القائمة الرئيسية

الصفحات

الأخبار[LastPost]

روايه لا تترك يداي بقلم هند رفاعي حصريه علي مدونه النجم المتوهج للرويات والمعلومات الفصل 12|13

روايه لا تترك يداي بقلم هند رفاعي حصريه علي مدونه النجم المتوهج للرويات والمعلومات الفصل 12|13



وصلت مريم وخالد لشقته في حي مصر الجديدة. دخلت مريم الشقة وذهلت مما رأت. كانت شقة كبيرة وأثاثها راقي جدا. لم تحلم في حياتها أن تدخل مثل هذا المكان لتخدم فيه ليس أن تكون صاحبته. أدخل خالد الحقائب وأغلق الباب.
"أهلا بيك يا مريم في بيتك."

نظرت مريم له بعيون مشدوهة وقالت. +

"بيتي أنا؟"

"أيوة. أمال بيت مين؟ ده شقة ماما وبابا الله يرحمهم ودلوقت بقت شقتنا."

خطت مريم خطوتين للداخل ونظرت للمكان بإنبهار.

"أنا مش عارفة أقولك أيه يا خالد لكن أنا عمري ما تخيلت أني أدخل مكان زي كدة أصلا."

لاحظ خالد الدموع في عينيها فأقترب منها وقال لها.

"يا ريت تنسي اللي فات يا مريم. نعتبر النهاردة أول يوم في حياتك الجديدة."

"هحاول."

نظر خالد حوله ثم قال لها مغيرا الموضوع.

"تعالي أفرجك على الشقة."

مسك يديها وتقدم خطوتين وقال.

"ده يا سيتي الريسيبشن زي ما أنت شايفة." أتجه بها إلى آخر الصالة وفتح بابا مزدوج وخطى خطوتين.

"ده يا ستي البلكونة." دخلت مريم ونظرت حولها للشرفة المتسعة وقالت.

"الله المكان هنا حلو قوي." أقتربت من السور ونظرت للأسفل على الشارع المزدحم والسيارات المارة. شعرت بدوار من الإرتفاع واستندت على السور. أقترب منها خالد وسألها بإهتمام.

"مالك؟"

"دوخت شوية. هو أحنا في الدور الكام؟"

مسك خالد بيدها وجذبها بعيدا عن السور.

"إحنا في الدور التاسع."

"ياه علشان كدة أنا دوخت أصلي مش متعودة على الاماكن العالية ده."

"بكرة هتتعودي. خليك بس بعيدة عن السور طول ما أنت دايخة."

دخل خالد للشقة ثانيةً وتبعته مريم للداخل. عبر الصالة بخطواته الواسعة ووصل لطرقة في نهاية الصالة.

"هنا يا ستي غرف النوم. أول واحدة بتاعتي. واللي جنبها غرفة المكتب بتاعة بابا الله يرحمه. اللي في الوش ده غرفة النوم الكبيرة بتاعة ماما وبابا الله يرحمهم. واللي على الشمال ده الحمام الرئيسي وبعده المطبخ. أما الباب اللي وحده ده حمام الضيوف."

"بسم الله ما شاء الله شقتك واسعة وجميلة قوي يا خالد."

"شقتنا مش شقتي. أنا هأدخل شنطك في غرفة النوم الكبيرة."

حمل خالد حقيبتها وتوجه لغرفة النوم الرئيسية. تبعته مريم وقالت.

"لا يا خالد ده بتاعة والدك ووالدتك الله يرحمهم ما ينفعش أنام مكانهم ولا أخد غرفتهم."

وصل خالد بالحقيبة للغرفة ووضعها فيها.

"ماما وبابا الله يرحمهم هنسيب غرفتهم مقفولة وننام أحنا برا."

"خلاص خد انت الغرفة الكبيرة ده وأنا هأخد الغرفة التانية."

"وأقعد أنا بقى أنقل حاجاتي وهدومي وكتبي وأدواتي كلها هنا." +

"بس يا خالد."

"ما بسش."

التفت لها خالد وقال لها بجدية.

"ويا ريت لما أقول كلمة تتنفذ بدون نقاش."

أجابته مريم بنبرة هزيمة

"حاضر."

"الدولاب عندك فاضي حطي فيه هدومك."

