها هنا لأن الانطباع العام عن المسلمين ليس بجيد...

ويبدو أن رجلاً كهذا سيصدق علي هذا الانطباع!!!

ظلت تراقبه وهو يصلي مبهورة ...

حتي انتهي من صلاته ...

ليلتفت نحوها فجأة...


شهقت بعنف ثم اندفعت تعدو في الحديقةالخارجية لمنزله نحو حديقة بيتها المجاور.....

لكنه فتح باب منزله ليعدو وراءها هاتفاً بالانجليزية:

_مارية انتظري.


تسمرت مكانها مصدومة...

المجرم المخبول يعرفها...

هل يعرف أنها جارته..

هل كان يراقبها..

هل ستكون هي ضحيته القادمة....


ظلت مرعوبة في مكانها حتي تقدم نحوها لينظر في عينيها هاتفاً:

_لماذا تجرين هكذا؟! ولماذا كنت تراقبينني من النافذة؟!

كان صدرها يعلو ويهبط في انفعال ...

تكاد تموت رعباً...

لقد اكتشف أنها كانت تراقبه...

فماذا عساه سيفعل؟!


تأمل ذهولها المرعوب للحظات قبل أن يظهر والدها دكتور آدم هاتفاً بالانجليزية:

_مارية...لقد عاد والدك يا صغيرة.

ثم التفت إلي الرجل هاتفاً بالعربية:

_مرحباً دكتور حمزة ....هل تعرفت علي مارية؟!

نقلت مارية بصرها بينهما في ذهول...

إذن والدها يعرف هذا المخبول...

لقد دعاه دكتور حمزة..

اذن فهو طبيب مثل والدها ...

ومثلها...!!!!


قطع والدها تساؤلاتها وعاد يحدثها بالانجليزية قائلا:

_مارية حبيبتي...دكتور حمزة النجدي...طبيب مصري مثلنا انضم حديثاً للعمل في مستشفانا وانا الذي توسطت له للسكن هنا جوارنا فقد توسمت فيه خيراً...هل تعرفت عليه؟!

مدت مارية إليه كفاً مرتجفة وهي تقول بالانجليزية:

_تشرفت بمقابلتك دكتور حمزة.

ابتسم حمزة عندما نطقت اسمه بتلك الطريقة التي اعتادها هنا حيث تنطق الحاء هاءً...

لكنه تعجبها عندما خرجت منها فوالدها مصري والمفترض أن تكون علي دراية ولو بقدر بسيط من اللغة العربية....

مد كفه إليها وهو يضغط علي حروفه هاتفاً:

_حمزة ...يا مارية....حمزة!

فتحت فمها بصعوبة تحاول نطقها كما قالها لكنها عجزت فهمست في خفوت :

_معذرة...لا أجيد مخارج الحروف العربية...

ابتسم دكتور آدم وهو يقول بما يشبه الاعتذار:

_مارية ولدت وتربت هنا ...هي لا تجيد العربية تماماً لكنها تعرف بعضاً منها...

أومأ حمزة برأسه في تفهم وهو يتفحص ملامحها الجميلة المرتبكة...

تري ...لماذا كانت تراقبه؟!!!

تركهما دكتور آدم وحدهما فواجهها حمزة بسؤاله المباشر:

_لماذا كنت تراقبينني من خلف النافذة؟!

ازدردت ريقها في ارتباك وتراجعت عنه خطوة فابتسم في حنان وهو يقول:

_قولي ولا تخشي شيئاً.

ظلت علي صمتها المرتبك فهتف ليستفزها:

_أم أن التلصص علي الجيران من هواياتك....يا دكتورة!

نجح استفزازه لها تماما فهتفت في غضب:

_غريبو الأطوار فقط ...ألا تدرك أنت مدي غرابة أفعالك...؟!!!

عقد حاجبيه بشدة وهو يقول:

_أي أفعال غريبة تلك التي تعنين؟!

لوحت بكفها هاتفة:

_الأبخرة التي تتصاعد من منزلك برائحتها الخانقة والجماجم التي تخفيها تحت المنضدة وأخيراً هذا التمثال الذي رأيتك تأكله...

تأملها لحظات في صدمة...

ثم انفجر ضاحكا في صخب...

فصاحت بعصبية:

_ما الذي يضحكك هكذا؟!

ظل يضحك للحظات ثم قال بهدوء لا يخلو من المرح:

_الأمر كله مجرد عادات لدينا...لو كنت مصرية حقا لفهمت ما أعنيه.


هتفت بشك:

_عادات مصرية؟!

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول في شرود:

_عندما يحرمك أحدهم من وطنك قسراً فإنك تتلمسين ذكرياتك معه في أبسط الأشياء...هذه الأبخرة التي أدهشتك ليست سوي أعواد من أخشاب عطرة نسميها عندنا أعواد البخور...كانت والدتي رحمها الله تداوم عليها يوم الجمعة...والتمثال الذي رأيتني أقضمه هو "حصان المولد"!

رفعت حاجبيها في عدم فهم فقد قالها بالعربية ...


فأردف بهدوء:

_عفواً...لا أعرف ترجمتها بالانجليزية...هو تمثال من الحلوي نعده في مناسبات معينة ...يحبه الأطفال عندنا كثيراً ...وكنا ننتظره بفارغ الصبر في تلك المناسبات...تمثال حصان للصبي وعروس للفتاة...أحد أصدقائي كان عائداً لتوه من مصر...كنت قد أوصيته بأن يحضر لي هذه الأشياء معه...


هزت رأسها وهي تقول في تفهم:

_والجماجم لها علاقة بدراسة التشريح .

أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول:

_بعض الطلبة الجدد من أصدقائي يأتونني لمعاونتهم وقد كانت الجمجمة التي رأيتها أنت خاصة بأحدهم...


ابتسمت في خجل وهي تقول:

_معذرة دكتور حمزة...الأمر كله التبس علي...الأبخرة والجماجم والتمثال الذي كنت تأكله...

قاطعها وهو يضحك في صخب فاحمر وجهها...

وهي تتأمل ضحكته الرائعة...

لقد بدا لها في هذه اللحظة...

ودون هواجس خوفها الماضية...

شديد الوسامة...

والجاذبية...


قطع أفكارها وقد عاد لشروده ليقول:

_لقد افتقدت وطني بكل ما فيه...وكلما واتتني الفرصة لتلمس رائحته في أي شئ لا أضيعها...


همست في خجل:

_هل يمكنني تذوق تمثال الحلوي هذا الذي كنت تأكل منه؟!

ابتسم في حنان وهو يسير معها حتي دخل إلي منزله...

خرج إليها حاملاً "حصان المولد" وهو يقول بمرح:

_لو تذوقت منه قطعة فلن تستطيعي مقاومة أكله كاملاً..

قلبته بين يديها في تفحص...

ثم قربته من فمها ببطء...

لتتناول منه قضمة...

ثم همست باستمتاع:

_لذيذ حقاً.

اختطفه من يدها وهو يهتف في مرح:

_إنه لي.

ضحكت في صخب وهي تهتف :

_لو صادفت عودة أحدهم من مصر ثانية فاجعله يحضر لي واحداً مثله.

هز رأسه نفياً وهو يقول بصورة قاطعة:

_لا!

بدت الصدمة علي وجهها للحظات لم تلبث أن تحولت لابتسامة خجول عندما همس بحنان:

_بل سأحضر "عروس المولد " لعروس لندن الحسناء!

=======================================================================

هوت كف قاسم علي خدها في صالة منزلها فاندفع ياسين يقف بينها وبينه مخفياً إياها خلف ظهره هاتفاً:


_عاقبني أنا يا جدي...أنا المسئول.

اختبأت خلف ياسين وهي تشعر برعب حقيقي...

لم ترَ جدها يوما بغضبته هذه...

إنها المرة الأولي التي يرفع فيها كفه عليها...


هتف قاسم بغضب:

_هذه السافلة فضحتنا...لن يكون لصحف الغد سيرة غير تلك الحادثة...

ثم صرخ في وجه ياسين:

_وأنت...أنت كيف تحتضنها هكذا ...هل أصيبت العائلة كلها بالجنون.....؟!!!!


أطرق ياسين برأسه وهو لا يدري بم يجيب...

لو أقسم له بأغلظ الأيمان أنه لم يكن واعياً عندما فعلها فلن يصدقه....

هو نفسه لا يصدق أنه فعلها....

هو لم يمسها يوماً رغم كل الحب الذي جمع بينهما...

لقد حافظ عليها حتي من نفسه طوال هذه السنوات...

لا يدري كيف انفلت منه الزمام هذه الليلة ...

ليصير الأمر بهذا السوء...

وأمام هذا الجمع!!!


قطع أفكاره صياح جده الهادر:

_فريدة!

خرجت فريدة من الغرفة التي كانت حبيسة فيها مع فتاتيها بعدما أمرها قاسم بذلك ...

لتتوجه نحوه هامسة بخوف:

_نعم...يا عمي!


أشار قاسم لآسيا وهو يهتف :

_لا أريد رؤية هذه الفتاة في بيتي بعد ذلك...أرسليها لإخوتك في المدينة المجاورة...دعيها تبقي هناك لفترة حتي ينسي الناس هذه الفضيحة....

هتف ياسين بجزع وقد أزعجته فكرة إبعادها:

_لو سمحت لي يا جدي...إذا كنت تخشي الفضيحة دعني أتزوجها.

صرخ فيه قاسم بغضب:

_اخرس...آسيا زوجة حمزة...لن تكون لغيره...سأحافظ علي أمانته حتي يعود...ثم إنك متزوج بالفعل...متزوج من ربيبة آل الهاشمي ...هل تعني معني هذا؟!!!!

ثم التفت لفريدة صائحاً:

_ابقي مع جويرية وساري هنا...وابعثي بها لأخيك هناك...شهر...شهران...عشرة...حتي ينسي الناس هذه القصة...

ثم أشار لياسين هاتفاً:

_وأنت!! عد لزوجتك واسترضيها...لا نريد كسب عداء آل الهاشمي يا أحمق...


نظر ياسين لآسيا نظرة أخيرة...

نظرة وداع بنكهة الاعتذار...

ثم تركها مطأطأ الرأس ليعود لعروسه التي لا يدري كيف سينظر في عينيها بعدما حدث....


بينما وقفت آسيا في تبلد تنتظر مصيرها الذي سيقرره قاسم....

الذي هتف في حدة:

_جهزي حقيبتك للسفر غداً...لا تعودي قبل أن أرسل في طلبك...

ظلت صامتة مطرقة برأسها فهتف بغضب:

_اغربي عن وجهي...هيا.

عادت لغرفتها بخطوات ثقيلة تتبعها فريدة بقلب مثقل...

لقد صدر الحكم النهائي بالنفي لتلك المذنبة...

ولم يبق إلا التنفيذ.

==========================================================================

جلست رقية علي طرف سريرها في غرفتهما ودموعها تسيل علي خديها بحرقة...

لقد فسدت ليلة زفافها التي تتمناها أي عروس...

وبأسوأ نهاية ممكنة...

من هي تلك المرأة التي تحتمل أن يحتضن زوجها امرأة أخري ليلة زفافهما في ذاك المشهد العاطفي وعلي مرأي ومسمع من كل هذا الحشد...

ستكون هذه الحادثة مثاراً للأقاويل لفترة لا بأس بها...

رقية الهاشمي ستكون مضغة في أفواه الجميع بعد تلك الليلة...

ومع ذلك أمرها والداها بتجاهل الأمر وإتمام الزفاف لآخره حتي لا يتسع الأمر...

وكأنه ينقصه الاتساع!!!!


لكنها لن تنهزم...

ياسين لم يعد مجرد رجل...

ياسين الآن زوجها...

قضية أيامها القادمة...

ورقية الهاشمي لم تخسر يوماً شيئاً تمنت تملكه...

سيكون لها قلب ياسين ...

وليس مجرد اسمه علي قسيمة زواج...

هذا هو قسمها لنفسها...


بحق حرقة قلبي هذه الليلة...ستكون لي كاملاً يا ياسين...

همست بها في إصرار...


ثم هبت من فراشها بعنف وهي تخلع طرحتها وثوبها لترتدي ثياباً عادية ...

غسلت وجهها لتمحو عنه أثر الدموع وانتظرته في صالة شقتهما التي خصصت لهما في منزل جده...


لم يطل انتظارها كثيراً...

فقد عاد بعد دقائق ليفاجأ بها تنتظره هكذا...

تطلع إليها في حيرة وهو لا يعرف ما الذي يدور برأسها الآن...

ولا يريد أن يعرف...

هو بالكاد يقف علي قدميه بعد مواجهته مع جده...

وبعد إرهاق يومه الطويل...

والأدهي والأمر...بعد صدمته بإقصاء آسيا بعيداً...


آسيا التي لم تفارق عينيه منذ ولدت...

لازال يذكرها طفلة حملها علي يديه وهو بعد في الخامسة من عمره...

لتكبر أمام ناظريه لحظة بلحظة...

لا يصدق أنه سيأتي يوم لا يصطبح فيه بنور وجهها ...

لا...هذا يفوق احتماله...

لقد رضي بهذه الزيجة لأنه كان عاجزاً عن مواجهة جده...

كان يصبر نفسه بقربها جواره...

لكن أن تبتعد هكذا...ودون أن يعلم إلي متي...

فهذا يثير جنونه!!!!!


راقبت رقية صمته بتحفظ ثم قالت بهدوء يخفي اشتعال باطنها:

_أعرف أنك متعب والوقت ليس مناسباً لحديث...لكن لي سؤالاً واحداً...أجبه ودعني لشأني.

أطرق برأسه وهو يهمس:

_أنا آسف...آسف حقاً يا رقية.

تجاهلت عبارته بكبرياء وهي تسأله بنفس الهدوء:

_هل تريد المضيّ معي في حياتنا بصدق...أم تريد أن ننهي هذا الأمر؟!


عقد حاجبيه وهو يسألها باستنكار:

_ننهيه؟!

أومأت برأسها إيجاباً وهي تقول :

_يمكننا التمادي في هذه المسرحية أمام الناس لفترة من الوقت حتي تهدأ هذه الفضيحة وتستقر الأمور وبعدها يمكننا الانفصال بتحضر يليق بعائلتينا....

هز رأسه قائلاً:

_رقية...أنا...

قرأت حيرته في عينيه فقالت بحزم:

_يبدو أنك لا تملك جواباً الآن...اذهب للنوم ...وامنحني قرارك غداً...


نظر إليها بعينين حائرتين...

يكاد يقسم أنه يري في عينيها دموع حسرة وألم...

لكن صوتها يأتيه قوياً واثقاً مكذباً ظنونه...

بدت له في هذه اللحظة كامرأة غريبة...

بل هي فعلاً امرأة غريبة...

ما الذي يعرفه هو عن رقية الهاشمي؟!

هو لا يعرف عنها شيئاً...

لم يحاول التقرب إليها ولا استكشافها...

وكيف يفعل؟!

وهي بالنسبة إليه مجرد دواء مر أجبره جده علي تناوله...

لكنه الآن يشعر بالشفقة نحوها...

ما حدث الليلة يصعب جداً علي أي امرأة مهما بلغت قوتها أن تحتمله...

ورغم ما تبديه هي من تماسك...

لكنه يستشعر جرح عينيها صارخاً متوسلاً...


تنهد في حرارة وهو يعطيها ظهره هارباً من هذا الموقف كله....

ليتجه نحو غرفتهما...

بينما بقيت هي واقفة مكانها في ثبات...


التفت نحوها هامساً:

_لماذا تقفين هكذا؟! ألن تأتي معي؟!

توجهت نحو غرفة النوم الأخري الصغيرة لتقول بهدوئها الذي يدهشه ويغيظه في نفس الوقت:

_لا...سأنام هنا.

دخلت الغرفة وأغلقت بابها خلفها...

فزفر في قوة...

ليدخل غرفته ويغلق بابه هو الآخر...

هذا اليوم كان طويلاً حقاً...

طويلاً ومؤلماً للجميع...

==========================================================================

جلس بدر علي كرسيه بالمشفي خارج الغرفة التي تتلقي فيها سمية جلسة علاجها الكيميائي...

أسند رأسه علي ظهر كرسيه وهو يشعر بالألم...

ربما ألمه المعنوي الآن أشد وأقسي بكثير من آلامها الجسدية...

كيف لا؟!

وحبيبته التي ترك الدنيا كلها لأجلها يوشك الموت علي اختطافها ببراثنه بعيداً عنه وعن طفلهما...


سمية...

ملاكه الرقيق...

الذي حمله بعيداً عن قسوة عالمه...

لتنشئ له عالما خاصاً بهما وحدهما...

سنوات مرت عليهما غارقين في بحور من عشق لا شطآن لها....

ليس له سواها...

وليس لها سواه...


حتي اكتشف إصابتها بهذا المرض منذ عام واحد...

عام واحد تحولت فيه سمية الجميلة لحطام امرأة...

ذاقا فيه معاً آلام المرض والمعاناة...


تنهد في حرارة وهو يشعر بصدره يضيق...

استغفر الله سراً وهو يدعوه أن يرحمهما معاً...


خرجت سمية من الغرفة بعد فترة منهارة كعادتها...

كل ذرة في جسدها تئن بالألم...

ومع هذا...

عندما رأت ملامحه المنهكة وهو يجلس منهاراً علي كرسيه تظاهرت بالتماسك وهي تقترب منه...

انتفض عندما لمحها ليندفع نحوها هاتفاً:

_كيف حالك يا سمية.؟!

تبسمت بشحوب وهي تهمس بصعوبة:

_الحمد لله...هيا كي لا نتأخر علي الصغير.

تأبطت ذراعه فسار بها حتي غادرا المشفي...

ظلت صامتة طوال الطريق إلي مزرعتهما الصغيرة التي اختارها بدر لتكون وطناً صغيراً لهما ...


التفتت نحوه تهمس في حنانها المعهود:

_كيف حالك يا حبيبي؟!

التفت نحوها يمنحها ابتسامته التي تعشقها هامساً:

_بخير...مادمتِ معي.

ابتلعت غصتها وامتلأت عيناها بالدموع...

هي تعرف أنها لن تبقي معه طويلاً...

ولا مع صغيرهما...


هي لا تخاف الموت فقد تقبلت قدرها شاكرة منذ زمن...

لقد منحتها الحياة جنة حقيقية في عمرها القصير هذا ...

جنة ربما لم تحصل عليها كثيرات عشن أضعاف عمرها ...

جنة صاغها بدر بحبه الكبير الذي احتوي قلبها لسنوات ...


هي لا تخاف الموت لكنها تخاف غربة بدر وطفلهما بعدها...

بدر ليس له سواها...

هي كل عائلته وأصدقائه...

باستثناء عمه كساب الذي يقيم معهما في المزرعة...

هو الوحيد الذي سيبقي مع بدر بعدما ترحل...

ليتها تطمئن عليه وعلي صغيرها قبل رحيلها...

فقط لو يستمع لرجائها ويقبل بالزواج من أخري..

أخري تختارها هي لتكون رفيقة له بعدها وأما لطفلها...


غيرة؟!!!!

لا لا لا...

لا مجال لمشاعر الغيرة هاهنا...

لم يعد العمر يسمح بهذا الترف...

هي لا تفكر الآن وقد اقتربت النهاية كثيراً إلا بسعادة بدر وطفلهما...


نعم...ستبحث له عن عروس بنفسها حتي تطمئن عليهما قبل رحيلها...

والذي تشعر أنه اقترب...

اقترب كثيراً...


إعادة نشر #جارية_في_ثياب_ملكية

الفصل الثاني

****


الفصل الثاني:


_لماذا يا آسيا؟! لماذا فعلت ذلك؟!

هتفت بها فريدة وسط دموعها فصرخت آسيا بألم :

_أنا لم أفعل شيئاً...أنتم الذين تفعلون...وأنا لا شئ...مجرد لعبة في أيديكم....مجرد جارية!!

كادت فريدة ترد لولا أن تدخلت جويرية لتقول بتعقلها المميز:

_دعيني معها وحدنا يا أمي...


غادرتهما فريدة في تحسر...

وهي تشعر بقلبها يتمزق...

كيف لا..

وقطعة من قلبها توشك أن تفارقها ولا تدري متي سيمكنها رؤيتها ثانية...؟!!!!

فريدة تعرف قاسم النجدي جيداً...

لن يسمح بعودة آسيا إلا بعد وقت طويل...

طويل جدا....


بينما كانت جويرية تقول لآسيا برفق:

_اهدىي يا آسيا...وترفقي بنفسك...اليوم كله كان صعباً عليك.


ارتمت آسيا في حضن شقيقتها وهي تنشج في صمت...

لا تصدق أن عالمها الذي عرفه عمرها القصير ...

قد انهار هكذا بغمضة عين...

سيبعدونها عن هنا...

عن والدتها وأختيها ...

وياسين!!!!!


ياسين...

هل تراه نسيها الآن متنعما بدفء أحضان زوجته؟!!!

هل رضي بعد أن ضمها اليوم لصدره لأول مرة....أن يعاود ذلك مع غيرها...؟!!!

هل قبل بهذا...

هل طاوعه قلبه الذي تملكته كما تملكها؟!!!


عادت تنتحب بقوة فربتت جويرية علي ظهرها وهي تهمس في حنان:

_أمي تشبهك دوماً بقطعة الكريستال...تقول أنك هشة مثلها سهلة الكسر...لكنني أعرف أنك بداخلك امرأة قوية...ستتقبلين قدرك صامدة...

هزت آسيا رأسها بيأس ...

فأردفت جويرية بحنان عاتب:

_أنا أشعر بك يا آسيا...صدقيني...لكنك اليوم قسوتِ علي الجميع...وعلي نفسكِ أولاً....


رفعت إليها آسيا عينين ضائعتين...

وقد بدأت الغمامة تنقشع عن عينيها رويداً رويداً...

لتتبين -لتوها-فداحة ما اقترفته الليلة...!!!!!

يا إلهي!!!

أي جنون هذا الذي أصابني الليلة؟!!!

هكذا حدثت نفسها وهي مصدومة....


عادت جويرية تربت علي ظهرها هامسة:

_من يدري؟! لعل الله اختار لك الخروج من هذه الدوامة التي أغرقتك...لا تنظري لأمر جدي برحيلك علي أنه عقاب ...بل ربما هو هدية القدر لتبدئي من جديد...


عادت دموعها تسيل علي خديها وهي تشعر بالغربة...

يالغربتي بعدك يا ياسين!!!!

أي وطن سيقبلني بعدما لفظتني من أرضك...؟!!!

وأي بيت سيأويني وقد كنت أنت أمان جدراني كلها...؟!!!


اقتربت منهما ساري تقول بهدوء لا يناسب الموقف:

_دعيها يا جويرية...بعض الدروس نحتاج لنتعلمها بأنفسنا...لا أن يعلمنا إياها أحد....

التفتت إليها آسيا بدهشة فأردفت ساري بابتسامة حنون:

_لست أدري متي سيمكنك العودة إلينا...لكنني واثقة من شئ واحد...عندما تعودين إلينا ستكونين آسيا جديدة...آسيا قوية لا يكسرها أحد...


مدت كل من جويرية وآسيا ذراعيهما إليها...

لتندس بينهما في حضن أخوي جماعي...

لا تدري أي منهن متي يمكنهن التنعم بمثله مجدداً...

==========================================================================

فتح ياسين عينيه علي ضوء الصباح الذي ملأ الغرفة...

نظر حوله بتفحص ليتبين موقفه الجديد...

ابتسم في سخرية مريرة وهو يسترجع أحداث الأمس الصاخبة...

ثم انتفض بقلق عندما سمع أصوات جلبة تحت نافذة غرفته...

قام من فراشه في جزع...

ثم فتح النافذة بسرعة...

ليسقط قلبه تحت قدميه...

إنها السيارة التي ستقل آسيا وحدها لمنزل خالها في منفاها الجديد هناك...

وها هي ذي الحبيبة الغالية...

تقف مودعة فريدة وأختيها بفيض من الدموع...


ناداها قلبه دون لسانه فلم تخيب رجاءه...

رفعت رأسها إليه وكأنها كانت تترقب حضوره ...

لتلتقي عيناهما في حديث طويل...

يليق بوداع كهذا...

قبل أن تطرق برأسها لتستقل السيارة التي انطلقت بها بعيداً عن الجميع ...


لقد قال القدر كلمته الأخيرة...

ورحلت آسيا..

حاملة قلبه معها!!!!


هكذا فكر وهو يغلق النافذة...

ليسند رأسه علي الجدار مخفياً دمع عينيه الذي يبكيها الآن...

آسيا...

حبيبته وصديقته وابنته...

وحلم العمر الذي غادر -لتوه- عالمه...

إلي الأبد...


ظل علي حاله هذا بضع دقائق...

حتي سمع صوت جرس الباب لينتبه فجأة للغريبة التي تقيم معه...

الغريبة التي يفترض أنها زوجته...!!!

والتي نامت ليلتها وحدها في الغرفة المجاورة...

زفر بقوة ...

وهو يخرج من غرفته إلي غرفتها...

متجاهلاً صوت الجرس...

طرق الباب برفق عدة مرات فلم تجبه...

استبد به القلق وهو يتردد في فتح الباب...

ثم خاطب نفسه ...

إنها زوجتك يا أحمق...!!!!

افتح واطمئن عليها...


فتح الباب بهدوء...

وهو يتقدم نحوها...

ليتأمل ملامحها الجميلة النائمة ...

يكاد يقسم أنها المرة الأولي التي يتبين فيها ملامحها جيداً...

لم تزد في نظره- منذ خطبها له جده -عن كونها امرأة فحسب...

كل النساء بعد آسيا متشابهات ...

كلهن سواء...!!!!


خفق قلبه بإشفاق وهو يلمح بقايا الدموع المتجمدة علي وجنتيها...


عقد حاجبيه بضيق وهو يشعر بكرهه لنفسه...

أي وغد هذا الذي يجعل زوجته تبيت ليلة زفافها وحدها بدموعها علي خدها هكذا...؟!!!

وليست أي زوجة...

إنها رقية الهاشمي...!!!!

التي يعرف جيداً كم من العائلات التي كانت تتمناها لبنيها...

ربما لو لم يكن قلبه ملكاً لآسيا لكان الآن أسعد أهل الأرض بزوجة كهذه!!!!


اقترب منها ليجلس علي طرف الفراش ....

لامس وجنتها بأصابعه برفق...

ففتحت عينيها لتهمس بصوت نائم وكأنها تحلم:

_ياسين.

ازدرد ريقه ببطء وهو يشعر بتأثير همسها هذا عليه...

عندما انتفضت من مكانها بقوة وقد انتبهت لموقفهما لتهتف بحدة:

_ما الذي تفعله هنا؟!


قام من جوارها ليقول بهدوء لا يخلو من الاعتذار:

_جرس الباب يرن...لا يليق أن يراكِ أحد نائمة هنا.

