expr:class='data:blog.pageType'>

Header Ads Widget

رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج

 رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 



رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع والعاشر حصريه وجديده على مدونة النجم المتوهج 


شريط العمر يمر، كقطار بطئ الخطى محكمة خطواته مدبرة

أرى فيه صورا لى، باهتة، بعيدة قريبة، مكررة

أحلم ببداية طريقى بأحلام، لأجد في خاتمة طريقى نهاياتها مقدرة

أحلامى مثلى تائهة، مغمورة، مبعثرة

دفنت وواراها الثرى كأناس ماتوا ضحايا حادث قطار وانتهوا كخبر في جريدة، أو أحرف مسطرة

لاندرى في حياتنا هل أقدارنا بإختيارنا، أم أنها أقدار مسيرة؟


كانت جورية تجلس في شرفة منزلها تحتسى قهوتها بهدوء ناظرة إلى هذا النيل الجارى أمامها متأملة هذا المشهد الهادئ والمريح لأعصابها المنهكة من تدفق الذكريات، تنهدت بعمق، لقد أقسمت على النسيان، ولكن كيف تنسى ما حفر في الفؤاد، كيف تنسى أول وآخر حب في حياتها؟هي حقا لا تدرى.


أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتفها لتترك فنجال قهوتها على الطاولة وتتجه إلى داخل الحجرة، تمسك هاتفها تنظر إلى شاشته قبل أن تجيب قائلة:

صباح الخير يافراس.

قال فراس:

صباح النور ياجورى.

أحست جورية بالإضطراب يعترى صوته لتقول بقلق:

خير يافراس، مال صوتك؟

زفر فراس قائلا:

عايزك حالا في المكتب ياجورى.

عقدت جورية حاجبيها قائلة:

بس أنا محتاجة يومين أجازة كمان.

قال فراس بنفاذ صبر:

مش هينفع ياجورى، محتاجلك ضرورى.


تنهدت جورية قائلة:

طيب يافراس، نص ساعة وهتلاقينى عندك، سلام.

ثم أغلقت الهاتف، وهي تتجه بروتينية إلى دولابها تفتحه وتأخذ أول فستان وقعت عليه عيناها، وتتجه إلى الحمام والأفكار تراودها، تتساءل ماالذى حدث لفراس؟ولماذا هذا القلق في صوته؟لتهز كتفيها في حيرة، نصف ساعة وستعلم السبب، لتدعو الله أن يكون خيرا.


نهضت جورية قائلة بعصبية:

إنت أكيد بتهزر، إنت عايزنى أروحله برجلية واطلب منه إنه يسيب صوره على أغلفة رواياتى؟مستحيل طبعا.

قال فراس بهدوء:

أقعدى بس وإهدى، لو سمحتى ياجورى إسمعينى للآخر.

جلست مجددا وهي تنظر إليه عاقدة حاجبيها ليقول مستطردا:.


أنا راجعت مع محامي الدار وضعنا القانونى والحقيقة الوضع ميبشرش بخير أبدا، اللي عرفته عن اللي إسمه خالد نصار مش قليل، ده حوت السوق، معندوش قلب ومبيرحمش، ولما حد بيقف قصاده بيدمره...

صمت فراس وهو يلاحظ ذلك الألم الذي إرتسم على وجه جورية، لقد نسي للحظات هنا أن من يتحدث عنه هو محطم قلب تلك الفتاة الرائعة، ليزفر قائلا:.


أنا آسف ياجورى لو بكلمك في موضوع حساس بالنسبة لك وبفتح في جروح قديمة لسة بتنزف، بس الموضوع بجد خطير وميستحملش التهاون فيه.

تنهدت جورية قائلة:.


أنا عارفة الوضع الحرج اللي حطيت الدار فيه لما رسمت أغلفة كتبى وحطيت عليها صورة فهد، قصدى خالد نصار، بس صدقنى أنا مش هقدر أبدا أنفذ اللي إنت عايزه منى، أنا مقدرش يجمعنى معاه مكان واحد تانى، إنت مش فاهم أنا بحس بإيه وهو قصاد عينى، عيونه هي هي، صوته هو هو، بس لا دى نظرته ولا دى نبرة صوته، وهو قصاد عينى حنينى لفهد بيقتلنى، ببقى نفسى أترمى في حضنه وأقوله وحشتنى، بس مبقدرش، إحساسى إنه خلاص مبقاش لية، وبقى لواحدة تانية متجوزها ومخلف منها دمرنى، أنا بجد تعبانة يافراس، مش قادرة أتخيل إن حبيبى فهد اللي عاش ويانا سنة كاملة، حبنى فيها وحبيته، فهد اللي غاب بعدها سنتين سابنى فيهم للعذاب، يبقى هو خالد نصار المليونير المعروف، مش عارفة إزاي كل ده حصل وليه حصل لية أنا بالذات؟


، بس أنا عارفة...

إلتفت كل من جورية وفراس إلى صاحبة الصوت لتطالعهما ليلة بطلتها الرقيقة، تقف في ثبات تنقل نظرها بينهما بهدوء، لتعقد جورية حاجبيها بحيرة بينما تأمل فراس فاتنته التي أطارت النوم من عيونه منذ أن رآها، ليحمد الله على حسن حظه الذي جعله يراها في أسبوع واحد مرتين، ليقسم بداخله أن لا يدعها اليوم دون أن يعرف الكثير عنها، نعم، لابد أن يفعل.


إقتربت منها سها تحمل بيدها باقة من الورود الصفراء والتي تكرههم لين وبشدة لتدرك من قبل أن تقرأ هذا الكارت الموضوع بينهم، من مرسلهم إليها، خاصة وملامح الضيق تبدو على صديقتها سها، وهي تقدمهم إليها قائلة:

شوفى خفة الدم على الصبح، الورد ده جايلك وعليه كارت مكتوب عليه كلام سخيف من محمود عزمى.

أخذت لين تلك الورود وألقتها على المكتب بلا مبالاة وهي تسحب الكارت منهم تقرأه بهدوء:.


من النهاردة مش هتكونى غير لية أنا وبس، بدأ العد التنازلى.

نفس العبارة التي وجدتها على زجاج سيارتها بالأمس، إنه هو، مؤيد، تستطيع أن تشم رائحة عطره التي يفوح بها هذا الكارت، وكلماته السخيفة الغامضة، تتساءل بحنق، ماذا يريد منها؟تود من كل قلبها أن يدعها وشأنها، فمنذ أن عاد لحياتها، وحياتها إنقلبت رأسا على عقب، لم تعد أبدا كما كانت...

أفاقت من أفكارها على صوت سها وهي تجلس قائلة بحنق:.


أنا مش عارفة بس عاجبك في محمود ده إيه؟، ده حتى دمه تقيل وبارد.

قالت لين بهدوء:

حتى إنتى يا سها بتقولى زيهم، ما إنتى عارفة إنى قفلت باب قلبى من زمان، ومستحيل هفتحه تانى، صحيح محمود معجب بية وفاتحنى في موضوع الجواز، بس أنا رفضت، وإحنا دلوقتى أصدقاء.

قالت سها بحيرة:

أمال ليه باعتلك الورد ده، وإيه الكلام الغريب اللي عليه، ويعنى إيه بدأ العد التنازلى؟

زفرت لين وهي تجلس قائلة:.


اللي باعت الورد ده مش محمود ياسها.

قالت سها بحيرة:

أمال مين؟

نظرت لين إلى عيون سها بثبات قائلة:

مؤيد، مؤيد الحسينى.

لتتسع عينا سها، بصدمة.


اقتربت منهما ليلة لتتوقف أمامهما تماما وهي تقول برقة خلبت لب فراس:

أولا أنا حابة أعتذر عن دخولى كدة من غير إذن، بس السكرتيرة مكنتش موجودة برة والباب كان مفتوح وغصب عنى سمعت كلامكم واللي بيفسرلى حاجات كتير جدا منيمتنيش من آخر مرة كنت هنا معاكم، في نفس الأوضة دى.


رغما عنه أحس فراس بخيبة أمل، فقد ود لو أطارت أفكارها حوله النوم من عينيها مثلما فعلت هي معه وليس سبب قلقها هو غموض ما حدث في تلك المرة الماضية فقط، أفاق من شروده على صوتها الملائكي وهي تقول:

ثانيا حابة أوضح حاجات كتير متعرفوهاش عن أخويا خالد.

لتنظر إلى جورية قائلة:

وحابة اعرف انا كمان حاجات من الواضح إنها كانت مستخبية عننا لحد ما ظهرتى إنتى ياجورية.

لتصمت لثانية قبل ان تستطرد قائلة:.


أنا قريت قصتك أقدار الحب.

لتهز كتفيها تنقل بصرها بينهما قائلة في حيرة:.


والحقيقة الرواية فيها عبارات مكتوبة في الحوار حسيت إن أخويا هو اللي بيقولها فعلا، هي دى طريقة كلامه، ولقيت فيها أحاسيس إتمنيت لو حس بيها فعلا، أخويا طول عمره محروم من الحب، والحقيقة مجرد إحساسى إنه عاشه ولو لفترة قصيرة، ريح قلبى، متعرفيش أد إيه، خالد بيظهر للناس كلها على عكس طبيعته لإنه طول عمره بيخاف من الجرح، من الغدر والهجر، أخويا مش زي ما شفتوه يومها.

لتستقر عيونها على جورية قائلة:.


وإنتى أكيد شفتيه على طبيعته وعرفتى إزاي ممكن يكون لو بس نسى جروح ماضيه وآلامها، لو بس نسي إنه خالد نصار.

كانت الحيرة تملأ وجه كل من جورية وفراس، لتتنهد قائلة:.


عشان تفهموا كلامى لازم نرجع من الأول، من يوم ما إتجوز بابا ماما اللي كانت بنت عمه أصلا، بس للأسف مكنوش بيخلفوا، مع إن مفيش مانع يمنعهم من الخلفة، جدتى عرضت عليه يتجوز تانى، بس ماما طبعا رفضت، فجدتى أقنعتها إن ده في مصلحتها وإنها هتجوزه الخدامة بتاعتها من سكات وأول ما تخلف هتاخد منها الطفل وتديها قرشين وتروح لحالها، إقتنعت ماما بكلامها وفعلا بابا إتجوز طنط تحية، وخلف منها خالد، رفضت تحية تدى إبنها لماما، أخدوه غصب عنها ورموها برة، فضلت فترة تيجى كل يوم تطالب بخالد بس بابا وتيتة كانوا بيمنعوها حتى إنها تشوفه وشوية بشوية طنط تحية إختفت من حياتهم، محدش سأل طبعا هي راحت فين او ايه مصيرها، ومشت الحياة عادى، لغاية ما في يوم ماما حملت في اختى الكبيرة لين وهنا بدأت معاملتها تتغير من ناحية خالد، وخصوصا بعد ولادة لين، بس هو كان دايما ساكت ومبيتكلمش ولا بيشتكى حتى لبابا، ولما ماما حملت فية، وإتوفت جدتى، حاولت ماما تقنع بابا يرجع خالد لمامته، بس بابا رفض طبعا وخصوصا لما جيت انا للدنيا، وعرف إن خالد هيكون إبنه الوحيد، حقد ماما على خالد كان بيزيد وهو ياحبيبى ساكت ومتحمل، لغاية لما عرف ان مامته ماتت، لما سمع ماما وبابا بيتكلموا عنها، مجرد معرفته إنها كانت عايشة وهو مشفهاش ولا يعرف عنها حاجة دمرته، خلته واحد تانى، بارد قاسى مع الكل إلا إحنا، أنا ولين، عمره ما إتغير من ناحيتنا بالعكس إهتمامه وحبه لينا كان دايما بيزيد، لكن بالنسبة للكل بقى خالد نصار اللي مبيرحمش، ولما بابا مات حاولت ماما تخرجه برة حياتنا بس وكأن بابا كان حاسس بنواياها، كتب نص الشركة والبيت لخالد بيع وشرا، ماما مقدرتش تتحمل الصدمة جالها أزمة قلبية وماتت، ومن ساعتها وخالد مبقاش في قلبه وعقله غير الشغل وبس، وإحنا، ومبقاش في حياته مكان للمشاعر والأحاسيس.


تألمت جورية لماضى خالد القديم والذي أضنى قلبها، شعرت بوحدته، بعذابه، بألمه وكتمانه، وإظهار القوة رغما عنه، والبرود والعزوف عن البشر والمشاعر لتجنب الألم، كم كانت تتمنى لو كانت بجواره في هذا الوقت، لتمنحه كل ما إفتقده، الحب، الإهتمام، والأمان.

أفاقت جورية على صوت ليلة وهي تنظر إليها قائلة:.


حتى لما جه يتجوز، كان عرض شغل مع جواز من شاهيناز نفسها، دمج البيزنس مع الأمور الشخصية وبحسبة بسيطة خالص إنتصر البيزنس، وإتجوز شاهيناز وخلف منها ريم، بس الحياة بينهم جامدة، مفيهاش مشاعر، كلها مشاكل وأقدر أأكدلك إنه مش مبسوط معاها ولا بيكنلها أي مشاعر.