"حاضر."

توجه خالد لخارج الغرفة. نظرت مريم حولها ثم ناداته قبلما يدخل غرفته.

"خالد."

ألتفت إليها خالد وأجابها.

"نعم."

"الشقة شيفاها نظيفة مع أنك سايبها من شهور. أنا كنت فاكرة هتبقى مليانة تراب وهنقعد اليوم بطوله أنظفها."

عاد خالد خطوتين ووقف أمامها وأجابها.

"أنا أتصلت بالبواب من يومين وقولت له على ميعاد رجوعنا. أكيد مراته أم مصطفى جت ونظفت الشقة."

"طيب هي دخلت أزاي؟"

أبتسم خالد لسذاجتها

"أكيد بالمفتاح اللي أنا سايبه مع البواب."

"طيب هو أمان أنك تسيب المفتاح مع البواب؟"

"أنا متعود أسيب نسخة من المفتاح معاه من زمان. لما كنت أسيب أمي وحدها هنا وأروح المدرسة وهي تعبانة ممكن تحتاج أي حاجة هو كان بيجيبها لها. وكمان لا قدر الله لو حصل اي ظرف وأنا بعيد أو مسافر يقدر يتصرف هو بالمفتاح اللي معه. وأهه نفعنا أهه دلوقت ونظفوا الشقة بدل ما كنا هنرجع دلوقت مهدودين من السفر ونقعد ننظف."

"وهي أم مصطفى ده بتيجي تنظف هنا كتير الشقة؟"

"أيوة كل أسبوع بتيجي تنفض الشقة. أنت عارفة ماما كانت تعبانة وأنا كنت بعمل الحاجات على العايم كدة لكن مسح وتنفيض غسيل حيطان وسجاجيد ماليش أنا فيه. أنا كنت أطبخ أكنس أغسل الهدوم الحاجات الخفيفة بس."

"طيب لو سمحت بلاش أي واحدة تدخل الشقة تنظفها بعد كدة. أنا هأعمل كل حاجة."

"براحتك لكن الشقة كبيرة وهتبقى متعبة عليك."

"معلش لو تعبت أبقى أقولك تجيب أم مصطفى ده. وكمان كان فين البواب ده وأحنا جايين وأنت شيلت الشنط كلها."

"الله أعلم هو ما كانش قاعد على البوابة واحنا طالعين. وبصراحة الحمد لله أنه ما كانش موجود ولا شافنا."
"ليه بقى؟"

جلس خالد على طرف السرير في غرفتها وأشار لها لتجلس بجواره.

"هفهمك ليه. أنا كنت ناوي نتكلم بعد ما نتغدى لكن شكلك مستعجلة ومش راضية تبطلي أسئلة."

"خلاص أنا أسفة." +

"لا أبدا يا ستي ما تتأسفيش. بصي أنا لازم أفهمك حاجة مهمة قوي."

التفتت إليه مريم ونظرت له بإهتمام.

"خير؟"

"بصي يا ستي. أحنا كتبنا الكتاب في البلد وعملنا الفرح وأتجوزنا هناك. الناس هناك في البلد بيتجوزوا صغيرين فما مفيش أي مشكلة. لكن هنا الوضع مش كدة."

"يعني ايه المشكلة؟"

"أحنا متجوزين على سنة الله ورسوله وأنت مراتي شرعا لكن مش قانونا."

فزعت مريم من كلامه وسألته.

"يعني ايه؟ أنا مش مراتك؟ يعني حرام أقعد هنا معك في الشقة؟"

"لا أنت مراتي. وحلال أنك تقعدي معي عادي جدا. لكن قانونا أحنا مش متجوزين. علشان ممنوع أصلا الزواج قبل سن 18. ولو حد عرف أننا متجوزين هتحصل مشكلة. وممكن كمان توصل لحبس. والمدرسة كمان هيفصلوني. فأحنا مش هنقدر نقول للناس أننا متجوزين دلوقت خالص. على الأقل لمدة سنتين عقبال لما نسجل جوازنا."

شحب وجه مريم وقالت.

"لكن أنا بعد سنتين مش هيبقى عندي 18 سنة."