قامت من سريرها ...

لتقابله بعينين واثقتين قائلة:

_هل فكرت فيما قلته لك بالأمس؟!


أشاح بوجهه عنها وهو لا يدري ما الذي يمكنه قوله لها...

إنه حتي لم يتذكرها- هي شخصيا-ً قبل أن يرن الجرس..

فكيف بما تظنه اتخذ فيه قراراً؟!!!

عاد يلتفت إليها وقد عاد الجرس للرنين قائلاً :

_هذا ليس وقتاً مناسباً للحديث...


أومأت برأسها إيجاباً وهي تهمس:

_معك حق...

قالتها وهي تخرج من الغرفة الصغيرة لتدخل غرفتهما وتغلق بابها خلفها....

تنهد في ضيق وهو يتوجه نحو باب الشقة ليفتحه ...

ليطالعه وجه أمه راجية التي هتفت بفرح:

_مبارك يا حبيبي...مبارك.

انطلقت الزغاريد العالية وراجية تحتضنه بقوة...

لتدخل الخادمة واضعة صينية الطعام علي المائدة...

ثم تنصرف في هدوء...

لتسأله راجية بلهفة:

_كيف حالك مع عروسك؟!


أطرق برأسه ولم يرد...

فعقدت حاجبيها في ضيق...

عندما فتح الباب لتخرج منه رقية...


شهقت راجية في انبهار وهي تتأمل رقية التي خرجت في أبهي صورة...

ملكة حقيقية !!!

سبحان من صورها بهذه الطلة الفاتنة...

وهذه الهالة من السحر التي تحيط بها أينما حلت...

توجهت نحوهما رافعة رأسها في كبرياء وهي تصافحها في برود...

لكن راجية احتضنتها بقوة هاتفة:

_مبارك يا حبيبتي ....مبارك.


ابتسمت رقية برقة وقد استشعرت طيبة هذه المرأة التي بددت سحب برودها  لتهمس بخجل:

_شكراً يا عمتي.

قالت راجية بطيبة:

_قولي لي يا أمي...يشهد الله أنني أحببتك كأولادي.


أطرقت رقية برأسها وهي لا تدري كيف ترد...

فشعرت راجية أن الوضع بين ياسين وزوجته ليس علي ما يرام...

وهذا ما لا تتعجبه بعد فضيحة الأمس...

آسيا الحمقاء أفسدت ليلة العمر علي ولدها بفعلتها المشينة...

لكنها نالت جزاء فعلتها...

الحاج قاسم نفاها بعيداً عن هنا...!!!!!


صحيح أن ما حدث لن يُنسي...

لكن الأيام ستداوي هذا الأمر...

هما فقط يحتاجان لوقت...

الفتاة رائعة وياسين يستحق زوجة مثلها....

فقط ...لو ينزع آسيا هذه من رأسه...!!!!


ربتت راجية علي رأس رقية برفق...

ثم قالت لياسين:

_زوجتك رائعة يا ياسين...بارك الله لكما....

أومأ ياسين برأسه إيجاباً فمنحته راجية نظرة متفهمة...

غادرتهما بعدها سريعاً...


توجهت رقية إلي غرفتها الصغيرة فاستوقفها هاتفاً:

_رقية...ألن تتناولي طعامك؟!

قالت ببرود:

_لا أريد...

توجه نحوها لتطالعه ملامحها الجليدية التي تداري بها انكسارها....

انكسارها الذي يتفهمه ويشعر به ويشفق عليها منه...

لكنه لا حيلة له!!!!


اقترب منها وقال بحنان لا يدعيه:

_أرجوكِ اجلسي وكلي معي...وبعدها سأنفذ لك ما يرضيكِ....


مس قلبها هذا الحنان الذي كان يقطر من كلماته...

هذا الحنان الذي شعرت به دوماً كلما نظرت إليه...

والذي جعلها تطمئن له وحده دون غيره...

لم تكن تعلم وقتها أن هناك أخري سبقتها لتمتلك مفاتحه كلها...

ولا تترك لها سوي مجرد جسد بلا قلب تحمل اسمه علي قسيمة زواج...!!!!


طال صمتها فعاد يهمس في رجاء:

_رقية...أرجوك لا تزيدي عذابي لأجلك...أنا أعرف أني آلمتك كثيراً بالأمس لكنني...

أغمضت عينيها بقوة وهي تقاطعه هاتفة:

_لا تذكر شيئاً عن حادثة الأمس.


عقد حاجبيه بضيق وهو يري صدرها يعلو ويهبط في انفعال...

لاريب أنها الآن تتذكر مشهده وهو يحتضن آسيا وسط كل ذاك الحضور...

لاريب أنها الآن غاضبة حد الاحتراق...

وهو لا يلومها كثيراً ...

بل علي العكس...

هو شديد العجب من قوتها لتكمل الزفاف لآخره وتجئ معه هنا...

بل وتحدثه بكل هذا الهدوء...

لو كانت هذه آسيا لكانت أقامت الدنيا ولم تقعدها!!!!!


آسيا...!!!!

آسيا...!!!

عادت أفكاره تتركز حول الحبيبة الراحلة ليشرد بعيداً غافلاً عن تلك التي تراقب شروده بألم!!!

ألم من أدركت خسارتها منذ أول المعركة لكنها مجبرة علي تحملها للنهاية...

==========================================================================


سارت جواره في مشفي والدها وهي تقول بمرح:

_تخيل لو كنت رأيتك هنا قبل لقائنا الأخير....كنت سأفقد وعيي رعباً وأنا أتصورك قاتلاً مخبولاً يطاردني.

ضحك هاتفاً بالعربية:

_قدر ولطف!

رفعت حاجبيها في عدم فهم فقال بهدوء لا يخلو من الضيق:

_أحزن كثيراً عندما أتذكر أنك لا تجيدين العربية رغم أنك مصرية ومسلمة أيضاً.

ثم التفت نحوها هاتفاً:

_ألا تقرئين القرآن؟!

همست بخجل لم تعرف سببه:

_أنا أحب الاستماع إليه عندما يقرأه والدي...لكنني لا أجيد قراءته...

أطرق برأسه للحظات ثم رفعه إليها هاتفاً بمرح:

_ما رأيك أن يعطيك المجرم المخبول دروساً في اللغة العربية؟!

التمعت عيناها بمرح وهي تصفق في جذل كالأطفال ثم قالت:

_سيكون هذا رائعاً.


تأمل فرحتها بإعجاب حقيقي...

منذ رآها أول مرة في حديقة والدها وهو يشعر نحوها بانجذاب غريب...

جمالها الغربي المستمد من والدتها الانجليزية المطعم بلمحة شرقية محببة ...

وروحها الطفولية بنظراتها المنبهرة به دوماً وكأنه مخلوق فضائي من عالم غريب...

وضحكتها الرائقة الحلوة وكأن صاحبتها لم تعرف يوماً حزناً ولا ضيقاً...


باختصار...

مارية آدم كانت مزيجاً من كل ما يعشقه حمزة في النساء...

باستثناء أنه كان يستشعر دوماً انتقاصها من شأن عربيتها ودينها...

وهو ما سيكون شغله الشاغل في الفترة القادمة...

ضحك سراً للمفارقة الغريبة التي تجعلها هي نافرة من وطنها مصر في حين يتوق هو فقط لتقبيل ترابه...!!!!

مصر لم تكن لحمزة مجرد اسم علي أوراق هويته...

لكنها كانت ذكريات رائعة مرت... حرمته الحياة منها ظلماً وعدواناً...

ليجد نفسه هنا منفياً بلا أهل ولا عائلة...

كشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار...!!!


قطع أفكاره صوت هاتفها التي تناولته لتجيب ببساطة:

_آندي...افتقدتك كثيراً...سآتيك حالاً...

عقد حاجبيه بشدة...

عندما أغلقت الاتصال ببساطة لتواجه ضيقه -الغير مبرر-في عينيه...

هزت رأسها في تساؤل فسألها بصوت جاهد ليكون هادئاً:

_من آندي هذا؟!

ابتسمت لتقول ببساطة:

_إنه صديقي منذ الطفولة...لابد أن تتعارفا...سيحبك جداً...


أطرق حمزة برأسه وهو يشعر بالضيق...

رغم إقامته هنا منذ عدة سنوات...

لكن الدم الصعيدي الذي يجري في عروقه لايزال يصعب عليه استيعاب هذه الأمور...

خاصة وهو يشعر بأحاسيس مختلفة نحو مارية...

هي ليست فقط جارته وزميلته في عمله...

لكنه يشعر أنها صارت جزءاً من عالمه...

جزء يحق له تملكه والغيرة عليه...


تأملت إطراقه الصامت بدهشة وهي تهتف:

_ماذا بك يا حمزة؟!

رفع إليها عينين غامضتين  ثم ابتسم في خبث هاتفاً:

_لو نطقتها صحيحة كما ينبغي فسأخبرك.

حاولت عدة محاولات مضحكة لتنطق حرف الحاء في اسمه لكنها فشلت جميعاً...

فضحك في صخب هاتفاً:

_ستكونين تلميذة متعِبة.

ابتسمت في خجل أذاب قلبه فهمس في حنان:

_لكنني لن أيأس!

==========================================================================

سارت بها السيارة تنهب الطريق نهباً...

لقد حددوا مصير الجارية بالنفي نحو المجهول...

حتي يصدروا قراراً بإعادتها من جديد...


انتفض قلبها بغضب لم يلبث أن تحول لشعور بالخزي الشديد...

ما هذا الذي تجرأت علي فعله بالأمس...؟!!!

كيف سمحت لنفسها بهذا التصرف المشين؟!

لا...لم تكن هي!!!

آسيا التي تعرفها لم تكن لتفعل شيئاً كهذا أبداً...

لكنها بالأمس كانت واحدة أخري...

واحدة فقدت قلبها...

وفقدت عقلها وراءه!!!!


تنهدت في يأس وهي تعود برأسها للوراء ناظرة للطريق في استسلام...

تري كيف سيعاملها خالها عندما تذهب إليه...؟!!

وهل سيعرف بالفضيحة التي حدثت في زفاف ياسين...؟!!

بالطبع سيعرف...

الجميع سيعرفون...!!!

وحينها ستكون آسيا اللعوب سيئة التربية حديث الجميع...!!!!


للمرة الأولي في حياتها تشعر أن جدها قاسم كان حكيماً في قراره...

ربما كان هذا هو الصواب للجميع...

أن تبتعد بعد فعلتها المشينة...

ليبدأ ياسين حياته من جديد...

رقية الهاشمي ورغم كونها غريمتها الآن...

لكنها زوجة رائعة...تليق بياسين الحبيب...

نعم...من الأفضل أن تبتعد آسيا عديمة القيمة كما يراها الجميع...

ولاسيما لو ابتعدت للأبد!!!


للأبد؟!!!!


التمعت الفكرة في رأسها فعمل عقلها بسرعة لتنفيذها...

انتظرت حتي وصلت السيارة لسوق كبير في منتصف مدينة في الطريق...

فهتفت تقول للسائق:

_انتظرني هنا...سأشتري شيئاً بسرعة وأعود.

تردد السائق قليلاً لكنها لم تمنحه فرصة الاعتراض فقد فتحت باب السيارة لتندفع بسرعة نحو أحد محلات الملابس المنتشرة في المكان...


طال غيابها كثيراً فتململ السائق في مقعده وهو يغمغم في سخط:

_فتيات مدللات!!

لكن سخطه تحول لقلق كبير عندما مرت قرابة الساعة ولم تعد...

أغلق السيارة ودخل المحل الذي رآها تتوجه إليه ليجده خالياً منها...

سأل عنها العامل الواقف عن الباب بعدما وصف له ما ترتديه ليتبين أنها غادرت المحل من الباب الآخر...


انتفض السائق في هلع وهو يتخيل ما سيفعله به قاسم النجدي لو علم عن اختفائها هكذا!!!!

ظل يسير بسيارته بحثاً عنها عشوائياً في الشوارع المحيطة لكنه لم يجدها...

لقد اختفت آسيا النجدي...

أو بالأدق...

هربت الجارية!!!

==========================================================================

_أين ابنتك يا فريدة؟!

صرخ بها قاسم النجدي في غضب هادر فانتفضت فريدة وسط سيل دموعها هاتفة في أسي:

_لا أعرف...أقسم لك يا عمي أنني لا أعرف...

ثم تناولت كفه تقبله وهي تهتف في رجاء:

_أعدها يا عمي أرجوك ابحث عنها وأعدها.

نفضها عنه في حدة وهو يهتف بغضب:

_بالطبع سأعيدها....وسأعلمها الأدب بنفسي...يبدو أنك فشلت في تربية تلك ال...

قاطعته هاتفة :

_أعدها فقط واحبسها هنا كما تشاء...لا تجعلها تري حتي نور الشمس...لكن أعد لي بنتي يا عمي ...أرجوك.

قالتها ثم اندفعت في بكاء هستيري....

فضرب قاسم  الأرض بعصاه بقوة وهو يصرخ:

_اغربي عن وجهي ...هيا...


تركته فريدة وهي،تتوجه لغرفتها منهارة...

لحقتها بنتاها اللتان لم تكونا أفضل حالاً منها...

ما الذي ستفعله آسيا الهشة الرقيقة في عالم كهذا وحدها...؟!!!

من يدري ما الذي أصابها الآن...؟!!!


انتحبت فريدة بقوة وهي ترفع كفيها للسماء هاتفة بين دموعها:

_احفظها يارب العالمين...ردها لي سالمة!


سالت دموع جويرية وهي تربت علي كتفها هامسة:

_لا تقلقي يا أمي...جدي سيعيدها إن شاء الله.

هتفت ساري التي كانت تبكي هي الأخري:

_رغم أني أخشي عليها عقاب جدي عندما يعيدها ....لكن أي شئ أهون مما يمكن أن تلاقيه...

اندفعت ساعتها فريدة في بكاء يقطع القلوب وهي تهمس:

_حبيبتي يابنتي.


تطلعت جويرية لساري في قلق...

كلتاهما كانت تشعر أن آسيا لن تعود...

آسيا هربت من سجن قاسم النجدي بإرادتها وكسرت حصار أسواره لأول مرة في تاريخ العائلة....

وهو ما لن يمرره قاسم النجدي بسهولة...

عندما يجدها ستكون النتيجة كارثية علي الجميع....

وإن لم يجدها ...

فسيكون الوضع أسوأ!!!!

للأسف...

لقد سارت آسيا في الطريق الذي لا رجوع منه...

واختارت أسوأ البدائل!!!!


تباً لحب كهذا!!!!

حب يفقد المرء عقله وحريته وقراره...

ليدفعه في طريق لم يتخيل يوماً أن يسير فيه....

لقد ضاعت آسيا...

ضاعت وسط قسوة الناس المفرطة  ورقة قلبها الشديدة....


==========================================================================

جلست رقية علي كرسي مائدة السفرة ...

تراقبه يسير في الغرفة كليث حبيس....

منذ علم باختفاء آسيا...

وهو يبدو كالمجانين!!!!!

وبقدر ما كانت تشعر نحوه بالغضب....

تشعر الآن نحوه بشفقة غريبة...


بعيداً عن كونه زوجها....

لأنها تتناسي هذه الحقيقة الآن!!!!

هو رجل عاشق أجبر علي الزواج منها بعيداً عن معشوقته التي اختفت الآن ولا أحد يعرف عنها شيئاً...

وآسيا الغائبة ليست فقط حبيبته ...هي أيضاً ابنة عمه....

والدماء الصعيدية الأصل في عروقه تعتبر فعلتها هذه جريمة شرف تستحق القتل....

إن كانت تشفق علي آسيا خوفاً من ألا يجدها جدها....

فهي تشفق عليها أكثر لو وجدها!!!!!

من يدري ما الذي سيفعلونه بها؟!!!!!


بينما كان ياسين في غرفته يسير ذهاباً وإياباً...

يشعر بالنيران تأكل صدره....

المصائب تتوالي عليه تباعاً...

وكل واحدة أقسي من أختها...

في البداية حرموه منها ليزوجوه من أخري...

ثم أبعدوها عنه في منفي بعيد...

وها هو ذا يفقدها تماماً دون حتي أن يعلم مكانها الآن...


ضرب الجدار بقبضته بعنف وهو يفكر...

فتاة في جمال آسيا وقلة خبرتها مالذي ستفعله في هذا العالم وحدها....؟!!!

انقبض قلبه وهو يتخيل لو تعرض لها أحدهم بسوء...

كيف ستدافع عن نفسها؟!!!!


ظل يضرب الجدار بقوة ضربات عديدة متتالية....

حتي شعر بكفها يمسك كفه وهي تهمس :

_رفقاً بنفسك يا ياسين...

التقت عيناه بعينيها ليصدمها منظر الدموع في عينيه....

يالله!!!!!

إلي هذه الدرجة تعشقها يا ياسين؟!!!

هكذا حدثت نفسها وهي تراقب الألم المغروس في عينيه...


أشاح بوجهه عنها فابتلعت غصتها ومرارة حسرتها لتقول بكبريائها الخادع:

_سأكلم أبي ...سيجدها...لا تقلق.

التفت إليها بلهفة تمتزج بالأمل وهو يهتف:

_حقاً؟!

ابتسمت في سخرية وهي تقول بثبات:

_هل نسيت من هم أصهارك يا ياسين؟!


تأملها بدهشة متفحصة...

هذه المرأة غريبة...

عندما أمسكت كفه منذ قليل وتطلع لعينيها رأي فيهما حناناً ليس له حدود....

حنان احتضن ألمه وحزنه برفق خبير...

لكنه الآن وهي تكلمه بهذه الطريقة....

يشعر بها كملكة قوية تتحدث من فوق عرشها في كبرياء....


كيف يمكنها أن تمزج حنانها بقوتها في هذا المزيج الساحر...؟!!!


قطعت أفكاره عندما تناولت هاتفها لتحدث أباها عن الأمر بكلمات مقتضبة...

يكاد يقسم أنه لمح دموعاً في عينيها لكنها اختفت بسرعة كما ظهرت....

يبدو أنها تجاهد نفسها كي لا تبدي انكسارها أمامه!!!!


أنهت الاتصال مع والدها سريعاً ثم قالت له بثبات دون أن تنظر إليه:

_لا تقلق...والدي وعدني أنه سيجدها....وسيحرص علي سرية الأمر.

ابتسم بضعف هامساً:

_شكراً يا رقية.

تجاهلت شكره...

تماماً كما تجاهلت تأثير همسه باسمها علي قلبها....

لتقول بكبرياء:

_أعرف أن الوقت ليس مناسباً...لكن والداي يريدان زيارتنا للمباركة...وكنت أود أن أعرف قرارك .

عقد حاجبيه في شدة وهو يقول في حيرة:

_قراري؟!

ابتسمت في سخرية وهي تقول:

_نعم...قرارك...هل تتعجب الكلمة إلي هذه الدرجة؟!!!!


أطرق ياسين برأسه وهو يفكر...

هو فعلاً يتعجب الكلمة...

قاسم النجدي لم يجعل لأي فرد من هذه العائلة فرصة لاتخاذ قرار....

هو الآمر الناهي هنا...

وهم فقط ينفذون...

قرأت حيرته في صمته فقالت بهدوء بنكهة الحسرة :

_حسناً يا ياسين...بما أنك عاجز عن اتخاذ القرار كما يبدو فسأعطيك كلمتي...يشهد الله أنني جاهدت نفسي كثيراً كي لا أقولها أنا...ففي عُرف رقية الهاشمي...من العيب جداً أن أتخذ قراراً في وجود زوجي حتي لا أتهم ولو أمام نفسي أنني أستغل مكانة عائلتي...لكنني منحتك الفرصة وأنت رفضتها....


تطلع نحوها بترقب فأخذت نفساً عميقاً ثم قالت بثبات:

_لست زوجي يا ياسين!

عقد حاجبيه في غضب فيما أردفت بنفس الثبات:

_سنستمر في هذه التمثيلية السخيفة لفترة من الوقت حتي لا يكون شرفي مضغة في الأفواه...كفانا فضيحة الزفاف التي لن ينساها الناس سريعاً...

هز رأسه قائلاً:

_ماذا تعنين؟!

واجهته بقوة عينيها هاتفة:

_نحن غريبان فرضت عليهما الظروف العيش في بيت واحد...لكن أمام الناس سيكون الأمر عادياً ...حتي يمضي بعض الوقت...وبعدها...ستطلقني...

تهدج صوتها في كلمتها الأخيرة...

وعجزت عن الاحتفاظ بثباتها الوهمي أمامه...

فتجمعت الدموع في عينيها...

وهي تفر لغرفتها هاربة...

لتغلق الباب خلفها بالمفتاح...


اندفع وراءها ليطرق الباب هاتفاً:

_افتحي يا رقية....


ظل يطرق الباب حتي آلمته يده...

لكنها لم تجبه ...

ولا حتي بكلمة...

لقد قالت رقية الهاشمي كلمتها...

وانتهي الأمر....

==========================================================================

جلست سمية جلستها المفضلة تراقب الخيل في المزرعة...

طالما كان هذا المشهد ملهباً لخيالها...

عندما تعدو الجياد بانطلاق لا يعرف القيود...

ووراؤها خلفية طبيعية من شمس الأصيل الغاربة...


سرحت بأفكارها وهي تتذكر تلك الأيام السعيدة...

عندما كانت صحتها تسمح لها بركوب الخيل مع بدر...

فينطلقان معاً في عالمهما الخاص الذي اختاراه هنا في هذه المزرعة...

بعيداً عن كل الناس...

كم كانت تتمني لو تعيش حتي تري طفلها فارساً كأبيه...

يمتطي جواده ويسير جوار فتاته التي اختارها...

لينجب لها ولبدر أحفاداً كثيرين...

يملئون هذه المزرعة...

ويعوضونهما عما افتقده كلاهما من دفء العائلة...


لكن هذا المرض اللعين لم يختطف صحتها فحسب...

لكنه اختطف سعادتها وأحلامها أيضاً!!!!

لن تعيش حتي تري أحفادها...

بل ...

ربما لن تعيش حتي تري طفلها يستطيع ركوب الخيل كأبيه...!!!


أغمضت عينيها في قوة وهي تستغفر الله سراً ثم همست في خشوع:

_راضية يا رب...راضية!


تقدم نحوها بدر ببطء وهو يلاحظ شرودها الحزين...

ربت علي رأسها الذي تحافظ الآن علي تغطيته بالوشاح دوماً حتي في نومها كي لا يري أحد كيف صار حال شعرها بعد العلاج الكيميائي....


رفعت رأسها إليه لتهمس بحب:

_بدر!

جلس جوارها ليتصنع المرح هاتفاً:

_طفلك هذا مرهق جدا...لقد جعلني أروي له الحكاية ثلاث مرات حتي نام.

ذكرها حديثه بقرارها الذي اعتزمته فقالت في تردد:

_بدر...كنت أريد التحدث معك في أمر هام.

أمسك كفها يقبله وهو يقول بحنان:

_تفضلي.

أطرقت برأسها وهي تقول بتعقل:

_الأعمار بيد الله ...لكنني كنت أود الاطمئنان عليك وعلي طفلنا...كنت أفكر لو ...تتزوج!


تنهد في حرارة وهو يشعر بألمهما المشترك....

ثم قام من مقعده ليجثو علي ركبتيه أمامها ثم رفع رأسها إليه هامساً:

_أنا متزوج بالفعل...متزوج من أروع امرأة في الدنيا.

ابتسمت وقد فاضت عيناها بالدموع هامسة:

_حسناً...سأحاول أن أصدقك...لكن هذه المرأة الرائعة ستتركك قريباً وتريد الاطمئنان عليكما قبل رحيلها.

دمعت عيناه وهو يهتف في توسل:

_لا تقولي هذا يا سمية...أنت تذبحينني،في كل مرة تتفوهين بها بهذه الكلمة.

ربتت علي كتفه وهي تقول :

_هذا ما كنت أعنيه بالضبط...أنت ترفض تصديق الحقيقة وتهرب منها...وأنا أخشي أن يداهمني الموت قبل أن أطمئن عليكما...

قام من مكانه وهو يهتف :

_لن أعترف بأي حقيقة الآن سوي بأنك معي...جواري...حبيبتي وزوجتي...وأم طفلي...لا تفتحي هذا الموضوع ثانية أرجوك.

قالها وهو يعود بخطوات مندفعة نحو منزلهما...

لتطرق برأسها من جديد...

بدر الحبيب لازال يراعي مشاعرها لأقصي درجة...

لازال يحاول تأجيل استيعابه لحقيقة لم تعد تحتمل المجادلة....

شعرت بكف تربت علي كتفها ...

فرفعت رأسها هامسة:

_مرحباً يا عمي.

جلس العم كساب جوارها وهو يقول بحنان:

_كيف حالك يابنتي.

هتفت برضا:

_الحمد لله رب العالمين.

تأملها الرجل بإشفاق...

هذه الشابة الصغيرة التي اختارها المرض مبكراً ليختطفها من زوجها وطفلها...

لكنها كما يراها راضية محتسبة...

تحمد الله علي الضراء قبل السراء...


قال بقلق:

_لقد رأيت بدر يعود للمنزل مندفعاً....هل دار بينكما شئ؟!

واجهته بوضوح هاتفة:

_بدر يجب أن يتزوج يا عمي...يجب أن أطمئن عليه وعلي طفلي قبل أن ....

لم تستطع إكمال عبارتها وقد غرقت كلماتها في دموعها التي انهمرت علي وجنتيها كالسيل....

فارتفع حاجبا كساب في تفهم...

سمية النبيلة تريد إكمال معروفها مع ابن أخيه للنهاية...

تريد أن تري البسمة علي وجوه الجميع قبل أن تغلبهم دموعهم بعد رحيلها...

سمية النبيلة تفكر في الجميع قبل نفسها كعادتها....

لكنه يعرف بدر جيداً...

بدر لن يتزوج بأخري...

ليس في حياتها وربما بعد موتها أيضاً...

سمية في حياة بدر ليست مجرد زوجة ولا حتي حبيبة...

سمية هي شعاع النور الذي انتشله من مستنقع الماضي الأليم...

ليفتح له عالماً جديداً هنا....

سمية جعلته يولد من جديد...


قال كساب بحرارة:

_اهدئي يابنتي...ولا تتعجلي الأحداث....لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً.....

هتفت وسط دموعها:

_لم يعد هناك وقت يا عمي...أريد أن أطمئن عليه وعلي الصغير...أرجوك يا عمي أقنعه بالزواج ...أرجوك.

========================================================================


_صدقني...ستحبه جداً....إنه شاب رائع!

هتفت بها مارية في انبهار فرد آندي بضيق:

_ماري...أنت لم تكفي عن التحدث عن ذاك المصري منذ جلسنا.

أشاحت بوجهها هامسة في حزن:

_أنت لم تعد تهتم بي كالسابق آندي.