لم تدرى جورية أتفرح لهذا الخبر وهي تدرك أن حبيبها لا يحب زوجته أم تحزن لعدم جدوى معرفتها تلك، فعلى كل حال لن يفيدها إن كان عاشقا لزوجته أم لا، ففى النهاية يظل متزوجا ويظل عليها الإبتعاد عنه كلية...

أفاقت على صوت فراس وهو يقول بهدوء يخفى إضطراب مشاعره:

طيب ممكن من فضلك تقعدى وتستريحى إنتى بتقولى منمتيش وأكيد بتكونى تعبانة.


نظرت إليه ليلة تتأمله لأول مرة، كم يبدو وسيما، رصينا تماما كبطل من أبطال رواياتها، وكم بدت نبراته حانية لتمس شغاف قلبها وتزيد دقاته، إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تومئ برأسها تنفض أفكارها تلك وتجلس بهدوء قائلة:

شكرا.

، بينما أبعدت عينيها عن سحر عينيه وهي تنظر إلى جورية التي ودت لو حثتها على الكلام مجددا ولكنها كانت تخشى أن تعلم عنه المزيد، فيكفيها ما عرفته حتى الآن...

قالت ليلة بهدوء:.


من حوالى ٣ سنين كان خالد مسافر في رحلة عمل لروما، إتقطعت أخباره عنا، وآخر حاجة سمعناها إنه خلص صفقته بدرى عن ميعادها وإنه عمل شيك آوت من الفندق وكان جاي على مصر في طيارة خاصة واللي طبعا مفيش أي معلومة وصلتنا عنها، ولمدة سنة كاملة مخليناش حاجة معملنهاش عشان نعرف خالد إختفى فين، بس للأسف موصلناش لأي حاجة، لحد ما في يوم، لقيناه داخل علينا، كان الشكل هو هو بس اللبس مش لبسه خالص، أصل خالد كلاسيك اوى في لبسه، مبيلبسش غير بدل، كانت اول مرة نشوفه كاجوول، بس مش ده اللي صدمنا، اللي صدمنا إنه مش فاكر أي حاجة عن السنة دى وإن آخر حاجة هو فاكرها، ركوبه الطيارة الخاصة، ورجوعه على مصر وإنه فاق لقى نفسه في مستشفى حكومى وقالوله إنه جه في حادثة عربية، وإنه الحمد لله ماإتصابش غير في دماغه وإصابته كانت طفيفة وإنهم بس هيخلوه ٢٤ ساعة تحت الملاحظة، وفعلا رجع خالد وعاش بينا من تانى، بس خالد مبقاش خالد بتاع زمان، انا حسيت بتغييره وقلت الكلام ده للين، بس هي مصدقتنيش، قلتلها أخوكى عايش ومش عايش، وكأنه ناقصه حاجة وبيدور عليها، حتى شاهيناز بقى بارد وياها ومبقاش يتخانق معاها زي الأول، لغاية اليوم اللي جينا فيه هنا، يومها حسيت بحاجة غريبة، نظرتك اللي شفت فيها حبك ليه وصدمتك، وهو، هو كمان شفت إضطرابه وحيرته وتساهله معاكى مع إن لو كنت شفتيه قبل ما نيجى هنا كنتى قلتى إنه هيهد الدنيا على دماغ كل الموجودين، شفت كمان لهفته ساعة ما أغمى عليكى وإزاي كان أول واحد جرى ناحيتك وشالك والقلق كان مالى وشه، ومهدتش ملامحه غير لما فوقتى.


إرتعشت جورية، تتساءل، أكان فهد هو من حملها وقتها؟ بينما إبتسم فراس بداخله فتلك الرقيقة، تمتلك عقل راجح وعيون متأملة وقلب رقيق، تماما كما تخيلها، ليفيق من أفكاره على صوتها وهي تقول:

انا قلتلك ياجورى كل حاجة أعرفها عن الموضوع فمن فضلك متبخليش علية وإحكيلى خالد في السنة دى حصله إيه، طمنينى وقوليلى إنه عاش معاكى اللي إتمنيت يعيشه طول عمرى.


لا تدرى لماذا أحبت جورية تلك الفتاة، ربما لإنها تشبهها كثيرا، روحها تتطابق وروح هذه الفاتنة الرقيقة، او ربما هي شفافيتها وصراحتها، لا يهم، المهم أنها أرادت أن تقص حكايتها عليها، ربما لأول مرة تحكيها كاملة، فلم تقص على فراس قصتها بالتفصيل بل إكتفت بموجز صغير عنها، ولكنها وجدت نفسها تقصها على مسامعهما اليوم بأدق تفاصيلها وكأنها تلقى بهم ثقيل على كتفيها بعيدا، لترتاح بعدها، تماما.


قالت سها بدهشة:

يعنى إنتى قابلتى مؤيد في الحفلة، وقالك الكلام ده كله بجد؟

اومأت لين برأسها في هدوء، لتستطرد سها قائلة بحنق:

وإزاي مقلتليش لغاية النهاردة؟

زفرت لين قائلة:.


مش عارفة بقى، يمكن لإنى كنت بتمنى يكون كابوس وفقت منه، أو وهم ومحصلش، يمكن لإنى مش حابة أجيب في سيرته، سيرته اللي بتقلب علية وجع سنين بحالها بحاول فيها أنساه وأنسى اللي عمله فية، مش عارفة، بس اللي عارفاه ومتأكدة منه، إنى مخنوقة، مخنوقة أوى ياسها.

غشيت عيونها الدموع لتشعر سها بالشفقة عليها، لتمد يدها تربت على يد لين قائلة:

طب إهدى بس وهنلاقى لمشكلتك حل أكيد.

قالت لين بألم:.


مشكلتى ملهاش حل، مؤيد رجع ومصمم يدخل حياتى من جديد، ومش ناوى يبعد عنى ويسيبنى في حالى، أنا نفسى أعرف هو عايز منى إيه بالظبط؟، ليه مصمم يعذبنى من تانى، نفسى يرحمنى من اللي أنا فيه، لإنى زهقت، أنا كنت ما صدقت بدأت أنسى اللي فات، لكنه رجع، رجع عشان يفكرنى بكل اللي فات، وأنا مش عارفة أعمل إيه وأخرجه من حياتى إزاي؟

قالت سها:

قولى لأخوكى يالين، قولى لخالد.

قالت لين بصدمة:.


أقول لخالد إيه؟إنتى إتجننتى، أقوله إن سبب طلاقى مش موضوع الخلفة، وإنى إكتشفت إن مؤيد خاين وعنده طفل من غيرى كمان، أقوله إنه باعنى بالرخيص، باع حب وعشرة وحاجات كتير كنت عايشاها معاه، أقوله ياخالد مؤيد خان ثقتك فيه وخانى أنا كمان، مش بعيد يقتله.

قالت سها بدهشة:

إنتى لسة خايفة عليه؟

قالت لين بإضطراب:

ها، لأ طبعا مش خايفة عليه، انا خايفة على خالد، مش عايزاه يودى نفسه في داهية عشان واحد زي مؤيد.


نظرت سها إلى لين بنظرة ذات مغزى، لتشيح لين بوجهها عنها لتتأكد مخاوف سها، لين مازالت تحبه، رغم خيانته لها وإفتراقهما عن بعضهما البعض، مازالت تكن له المشاعر، وهذا لا يبشر بالخير، لا يبشر بالخير أبدا.


قالت ليلة بإبتسامة:

أنا كدة إرتحت، بجد إرتحت وإتطمنت على خالد.

قالت جورية بحزن:.


بس أنا مش مرتاحة ياليلة، حاسة بوجع في قلبى، مش عارفة أعمل إيه ولا أتصرف إزاي، نفسى أبعد عن كل حاجة بتفكرنى بيه بس كل السبل بتودينى ليه، وآخرهم موضوع الأغلفة بتاعة الروايات، وإنتى سمعتى بنفسك، فراس عايزنى أروح لحد عنده وأطلب منه يسيب صورته موجودة على أغلفة الروايات، ودى حاجة معتقدش أخوكى هيقبلها، ومش هينوبنى من المشوار ده غير وجع القلب وخلاص.

قالت ليلة بعد لحظة من التفكير:.


انا مع الأستاذ فراس في كلامه.

لقد نطقت بإسمه، كم رائع هذا الإسم من بين شفتيها، كنغمات ساحرة، حقا لقد عشق إسمه الآن، لتستطرد ليلة قائلة:

إنتى متعرفيش خالد ممكن يعمل إيه في الدار لو منفذتوش كلامه وشلتوا الصور بتاعته من على الأغلفة، والحل الوحيد إنك تروحيله فعلا وتطلبى منه يتراجع عن قراره، ممكن ساعتها يوافق، مين عارف؟وبتمنى من قلبى تلاقي هناك أمل يريح قلبك ياجورى.


نظرت جورية إلى ليلة لتجد بعيونها التصميم، لتنظر إلى فراس وتدرك أنه يؤازر كلمات ليلة بالطبع، لتتنهد يائسة وهي تقول:

اللي تشوفوه، رغم إن قصتى معاه محكوم عليها بالفشل، وإنى متأكدة من رفضه التراجع عن قراره، بس عشان خاطر الدار، أنا هروح.

لتصفق ليلة بجذل ثم تتوقف فجأة وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل لتزداد جمالا في عيون فراس، بينما نهضت وهي تقول بحماس ألهب مشاعره:.


طب مستنيين إيه يلا بينا ياجورى نروح فورا على المكتب.

قالت جورية بإضطراب:

أيوة بس...

قال فراس مقاطعا:

من غير بس، يلا يا جورى، روحى معاها، وطمنونى علطول.

زفرت جورية بقلة حيلة ثم نهضت لتمشى بجوار ليلة بهدوء، بينما يتابعهما فراس بإعجاب يزيد بتلك الفاتنة الصغيرة والتي يدرك أنها تود الجمع بين الحبيبين، مثله تماما.


الفصل السابع 

رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة كاملة

تقديم الرواية


في الوادي إلتقيا وفيه إفترقا للأبد، أو هكذا ظنت حتى رأته من جديد، لتجده شخصا مختلفا كلية عمن أحبت، ترى هل هو نفس الشخص؟ أم هو شبيه له؟ أم ربما هو طيف في خيالها فقط؟ وذكرى قد طواها النسيان؟ ترى من هو حقا؟

اقتباس من الرواية


فجأة تلاشى كل شئ ليفتح عينيه على يد رقيقة تهز كتفه، نظر إلى صاحبتها التي مالت عليه تنادى بإسمه هامسة، لثوان أحس بالضيق منها فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الكشف عن تلك الغامضة الرائعة التي تغزو أحلامه دوما وتقلق منامه وأفكاره، ولكن إيقاظها له أضاع كل شئ، لتنفرج أساريره قليلا وهو يلاحظ قلق تلك الجميلة عليه، والذي ظهر على ملامحها الرقيقة الشفافة، وهو إن كان قاسى القلب، صلد بارد مع الجميع، فأمامها هي بالذات لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى أن يكون هذا الأخ الحنون الذي لطالما كانه لها وسيكون دائما.


هي ليلته الجميلة الرقيقة التي توفي والدها وهي مازالت بعد صغيرة، ثم توفيت والدتها بعدها ليكون لها ولأختهم لين الأب والأم والأخ، ربما يميل قليلا لليلته، لأنه يشعر بضعفها ورقتها وطبيعتها الحساسة الهشة، بينما لين تملك شخصية قوية لا تحتاج إليه البتة، ولكنه ورغم قربه من لين بالماضى مع إستقلاليتها تلك.


إلا أنها في الوقت الحاضر، ومنذ طلاقها لم تعد أبدا كما كانت، إنغلقت على نفسها وأقامت بينهما الحواجز والسدود، و التي أقسم على إزالتها، فقط يحتاج لبعض الصبر والوقت واللذان في الوقت الحالى لا يملك أيا منهما، ولكنه يضعها تحت ناظريه حتى يجد الوقت المناسب لإخراجها من تلك الحالة الغريبة التي إعترتها وتقوقعها حول نفسها، لتنغمس في العمل نهارا والحفلات ليلا، تماما كزوجته شاهيناز، لقد أصبحت تقريبا نسخة طبق الأصل منها،

كل يوم ثلاثة فصول 

رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل السابع


عجبا لك يا نفسُ:

كيف تهوين المخاطر؟

وتتبعين القلب والمشاعر

وتبحرين في بحر الهوى الثائر

وتتلذذين بنسيمه الساحر.


وأنت تغرقين ولا تدرين

و بنار الشوق تُحرقين

ولشغف الحب تُطربين

و لتحذير العقل لا تسمعين

وفي كل حين تتألمين

بقلم، زينة بن عمار.


كان خالد يعقد حاجبيه وهو يطالع هذا العقد، يقرأ بنوده بتمعن، ليتركه وهو يتراجع بظهره، يسند رأسه على مقعده، مغمضا عيناه للحظات، لتمر هي في مخيلته، تضئ هذا السواد بضي طلتها الرقيقة، تسللت بسمة إلى ثغره وهو يراها تطالعه بعيونها البنية الرقيقة ذات الأهداب الرائعة، لتختفى فجأة...