"أنت دلوقت معك بطاقة شخصية تقول أن عندك 16 سنة اللي عملها لك عمي في البلد عن طريق معارفه هناك وصلته بالمأمور ودكتور الصحة. هو حكى لهم على ظروفك وعلى كل حاجة وهم قرروا يساعدوه. طلعوا لك تقرير طبي أن عمرك 16 سنة وعلى أساسه عملوا لك بطاقة بأسم مؤقت لأننا طبعا ما نعرفش أسم والدك الحقيقي أيه."

"طيب أنت بتقول دلوقت أننا مش هينفع نقول لأي حد أننا متجوزين. أمال هنقول أيه. أنا مين وقاعدة معك بصفتي أيه هنا في البيت؟"

"مش عارف. لغاية دلوقت مش عارف أحدد ولا أقرر أيه اللي ممكن نقوله علشان ما ندخلش في متاهة. ومن هنا لغاية لما نقرر هنقول أيه للناس يا ريت محدش يحس بيك هنا في الشقة. يعني مش هتقدري تخرجي كتير من الشقة هنا ولا نخلي أي حد يشوفك. لغاية بس لما نشوف لها حل مع عمي الاسبوع الجاي هنقول أيه وهنعمل أيه. فهمت ليه قولت ان كويس أن البواب ما شافناش لما رجعنا."

أومأت مريم برأسها وقالت بصوت خافت.

"فهمت."

"قومي بقى دلوقت غيري هدومك وفوقي كدة وأنا كمان أغير وطلعي الأكل اللي باعته معنا عمي. نتغدى وبعدين هأنزل أشتري طلبات من تحت. الثلاجة فاضية خالص ومافيهاش أي حاجة."

"حاضر."

بعد ساعة خرج خالد من غرفته ودخل المطبخ وجد مريم متحيرة تتلفت حولها.

"مالك واقفة كدة ليه؟"

"مش عارفة اسخن الاكل ازاي؟" +

"ليه؟"

"البوتاجاز ده مش عارفة اولعه منين مفيش كبريت."

"ده إشعال ذاتي مش محتاج كبريت. وكمان سخني في الميكروويف."

"مين؟ أيه الميكرو بتاع ده."

أبتسم خالد وقال لها

"أسمه ميكروويف مش بتاع. تعالي هوريك كل حاجة بتشتغل ازاي."

وقف خالد معها في المطبخ يساعدها على تحضير الأكل وشرح لها كيفية التعامل مع أدوات المطبخ كلها. أندهش خالد لسرعة تعلمها وذكاءها بالرغم من انها أمية لم تتعلم من قبل إلا أنها لا تحتاج لتكرار المعلومة وتستوعب كل ما يشرحه لها بسهولة. تحسر في سره أن فتاه ذكية مثلها كانت تعيش في الشوارع ولم تتلقى أي تعليم من قبل. فلو كانت تعيش حياة طبيعية ووسط أسرة عادية كانت ستتفوق بذكاءها وقوة ذاكرتها وقدرتها على الحفظ. عاهدها في سره أن يساعدها على تعلم ما تريد وما تحتاج لتعتمد على نفسها في حياتها.

مر اليوم عادي جدا بينهما. أكلا معا وتحدثا وناما كل منهما في غرفة منفصلة. بعد يومين، في أول يوم دراسة لخالد. أستيقظ وقت صلاة الفجر مثل عادته. طرق باب غرفة مريم ونادى عليها.

"مريم، يا مريم، قومي علشان الفجر."

فتحت الباب مريم وهي تفرك النوم عن عينيها وقالت.

"صباح الخير."

"صباح الخير، روحي اتوضي علشان الفجر خلاص هيأذن. أنا نازل أصلي في الجامع. عاوزة حاجة مني؟"

"لا ترجع بالسلامة. أجهز لك أيه تفطر به قبل ما تنزل للمدرسة؟"

"لا أنا مش بحب أفطر قبل ما أنزل."

"ما ينفعش يا خالد. لازم تاخد حاجة خفيفة. حتى لو هتشرب كوباية لبن."

"مش بحب. سلام بقى أحسن الأذان أذن أهه."

"مع السلامة. في حفظ الله."

خرج خالد ودخلت هي توضأت وصلت فرضها. عندما عاد خالد وجدها جهزت ملابسه. تجهز خالد لمدرسته وفاجأته مريم وهو خارج ببعض السندوتشات وثمرتين تفاح وبرتقال. نظر لها متعجبا وسألها.