هتف بسخط:

_أنت تتحدثين عن هذا المصري وكأنه أسطورة....ما الذي يعجبك فيه إلي هذه الدرجة؟!

همست في هيام:

_مختلف...مختلف آندي...طباعه...غموضه...حتي ملامحه...

أمسك،كفها هامساً:

_أنتِ تقسين علي بحديثك هذا ماري...أنت تعلمين أنني...

قاطعته وهي تسحب كفها من كفه هامسة في عتاب:

_آندي...لقد انتهينا من هذا الأمر...أنت صديقي فحسب...وليس أكثر.

هتف بقوة:

_لكنني لازلت أحبك ماري.

ضحكت في سخرية هاتفة:

_نعم...تحبني وتحب كاتي وليزا ولورا والكثيرات غيرهن ....أليس كذلك؟!


قال بضيق:

_أنت تعلمين أنك لست مثلهن ...أنا أستمتع معهن فقط وأنت شديدة التعقيد كما تعلمين.

قالت بضيق:

_ليس تعقيداً آندي...لكنني أحترم تربية أبي...

ثم وقفت قائلة:

_دعنا نرحل من هنا.

أمسك كفها هاتفاً:

_لا تغضبي ماري.

نزعت كفها منه وهي تقول بضجر:

_مارية...لا تنادني ماري ثانية!!


عقد آندي حاجبيه وهو يراقبها بتفحص...

مارية شديدة التحفز هذه الليلة...

تبدو شديدة العصبية رغم أنها تسترخي تماماً عندما تتحدث عن ذاك المصري...

تري هل ستتكرر القصة الشهيرة...

هل ستحبه وتتزوجه؟!

لا...لن يسمح بهذا أبداً...

مارية هي حب عمره وصديقته منذ الصغر...

صحيح أنه اعتاد تمضية وقته والعبث مع الأخريات...

لكن هذا لأنها لم تمكنه مما أراد منها...

هي شديدة التحفظ فيما يتعلق بتلك الأمور...

لازالت تربية والدها المعقدة-بزعمه-تتحكم فيها...

لكنه يحبها هكذا...

ولن يسمح لذاك المصري أن يأخذها منه...

مارية آدم حبيبته ولن يضيعها...

مهما كان الثمن!!!

==========================================================================

وقف قاسم أمام الجدار الذي علقت عليه صور أولاده...

بعدما أعطي أوامره الصارمة للخادمة ألا يدخل عليه أحد...

تحسس صورة سعد ولده الأصغر ثم همس بألم:

_لم أضيع أمانتك يا ولدي...لم أضيعها...آسيا بالذات كانت المفضلة عندي...لهذا اخترت لها حمزة ...زينة شباب آل النجدي...سأجدها يا ولدي...سأردها لحضن العائلة...لن تضيع آسيا...لن تضيع...


قالها وهو يترنح قليلاً ليستند علي عصاه بسرعة...

جلس علي كرسيه مسنداً رأسه علي عصاه وهو يفكر...

أين يمكن أن تكون هذه الفتاة الطائشة...

هي لم تكن تملك ما يكفي من المال لتتغيب كثيراً...

وليس لها أقارب بعيداً عن عائلة النجدي سوي خالها الذي تهربت من الذهاب إليه...

ربما فكرت في الذهاب لإحدي صديقاتها....


هب من كرسيه وقام يفتح باب الغرفة ...

ليأمر الخادمة بأن تستدعي له فريدة...

وبعد قليل كانت فريدة واقفة بين يديه تسأله بلهفة:

_هل علمت عنها شيئاً يا عمي؟!

هتف بجمود يداري مشاعره كعادته:

_سنجدها...لن تبتعد كثيراً...لكنني كنت أريدك أن تخبريني عن صديقاتها المقربات ربما كانت عند إحداهن.

هزت رأسها نفياً وهي تهتف وسط دموعها:

_لقد هاتفتهن كلهن...لا أحد يعرف عنها شيئاً.

هتف بخشونة:

_ربما يكذبن...هل تعرفين عناوين سكنهن؟!

أومأت برأسها إيجاباً فقال بصرامة:

_اكتبيها لي وسأبعث من يمكنه التصرف.

هزت رأسها وهي تلتفت لتغادر ...

عندما تعلقت عيناها بصورة زوجها الراحل علي الجدار...

ازداد انهمار الدموع من عينيها وهي تفكر...

تري لو كنت الآن معنا يا سعد هل كانت آسيا ستضيع منا؟!

أم أنك كنت ستحتويها بحنانك وتحميها بقوتك...

وتدفع عنها الظلم الذي خنق روحها حتي لجأت للهرب ؟!!!

هل كنت ستخضع لسلطان أبيك مثلي؟!

أم كنت ستقاومه من أجل ابنتك؟!

هل ستلومني عندما تلقاني؟!

هل أنا الآن مذنبة في عينيك ؟!!


لاحظ قاسم تعلق عينيها بصورة سعد فتقدم منها ببطء وقد رق قلبه ليربت علي كتفها هامساً:

_سنجدها يابنتي...آسيا ليست فقط أمانة سعد...لكنها أمانة حمزة أيضاً...سنجدها...

انحنت علي كفه تقبله وهي تهتف في توسل:

_ردها لي يا عمي...ردها لي سالمة...وافعل بها ما تشاء بعدها!

ربت علي رأسها وهو يتنهد في عجز...

تلك الصغيرة الطائشة هزت أركان عائلة النجدي كلها بفعلتها المشينة...

لم تكفها فضيحة ليلة الزفاف حتي تتبعها بهروبها هذا...

أي عقاب تستحقه تلك الطائشة؟!!!

أي عقاب!!!!

==========================================================================

طرقت رقية باب غرفته برفق...

ففتحه ليواجهها هامساً بلهفة:

_أخيراً يا رقية...أخيراً خرجت من غرفتك ...

ثم قال بعتاب:

_لقد كدت أكسر الباب خوفاً عليك.

رفعت رأسها في كبريائها المعهود وهي تتجاهل عبارته قائلة في هدوء:

_والداي علي وشك الوصول...يجب أن تكون أمورنا أمامهما طبيعية...

اقترب منها خطوة وهو يقول برجاء:

_رقية...الظروف الآن لا تسمح لي بالتفكير في أي شئ...أنا أعرف أني ظلمتك من أول لحظة لكن...

قاطعته هاتفة في صرامة:

_رقية الهاشمي لا يظلمها أحد...ضعها حلقة في أذنك حتي لا تثقل علي نفسك كثيراً بالذنب.


هز رأسه في يأس وهو يراقب الدمع المتجمد في عينيها و الذي يناقض قوة عباراتها القاسية...


حديث عينيها يستفز حنانه ...

يجعله يتمني لو يضمها لصدره كطفلة خائفة ليمنحها الأمان ...

يجعله يكره نفسه علي كل هذا الألم الذي يسببه لها...

لكن...

يشهد الله أنه ليس بيده...

لقد وجد نفسه هكذا في منتصف الطريق بينها وبين آسيا الحبيبة...

فلا هو يستطيع التقدم نحو رقية...

ولا هو يستطيع العودة لآسيا...


عض علي شفتيه بقوة وهو يتذكر آسيا الغائبة ليسألها بتردد:

_هل أخبركِ والدك شيئاً عن آسيا؟! هل من جديد؟!

أطرقت برأسها وهي تهمس في أسف حقيقي:

_ليس بعد...لكن البحث مستمر...

اعتصرت قبضة باردة قلبه المتيم وهو يتنهد في حرارة...

كادت تنصرف عنه عندما أمسك مرفقها ليهمس:

_رقية...

نزعت مرفقها منه بعنف وهي تهتف في قوة:

_إياك أن تلمسني...رقية الهاشمي لا يمسها إلا زوجها وأنت لست زوجي...هل تفهم؟!

عقد حاجبيه بغضب وهو يهتف بحدة:

_لا تحدثيني بهذا الأسلوب...أنا زوجك...شئتِ أم أبيتِ!!!


كادت ترد عليه بحدة عندما رن جرس الباب...

فتركته بخطوات مندفعة لتدخل غرفتهما وتصفق الباب خلفها في عنف....

زفر بقوة وهو يشعر برأسه يكاد ينفجر من كل هذه الضغوط...

عاد جرس الباب يرن...

فأخذ نفساً عميقاً ثم توجه نحو الباب ليفتحه ...

طالعه وجه والدها المبتسم فتصنع ابتسامة واسعة ليقول:

_مرحباً يا عمي...مرحباً يا عمتي...تفضلا...


دخل عاصم الهاشمي ومعه إكرام والدتها التي كانت ترقب ياسين بغيظ شديد...

لن تنسي له أبداً ما فعله بابنتها الوحيدة ليلة زفافها...

ولولا حرصها علي مظهرهما الاجتماعي لما سمحت بإتمام الزفاف...

لكنها استجابت لنداء العقل ونصحت رقية بتجاهل الأمر وإتمام الزفاف ...

فبعيداً عن كون ياسين النجدي زوجاً مثالياً طالما تمنته لابنتها...

لكنها أيضاً لم تكن تريد تمكين الشامتين المتربصين من فرصة كهذه!!!

ورقية العاقلة لم تخيب ظنها...

لقد تمالكت غضبتها وتصنعت اللامبالاة حتي انقضي الأمر بأقل خسائر ممكنة...

لقد تمكن عاصم الهاشمي باتصالاته العديدة من منع انتشار هذه الفضيحة علي الصحف والانترنت...

لكن...

من سيمكنه إسكات ألسنة الناس؟!!!

وحده الزمن كفيل بذلك ...


قطعت أفكارها عندما خرجت رقية من غرفتهما بابتسامة مشرقة...

تأملها ياسين بدهشة تمتزج بالانبهار...

ملامحها الفاتنة المبتسمة تجعلها تبدو مختلفة عن تلك القوية ذات الكبرياء التي تواجهه بقسوة عباراتها...

لقد جعلتها الابتسامة الواسعة -والتي يوقن من أنها تتصنعها- تبدو وكأنها امرأة جديدة...

تجاهلت النظر إليه وهي تتقدم نحوهم فشعر بضيق خفي...

ثم ارتفع حاجبه في مكر وهو يتذكر اتفاقهما فتقدم منها ليتناول كفها ثم قبله  هاتفاً:

_مرحباً حبيبتي.


ظهرت الصدمة في عينيها للحظة ثم نقلت بصرها إلي والديها المبتسمين بسعادة فاغتصبت ابتسامة باردة وهي تقول:

_دعني أصافح والديّ أولاً يا ياسين.


ظل متمسكاً بكفها لفترة وفي عينيه نظرة عنيدة...

فنزعت كفها منه وهي تتقدم نحو والدها تصافحه ...

احتضنها والدها بقوة...

فلم تشعر بنفسها إلا وهي تندفع بالبكاء...

انهارت كل صلابتها التي كانت تتمسك بها عندما عادت لحضن والدها القوي الحنون...

فلم تعد تري رقية العروس الخائبة ولا ياسين العريس الذي خذلها...

لم تعد تري سوي رقية الطفلة التي طالما كانت تفر من مخاوفها في حضن والدها الذي لم يخذلها يوماً...


عقد عاصم حاجبيه بقلق وهو يري انهيارها هذا فضمها إليه أكثر وهو ينظر لياسين في تساؤل...

ياسين الذي كان الآن في حال يرثي لها وهو يشعر بمشاعر مختلفة...

من ناحية هو يشعر بالإحراج من والديها فبالنسبة إليهما لابد أنه هو السبب الوحيد لبكاء ابنتهما بهذه الطريقة...

ومن ناحية أخري هو يشعر بالشفقة علي تلك التي تدعي القسوة والكبرياء وهي منهارة هكذا من داخلها...

رقية الهاشمي لغز كبير...

كم وجه تملك هذه المرأة التي يتبدل حالها بهذه السرعة...؟!!!!


قطعت إكرام أفكاره وهي تسحب رقية من حضن والدها لتضمها إليها هاتفة في جزع:

_ماذا بك يا رقية؟! أنا لم أركِ يوماً هكذا!!!!

قالتها وهي ترمق ياسين باتهام...

فأطرق برأسه وهو لا يدري ماذا يمكنه قوله...


مسحت رقية دموعها بعد لحظات لتعود لها قوتها فتقول بمرح مصطنع:

_لا تقلقي يا أمي...مدللتك رقية افتقدتكما فحسب.


تأملتها إكرام في تشكك...فشعرت رقية بالقلق...

انهيارها الغير محسوب هذا يكاد يدمر خطتها...

اتسعت ابتسامتها المصطنعة وهي تدعوهما للجلوس...

ثم مدت كفها لياسين لتقول بلطف:

_تعال يا ياسين اجلس جواري.


تقدم منها ياسين ليلتقط كفها ببساطة ويجلس جوارها....

نظر إليهما عاصم برضا وهو يقول:

_أسعدكما الله يا بني...أنا مطمئن علي رقية معك.

تشنجت أناملها في كفه فضغطها برفق وهو يقول بصدق:

_سأبذل كل ما أستطيع لإسعادها يا عمي.


رمقتهما إكرام بنظرة متشككة...

قلب الأم داخلها لا يصدق السعادة المدعاة علي وجه رقية...

رقية الهاشمي كما تعرفها لن تمرر ما حدث ليلة الزفاف بسهولة ...

إما أن ياسين منحها مبرراً مقنعاً لفعلته المشينة تلك الليلة...

وإما أنهما يتظاهران بالسعادة أمامهما فحسب...

لابد أن تعرف الحقيقة ...

نهضت من مكانها وهي تقول لرقية بحزم:

_تعالي معي يا رقية...أريد التحدث معك علي انفراد...

ضغط ياسين كفها برفق ثم تركه لتقوم من مكانها وهي تتجه مع والدتها لغرفتهما...

تابعهما عاصم ببصره حتي اختفيا...

ثم نظر لياسين بتمعن قبل أن يقول بتعقل:

_اسمعني يا ياسين...كل رجل تكون له علاقاته ونزواته قبل الزواج...لكن بعد الزواج تتغير الأمور...أنا تغاضيت عما حدث ليلة الزفاف لأنني أعرف طيب معدنك...

ثم أردف ببعض القسوة:

_لكن رقية هي أغلي ما أملكه في حياتي...لو جرحتها ولو بكلمة فلن أتغاضي عن هذا أبداً....


أطرق ياسين برأسه وهو يشعر بالاختناق...

من يخبره أن آسيا ليست علاقة سابقة ولا نزوة عابرة...؟!!!!

آسيا هي حبيبة عمره القصير التي لم يرَ امرأة غيرها...!!

لكن ...ما ذنبها رقية في هذا كله؟!!!

إن كان هو جبن عن الوقوف في وجه جده وجبروته!!!


رفع رأسه أخيراً بعد لحظات صمت طويلة ليقول بصدق:

_رقية فتاة رائعة...أعدك يا عمي أن أبذل كل جهدي لتكون سعيدة معي .

ابتسم عاصم في رضا ...

بينما تعلقت عينا ياسين بباب غرفتهما المغلق والذي اختفت خلفه مع والدتها....

تري هل ستصارحها رقية بحقيقة وضعهما...

أم ستتمكن من الحفاظ علي اتفاقهما...؟!!!


إعادة نشر

#جارية_في_ثياب_ملكية

الفصل الثالث

*******


خرجت رقية أخيراً من غرفتهما مع إكرام التي كانت الأن تبتسم في رضا...

تنهد ياسين في ارتياح وهو يلمح علامات الاطمئنان علي وجه إكرام...

والذي انتقل تلقائياً للسيد عاصم الذي ابتسم بدوره وهو يقوم من مكانه ليهتف في حزم :

_سنرحل الآن...

تشبثت به رقية وهي تهمس في رجاء:

_ابق قليلاً يا أبي...

ربت علي ساعدها وهو يقول بحنان:

_سنزورك لاحقاً يا بنتي...


سارت معهما رقية تودعهما حتي الباب...

وكذلك ياسين الذي،شد السيد عاصم علي يده وهو يهتف في مودة:

_هنيئاً لك رقية يا ياسين...عندما تمر الأيام ستشكرني علي هديتي هذه لك.

ابتسم ياسين بشحوب وهو يختلس نظرة إليها....

ثم همس بهدوء:

_أنا أشكرك عليها من الآن يا عمي...لا تقلق عليها معي.


رمقهما عاصم بنظرة رضا أخيرة...

ثم رحل مع إكرام في هدوء...

أغلق ياسين الباب خلفهما برفق...

ثم التفت إليها ليجدها تتوجه نحو غرفتها الصغيرة...

لحق بها بسرعة وهو يهتف:

_رقية...انتظري.

وقفت مكانها تنتظره...

حتي وصل إليها ليتطلع إلي ملامحها التي عادت لجمودها...

ازدرد ريقه ببطء وهو يقول بحزم:

_أريد التحدث إليك.


أومأت برأسها إيجاباً...

فسار معها ليجلس جوارها علي الأريكة...

لاحظ بوضوح اختلاجة أناملها المضمومة فهمس بحنان:

_أنتِ خائفة مني؟!

رفعت رأسها تقول بكبرياء:

_ولماذا أخاف منك؟!

أمسك كفها هامساً:

_لا تخافي مني يا رقية...لن أؤذيكِ يوماً...

ابتسمت في سخرية وهي تسحب كفها من كفه ثم قالت ببرود:

_أولاً أنا لست خائفة منك ولن أفعل...لو كنت تعرف شيئاً عن المرأة التي تزوجتها لعلمت أن رقية الهاشمي لا تخاف إلا من خالقها...وثانياً لا داعي لمشاعرك الرقيقة هذه فهي لا تعنيني...لا تمنحني مالست بحاجة إليه!!!


زفر بقوة وهو يهتف في ضيق:

_رقية! لن تستقيم حياتنا بهذه الطريقة!

ارتفع حاجباها وهي تهتف في سخرية:

_حياتنا؟!!!! يبدو أنك أسأت الفهم ...من قال أن لدينا حياة؟!!! أنا هنا ضيفة في منزلك...ستحسن ضيافتي ثم أرحل في سلام...

كز  علي أسنانه وهو يقول في حزم:

_أنا لم أقرر بعد هذا الأمر...لم أمنحكِ كلمتي.


هزت رأسها تقول ببرود:

_لن يشكل هذا فارقاً لدي!!!


اشتعل الغضب في عينيه فواجهته ببرود عينيها هاتفة في صلابة:

_ما الذي تريده بالضبط يا ياسين؟!


أشاح بوجهه عنها وهو لا يدري بم يمكن أن يجيبها...

هو نفسه لا يعرف ماذا يريد...

عقله مشتت في وديان كثيرة...

وغياب آسيا الغامض هذا يقتله ببطء...

يزيد شتاته أكثر...

ويثقل علي روحه فيمنعه التفكير في أي شئ!!!


وقفت رقية لتقول ببرود:

_عندما تعرف ما الذي تريده أخبرني.

نظر إليها طويلاً ثم قال بحزم أخافها نوعاً:

_اجلسي .


ترددت للحظة لكن الشرر المتطاير في عينيه أخافها رغم أنها كرهت الاعتراف بذلك..

فجلست وهي تشيح بوجهها عنه كي لا تصطدم بنظراته المشتعلة...

أدار وجهها إليه لينظر في عمق عينيها وهو يسألها في عتاب حازم:

_في عُرف رقية الهاشمي ....هل هذه طريقة مناسبة لمعاملة زوجك؟!

دمعت عيناها بقهر وهي تشعر بقوتها تنسحب منها تدريجياً...

قرب وجهها إليه عندما لمح دموعها ليقبل جبينها بخفة هامساً:

_امنحينا بعض الوقت يا رقية...قبل أن تشهري كل سيوفك في وجهي هكذا.


ضغطت علي شفتيها بقوة كي تمنع نفسها من البكاء في هذه اللحظة...

إنها أول مرة في حياتها تشعر فيها بأنها وحيدة هكذا...

بعيدة عن دعم عائلتها الذي تخلت عنه بإرادتها يوم وضعت خطتها بالانفصال عنه...

فهي تعرف مدي سعادتهم وفخرهم بهذه الزيجة...

ولن يوافقوها بسهولة علي الانفصال عنه....

ضعيفة هي كما لم تعرف نفسها طوال عمرها....

لكنها لا تريده أن يري ضعفها هذا...

رقية الهاشمي لن تسمح لأحد أن يري ضعفها خاصة  هذا الرجل!!!


شعر ياسين بما تعانيه...

فابتعد بأنامله عن وجهها وهو يسألها في هدوء:

_ما الذي قلتِه لوالدتك عنا؟!

أطرقت برأسها وهي تهمس :

_كما اتفقنا...أخبرتها أن كل شئ علي ما يرام.


أومأ برأسه في تفهم...

ثم رفع وجهها المطرق  إليه لتدهشه حمرة وجنتيها...

ابتسم في حنان وهو يلاحظ خجلها الذي أدهشه!!!

لم يخطئ حين قال أن لهذه المرأة وجوهاً عدة!!!

من كان يري قسوة ردها وصلفها منذ قليل...

لا يصدق هذا الخجل الذي يلون وجهها الآن...


لكنه لا ينكر أنه جعلها تبدو ...

رائعة!!!


همس بعد لحظات من تأمل صفحة وجهها الفاتنة:

_لن أعاود الاعتذار إليك بالكلمات يا رقية فكل الكلام لن يخفف مثقال ذرة مما سببته لك من ألم...لكنني أعدكِ أن أبذل كل ما أستطيع كي أعوضك عما حدث.


أخذت نفساً عميقاً ثم همست:

_دعني وحدي الآن يا ياسين...

ربت علي كفها وهو يقول برفق:

_أنا أثق بعقلك يا رقية...أثق أنك ستتخذين القرار الصحيح.

رفعت إليه عينين حائرتين...

فابتسم بشحوب قائلاً:

_فقط ثقي في شئ واحد...أنا لن أفعل سوي ما يرضيكِ.

ابتسمت ابتسامة ضعيفة وهي تقوم من مكانها...

لتهمس في استسلام غريب علي شخصها الذي اعتاده:

_سأبقي في غرفتي قليلاً...


سارت بضع خطوات نحو غرفتها فاستوقفها بندائه باسمها...

توقفت مكانها فتوجه إليها ثم أمسك كتفيها هامساً وهو ينظر إلي عينيها بحنان عاتب:

_في عُرف ياسين النجدي...زوجتي لا تبكي سوي في حضني أنا...عندما أعجز عن منحك الحنان الذي ترغبين يمكنك ساعتها البحث عنه في حضن والدك!!!


أطرقت برأسها في خجل وهي تشعر بمشاعر  مختلطة...

هذا الرجل يملك سلاحاً خطيراً في مواجهتها...

سلاح...يعرف متي يشهره في وجهها فتنهار حصونها كاملة...

سلاحٌ ميزته جلياً في عينيه ومنذ أول لقاء...

ولا تبالغ لو قالت أنها وافقت عليه وحده دون جميع خاطبيها لأجله...

إنه حنانه هذا الذي يفيض في عينيه...

وكأنه ينبع من بئر لا يجف ولا يغيض...

حنان يعدها بأمان الكون كله...!!!


طال إطراقها الصامت للحظات...

تمالكت فيها شتات روحها المبعثرة...


ثم رفعت رأسها إليه تقول بهدوء يناقض اشتعال جوارحها الآن:

_وأنت لا تنادِني "حبيبتي" ادعاءً أمام الناس..لو كنتَ أحببتَ ابنة عمك حقاً لما سمحت للسانك بقولها لغيرها ولو كذباً!!!


اتسعت عيناه في صدمة...

وهو يتذكر عندما قالها لها متكلفاً أمام والديها ليقنعهما بطبيعية وضعهما....

لكنها تركته لصدمته وهي تنسحب من أمامه في هدوء لتغلق باب غرفتها خلفها بالمفتاح كعادتها...

ظل واقفاً مكانه لفترة يتأمل الباب المغلق الذي اختفت خلفه هذه المرأة الغريبة...

رقية الهاشمي...

لغز أيامه القادمة...

الذي سيتعبه كثيراً حتي يفك طلاسمه كما يبدو!!!

==========================================================================

جلست مارية جواره يتناولان غداءهما في المشفي...

هتف حمزة بمرح:

_أنتِ تلميذة نجيبة لن تحتاجي سوي بضعة دروس أخري وبعدها ستكونين ماهرة...


هزت رأسها وهي تقول بيأس:

_أنت تقول هذا فقط لتشجعني...اللغة العربية صعبة جداً ...وأنا لا أجد حافزاً لتعلمها.

تنهد في خفوت ثم قال بجدية:

_إنها لغة وطنك ولغة القرآن...ألا تحبين أن تقرئي القرآن من المصحف مثلنا.

نظرت إليه طويلا دون أن ترد...

فغمغم في شرود:

_عندما ذهبت للعمرة العام الماضي...رأيت أناساً لا ينتمون للعرب يبكون وهم يمسكون المصحف يتمنون لو يجيدون القراءة فيه بالعربية....


رفعت حاجبيها بدهشة وهي تقول:

_هل ذهبت للعمرة؟! 

مط شفتيه في استياء وهو يسألها:

_ألا تعرفين معني العمرة أيضا؟!

غمغمت في خجل:

_أعرفها طبعاً...والدي أداها مرتين من قبل ...لكنني لم أتخيل أن تكون قد أديتها في عمرك هذا...أبي لم يؤدها إلا بعدما تجاوز الخمسين وكذلك أصدقاؤه الذين رافقوه كانوا في نفس السن.

أطرق برأسه قليلاً ...

ثم رفعه إليها ليقول بهدوء:

_مارية ...هل تعلمين أنني أحب اسمك جداً منذ زمن بعيد...

ابتسمت في سعادة وهي تقول بفخر:

_حقا؟!

ابتسم لسعادتها الطفولية وهو يقول:

_نعم...إنه اسم السيدة مارية القبطية ...زوجة من زوجات النبي صلي الله عليه وسلم...هل كنتِ تعلمين هذا؟!

هزت رأسها نفياً في خجل وهي تقول:

_أنا لا أستخدمه هنا كثيراً...أصدقائي يدعونني ماري...وأنا لا أخفيك قولاً...لا أحب التعمق في الحديث حول ديني وجنسيتي...


هتف بضيق:

_لماذا يا مارية؟!

قالت بارتباك:

_العالم كله الآن يصم الإسلام بأنه دين الإرهاب والحوادث التي تحدث في كل مكان تؤكد ظنهم هذا...

تفحصها بنظراته طويلاً ثم هتف بجدية:

_وهذا هو دورك الحقيقي هنا .

رفعت حاجبيها بدهشة هاتفة:

_دوري أنا؟!


أومأ برأسه إيجاباً وهو يقول بحزم:

_نعم...دورك ودوري ودور كل مسلم يأتي هنا...أن يريهم قدوة حسنة ومثالاً جيداً للإسلام الذي لا يعرفوه...لا أن يتنصل من دينه وينجرف وراءهم دون تمييز!!!