فتح عينيه يلعن إختفائها عن مخيلته، ليفتح درج مكتبه، يأخذ هذا الكتاب من داخله، يقرأ عنوانه بصمت( أنفاس حياة )، يرى صورته ماثلة على الغلاف، يتعجب من إستطاعتها رسمه بتلك الدقة دون أن تراه أمامها، ولو لمرة واحدة، ليتساءل بحيرة، هل راود أحلامها يوما؟أم أنه حقا يمثل صورة فتى أحلامها، في كلتا الحالتين، تمنحه تلك الأفكار شعورا رائعا، لا يدرى كنهه ولكنه وعلى الرغم من روعة الشعور، يخشاه، فحياته قد رسمها بعناية منذ أن أدرك أنه وحده في هذا العالم العجيب، وما يشعر به الآن بالتأكيد يمس هذا العالم بلمحة من الإرتباك، تهزه كلية، قلب الكتاب بين يديه وطالع صورتها التي توجد في الخلفية، كم تبدو رقيقة جميلة، تماما كفتاة أحلامه...


أفاق من أفكاره على صوت طرقات على الباب يعرفها جيدا، ليخبئ الكتاب في الدرج سريعا، ثم كانت إطلالتها الجميلة، إنها ليلة، أخته، بل إبنته، إبتسم عندما قالت برقة:

ممكن أدخل.

قال خالد وقد إتسعت إبتسامته:

إدخلى طبعا.

ابتسمت قائلة:

معايا ضيوف.

نهض قائلا:

أهلا بضيوفك.


لتدخل ليلة إلى المكتب، تتبعها جورية التي ما إن وقع بصره عليها حتى تجمدت إبتسامته لتختفى تدريجيا وهو يطالعها، بينما نظرت إليه تتأمله بدورها، تشبع عيناها من ملامحه رغما عنها، ظلا هكذا لثوان، تنقل ليلة بصرها بينهما، تدرك بأن مابين هذا الثنائي كبير حقا، رغم عدم تذكر أخيها لحبه لها ولكنه يبدو مؤثرا في أعماقه بدرجة كبيرة لترى نظراته الآن كما لم تراها أبدا، تنحنحت قائلة:

إحمم، مش هتسلم على ضيفتى ياخالد؟


أفاق خالد من شروده ليقترب منهما وهو يمد يده إليها، قائلا:

أهلا يا...

تظاهر بنسيان إسمها لا يدرى لماذا، والأدهى أنه لم يدرى كم آلمها ذلك، كادت أن تغادر المكان بأكمله، ولكنها لن تفعل، ستنقذ دار النشر حتى ولو على حساب قلبها، لذا فقد إبتسمت إبتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها وهي تمد يدها إليه قائلة:

جورية، جورية الفيومى.


تلاقت أيديهما للحظات، كانت كفيلة بإرسال شحنات كهربائية في سائر جسديهما، لتترك يده على الفور، تنحنح قائلا:

احمم، إتفضلوا أقعدوا واقفين ليه؟

قالت ليلة برقتها المعهودة:

هنقعد طبعا، إحنا جايينلك في موضوع مهم.

إتجه إلى مكتبه ليجلس مشيرا إليهم بالجلوس قائلا:

خير، أنا تحت أمركم.


جلسا أمامه، تشعر جورية بدوارا يكتنفها وهي تراه يعاملها بتلك الرسمية وكأنها غريبة عنه، وليست قطعة من روحه كما هو تماما، حاولت أن تتمالك نفسها، لتنظر إلى الأمام تحاول أن تتجنب النظر إلى عيونه التي تعشقها، ترفض أن ترى نظراته الجامدة الخالية من التعبير تجاهها، بعد ان كانت تراهم عاشقتين راغبتين، قالت بهدوء:.


الحقيقة، دار النشر حاولت تسحب إصدارات الروايات من السوق، بس للأسف مش نافع، أنا عارفة إن كل اللي حصل ده غلطتى، أنا اللي رسمتك...

لتصمت للحظة وهي تبتلع ريقها بصعوبة قبل أن تستطرد قائلة:

يعنى، رسمت صورة في خيالى ومن حظى إن الصورة طلعت لحضرتك، من حظى إن الصورة طلع صاحبها رجل الأعمال المشهور، خالد نصار.


نظرت إليه في تلك اللحظة، ليرتعش جسدها بأكمله حين إلتقت عيناها بعينيه، لتقع مجددا تحت سحره، تبا، كم إشتاقت إليه وكم هو مؤلم وجودها أمامه وهي لا تستطيع له إقترابا، كان خالد هو أول من أشاح بناظريه بعيدا عنها، وهو يتراجع بظهره مستندا إلى كرسيه، يطرق برأسه لثانيتين قبل أن يرفع وجهه إلى جورية وقد جمدت ملامحه لتتوجس ليلة خيفة مما سوف يقوله، تعلم هذا الوجه جيدا، فلقد نوي خالد أخاها أمرا وهو ليس حسنا على الإطلاق، ليقول خالد ببرود:.


ممكن أعرف إيه المطلوب منى دلوقتى؟

إبتلعت جورية ريقها بصعوبة وأحست بالتوتر يغمر كيانها، تشعر بالصقيع يتسلل إليها، ترسله نظرات خالد الجليدية حولها، لتقول بإضطراب:

يعنى لو بعد إذنك، تسمحلنا بإننا نسيب صور حضرتك على الروايات.

تأملها لثوان بنظرات جامدة، أرعبتها، فلم ترى ابدا هذا الجانب البارد من حبيبها فهد، ترى هل من مفاجآت أخرى؟

لتفيق من أفكارها على صوته وهو يقول ببرودة جليدية:.


آسف، الصور هتتشال، وده قرارى الأخير.

لتتسع عيناها، بصدمة.


تناهى إلى مسامع لين صوت شجار بالخارج إستطاعت أن تميز طرفيه، لتتنهد بيأس، تتساءل بنفاذ صبر، ماذا تريد زوجة أخيها من صديقتها مجددا؟، حقا لقد زودتها تلك المرة، لتنهض متجهة إلى الخارج وهي تنوى ان تضع حلا حاسما لما يحدث، إقتربت منهما لتسمع سها تقول بحدة:

من فضلك تتكلمى أحسن من كدة ويايا، أنا مش بشتغل عندك وحتى لو بشتغل عندك فده ميدكيش الحق إنك تكلمينى بالأسلوب ده.

لتقول شاهيناز بسخرية:.


انا أكلمك زي ما أنا عايزة، وإياكى تفتكرى إنك عشان صاحبة لين فأنا مقدرش أرفدك من الشركة، لأ ده أنا...

هدرت لين قائلة:

شاهيناز.

إلتفتت إليها شاهيناز لتستطرد لين قائلة بنبرة حازمة:

من فضلك، تعالى نتكلم في أوضة المكتب.

كادت شاهيناز للحظة أن تعترض ولكنها تراجعت، وهي تلقى نظرة حادة بإتجاه سها قبل أن تتجه إلى حجرة المكتب، لترسل لين لسها نظرة إعتذار صامتة قبل أن تتبعها مغلقة الباب خلفها بهدوء.


ما إن أصبحت كل من لين وشاهيناز بمفردهما حتى بادرتها شاهيناز قائلة بحدة:

بصى يالين، سها صاحبتك دى مش ممكن تستنى يوم واحد في الشركة، انتى شفتى هي بتكلمنى إزاي؟

قالت لين بهدوء وهي تتجه لتجلس على مكتبها قائلة:

سها وجودها في الشركة من وجودى ياشاهى وانا مقدرش استغنى عنها يوم واحد.

قالت شاهيناز في غيظ:.


ما ده اللي مخليها قوية بالشكل ده ومش هاممها حد، بس لحدى وكفاية، انا مستحيل أقبل بإن واحدة شغالة عندى تكلمنى بالأسلوب ده.

قالت لين ببرود:

اولا، سها مش شغالة عندك، هي شغالة معايا أنا، ثانيا، سها اصلا مش محتاجة تشتغل كل الموضوع إنى لما طلبت منها تساعدنى وافقت، ثالثا بقى وده الأهم، هو إنتى مش عندك مديرة مكتب، ليه بتحملى مديرة مكتبى شغل مكتبك؟

جلست شاهيناز تضع قدما فوق الاخرى قائلة بسخرية:.


هي لحقت تشتكيلك؟

تراجعت لين في مقعدها قائلة بهدوء:

أنا صاحبة سها يعنى من الطبيعى أعرف عنها كل حاجة، زي ما هي تعرف عنى كل حاجة.

إبتسمت شاهيناز بسخرية قائلة:

واضح على فكرة مش محتاجة تقوليلى الكلام ده، انا ملاحظة إنها قربت منك اوى الفترة الأخيرة دى، ده إنتى حتى بقيتى تاخديها الحفلات بدالى.

نظرت إليها لين ببرود قائلة:.


مش إنتى اللي فجأة مبقتيش تاخدينى معاكى الحفلات اللي بتروحيها، وبقيتى بتروحى مع ميراج، ليه انا كمان معملش زيك؟

إتسعت إبتسامة شاهيناز الساخرة وهي تقول:

علمناهم الشحاتة، عموما براحتك، المهم سونيا كانت هناك إنبارح في عيد ميلاد نور وقالتلى إنك كنتى مع واحد، بس اللي أعرفه إن محمود مسافر، ولا رجع؟

رمقتها لين بضيق قائلة:

وسونيا تبلغك أخبارى ليه ولا إنتى موصياها يكون عينها علية؟

قالت شاهيناز بإرتباك:.


ها، لأ طبعا وهخلى عينها عليكى ليه بس؟، المهم مقولتليش مين الراجل اللي كان معاكى ده؟

قالت لين وهي تنظر مباشرة إلى عيون شاهيناز:

مؤيد، مؤيد الحسينى.

لتتسع عينا شاهيناز، في صدمة.


قالت ليلة بسرعة:

بس ياخالد...

قاطعها خالد بإشارة من يده قائلا:

خليكى برة الموضوع ده ياليلة، الكلام بينى وبين الآنسة.

لتصمت ليلة بحنق بينما نظر خالد إلى جورية قائلا:.


قلتلك المرة اللي فاتت، وجود صورتى على أغلفة رواياتك يضر بسمعتى وسمعة الشركة، ده غير إنه هيثير الأقاويل علينا وأنا مش مستعد لثانية واحدة يرتبط إسمى بإسم حد تانى غير مراتى، الكلام ممكن يأثر على شغلى وعلى بنتي وأنا مش مستعد أجازف بالإتنين.

كم آلمتها كلماته، أيخشى إرتباط إسمه بإسمها؟أيخشى على مشاعر زوجته إلى تلك الدرجة؟وماذا عنها هي؟فلتذهب إلى الجحيم ولن يبالى، أليس كذلك؟


نهضت جورية في ثبات، تقاوم بكل ذرة من كيانها إنهيارا تاما في مشاعرها، وهي تقول بنبرات هادئة:

كدة خلص الكلام، أنا قلت لحضرتك طلبى وحضرتك رفضت، تقدر تاخد إجراءاتك القانونية وإحنا بإذن الله هنكون مستعدين ليها، بعد إذنك.


لا يدرى لما شعر خالد بألم في صدره لمظهرها الضعيف الشاحب رغم ثبات نظراتها، ولما شعر أنه قد زاد العيار معها، فمن الممكن ان يتغاضى عن موضوع الأغلفة برمته ولن يحدث شئ مما ذكره، وحتى إن حدث فهو قادر على دحض أية أقاويل، ولكنه أراد أن يثبت لنفسه أنها لا تهمه مطلقا، أو ربما أراد ان يغلق هذا الباب المفتوح بينهما للأبد، هو حقا لا يدرى ولكن كان موقنا من أن ما يفعله هو القرار الأصوب، حتى تلك اللحظة، و التي يراها فيها الآن تمشى بإتجاه الباب ربما مغادرة حياته للأبد، ليدرك أنه أخطأ خطئا فادحا، لتقف ليلة مغادرة بدورها وهي ترمقه بحنق، زفر بقوة قبل أن تتسع عيناه بصدمة وهو يرى جورية تقع فجأة على الأرض مغشيا عليها بينما صرخت ليلة بإسمها في هلع.


نهضت شاهيناز قائلة في صدمة:

يعنى إنتى عايزة تفهمينى إن مؤيد رجع.

تنهدت لين وهي تومئ برأسها قائلة:

أيوة رجع، وياريته بس رجع، ده رجع ومش ناوى أبدا على خير.

عقدت شاهيناز حاجبيها قائلة:

قصدك إيه؟

نهضت لين وإستدارت حول المكتب وهي تقول:

قصدى إنه راجع مخصوص علشانى ومش ناوى يسيبنى في حالى أبدا.

رفعت شاهيناز حاجبها الأيسر قائلة:

وإيه بس اللي مخليكى متأكدة من الكلام ده.

إستندت لين إلى مكتبها قائلة:.


هو بنفسه قاللى الكلام ده، تصرفاته غريبة وكلامه أغرب ياشاهى، وبجد بدأت أقلق منه.