"أيه ده؟"

"سندوتشات للمدرسة."

"أنا أه في مدرسة لكن مش إبتدائي. سندوتشات أيه ده اللي هأخدها معي. ما تديني مصروف أحسن وجيبي لي شيكولاتة ومصاصة."

أجابته مريم بضيق.

"يعني أنت عاوز تخرج من غير فطار ولا حتى تشرب كوباية لبن وكمان رافض تاخد معك سندوتشات. الحق علي أنا اللي بجهز لك الحاجات ده كلها من الفجر علشان بعد كدة تتريق علي."

ضحك خالد وقال.

"ما هو يا حبيبتي ما ينفعش ما أتريقش. أنت محسساني أني عيل صغير."
"صغير ولا كبير مش لازم تاكل يعني."

"خلاص ولا تزعلي نفسك. أنا هأخد التفاحة ده. خلاص أرتحت؟" +

"بألف هنا وشفا."

"مع السلامة. مش هأوصيك مش عاوز حد يحس بيك هنا خالص. رقم تليفوني مكتوب في ورقة جنب التليفون. لو احتجت حاجة أتصلي ولو أنا عرفت أرد عليك هأرد."

"حاضر. في حفظ الله. حاول ما تتأخرش."

"حاضر."

خرج خالد ونظرت مريم حولها لهذا المكان الفسيح والجديد عليها. لم تعلم ماذا تفعل. فدخلت غرفتها وبدأت تستمع لآيات الذكر الحكيم لتحفظ ما عليها من سور. فهي أنشغلت بما حدث في منزل إبراهيم ولم تحفظ شيء لمدة أسبوعين.

قبل الظهر، تجهزت مريم للصلاة ولبست إسدالها ودخلت المطبخ لتجهز الغذاء. كانت سماعات الاذن في أذنها ولم تشعر بدخول أحد ما الشقة. كانت مندمجة تماما فيما تسمع وفجأة شعرت بيد تقبض على كتفها، أستدارت وخلعت سماعات الأذن ووجدت رجل أمامها يصيح فيها.

"قفشتك يا حرامية. بتعملي أيه عندك يا بت؟ أنت مين ودخلت هنا أزاي؟"
الفصل الثالث عشر
فزعت مريم عندما رأت رجلا في بيتها يتهمها بالسرقة. توسلت إليه أن يتركها وحاولت أن تتصل بزوجها. ولكنه قبض عليها ولم يسمح لها بالاتصال بزوجها.

"أرجوك يا عم سيبني. أنا مش حرامية. أنا ضيفة خالد هنا. هو عارف أني قاعدة هنا. دقيقة واحدة أتصل به."

حاولت مريم أن تحرر نفسها من قبضته وتتصل بخالد ولكنه منعها. +

"تعالي هنا يا حرامية يا بنت الكلب. سي خالد عايش هنا لوحده. أنت ضيفته أزاي. وكمان أنت شكلك باين عليك. اللي أموت وأعرفه دخلت هنا أزاي؟"

"والله خالد هو اللي دخلني. أرجوك يا عم سيبني."

لم يستمع علي لرجاءها واستمر في سحبها بالغصب لخارج الشقة. عندما وصلت مريم لباب الشقة فزعت وسألته لأين يأخذها.

"أنت واخدني على فين؟ أرجوك أبوس أيديك سيبني. أنا مش حرامية."

"أخرصي يا حرامية. كويس أني طلعت أخد الزبالة وإلا ما كنتش شوفتك وكان زمانك قلبت الشقة. أتجري معي وإلا أجيب لك البوليس."

هلعت مريم لسماع لفظ 'البوليس' وكفت عن مقاومته. ولكن دموعها لم تكف فأستمرت بالبكاء حتى جرجرها للأسفل. أخرجها من بوابة العمارة وطردها.

"أطلعي برا وما أشوفش وشك هنا تاني. لو لمحتك ناحية العمارة تاني هوديك القسم وهناك هيحبسوك لغاية لما يظهر لك أهل."

"أتصل بس بخالد وأسأله. والله أنا مش حرامية." 2

دفعها علي خارج العمارة وأغلق البوابة.