أطرقت برأسها وهي تقول بحيرة:

_هذه هي المرة الأولي التي يحدثني فيها أحدهم بهذه الطريقة...حتي والدي لم يكن مهتماً بشئ من ثقافة الشرق سوي بنقطة واحدة ...أن أحتفظ بعذريتي حتي أتزوج...وكأن هذا هو كل ما يهم الشرقيين في نسائهم...هذه مشكلة من هم مثلي ...أنصاف العرب...أنا أشعر دوماً أني ممزقة ...غريبة بين الجميع...عندما أكون وسط أصدقائي هنا يقولون عني العربية الغريبة...وعندما يصطحبني أبي لزيارة أعمامي في مصر يدعونني الأجنبية الشقراء...وأنا بين هاتين الثقافتين عالقة...لا أكاد أشعر بالانتماء لأي منهما...


تنهد قائلاً:

_لقد أخطأ دكتور آدم عندما تركك هكذا...من الطبيعي أن تكوني بكل هذا الشتات مادمتِ لم تعرفي جيداً قيمة ما تملكيه...

ثم أردف بقوة:

_أنت مسلمة مارية...مسلمة...اختار الله لك أعظم الديانات لتولدي بها فلماذا تزهدين فيها هكذا؟!

تفحصته طويلاً ثم قالت بإعجاب واضح:

_عندما أسمعك تتكلم هكذا أشعر بالحماسة والفخر...ليت كل المسلمين مثلك هكذا!!


ابتسم وهو يقول بثقة:

_لو استطعتِ أن تكوني مثلي بهذه الحماسة والفخر بدينك فستنجبين للعالم أطفالاً مثلك ...

قامت من مكانها وهي تهتف في حماس طفولي:

_حسناً يا دكتور حمزة....لقد أثرت حماسي....من اليوم سأجتهد في دروس العربية والقرآن...مارية آدم ستكون أفضل منك .

قالتها وهي تخرج له لسانها مغيظة إياه فضحك ضحكة طويلة ....

ثم قال بإعجاب:

_مارية ستكون أفضل فتاة في العالم أجمع!

==========================================================================

انتظرها حتي أنهت صلاتها ثم اقترب منها ليجلس جوارها علي الأرض هامساً:

_تقبل الله!

همست بابتسامتها الحنون:

_منا ومنكم يا بدر.

ربت علي كفها وهو يقول بحنان:

_ما رأيك لو آخذك مع الصغير غداً للمدينة...أنت لم تذهبي للتسوق منذ زمن بعيد...والصغير مل البقاء هنا...

أومأت برأسها إيجاباً وهي تقول :

_هذه فرصة جيدة لنزور عمتي أيضاً...


أشاح بدر بوجهه عنها...

هو يكاد يعرف الغرض الحقيقي من زيارتها لعمتها...

لقد لمحت له بالأمر لكنه لم يجارِها فيما تفكر فيه...

سمية الحبيبة تريد تزويجه من ابنة عمتها نغم...

تظن أنه يمكن أن يفكر في امرأة أخري سواها هي...

هي التي اختارها قلبه منذ زمن بعيد لتكون له كل شئ...

لا...

لن يتزوج نغم ولا غيرها...

هو كفيل بنفسه وبابنه...

وحتي لو رحلت كما يزعمون...

لن يسمح لامرأة أخري أن تحتل مكانها عنده ...

سمية ستظل حبيبته الوحيدة...


 تأملت شروده في قلق...

وهي تكاد تقسم بعلمها بما يدور في خاطره...

لكنها لن ترضي له أن يضيع عمره بعدها...

بدر لازال في ريعان شبابه...

وهو وحيد بلا عائلة ولا أصدقاء...

إنه يحتاج لإخوة لولده...

ولامرأة تعتني به وتمنحه الحب الذي سيفتقده بعدها...

ونغم ستكون زوجة مثالية له...

فهي جميلة وشابة وفوق كل هذا ...

هي ابنة عمتها...

من مثلها سيعتني بالصغير بعد وفاتها؟!!!!


أمسكت بكفه وهي تقول في رجاء:

_بدر...أنت لم ترفض لي طلباً منذ عرفتني.

نظر إليها بقوة وهو يهتف في حدة:

_إلا هذا يا سمية...إلا هذا!!

تأوهت في قوة وهي تهتف في ألم:

_أنت تظن أنك تسعدني بوفائك هذا؟! علي العكس ....أنت تزيد عذابي...أنا أموت في اليوم ألف مرة وأنا أتخيلك وطفلي تتعذبان بعدي...لا تزِدْ ألمي يا بدر....أرجوك.


أمسك كفها وهو يهتف بقوة:

_لا تحمليني ما لا أطيق يا سمية...أنا لن أحتمل أن تدخل حياتي امرأة غيرك أنت...أنت التي أحببتها منذ الصغر وكبرت أمام عيني لحظة بلحظة...قلبي وعقلي قبل جسدي لن يعترفا بغيرك في حياتي.

أطرقت برأسها...

فأردف في توسل:

_لماذا تستبقين الأحداث يا حبيبتي...لا تضيعي وقتنا في التفكير في أمور لم يأت وقتها بعد...دعينا نستمتع بأيامنا معاً...

تنهدت في حرارة...

فقام يقبل رأسها وهو يهمس في حب:

_لو تعلمين يا حبيبتي...أن لحظة واحدة معك تكافئ كل الكون...لا تحرميني ابتسامتك يا سمية...ابتسامتك التي عشقتها منذ وعيت علي هذه الدنيا...


ابتسمت بسعادة وهي تشعر بكلماته تحيي رميم قلبها...

بدر الحبيب الذي لا تذكر يوماً في حياتها مر عليها دون أن تحبه...


وها هو ذا يثبت لها في كل يوم...

أن الحب ليس مجرد خيال في كتب العاشقين...

لكنه حقيقة واقعة...

حقيقة تحياها وتحيا بها كل دقيقة من عمرها معه...

عمرها القصير الذي يهدده المرض في كل يوم...

لكنها ستعيشه وتستمتع معه به حتي آخر لحظة!!!!

==========================================================================

هبطت جويرية درجات سلم منزل العائلة الكبير...والذي يتكون من عدة طوابق...

كل طابق به شقتان...

يحتل جدها إحدي شقتي الطابق الأول...وأبقي الثانية الخالية لحمزة الغائب حتي يعود....!!!!


أما الطابق الثاني...

فإحدي الشقتين لفريدة وبناتها....والمقابلة لراجية وولديها حذيفة وعمار...

والآن يشغل ياسين وعروسه رقية إحدي شقتي الطابق الثالث...

أولاد النجدي لا يخرجون من بيته...

ولا عن قانونه وأوامره...!!!!!

وقد قضي قاسم النجدي بكلمته منذ زمن بعيد...

آسيا لحمزة...

وجويرية لعمار...

وساري لحذيفة..

وحده ياسين الذي اختار له  أن يتزوج من خارج العائلة...

لأنه كان يخطط منذ البداية لتزويجه من بنات إحدي العائلات ذات السلطة والنفوذ...

وحده ياسين من أحفاده الذي كان يصلح لهذه المهمة...

فهو الوحيد الذي أكمل تعليمه العالي وأنشأ لنفسه شركة صغيرة كبرها بمجهوده ومال عائلته ليصبح لها مكانها في السوق بعد سنوات قليلة....

بينما فشل كل من  عمار وحذيفة في تعليمهما واكتفيا بالعمل في التجارة...

لذلك كان ياسين هو الوحيد من أحفاد النجدي الذي يلائم نسب عائلة الهاشمي ويليق برقية ربيبتهم!!!


نعم...بنات فريدة تفوقن جميعاً في دراستهن ...

جويرية تخرجت في كلية الآداب ...وبعد إلحاح طويل علي جدها فتح لها مشروعها الخاص الذي ربما لا يدر عليها ربحا كبيرا لكنه يضمن لها العيش وسط العالم الذي تحبه...

مكتبة لبيع الكتب في مدينتهم الصغيرة تقضي بها جويرية أغلب وقتها بعيداً عن سلطان آل النجدي...

وسط أبطالها علي الورق...


أما آسيا فقد تخرجت هذا العام فقط في كلية الطب ...

آسيا العزيزة الغائبة كانت ستتسلم عملها بعد شهر واحد فقط في مشفي مدينتهم العام...


وساري الصغيرة آخر العنقود...

لازالت تكمل دراستها في كلية الهندسة...

التي اختارتها بإصرار وتنتوي التفوق فيها....


فريدة الغالية نجحت في تربية بناتها علي خير وجه...

لكن فعلة آسيا الطائشة ستدمر تاريخها كله!!!!


غرقت جويرية في شرودها وهي تنزل الدرجات ببطء حزين...

وكل الأفكار السابقة تراودها ثم تراجعت كلها لتحتل رأسها فكرة واحدة...

آسيا!!!!

آسيا التي اختفت منذ أيام ولا خبر عنها!!!!

قلبها يكاد ينفطر عليها وهي تتعجب كيف لم يعثر عليها أحد...!!!!

فريدة تكاد تموت قلقاً كلما مر يوم دون أن تعود...

تري....أين أنتِ يا آسيا؟!


قطعت أفكارها عندما شعرت بأحدهم يسحبها من ذراعها ليدخلها الشقة الخالية التي تخص حمزة ثم يغلق الباب خلفه بسرعة...

شهقت في عنف للمفاجأة عندما وجدت نفسها فجأة تستند للباب المغلق...

وأمامها يقف هو بملامحه التي تكرهها...

عمار!!!


كان صدرها يعلو ويهبط في انفعال لكنها هتفت في حدة:

_ما هذا الذي فعلته ؟! هل جننت؟!

ابتسم وهو يحاصرها بينه وبين الباب المغلق قائلاً بخشونته المعهودة:

_كيف حالك يا جوري...أنت ما عدتِ تزوريننا كالسابق...تضيعين وقتك كله في تلك المكتبة...


ازدردت ريقها في توتر وهي تدفعه بكفها هاتفة في صلابة مصطنعة:

_ابتعد يا عمار...لا يصح أن تقترب مني هكذا ولا أن تحتجزني في هذه الشقة الخالية...ماذا لو رآنا أحدهم؟!

أزاح كفها الذي تدفعه به عن صدره ليعاود الاقتراب منها وهو يقول بثقة:

_أنت في حكم زوجتي...

ابتعدت عن حصار جسده وهي تشعر بالخوف لكنها قالت بقوة:

_أنا لا أوافق علي هذا الزواج وأنت تعلم.

عقد حاجبيه بغضب وهو يهتف:

_كفاكِ دلالاً يابنة عمي!!!! كلمة قاسم النجدي لا ترد....أنت زوجتي برغبتك أو رغماً عنك.

هتفت بحدة:

_أي رجل أنت؟!!! تريد الزواج مني رغماً عني!!!!

جذبها من ذراعها بقوة فتأوهت وهي تهمس في توسل:

_دعني يا عمار...

ألصق ظهرها بالحائط وهو يمسك كتفيها هاتفاً في حدة:

_هل تريدين عصيان جدك كشقيقتك الهاربة التي جلبت لنا العار جميعاً؟!!


سالت دموعها علي وجنتيها في قهر وهي تشعر بهوان نفسها...

مجرد جارية أخري من جواري النجدي قرر قاسم منحها لحفيده هذا دون حتي أن يسألها عن رأيها....

هي جويرية النجدي التي كانت تسير بين زميلاتها وقريناتها في المدرسة والجامعة كالملكات بجمالها الهادئ وطلتها الفاخرة وثراء عائلتها الذي لا يخفي علي أحد...

ليست في حقيقة الأمر سوي جارية...

جارية في ثياب ملكية...!!!

لا يحق لها اختيار حياتها ولا زوجها...

قاسم النجدي هو الآمر الناهي هنا...

ولا أحد يملك حق الاعتراض!!!


تأمل دموعها التي كانت تحرق صدره وهو يقاوم أن يضمها لصدره...

يعرف أنها لا تحبه لكنه لن يتنازل عن أن تكون زوجته...

بل إنه يعتبرها بالفعل كذلك!!!

ألم يقل قاسم النجدي كلمته؟!!!

إذن فقد قضي الأمر!!!!


لكن ما يحرق قلبه حقاً هو  إحساسه بالكره في نظراتها نحوه...

وهو الذي لم يعشق امرأة في حياته سواها...!!!!

منذ صغرهما وهي تكبر أمامه كالزهرة التي تتفتح في بطء...

حتي صارت لوحة رائعة تسرق الأنظار...

كان يخشي أن يقضي قاسم النجدي بتزويجها من ياسين فهو أكبر أحفاده وهي الكبيرة في أخواتها...

لكن القدر وقف معه...

عندما قرر قاسم أن يتزوج ياسين من خارج العائلة...

لتكون جويرية...نصيبه وقسمته...

وما أحلي هذا النصيب!!!


تأمل الرعب الناطق في نظراتها بأسف ثم مد أنامله يمسح دموعها هامساً بخشونة لا تليق بعاطفته نحوها:

_لا تنظري إلي برعب هكذا...أنتِ لا تنظرين إلي شبح!!


أغمضت عينيها بقوة وهي تود لو تخبره أنه فعلاً كذلك...

هو الشبح الذي يطارد أحلامها الوردية فيبعثرها جميعاً...

هو المارد الذي يخنق كل أمل لها في الحياة بعيداً عن سجن آل النجدي...

هو أقسي حقيقة تنتظرها ولا تعرف كيف يمكنها الفكاك منها!!!!


ظل يمسح دموعها بأنامله في رقة لا تليق بغلظة طباعه...

وكأنه استعذب ملمس خدها فقالت في رجاء خائف:

_لا تلمسني يا عمار...

قبض أنامله بقوة ثم ابتعد عنها وهو يقول بخشونة:

_سأبتعد عنك يا جوري...لكن ليس لوقت طويل...سأحدث جدي في الأمر لنتم زواجنا بمجرد ظهور شقيقتك ال...!!


لم يتم عبارته لكن معناها المهين وصلها...

أطرقت برأسها وهي تفكر...

كم كانت آسيا صادقة عندما قالت أن فريدة أنجبت ثلاث جوارٍ!!!

وبقدر ما كانت تتمني عودة آسيا لتطمئن عليها...

بقدر ما تكره أن تعود الآن...حتي لا يتم زواجها بهذا الرجل!!!

لن تحتمل العيش مع عمار هذا تحت سقف واحد...

إنه يخيفها...

منذ صغرهما وهو يحب إثارة ذعرها...

حتي كبرت وكبر الخوف منه داخلها...

وعندما علمت أن قاسم النجدي قرر منحها له كزوجة...

سقط قلبها بين قدميها...

لكنها لم تملك حق الاعتراض...

كل ما استطاعت فعله أن تتضرع إلي الله ألا تكون له ...

كيف يمكن أن تتزوجه...

وهي ترتجف رعباً عندما ينظر إليها...؟!!!


لازالت تتعجب من الفارق الشاسع بين ياسين وعمار...

رغم أنهما أخوان...

لكن الأمر يبدو وكأن الحياة قد وضعت الحنان كله  في ياسين واختصت عمار وحده بكل الغلظة والخشونة....

وهي التي تمنت طوال عمرها رجلاً يحتويها بحنانه...

يعوضها يتم طفولتها وافتقادها لأبيها...

رجلاً يكون هو صديقها وأخاها وأباها قبل أن يكون زوجها...

رجلاً...هو أبعد ما يكون عن عمار الخشن الغليظ الذي يثير خوفها بمجرد النظر إليه!!! 


راقب صمتها الحزين بأسف وهو يتمني لو تحمل له من المشاعر ولو ذرة واحدة مما يحمله نحوها...

هو يعرف أنه خشن الطباع لا يجيد فنون الهوي كغيره من الشباب...

لم تكن له أي علاقة مع أي امرأة...

ولا يجيد التلاعب بأحاديث العشق...

بل ...لا يجيد حتي التعبير عن مشاعره...

لكنه موقن أنها لو منحته الفرصة فستشعر بكل هذا الحب الذي ادخره لها وحدها طيلة هذه السنوات...

من المستحيل أن يحمل عشقاً جارفاً هكذا بقلبه ولا تشعر هي به !!!!

غداً...

عندما تتزوجه وتكون معه في بيته ...

ربما استطاع أن ينقل إليها ولو نذراً يسيراً من نداءات قلبه الصامتة!!!!


ابتعد عنها آسفاً وهو يقول بغلظة:

_هيا اذهبي لعملك...وأعدي نفسك للزواج عندما تظهر شقيقتك.


رمقته بنظرات مقهورة...

وهي تفتح الباب لتنزل الدرجات المتبقية من السلم...

ذاهبة إلي المكتبة التي تملكها وتقضي بها أغلب يومها...

لعلها تعيش في خيالها بين الكتب الحياة التي لم يمنحها لها واقعها التعس!!!


راقب انصرافها بقلب حزين...

وهو يتمني لو تتبدل نظراتها التي اعتادها هذه ...

لو يري في عينيها يوماً نظرة حب...

فهل يأتي هذا اليوم؟!!!

==========================================================================

أمسك بدر كفها وهما يتجولان في إحدي المولات بالمدينة الكبيرة المجاورة للمزرعة...

بينما أمسكت هي بكف الصغير ...

تلفتت عن يمينها لتنظر لبدر ثم عن يسارها لتبتسم للصغير...

ثم حمدت الله سراً...

إنها تشعر الآن وهي تمسكهما بكفيها وكأنها امتلكت العالم كله...

دمعت عيناها وهي تقول في نفسها سراً...

لو مِتّ الآن فسأكون راضية...

لقد منحني الله جنة صغيرة علي الأرض...

جنة هي بدر وطفله...

فما الذي بقي من هذه الدنيا لأرجوه بعد؟!!!!


نظر بدر إليها وهو يسألها باهتمام:

_هل تعبتِ من المشي؟!

هزت رأسها نفياً وهي تقول بسكينتها المعهودة:

_لا ...أبداً...الصغير سعيد للغاية بهذه النزهة...دعنا نذهب به للملاهي...

أومأ برأسه إيجاباً وانحني ليحمل الصغير لكنها هتفت برجاء:

_دعه في يدي...أحب أن أمسكه هكذا!


أغمض عينيه في ألم وهو يشعر بما في نفسها هذه اللحظة...

وكيف لا؟؟!!!!

وهي سمية توأم الروح وشقيقة القلب؟!!!

سمية التي تمسك طفلها الآن وكأنها تتشبث به خوفاً من أن يسرقها الموت في أي لحظة...

تتشبث به وكأنه كنزها الذي ادخرته طوال عمرها القصير وتخشي أن تفقده...!!!


تمالك مشاعره العاصفة وهو يسير معهما حتي وصلوا لمدينة الألعاب...

ركب بدر مع الصغير إحدي الألعاب وهو يلوح لها بكفه في مرح....

كانت سمية تراقبهما بمزيج من الفخر والفرح وهي تري السعادة الواضحة علي وجه صغيرها ...

ابتسمت في حنان...

وهي تستخرج هاتفها من حقيبتها...

لتأخذ لهما بعض الصور...

وعندما انتهيا من اللعب...

طلب منها بدر أن يأخذ لهم عدداً من الصور الجماعية....

تغيرت ملامح وجهها وأغمضت عينيها بقوة وهي تهمس في اعتراض:

_لا يا بدر...لا أريد أن تلتقط لي صوراً معكما.

عقد حاجبيه في شدة وهو يسألها:

_لماذا يا سمية؟!


ابتسمت في شحوب وأشاحت بوجهها دون أن ترد...

ماذا يمكنها أن تقول له؟!!!

هي لا تريد أن يحتفظ منها بأي ذكري تنغص عليه حياته بعدها...

بل هي تتمني فعلاً لو يتمكن من نسيانها كي يمضي في حياته بعدها هو والصغير...

لا تريد له أن يدفن نفسه في أطلال ماضٍ لن يعود ليضيع عمره هباءً!!!!


بدر يعشقها!!!

هي تعلم أكثر من غيرها من تكون سمية بالنسبة إليه!!!

في ظروف غير هذه كانت ستكون أكثر النساء سعادة بحب كهذا!!!!

لكن في وضعها الحالي...

ستكون أنانية منها لو تدفنه معها حياً...

لو سمحت له بالسير خلف قلبه والعزوف عن الحياة بعدها!!!!


أمسك بكفها وهو يهتف في حزم:

_سنلتقط صوراً لنا معاً...ليست واحدة...بل عشرات....

امتلأت عيناها بالدموع وهي تهمس :

_لا تفعل...لا تعاند القدر يا بدر...ما أماتته الأيام لن تحييه الذكري!!!


وكأنه لم يستمع إليها...

تناول هاتفه ليلتقط لها وللصغير عشرات الصور...

ابتسمت رغماً عنها وهي تري عناده الذي طالما عشقته...

اتسعت ابتسامتها عندما منح هاتفه لأحد المارة وطلب منه أن يلتقط لهم صورة جماعية...

أقسم بداخله أن تظل تنير روحه للأبد...

سمية الغالية لن تموت بداخله أبدا!!!!!

==========================================================================

_انتحرت؟!

هتفت بها رقية في جزع وهي تضع كفها علي شفتيها ممسكة بهاتفها....

اندفع نحوها ياسين بسرعة وهو يسألها بلهفة تمتزج بالخوف:

_من هذه التي انتحرت؟! مع من تتحدثين يا رقية؟!!

التفتت نحوه بملامح مضطربة...

ثم ناولته الهاتف...

وهي ترمقه بنظرات مشفقة...

تناول منها الهاتف بأصابع مرتجفة....

وقلبه ينتفض برعب لم يعرفه طوال عمره...

هل من الممكن أن تكون هي؟!!!!!


وصله صوت السيد عاصم يهتف بجزع:

_رقية ....أين ذهبتِ يا بنتي؟!

خرج منه صوته بصعوبة يقول ببطء:

_أنا ياسين يا عمي.

صمت السيد عاصم للحظات ...

ثم استجمع شجاعته ليقول بنبرة مواسية:

_لله ما أعطي وما أخذ يا بني...لقد وصلت تحرياتنا إلي أن ابنة عمك كانت متواجدة قرب شاطئ البحر...حيث وجدنا حقيبة يدها وبها بعض أوراقها...استدعينا فريق البحث والانقاذ...لنجد ملابسها التي كانت ترتديها لكننا لم نعثر علي الجثة...


جثة؟!

جثة؟!

بمَ يهذي هذا الرجل؟!!!!!

آسيا...جثة؟!!!!

ترنح قليلاً في وقفته فأسندته رقية وهي تهتف في جزع:

_تماسك يا ياسين...

نظر إليها في دهشة للحظات...

ثم تحولت نظراته للتوسل وهو يهمس في ألم:

_هذا ليس حقيقياً...أليس كذلك؟!


نقلت بصرها بتوتر بينه وبين الهاتف...

ثم تناولته منه لتقول لوالدها في اقتضاب:

_سأحدثك لاحقاً يا أبي.


أغلقت الاتصال بسرعة...

ثم سحبت ياسين- الذي كان يقف مصعوقاً -من كفه لتجلسه علي أحد الكراسي...

صبت له كوباً من الماء وهي تقول بخوف حقيقي:

_ياسين...اشرب هذا.

لم ينظر إليها بل ظل وجهه علي جموده الشارد...

فهتفت بقوة وهي تهزه من كتفيه وقلبها يكاد يتوقف قلقاً:

_ياسين...هذه ليست حقيقة بعد!

التفت نحوها بحدة أخيراً فقالت بسرعة:

_طالما لم يعثروا علي....


تلعثمت في نطق الكلمة قليلاً مشفقة من تأثيرها عليه ....ثم أردفت بخفوت:

_طالما لم يعثروا علي جثتها فهذا يعني أنه لا يزال هناك أمل أن تكون علي قيد الحياة.


عاد يشيح بوجهه عنها في شرود...

وهو لا يكاد يستوعب هذا الذي سمعه -لتوه-...

هل من الممكن أن تفعلها آسيا؟!!!

هل فعلتها لأنه خذلها؟!!!!

اتسعت عيناه في ارتياع...

أي جرحٍ تركه في قلبها كي تقدم علي الهرب وإنهاء حياتها بهذه الطريقة؟!!!!

لو كان يعلم أنها ستفعلها لكان وقف في وجه جده ورفض هذه الزيجة...

بل ربما كان قد هرب معها ليتزوجا بعيداً عن طغيان النجدي!!!

لو كان يعلم أن آسيا صغيرته الحبيبة ستقتل نفسها لقدم روحه فداءً لها!!!!


وضعت رقية كفها علي كتفه في تردد...

وهي تهمس في وجل:

_ياسين!


لم ينظر إليها...

لكنه وقف ليتجه نحو باب الشقة....

تبعته بسرعة وقلبها يرتعد خوفاً عليه...

صعد درجات السلم فتبعته في وجل مشفق مما ينتويه...

دون أن تجرؤ علي سؤاله....

حتي وصل لسطح المنزل...

فتح الباب ببطء لينطلق صريره المعتاد...


توجه نحو الجدار الذي حفر عليه نقشهما يوماً...

أول حرف من حروف اسمه بالانجليزية يلتف حول حرفها الأول ليحتويه وكأنه يحتضنه!!!!

تحسس النقش علي الجدار وقد امتلأت عيناه بالدموع التي أبت أن تغادرهما...

وقفت رقية مبهورة تراقب النقش الذي يتحسسه علي الجدار...

لاريب أنه يخصهما....هو و آسيا...

خفق قلبها بقوة وهي تشعر بمزيج هائل من المشاعر...


شفقة...

علي هذا الرجل الذي فقد معشوقته غدراً...

غيرة...

علي قلب رجل يفترض أنه زوجها ومع هذا تراه مدلهاً في حب سواها. .

ذنب...

لأن وجودها في هذه العائلة هو الذي تسبب في هذه المأساة...

خوف...

من مستقبلها المجهول في هذا البيت بعد ما حدث!!!!

وأخيراً...

عشق...

عشق جارف لم تعرف له سبباً وليس لها عليه سيطرة ...

عشق لهذا الرجل أمامها والذي لا يكاد يراها ولا يشعر بها...

وهي من هي!!!!

 رقية الهاشمي...

من كانت تلقب بنجمة السماء التي تهفو إليها القلوب...

لكن قلبها الأحمق للأسف...لم يتعلق سوي بهذا الرجل!!!!


قطع أفكارها عندما التفت إليها فجأة من شروده...

وكأنه لاحظ وجودها الآن فقط!!!

ليقول بصوت متهدج:

_دعيني وحدي يا رقية...أرجوكِ!


ترددت قليلاً...

ثم حسمت أمرها وغادرته...

لتختبئ خلف باب السطح تراقبه دون أن يشعر خوفاً من أن يؤذي نفسه....


لم تمض لحظات حتي سمعت صوت نشيجه الباكي...

عضت علي شفتيها بقوة وهي تراه يخبط رأسه في الجدار عدة مرات...

كادت تذهب إليه لتمنعه من أن يؤذي نفسه...