قالت شاهيناز بحدة:

وناوية تعملى إيه يالين؟

تعجبت لين من حدتها لتنظر إليها عاقدة الحاجبين فقالت شاهيناز بإرتباك:

قصدى يعنى، ناوية ترجعيله بعد اللي عمله فيكى يالين؟

قالت لين بنفي سريع:

لأ طبعا أرجعله إيه بس، إنتى إتجننتى، أنا مستحيل أرجعله، وإنتى من بين الناس كلها عارفة إن رجوعى ليه من رابع المستحيلات.


زفرت شاهيناز براحة قائلة:

طمنتينى بجد، أنا قلت يعنى ممكن تكونى ضعفتى عشان بتحبيه أو يعنى...

قاطعتها لين قائلة بحزم:

أنا مش ممكن أضعف ولا أخلى مشاعرى تتحكم فية من تانى، الكلام ده مش ممكن يحصل ابدا.

لتقول شاهيناز وهي تتفحص ملامحها تستشف أفكارها:

طب وناوية على إيه يالين؟

قالت لين:

هسافر، هسافر ياشاهى.


ناداها صوته من مكان بعيد، ليسحبها بقوة من تلك الهوة السحيقة والتي تسحبها إليها بدورها، لينتصر صوته بالنهاية وتبدأ في فتح عينيها بضعف لتراه أمامها، ينظر إلى عينيها بقلق، لتقول بهمس ضعيف:

فهد.

قست قسماته وهو يقول:

خالد، إسمى خالد نصار.

فتحت عينيها بقوة وإدراكها يعود إليها بسرعة، لتنتفض معتدلة وهي تقول بإرتباك:

آه آسفة، أاااه.


أمسكت رأسها بقوة وقد عاد إليها الدوار ربما لإعتدالها المفاجئ ذاك، ليظهر القلق مجددا على عينيه وهو يقول:

ياريت لو ترتاحى شوية كمان، إنتى شكلك تعبانة وبعدين إنتى لازم تشوفى دكتور، إغمائك المتكرر ده غريب ومش طبيعى على فكرة.

قالت في مرارة:

لأ طبيعى، أنا كدة، متعودة عليه من صغرى، آسفة بس لازم أمشى دلوقتى.

قالت ليلة المتابعة لحديثهم بصمت:

يبقى هوصلك البيت، مش هينفع أسيبك في الحالة دى ياجورى.


أومأت جورية برأسها في ضعف، ونهضت ببطئ لتسندها ليلة، ليحسم خالد هذا النزاع مابين عقله وقلبه على الفور وهو يقول:

إستنوا.

إلتفتا إليه سويا لينظر إليهما قائلا بهدوء:

أنا جاي معاكم.

إتسعت عينا ليلة في دهشة، بينما أحست جورية بالإضطراب ممتزجا بقليل من الجزع وهي تقول:

مفيش داعى، أنا...

قاطعها وهو يشير إليها بالصمت قائلا:

ده قرارى الأخير ومش هرجع فيه، هوصلكم يعنى هوصلكم.


ليأخذ هاتفه ومفاتيحه من على المكتب وهو يسبقهم إلى الخارج بخطوات حازمة لتنظر جورية إلى ليلة التي هزت كتفيها لتتنهد جورية وقد أيقنت أن ما يحدث معها الآن هو تقريبا أسوأ مخاوفها، على الإطلاق.


قال مؤيد لهذا الشخص الذي يحادثه في الهاتف:

يعنى كل شئ تمام؟

صمت قليلا ليقول بعد لحظات:

لأ كويس أوى كدة، إبعتلى إنت بس المفاتيح وملكش دعوة بأي حاجة تانية.

ليصمت لثوان ثم يقول:

بكرة او بعده بالكتير، تمام يامعتز، سلام.

ليغلق الهاتف ثم يلتفت ليتجمد تماما حين رأى نبيل أمامه يقف صامتا يحدجه بنظرة غير راضية على الإطلاق، ليشيح بوجهه عنه، وهو يتجه إلى حجرته ليوقفه نبيل قائلا:

إنت ناوى على إيه يامؤيد؟


إلتفت إليه مؤيد يحدجه بنظرات غامضة قبل أن يقول:

بلاش يانبيل إنت بالذات تعرف، لإنك مش هتوافق على اللي هعمله.

قال نبيل بحدة:

مادام عارف إنى مش هوافق يبقى اكيد عارف إنه غلط.

قال مؤيد بحدة مماثلة:

واللي عملته فية مش غلط، أهو غلط بغلط والبادى أظلم.

قال نبيل بحزن:

إنت إتغيرت اوى يامؤيد، مبقتش مؤيد صاحبى اللي عرفته.

لينظر إليه مؤيد نظرة طويلة قبل أن يقول بهدوء يوارى به مشاعره المحطمة بالداخل:.


انا فعلا مبقتش مؤيد بتاع زمان، بس هي السبب وعشان أرجع مؤيد لازم أشفى غليلى من اللي باعتنى ودمرت حياتى وفى الآخر رايحة تتجوز بكل برود، لازم أخليها تبوس رجلى عشان أرحمها وساعتها بس، ساعتها بس هرجع مؤيد اللي إنت تعرفه.

قال نبيل:

بس كدة إنت...

قاطعه مؤيد وهو يقول بحزم:.


لو سمحت يانبيل، سيبنى على راحتى، أنا رضيت تيجى معايا مصر، مش عشان تكون رقيب علية، أنا رضيت لإنك صاحبى وحاسس بية وأكيد هتدعمنى ولو مقدرتش تدعمنى، يبقى على الأقل متمنعنيش.

ليتركه ويتجه إلى حجرته، مغلقا الباب خلفه بهدوء، يتابعه نبيل في حيرة إمتزجت بالحزن، وقد أيقن ان مؤيد ينوى بلين شرا، وهو لن يقف هكذا مكتوف الأيدى يشاهد صديقه وهو يودى بنفسه إلى الهلاك، لن يفعل هذا مادام حيا.


رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل الثامن


لا بأس أن تبكي أوراق قلبك اللينة

لابأس أن تميل أغصان روحك الهينة

أنت ماء عذب لتراب الأرض الميتة

وتظل الدموع نقاء من الأوجاع النيئة

لا بأس بضباب يجتاح الأفكار السيئة

فما خبأت منك إلا الذكريات الشقية

بقلم، نور محمد.


كانت شاهيناز تجوب الحجرة جيئة وذهابا في غيظ، تتساءل بحنق، لماذا عاد مؤيد من جديد، وماذا يريد من لين؟هل حن لها؟هل إشتاق إليها؟هل نسي كل ما حدث بينه وبين لين؟ترى ماالذى قد تفعله لتحول بينهما مجددا؟

توقفت في مكانها فجأة، تتساءل، ترى أين هو الآن؟وماذا يفعل؟هل عاد لشقته القديمة؟ربما ستذهب إليه الآن لتراه، تتأكد من نواياه، أو ربما تخبره كم إشتاقت إليه...


نفضت أفكارها، تعرف النتيجة مسبقا، فلا داعى لخيبات الأمل المتكررة، هو لن يرضخ لها فهو مازال عاشقا لتلك اللين، وكل ما سينالها منه هو التقريع، وربما تلك المرة أخبر خالد بمحاولاتها الدائمة معه، لذا فالأولى لها الآن أن تحاول التفريق بين لين ومؤيد، يجب أن تمنع لقائهما، يجب أن تحول بينهما بأي ثمن، أما البقية، فستدع الأيام تقرر خطواتها التالية وقراراتها بهذا الشأن، الآن ستذهب إلى خالد تخبره أنها عائدة إلى المنزل فلديها صداع شديد يكاد يفتك برأسها، ستخلد إلى الراحة قليلا كي تستطيع التفكير بهدوء، نعم هذا ما ستفعله تماما.


إتجهت بخطوات حازمة إلى مكتب زوجها لتهز رأسها بهدوء تحيي صفاء مديرة مكتب خالد، قبل أن تكمل طريقها ليوقفها صوت صفاء التي قالت بإحترام:

خالد بيه مش في المكتب يامدام شاهى.

إلتفتت إليها شاهى عاقدة حاجبيها وهي تقول:

أمال راح فين ياصفاء؟

قالت صفاء:

مشي من شوية مع آنسة ليلة وصاحبتها.


ليزداد إنعقاد حاجبي شاهيناز وهي تتساءل عن سبب رحيله المفاجئ، ومن تلك الصديقة التي رافقتهم؟ لتومئ برأسها محيية السكرتيرة بهدوء، وهي تغادر حجرة المكتب متجهة إلى خارج الشركة، تمسك هاتفها و تتصل برقم زوجها خالد، مرارا وتكرارا، لكن للأسف، لا مجيب.


قالت ليلة:

ماترد على التليفون ياخالد.


لم يجبها خالد وهو يتجاوز تلك السيارة التي أمامه بصعوبة، يسرع بسيارته حقا، يود أن يطوى الأرض طيا ويوصل تلك الجورية التي قلبت حياته رأسا على عقب وشغلت أفكاره بأسرع وقت ممكن، يود حقا لو أغلق صفحتها للأبد، فبينهما بابا يحمل إليه رياحا عاتية، هو مواربا حتى تلك اللحظة وأضراره بسيطة ومحتملة ولكن إذا إتسع أكثر من ذلك ستقتلعه تلك الرياح من الجذور، وستودى به إلى حتفه بالتأكيد.


رن الهاتف مجددا لتحمله ليلة تنظر إلى شاشته وهي تقول:

دى شاهى ياخالد، ما ترد عليها، أكيد فيه حاجة مهمة عشان متبطلش رن عليك بالشكل ده.

قال خالد في لا مبالاة:

لأ عادى، ده الطبيعى بتاعها.

أغمضت جورية عينيها بألم، ترفض سماعه وهو يتحدث عنها، عن غريمتها التي حظيت بكل ما حلمت به جورية، حظيت بحبه، بدفئه، بحنانه، بإسمه، بطفلته، أما هي فلم تحظى منه سوى بعذاب الحب فقط، وياله من عذاب.


فتحت عيونها تنظر إلى الأمام، لتقع عيناها على مرآة السيارة، تتقابل عسليتيها مع عينيه الزرقاوتين، رغما عنها لم تستطع الإشاحة بناظريها، لتجمعهما نظرة طويلة، حبست أنفاسهما معا، ليكون هو أول من يشيح بناظريه عنها مركزا على الطريق مجددا ورافضا هذا السحر الذي يجذبه إليها، يجعله ضعيفا خاضعا، يود فقط لو كان هو وهي وحدهما، يزيد هذا السحر من رغبته في ان يتعرف عليها أكثر، أن يعرف تفاصيلها، ماتحب وماتكره، يود فقط لو إقتربت منه وأسكنها صدره، يشعر بأن هذا هو مكانها الطبيعي، تبا، إلى أين تودى به أفكاره، حقا إلى جحيم لا قبل له به...


أفاق من شروده على صوتها الرقيق وهي تقول:

العمارة اللي جاية دى لو سمحت.

توقف خالد بالسيارة، لتترجل منها جورية على الفور، شعرت بالدوار في نفس الوقت الذي خرجت من السيارة ليلة وأصبحت بجوارها لتسندها بسرعة، ترجل خالد بدوره وهو يراها بهذا الضعف والشحوب، ليقول بقلق:

المفروض نروح للدكتور ياآنسة جورية، من فضلك إركبى تانى.

هزت جورية رأسها بضعف قائلة:.


قلت لحضرتك الموضوع ما يستاهلش، أنا متعودة على الدوخة دى، شوية وهتروح، أنا متشكرة أوى، تعبتكم معايا، تقدروا تتفضلوا إنتوا وانا هبقى كويسة متقلقوش.

قالت ليلة:

متشكرة إيه بس ونتفضل إيه، أنا مش همشى غير لما أتأكد بنفسى إنك بقيتى كويسة.

قالت جورية بضعف:

أيوة بس...

قاطعتها ليلة قائلة في حزم:

مفيش بس، يلا بينا.


نظرت جورية إليها بضعف، حائرة ماذا تفعل وقد لاحظت ان خالد سيرافقهما، لتهز رأسها في قلة حيلة فهي تشعر بالضعف فعلا وربما حقا تحتاج أحدا بجانبها، حتى لو كان هذا الشخص، هي ليلة وأخيها، خالد.


قالت سها بإبتسامة:

خلاص والله يالين، إعتذرتيلى خمسين مرة والغلطة مش غلطتك اصلا، غلطة مرات اخوكى اللي مش عارفة مالها ومالى بس، واخدة بالها منى ليه؟والله ما أنا عارفة اخوكى مستحملها إزاي بس؟

قالت لين بإبتسامة:

مش للدرجة دى ياسو، هي صحيح عصبية وحمقية ولسانها أطول منها بس قلبها طيب، إنتى نسيتى مين اللي وقف جنبى في أزمتى، هي طبعا، انا مش حكيتلك هي عملت معايا إيه؟

قالت سها بسخرية:.


والله يالين انا مبقتش فاهماكى، إنتى طيبة ولا هبلة، ذكية ولا عبيطة.

قالت لين بإستنكار:

مين دى اللي عبيطة؟ما تاخدى بالك من كلامك ياسها.