"غوري من هنا. أشكال عكره."

سقطت مريم على الأرض من أثر دفع علي البواب لها. نهضت على الفور وحاولت العودة للعمارة ولكنه أغلق الباب في وجهها. طرقت الباب بكفيها الصغيرين وناداته من الخارج.

"أرجوك دخلني أنا مش حرامية. أنا ضيفة عند خالد."

لم يعبأ لها البواب بالا وجلس على الدكة بجوار بوابة العمارة المغلقة. ظلت مريم تطرق على الباب لدقائق حتى يئست. تذكرت تحذير زوجها ألا يشعر بها أحد ولا يعلم بزواجهم أحد وإلا سيتعرض لمشاكل ومسائلة قانونية. جلست على الرصيف بجانب العمارة تبكي.

فكرت في الهرب والعودة للشارع فهو مصيرها الذي لن تستطيع الهروب منه أبدا. يكفي كم المشاكل التي تتوالى على زوجها بسببها منذ لحظة تقابلهما في محطة القطار. فهي كانت السبب في خلق سوء تفاهم بينه وبين عمه الذي يحبه ويحترمه. والآن بسببها تتأثر سمعته في منزله ووسط جيرانه.
تذكرت مريم دفاعه عنها أمام زوجة عمه. وتيقنت أنه لن يقبل أبدا بالإتهام الموجه لها من حارس العمارة. علمت أنه سيضطر أن يخبرهم بزواجه ويتعرض لمشاكل قانونية وإحتمالية حبسه. كل هذا تعرض له ويتعرض له زوجها لمجرد مساعدته لها وظهورها في حياته. +

نهضت مريم وتحركت بخطى بطيئة ثقيلة بعيدا عن بيتها الذي نعمت به ليومين فقط. ولكن توقفت قدماها عندما تذكرت زوجها وإحتياجه لها الذي صارحها به قبل زواجهم. تذكرت حديثه عن وحدته وإحتياجه لونيس.

خشيت قلقه عليها وغضبه منها لتركه. شعرت بالعجز التام لا تعلم ماذا تفعل أو ماذا تخبرهم. إن أخبرتهم بزواجهما تعرض زوجها لخطر الحبس. وإن لم تخبرهم تسوء سمعة زوجها. عادت وجلست بجوار بوابة العمارة ودفنت رأسها بين ركبتيها وندبت حالها.

سمعت أم مصطفى زوجها يصيح بأعلى صوته فخرجت من غرفتها بسرعة وسألته عما حدث. قص علي لها ما حدث ومفاجأته عندما وجد طفلة في شقة خالد. ومما يثير حنقه هو تبجح السارقة وإدعاءها كذبا أنها ضيفة لخالد. راجعته زوجته في طرد الفتاة لإحتمالية صدقها وأن تكون بالفعل ضيفة لخالد. رفض علي هذا الإحتمال لأنه يعني وجود هذه الفتاة لغرض قذر وهو لا يتحمل السكوت على هذا الأمر أبدا.

حاولت أم مصطفى إقناع زوجها بالهدوء ليسمح للفتاة الدخول والإنتظار في الداخل لعودة خالد وسؤاله عن سبب تواجد هذه الفتاة في شقته. قبل مصطفى هذا الاقتراح على مضض وذهبت أم مصطفى لإحضار مريم.

نهضت أم مصطفى وفتحت بوابة العمارة. تلفتت يمينا يسارا ولمحت مريم جالسة على جانب الطريق. كانت محتضنة ساقيها ودافنة رأسها بين ركبتيها وجسدها يهتز من شهقات بكاءها. أقتربت منها وربتت على كتفها. رفعت مريم رأسها ونظرت لها بعينين كالجمر من البكاء. فقالت لها أم مصطفى بصوت حنون.

"قومي يا بنتي. تعالي معي."

أجابتها مريم بصوت مبحوح.

"أجي فين؟"

"تعالي أدخلي جوة. ما ينفعش تقعدي كدة في الشارع. أدخلي أستني سي خالد جوا عندنا."