لكن ساقيها تجمدتا...

تماماً كقلبها الذي فقد دقاته...

وهو يراقب مسلسل خسارته المستمر...

لكن بشفقة هذه المرة!!!

==========================================================================

أغلق قاسم باب غرفته خلفه بعدما أعطي أوامره بألا يدخل عليه أحد...

توجه نحو الجدار الذي علقت عليه صور أولاده...

تأمل الصور كلها بتفحص جامد...

ثم تعلقت عيناه بصورة سعد.....

أطرق برأسه للحظات مستنداً علي عصاه...ثم أزاحها بعيداً...

سقطت عباءته من علي كتفه...

فأمسكها بيديه ثم وضعها علي صورة سعد...

حتي غطاها تماماً...

ثم همس في ألم لم يخلُ من شموخ النجدي المعتاد:

_لن أستطيع أن أنظر لصورتك بعد يا ولدي...لقد أضاع والدك أمانتك!


دمعت عيناه لأول مرة منذ سنوات طويلة....

بالتحديد...

منذ تلك المرة التي ودع فيها حمزة قبل سفره للندن...

أحفاده هم نقطة ضعفه الوحيدة...

يشهد الله أنه لم يرد لهم يوماً إلا الخير كما يراه...

هو يعرف أنه قد يقسو عليهم أحياناً...

لكنه يري ما لا يرونه...

هو يريد أن يضمن لهم الحماية من غدر الأيام...

العائلة هي الضمان الوحيد لأفرادها...

هي أمانهم وسندهم...

لن يسمح لحبات العقد أن تنفرط!!!!


إن كان سمح لياسين بالزواج من خارج العائلة ليستمد النفوذ والسلطة من عائلة الهاشمي....

لكنه لن يسمح بالمزيد من التشتت...

جويرية وساري لن تنالا مصير آسيا...

لن تسحبهما الدنيا بعيداً عنه...

ستبقيان في كنف العائلة محميتين بابني عمهما...

عمار وحذيفة....

ويجب أن يتم هذا في أقرب وقت...

حتي يطمئن علي ما تبقي من أمانة ولده سعد!!!!


جلس علي كرسيه في انهيار وهو يفكر ...

ما الذي دفع آسيا لتفعل فعلتها هذه؟!!!

ما الذي يدفعها للانتحار وإنهاء حياتها بهذه الطريقة ؟!!!


اتسعت عيناه في ارتياع...

وقد جاءه خاطر مزعج....!!!!!

هب من مقعده ليتوجه نحو باب الغرفة يفتحه بسرعة ليصرخ في غضب:

_أريد ياسين حالاً!!!!


لم تمض بضع دقائق حتي كان ياسين واقفاً بين يديه في انكسار....

تأمله قاسم طويلاً ثم قال في صرامة:

_أغلق الباب وتعال هنا.


أطاعه ياسين في صمت...

ليعود إليه صاغراً...

نظر إليه قاسم للحظة ثم هوي علي وجهه بصفعة مدوية....

ضم ياسين قبضته بقوة ثم أغلق عينيه في ألم....

عندما قال قاسم بصوت خفيض وهو يكز علي أسنانه:

_ما الذي حدث بينك وبين آسيا بالضبط حتي تلجأ للانتحار؟!


فتح ياسين عينيه ببطء وهو ينظر إليه في ارتياع....

لا يصدق ما يحاول جده التلميح إليه....

جذبه قاسم من ياقة قميصه وهو يسأله بقسوة:

_هل اعتديت علي عرض ابنة عمك؟!

هتف ياسين بسرعة:

_لا يا جدي...أقسم لك أنني لم أمسها يوماً ...

ثم أردف بخفوت:

_سوي تلك المرة ليلة الزفاف.


ضاقت عينا قاسم وهو يتأمله في تفحص...

ياسين لا يكذب...

لو كان يفعل لاكتشف ذلك بسهولة!!!!


إذن لماذا انتحرت تلك الفتاة؟!!!

ما الذي دفعها لهذا؟!!!!

حتي لو كان عاقبها علي فعلتها المشينة ليلة الزفاف بإقصائها عن العائلة لفترة...

لكن هذا لا يستوجب أن تلجأ لقتل نفسها...

يوجد سر في هذا الأمر!!! !

ظل صامتاً للحظات يتأمل ياسين في غضب مكتوم...

ثم قال بصرامة:

_عد لزوجتك...واذهب بها بعيداً عن هنا....سافر بها لأي مكان...هي لا ذنب لها في هذه المأساة التي حلت علينا.

هتف ياسين بجزع:

_لكن يا جدي ...أنا أريد البقاء جوار عمتي فريدة وبنتيها....كيف أتركهما في هذه الظروف؟!!!

وقف قاسم في شموخ مستنداً علي عصاه وهو يقول في حدة:

_عمتك فريدة لا تريد رؤية وجهك أصلاً...أنا لا أدري ما الذي كان يدور خلف ظهري لكنها تحملك المسئولية بشكل أو بآخر....اصنع لها معروفاً ولا تدعها تراك هذه الأيام....


قال ياسين بضراعة:

_صدقني يا جدي...أنا لم أؤذ آسيا يوماً...أنا...


قطع عبارته وقد اختنق حلقه بغصته...

لا يستطيع أن يكمل عبارته...

ماذا يمكنه أن يقول؟؟؟؟

آسيا هذه التي يتهمه أنه آذاها وأنه سبب موتها...

كانت أقرب إليه من روحه!!!!

كانت رفيقة قلبه وعمره...!!!!

كانت...

كانت...

أغمض عينيه بألم وهو،ينتبه أنه صار يتحدث عنها بصيغة الماضي...

آسيا صارت ماضياً...

وهي التي كانت الحاضر والمستقبل!!!!!!

==========================================================================

فتح عمار باب تلك الغرفة الصغيرة المنزوية في مدخل المنزل...

تقدم ببطء وهو يميز جسدها وسط ظلام الغرفة تجلس علي الأرض رافعة ركبتيها إلي صدرها وتدفن وجهها بينهما....

تحتضن ركبتيها بذراعيها ويهتز جسدها بانتفاضة البكاء...

توقف مكانه لحظات يرقبها بعينين ملتاعتين....

ثم جلس جوارها مستنداً علي الحائط وهو يهمس بخشونته التي تعرفها:

_كنت أعرف أنني سأجدك هنا.


رفعت رأسها إليه لكن نظراتها خلت من الخوف هذه المرة....

لم يترك الحزن في عينيها مكاناً لمشاعر أخري!!!!

نظر إليها للحظات ثم قال بخفوت:

_عندما كنتُ أثير خوفك في صغرنا كنتِ تحتمين بهذه الغرفة...وعندما توفي والدك رأيتكِ تبكين هنا...لهذا كنت واثقاً أنك ستختبئين هنا...


عادت تدفن وجهها بين ذراعيها وهي تنشج في صمت...

رغم أنها لم تتصور عمار هذا يفهمها هكذا لكنه محق!!!

هذه الغرفة هي التي تلجأ إليها عندما تريد الاختباء عن عيون الناس لتختلي بأحزانها...

وكم تتوق لهذا الآن...

تتمني لو تكون بشجاعة آسيا فتهرب من هذا الجحيم...

تتمني لو تعيش بعيداً عن رقّ آل النجدي الذي فرض عليها فرضاً...

تتمني لو تملك القدرة علي الاختيار والحب والحياة...

ولا تموت ذليلة معذبة كآسيا!!!!


عادت تتذكر آسيا فازداد نحيبها وهي تشعر بالقهر...

أي ظلم هذا الذي يدفع فتاة في عمر الزهور كآسيا لتلقي حتفها بهذه الصورة...؟!!!!


يقولون أنها انتحرت...

لكنها تعرف أن آسيا لا تفعلها...

لكن ربما آذاها أحدهم وتعرض لها ثم ألقاها في الماء ليخفي جريمته....

عقدت حاجبيها بشدة عندما راودها هذا الخاطر المزعج...

وشعرت بسيف من النار يخترق قلبها....

أخذ صدرها يعلو ويهبط في انفعال وهي تتخيل أسوأ ما يمكن أن تكون قد تعرضت له آسيا الحبيبة....

رفعت رأسها بسرعة وهي تقول بانهيار:

_افتح النافذة بسرعة يا عمار...لا أستطيع التنفس.


نظر إليها لحظة بقلق...

ثم هب بسرعة ليفتح النافذة....

عاد يجلس جوارها وهو يترقبها بتفحص...

كان صدرها ينتفض...

بل جسدها كله وكأنها فعلاً عاجزة عن التنفس!!!!


أمسك بكتفيها يرفعها لتقف وهو يقول بقلق:

_اهدئي يا جوري ...

تأملت ملامحه في شرود وقد عادت إليها صورة آسيا وهي تقول لفريدة:

_لقد ربيتِ ثلاث جوارٍ...

نعم...

هن جوارٍ لدي قاسم النجدي ...

يمنحهن لمن يشاء!!!

لقد أفلتت الجارية الأولي من قبضته...

لكن الدور قادم إليها...

وإلي ساري الجارية الثالثة!!!


عمار المخيف سيكون زوجها الذي ستنجب منه جوارٍ مثلها...

هذا قدر كل فتيات النجدي!!!!


هز كتفيها بقوة وقد بدأ يشعر بالرعب من نظراتها المتجمدة وأنفاسها المتلاحقة...

ثم هتف بقوة:

_جوري...انظري إلي...

هزت رأسها نفياً وهي ترفض النظر إليه....

وصورة آسيا تحتل رأسها ...

ثم صورته وهو يقول :

_كلمة قاسم النجدي لا ترد....أنتِ زوجتي برغبتك أو رغماً عنكِ!!!


دارت بها الأرض وهي تشعر بنفسها كالريشة في مهب الهواء....

لتسقط فجأة بين ذراعيه...

فاقدة للوعي...

==============


إعادة نشر #جارية_في_ثياب_ملكية

الفصل الرابع:


فتحت راجية باب شقتها ثم شهقت بارتياع وهي تري عمار يحمل جويرية الفاقدة لوعيها..... فهتفت 

_ماذا حدث يا عمار؟!

هتف عمار بخشونته المعتادة:

_أخفضي صوتك يا أمي.

تنحت راجية عن طريقه فسار بها إلي غرفته ليضعها علي سريره برفق...

لحقته راجية بسرعة وهي تقول بقلق:

_أخبرني يا بني ما الموضوع؟!!!

جلس عمار علي طرف فراشه وهو يقول بتوتر:

_لقد وجدتها فاقدة للوعي في غرفة المدخل الصغيرة...لقد استدعيت لها طبيباً لكنني لا أريد أن تراها العمة فريدة...إنها تكاد تموت حزناً علي آسيا ولا تنقصها صدمة جديدة...دعيها هنا حتي يأتي الطبيب ونطمئن عليها...


أومأت راجية برأسها في تفهم وهي تقول:

_عين العقل يابني...فريدة لن تحتمل رؤيتها هكذا...

قالتها وهي تتقدم نحو جويرية التي كان وجهها شاحباً كالموتي...

سالت الدموع من عينيها غزيرة وهي تهتف:

_حبيبتي يا بنتي!!


ابتلع عمار غصته وهو يقاوم فيض مشاعره...

إلي الآن هو لم يتمالك رعبه منذ رآها تسقط فاقدة للوعي بين ذراعيه...

لم يصدق أنه يحبها إلي هذه الدرجة إلا عندما وجد نفسه لحظتها يتمني لو يفتدي حزنها بعمره كله...

ربما تعانده طبيعته الجافة...

وقلة خبرته مع النساء...

وخشونة ألفاظه التي لا يقصدها...

لكنه يتمني لو تشعر يوماً بما في قلبه نحوها!!!


قطعت راجية أفكاره وهي تهتف في لهفة:

_لن أنتظر الطبيب سأحضر لها كوب ماء بالسكر ...


تركته مسرعة ذاهبة للمطبخ فيما تأمل هو ملامحها الشاحبة بقلق يمتزج بالترقب...

ثم تلفت حوله في دهشة...

لا يصدق أن جوري...حبيبة قلبه التي طالما كانت ملكة أحلامه هنا معه في غرفته علي سريره...

حتي لو رحلت بعدما تفيق...

سيظل عطرها عالقاً علي وسادته يحمل له بعضاً منها...!!!!


أخذ نفساً عميقاً وهو يقول لنفسه...

الصبر يا عمار ...

الصبر...

سنضطر للانتظار لكثير من الوقت حتي تفيق العائلة كلها من صدمة آسيا...

بعدها ستكون جوري لي...

طوال العمر!!!!


زفر بقوة وهو،يتذكر آسيا...

رغم ما يعلنه دوماً عن حنقه علي تلك الطائشة...

لكنه في نفسه حزن كثيراً لموتها بهذه الطريقة...!!!

لازال لا يصدق أنه لن يراها بعد الآن...

لقد تربت معه وكبرت أمامه يوماً بعد يوم...

حتي لو كانت أخطأت بفعلتها المشينة ليلة زفاف ياسين..

ورغم أنه كان حانقاً عليها بشدة خاصة بعد هروبها...

لكنه يتمزق وهو عاجز عن تخيل العذاب الذي واجهته قبل أن تلقي هذه الميتة البشعة...

كان الله في عون العمة فريدة وبنتيها...!!!


عاد ينظر لجويرية المغشي عليها بشفقة حانية...

مد أنامله برفق ليتحسس وجنتها التي لازال يذكر ملمسها...

لكنه تذكر همسها الراجي يومها...

_لا تلمسني يا عمار!!


قبض أنامله بقوة وابتعد بها عنها وهو يهمس في نفسه...

ليس بعد يا عمار...

ليس بعد...!!


دخلت راجية بالكوب في يدها عندما رن جرس الباب فانتفضت بهلع ...

قام عمار يهتف بسرعة:

_لا تخافي ...لعله الطبيب...

توجه عمار يفتح الباب بسرعة...

ليطالعه وجه الطبيب الشاب المبتسم:

_مرحباً...أنا دكتور زياد...أين المريضة؟!

========================================================================

استيقظت من نومها وابتسامة سعيدة تشق طريقها إلي شفتيها...

لقد كانت تحلم به...

حمزة ...!!

الرجل الغريب الذي دخل حياتها فجأة ليقلبها لها رأساً علي عقب...

غريب؟!!!

لا لا...

إنها لا تشعر به غريباً علي الإطلاق...

علي العكس...

هي تشعر وكأنها تعرفه منذ سنوات طويلة...

ضحكته الصافية تشعر نحوها بالألفة وكأنها تحتضن جفاف روحها لتمنحها السكينة بسخاء!!!

رغم ما يبدو،بينهما من اختلافات في الفكر...

ورغم البون الشاسع بين عالميهما...

لكنها تشعر بشئ يجذبها نحو عالمه...

لعلها الرغبة في المغامرة...؟!!!

حب الاستكشاف؟!!!

لا تدري...

لكنها تحب وجوده وصحبته والاستماع لأوامره الحنون التي يلقيها عليها بمرح فتجد نفسها منصاعة له كالمسحورة!!!!


هبت من فراشها وهي تتوجه نحو مرآتها تتأمل ملامحها الجميلة بلهفة...

وهي تتساءل...

تري ...هل أعجبه؟!!!


هزت رأسها في مرح وهي تندفع نحو خزانة ملابسها تتأمل محتوياتها...

تري ...أي هذه الثياب يفضلها حمزة؟!!!!


وبعد ساعة كانت معه في المشفي لكنه كان منشغلاً عنها بالقراءة في إحدي الكتب...

نادته بتردد:

_حمزة؟!

التفت إليها بابتسامته المميزة وهو يقول:

_نعم يا مارية...هل تريدين شيئاً؟!

أطرقت برأسها وهي تقول بتردد:

_الليلة عيد ميلاد آندي صديقي...ما رأيك لو تصطحبني؟!


تمالك ضيقه الذي يعرف أسبابه...

واتسعت ابتسامته وهو يقول ببرود مصطنع:

_عفواً عزيزتي...لن أستطيع.

همست بتوسل:

_لماذا يا حمزة؟! أنا أريدك أن تتعرف علي جميع أصدقائي.

قبض كفه بقوة وهو يقول بنفس البرود:

_لا أحب هذه الحفلات يا عزيزتي...

دمعت عيناها رغماً عنها وهي تهمس في حزن مس قلبه:

_لا تحب التواجد معي؟!!


نقر بأصابعه علي سطح المكتب في شرود...

مارية العزيزة لا تفهمه...

هو يحاول جاهداً تقليص الفجوة بين عالميهما دون أن يضطر لتقديم أية تنازلات...

مارية آدم هي التحدي الذي أصر علي النجاح فيه منذ رآها أول مرة ليخفق لها قلبه بعنف...

هو لا يستطيع الجزم بأنه يحبها...

لكنه يعشق تفاصيلها...

براءتها الطفولية...

وروحها الرائقة الشفافة...

ونظرات عينيها المنبهرة به دوماً وكأنها طفل يتعلق بذراعه ليستكشف بوجل عالماً جديداً كان غافلاً عنه!!!


لكنه يخشي عاقبة ذلك...

هو لن يستطيع إدخالها إلي عالمه بصورتها الحالية...

هو حمزة حبيب النجدي...

حفيد قاسم النجدي...

لم يُنسه العيش في لندن طيلة هذه السنوات أصوله الصعيدية...


ابتسم رغماً عنه وهو يتذكر ردة فعل جده قاسم النجدي لو دخل عليه بمارية وعرفها له علي أنها زوجته!!!!

ربما أطلق عليهما النار معاً وقتها!!!!


زفر بخفوت وهو يتذكر أن جده يخطط لتزويجه بآسيا...

آسيا الفاتنة الصغيرة التي لا يذكر عنها سوي ملامحها الطفولية عندما رآها آخر مرة...

لقد كان مستعداً لإتمام هذه الزيجة ...

 حتي يرضي جده قبل أي شئ...

خاصة وآسيا العزيزة لا يرفض الزواج منها رجل عاقل...

هي ستكون طبيبة مثله...فاتنة ...مهذبة...وفوق كل هذا هي ابنة عمه وتربية العمة فريدة الرائعة!!!

لكن ظهور مارية في حياته قلب له كل الموازين...

مارية التي ترقبه الآن كطفلة غاضبة بائسة!!!!!


وأمامه كانت مارية تتأمل شروده بقلق غاضب...

لماذا يرفض حضور الحفل معها؟!!!

هل يكره التواجد معها إلي هذه الدرجة؟!!!

أم أنه يخفي عنها شيئاً؟!!!


انتبهت في هذه اللحظة أنها لا تعرف شيئاً عن حمزة حبيب!!!!

لم ترَ له عائلة هنا ولا أصدقاء...

هو يحب العزلة دوماً ولا أحد يعرف عنه أي شئ!!!

لكنها هي ستعرف...

لابد أن تزيح الستار عن غموضه هذا حتي تفهمه جيداً!!!!


وقفت لتقول له بكبرياء طفولي:

_يبدو أنني أعطلك عن عملك ....أراك لاحقاً!!!

لم تمنحه فرصة للرد وهي تندفع مغادرة الغرفة بسرعة...

فابتسم في حنان وهو يهمس :

_مارية الغالية...آه لو تفهمين!!!!

==========================================================================

جلست ساري في مكتبة الكلية واضعة رأسها بين كفيها تخفي دموعها...

لم تستطع البقاء في المنزل ليوم آخر...

حادثة آسيا قصمت ظهور الجميع...

فريدة تكاد تموت حزناً ...

وجويرية تقضي وقتها في غرفة المدخل المنزوية تجتر حزنها وحيدة بعيدة عن الجميع...

وياسين يتحرك بينهم كالموتي ذابلاً شاحباً...

وكأن عمره تضاعف فجأة في هذه الأيام...!!!

حتي قاسم النجدي نفسه بجبروته وقوته يبدو الحزن مختلطاً بتجاعيد وجهه التي تشعر أنها زادت كثيراً منذ سمع الخبر....


لكنها وبرغم حزنها الشديد علي آسيا لا تصدق أنها فعلتها...

خاصة أنهم لم يعثروا علي جثتها...

صوت بداخلها يخبرها أنها لازالت علي قيد الحياة...

من يدري؟!!!

ربما جعلت الأمر يبدو كانتحار كي تستطيع الهرب من جبروت النجدي للأبد...!!!!


لا تدري لماذا ارتاحت نفسها لهذا الخاطر وصدقته حد اليقين...

ربما لأن الاحتمال الآخر يقتلها ببطء...

لازالت تذكر حضنهن الجماعي الذي حظين به قبل أن تسافر آسيا في تلك الرحلة المشئومة...

لازالت تذكر قولها لآسيا أنها ستعود بينهن من جديد لكنها ستعود أخري قوية تحدد مصيرها بنفسها...

ولا تريد تصديق عكس ذلك...


لا تقولوا أن آسيا استسلمت لمصير الجواري وأنهت حياتها يائسة بهذا الشكل!!!!

لا تقولوا أن طغيان قاسم النجدي ذبح الحياة في قلب آسيا النابض !!!

لا تقولوا أن آسيا رحلت ككل شئ جميل في هذه الحياة ...

أم أنها -آسيا-كانت  أجمل من أن تبقي في عالم قبيح كهذا؟!!!


تنهدت في حرارة وهي تتذكر قسمة النجدي لهن ...

آسيا لحمزة...

وجويرية لعمار...

وهي لحذيفة!!!


هي الوحيدة وسط أخواتها التي لم تعترض علي هذه القسمة...!!!

هي الوحيدة التي أرضتها منحتها لحذيفة...

نعم...

هي تحبه!!!

جنون؟!!!!

نعم...لا توجد امرأة عاقلة يمكنها الاطمئنان لحذيفة...

حذيفة العابث الذي تتحدث المدينة كلها عن علاقاته العاطفية ومغامراته مع النساء!!!

حذيفة الذي فشل في دراسته ولولا عمله في تجارة جده مع عمار لكان الآن عاطلاً في الشوارع...

حذيفة الذي يرمقها دوماً بنظرات الاستهجان وكأنه يستكثر نفسه عليها....!!


ورغم كل هذا تحبه...

تشعر نحوه بشعور الأم نحو طفلها المشاكس الذي يضايق الجميع بشقاوته لكنها تراه أروع طفل في العالم...

نعم....

حذيفة يستفز أمومتها الكامنة ...

تشعر أن بداخله روحاً طيبة لكنه يفتقر فقط لمن يرشده للطريق الصحيح...

وهي تظن نفسها قادرة علي ذلك....

فقط ...لو يمنحها الفرصة!!!!!!


هي تعرف قدر نفسها جيداً...

فهي أقل أخواتها جمالاً...

وبدلاً من أن يدفعها هذا للاهتمام بمظهرها كي تبدو أفضل دفعتها طبيعتها العنيدة للظهور دوماً بمظهر "المسترجلة" ونأت بنفسها عن أي مظهر للأنوثة في مظهرها...

بل إنها لا تبالغ لو قالت أنه لولا حجاب رأسها لبدت في ثيابها كالصبيان...!!!!

ببنطالها المصنوع من الجينز...وقميصها الطويل فوقه!!!

هذا هو طرازها الذي حافظت عليه ولم تغيره...!!!


صحيح أنها فكرت في تغييره يوماً ربما تلفت نظر حذيفة إليها...

لكنها تراجعت...

من ناحية ...كرامتها تمنعها من لفت انتباهه بهذه الطريقة الرخيصة...!

ومن ناحية أخري هي لا تريد الدخول في هذه المعركة الخاسرة ...

ساري "المسترجلة" ستخسر المقارنة حتماً مع أي من فتيات حذيفة اللاتي يحُمن حوله...

فلماذا ترهق نفسها في هذه الحرب التي تعرف نتيجتها مسبقاً؟!!!!!


رفعت وجهها أخيراً وهي تنتبه أنه حتي لم يواسِها بعد مصيبة آسيا ولو بكلمة...

وكأنه عازف حتي عن الحديث إليها...

لكنها تعرف أنه سيرضخ لرغبة قاسم النجدي في النهاية...

سيتزوجها راغماً...

لا تدري إن كان من المفترض أن يحزنها هذا أم يسعدها...

لكنها ستتقبل مصيرها راغمة!!!


ستترك الأيام تدير لها دفة حياتها دون تدخل منها...

من يدري؟!!!!

ربما كان هذا هو الأفضل...

هاهي ذي آسيا اعترضت...

وخرجت عن سيطرة النجدي في سابقة تعد الأولي في هذه العائلة...

فما الذي جنته؟!!!!


تذكرت آسيا فعادت دموعها تنهمر من جديدفي حزن واضح...

عندما سمعت صوته خلفه...

_كيف حالك يا ساري؟!


التفتت بحدة لتجده بلال ...

بلال الهاشمي شقيق رقية والذي هو زميلها في نفس الكلية...

وفي نفس العام أيضاً!


جلس جوارها وهو يقول في إشفاق:

_البقاء لله...رحم الله شقيقتك !


مسحت دموعها في إباء وهي تقول في هدوء:

_شكراً يا بلال...


تأملها طويلاً في مودة حقيقية...

ساري النجدي فتاة مختلفة عن بقية الفتيات هنا في الجامعة...

رغم أنها تبدو "مسترجلة" لكنه يعرف أن بداخلها أنثي حقيقة...

أنثي تمتلئ حناناً وعاطفة لكنها تخفي ذلك خلف مظهرها الرجولي الواثق هذا!!!


هو يعرف عن أنشطتها الخيرية الكثيرة لمساعدة الفقراء والمحتاجين...

والتي تبذل فيها وقتها وجهدها ومالها أيضاً  دون بخل...

فتاة كهذه جوهرة نادرة في هذا الزمان...

حيث لم تعد الفتيات منشغلات سوي بالموضة والثياب وقصص الحب الهابطة!!!!


سألها في اهتمام:

_كيف حال والدتك؟! لاريب أنها منهارة...كوني قوية من أجلها يا ساري ...هي تحتاج إلي قوتك الآن.


ابتسمت في شحوب وهي تفكر...

كم تمنت سماع هذه الكلمات من حذيفة...

كم تمنت لو يحدثها بهذا الاهتمام وهذه النظرة المقيمة لقوتها...

كم تمنت لو يواسيها ولو بجملة مجاملة...!!!!


بينما ابتسم بلال لابتسامتها التي أنارت وجهها رغم شحوبها...

وهو يقول في إعجاب واضح:

_السيدة فريدة أحسنت  تربية بناتها.


احمرت وجنتاها وهي تقول بحرج:

_رقية أختك رائعة أيضاً...أنا أحبها كثيراً...

اتسعت ابتسامته وهو،يقوم من مكانه ليقول بهدوء:

_لن أطيل الجلوس معك حتي لا أضايقك...أنا أردت فقط أن..... أطمئن عليك.


قال عبارته الأخيرة بعاطفة اخترقت قلبها كشعاع نور...

راقبت خطواته المنصرفة بحسرة واضحة...