قالت سها:

طيب خلاص متزعليش، بس والله إنتى على نياتك اوى لما تقولى على شاهيناز كدة، شاهيناز طيبة؟دى حية وسمها بيلدغ من تحت لتحت، بكرة الأيام تدور وتقولى كان عندك حق ياسها.

قالت لين:

طيب سيبينا من شاهى ومواويلها وقوليلى، فيه حفلة بالليل في بيت صافيناز، ها هتيجى معايا؟


قالت سها بإستنكار:

حفلة تانى، وملل تانى وكعب في الآخر يتكسر وراجل يطلعلى ويفكرنى سندريلا، لأ، شكرا يا ستي.

عقدت لين حاجبيها قائلة:

كعب إيه وراجل مين، وإيه حكاية سندريلا دى كمان؟

أطلقت سها ضحكة ثم قالت:

هو أنا مقلتلكيش؟

إزداد إنعقاد حاجبي لين قائلة:

قلتيلى إيه بس؟

قالت سها بإبتسامة واسعة:.


هقولك يالولو، هقولك على ليلة قابلت فيها فارس احلامى وبعبطى كالعادة مشيت، ومسبتلوش أي حاجة يوصلى بيها غير كعب جزمة مكسور، تقريبا كدة زي حكاية سندريلا، بس في الحكاية الأمير لقى أميرته، أما في الحقيقة، فسندريلا بتضرب نفسها بالجزمة إنها مديتلوش رقم تليفونها.

قالت لين بحيرة:

إنتى بتقولى إيه؟انا مش فاهمة حاجة خالص.

ضحكت سها مجددا وهي تقول:

تعالى ياأختى نقعد في حتة وأنا أفهمك كل حاجة.


كان خالد يتأمل شقة جورية البسيطة ولكن في نفس الوقت أنيقة تماما كصاحبتها، تحمل حقا الكثير والكثير من روحها، التي ورغم قصر المرات التي قابلها فيها، والتي لا تتعدى المرتين، إلا أنه يشعر أنه يعرفها وكأنها تربت على يديه، يحفظ سكناتها، إنتبه إلى وجود دفتر رسم كبير يقبع على الأريكة، إتجه إليه ببطئ ورفعه ليمسكه بين يديه، تأمل واجهته الرقيقة ليدرك مدى رقة صاحبته، حتى في إختيارها لدفتر رسم بسيط، كاد أن يفتحه لتتوقف يده في الهواء وضميره يؤنبه بشدة، فهذا الدفتر قد يحمل بعض أمورها الشخصية، كاد أن يضعه مجددا في مكانه ولكن فضوله تجاهها غلبه، ليفتحه بهدوء وما إن فتحه حتى تمنى لو لم يفتحه مطلقا، فهناك وبين ورقاته قبع هو في أماكن مختلفة، بجسده وروحه التي لم يعريها لأحد، جسدت جورية كل حركاته وسكناته، ضحكاته التي لم يراها أحد سواه، شروده، نظرات عشق لم ينظر بها إلى أي فتاة من قبل، أهكذا سيكون عندما يعشق إحداهن؟ما هذا؟إنه هو، يقف عارى الجزع، تلفح الشمس بشرته، يتصبب العرق من وجهه، وهو يمسك بالفأس، هل هذه هي صورته كمزراع؟ياالله كم تبدو الصورة حية للغاية وكأنه متجسدا أمامه، إنها فنانة بارعة، لا يستطيع أن ينكر هذا، عقد حاجبيه وهو يرى محيط تلك الصور، يشبه كثيرا محيط تلك الأحلام التي تراوده عن تلك الفتاة، بل تكاد تكون متماثلة، هاهي الطاحونة الزرقاء، وهاهو الكوخ الصغير المجاور لإسطبل الخيل، وها هو ذلك النهر الصغير وتلك الشجرة الكبيرة بجواره، ماالذى يعنيه هذا؟شعر بألم في رأسه، وهذا الصداع يعاوده من جديد، وضع يده على جبهته يدلكها بخفة، ليتجمد في مكانه تماما وهو يستمع إلى صوت ضحكاتها الصادرة من غرفتها حيث تساعدها ليلة على تبديل ملابسها والتمدد في سريرها، إنها تشبه ضحكات فتاة أحلامه، لا، لا تشبهها، إنها هي، تبا، ما الذي يحدث؟، إنه ضربا من الجنون، كاد أن يضع الدفتر من يده، ولكنه توقف حين رأى صورتها معه، كانا يقفان معا يتأملان مشهد غروب رائع، لم يلفت إنتباهه هذا المشهد الخيالي وإنما ما لفت إنتباهه هو لون شعرها، مختلف عن لونه الآن، يشبه تماما لون شعر فتاة أحلامه ومطلقة عنانه مثلها تماما، أما في الحقيقة فدائما ما ترفعه على هيئة ذيل حصان مع تغيير لونه بالطبع، من الكستنائي إلى البني المائل للحمرة قليلا، ليشعر بالرهبة، يتساءل في صمت عن كنه ما يحدث، والذي ليس عنده له تفسير آخر سوى أنه في ورطة كبيرة جدا، وأنه يجب أن يخرج من هذا المكان على الفور، ليعيد جمع شتات نفسه التي تبعثرت منذ أن رآها، والأدهى هذا الدفتر والذي هو عبارة عن تجسيد لأحلامه على ورق، ليتركه من يده، ثم يلقى نظرة أخيرة على باب الحجرة المغلق والذي يضم بين جنباته أخته ليلة وتلك الفتاة التي أربكت حياته بشدة، جورية، ليتجه بعدها إلى باب المنزل، يفتحه ويخرج منه مغلقه خلفه قبل أن يتجه بخطوات مسرعة تجاه سيارته وكأن شياطين الدنيا كلها في إثره.


إبتسمت ليلة قائلة:

أيوة بقى ياجورى ياقمر، خلى الضحكة تنور وشك.

إبتسمت جورية وهي تتأملها قائلة:

إنتى طيبة أوى ياليلة، بجد أنا مبسوطة إنى عرفتك.

إبتسمت ليلة قائلة:

القلوب عند بعضها ياقلبى، أنا كمان مبسوطة إنى عرفتك، ومبسوطة أكتر إن أخويا حبك إنتى.

أشارت لها جورية بالصمت قائلة:

بس، أخوكى برة، بلاش الكلام ده دلوقتى.

أشارت ليلة برأسها موافقة وهي تشير لفمها بعلامة الصمت، لتهمس جورية بحزن:.


بس عموما الكلام ده كان زمان، دلوقتى...

قاطعها رنين هاتف ليلة، لتنظر إلى شاشته وتجد رقم هاتف اخيها لتقول:

ده خالد، الظاهر مل من القعدة برة لوحده، أنا فعلا إتأخرت عليه.

لتجيب أخيها قائلة:

ألو، أيوة ياخالد، خرجالك حال...

صمتت وهي تعقد حاجبيها قبل أن تقول:

طيب تمام، أنا هروح، آه عارفاه، متقلقش، سلام.

لتغلق هاتفها وهي تنظر إلى جورية التي قالت بتقرير:

مشي، أكيد وراه شغل.

هزت ليلة رأسها نفيا قائلة:.


معتقدش وراه شغل، صوت مية جنبه وكأنه قاعد على النيل، وبعدين فيه حاجة في صوته مش طبيعية، متغير أوى، وكأن فيه حاجة مضايقاه، تفتكرى وجوده جوة شقتك فكره بحاجة من الماضى؟

هزت جورية رأسها بنفي قائلة:

معتقدش، فهد، قصدى خالد مجاش هنا قبل كدة، حياتى معاه كانت هناك في الوادى، ومعتقدش فيه حاجة هنا ممكن تفكره بماضينا مع بعض.

هزت ليلة كتفيها قائلة:

مش عارفة بقى، عموما ياخبر بفلوس، بعد شوية هيكون ببلاش.

لتنهض قائلة:.


أنا هقوم بقى وأسيبك عشان ترتاحى حبة وهجيلك بكرة بعد المحاضرات عشان أطمن عليكى.

إبتسمت جورية قائلة:

مفيش داعى تتعبى نفسك ياليلة، انا بجد بقيت كويسة الحمد لله.

رفعت ليلة حاجبيها قائلة بمزاح:

إيه ده إنتى مش عايزانى أجيلك ولا إيه ياجورى، قولى بقى إنك زهقتى منى.

قالت جورى في عتاب:

ازهق منك إيه بس، ده انا ما صدقت ألاقيلى أخت في غربتى دى.

إبتسمت ليلة قائلة:.


يبقى ياروح أختك تسيبيلى نفسك خالص بكرة هأكلك أكلة على مزاجى إنما إيه، تستاهل بقك.

إبتسمت جورية وهي تومئ برأسها، لتتسع إبتسامة ليلة قائلة:

يلا سلام.

قالت جورية:

سلام ياليلة.

غادرت ليلة تتابعها عينا جورية بإبتسامة مالبثت أن إختفت وهي تتساءل عن سبب مغادرة خالد المكان بتلك السرعة دون أن يصطحب ليلة معه، ليظل سؤالها عالقا، دون إجابة.


دخل خالد إلى حجرته في وقت متأخر، يتوقع أن تكون شاهيناز قد خلدت للنوم كعادتها، لتخالف توقعاته وهو يراها مستيقظة، تجلس في السرير، تبدو من ملامح وجهها أنها تبغى أن تفتعل مشاجرة معه وهو غير مستعد مطلقا لمهاتراتها، ليحدقها بنظرة باردة وهو يقول:

من فضلك، أنا راجع تعبان ومش حمل أي حاجة تضايقنى، لو عندك حاجة عايزة تقوليها ياريت نأجلها لبكرة، مفهوم؟

نفضت شاهيناز عنها الغطاء قائلة:.


بس اللي عايزة أسألك عنه مينفعش يتأجل لبكرة ياخالد.

زفر خالد قائلا في ضجر:

خير ياشاهى، عايزة تسألينى عن إيه؟

تفحصت شاهيناز ملامحه وهي تقول:

مين صاحبة ليلة اللي خرجت انت وهي معاها النهاردة وإتأخرت بسببها لغاية دلوقتى.

حدجها ببرود للحظات قبل أن يقول:.


أولا أنا متأخرتش بسبب حد، أنا سبت ليلة مع صاحبتها من بدرى ومشيت روحت قعدت على النيل شوية، ثانيا، أظن غيرتك علية دى جاية متأخر أوى ياشاهى، يعنى مشفتهاش غير في مكتب دار النشر ودلوقتى، إيه، فجأة لقيتى نفسك بتحبينى وبتغيرى علية؟

إقتربت منه شاهيناز حتى وقفت أمامه تماما لتضع يدها على صدره قائلة في دلال:.


أنا طول عمرى بحبك وبغير عليك ياخالد، ومش معنى إنى مببينش ليك، يبقى مبحبكش، لأ، سميها ثقة في نفسى، لإنى عارفة ومتأكدة إنى متخانش، ده غير إنى عارفة إنك معندكش مشاعر عشان تديها لحد ياحبيبى، طول عمرك وإنت قلبك جامد، رافض تحب وتتحب، وأنا عارفة إنك محبتش في حياتك حد غير إخواتك وريم.

قال خالد ببرود:

ولما انتى عارفة كدة، وغيرتك محتفظة بيها لنفسك، إيه اللي حصل فجأة وفجرها بالشكل ده؟


رفعت يدها تمررها على وجنته بنعومة قائلة:

لإن خالد نصار اللي أعرفه مبقاش خالد نصار من يوم ما رجع من السفر، بقيت بتسرح كتير ووضعك مبقاش مريحنى، بقيت أبرد من الأول معايا، ومعاملتك لية بقت أسوأ، وكأنى مش أم بنتك الوحيدة، تعرف أكتر حاجة صدمانى، هو إن خالد نصار اللي أعرفه، شفته من يومين في عيونه نظرة قلقتنى، نظرة خوف وقلق على واحدة ميعرفهاش، وده جننى، والله جننى.


أمسك خالد يدها التي تمررها على وجنته يوقفها ببرود قائلة:.


على فكرة أنا زي ما أنا متغيرتش، ومش معنى إن الإنسانية جوايا إنتصرت للحظة يبقى إتغيرت، أنا فعلا معنديش مشاعر أديها لحد وقلتلك الكلام ده من زمان، أما بقى سبب معاملتى ليكى إنتى بالذات، فإحمدى ربنا إنى كملت معاكى حياتى أصلا، وده من باب الشهامة مش أكتر، دى بقايا الشفقة اللي جوايا واللي مش عاجباكى دلوقتى، فمن فضلك، ياريت تلمى حواراتك دى، أنا قلتلك إنى تعبان ومش حمل كلام ملوش معنى يضايقنى.