قامت مريم وقبلت يد أم مصطفى تسحبها ورائها كمسلوبة الإرادة. أدخلتها أم مصطفى العمارة ثم دخلت بها لغرفة البواب. كانت غرفة بسيطة بها سرير وكنبة ويتوسطها حصيرة يجلس عليها طفلين أكبرهم طفل في الخامسة أو السادسة من العمر وأصغرهم طفلة في الثالثة من العمر. جلست مريم على الكنبة صامتة حتى سألتها أم مصطفى.

"أنت أسمك أيه؟"

"مريم."

"تعرفي سي خالد منين؟"

صمتت مريم ولم تجيبها. فهي تذكرت تحذير خالد لها أن يعلم بزواجهم أي شخص.

"طيب أنت هنا من أمتى؟"

"أنا جيت معه يوم الجمعة." +

"يعني أنت جاية معه من البلد."

صمتت مريم ثانية فهي لا تعلم ماذا تقول وماذا تخفي.

"طيب يا بنتي براحتك."

قامت أم مصطفى وتوجهت لركن من أركان الغرفة به بعض أدوات المطبخ. صنعت كوب عصير ليمون بارد وقدمته لمريم.

"خدي يا بنتي روقي دمك."

هزت مريم رأسها بالنفي وقالت لها بصوت خافت.

"لا متشكرة."

"خدي يا بنتي. أه احنا على قد الحال لكن حاجتنا نظيفة ما تخافيش."

أحرجت مريم من ظن أم مصطفى أنها رفضت تشرب لأنها عفت العصير، فقبلت منها العصير وبدأت تشربه.

"أنت في سنة كام؟"

خجلت مريم من السؤال فنظرت للأسفل وأجبتها

"أنا ما دخلتش مدارس."

"ولا يهمك يا قمر. أنت على فكرة عسولة خالص."

أبتسمت مريم وأرتشفت من العصير. بعد برهة من الصمت سألت مريم.

"أولادك دول؟"

"أه مصطفى وأمل."

"ربنا يبارك لك فيهم يا رب. قمرات خالص."

"شكرا يا قمر أنت. ما تزعليش من أبو مصطفى. هو بس بيعز سي خالد جدا وبيخاف على حاجته."

عبس وجه مريم لتذكرها ما حدث من نصف ساعة وقالت لها.

"والله أنا مش حرامية."

مسحت أم مصطفى الدموع التي أستأنفت فيضها من عيون مريم وقالت لها:

"ما تخافيش. أديك قاعدة معنا شوية تنورينا لغاية لما يجي سي خالد ويقول كل حاجة."

صمتت مريم وأنهت كوب العصير وأعطته لأم مصطفى.

"بألف هنا وشفا."

"متشكرة خالص."

"عن أذنك يا قمر. هأشوف أبو مصطفى وأرجع لك. ده بيتك ومطرحك."

"أتفضلي."

خرجت أم مصطفى وجلست بجوار زوجها بالخارج بجانب بوابة العمارة. سألها زوجها في لحظة جلوسها بجواره.

"عرفت منها حاجة؟"

"لا. كل اللي بتقوله أنها ضيفة."

"اللهم طولك يا روح."

"أهدى بس وبلاش تطلع زرابينك على البنية. ده بنت غلبانة ومنكسرة." +

نظر لها زوجها وقال بنبرة سخرية.

"منكسرة. ما البلاوي ما تطلعش غير من الغلابة المنكسرين دول."

"أهه سي خالد هيرجع بعد ساعة ونعرف منه كل حاجة. هدي أعصابك أنت بس."

"هي بقالها قد أيه قاعدة معه؟"

أجابته زوجته بصوت منخفض.

"بتقول من يوم الجمعة."

فز علي من مكانه وصاح في زوجته.

"يعني بقالهم ليلتين بايتين لحالهم في الشقة. ده ما يرضيش ربنا أبدا."

"ده عيلة صغيرة. أكيد الموضوع مش زي اللي في دماغك."

"ده عيلة ده. أنت اللي عيلة ولا فاهمة ولا حاجة. أنت ما بتقريش الاخبار ولا تعرفي ايه اللي بيحصل في الدنيا. احنا بقينا في عقب الزمن دلوقت."

"لا حول ولا قوة إلا بالله. سي خالد أخلاقه زي الجنيه الذهب. عمره ما يعمل حاجة تغضب ربنا أبدا."