لماذا لم تحدثني يوماً بهذه الطريقة يا حذيفة؟!

لماذا لم ترمقني بهذه النظرة الحنون؟!

لماذا تكون المرة الأولي التي يخفق فيها قلبي لثناء رجل لا تخصك أنت؟!!!

أنت الذي لم أتمنَ يوماً رجلاً سواه!!!!


ابتلعت تساؤلاتها المريرة وهي تقوم من مكانها لتغادر مكتبة الكلية...

عائدة لمنزلها...

وهي تتمني في كل خطوة تخطوها أن يتغير وضعها البائس هذا...

وأن تكتب الأيام لفريدة وبناتها ما يستحققنه من السعادة!!!

==========================================================================


سمعت طرقات خافتة علي باب غرفتها فتجاهلتها ...

لاشئ يستحق الاهتمام الآن...

لقد رحلت آسيا...

قطعة من روحها تركتها ولن تعود...

شعرت بألم حقيقي في قلبها فوضعت يدها علي صدرها...

عادت الطرقات علي الباب اكثر قوة...

فتحاملت علي نفسها لتقف وتتوجه نحو الباب ...

فتحت الباب....

ليطالعها وجه ياسين...!!!!


ظهرت القسوة في عينيها للحظات...

هي تحمله مسئولية ما حدث بشكل أو بآخر...

لو لم تحبه آسيا بكل هذا الجنون لما أنهت حياتها بهذه الصورة...

لو لم يجبن عن مواجهة جده بحبهما ربما كانت ستكون هناك فرصة لهما معاً...!!!


استغفرت الله سراً...

وقد عاد إليها إدراكها...

ياسين لم يكن يملك من الأمر شيئاً...

لماذا تلومه علي جبنه وهي مثله...

كلهم مثله..

لا أحد يجرؤ علي الوقوف في وجه قاسم النجدي!!!!


تحولت نظرات فريدة تدريجيا من القسوة إلي الحزن...

وهي تتمعن في ملامحه الآسفة الحنون...

ثم أطرقت برأسها وهي تهمس في حزن مزق قلبه:

_لقد رحلت آسيا يا ياسين.


أخذ ياسين نفساً عميقاً وهو يرفع رأسه لأعلي يكتم دموعه التي لو سمح لها بالنزول فلن تتوقف أبداً...

آسيا الحبيبة لا تكفيها كل دموع الكون رثاءً!!!

آسيا التي أحبته حتي الموت دون أي مبالغة!!!

آسيا التي أخذت برحيلها جزءاً من روحه معها وأبداً أبداً لن يعود!!!!


تنحت له فريدة لتفسح له الطريق هامسة بانكسار :

_ادخل يا بني...


دخل ياسين غرفتها بوجل...

لتدخل هي وراءه...

جلس علي أحد الكراسي وهو يقول بأسف:

_جدي يقول أنك تحملينني مسئولية رحيل آسيا.

تنهدت في حرارة وهي تجلس قبالته هامسة في حزن:

_قدر الله وما شاء فعل...

دمعت عيناه وهو يهمس بحرارة:

_أنتِ تعلمين جيداً يا عمتي مكانة آسيا عندي...يعلم الله كم يحترق قلبي لفراقها...


سالت دموعها علي خديها وهي تهمس:

_أعلم يا بني...أعلم...هي أيضاً أحبتك من كل قلبها...لهذا فعلت ما فعلته!!

هتف بألم واضح:

_لم يكن ذنبي يا عمتي...لم أستطع الوقوف في وجه جدي!

ربتت علي كفه في حنان وهي تقول:

_أعلم يا بني...ليس منا من يستطيع الوقوف أمام كلمة النجدي...سامحني لو كنت قسوت عليك في البداية...لكن صدمتي في رحيلها كانت....


قطعت عبارتها عندما غلبتها دموعها التي انهمرت في جنون...

وهي لا تصدق أنها تتحدث بهذه البساطة عن وفاة بنت من بناتها...!!

آسيا بالذات كانت قطعة من روحها...

ربما كان قلبها يشعر أنها ستُحرم منها قريباً لهذا كانت تخاف عليها دوماً...

طالما لقبتها بقطعة الكريستال...

هشة سهلة الكسر لكن بريقها يخطف الأبصار...

آسيا بالذات وسط شقيقتيها كانت شديدة الضعف...

حبها لياسين كان كل حياتها...

وعندما فقدته...

لم تعد تري لحياتها أي داعٍ!!!


انتفض جسدها بدموعها فقام ياسين من مكانه ليجثو علي ركبتيه أمامها هامساً بتوسل:

_أرجوكِ يا عمتي تماسكي...من أجل جوري وساري...أرجوك لا تحملي لي أي ضغينة...أقسم لكِ أن جرحنا واحد...

ربتت علي رأسه وهي تكرر عبارته بشرود حزين:

_نعم يا بني...جرحنا واحد!!

==========================================================================


أفاقت جويرية من إغماءتها أخيراً...

فتحت عينيها ببطء ليطالعها وجهه الوسيم الباسم...

ظلت تتأمله للحظات وكأنها تحلم...

من هذا الوسيم الذي يتأملني بحنان؟!!!

هكذا خاطبت نفسها وهي تتفرس في ملامح زياد....

فيما لاحظ عمار نظراتها فهتف مخاطباً زياد بخشونة:

_حسناً...لقد أفاقت ...يمكنك الآن الانصراف...

لكزته راجية في جنبه وهي تقول لزياد بحرج:

_لا تؤاخذه يابني...ابنة عمه متوفاة حديثاً...وكلنا نمر بضغوط شديدة...

هتف زياد بتسامح:

_أعرف يا سيدتي...المدينة كلها تتحدث عن فقيدة آل النجدي العزيزة...أنا أقدر حزنكم...وتقبلي خالص تعازيّ في فقيدتكم.

هزت راجية رأسها في تفهم...

عندما تأوهت جويرية بضعف وهي تهمس:

_ماذا حدث لي؟!

ابتسم زياد بحنان وهو يقول:

_أنا الذي ينبغي أن يسألك هذا السؤال.

فتحت فمها لتجيبه عندما اندفع عمار يقول بنزق:

_لقد كانت تبكي في انهيار ثم اشتكت من عدم قدرتها علي التنفس لتسقط بعدها فاقدة لوعيها....هذا كل ما حدث!


أشاحت جويرية بوجهها في ضيق وهي تنتبه الآن فقط أنها في غرفته...

هذا يعني أنه هو من حملها إلي هنا...

هذا البغيض حمل جسدها بين ذراعيه إلي غرفته بل ووضعها في فراشه!!!!

إنه يتصرف حقاً وكأنها زوجته!!!

كم أكرهك يا عمار!!!

كم أكرهك!!!


هكذا حدثت نفسها وهي تراقب زياد الذي فتح حقيبته ليخرج منها جهاز الضغط ...

تناول ذراعها ببساطة ليكشف كم ثوبها حتي يستطيع قياس الضغط...

فهتف عمار في حدة:

_أنت يا هذا!!!! ماهذا الذي تفعله؟!


نقل زياد بصره بحذر بين الجميع...

المريضة الحسناء تبدو حزينة وهذا طبيعي فالفقيدة شقيقتها كما استنتج...

وهذا الرجل الخشن عصبي المزاج يبدو وكأنه ضائق بوجوده هنا...

لكن المرأة تبدو غير راضية عن تصرفات ابنها...

صدق ظنه عندما هتفت راجية بضيق:

_اصمت يا عمار ودع الطبيب يكمل عمله...وإلا ارحل من هنا.


كز عمار علي أسنانه ...

وهو يرمق زياد بنظرات مشتعلة...

تجاهلها زياد تماماً وهو يضع السماعة علي أذنيه...

ليقيس لها الضغط...


شعرت جويرية بالخجل واحمرت وجنتاها وهي تختلس النظرات إليه...

لا تدري لماذا شعرت نحوه بالألفة والسكينة...

شعرت أنه رجل لطيف....

هل هذا غريب؟!

لا....!!

ففي وجود عمار ...أي رجل سيبدو لطيفاً ودوداً حنوناً!!!!!


انتهي من قياس ضغطها فنزع السماعة من علي أذنيه وهو يقول بلهجة عملية:

_الضغط منخفض للغاية...سأكتب لها  دواءً مناسباً...

كتب لها الدواء علي ورقة فتناولها منه عمار بغلظة وهو يقول  وكأنه يطرده:

_لقد أتعبناك معنا!

لكزته راجية في جنبه من جديد...

فيما همست جويرية بامتنان:

_شكرا...يا دكتور...

ابتسم لها زياد في حنان وهو،يقول:

_زياد...زياد حسان..

اشتعلت نظرات عمار في هذه اللحظة وهو يلعن صديقه الذي نصحه بهذا الطبيب!!!!

هل خلت المدينة من الأطباء حتي لا يجد صديقه سوي هذا الرجل المتأنق اللزج الذي يبدو وكأنه خرج لتوه من غلاف مجلة؟؟!!!

نهض زياد ليقول بهدوء:

_سأعاود زيارتها غداً للاطمئنان عليها.

هتف عمار بجفاف:

_لا داعي لذلك....ستكون بخير.


أطرق زياد برأسه في حرج...

وهو يخرج من الغرفة...

تبعه عمار ليوصله إلي باب الشقة...

عندما احتضنت راجية جويرية وهي تقول بحنان:

_حمداً لله علي سلامتك يا حبيبتي.


عاد عمار بعاصفته الغاضبة إليهما بعد رحيل زياد وهو يهتف مخاطباً جويرية :

_ما هذه الطريقة المائعة التي كنت تخاطبين بها الطبيب؟!

هتفت جويرية بحنق:

_عن أي ميوعة تتحدث؟!!!! هل كلمته أصلا؟!!!

عاد يهتف بغضب:

_لو كنتِ أزدتِ كلامك معه كلمة واحدة لكنت قطعت لك لسانك!

عقدت حاجبيها في غضب وهي تصرخ:

_كيف تسمح لنفسك أن تحدثني هكذا؟! بل كيف سمحت لنفسك أصلاً أن تحملني إلي غرفتك ؟! وعلي سريرك؟!!!! هل صدقت أنني أصبحت حقاً زوجتك؟!!!!

اقترب منها وهو يهتف بحدة:

_لقد كنتِ فاقدة الوعي يا حمقاء!!!! هل كنت أتركك حتي تموتي أو تأكلك الفئران في تلك الحجرة الحقيرة؟!!!

زاد غضبها وهي تهتف وقد فقدت السيطرة علي انفعالها:

_الموت أهون ألف مرة من رؤيتك يا عمار....أنا أكرهك...وأكره اليوم الذي ولدتني فيه أمي ليختارني القدر زوجة لك!


شهقت راجية في استنكار وهي تسمع عبارتها الأخيرة...

ليسود الصمت في الغرفة للحظات...

لحظات تمزق فيها قلبه وهو يسمعها تتفوه بهذه الكلمات...

طالما قالت أنها لا تريد الزواج منه...

طالما أحس أنها تخافه...

لكن أن تصرخ بكرهها هذا له ...

فهذا كان قاسياً جداً عليه...!!!!


وكعادته كلما استبد به الغضب تسلح ببروده الثلجي...

ليقول بلهجة جامدة:

_لا يعنيني حبك أو بغضك...ستكونين زوجتي...شئتِ أم أبيتِ!!!


قالها وهو يغادر الغرفة في خطوات بطيئة...

لا يدري لماذا تخذله طباعه أمامها...

هو الذي كاد يموت خوفاً عليها...!!!

هو الذي لم يعشق امرأة سواها....!!!!

هو الذي كاد يختنق بغيرته وذاك الطبيب اللزج يحدثها بهذه الرقة وهي تنظر إليه بهذه الطريقة التي لم تنظر بها إليه يوماً...!!!

ومع كل هذا...

يغلبه طبعه الناري في كل مرة...

فلا يستطيع ملاطفتها بكلمة حنون...

لقد حاول صدقاً...

لكنه لم يستطع...

لم يعتد التعبير عن مشاعره ...

لا يجيد عبارات التغزل التي يلقيها أصدقاؤه علي مسامع الفتيات...

إنه ليس كياسين الحنون بالفطرة والذي يفيض حنانه علي كل من حوله...

وليس كحذيفة...ساحر النساء الذي يتلاعب بقلوبهن كالدمي!!!!

هو الذي اختصته الأقدار بطبعه الغليظ هذا والذي لم يستطع تغييره...

لكنه يتمني لو يتغير فقط من أجلها...

لو يستطيع أن يريها مكانتها في نفسه...

ربما..لو،ضمها لصدره مرة واحدة...

وأحست بخفقاته الهادرة لأجلها...

ربما...ساعتها تشعر بمكانها في قلبه!!!!!


وعلي سريره كانت جويرية تبكي بعنف...

لا تدري كيف انفلت منها الزمام لتصرخ في وجهه بهذه الكلمات...

ربتت راجية علي ظهرها وهي تقول بعطف:

_لقد قسوتِ عليه كثيراً يابنتي...عمار لا يستحق منك هذا...هو طيب القلب لكن طباعه خشنة...كثير من الرجال كذلك...لكنني واثقة من أنه يحبك...


ابتسمت جويرية في سخرية وهي تقول في نفسها....

يحبني؟!!!

وهل يعرف عمار هذا الحب؟!!!!

إنه مجرد صنم بلا مشاعر...

بل إنها تشك في وجود قلب بين ضلوعه القاسية مثله!!!!!


قطعت راجية أفكارها وهي تقول بحنان:

_لا تغضبي منه لأنه جاء بكِ إلي هنا...لقد خشي علي والدتك من الصدمة لو رأتكِ فاقدة للوعي...أنتِ تعلمين حالتها الآن...


عقدت حاجبيها في شك وهي لا تصدق أن عمار أتي بها هنا لهذا السبب...

لا...

هو ليس رقيق القلب إلي هذه الدرجة...

لقد أتي بها إلي هنا ليثبت لها ملكيته لها...

ليثبت لها أنه سيدها وهي مجرد جارية...

جارية منحها له قاسم النجدي بصك زواج!!!!


وهكذا كان كل من عمار وجويرية يدور في حلقات مفرغة من أفكار متضادة...

لكنها حلقات لا تتلاقي...

لم يفهم أي منهما صاحبه...

بل ظل غارقاً في محيط هواجسه...

ليحترق كلاهما بالنار نفسها!!!!

==========================================================================

طرقت باب غرفته بتردد...

فسمعت صوته الحنون يهتف بحزنه الذي أصبح ملازماً له:

_ادخلي يا رقية!

فتحت الباب لتدخل بتردد...

جلست علي الكرسي المجاور لسريره وهي تسأله بقلق:

_كيف حالك الآن يا ياسين؟!


كان ممدداً ظهره علي السرير مستنداً علي وسادته ينظر للسقف في شرود...

صورة آسيا لا تفارق مخيلته...

لا يتصور أنه حرم منها بهذه السرعة...

لكن رقية المسكينة لا ذنب لها...

ما جريرتها في هذه المأساة التي حلت علي هذه العائلة؟!!!

هي التي كانت تعيش كالملكات في منزل والدها...

لتذوق معه هنا هذا العذاب في صمت...

دون حتي أن تشكو...

هي لم توجه إليه ولا كلمة لوم واحدة....

علي العكس...

منذ وفاة آسيا وهي تمنحه عنايتها وحنانها ...

بتحفظ نعم...لكنه يقدر أن هذا أقصي ما يمكنها منحه له الآن!!!!

فقد قالت له رقية الهاشمي كلمتها منذ البداية...

وحددت وضعهما بدقة...

غريبين في بيت واحد!!


التفت نحوها وهو يهمس في أسف:

_كيف يمكنني أن أعوضك عن كل ما رأيتِه منذ دخلتِ هذا البيت؟!!!!


شعرت بأسفه الحقيقي الذي لم يستطع مداراته فقالت في رقة لم تتكلفها:

_لا تقل هذا يا ياسين...دعك مني واهتم بحالك...أنت تهمل نفسك كثيراً منذ...

قطعت عبارتها إشفاقاً علي وقعها عليه...

لكنه فهمها فأغمض عينيه في قوة وهو يهمس بعكس ما يشعر به:

_الحياة يجب أن تستمر...

ثم تنهد قائلاً:

_جدي يريد منا أن نسافر لأي مكان ؟!

عقدت حاجبيها بشدة وهي تهتف باستنكار:

_نسافر؟! في هذه الظروف؟!

هز رأسه قائلاً:

_لقد قلت له هذا لكنه يصر علي ذلك إشفاقاً عليك

ِ

هتفت باعتراض :

_لا طبعا...أنا لن أقبل بهذا...هل تريدون قتل العمة فريدة حية؟!!! ابنتها تموت لأجلك وأنت تسافر لتتنزه مع عروسك؟!!!!


اتسعت عيناه في صدمة من كلماتها التي لم تحسب حسابها....

لكنها أصابت قلبه في مقتل!!!


شعرت بقسوة عبارتها عليه فهتفت بسرعة:

_أنا آسفة يا ياسين....أرجوك لا تؤاخذني علي اندفاعي.

أطرق برأسه في حزن واضح...

فانتقلت جواره علي طرف الفراش وهي تهمس في أسف:

_اعذرني يا ياسين...أنا مشفقة علي العمة فريدة كثيراً...هي أعظمكم مصيبة...ربما يحزن جدك علي حفيدته لكنه سيعود لاهتمامه بتجارته وبقية أحفاده...وربما تحزن أنت علي حبيبتك لكنك ستمضي في حياتك بعدها...وحدها فريدة ستبقي محملة بحسرتها علي ابنتها طوال العمر...


أمسك كفها وهو ينظر إليها للحظات ثم همس في إعجاب:

_أنت تملكين قلباً من ذهب...صدق من أسماكِ رقية يا صاحبة الإحساس الراقي.

احمرت وجنتاها في خجل وهي تحاول ادعاء الجدية لتقول بهدوء يناقض اشتعال روحها:

_إنه الواجب يا ياسين...لا يصح أن نسافر إلي أي مكان...يجب أن نبقي هنا معها...حتي لو كرهت وجودنا...لكن لا تدعها ترانا هكذا نعيش حياتنا بطبيعية وهي غارقة في مأساتها...

تنهد قائلاً وهو لا يزال ممسكاً كفها بكفه:

_العمة فريدة لن تكره وجودنا...هي لا تعرف الكره أصلاً...هي حالة خاصة وسط النساء...وكأنها بئر من حب لا يجف أبداً...

ابتسمت في حنان هامسة:

_يبدو أنك تحبها جداً...

نظر في عمق عينيها وهو يقول بصدق:

_هل تعلمين أنها تشبهك كثيراً؟!

ازدردت ريقها ببطء وارتعش كفها في يده وهي تهمس:

_تشبهني أنا؟!!

أومأ برأسه قائلاً:

_نعم...تهتم بمن حولها أكثر من اهتمامها بنفسها...توزع حنانها علي الجميع وتشعر بمسئوليتها عنهم...أم بالفطرة!!!


نزعت كفها من كفه برفق...

وهي تشعر بالاضطراب..


ثم قامت لتقول بحزم أثار دهشته:

_سأذهب لغرفتي....إذا أردت شيئاً أخبرني....


قالتها وهي تغادر الغرفة بسرعة وكأنها تهرب...

بل إنها فعلاً كذلك...

تكره ضعفها هذا أمامه...

تكره استسلامها للحنان في عينيه وفي كلماته...

تكره شعورها بالشفقة في عينيه عليها...

وهي رقية الهاشمي...!!!!

التي عاشت في بيت أبيها سلطانة...

لن تسمح أبداً أن تكون بديلاً ينسي به حبيبته الراحلة...

ربما وقفت جواره في الأيام السابقة بدافع الشفقة علي مأساته التي رأتها بعينيها...

لكن هذا لا يعني أن تتهاون فيما يخص كرامتها وكبرياءها...

لو أراد ياسين النجدي أن يحصل علي رضاها ...

فسيدفع مقابل ذلك الكثير...

الكثير جداً...!!!!!


هي السلطانة التي لا تقبل بفتات عشق يلقيه لها رجل مكلوم...

هي السلطانة التي تستحق أفخر تيجان الهوي علي رأسها...

هي السلطانة التي تركع لها القلوب وتنحني لها جباه الأرواح...

ولن ترضي أبداً بما ترضي به الجواري!!!!

==========================================================================

جلست ساري في هذا المطعم الفخم مع صديقاتها اللاتي أصررن علي أن يخرجنها من عزلتها وحزنها...

لكنها لم تستطع...

جلسن جميعاً يتندرن بالحكايا والدعابات...

لعلها تخرج من حزنها الذي كسا ملامحها ...

لكنها ظلت علي شرودها الحزين...

كل يوم يمر يكذب ظنها في أن تكون آسيا علي،قيد الحياة...

لكنها تتشبث بذرة أمل أن يصدق ظنها في النهاية...


كانت شاردة تنظر للجدار بحزن...

عندما وقعت عيناها عليه يجالس تلك الصهباء الفاتنة علي المائدة المقابلة لها...

نعم...إنه حذيفة!!!


التقت عيناها بعينيه فعقد حاجبيه في ضيق...

أشاحت بوجهها عنه بسرعة وقد ازدادت خفقات قلبها الملتاعة..

عادت ببصرها إليه بعد لحظات لتجده يغادر المكان مع رفيقته الفاتنة بخطوات سريعة...

دمعت عيناها وهي تشعر بقلبها يختنق...

حذيفة لا يراها ...

ولا يمكن أن يراها...

هذه الفاتنة التي رأتها معه هي واحدة من عشرات النساء اللاتي هن علي علاقة به...

هي تسمع الكثير عن علاقاته النسائية فطالما كان ياسين العزيز يتندر بحكاياته عنهن مع آسيا...

لكنها أول مرة تراه مع إحداهن...

ورغم جرح قلبها الكبير...

كان جرح كرامتها أكبر!!!

لقد رحل بصديقته من أمامها دون أن يلقي لها بالاً...

وكأنها لن تصبح زوجته بعد شهور قليلة علي أقصي تقدير...!!!!


لكن لماذا تتعجب من تجاهله لها وهو عادة ما يفعله معها...؟!!!

هو لا يكاد يوجه إليها أي حديث...

حتي بعد حادثة آسيا لم يكلف نفسه حتي تقديم العزاء إليها...

وكأنه يخبرها دون كلمات أنها ليست أكثر من حمل ثقيل علي كاهله...

ولولا أن كلمة قاسم النجدي لا ترد لما فكر في الزواج منها أبداً...!!!


تناست جرح قلبها الذي تزامن هذه المرة مع نزيف كبريائها الصامت...

وتصنعت المرح مع صديقاتها ...

حتي انقضي اليوم...

عادت إلي المنزل مرهقة...


وما ان ولجت قدماها بوابة المنزل الكبير حتي وجدته ينتظرها في المدخل المؤدي إلي الدرج....

أطرقت برأسها في ترقب وهي تراه يقترب منها حتي صار أمامها مباشرة...

انتظرته أن يبدأ حديثه...

لكن صوته لم يصلها....

اضطرت في النهاية لرفع عينيها إليه لتصطدم بعينيه القاسيتين...

أغمضت عينيها بقوة وهي تحاول ألا تحتفظ بذكري هذه النظرات المنفرة...


لكنه نطق أخيراً بنبرة أكثر قسوة من نظراته:

_هل تفكرين في الشكوي لجدي بعد ما رأيته اليوم؟!


زفرت في قوة وهي تستجمع قوتها لتقول ببرود:

_لا.

ظهر الغضب في ملامحه وهو يهتف بحدة:

_يجب أن تفهمي مكانك في حياتي جيداً...أنتِ لستِ أكثر من فرض سأؤديه قهراً ...ربما سأتزوجك...لكن لا تطمحي في أكثر من ذلك...

أخفت جرحها ببراعة وهي تهتف في قسوة لم تعرفها في نفسها من قبل:

_وكذلك أنت ...لست أكثر من فرض...وفرض كريه أيضاً!!!

ابتسم في سخرية وهو يقول بغرور:

_علي من تكذبين يا صغيرة؟! هل تظنيني غافلاً عن نظراتك الهائمة نحوي عندما نلتقي؟!!!


ابتسمت في سخرية مماثلة وهي تقول بثقة:

_يبدو أن خبرتك في النساء لا تتعدي الساقطات التي اعتدت مرافقتهن...كيف ستفهم من هي مثلي؟!!!


كز علي أسنانه وقد أفحمه ردها ....

لم يتخيل أنها قادرة علي الرد عليه بهذه القسوة وهذه الثقة...

طالما ظنها فتاة ضعيفة لا شأن لها...

مجرد جارية قضي له بها قاسم النجدي....

مثلها مثل شقيقتها التي ستتزوج أخاه...

أو مثل تلك الأخري التي هربت ثم انتحرت وجلبت العار للعائلة كلها!!!!


ليت عمه سعد لم ينجبهن أبداً...!!!!

خاصة تلك ال"مسترجلة" التي تبدو ببنيتها النحيفة كالصبيان....!!!!

من تظن نفسها لتحدثه بهذه الطريقة؟!!!!

وهو حذيفة النجدي الذي تلاحقه الفاتنات قبل حتي أن يفكر هو بملاحقتهن!!!!


ضاقت عيناه وهو يلوح بسبابته في وجهها هاتفاً:

_إياكِ أن تحدثيني بهذا الأسلوب مرة أخري!!

رفعت رأسها في كبرياء وهي تقول :

_امنعني لو استطعت!

اقترب منها خطوة وهو يقول بتهديد واضح:

_عندما تكونين زوجتي سأعرف كيف أربيكِ من جديد!!

رغم كل الخوف الذي شعرت به من تهديده...

ورغم نحيب قلبها الذي كادت دقاته تصرخ الآن قهراً...

وجدت نفسها تهتف في صلابة:

_لا تتعشم كثيراً يابن النجدي!!!...من يدري مالذي ستحمله لنا الأيام القادمة....؟!!!


قالتها وهي تزيحه من طريقها برفق...

لتكمل صعود الدرج بخطوات واثقة...

نجحت بجدارة في مداراة جرحها بها....

تاركة إياه خلفها يغلي من الغضب...

هذه الحمقاء الصغيرة تتحداني أنا....

أنا حذيفة النجدي !!!!!

ألا يكفي أنني قبلت تلك القسمة الجائرة ورضيت بتلك "المسترجلة" لتكون زوجة لي؟!!!!

كيف سأواجه بها أصدقائي ؟!!!

حتماً سيسخرون مني!!!!

من يصدق أنها -هي-من اختارها حذيفة النجدي نفسه لتكون زوجة له؟!!!

لكنه فعلاً لم يخترها!!!!

هي مجرد أمر آخر من أوامر قاسم النجدي سينفذه صاغراً كما اعتاد...


زفر في قوة وهو يصعد السلالم نحو شقة راجية...

ألقي نظرة حانقة علي شقة فريدة المقابلة...

وهو يفكر بسخط...