ليتركها واقفة في مكانها ويتجه إلى الحمام، بينما تتابعه عيناها بحنق، تلعن إنكسارها الدائم أمامه، بل تلعن هذا اليوم الذي تركها فيه حبيبها، وتخلى عنها، لتضطر أن تتزوج وتصبح لقمة سائغة في فاه خالد نصار، ذليلة أمامه، تعيش حياة باردة خالية من الحياة، لتقرر وبكل حسم أن تبدل حياتها تلك، وأن تسعى إلى الطلاق ولكن بعد أن تتأكد من أن حبيبها سيتقبلها ولن يرفضها كما رفضها بالسابق، ستعمل على أن تجعله لها وحدها دون غيرها، ستجعله ينسى مجددا حبه القديم ليفتح قلبه لعشقها، وحتى تفعل ذلك ستظل مع الأسف، أسيرة هذا الرجل، زوجها، خالد نصار.


رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل التاسع


مدقوق بالأوتاد أرضًا بالأربع

أتلوى ألمًا مكتوفًا بالعجز أتضوع

و صراخي يشق فراغي من المنبع

أغلال تنخر رسغاي، آه أتوجع

و قفير يحويني وحدي، أين المصرع

استغاثاتي تتهدج بصوت متقطع

هل من منقذ من هذا السجن المفجع

من هذا الحد القاطع يشق الجسد المتمنع

من تلك النار الشعواء تكوي جنبي المتضلع

من ذاك الجلمود يدثرني بات المهجع

فيا ليتني كنت ترابًا من ذوات الأربع

لا ألوي على شيء من دنيا و لا مطمع.


أيا غربتي المريرة كيف السبيل إلى خلاص فقد جف المدمع

بقلم، ايهاب سليمان.


دخل خالد إلى حجرة الطعام ليجد ليلة ولين جالستان يتناولان طعامهما في صمت، ألقى تحية الصباح بهدوء، ثم جلس يتناول طعامه بدوره في صمت، نهضت لين قائلة بسرعة:

أنا ماشية، سلام.

توقف خالد عن تناول طعامه وهو يقول:

لأ إستنينى يالين، هنروح مع بعض.

هزت رأسها نفيا قائلة:

مش هينفع، انا مش رايحة الشركة، ورايا ميتنج مهم مع عميلة.

قالت ليلة بدهشة:

غريبة اول مرة تقابلى عميلة برة الشركة.

هزتت لين كتفيها قائلة:.


مش غريبة ولا حاجة، بتحصل بس مش كتير، على حسب راحة العميل، ويلا بقى مضطرة أمشى عشان متأخرش، سلام.

قال خالد:

سلام.

غادرت لين بينما نهضت ليلة بدورها قائلة:

أنا كمان همشى، عشان ورايا محاضرة بدرى النهاردة، سلام.

قال خالد بهدوء:

إستنى ياليلة، أنا عايزك، أقعدى.

عقدت حاجبيها بحيرة وهي تعاود الجلوس مجددا قائلة بحيرة:

خير يا خالد؟

تراجع خالد في مقعده وهو يقول:

الحقيقة فيه موضوع مهم عايز أكلمك فيه.


نظرت إليه ليلة ولم تعقب، ليميل إلى الأمام قائلا بحزم:

جورية.

إزداد إنعقاد حاجبيها وهي تقول:

مالها؟

نظر إلى عينيها مباشرة وهو يقول:

مش عايزك تقربى منها، حكايتها خلصت خلاص، وياريت نقفل موضوعها ده خالص.

قالت ليلة بحيرة:

بس أنا حبيتها ياخالد ومش حابة أبعد عنها، أنا بحسها زي لين وسها بالظبط، انت ليه بس عايز تبعدنى عنها؟جورى طيبة أوى ياخالد، صدقنى، دى ملاك والله.


قال خالد في نفسه، أنها لا تحتاج لأن تقسم فهو يدرك بكل قوة أنها حقا تبدو كالملاك، وأن بها براءة ورقة تجذبانه بشدة، لا تحتاج لأن توضح له ما هو واضح فعلا كالشمس، فها هو ينجذب إليها وبشدة وهو لم يلقاها سوى مرتان، يشعر بأنها خلقت له، وهو خلق لها، يجمعهما شئ روحاني لا يتكرر، فهي تجسيد لأحلامه وربما هو تجسيد لأحلامها التي خطتها على ورق، هذا الورق الذي أربكه، أخافه، وجعله يقرر قرارا مصيريا لا رجعة فيه، سيغلق صفحتها للأبد، فلا مكان في قلبه لضعف يجلبه العشق، لا مكان في حياته للمشاعر، حياته قد رسمها بعناية، وداخل تلك الصورة لا مكان لجورية أبدا، والتي بمجرد ظهورها في حياته، جعلت تلك الصورة باهتة ودون ملامح، ليدرك أنه ليستعيد حياته السابقة، يجب أن ينساها، يمحوها من أحلامه وحياته للأبد، ربما لن يستطع أن يقوم بذلك، ولكنه بالتأكيد سيحاول.


أفاق من شروده على صوت ليلة وهي تقول:

بص يا خالد، أنا عمرى ما إعترضت على أي قرار أخدته، وعمرى ما قلتلك لأ على حاجة، بس حقيقى في الموضوع ده مش هقدر، جورية من ساعة ما عرفتها وأنا حسيتها قريبة منى، شبهى، ومش بس كدة، هي غريبة في بلدى وملهاش صاحبات، يمكن أكون أول صاحبة ليها هنا من سنين، ده غير إنها بجد مريضة ومحتاجة حد يكون جنبها وإنت مربتنيش على إنى أتخلى عن حد محتاجلى.

لتنهض مستطردة بحزم:.


بعد إذنك، إتأخرت عن المحاضرة وفعلا مضطرة أمشى، سلام.

تأملها وهي تغادر بهدوء، يدرك أنها على حق تماما، ولكنه كان يود لو أغلق هذا الباب تماما ليرتاح باله، ولكنه ومع الأسف ظل مواربا، ليخشى أن يفتح على مصراعيه ليدخل منه رياح عاتية لا قبل له بها.


أنهت لين إجتماعها مع العميلة وقد إتفقتا على كل شروط العقد، وإتفقتا على إمضاء العقود أيضا في الشركة في اليوم التالى، خرجت من المطعم وإتجهت إلى سيارتها بخطوات رشيقة، ثم ركبت في المقعد الخلفى وهي تمسك هاتفها تقول لسائقها بهدوء وهي تجرى إتصالا بسها:

على الشركة علطول ياعم مختار.

إلتفت إليها السائق قائلا بإبتسامة:

تحت أمرك يافندم.


تجمدت أصابع لين التي تضغط أزرار هاتفها وهي تستمع إلى صوت السائق تدرك أنه بكل تأكيد ليس صوت سائقها الذي تعرفه، وإنما هو صوت آخر تعرفه، تعشقه، وفى نفس الوقت تهابه، يثير الإضطراب في جسدها ويشعل مشاعرها المتناقضة كلية، رفعت وجهها إليه، لتتسع عيناها بصدمة وهي تطالع عيناه العسليتان لتبتلع ريقها بصعوبة وهي ترى إبتسامته الساخرة ليتوجس قلبها خيفة من الآتى، تدرك أن وراء تلك الإبتسامة شئ غير مستحب بالكامل بالنسبة إليها، كادت أن تتحدث ولكن هذا الرذاذ من تلك العلبة في يده والذي إنطلق في وجهها، جعل الرؤية أمامها غير واضحة، أرادت الصراخ، الإستنجاد بأحدهم، ولكن صوتها لم يسعفها، فقد ثقل لسانها وأحاط بها السواد تدريجيا، لتغرق في سبات عميق، ألقى عليها نظرة تأمل فيها ملامحها الرقيقة الهادئة الآن تماما، لتختفى إبتسامته الساخرة تماما وتظلل ملامحه سحابة من الألم، يكره ما سيفعله بها ولكنه مجبر على فعله، يجب أن ينتقم لكرامته الجريحة، يجب أن يخضعها له، ثم سيخرجها من حياته إلى الأبد.


قال فراس بحيرة:

غريبة نزوله فجأة من غير ما ياخد أخته معاه أو حتى يستأذن منكم، ممكن مثلا يكون إفتكر حاجة لما جه البيت هنا؟

هزت جورية رأسها نفيا وهي تقول:

لأ طبعا مستحيل، إنت هتقول زي ما ليلة قالت؟، ما إنت عارف إن حكايتنا كلها كانت هناك، في الوادى، وإنى جيت هنا بعد ما إختفى، يعنى البيت هنا مش ممكن يفكره بحاجة أبدا.


هل فكرت ليلة مثله؟، ياالله، حتى معرفته تلك أسعدته، فقد أصبح كل ما يخصها يسعده حتى لو كان شيئا بسيطا مثل ذلك، يتعجب من إنجذابه الشديد إليها رغم قصر مدة معرفته بها، أفاق من شروده على صوتها وهي تقول بحيرة:

أنا كمان مستغربة نزوله المفاجئ، ومش قادرة أفسره رغم إنى إرتحت كتير لنزوله، وجوده في المكان كان موترنى، كان مخلينى...


توقفت عن الكلام وعيناها تقع على هذا الدفتر الخاص بها، إنها على يقين من أنها لم تضعه على الطاولة الجانبية تلك، بل تركته على الأريكة بعد أن كانت تتصفح رسماتها التي تذكرها بأيامها الجميلة معه، ترى...؟لا، لا يمكن، إن صح ظنها، فماذا ستقول له وكيف ستواجهه، ربما لن تفعل مجددا، بل يجب أن لا تفعل مطلقا.

تابع فراس نظراتها المنصبة على دفتر رسمها ليقول بهدوء أخرجها من أفكارها البائسة:

شافه، صح؟


نظرت إليه جورية قائلة بحزن:

ممكن، وده يفسر نزوله المفاجئ، يمكن فكرنى واحدة مهووسة بيه، أو حس إن فيه حاجة غلط.

قال فراس وهو يرفع حاجبه الأيسر قائلا:

ويمكن إفتكر؟

نظرت إليه جورى للحظة في أمل مالبث أن خاب وظهر الحزن على وجهها مجددا وهي تقول:.


معتقدش، خالد لو إفتكر مكنش نزل بالشكل ده، كان هيواجهنى ومش بعيد ياخدنى في حضنه وتتحول ملامحه الباردة اللي بتقتلنى لملامح حبيبى فهد، يردلى روحى الضايعة منى، غالبا هو إفتكرنى مهووسة بيه، وده يفسر تصرفه الغريب يومها.

اومأ فراس برأسه وكاد أن يتحدث مجددا حين رن جرس الباب ليعقد حاجبيه قائلا:

إنتى مستنية حد؟


هزت رأسها نفيا لينهض على الفور ويتجه إلى باب الشقة ينظر من عين الباب ليرى كيسا أبيضا كبيرا أمامه يخفى ملامح حامله، عقد حاجبيه ثم فتح الباب ليرى ذلك الكيس الأبيض ترفعه حاملته أمام وجهها قائلة بنبرة صوت مرحة خلبت لبه:

الديليفرى جه يافندم، شبيكى لبيكى، ليلة بين...

لتنزل الكيس وتظهر ملامح وجهها الرائعة وهي تقول بإبتسامة واسعة:

إيديكى.


لتتجمد البسمة على شفتيها ثم تختفى وهي تغمض عينيها ثم تفتحهما تتمنى ان يكون هذا حلما وأن من يقف أمامها الآن يراها تلعب هكذا بطفولية، هو شخص آخر غير، فراس.


قالت شاهيناز في عصبية:

مستنتنيش الصبح ليه عشان آجى معاك الشركة؟

تأملها خالد في برود قائلا:

مكنتش فاضى أستنى سيادتك على ما تخلصى، ساعة بتختارى لبسك وساعة في الحمام وساعة أدام المراية، مش عارف إحنا رايحين شغل ولا حفلة.

نظرت إليه في حنق قائلة:

لأ جايين الشركة اللي بقابل فيها عملا كتير، ولازم مظهرى يكون كويس أدامهم.

تجاهل خالد حديثها وهو يغير الموضوع قائلا:.


على فكرة ريم عندها بكرة أول حفلة ليها في المدرسة وطبعا لازم نحضر، ياريت تلغى كل مواعيدك بكرة الصبح، وتتفرغى للحفلة دى، أعتقد إن الحفلة دى أهم من أي حفلة تانية بتحضريها، ولا إيه؟

وضعت يدها على جبهتها قائلة بضيق:

إزاي نسيت بس.

لتنزل يدها وهي تنظر إليه قائلة:

عندى ميتنج مهم بكرة مع شركة السيوفى، ومش هينفع أأجله.

نظر إليها خالد قائلا بلهجة لا تقبل المناقشة:

تلغيه، وجودك جنب بنتك في حفلتها أهم، مفهوم؟


قالت شاهيناز بتوتر:

مش هينفع صدقنى، أنا طلعت عينى، عشان آخد ميعاد مع مديرهم، لأنه علطول مسافر ولو لغيت بكرة، فده معناه إنى هستنى ٣ شهور كمان عشان نحدد ميعاد تانى وده مستحيل، إحنا محتاجين الماتريال دى من عنده في أسرع وقت عشان نخلص الشغل الجديد وإلا مش هنلحق نعرضه في السيزون الجديد.

نظر إليها دون تعبير لثوان، لتشعر هي بالإضطراب، ثم قال بهدوء:.