"يا خبر بفلوس بعد ساعة يبقى ببلاش. أدخلي جوا وخلي عينك عليها. أوعي تسهيك وتهرب أو تعمل أي حاجة."

ابتسمت أم مصطفى وقالت بسخرية

"هتعمل أيه يا حسرة. هتسرقنا يعني."

"لا يا فالحة تسرق أي مفتاح من المفاتيح اللي جوا. قومي فزي أدخلي جوا وبطلي لك."

أنزعجت أم مصطفى من لهجة الغضب من زوجها وقامت تنفذ أمره.

"حاضر ما تزقش أديني داخلة لها أهه. الحق علي قولت أجي أروق دمك بدل ما أنت كنت هتفرقع من الغيظ."

تركته أم مصطفى ودخلت لغرفتها وجلست بجوار مريم ينتظرون عودة خالد. بعد ساعة عاد خالد من المدرسة ودخل من بوابة العمارة وناداه علي البواب.

"سي خالد يا سي خالد."

توقف خالد والتفت لعم علي وسأله.

"نعم يا عم علي في حاجة؟"

سمعت مريم صوت خالد فجرت خارج غرفة البواب وجرت عليه وارتمت في حضنه تبكي بشدة. تسمر خالد مكانه لما حدث وقلق عندما لاحظ بكاء مريم. ربت على رأسها بحنان وبيده الأخرى ملس على ظهرها.

"في أيه؟ مالك يا مريم؟"

لاحظ علي وأم مصطفى الموقف أمامهما وسأل خالد والغضب يملأ عينيه لما يراه.

"أنت تعرفها يا سي خالد؟"

خالد حرر نفسه من حضن مريم والتفت لعلي ومريم احتمت في ظهره وتعلقت بذراعه.

"أيوة يا عم علي. مريم ضيفة عندي."

"ضيفة أزاي يا سي خالد."

"ضيفة زي الناس. ضيفة من البلد وقاعدة معي."

"وده ينفع يا سي خالد. بنت تقعد معك وتقول ضيفة"

"وما ينفعش ليه؟ وكمان أنت مين علشان تحاسبني ولا تقول لي مين يقعد معي ومين ما يقعدش."

صاح علي بضيق

"ما ده ما يرضيش ربنا يا سي خالد."

"وأنا مش بغضب ربنا والحمد لله."

أخذ خالد مريم من يدها وتوجه للمصعد وترك علي يستشيط غضبا. صعدا معا لشقتهما وفي لحظة دخولهما الشقة أرتمت مريم في حضنه للمرة الثانية وأنهارت في البكاء. تحرك خالد بها لأقرب كنبة وجلس وأجلسها بجانبه وتركها لتهدأ قليلا ثم سألها.

"أيه اللي حصل؟ وليه خرجتي من البيت؟ مش قولت لك مش عاوز حد يحس بيك. في أول يوم أسيبك أرجع ألاقي العمارة كلها عارفة أنك عايشة معي."

"والله ما خرجت لوحدي. أنا كنت واقفة في المطبخ وفجأة لاقيته واقف قصادي ويقول لي يا حرامية. والله أنا ما خرجتش ولا خالفت أوامرك."

"نعم فهميني بالراحة كدة أيه اللي حصل وبلاش عياط."

قصت عليه مريم ما حدث من وقت دخول علي البواب الشقة وحتى رجوع خالد من المدرسة.

"وبعدين في الورطة ده هنعمل أيه أحنا كدة. الرجل فاهم وجودك هنا غلط وشكله مش هيجيبها لبر."

"أنا أسفة خالص والله يا خالد. على طول بسبب لك مشاكل. أنا أسفة. أنا ممكن أمشي من هنا."

"أنت هبلة يا بت. تمشي أزاي يعني. هو أنت قاعدة معي كدة وخلاص. هو مش أحنا أتجوزنا وكتبنا كتابنا. هو أنت مش مراتي ولا أيه. أيه الهبل اللي أنت بتقوليه ده. وأياك أسمع منك الكلمة ده تاني. قال أمشي قال."

صاح خالد فيها وتركها ودخل غرفته وجلست مريم مكانها تبكي على ما ورطت زوجها فيه.

يتبع

تعليقات

CLOSE ADS
CLOSE ADS
close