لم يكن ينقصني سوي تلك المسترجلة!!!!!

==========================================================================


مشطت مارية شعرها في شرود وهي تستعد للخروج مع آندي...

منذ محادثتها الأخيرة مع حمزة ورفضه مصاحبتها لحفل آندي وهي حانقة عليه...

تتحاشي الحديث معه أو حتي رؤيته...

ظنت أنها بهذا تعاقبه...

لكنها اكتشفت أنها تعاقب نفسها قبله!!!!!


لقد اشتاقت إليه بجنون...

افتقدت كل ما يخصه...

ابتسامته...نظرته الحنون...

دعاباته اللطيفة...

حتي طريقة نطقه باسمها والتي تراها مميزة مثله...!!!!


زفرت في قوة وهي تحمل حقيبتها لتغادر...

وما إن خرجت إلي حديقة المنزل حتي وجدته في حديقة منزله المجاورة....

اختلست نظرة مشتاقة إليه ودت لو طالت ....

ثم رفعت رأسها في كبرياء وهي تتجاهله عمداً وتمضي في طريقها...!!!


ناداها بصوته الذي افتقدته....كما افتقدت كل ما فيه...

فتوقفت مكانها دون أن تنظر إليه...

عبر السور بين الحديقتين بخفة وهو يقف أمامها ليقول بصوت حزين بعيد عن مرحه المعهود:

_مارية العزيزة غاضبة مني؟!

رفعت رأسها في كبرياء وهي تقول :

_ولماذا أغضب منك؟!


أطرق برأسه وهو يشعر بالاختناق...

منذ هاتفه جده منذ يومين وأخبره بما حدث لآسيا...

وهو يشعر كالسجين في غرفة ضيقة!!

أسوأ ما يمكن أن يواجهه المرء في غربته أن يفتقد التواجد جوار ذويه في مصائبهم قبل أفراحهم...

شعور هائل بالعجز ...

مكبل هو بقيود غربته وثأره وماضيه...!!!!


إن كان حزيناً  لأجل آسيا الغالية...

التي كانت ستصير زوجته يوماً...

وحزيناً لأجل العمة فريدة التي أحبها كوالدته وتربي علي يديها منذ صغره...

فهو يتمزق من أجل جده ...

قاسم النجدي...

وتد العائلة الذي يظنونه جميعاً قاسياً صلباً لا قلب له...

لكن حمزة يعلم أن أحفاده هم نقطة ضعفه الوحيدة...

منذ فقد أولاده جميعاً في ريعان شبابهم...

وهو يخشي أن يلاقي أحفاده نفس المصير...

لهذا أبعده عن مصر نهائياً حتي يتبين موقف جسار من الثأر القديم...

وأجبر ياسين علي زواجه بابنة الهاشمي كي يضمن للعائلة سنداً من النفوذ والسلطة...

واختار لكل ابنة من بنات فريدة زوجاً من أبناء عمومتها كي يحافظ عليها ويصونها...


ربما لم يكن فكره هذا لائقاً بهذا العصر...

وربما يراه أغلب الناس جائراً...

لكنه يعلم أن جده لا يريد لهم إلا الخير...

كم تمني لو كان معه الآن...

جده الحبيب الذي يعتبر حمزة ولده وصديقه وليس مجرد حفيد...

بالتأكيد...كان وجوده معه سيؤازره في هذه الظروف!!!!!


لكن ما يحيره حقاً هو لماذا انتحرت آسيا....

حتي جده لا يعلم!!!

لن يهدأ له بال حتي يعرف سبب فعلتها هذه!!!!

لكن كيف يعرف؟!!!!

وهو منبوذ هنا في غربته ...

لا حق له في أهله سوي بمكالمة هاتفية يختصه بها جده كل شهر ليخبره عن الجديد في اقتضاب ويطمئن عليه ثم يغلق الاتصال بسرعة خوفاً من أن يغلبه شوقه فيطلب منه العودة!!!!


تنهد في حرارة...

فتناست مارية غضبها منه وهي تسأله بقلق:

_ماذا بك يا حمزة؟!

رفع رأسه للسماء وهو يهمس في حزن هز أركان روحها:

_أنا متعب يا مارية....متعب للغاية...


اقتربت منه وهي تسأله بحنان:

_لماذا يا حمزة؟! ما الذي حدث؟!


نظر إليها طويلاً دون أن يجيب...

لكن الدمع الساكن في عينيه أنبأها الكثير عن آلام هذا الرجل...

هذا الرجل الذي لا تعرف عنه شيئاً لكنها تجد نفسها مجذوبة نحوه كالمسحورة...

والذي لا يشغلها الآن سوي أن تمحو عنه هذا الألم!!!!


دمعت عيناها تأثراً وهي تهمس:

_أخبرني عن الذي يحزنك إلي هذا الحد يا حمزة.

اغتصب ابتسامة شاحبة وهو يتصنع المرح ليقول بخفوت:

_سأعود لأقول لكِ...لو نطقتِها صحيحة...فسأخبرك.

ابتسمت في عطف وهي تهمس:

_سأتعلمها يا حمزة...سأتعلمها من أجلك...


اتسعت ابتسامته وهو يرقبها بعاطفة عجز عن إخفائها...

ليسود الصمت الصاخب بين عينيهما للحظات...


قبل أن يقطعه هتاف آندي:

_ماري....هل نسيتِ موعدنا؟!


شهقت ماري للمفاجأة...

فيما عقد حمزة حاجبيه بضيق...

عندما تقدم آندي ليحيط كتف مارية بذراعه هاتفاً في ضجر:

_لقد تأخرتِ علي موعدنا فجئت لأصطحبك.

نزعت مارية ذراعه من علي كتفها وهي تقول في ضيق:

_عفواً آندي...لن أتمكن من الخروج معك اليوم....

نقل آندي بصره بينها وبين حمزة...

ثم قال مخاطباً حمزة ببرود:

_أنت إذن دكتور حمزة...ماري معجبة كثيراً....طالما حدثتني عنك.

هز حمزة رأسه في تحية مقتضبة وهو يقول في اقتضاب:

_أعتذر لو كنت تسببت في تأخير مارية...


قالها وهو يعطيهما ظهره ليعود لمنزله....

كادت مارية تناديه طالبة منه الانتظار...

لكن آندي هتف بها في ضيق:

_هيا يا ماري ...لقد تأخرنا بما يكفي...

زفرت مارية بقوة وهي تهمس:

_عفواً آندي...أنا أشعر بالصداع ...لن أتمكن من السهر الليلة...


قالتها وهي تعطيه ظهرها لتعود لمنزلها باندفاع...

حتي لا تسمح له بالاعتراض...

عقد آندي حاجبيه بغضب...

وهو يشعر بصدق ما توقعه ...

هذا المصري اختطف قلب ماري...

وها هي ذي تنسحب تدريجياً من عالمه...

لكنه لن يقف ساكناً...

سيعرف كيف يجذب ماري نحو عالمه من جديد...

هذا هو وعده لنفسه الذي لن يخلفه!!!ً

==================


اعادة نشر #جارية_في_ثياب_ملكية

الفصل الخامس


جلست نغم مع والدتها التي كانت تتبادل الحديث مع سمية بود شديد...

السيدة فوزية عمتها هي كل من تبقي لسمية من ماضي عائلتها...

هي الوحيدة التي ائتمنتها علي سرها هي وبدر والذي لم يعرف عنه أحد سوي عمتها فوزية وعمه كساب...

سرهما الذي استطاعا الحفاظ عليه حتي الآن...

والذي تتمني لو لم يكتشفه أحد حتي لا ينهار عالمهما الصغير...

عالمهما الذي بنياه معاً بعيداً عن كل الضغوط...


تأملت نغم سمية بإشفاق وهي تلاحظ تبدل ملامحها الجميلة ونحول جسدها الشديد...

سمية التي كانت مضرب الأمثال في الجمال والرقة صارت الآن حطام امرأة!!

انتقل بصرها تلقائياً للصغير البالغ من العمر سبع سنوات ...

والذي يتعلق بأمه وكأنه يعرف أنه قد يفقدها في أي لحظة!!!


ثم خانتها عيناها لتختلس نظرة إلي بدر...

كم كانت محظوظة سمية برجل مثله...

ترك الدنيا كلها من أجلها...

رجل يبدو وكأن روحه معلقة بها...

يتأمل سكناتها وحركاتها في اهتمام وكأنه يراها لأول مرة...

لا يكاد يرفع عينيه عنها وكأنه يدخر كل نظرة منه إليها لتكون زاده في حرمانه الطويل منها...


قديماً قبل مرض سمية...

كانت نغم تتمني لو تلتقي رجلاً مثل بدر...

يحبها وكأنها سمية!!!

كانا بالنسبة لها أروع مثال للحب الذي صار نادراً في هذا الزمان...


وعندما علمت بمرض سمية ظلت تبكي ليلة كاملة...

لقد ظنت أن تمثال الحب الذي طالما صنعته لهما قد تهشم...

هشمته طعنة المرض الغادرة...

لكنها كانت مخطئة...

ربما هي خدشته فقط لكنه ظل وسيظل منتصباً أمام عينيها كما تري الآن...

صورة حية لحب لا يموت...!!!


لاحظ بدر نظراتها المختلسة إليه فشعر بالضيق...

ما بالها نغم تختلس النظرات إليه هذه المرة بغرابة؟!!!

هل حدثتها سمية عن شئ؟!!!

انقبض قلبه وهو يشعر بالاختناق...

أما كفاه قلقه عليها وخشيته من أن يفقدها في أي لحظة كي تزيد عذابه برغبتها في تزويجه بأي طريقة؟!!!

هل تظن سمية الحبيبة أنه قد يسمح لغيرها بدخول قلبه بعدها؟!!!

لماذا تؤرق نفسها وتؤرقه بهذه الفكرة؟!!!

لماذا لا تدعه يستمتع معها بأيامها الباقية؟!!!


قطعت العمة فوزية أفكاره وهي تقول بحنانها المعهود:

_لماذا تبدو شارداً يا بدر؟!

ابتسم بشحوب وهو يقول بتهذيب واضح:

_لا شئ يا عمتي...إنه فقط إرهاق السفر...


رمقته نغم بنظرة مشفقة عطوف أخطأت سمية تفسيرها فخفق قلبها بجنون...

رغم أن هذا ما تخطط له منذ فترة...

أن تكثر من زياراتها لعمتها في المدينة حتي يزداد بدر قرباً من نغم...

لكنها الآن تشعر بخنجر مسموم يطعن قلبها...

الغيرة شعور قاتل...!!!


لكنها لن تستسلم له...

لم يعد العمر يسمح لها بهذه الرفاهية...

نغم تبدو معجبة ببدر...

وهذا مع كونه مؤلماً لها كعاشقة...

لكنه في صالح خطتها الجديدة...

لأجله ولأجل الصغير...


لهذا وجدت نفسها تقول بسرعة:

_اسمحي لي يا عمتي أن نصطحب نغم معنا إلي المزرعة لتقضي معنا هذا الأسبوع...

ارتفع حاجبا نغم في دهشة فيما عقد بدر حاجبيه بضيق...


فيما أردفت سمية مخاطبة نغم:

_ستسعدين معنا كثيراً في المزرعة بعيداً عن صخب المدينة...المزرعة هادئه جداً ومريحة للأعصاب...كما أنك ستستمتعين بمشاهدة الخيل التي تعشقينها...

تحمست نغم للفكرة بشدة بينما قالت العمة فوزية بتردد:

_لكن يا سمية...نغم لديها عمل هنا...

هتفت نغم بسرعة:

_يمكنني أخذ إجازة من عملي يا أمي...لا تقلقي...أنا أتشوق لزيارة المزرعة...


ابتسمت سمية بشحوب وهي تفطن -كما ظنت- لسبب موافقتها علي القدوم...

فيما ازداد ضيق بدر خاصة عندما قالت العمة فوزية في استسلام:

_حسناً يا نغم...كما تشائين...ستكون فرصة للاعتناء بسمية والصغير...لاريب أنه يتعبها كثيراً...


ابتسمت نغم في سعادة...

وهي تري نفسها قد اقتربت كثيراً من عالم بدر وسمية الجميل الذي طالما راود أحلامها...

مزرعة منعزلة بعيدة حيث الزروع والخيل...

والحبيبان معاً لا يفرقهما شئ...

لا...

الموت قد يفعل في أي لحظة...

عادت ترمق سمية بإشفاق حزين...

لكن سمية نفسها كانت راضية...

حتي الآن خطتها تسير علي ما يرام..


========================================================================

خرجت ساري من مدرج المحاضرات بالكلية مطرقة برأسها ...

لقد تلون الكون حولها بالسواد فجأة...

في البداية رحيل آسيا...

ثم انتحارها ...

ثم مواجهتها القاسية مع حذيفة...

تنهدت في حرارة...

وهي تفكر...

أي جحيم ستعيشه لو تزوجها...

وأي جحيم ستعيشه لو لم يفعل!!!

حبه يخيرها بين جحيمين...

فأيهما أهون؟!!!


لكن ...

لماذا تشغل نفسها بالتفكير...؟!!!

هي مجرد مفعول به في جملة.... وحده قاسم النجدي فاعلها ومبتدؤها !!!!


قطعت أفكارها عندما سمعت صوته يقول برفق:

_كيف حالك يا ساري؟!


رفعت رأسها بابتسامة شاحبة...

وهي تقول:

_كيف حالك يا بلال؟!

اتسعت ابتسامته وهو يقول بأدب ظاهر:

_بخير حال...أنا لا أريد التطفل عليك لكنني كنت أود الانضمام لجماعتكم التي تساعدون فيها الفقراء...فهل تقبلونني بينكم؟!


ضحكت ضحكة قصيرة وقد عاد إليها مرحها لتقول:

_هل تمزح؟! نرفض انضمام بلال الهاشمي نفسه إلينا؟!!!! أنت مكسب كبير لنا...فلن يتعرض لنا أحد بالطبع وأنت معنا...

ضحك قائلاً:

_أنتم تريدون استغلالي اذن؟!

ضحكت وهي تلوح بسبابتها هاتفة:

_أسوأ استغلال.

هز رأسه وهو يقول في شرود:

_هل تعلمين؟! أنا لا أحب استغلال نفوذ أبي كثيراً...أنا ورقية عانينا من ذلك لفترة طويلة...حتي صار الأمر أشبه بعقدة نفسية لنا...

هزت رأسها في تفهم وهي تقول بهدوء مرح:

_نعم...لن أعيش في جلباب أبي!


التفت إليها بضحكة رنانة وهو،يقول:

_بالضبط....أنتِ أحسنتِ توصيف الأمر!

ضمت كتبها لصدرها وهي تقول برفق:

_حسناً يا بلال...سنبدأ استغلالك من اليوم...نحن في طريقنا لقرية صغيرة فقيرة جوار المدينة ونحتاج لمن يقلنا بسيارته لأن سيارتي معطلة...ما رأيك؟!

هتف بسرعة:

_موافق طبعاً...كم عددكم؟!

تنحنحت في حرج وهي تقول :

_أربعة...وسيلحق بنا الدكتور "......." المشرف علي الجماعة مع من تبقي.

هز رأسه قائلاً:

_حسناً...لا بأس.


وبعد ساعة كانت تستقل معه سيارته...

ومعها زميلاتها...

حيث وصلوا للقرية ووزعوا مساعداتهم علي الفقراء...

لقد كانت هذه لمحة السعادة الوحيدة التي رأتها ساري في هذا اليوم...


عادت لمنزلها مرهقة لتستقبلها فريدة بقلق:

_لماذا تأخرتِ يابنتي؟!

همست في تعب:

_كنا في قرية(.......)لتوزيع المساعدات.

سألتها فريدة بحذر:

_وكيف ذهبتِ إلي هناك وسيارتك معطلة؟!

قالت ساري في بساطة:

_بلال شقيق رقية أوصلنا إلي هناك...لقد انضم لجماعتنا...

شهقت فريدة وهي تقول بعتاب:

_وكيف تركبين معه سيارته...هل هذه ثقتي فيكِ يا ساري؟!

صدمت ساري للحظات ثم قالت تبرر موقفها:

_لم أكن وحدي يا أمي...كان معي ثلاثة من صديقاتي...ولحقنا دكتور(......) المشرف علينا!

هزت فريدة رأسها وهي تقول بحدة:

_أنا لا شأن لي بكل هؤلاء ....أنا لا يهمني سوي ابنتي....لم يكن يليق بكِ  أن تركبي معه سيارته...ماذا لو رآك أحدهم....هل تنقصنا الفضائح....ألا تكفينا....


قطعت عبارتها وهي تنتحب بقوة...

وذكري آسيا الراحلة تغتصب تماسكها المزعوم...

منذ رحلت عنها وهي تخشي علي بنتيها أكثر من ذي قبل...

تخاف أن تفقدهما كما فقدتها...

تخاف أن تنهش عرضهما ألسنة الناس التي لا ترحم...

ورغم حنقها علي قاسم النجدي لأنه اختار لهما زوجي المستقبل دون أن يسألهما عن رأيهما...

لكنها تحمد له صنيعه هذا بعدما حدث لآسيا عساها تطمئن عليهما جوارها...!!!!


شعرت ساري بكل ما يحملها صدرها الحنون من هم...

فاندفعت تحتضنها بقوة وهي تهتف في حرارة:

_لا تغضبي يا أمي...لن أكررها...لن أخيب ظنك فيّ أبداً فقط لا تبكي أرجوكِ....


ربتت فريدة علي ظهرها وهي تبتسم بضعف....

عندما رن جرس الباب...

ذهبت فريدة لتفتحه فيما استلقت ساري علي الأريكة في إرهاق...

لقد كان يوماً متعباً بحق...


التفتت بحدة عندما سمعت صوت حذيفة الذي دخل ليتقدم نحوها هاتفاً بصوته الرخيم:

_كيف حالك يا عروسي؟!


عقدت حاجبيها بشدة وتبادلت نظرات قلقة مع فريدة التي تعجبت مثلها لما يحدث....

منذ متي يزورهن حذيفة؟!

إنها لا تكاد تراه في البيت...

ولا يحاول الاحتكاك بهن أبداً...

فريدة تعلم أنه لا يحب ساري...

لكنها تعلم أيضاً أنه سيتزوجها طالما قضي بهذا قاسم النجدي!!!!

صحيح أنها لا تطمئن لحذيفة...

لكن ما حيلتها هنا؟!!!!

هي مثلهن...

تترقب بصبر راضٍ  مصير الجواري!!!


قطع حذيفة أفكارها وهو يقول ببطء دون أن يرفع عينيه من علي ساري:

_اصنعي لي كوباً من العصير من فضلك يا عمتي...أريد محادثة ساري في أمر هام.


نقلت فريدة بصرها بينهما بحذر...

ثم تنهدت في ضيق...

لتذهب للمطبخ ...


جلس جوار ساري علي الأريكة فانتفضت من مكانها لتجلس علي الكرسي المجاور فابتسم في سخرية هامساً:

_لا تدعي البراءة والخجل يا صغيرة...لقد رأيتكِ تركبين سيارة بلال الهاشمي.


قالها وهو يتذكر انفعاله عندما رآها مصادفة علي الطريق...

كان متوجهاً بسيارته مع بعض أصدقائه للهو كالعادة في إحدي المدن الساحلية عندما لمحها تركب السيارة مع بلال...

بلال الهاشمي !!!!

لا يدري لماذا شعر ساعتها بالضيق...

ربما لأنه تصور وجود علاقة ما بينهما....

لكن...

كيف يفكر بلال الهاشمي في فتاة كساري...؟!!!


وجد نفسه فجأة يتفحص ملامحها وكأنه يراها لأول مرة...

تري كيف ستبدو هذه ال"مسترجلة" لو ارتدت ثوباً أنثوياً...

وتركت شعرها المخفي دوماً خلف حجابها هذا ينسدل علي ظهرها...

تري ...

كيف سيكون شكلها؟!!!!


قطعت ساري استرسال أفكاره وهي تقول بكبريائها المعهود:

_هل تساوي نفسك ببلال الهاشمي؟! نعم...كنت أركب معه سيارته لكن لم أكن وحدي كما رأيت...كنا في طريقنا لإحدي القري لتوزيع المساعدات علي الفقراء بينما أنا متأكدة أنك كنت بصحبة واحدة من فتياتك العابثات تمضي وقتك في اللهو ...هل عرفت الفارق بينك وبين بلال؟!!!


قالت عبارتها الأخيرة باحتقار تعمدته تخفي به مشاعرها نحوه..

والتي لو أطلقتها الآن...

فلن تسامح نفسها أبداً....!!!!


هب من مقعده غاضباً وهو يهتف في غضب:

_أنا حذيفة النجدي.... لا تقارنينني بأي مخلوق...

وقفت قبالته في تحدٍ تقول بسخرية:

_ومن حذيفة النجدي هذا؟! ...دعني أنا أخبرك...مجرد عاطل بالوراثة...فشل في دراسته ولولا نقود عائلته التي ورثها لما وجد له عملاً...نقود عائلته التي يهدرها علي فتياته العابثات ويهدر معها وقته وسمعته...أنت مجرد فقاعة فارغة...


_ساري!!!

هتفت بها فريدة في استنكار بعدما عادت من المطبخ لتسمع ما قالته...

فيما كز حذيفة علي أسنانه وهو يهتف في غضب عاصف:

_عندما نتزوج سأقطع لك لسانك ِ هذا...سترين معي أياماً أشد سواداً من الليل...!!!


شهقت فريدة في جزع وهي تسمع تهديده الصريح...

فيما لم تغير ساري من وقفتها الثابتة وهي تبتسم في سخرية هاتفة:

_أخبرتك ألا تتعجل الأمور يابن النجدي...لا أحد يعرف ما الذي يحمله لنا الغد...


رمقها بنظرة عاصفة...

وهو يدفعها من طريقه بقسوة...

ليغادر المنزل صافقاً الباب خلفه في قوة....

اتسعت عينا فريدة في صدمة...

هل سيكون هذا زوج ابنتها؟!!!!!!


توجهت بخطوات بطيئة نحو ساري تربت علي كتفها في إشفاق...

فتصنعت ساري الثبات وهي تقول بصلابة كاذبة:

_لا تقلقي علي ابنتك يا أمي...سأكون بخير...


قالتها وهي تتوجه لغرفتها...

أغلقت بابها خلفها لتستند عليه وتسمح لدموعها بالانهمار...

حذيفة النجدي...

وجع قلبها الأزلي...

والذي لن تبرأ منه أبداً كما يبدو!!!

==========================================================================


وقفت علي قارعة الطريق الخالي نسبياً في هذا الوقت المتأخر من الليل تبكي بغزارة...

لا تصدق أنها خاضت هذه المغامرة وحدها...

هي آسيا قطعة الكريستال سهلة الكسر كما كانت تدعوها فريدة...!!!!


تذكرت فريدة فازداد انهمار الدمع  من عينيها وهي تسأل نفسها...

تري كيف هي الآن...؟!!!

هي وجوري وساري...؟!!!

تدفق شلال الندم في نفسها جارفاً كل مشاعرها وهي تتذكر ...

كيف نفذت فكرتها ببراعة...

كيف اشترت لنفسها ملابس جديدة من ذاك المحل الذي دخلته عندما تركت السائق...

ثم بدلت ملابسها التي كانت ترتديها في المحل...

لتغادره بخفة...

استقلت سيارة أجرة حتي وصلت إلي شاطئ البحر...

لتلقي ملابسها القديمة في الماء ثم تلقي حقيبتها علي الشاطئ بعدما استخرجت منها النقود وبطاقتها الشخصية...


ذهبت بعدها لإحدي صديقاتها المقربات...والتي كانت تعلم أنها تقيم وحدها بعد سفر والديها...

قضت عندها بضعة أيام...

فقد تعاطفت صديقتها مع قصتها ووعدتها بأقصي مساعدة...

 أخبرتها صديقتها عن امتلاك عائلتها لشقة في إحدي المحافظات البعيدة...

أعطتها مفاتيح الشقة لتقيم فيها ...

ووعدتها بمساعدتها في البحث عن عمل...

تقبلت آسيا مساعدتها بامتنان...!!


لقد منحها القدر فرصة مثالية للتحرر من سجن النجدي إلي الأبد...

لكن الأمور لم تسر علي ما يرام...

فالسائق الذي كان من المفترض أن يقلها إلي تلك المدينة البعيدة التي تقصدها لم يكن مريحاً علي الإطلاق...

كان يرمقها بنظرات غريبة طوال الطريق...

ظلت متوجسة منه خيفة حتي صدقت توقعاتها...

فقد وجدته فجأة يوقف السيارة متعللاً بوجود عطب فيها...

ثم ترجل منها...

ترجلت بدورها من السيارة هي الأخري لتجد ذاك السافل يتهجم عليها...!!!!


لكنها كانت متأهبة لأمر كهذا...

كانت تحتفظ في حقيبتها بصاعق كهربائي منحته له صديقتها وطلبت منها الاحتفاظ به خلسة في حقيبتها تحسباً لظروف كهذه ما دامت ستقيم وحدها بعيداً...

وصدقت مخاوفها...

صدقت بأقرب مما توقعت!!!


وبعدما تخلصت منه مؤقتاً...

وجدت نفسها تعدو هرباً في الطريق بلا هدف...

حتي استقر مقامها هنا في هذا المكان...

لتشعر فجأة بحجم المصيبة التي زجت نفسها فيها....!!!!


منذ ليلة زفاف ياسين وهي فقدت عقلها تماماً...

حماقة تتلوها حماقة!!!

حتي انتهي بها الأمر هكذا؟!!!!

ما ذنبها فريدة لتعيش كل هذا الألم ...؟!!!!

لاريب أنها تظنها الآن قد ماتت...

كلهم سيظنونها كذلك...

لكن...

ربما كان هذا أفضل...

أفضل من أن تظل جارية في سجن النجدي مدي الحياة...!!!!

أفضل من أن تحترق بنيران غيرتها وحبها اليائس لياسين...!!


ياسين...!!

افتر ثغرها عن ابتسامة شاحبة وهي تتذكره...

وهل نسيته لتتذكره؟!!!

ياسين الحبيب يسري في دمها...

ماذا عساه يفعل الآن؟!!!

أتراه يبكيها كما تبكيه؟!!!

أم أنه تناساها متنعماً بزوجته الجديدة؟!!!


لن تعرف...

لن تعرف أبداً....

لقد انقطعت كل صلة لها بعائلة النجدي...

وأبداً أبداً لن تعود...!!!!


قطعت أفكارها عندما أغشي عينيها ضوء كشافي سيارة تقترب...

انتفضت في رعب...

هل هو فخ جديد؟!!!

لكنها ظلت واقفة بترقب..

من يدري...

ربما حملت لها النجاة هذه المرة!!!

==========================================================================

_توقف يا بدر...هذه الفتاة تبدو بحاجة للمساعدة!


هتفت بها سمية في لهفة وهي تلمح آسيا الواقفة مكانها في ترقب....