بالنسبة لى، مفيش حاجة أبدا أهم من بنتي ولا حتى الشغل، مش مهم نعرض الشغل الجديد في السيزون ده، لو معناه متكونيش موجودة مع ريم بكرة، عموما، اللي إنتى شايفاه صح إعمليه، أنا عن نفسى هكون موجود معاها بكرة الصبح.

قالت شاهيناز:

وأنا هحاول أخلص بسرعة وأجيلكم.

تجاهلها خالد وهو ينظر بأوراقه قائلا:

براحتك، تقدرى تتفضلى على شغلك.


لم يعجبها صرفه إياها بهذا الشكل وكأنها عاملة لديه، وليست شريكة له، ولكنها غادرت بهدوء، مغلقة الباب خلفها، ليرفع خالد عينيه إلى هذا الباب المغلق، يتساءل بصمت، لو كانت جورية مكان شاهيناز، هل كانت لتترك إبنتها في أول حفل لها بالمدرسة وتفضل العمل؟، مستحيل، فهي ستكون أم رائعة كما يبدو عليها، نفض أفكاره التي تدور حولها، يرفض إقتحامها الدائم لعقله وقلبه، فلقد إتخذ قراره، وإنتهى الأمر.


قالت ليلة وهي تنهض لتضب الطاولة:

لو كنت أعرف إن أستاذ فراس هياكل معانا كنت زودت الأكل.

قال فراس بإبتسامة:

تزودى إيه بس؟، ده أنا مش قادر أقوم من مكانى من كتر ما كلت وشبعت.

إبتسمت جورية وهي تنهض بدورها تساعد ليلة في ضب الطاولة قائلة:

وأنا كمان، من زمان مكلتش بالشكل ده، الأكل في اللمة حلو أوى، فكرتونى بلمتنا على السفرة في بيت جدى.

قالت ليلة بمرح:.


لأ، مادام الحكاية كدة، أنا أجيب الأكل كل يوم ونيجى ناكل مع بعض بقى.

قال فراس بلهفة:

ياريت.

تلاقت عيناها بعينيه ليختفى المرح من عينيها ويسكن فقط الخجل بين طياتهما، بينما عجز فراس عن مفارقة عيونها وهو يتأمل خجلها بقلب زادت دقاته، لتقطع جورية تلك اللحظات السحرية قائلة:

إيه رأيكم نشرب القهوة في التراث؟، الفيو من هناك يجنن.

إبتسمت ليلة وهي تهز رأسها موافقة، تقول برقة:.


بس انا اللي هعملها، إسبقونى على هناك وأنا هحصلكم.

قالت جورية:

هاجى معاكى عشان اوريكى مكان الحا...

قاطعتها ليلة قائلة بمرح:

متقلقيش هعرف أتعامل، بس روحى إنتى وأقعدى مع فراس، قصدى أستاذ فراس، إنتى لسة تعبانة ومحتاجة راحة.

هل إزداد إسمه جمالا على لسانها أم يهيأ له ذلك؟تساءل فراس وهو يتأمل تلك الجميلة التي كلما عرفها، أدرك أنه يقع في حبها، وبكل قوة.


إستيقظت لين، تفتح عيونها ببطئ، تتأمل محيطها بدهشة، فقد كانت ممددة على سرير، في حجرة فارغة باردة تماما، إعتدلت وهي تمسك الجسر مابين حاجبيها بأصابعها السبابة والإبهام، تشعر بوجع في رأسها، آخر ما تذكره هو وجودها في السيارة مع...


إتسعت عيناها بشدة، تستوعب ما يحدث، لقد إختطفها وأحضرها إلى هذا المكان المقفر، تتساءل برعب عن أسبابه وما الذي ينوى أن يفعله بها، يرتعش قلبها خوفا ممن كانت لا تأمن سوى بجواره ولكنها الآن وبعد فعلته الأخيرة بها وتخديرها ثم خطفها لم تعد تدرى نواياه وخبايا سريرته، لقد تغير حقا، تغير كثيرا، أو ربما كان هكذا منذ البداية وهي فقط لم ترى حقيقته تلك، لقد كانت شاهيناز محقة حين قالت لها كم مخادع قد يستطيع مؤيد أن يكونه.


إنتفضت على صوت مقبض الباب وهو يفتح، ليظهر مؤيد على الباب، ناظرا إليها بوجه خال تماما من المشاعر، إبتلعت ريقها بصعوبة وهي تراه يقترب منها بهدوء، حتى توقف أمامها تماما، ليقول بإبتسامة ساخرة:

نورتى بيتك ياحبيبتى، ياريت الإقامة فيه تعجبك بجد، ما هي لازم تعجبك، لإنك هتنورينا هنا، كتير.

لتتسع عينا لين في، جزع...


الفصل العاشر

رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة كاملة

تقديم الرواية


في الوادي إلتقيا وفيه إفترقا للأبد، أو هكذا ظنت حتى رأته من جديد، لتجده شخصا مختلفا كلية عمن أحبت، ترى هل هو نفس الشخص؟ أم هو شبيه له؟ أم ربما هو طيف في خيالها فقط؟ وذكرى قد طواها النسيان؟ ترى من هو حقا؟

اقتباس من الرواية


فجأة تلاشى كل شئ ليفتح عينيه على يد رقيقة تهز كتفه، نظر إلى صاحبتها التي مالت عليه تنادى بإسمه هامسة، لثوان أحس بالضيق منها فقد كان قاب قوسين أو أدنى من الكشف عن تلك الغامضة الرائعة التي تغزو أحلامه دوما وتقلق منامه وأفكاره، ولكن إيقاظها له أضاع كل شئ، لتنفرج أساريره قليلا وهو يلاحظ قلق تلك الجميلة عليه، والذي ظهر على ملامحها الرقيقة الشفافة، وهو إن كان قاسى القلب، صلد بارد مع الجميع، فأمامها هي بالذات لا يستطيع أن يفعل شيئا سوى أن يكون هذا الأخ الحنون الذي لطالما كانه لها وسيكون دائما.


هي ليلته الجميلة الرقيقة التي توفي والدها وهي مازالت بعد صغيرة، ثم توفيت والدتها بعدها ليكون لها ولأختهم لين الأب والأم والأخ، ربما يميل قليلا لليلته، لأنه يشعر بضعفها ورقتها وطبيعتها الحساسة الهشة، بينما لين تملك شخصية قوية لا تحتاج إليه البتة، ولكنه ورغم قربه من لين بالماضى مع إستقلاليتها تلك.


إلا أنها في الوقت الحاضر، ومنذ طلاقها لم تعد أبدا كما كانت، إنغلقت على نفسها وأقامت بينهما الحواجز والسدود، و التي أقسم على إزالتها، فقط يحتاج لبعض الصبر والوقت واللذان في الوقت الحالى لا يملك أيا منهما، ولكنه يضعها تحت ناظريه حتى يجد الوقت المناسب لإخراجها من تلك الحالة الغريبة التي إعترتها وتقوقعها حول نفسها، لتنغمس في العمل نهارا والحفلات ليلا، تماما كزوجته شاهيناز، لقد أصبحت تقريبا نسخة طبق الأصل منها،

كل يوم ثلاثة فصول 

رواية وادي النسيان للكاتبة شاهندة الفصل العاشر


ما الذي جرى!

انه أنا.

تريثي ولا تتسرعي الخطى.

كنت دربك فيما مضى

كيف أمسيت اليوم عنك مشردا.

انه أنا

من سكبتِ له المدامع

وفاق له شوقك حدود الورى.

أنا الذي زرع فيكِ جناحين

وأطلقك من أرض الثرى.

لستُ بغريب

انه أنا

ألم تهمسي لي في ظلام الليل

لولاك ما عرفت الهوى.

أين أصبحت أنا

وكيف غدوتي متحجره.

أين موضعي في رياض جنتك؟

وكيف بتُ اطحن الهم كالرحى!

ماعدت أرى حالي كما كنتُ

فلا أنا قربك أنعمُ، ولا أنا ميت مقطوع الرجى.


بقلم، سميرة البهادلي.


نهضت لين من السرير بسرعة وهي تقول:

يعنى إيه الكلام اللي إنت بتقوله ده؟إنت جرى لعقلك حاجة؟

أمسك ذراعها بقوة آلمتها وهو ينظر إلى عينيها قائلا بصرامة:

لأ نحترم نفسنا حبة ونلم لسانا ده، يا إما هتشوفى منى وش عمرك ما حلمتى تشوفيه يالين، مفهوم؟

أحست لين بالألم ولكنها أبت أن تظهر له ضعفها، لتقول بعيون ظهرت بهما قوة لا تشعر بها حقا:

لو فاكر إنك ممكن تخوفنى تبقى بتحلم، أنا لين نصار، ولا نسيت يامؤيد؟


نظر إلى عمق عينيها وهو يقول بسخرية:

لأ منستش، أنا عارف كويس أوى إنتى مين، وعشان كدة جبتك هنا، لإنى بصراحة حاسس إنك محتاجة تقويم وللأسف مقدرتش أعملهولك وإنتى على ذمتى، فقلت جايز أقدر أعملهولك دلوقتى.

نظرت إليه بتوجس قائلة:

تقويم إيه، إنت تقصد إيه بكلامك ده يا مؤيد؟

ترك ذراعها وهو يستدير ليجلس على السرير متمددا وواضعا يديه تحت رأسه قائلا ببرود:.


يعنى أنا وإنتى هنقعد هنا لوحدنا يالين، حاجة كدة زي بيت الطاعة، اللي لو كنت طلبتك فيه زمان بدل ما أطلقك، كنت أكيد شفيت غليلى، وبردت نارى وإرتحت.

قالت لين بحدة:

بيت طاعة إيه وشفيت غليلك إيه؟إنت فاكر إنى ممكن أقعد ثانية واحدة في المكان ده وأسمع الكلام الفارغ ده، مستحيل طبعا، أنا همشى حالا وإبقى ورينى إزاي هتمنعنى.

لتغادر المكان بخطوات غاضبة بالفعل، بينما إرتسمت على شفتي مؤيد إبتسامة ساخرة.


قالت ليلة بإستنكار:

يعنى إيه ياجورية؟بسهولة كدة هتنسى حبك وتتخلى عن خالد؟أنا مش قادرة أصدق إن اللي يحب بالشكل ده، ميتحداش الكل عشان حبيبه يكون معاه.

قال فراس:

أنا معاكى في الكلام ده طبعا ياآنسة ليلة، ورافض تصرفها.

قالت جورية بألم:.


ما هو مينفعش أعمل غير كدة، إفهمونى بقى، خالد مش فاكرنى، ده غير إنه حتى لو إفتكرنى فهو إنسان متجوز وعنده طفلة، يعنى مينفعش أكون معاه، وجودى في حياته هيبقى عبء وأنا مستحيل أتواجد في حياته بالشكل ده، ده عذاب مقدرش أستحمله.

قالت ليلة بحزن:

بس هو مبيحبش مراته، وحبك إنتى.

قالت جورية:.


كااان بيحبنى، كان ياليلة، الحب ده خالد مش فاكر أي حاجة عنه، ولا عايز يفتكر، ونزوله بالشكل ده المرة اللي فاتت، ملوش أي معنى غير كدة.

قالت ليلة بيأس:

يعنى إيه؟مفيش فايدة، خالد هيفضل كدة، عايش من غير مشاعر وأحاسيس، قافل على قلبه بقفل من حديد، بعد ماقلت إن في إيدك إنتى مفتاحه ياجورية.

قال فراس موجها حديثه إلى جورية:

بصراحة إستسلامك ياجورى مش عاجبنى، على الأقل إعملى محاولة ولو فشلت تبقى عملتى اللي عليكى.


تنهدت جورية قائلة:

محاولة إيه دى بس اللي ممكن أعملها؟قولولى أنا في إيدى إيه وأنا أعمله.

نظرت ليلة إلى ساعتها ثم نظرت إليهم قائلة:

الوقت إتأخر وأنا لازم أمشى بس هنتقابل بكرة بعد الجامعة، هجيلكم دار النشر، وساعتها لازم نفكر في حل، تمام؟

أومأوا برءوسهم بينما كاد فراس أن يظهر سعادته الجامحة لمعرفته بأنه سيراها بالغد مرة أخرى، ولكنه أخفى تلك السعادة بحذر كي لا تنكشف مشاعره للجميع، نهضت ليلة قائلة:.


بس خدى بالك ياجورى، أنا بحب الروايات آه، بس كمان بحب النهايات السعيدة ولازم تعرفى إن روايتك مع خالد مش ممكن تنتهى غير بنهاية تليق بقصة الحب اللي حكيتيلى عنها، شغلى مخ الكاتبة ده بقى حبة، وإطلقى خيالها وإكتبيلنا أحداث ونهاية سعيدة، مفهوم؟

قالت جورية بحزن:

ياريتها كانت بالسهولة دى ياليلة، ياريت حياتنا تبقى زي الروايات، نتحكم في أحداثها.

نهض فراس بدوره قائلا:.


قلتهالك قبل كدة وهقولهالك مليون مرة، إنتى أدها وأدود ياجورى.