فزفر بدر في ضيق...

وجود نغم هذه معهما يوتر أعصابه...

كلما نظر لمرآة سيارته وجد عينيها تترقبانه...

والآن هذه الفتاة أيضاً؟!!!!

ما قصتها هي الأخري؟!!!!


ترجل من السيارة...

ليتجه نحو آسيا التي كانت الآن ترتجف رعباً بحق...

بدر كان طويل البنية ضخم الجسم...

وهي كانت لاتزال تحت تأثير صدمتها السابقة...

تحسست حقيبتها التي تحتوي علي  الصاعق الكهربائي بأنامل مرتجفة...


لكن شيئاً من الطمأنينة راودها وهو يغض بصره عنها هاتفاً بتهذيب واضح:

_هل أساعدك يا آنستي؟!


مدت رقبتها تنظر داخل السيارة لتجد امرأتين وطفلاً...

زاد هذا من سكينتها فهمست في خجل:

_هل يمكنك أن توصلني لأقرب مدينة من هنا.؟!


عقد حاجبيه بدهشة...

ما الذي يدفع فتاة بهذا الجمال للسير وحدها ليلاً هكذا...

لا...

إنها لا تبدو كالساقطات...

ثيابها محتشمة وحجابها متحفظ للغاية...

كما أن ملابسها رغم بساطتها توحي بالثراء...

فماذا وراؤها يا تري؟!!!!


قاطعت سمية أفكاره عندما ترجلت من السيارة لتتجه نحوهما...

تأملت آسيا في إشفاق واضح وهي تقول في حنان:

_تعالي يا صغيرة ...واركبي معنا...لا تخافي...سنوصلك بأمان أينما تريدين.


أحست آسيا نحوها بألفة غريبة...

أم أنها هي التي كانت تفتقد هذا الحنان الذي كان يقطر من كلماتها؟!!!

لا تدري...

لكنها اطمأنت للركوب معهم...

بعدما رمقت بدر بنظرات مترددة....


استقلت المقعد الخلفي للسيارة جوار الصغير ونغم التي كانت ترمقها بفضول...

هذه الفتاة رائعة الجمال...

ما الذي يدعوها للوقوف وحدها هكذا في الطريق؟!!!

إنها حتي لا تحمل حقيبة سفر...

ولا أي أمتعة!!!!

لا تدري لماذا انتابها شعور أنها هاربة...

ربما لأن نظراتها كانت تحمل خوفاً واضحاً...

بدا ظاهراً في ارتعاش أناملها المضمومة....


ربتت نغم علي كفها وهي تسألها في مودة:

_ما اسمك ؟! وأين تريدين الذهاب؟!


ترقب بدر ردها وهو يراقب عينيها بعينيه النافذتين من مرآة السيارة....

طال صمتها كثيراً وهي لازالت خائفة...

ثم قالت بتردد:

_أنا آسيا...وأريد فقط الذهاب لأقرب مدينة وهناك سأتدبر أمري..


لعنت غباءها الذي جعلها تتسرع بذكر اسمها الحقيقي...

لكنها لم تفكر...

حسناً...لا بأس...

هي لن تطيل البقاء معهم علي أي حال...!!!


استدارت نحوها سمية بجسدها وهي تقول بطيبتها الفطرية:

_نحن نمتلك مزرعة قريبة من هنا...ابقي معنا هذه الليلة حتي يشرق الصباح وبعدها سيوصلك بدر للمدينة كما تريدين...


شعر بدر بالحنق وهو يري سمية تدعوها بسهولة هكذا للبقاء معهما في المزرعة...

عالمهما الصغير الذي اعتزلا فيه الناس جميعاً...

الذي حافظا علي سريته طيلة هذه الأعوام....

والذي تسعي الآن لإدخال الغرباء فيه...

في البداية نغم...

والآن...آسيا هذه!!!!


أطرقت آسيا برأسها وهي تشعر بالحيرة...

أيهما أكثر أمناً؟!!!

أن تقضي ليلتها معهم؟!!!

أم تذهب للمدينة القريبة؟!!

وماذا ستفعل في المدينة الآن؟!!!

هي لا تعرف فيها أحداً!!!!

ولا تريد تكرار تجربة السفر وحدها مع سائق غريب....

ماذا تفعل الآن؟!!!


دمعت عيناها وهي تشعر بالوحدة والغربة...

ضائعة هي ...

ضائعة...

ما الذي فعلته في نفسي؟!!!

أين أنت يا ياسين؟!!!!!!!!


تأمل بدر دموعها صامتاً في مرآة السيارة...

هذه الفتاة تحمل سراً...

لكن شيئاً فيها يجذبه لمساعدتها...

هي تبدو فتاة طيبة لكنها واقعة في ورطة...

صحيح أنه يفضل الابتعاد عن المشاكل بوضعه الحالي...

لكنه لن يتخلي عن فتاة ضعيفة مثلها....

فلتقضي الليلة معهم...

ولتغادر بعدها...

ماذا يمكن أن يحدث؟!!

إنها مجرد ليلة!!!!!!!

==========================================================================

وقفت جويرية في المكتبة ترتب الكتب...

تفحصت إحدي الروايات ثم سحبتها برفق...

لتقرأ عنوانها بابتسامة عابثة...

-الحب من أول نظرة...


اتسعت ابتسامتها وهي تتذكره...

زياد...

الطبيب الوسيم الحنون الذي لم تره سوي مرة واحدة...

لكنه امتلك أحلامها كلها طيلة الأيام السابقة...

لا تدري لماذا تعلقت به بهذه السرعة...

ربما هو عقلها الباطن...

يهرب بهذا الحلم من واقعها الأليم...

تهرب في عالمها الموازي الذي اصطنعته لنفسها من جراح عالمها الحقيقي...

رحيل آسيا الغامض...

وزواجها الكارثي بعمار!!!!


عمار!!

زفرت بقوة وهي تزيح صورته عن ذهنها قهراً...

لتعود وتتأمل عنوان الكتاب...

سامحة لصورة زياد الباسمة من تملك أحلامها من جديد...


سمعت صوت الباب الخارجي للمكتبة يفتح...

فالتفتت لتشهق في عنف...

إنه هو...

زياد...

هنا؟!!!!!!


تقدم نحوها بابتسامة كبيرة وهو يقول بلطف:

_صباح الخير يا آنستي؟! كيف حالك الآن؟!

تلفتت حولها في دهشة...

لا تصدق أنه حقاً هنا!!!

هل هي مصادفة؟!

أم أنه جاء خصيصاً من أجلها هي؟!!!!


لاحظ دهشتها وخجلها فاتسعت ابتسامته وهو يقول :

_دهشتك هذه تعني أنك تذكرينني...كنت أخشي ألا تكوني تفعلين!!

تمالكت نفسها لتقول في ارتباك:

_بالطبع أذكرك...أهلا بك يا دكتور.


تأمل المكان حوله في تفحص...

ثم التفت لها هامساً في إعجاب:

_مكان يليق بكِ...

رفعت إليه عينين متسائلتين فأردف بنفس الإعجاب:

_أنتِ تبدين كأميرة خرجت من كتب الأساطير....!!!!


احمرت وجنتاها بقوة...

إنها المرة الأولي التي تستمع فيها لغزل كهذا من رجل...

وليس أي رجل...

إنه زياد...!!!!

طيف أحلامها الوردية...

الذي سيطر علي تفكيرها منذ أول لقاء....


ابتعدت عنه عدة خطوات وهي تحاول السيطرة علي انفعالها...

لتقول بصوت خرج رغماً عنها مهزوزاً:

_هل تريد شيئاً محدداً من هنا؟!


اقترب منها خطوة وهو يقول بثقة:

_نعم...أريد شيئاً محدداً...وأتمني لو أحصل عليه....!


أشاحت بوجهها في خجل وقد أنبأها قلبها بما يقصده...

لكنها تصنعت الجهل وهي تسأله:

_أي كتاب تريد؟!

تفحصها بعينين معجبتين وهو يقول بصوته العذب:

_اختاري لي أنتِ.


ثم اقترب منها خطوة أخري..

ليلتقط الكتاب الذي تمسكه بيديها...

ثم يقرأ عنوانه بصوت عال:

_الحب من أول نظرة....


كاد يغشي عليها عند هذه اللحظة...

خاصة عندما رفع عينيه إليها وهو يقول بلهجة ذات مغزي:

_سآخذ هذا.


التقط حافظته من جيبه وهو يستخرج منها ثمن الكتاب...

لكنها قالت في اعتراض قوي:

_لا لا...لن آخذ ثمنه...


وضع لها النقود علي مكتبها متجاهلاً اعتراضها....

وعليها بطاقة كتب عليها اسمه ورقم هاتفه...

ثم التفت لها هامساً:

_سأقرأه وأقول لكِ رأيي فيه...هل تسمحين لي؟!


لم تدرِ متي ولا كيف أشارت له برأسها في موافقة...

لينسحب خارجاً من المحل وهو يودعها بنظرة حارة...

انهارت علي كرسيها وهي تشعر بجسدها كله يرتجف...

هل كان حقاً هنا؟!!!!

هل حادثها هكذا؟!!!

لا لا!!!!

لقد كان حلماً كما اعتادت....


تعلق بصرها ببطاقته التي تركها مع النقود...

التقطتها بأصابعها في حذر...

لترفعها أمام وجهها...

دار رأسها في هيام...

وعطره العالق ببطاقته يداعب أنفها...

ضمتها لصدرها في قوة...

وهي تجرب هذا الإحساس لأول مرة في حياتها...

هل هذا هو الحب؟!!!!


تلك الخفقات المجنونة التي تجعلها تتمني لو تدور وتدور حول نفسها كفراشة بين الأزهار؟!!!!

هذا الإحساس الثري الذي يغلف روحها برداء من السكينة والفرح...؟!!!

هذا  الفضاء الواسع الذي يعدها أن تحلق فيه بلا قيود وبلا نهاية؟!!!!


ضحكت في خجل وهي تضع كفها علي شفتيها....

تتعجب من كل هذه المشاعر التي عصفت بها في لحظة!!!!

أيكون هذا كما يقولون دوماً...

الحب...من أول نظرة؟!!!!!


==========================================================================

دخلت سيارة بدر إلي المزرعة لتتلفت آسيا حولها في انبهار...

هذه ليست مزرعة...

إنها قلعة حصينة وسط هذا الخلاء...

أسوارها مرتفعة للغاية...

يحيط بها حرس مسلحون ...

ما الذي يدفع زوجين وطفلهما للبقاء منعزلين في هذا الحصن؟!!!

قرأت نغم دهشتها فقالت في هدوء:

_لا تخافي يا آسيا...بدر،يقيم هنا مع سمية وياسين وحدهما...ولابد لهما من حماية مناسبة...


ارتفع حاجباها في حنان ...

وهي تضم الصغير لحضنها بقوة هامسة في عاطفة حارة:

_اسمه ياسين...حبيبي يا ياسين!!


عقد بدر حاجبيه وهو يراقب انفعالها العاطفي عندما علمت باسم طفله...

يبدو أنه صادف اسم شخص عزيز لديها...

فيما استدارت نحوها سمية بجسدها وهي تبتسم في حنان ...

تراقب احتضانها القوي للصغير برضا...

لا تدري لماذا شعرت وقتها أن آسيا هذه سيكون لها شأن معهم!!!

هي لا تعرف ظروفها جيداً...

لكنها تعرف هذا الضياع الذي يملأ عينيها...

هذه الحيرة...

وهذا الشتات!!!!


لقد عاشته يوماً بكل تفاصيله مع ياسين....

قبل أن تمنحهما الأيام جنتهما الصغيرة هذه!!!

آسيا الصغيرة تستفز مشاعر أمومتها...

تود لو تساعدها كما ساعدتها الظروف...

ربما كان هذا معروفها الأخير في هذه الحياة...!!!!


توقفت بهم السيارة أمام المنزل...

الذي بدا وسط المزرعة ككوخ صغير للعاشقين...

تلفتت آسيا حولها وهي تفكر...

لاريب أن جو هذه المزرعة في ضوء النهار سيكون ساحراً...

ترجلت من السيارة وهي تشعر بالخجل...

لم تتصور،يوماً أن تضعها الظروف في هذا الموقف...

هي آسيا النجدي...

حفيدة قاسم النجدي...

بكل ثرائه وسطوته...

تبيت ليلتها كالمتشردين لدي الغرباء!!!!


عاد إحساس الندم يراودها وهي تؤنب نفسها بقوة...

ليتها لم تفعل تلك الفعلة ...

لكنها للأسف...

لن تستطيع التراجع...

لقد مضت في طريق ولن تستطيع العودة منه...

لو عادت الآن الآن لقاسم النجدي...

فسيقتلها بيديه...

ليس لفعلتها عنده عقاب أهون من هذا!!!!


وضعت يدها علي صدرها في ألم...

وهي تتذكر حضن شقيقتيها تلك الليلة التي سبقت رحيلها...

دمعت عيناها وهي تشعر بالاشتياق يجتاحها لعائلتها وبيتها...


لمحت سمية دموعها ومنظرها المتألم...

فتوجهت نحوها تحتضنها بقوة وهي تهمس في أذنها بحنان:

_لا تخافي يا آسيا...أنا هنا شقيقتك...صدقيني ستكونين في أمان معنا...


لا تدري لماذا صدقتها بسهولة هكذا...

لكنها ببساطة سمية!!!!

سمية التي منحتها السماء تلك الهبة...

هالة من السكينة والدفء تحيط بها فتجعل من أمامها يطمئن لها بسهولة...

وكأنه يعرفها منذ ألف عام...!!!!


ابتسمت آسيا بضعف...

فاحتضنت سمية كفها واحتضنت كف نغم بيدها الأخري لتدخل معهما المنزل...

فيما كان بدر،يراقبهن بتفحص...

وعلي وجهه أقصي أمارات الضيق!!!!!


وبعد ساعة...

كان يتقلب علي فراشه كالمحموم...

وجود هاتين الفتاتين هنا يؤرقه...

خاصة تلك الغريبة...

تري...ما الذي خلفها؟!!!

وما سر احتضانها لولده بهذه اللهفة عندما تعرفت علي اسمه؟!!!

ولماذا افترض فيها حسن النية؟!!! 

ألأنها فاتنة صغيرة السن؟!!!

ألا يحتمل أن تكون هاربة من مصيبة وتجر قدميه إليها؟!!!

كيف استجاب لسمية وسمح لها بالمبيت هنا دون أن يعرف عنها شيئاً...

هذا قمة الإهمال منه!!!!


لقد بدأ يفقد حذره المعتاد منذ مرض سمية...

وهذا ليس جيداً...

فقد ينكشف سرهما في أي لحظة...

وحينها سيخسر كل شئ...

وسيجد ياسين الصغير نفسه في دوامة لن يستطيع الفكاك منها...

وهو الذي قضي هذه السنوات كلها هنا معزولاً ليحميه من هذا المصير!!!!


شعرت سمية بقلقه فالتفتت إليه وهي تقول برقتها المعهودة:

_لا تقلق يا بدر...قلبي يخبرني أنها فتاة جيدة...أليس هذا ما يقلقك؟!!

التفت نحوها وهو يتنهد قائلاً:

_أنا أخشي أن ينهار كل ما بنيناه طيلة هذه السنوات...

ربتت علي كفه في حنان وهي تهمس:

_لا تخش شيئاً...لن يضيعنا الله أبداً...نحن اخترنا الخير...لذا أعاننا الله عليه...


قطعت عبارتها وهي تتأوه في قوة...

لقد عاودتها تلك النوبة من الآلام...

انتفض بدر جوارها وهو يهتف في قلق:

_تماسكي يا سمية...سأحضر لك الطبيب حالاً....


عضت علي شفتيها في ألم...

وهي تفكر...

سيستغرق الطبيب وقتاً حتي يأتي...

والألم شديد حقاً هذه المرة...

اشتد ألمها كثيراً فظلت تصرخ بقوة للحظات 

ثم سقط رأسها علي الوسادة فاقدة لوعيها...

وربما كان هذا من رحمة السماء بها في هذه اللحظة...!!!


خرج بدر من الغرفة بسرعة ليحضر الطبيب ...

فاصطدم بنغم وآسيا اللتين كانتا واقفتين ينظران إليه في رعب...

فقال بقلق:

_لقد انتابت سمية نوبة الألم المعتادة....لكنها شديدة جداً هذه المرة...سأحضر الطبيب...


اندفعت آسيا نحو الغرفة دون استئذان...

فعاد بدر يدخل وراءها متعجباً...

تفحصتها بسرعة...

عندما انزلق الوشاح من علي رأسها....

فهتفت آسيا بجزع:

_هل هي مصابة بال...؟!


قطعت عبارتها بارتباك لكن بدر فهمها وأومأ برأسه في إيجاب.....

فتماسكت آسيا وهي تلتقط قلماً من علي الكومود المجاور للسرير ...

كتبت شيئاً علي ورقة ثم ناولتها له وهي تقول بسرعة:

_أرسل من يحضر لها هذه الحقنة...وسأراعيها أنا حتي تفيق...


نظر بدر لاسم الحقنة التي كتبتها في تفحص...

إنها نفس الحقنة التي يكتبها لها الطبيب في العادة...

يبدو أن آسيا هذه تعرف ما تفعله!!!!


نادي الخادم بسرعة ليحضر لها الحقنة...

عندما سمع نغم تسألها بدهشة:

_هل أنتِ طبيبة؟!

راقب ردها بعينيه النافذتين...فنقلت آسيا بصرها بينه وبين نغم...

ثم قالت بتردد :

_نعم...أقصد...لا...


حينها ازداد شك بدر فضاقت عيناه وهو يقول بحزم:

_لا وقت لهذا الحديث الآن... 


وبعد فترة قصيرة...

كانت سمية نائمة في سلام ...

بعدما أعطتها آسيا الحقنة...

شكرها بدر بفتور....


عندما قالت نغم بإرهاق:

_دعينا ننم الآن يا آسيا طالما اطمأننا عليها...


وقفت آسيا لتسير خلفها نحو غرفتهما عندما هتف بدر بحزم:

_انتظري يا آنسة آسيا....أريد التحدث إليك....

وقفت آسيا مكانها في قلق...

فيما قال بدر لنغم بصوت بدا غاضباً:

_اذهبي أنتِ للنوم ...لا تقلقي...ستلحق بكِ آسيا حالاً....


رمقتها آسيا بنظرة راجية ألا تتركها معه وحدها...

لكن نغم لم تستطع الاعتراض علي أمره...

فتركتهما مرغمة...


التفت نحوها بدر وهو يتفحص ارتباكها بتمعن ثم سألها مباشرة:

_من أنت؟! وما قصتك بالضبط؟!


شعرت آسيا بالخوف من نظراته النافذة...

هذا الرجل يبدو خطيراً...

إنه يذكرها بجدها الذي لم تستطع يوماً الكذب عليه....

فهو يستطيع بنظراته النافذة هذه قراءة ما تخفيه دوماً....


تمالكت خوفها لتقول بصوت خفيض:

_لا يحق لك سؤالي عن أمور خاصة ...إذا كنت تريدني أن أرحل من هنا فسأفعل حالاً...


قالتها وهي تتجه بالفعل نحو باب الغرفة ليستوقفها هتافه الصارم:

_انتظري.

ازدردت ريقها ببطء وهي تقف مكانها دون أن تجرؤ علي النظر إليه....

فاتجه نحوها ليقف قبالتها قائلاً بخشونة:

_أمورك الخاصة هذه قد تجلب لي مصيبة أنا في غني عنها...


رفعت رأسها إليه ليصدمه الخوف الواضح في عينيها....

لكنها قالت في هدوء:

_سأرحل حالاً...لا تقلق...

قاطعها قائلاً في حزم:

_لن ترحلي قبل الصباح...لكنني أريد فقط أن أعرف شيئاً واحداً....

ثم لوح بسبابته هاتفاً:

_هل فعلتِ شيئاً خارجاً عن القانون أو ما شابه؟!!!

اتسعت عيناها ذعراً وهي تقول بسرعة:

_لا لا أبداً....أنا لست كما تظن أنا......


قطعت عبارتها وهي تبكي بعنف....

لم تتصور أن تقف يوماً هذا الموقف!!!!

بهذا الذل...وهذا الهوان!!!!

ما الذي يظنه فيها هذا الرجل...

أنها خارجة عن القانون...

مجرمة...!!!!!!


لكن لماذا تلومه...؟!!!

ما الذي يمكن أن يظنه فيها وقد وجدها شريدة بلا مأوي ولا حتي متاع...

وجدها ملقاة علي قارعة الطريق...!!!

ومن يدري ماذا كان يمكن أن يحدث لها لو لم يتكرم عليها بالمجئ معه....؟!!!!


عقد حاجبيه بشدة وهو يري دموع انكسارها المنهمرة في صمت....

فغمغم في ضيق:

_يمكنك الذهاب لغرفتك...


تركته مهرولة نحو غرفتها...

فعاد لفراش سمية النائمة في سكينة....


أمسك كفها وقبّله وهو يهمس في ألم:

_لا تتركيني يا سمية...أنتِ مصدر قوتي...بكِ واجهت العالم من قبل...ولن أستطيع مواجهته من جديد دونك...

==========================================================================

عاد ياسين من عمله متأخراً كعادته منذ أيام...

إنه يقتل وقته في العمل قبل أن يقتله همه...

لم يعد يطيق هذا البيت...

ولولا رقية الحنون التي تشمله بعطفها ورعايتها لما احتمل البقاء فيه....!!


دخل صالة المنزل بهدوء حذر...

ليجدها نائمة علي الأريكة...

اتجه نحوها وهو يتأملها في حنان...

لابد أنها نامت وهي تنتظره...

هذه الرائعة التي احتملت الكثير منذ دخلت هذا المنزل...

لكنها صبرت وتحملت دون شكوي...


لا يدري إلي الآن لماذا تفعل ذلك...

أي واحدة مكانها كانت ستتركه عائدة لبيت أهلها دون مناقشة...

لكنها تحتمله بصبر...

وتسمع شكواه وهموم قلبه بعد رحيل آسيا بتفهم لا يصدقه...

بل إنها تمدحه دوماً أمام عائلتيهما بشكل يثير خجله...

هو الذي لم يستطع حتي الآن مكافأتها أو تعويضها عن كل ما تسبب لها به....!!!!


جثا علي ركبتيه أمامها...

يتأمل ملامحها النائمة...

إنها حقاً فاتنة...

قليلات من النساء قد حظين بجمال الوجه والروح معاً...

ورقية كانت منهن....!!!!


مد كفه ببطء يتحسس وجنتها...

ففتحت عينيها...

التقت عيناهما للحظات...

خفق فيها قلبه بقوة...

شعر عندها بتأثيرها عليه...

تأثير قوي مسيطر ....تماماً مثلها!!!


انتفضت من مكانها وهي تقول بارتباك:

_عفواً لقد غلبني النوم هنا....

قام واقفاً ليمد لها كفه هامساً:

_قومي لتنامي في غرفتك...


تجاهلت كفه الممدود وهي تقوم من مكانها...

لتقف قبالته...

لم يستطع رفع عينيه عنها...

وهو يشعر بها شعوراً مختلفاً هذه المرة...

شعور رجل بامرأة!!!


بينما أربكها حصار نظراته التي لم تعتدها...

فهمست في توتر:

_لماذا تنظر إلي هكذا؟!


رفع وجهها بأنامله وهو يقول بحنان:

_وهل يمكن ألا أنظر إليك وأنت بهذا الجمال؟!!

أشاحت بوجهها عنه...

وهي تقول بجدية تخفي بها اشتعال جوارحها الآن:

_لا أحب هذه الكلمات...

ابتسم قائلاً:

_لا تحبين الكلمات نفسها؟! أم لا تحبينها مني؟!


تهربت من إجابة السؤال وهي تقول بهدوئها المعتاد:

_كنت أريد أن أستأذنك في شئ...


أحاط وجهها بكفيه وهو يقول بحنانه الذي يدمر كل حصونها:

_أنتِ تأمرين يا سيدتي...

احمرت وجنتاها في خجل...


لكنها ناقضت ذلك بقولها في قوة:

_كنت أريد قضاء بضعة أيام في بيت أبي؟!

عقد حاجبيه في ضيق مس قلبها وهو يهمس:

_لماذا يا رقية؟! هل ضايقك أحد؟!

همست في هدوء وهي تتمني لو يفك حصار كفيه عن وجهها والذي يشعرها بكل هذا الضعف:

_لا...لكنني أشعر بالملل...أنت تختفي في عملك طوال اليوم...وأنا لا أغادر الشقة حتي لا تراني السيدة فريدة فأنكأ جرحها...


هز رأسه في تفهم ...

فهمست في صوت خفيض:

_بضعة أيام فقط ...


وجد نفسه دون وعي يقترب بوجهه من وجهها الذي يحيطه بكفيه وهو يهمس:

_ولا يوم واحد!


خفق قلبها بعنف وهي تشعر به يقترب بشفتيه من شفتيها.....

 فارتدت برأسها للخلف وهي تضع كفها علي شفتيه بسرعة هاتفة في حدة:

_رقية الهاشمي لا يمسها رجل لا يحبها....حتي لو كان زوجها!


تطلع إليها مصدوماً للحظات...

لا يصدق أنه كاد يقبلها...!!!

ولا يصدق أنها رفضت...!!!

كيف ضعف أمامها هكذا...؟!!

وكيف صدته هي بهذا التحفز...؟!!!


أفاق من صدمته بعد لحظات...

ليطرق برأسه هامساً:

_أنا آسف يا رقية.


أشاحت بوجهها عنه...

فقال في حزم:

_أعدكِ ألا يتكرر هذا.

رمقته بنظرة عاتبة...فابتسم قائلاً:

_أنتِ علي حق...رقية الهاشمي تستحق بجدارة ألا يمسها سوي رجل يحبها...وبجنون أيضاً...!!!

تنهدت في حرارة وهي تتجه نحو غرفتها...


فاستوقفها هاتفاً:

_أعدي حقيبتك...سنسافر معاً لبضعة أيام...أنا أعتذر لأنني لم أقدر وحدتك طيلة الأيام السابقة ....اعذريني..


التفتت نحوه بعينين مليئتين بكلام لم يفهمه....!!!!

لازالت رقية الهاشمي لغزاً بالنسبة إليه...

وجوهها العديدة تربكه...

من كان يري وجهها العطوف المتفهم بعد أزمة رحيل آسيا...

لا يصدق وجهها الذي صدمه بصلابة ردها منذ قليل...!!!


لكنه يريد بشدة اختراق حصونها المنيعة التي تقف بينهما....

يريد أن يفهم وجوهها كلها...

أن يفك طلاسم شخصها الذي يثير انبهاره وحيرته...

رقية الهاشمي...

امرأة...ليست كباقي النساء!!

****''



الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر من هنا



لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه 




إرسال تعليق

0 تعليقات

close