إبتسمت جورية إبتسامة باهتة، ثم نهضت بدورها تودعهم، ليقول فراس موجها حديثه إلى ليلة قائلا:

إنتى هتروحى إزاي ياآنسة ليلة؟

نظرت إليه في دهشة قائلة:

يعنى إيه؟ مش فاهمة.

كادت جورية أن تبتسم بداخلها وهي تلاحظ إرتباك فراس وتصبب العرق على جبينه وهو يقول:

يعنى فيه حد هيوصلك؟

هزت ليلة رأسها نفيا وهي تقول:

لأ، هاخد تاكسى، لإن عربيتى عند الميكانيكى.


ليقول فراس بسرعة:

لأ، تاكسى إيه بس؟أنا هوصلك.

نظرت إليه بخجل قائلة:

مالوش لزوم، أنا مش عايزة أتعبك.

إبتسم قائلا:

تعبك راحة، وبعدين أنا رايح مشوار جنبكم، يعنى طريقى هو طريقك.

قالت ليلة بحيرة:

إنت رايح المهندسين؟

قال فراس بإرتباك:

ها، آه، رايح، يلا بينا.


هزت رأسها موافقة، قبل أن تنظر إلى جورية التي إبتسمت برقة لتبادلها ليلة إبتسامتها، قبل أن تغادر يتبعها فراس، بينما أغلقت جورية الباب وقد إتسعت إبتسامتها تدرك أن قصة عشق أخرى تنسج خيوطها بين فراس وليلة، لتختفى إبتسامتها وهي تخشى أن تؤول قصتهما إلى نفس المصير.


قالت سها برقة:

مكتب لين نصار مع حضرتك يافندم.

لايدرى نبيل لما بدا هذا الصوت مألوفا لديه ولكنه لم يتوقف كثيرا ليتذكر أين سمعه قبل الآن ليقول بقلق:

ممكن أكلم مدام لين لو سمحتى؟


فكرت سها، إن هذا العميل بدوره يسأل عنها، ترى إلى أين ذهبت لين دون أن تخبرها عن مكانها، تلك هي المرة الأولى التي تغيب فيها عن المكتب دون أن تعلمها، فآخر مكالمة بينهما كانت قبل أن تتجه لتلك العميلة في الصباح وأخبرتها أنها سوف تحادثها ما إن تنتهى من إجتماعها، ولكنها أبدا لم تفعل، حسنا ستوبخها ما إن تراها بالتأكيد، أفاقت من شرودها على صوت هذا العميل وهو يقول:

ياآنسة، روحتى فين؟

قالت سها بإرتباك:.


أنا آسفة، مع حضرتك طبعا، مدام لين الحقيقة مش موجودة حاليا في المكتب.

إزداد قلق نبيل ليقول بصوت حاول أن يجعله هادئا قدر الإمكان ولكنه حمل توتره إلى سها:

طب ممكن أعرف هي فين دلوقتى؟

عقدت سها حاجبيها قائلة:

ممكن أعرف حضرتك مين؟

إضطرب نبيل، وكاد أن يغلق الهاتف ولكن صوت تلك الفتاة منعه وهي تقول بلهفة:.


من فضلك متقفلش السماعة، إنت تعرف حاجة عن لين؟صوتك متوتر وفيه قلق، من فضلك طمنى، أنا مش بس مديرة مكتبها أنا زي أختها بالظبط وقلقانة عليها أوى.


لم يدرى نبيل بما يجيبها، فهو نفسه لا يدرى شيئا سوى أن مؤيد يضمر سوءا للين، هو لا يهتم بها ولكنه يخشى على صديقه من أن تؤول الأحداث إلى شئ سئ يضر به وبمستقبله، ولكن مهلا، إن تلك المرأة تقول انها صديقتها بل أختها، إذا ربما تعرف شيئا قد يوصله إلى مؤيد المختفى بدوره منذ الصباح الباكر، او ربما إستطاعت التواصل معها، لذا يجب ان يكون بدوره على إتصال معها، ليقول بهدوء:.


الحقيقة لو ممكن نتقابل، هيكون أحسن عشان نعرف نتكلم براحتنا.

قالت سها بسرعة:

ياريت، حضرتك تقدر تيجى الشركة، انا هستناك في مكتب لين.

قال نبيل:

مش هينفع، ياريت لو نتقابل برة، في اي كافيتريا قريبة من الشركة.

قالت سها بقلق:

وليه برة؟ما هنا كويس.

قال نبيل بهدوء:

كدة هكون مستريح أكتر، لو مش حابة...

وصمت يترك لها حرية القرار، لتقول بحزم:

لأ تمام، دقايق وهكون في كافيتريا الخليل اللي جنب الشركة.

قال نبيل:.


عارفها، طيب هعرفك إزاي؟

قالت سها:

أنا لابسة بدلة سودا وأكيد هنكون على إتصال.

قال نبيل بحزم:

تمام، دقايق وهكون عندك، سلام.


اغلقت سها الهاتف وهي تنظر إليه في قلق، ربما تسرعت بقبولها دعوته، ولكنها بالتأكيد شعرت بأنه يعرف شيئا عن إختفاء لين الغير مبرر، وهي لابد وأن تعرفه لتطمأن على رفيقتها، إلى جانب شعور غريب بالإطمئنان إلى هذا الغريب كلية عنها، فصوته ونبراته توحى بذلك، أو هو فقط خيالها؟، لا يهم، المهم الآن هو أن تسرع بمغادرة المكان والإتجاه على الفور إلى كافيتريا الخليل، لتلتقى بهذا المجهول.


خرجت لين من المنزل لتجد نفسها وسط صحراء قاحلة تمتد على مرمى البصر، لا شئ، حرفيا لا شئ حولها سوى الصحراء وسيارتها التي صفها مؤيد على جنب، إتجهت إليها بسرعة ورغم يقينها من أنه من المستحيل أن يترك مؤيد المفتاح بها إلا أنها كان لابد أن تتأكد، فربما حدث سهوا منه وتركه من حسن حظها، ولكن للأسف خاب أملها تماما وهي ترى مكان المفتاح خاليا تماما، نظرت حولها بيأس، لتدرك أن أملها الوحيد للخروج من هذا المكان هو ان تقنع هذا المدعو مؤيد بتركها وشأنها، وإن لم يرضخ، ستعمل على سرقة المفتاح، نعم، هذا ما يجب أن تفعله تماما...


عادت أدراجها، تجرجر أذيال الخيبة المريرة، لتصعد إلى تلك الحجرة التي إستيقظت فيها لتجده هناك، مازال ممددا على السرير، مسترخيا تماما، وكأنه كان واثقا من عودتها، إنتابها الغيظ منه، لتقول بحنق:

قوم رجعنى يامؤيد، وبلاش تلعب بالنار، أخويا لو مرجعتش البيت في خلال ساعتين هيقلب الدنيا لغاية ما يوصلى.

إعتدل مؤيد جالسا وهو يقول ببرود:.


قبل الساعتين ما يخلصوا هتكونى متصلة بأخوكى وقايلاله إنك سافرتى شرم تغيرى جو يومين كدة عشان أعصابك تعبانة.

كادت ان تعترض، تخبره أن يأخذ كلماته تلك ويضرب بها عرض الحائط فلن تفعل ما قال ابدا، ولكنه قاطعها بإشارة من يده وهو يقول بلهجة حازمة متوعدة:

قبل ما ترفضى لازم تبقى عارفة إنك لو رفضتى، وقبل ما تعدى الساعتين دول برده، هتكونى ملكى تانى وغصب عنك، فالقرار قرارك والإختيار ليكى يا حبيبتى...


نهض بهدوء ثم تركها وهي في صدمة من كلماته، تدرك أنه لا يلقى تهديدات لا ينوى تنفيذها، ليقشعر بدنها بالكامل وهي تتخيل أنها ملكه مجددا ولكن تلك المرة لن يظللهما العشق كالماضى، لا، سيظللهما كرها وبغضا وإنتقاما أسودا، على الأقل من جانبه، فهي تدرك أنها مازالت تحبه، حتى وإن إدعت العكس.


قالت ليلة برقة وهي تشير إلى فيلا قريبة من السيارة:

البيت هناك أهو.

توقف فراس أمام بوابة الفيلا وهو يشعر بالحسرة لإنه سيتركها لتذهب مجددا، إبتسمت ليلة وهي تنظر إليه قائلة:

انا متشكرة اوى، عن إذنك.

إبتسم بدوره وهو يهز رأسه، كادت ليلة أن تغادر السيارة ولكنها مالبثت ان أوقفها صوته وهو يقول:

آنسة ليلة.

إعتدلت تنظر إليه قائلة:

أفندم.

نظر إلى عينيها الجميلتين، ليقول بعد لحظة من التردد:.


هو أنا ممكن آخد رقم تليفونك؟

نظرت إليه في حيرة، ليبتلع ريقه في صعوبة قائلا:

أنا الحقيقة يعنى، شايف إن هدفنا واحد وهو إننا نجمع خالد وجورية مع بعض وعشان كدة ممكن نتكلم ونتفق نتقابل برة ونفكر في حاجة تجمعهم، ده لو معندكيش مانع يعنى.

نظرت إليه، تدرك أن خلف طلبه ما هو أكثر من رغبة في جمع حبيبين، خشيت ما يحدث، ولكنها رغبت به، لتومئ برأسها برقة قائلة:

هات تليفونك.


منحها الهاتف على الفور وعيونه تلمع بالسعادة، وهو يراها تمسك بالهاتف، تجرى أصابعها الرقيقة على أرقامه، ليرن هاتفها داخل حقيبتها، وتبتسم قائلة:

كدة تمام، عن إذنك.


إبتسم بدوره يتابعها بعينيه وهي تترجل من السيارة، لتدخل إلى المنزل، ترتسم إبتسامة هائمة على محياه، ثم ما لبث أن نظر إلى هاتفه، يطالع رقم هاتفها بإبتسامة، ثم قربه من فاهه وقبله بقوة، قبل أن يبتعد بسيارته وهو يفتح تسجيل سيارته لتتسلل أغنية محمد حماقى إلى مسامعه، تطربه، وتعبر كلماتها عن شعوره الآن، تماما.

في جوه قلبى حاجه مستخبية

كل اما باجى اقولها فجأه مش بقدر

قدام عينيك بقف وبنسى ايه يتقال.


ليه كل مره يجرى فيها كده ليا

وديه هى كلمة واحدة بس مش اكتر

والكلمة ديه عندى فيها راحة البال

حبيتك يوم ما اتلاقينا

لما حكينا اول كلام

حبيتك واحلف على ده

تسمع زيادة ده انا مش بنام

حبيتك يوم ما اتلاقينا

لما حكينا اول كلام

حبيتك واحلف على ده

تسمع زيادة ده انا مش بنام

ديه الناس في عينى حاجه وانت حاجه تانية

عندك مشاعرى حتى خدها واسئلها

انا صعب اعيش حياتى وانت لحظة بعيد

احساسى بيك في وقت ضعفى قوانى.


كانت حياتى ناقصة جيت تكملها

فرحة لقايا بيك بتبقى زى العيد.


كان خالد يمسك بأصابعه السبابة والإبهام هذا الجسر مابين حاجبيه، يشعر بذلك الألم في رأسه مجددا، ليغمض عينيه، وفجأة يمر بخاطره، صورتها وهي تركض ضاحكة وهو يجرى ورائها، يشعر بالسعادة المطلقة وهو يسمع صوت تلك الضحكات الرقيقة، لتلتفت إليه، نعم، كانت هي جورية، بوجهها ذو الملامح الرقيقة العذبة، وعيونها البريئة الجذابة، كاد أن يمسك بها ليتعثر ويقع أرضا، لتزداد ضحكاتها، شعر ببعض الألم في قدمه وظهر على وجهه لتتوقف ضحكاتها وهي تراه هكذا، تسرع إليه، تجثوا إلى جواره، تطالعه بقلق، وتسأله عن مدى إصابته، ثم سوادا، فتح عينيه يشعر بالحيرة، هو ليس بنائما، بل هو مستيقظ، وهذا بالتأكيد ليس حلما، إنه يكاد أن يكون واقعا ملموسا، ماالذى يحدث له بحق السماء؟هل هذا سحر ما؟أم ربما ذكرى؟كيف وهو لم يرى جورية سوى منذ أيام قليلة، أين له بذكريات معها؟إذا بما يفسر دفتر رسوماتها، شعر بضباب يحيط بعقله وصداعه يزداد، ليقرر أن ينهى يوم عمله، فقد شعر حقا بالتعب والإنهاك، وليؤجل التفكير في تلك الجورية إلى وقت آخر، فقلبه يخبره أن ما يحدث بينهما هو شئ كبير، لو إستطاع فهمه سيرتاح، ومن يدرى، ربما لو عرف حقا، لضاعت راحته وضاع سلامه، للأبد.

يتبع 



لاتلهكم القراءه عن الصلاه وذكر الله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم 



بداية الروايه من هنا



اعلموا متابعه لصفحتي عليها الروايات الجديده كامله بدون روابط ولينكات من هنا 👇 ❤️ 👇 



روايات كامله وحديثه









إرسال تعليق

0 تعليقات

close